Полный текст (2 086 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
دليل مشروعية الكفالة
قال ابن رشد في المقدمات الممهدات (٢ / ٣٧٦) :
الكفالة بالمال جائزة في الشرع لازمة في صريح الحكم , وهي من المعروف.
مراجع إضافية
انظر فتح القدير (٥ / ٣٨٩) , مغني المحتاج (٢ / ١٩٨) , المغني (٥ / ٥٣٤)
стр. 317
الوصف الفقهي للكفالة
اتفق العلماء على أن الكفالة عقد تبرع لا معاوضة.
стр. 318
الكفالة من عقود التبرعات لأنها تقع بدون مقابل على سبيل بذل المعروف حيث تؤول إلى القرض حين يدفع الكفيل ويرجع على المكفول بما دفع ولذا يمتنع أخذ العوض عنها.
ذلك أنه إذا لم يجز أخذ العوض زيادة عن القرض لأنه من الربا المحرم فكذلك لا يجوز أخذ العوض عن الاستعداد للإقراض عن طريق الكفالة.
стр. 319
الحكم التكليفي للكفالة
يستحب الضمان لسائر المسلمين , لأنه من المعونة على الخير.
стр. 320
الكفالة مندوبة لكل من كان قادرا عليها واثقا بنفسه آمنا من التخلف عن الأداء وذلك لحاجة الناس إليها ولما فيها من دفع الضرر عن المدين.
وقد أتى النبي ﷺ بجنازة رجل ليصلي عليه , فقال: هل ترك شيئا؟ قالوا: لا , قال هل عليه دين؟ قالوا: نعم ديناران , فقال: صلوا على صاحبكم , قال أبو قتادة هما علي يا رسول الله , فصلى عليه النبي.
стр. 321
الكفالة بالمال
الكفالة أو الضمان نوعان بالاتفاق: كفالة بالمال وكفالة بالنفس.
والكفالة بالمال يطلق عليها كثير من الفقهاء: الضمان.
وقد يكون المكفول به دينا , وقد يكون عينا , والحكم يختلف في كل حالة منهما.
стр. 322
قد يكون المال المكفول به دينا , وقد يكون عينا. /٥٠/٥٠ الكفالة بالدين
الكفالة بالدين هي أن يلتزم الكفيل بما كان يلتزم به الأصيل من دين , فيؤديه في الزمان والمكان المتفق عليهما , وذلك مع مراعاة ما تضمنه عقد الكفالة من الشروط.
وذكر الحنفية أن كفالة المال قسمان:
- كفالة بنفس المال ومثالها أن يضمن مبلغا من المال أو دينا عند فلان وهو المدين.
- وكفالة بتقاضي المال أو بتسليم المال ومثالها أن يكون لشخص مال على رجل , فيقول رجل للدائن (الطالب) : ضمنت لك ما على فلان أن أقبضه وأدفعه إليك , هذا ليس من ضمان المال , وإنما كفالة بتقاضي المال ودفعه إلى الدائن. ومثل ذلك ضمان تقاضي المال من الغاصب للمغصوب منه.
الكفالة بالعين
الكفالة بالعين هي أن يلتزم الكفيل برد عينها إن كانت قائمة , وبرد مثلها أو قيمتها إذا تلفت.
وللفقهاء في حكم كفالة الأعيان تفصيل:
- إذا كانت الأعيان مضمونة بنفسها: وهي التي يجب على حائزها أن يردها إلى صاحبها بعينها إن كانت قائمة , فإن هلكت يرد مثلها إن كان لها مثل , أو قيمتها إن لم يكن لها مثل. وذلك كالعين المغصوبة , والعين المبيعة بعقد فاسد , والعين المقبوضة على سوم الشراء.
ذهب الحنفية والحنابلة إلى صحة كفالة هذا النوع من الأعيان. فيلتزم الكفيل برد العين ما دامت قائمة , أو يرد مثلها أو قيمتها إن تلفت.
وذهب المالكية إلى أنه لا تجوز الكفالة بالأعيان على أنه إذا استحق لزمه عينه , وإنما تصح إذا ضمن المعين على أنه إذا تلف بتعد أو تقصير التزم بدفع قيمته أو برد مثله , وعلى ذلك: إذا ضمن عين المغصوب لم يصح الضمان , ولكن إذا كفله على أنه ملزم بضمانه إذا تعذر رده صح الضمان.
وعند الشافعية في جواز كفالة الأعيان المضمونة قولان: يذهب أولهما إلى مثل ما ذهب إليه المالكية , ويذهب الآخر إلى صحة ضمان الأعيان المضمونة.
- إذا كانت الأعيان مضمونة بغيرها:
وهي التي يجب على حائزها أن يردها إلى صاحبها إن كانت قائمة , فإذا هلكت لا يجب عليه أن يرد مثلها ولا قيمتها. وذلك مثل المبيع في يد البائع قبل القبض فإنه مضمون بالثمن , فإذا هلك سقط الثمن عن المشترى إذا لم يكن دفعه ووجب على البائع رده إليه إن كان دفعه. وكذلك الرهن في يد المرتهن فإنه مضمون بالدين إذا كانت قيمته لا تزيد عليه وإلا كان مضمونا بقدر قيمته من الدين.
ذهب الفقهاء إلى أنه لا تجوز الكفالة بهذه الأعيان المضمونة بغيرها , فإذا هلكت لا يجب على الكفيل رد مثلها أو قيمتها لأنها إذا هلكت تهلك على صاحب الدين بما هو مضمون به , فالمبيع مضمون بالثمن وإذا هلك في يد البائع سقط الثمن عن المشترى.
وقال الحنفية والحنابلة أن هذا النوع من الأعيان يجوز ضمان تسليمه فقط ما دام قائما , فإذا هلك سقطت الكفالة.
- إذا كانت الأعيان أمانة واجبة التسليم:
وهي التي تعد أمانة في يد حائزها الذي يكون ملتزما بأن يسعى إلى تسليمها إلى أصحابها. وذلك مثل العارية في يد المستعير والعين المستأجرة في يد المستأجر.
ذهب الفقهاء إلى أنه تجوز الكفالة بتسليم هذا النوع من الأمانات لوجوب التسليم على صاحب اليد , ولكن لا تصح الكفالة بالأعيان الواجبة التسليم متى هلكت , فلا يلزم الكفيل رد قيمتها ولا يلزمه شيء لكونها أمانة والأمانة إذا هلكت بلا تعد ولا تقصير تهلك مجانا لأنها غير مضمونة على من في يده , فكذلك على ضامنه.
وقد ذهب الحنابلة والمالكية وجمع من الفقهاء إلى أنه يصح ضمان هذا النوع من الأعيان (مثل الوديعة والعين المؤجرة والشركة والمضاربة والعين التي تدفع للخياط وغيرها) , على أنه إذا هلكت تلك الأعيان بتعد أو تقصير لزم الحائز ضمانها وكذلك لزم ضامنه ذلك لأنها مضمونة على من هي في يده.
وقال المالكية إنها كفالة معلقة على ثبوت الدين.
стр. 323
قال القدوري ونقله عنه المرغيناني في الهداية وشرحه الكمال بن الهمام في فتح القدير (٥ / ٣٩١) :
الكفالة ضربان: كفالة بالنفس , وكفالة بالمال , ويدخل في الكفالة بالمال الكفالة بالأعيان. والكفالة بالنفس جائزة , والمضمون بها إحضار المكفول به. ثم نقل عن الشافعي أن الكفالة بالنفس لا تجوز , وهو قول مخالف للقول الأظهر عندهم , وهو أنها جائزة , كقولنا.
وقال في الدر المختار (٤ / ٦٧٩) :
ولا تصح الكفالة بنفس حد وقصاص لأن النيابة لا تجرى في العقوبات.
وقال ابن رشد في المقدمات الممهدات (٢ / ٣٧٩) :
الكفالة تنقسم على قسمين: حمالة بالمال وحمالة بالوجه , فأما الحمالة بالمال فإنها لازمة في الحياة وبعد الممات , كانت في أصل البيع أو بعد عقد البيع , لأنها وان كانت من المعروف , فكأنها إنما خرجت عن عوض وهو ما رضي به المتحمل له من دفع سلعته أو تأخير غريمه.
وأيضا فإنه إذا غرم يرجع بما غرم.
وفي (ص ٣٩٩) قال: وأما الحمالة بالوجه , فإنها جائزة إذا كان المتحمل به مطلوبا بمال , ولم يكن مطلوبا بشيء يجب عليه في بدنه من قتل أوحد أو قصاص أو تعزير.
وقال العلامة خليل وشارحه الدردير في الشرح الصغير والصاوي في الحاشية (٣ / ٤٢٩ - ٤٣٠) :
شمل تعريف الضمان أنواعه الثلاثة أي ضمان الذمة أي (ضمان المال) وضمان الوجه أي (ضمان النفس) وضمان الطلب , سواء كان الطلب على وجه الإتيان به لرب الدين أي (وهو ضمان الوجه) أو مجردا عن ذلك , أي (وهو ضمان الطلب) لأنه تفتيش لا غير.
وقال النووي في متن المنهاج وشارحه الشربيني الخطيب في مغني المحتاج (٢ / ٢٠٣ - ٢٠٤) :
المذهب صحة كفالة البدن في الجملة , وتسمى أيضا كفالة الوجه (وهي التزام إحضار المكفول له للحاجة إليها) لمن عليه مال أو لمن عليه عقوبة لآدمي كقصاص وحد قذف , والمذهب منعها في حدود الله تعالى , كحد الخمر والزنى والسرقة , لأنه يسعى في دفعها ما أمكن , أي تصح في حدود الآدمي.
وقال الخرقي في متنه وابن قدامة في المغني (٤ / ٥٥٦ - ٥٥٧) كما قال الشافعية:
ومن كفل بنفس , لزمه ما عليها وان لم يسلمها , وجملة ذلك أن الكفالة بالنفس صحيحة في قول أكثر أهل العلم. وهذا مذهب شريح ومالك والثوري والليث وأبي حنيفة. ولا تصح الكفالة ببدن من عليه حد , سواء كان حقا لله تعالى كحد الزنى والسرقة , أو لآدمي كحد القذف والقصاص.
وهذا قول أكثر أهل العلم , منهم شريح والحسن وبه قال إسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأي , وبه قال الشافعي في حدود الله تعالى واختلف قوله في حدود الآدمي. فقال في موضع: لا كفالة في حدود الآدمي ولا لعان , وقال في موضع: تجوز الكفالة بمن عليه حق أو حد , لأنه حق لآدمي , فصحت الكفالة به كسائر حقوق الآدميين. ودليلنا ما روى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي أنه قال: لا كفالة في حد ولأنه حد , فلم تصح الكفالة فيه , كحدود الله تعالى , ولأن الكفالة استيثاق , والحدود مبناها على الإسقاط والدرء بالشبهات , فلا يدخل فيها الاستيثاق ولأنه حق لا يجوز استيفاؤه من الكفيل إذا تعذر عليه إحضار المكفول به , فلم تصح الكفالة بمن هو عليه كحد الزنى.
وعبارة البهوتي في كشاف القناع عن متن الإقناع (٣ / ٣٦٢ - ٣٦٤) تشبه مع شيء من التفصيل العبارة السابقة , قال: /٥٠ لا تصح الكفالة ببدن من عليه حد أو قصاص لإقامة الحد , لأنه لا يجوز استيفاؤه من الكفيل , كحد زنى وسرقة وقذف وشرب , إلا إذا كفل ببدنه لأجل مال بالدفع , أي بالعفو إلى الدية ليدفعها , وإلا إذا ضمن السلامة بسبب غرم السرقة , أي المسروق , فتصح , لأنه حق مالي.
قال في الدر المختار ورد المحتار (٤ / ٢٧٩) :
لا تصح الكفالة بنفس حد وقصاص , لأن النيابة لا تجري في العقوبات. ولا تصح بحمل دابة معينة مستأجرة له وخدمة عبد معين مستأجر للخدمة , لأنه يلزم تغيير المعقود عليه , بخلاف غير المعين , لوجوب مطلق الفعل , لا التسليم لأنه لو كان الواجب التسليم , لزم صحة الكفالة في المعينة أيضا لأن الكفالة بتسليمها صحيحة.
وجاء في المجلة (م٦٣٢) :
لا تجري النيابة في العقوبات , بناء عليه , لا تصح الكفالة بالقصاص وسائر العقوبات والمجازات الشخصية , ولكن تصح الكفالة بالأرش والدية اللذين يلزمان الجارح والقاتل.
وجاء في مجلة الأحكام الشرعية عند الحنابلة (م١١٣٠) :
لا تصح الكفالة ببدن من عليه قصاص أوحد أو تعزير لإقامة الحد أو التعزير , أما إذا كفله لغرم السرقة أو لأجل الدية الواجبة بالعفو عن القصاص صح.
وقال النووي في المنهاج وشرحه مغني المحتاج (٢ / ٢٠٣ - ٢٠٤) :
والمذهب صحة الكفالة ببدن من عليه عقوبة لآدمي كقصاص وحد قذف , ومنعها في حدود الله تعالى.
стр. 324
الكفالة بالنفس
الكفالة نوعان: كفالة بالمال وكفالة بالنفس.
والكفالة بالنفس يطلق عليها البعض: كفالة البدن أو الوجه.
وقد تكون الكفالة بإحضار من عليه دين , أو بإحضار من عليه حد من الحدود.
واختلف الفقهاء في حكم كل حالة. فلا تجوز الكفالة في الحدود والقصاص والتعزير عند الجمهور , أما عند الشافعية فهي لا تجوز في الحدود الخالصة لله تعالى , وتجوز في الحدود المتعلقة بحق الآدمي.
وانفرد المالكية بذكر نوع خاص من الكفالة: ضمان الطلب وهو يدخل في ضمان النفس , حيث أنه التزام طلب الغريم والتفتيش عليه إن تغيب والدلالة عليه دون الالتزام بإحضاره.
стр. 325
الكفالة بالنفس (أو الكفالة بالوجه أو البدن) هي التزام إحضار المكفول إلى المكفول له أو إلى مجلس الحكم أو نحو ذلك.
والكفالة بالنفس تكون في الحقوق المالية أساسا , وتكون كذلك في الحقوق غير المالية مثل حق القصاص من المعتدي وغيرها , فهي إذن نوعان:
كفالة بإحضار من عليه دين ,
كفالة بإحضار من عليه حد.
وانفرد المالكية بذكر نوع ثالث من الكفالة: ضمان الطلب وهو يدخل في ضمان النفس , حيث أنه التزام طلب الغريم والتفتيش عليه إن تغيب والدلالة عليه دون الالتزام بإحضاره.
واختلف الفقهاء في حكم كل حالة.
الكفالة بإحضار من عليه دين (الكفالة في غير الحدود)
أجاز أئمة المذاهب الأربعة كفالة النفس إذا كانت بسبب المال , (الكفالة بإحضار من عليه حق مالي) , لقوله تعالى: ﴿قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم﴾ (يوسف: ٦٦) .
وهذا يفيد مشروعية الكفالة بنوعيها ولأن ما وجب تسليمه بعقد , وجب تسليمه بعقد الكفالة كالمال ولأن الكفيل يقدر على تسليم الأصيل بأن يعلم من يطلبه مكانه , فيخلى بينه وبينه , أو يستعين بأعوان القاضي في التسليم , والحاجة ماسة إلى هذا النوع من الكفالة وقد أمكن تحقيق معنى الكفالة - في رأي الحنفية - وهو الضم في المطالبة فيه.
وقد روى البخاري عن أبى الزناد عن محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي عن أبيه: (أن عمر ﵁ بعثه مصدقا , فوقع رجل على جارية امرأته فأخذ حمزة من الرجل كفلاء حتى قدم على عمر وكان عمر قد جلده مائة جلدة , فصدقهم , وعذره بالجهالة) , قال ابن حجر استفيد من هذه القصة مشروعية الكفالة بالأبدان , فإن حمزة بن عمرو الأسلمي صحابي , فقد فعله , لم ينكر عليه عمر مع كثرة الصحابة حينئذ.
وروى البخاري كذلك قول جرير والأشعث لعبد الله بن مسعود في المرتدين: (استتبهم وكفلهم , فتابوا وكفله عشائرهم) قال ابن حجر قال ابن المنير (قياس) أخذ البخاري الكفالة بالأبدان في الديون من الكفالة بالأبدان في الحدود بطريق الأولى والكفالة بالنفس قال بها الجمهور.
وقد اختلف النقل عن الشافعي في حكم كفالة البدن , لأنه نص عليها وقال - في موضع - هي ضعيفة , وقال - في موضع آخر -: إنها جائزة إلا في الحدود.
وهكذا اختلف فقهاء الشافعية في حكم كفالة البدن: فعلى طريقة ابن سريج كفالة البدن تصح قطعا , للحاجة إليها , وهذا هو المشهور , وعليه المذهب , ومعنى قول الشافعي إن كفالة البدن ضعيفة - على هذا الرأي - أنها ضعيفة من جهة القياس , لأن الشخص الحر لا يدخل تحت اليد ولا يقدر على تسليمه , وأنها لا توجب ضمان المال.
وذهب بعض الشافعية إلى أن في حكم كفالة البدن قولين:
أحدهما أنها لا تصح , لأنه ضمان عين في الذمة بعقد , فلم يصح كسلم في ثمر نخلة بعينها
والثاني: تصح - وهو الأظهر - للخبر المتقدم , ولأن البدن يستحق تسليمه بالعقد , فجاز الكفالة به كالدين.
الكفالة بإحضار من عليه حد (الكفالة في الحدود) .
لا تجوز الكفالة في الحدود والقصاص عند الحنفية والمالكية والحنابلة , لتعذر الاستيفاء من الكفيل , لأن النيابة لا تجري في العقود , فلا تفيد الكفالة فائدتها. ودليلهم حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - مرفوعا -: لا كفالة في حد ولأن الكفالة استيثاق , والحدود مبناها على الدرء والإسقاط بالشبهات , فلا يلائمها الاستيثاق ولأن الحق لا يجوز استيفاؤه من الكفيل إذا تعذر عليه إحضار المكفول به.
ومعنى عدم جواز الكفالة بالحدود والقصاص عند الحنفية: عدم جواز الإجبار على إعطاء الكفالة , فإن سمحت نفس المدعى عليه , وتبرع بإعطاء الكفالة في حالة القصاص والحد الذي فيه حق للعبد: وهو حد القذف وحد السرقة , جازت الكفالة بالنفس , لأنها كفالة بمضمون على الأصيل , مقدور الاستيفاء من الكفيل , فتصح كالكفالة بتسليم نفس من عليه الدين.
فإذا لم يتبرع المدعى عليه: وهو الذي توجه عليه الحد أو القصاص , فلا تجوز الكفالة عند أبي حنيفة أي لا يجبر على تقديم كفيل بنفسه بإحضاره في مجلس القضاء , لإثبات ادعاء خصمه عليه , لأن الكفالة لا تتلاءم مع الحدود كما عرفنا. وحينئذ يحبسه القاضي حتى تقام عليه البينة أو يستوفى الحد.
وقال الصاحبان: يجبر على تقديم كفيل بنفسه في القصاص وفي حد القذف , لأن فيهما حق العبد , فيليق الاستيثاق.
وصرح الشافعية بقولهم: المذهب أنه لا تجوز كفالة النفس أو البدن في الحدود الخالصة لله تعالى , كحد الخمر والزنى والسرقة , لأنه يسعى في دفعها ما أمكن وتجوز كفالة تسليم النفس في الحدود الخالصة للآدمي كقصاص وحد القذف , وتعزير , لأنها حق لآدمي فصحت الكفالة , كسائر حقوق الآدميين. أي أن الشافعية يخالفون الجمهور في تجويز الكفالة في الحدود المتعلقة بحق العبد.
ضمان الطلب عند المالكية /٥٠ ضمان الطلب هو التزام طلب المضمون والتفتيش عليه إن تغيب وإن لم يأت به لرب الحق. فيصح في غير المال من الحقوق البدنية كالقصاص والتعازير والحدود , بخلاف ضمان الوجه.
وألفاظه: مثل أنا حميل بطلبه , أو على طلبه , أولا أضمن إلا طلبه , أو أن يشترط نفي المال , كأن يقول: اضمن وجهه (نفسه) بشرط عدم غرم المال إن لم أجده.
وعليه أن يطلب المضمون بما يقوى عليه عادة , إن غاب عند حلول الأجل عن البلد وما قرب منه , وعلم موضعه. وأما الحاضر فيطلبه في البلد وما قاربه إذا جهل موضعه. ويفهم من قوله (علم موضعه) أنه لا يكلف بالتفتيش عنه.
ويحلف إن قصر في طلبه ولم يعلم موضعه. ولا غرم عليه إلا إذا فرط في الطلب , كأن ترك طلبه في مكان يظن أنه به , أو يهربه , أو يعلم موضعه ولم يدل رب الحق عليه.
وهذا النوع في الواقع اعتبره الإمام مالك كفالة وجه مع شرط عدم غرم المال , لأن ضمان النفس أو الوجه يلزم فيه الضامن بغرم المال إذا لم يحضر المضمون.
стр. 326
قال القدوري ونقله عنه المرغيناني في الهداية وشرحه الكمال بن الهمام في فتح القدير (٥ / ٣٩١) :
الكفالة ضربان: كفالة بالنفس , وكفالة بالمال , ويدخل في الكفالة بالمال الكفالة بالأعيان. والكفالة بالنفس جائزة , والمضمون بها إحضار المكفول به. ثم نقل عن الشافعي أن الكفالة بالنفس لا تجوز , وهو قول مخالف للقول الأظهر عندهم , وهو أنها جائزة , كقولنا.
وقال في الدر المختار (٤ / ٦٧٩) :
ولا تصح الكفالة بنفس حد وقصاص لأن النيابة لا تجرى في العقوبات.
وقال ابن رشد في المقدمات الممهدات (٢ / ٣٧٩) :
الكفالة تنقسم على قسمين: حمالة بالمال وحمالة بالوجه , فأما الحمالة بالمال فإنها لازمة في الحياة وبعد الممات , كانت في أصل البيع أو بعد عقد البيع , لأنها وان كانت من المعروف , فكأنها إنما خرجت عن عوض وهو ما رضي به المتحمل له من دفع سلعته أو تأخير غريمه.
وأيضا فإنه إذا غرم يرجع بما غرم.
وفي (ص ٣٩٩) قال: وأما الحمالة بالوجه , فإنها جائزة إذا كان المتحمل به مطلوبا بمال , ولم يكن مطلوبا بشيء يجب عليه في بدنه من قتل أوحد أو قصاص أو تعزير.
وقال العلامة خليل وشارحه الدردير في الشرح الصغير والصاوي في الحاشية (٣ / ٤٢٩ - ٤٣٠) :
شمل تعريف الضمان أنواعه الثلاثة أي ضمان الذمة أي (ضمان المال) وضمان الوجه أي (ضمان النفس) وضمان الطلب , سواء كان الطلب على وجه الإتيان به لرب الدين أي (وهو ضمان الوجه) أو مجردا عن ذلك , أي (وهو ضمان الطلب) لأنه تفتيش لا غير.
وقال النووي في متن المنهاج وشارحه الشربيني الخطيب في مغني المحتاج (٢ / ٢٠٣ - ٢٠٤) :
المذهب صحة كفالة البدن في الجملة , وتسمى أيضا كفالة الوجه (وهي التزام إحضار المكفول له للحاجة إليها) لمن عليه مال أو لمن عليه عقوبة لآدمي كقصاص وحد قذف , والمذهب منعها في حدود الله تعالى , كحد الخمر والزنى والسرقة , لأنه يسعى في دفعها ما أمكن , أي تصح في حدود الآدمي.
وقال الخرقي في متنه وابن قدامة في المغني (٤ / ٥٥٦ - ٥٥٧) كما قال الشافعية:
ومن كفل بنفس , لزمه ما عليها وان لم يسلمها , وجملة ذلك أن الكفالة بالنفس صحيحة في قول أكثر أهل العلم. وهذا مذهب شريح ومالك والثوري والليث وأبي حنيفة. ولا تصح الكفالة ببدن من عليه حد , سواء كان حقا لله تعالى كحد الزنى والسرقة , أو لآدمي كحد القذف والقصاص.
وهذا قول أكثر أهل العلم , منهم شريح والحسن وبه قال إسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأي , وبه قال الشافعي في حدود الله تعالى واختلف قوله في حدود الآدمي. فقال في موضع: لا كفالة في حدود الآدمي ولا لعان , وقال في موضع: تجوز الكفالة بمن عليه حق أو حد , لأنه حق لآدمي , فصحت الكفالة به كسائر حقوق الآدميين. ودليلنا ما روى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي أنه قال: لا كفالة في حد ولأنه حد , فلم تصح الكفالة فيه , كحدود الله تعالى , ولأن الكفالة استيثاق , والحدود مبناها على الإسقاط والدرء بالشبهات , فلا يدخل فيها الاستيثاق ولأنه حق لا يجوز استيفاؤه من الكفيل إذا تعذر عليه إحضار المكفول به , فلم تصح الكفالة بمن هو عليه كحد الزنى.
وعبارة البهوتي في كشاف القناع عن متن الإقناع (٣ / ٣٦٢ - ٣٦٤) تشبه مع شيء من التفصيل العبارة السابقة , قال: /٥٠ لا تصح الكفالة ببدن من عليه حد أو قصاص لإقامة الحد , لأنه لا يجوز استيفاؤه من الكفيل , كحد زنى وسرقة وقذف وشرب , إلا إذا كفل ببدنه لأجل مال بالدفع , أي بالعفو إلى الدية ليدفعها , وإلا إذا ضمن السلامة بسبب غرم السرقة , أي المسروق , فتصح , لأنه حق مالي.
قال في الدر المختار ورد المحتار (٤ / ٢٧٩) :
لا تصح الكفالة بنفس حد وقصاص , لأن النيابة لا تجري في العقوبات. ولا تصح بحمل دابة معينة مستأجرة له وخدمة عبد معين مستأجر للخدمة , لأنه يلزم تغيير المعقود عليه , بخلاف غير المعين , لوجوب مطلق الفعل , لا التسليم لأنه لو كان الواجب التسليم , لزم صحة الكفالة في المعينة أيضا لأن الكفالة بتسليمها صحيحة.
وجاء في المجلة (م٦٣٢) :
لا تجري النيابة في العقوبات , بناء عليه , لا تصح الكفالة بالقصاص وسائر العقوبات والمجازات الشخصية , ولكن تصح الكفالة بالأرش والدية اللذين يلزمان الجارح والقاتل.
وجاء في مجلة الأحكام الشرعية عند الحنابلة (م١١٣٠) :
لا تصح الكفالة ببدن من عليه قصاص أوحد أو تعزير لإقامة الحد أو التعزير , أما إذا كفله لغرم السرقة أو لأجل الدية الواجبة بالعفو عن القصاص صح.
وقال النووي في المنهاج وشرحه مغني المحتاج (٢ / ٢٠٣ - ٢٠٤) :
والمذهب صحة الكفالة ببدن من عليه عقوبة لآدمي كقصاص وحد قذف , ومنعها في حدود الله تعالى.
стр. 327
صيغة الكفالة
اتفق الفقهاء على أن الكفالة لا تنعقد بغير الإيجاب بصيغة تدل على الالتزام , ولا يجوز أن يشرط الكفيل الخيار لنفسه. أما القبول فهو ليس بشرط عند الجمهور خلافا لما ذهب إليه أبو حنيفة من اشتراط إيجاب من الكفيل وقبول من المكفول له.
وقد تكون الكفالة منجزة أي تترتب آثارها في الحال بمجرد وجود الصيغة مستوفاة شروطها , كما قد تكون معلقة , أو مضافة إلى زمن مستقبل. وأجاز الحنفية خلافا للشافعية تعليق الكفالة بشرط ملائم لمقتضى العقد , كما أجازوا إضافتها لوقت في المستقبل معلوم أو مجهول جهالة غير فاحشة.
وقد ذكر الفقهاء أن الكفالة تصح مطلقة غير مقيدة بحسب حال الدين , وتصح مقيدة بوصف التأجيل أو بوصف الحلول أي يصح ضمان الدين الحال مؤجلا وضمان الدين المؤجل حالا , لأن الضمان تبرع , والحاجة تدعو إليه , فيصح على حسب ما التزم به الضامن سواء كان أجل الكفالة مماثلا لأجل الدين أو أزيد منه أو أنقص.
стр. 328
الإيجاب والقبول
الأصل في التصرفات الشرعية أن تتم بإيجاب وقبول , ولهذا ذهب أبو حنيفة ومحمد - وهو رأي عند الشافعية - إلى أن صيغة الكفالة تتركب من إيجاب يصدر من الكفيل وقبول يصدر عن المكفول له , لأن الكفالة عقد يملك به المكفول له حق مطالبة الكفيل أو حقا ثبت في ذمته فوجب قبوله.
ويترتب على ذلك أن الكفالة لا تتم بعبارة الكفيل وحده سواء كانت الكفالة بالنفس أو بالمال بل لا بد من قبول المكفول له.
وذهب أبو يوسف والمالكية , والحنابلة , وهو الأصح عند الشافعية: إلى أن صيغة الكفالة تتم بإيجاب الكفيل وحده , ولا تتوقف على قبول المكفول له , لأن الكفالة مجرد التزام من الكفيل بأداء الدين , لا معاوضة فيه , بل هو تبرع ينشأ بعبارته وحده , فيكفى فيه إيجاب الكفيل.
وإيجاب الكفيل يتحقق بكل لفظ يفهم منه التعهد والالتزام والضمان صراحة أو ضمنا , كما يتحقق بكل تعبير عن الإرادة يؤدى هذا المعنى.
وأما رضا المكفول عنه , أي الأصيل , فلا يشترط باتفاق العلماء , لأن قضاء دين الغير بغير إذنه جائز , فالتزامه أولى ولأنه يصح الضمان عن الميت اتفاقا ما عدا أبا حنيفة وإن لم يترك وفاء لديه , بأن كان مفلسا.
الخيار في الكفالة
لا يجوز اشتراط الكفيل الخيار لنفسه , لأن الكفالة عقد لازم , لا يناسبها الخيار وهذا ما صرح به فقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة , وغيرهم , فإنهم قالوا: لا يثبت في الضمان والكفالة خيار لأن الخيار لدفع الغبن , وطلب الحظ , أي جعل ليعرف ما فيه الحظ , والضمين والكفيل على بصيرة أنه مغبون ولا حظ لهما.
ولهذا يقال (الكفالة أولها شهامة وأوسطها ملامة , وآخرها غرامة) ولأنه عقد لا يفتقر إلى القبول , فلم يدخله خيار كالنذر.
قال ابن قدامة وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي لا نعلم عن أحد خلافهم.
وقال أبو حنيفة إذا اشترط الكفيل الخيار في الضمان صح الضمان وبطل الشرط.
الكفالة المعلقة
الكفالة المعلقة هي التي يعلق وجودها على وجود شيء آخر.
وقد ذهب الحنفية والمالكية وفي رواية عند الحنابلة إلى أن الكفالة تكون صحيحة إذا علقت على الشروط الملائمة ولا تكون صحيحة إذا علقت على شرط غير ملائم , بينما منع الشافعية تعليق الكفالة بشرط.
والشرط الملائم عند الحنفية هو:
- الشرط الذي يكون سببا لوجوب الحق , كقول الكفيل للمشترى: أنا كفيل لك بالثمن إذا استحق المبيع.
- أو الشرط الذي يكون سببا لإمكان الاستيفاء , كقول الكفيل للدائن: إذا قدم فلان (أي المكفول عنه) فأنا كفيل بدينك عليه.
- أو الشرط الذي يكون سببا لتعذر الاستيفاء , كقول الكفيل للدائن: إن غاب فلان (أي المدين) عن البلدة فأنا كفيل بالدين.
- كما ذهب الحنفية إلى صحة الكفالة المعلقة بشرط جرى به العرف , كما لو قال الكفيل: إن لم يؤد فلان ما لك عليه من دين إلى ستة أشهر فأنا له ضامن.
أما إذا علقت الكفالة على شرط غير ملائم , كقوله: إن هبت الريح أو إن نزل المطر أو إن دخلت الدار فأنا كفيل , فلا تصح الكفالة لأن تعليق الكفالة على شرط غير ملائم لا يظهر فيه غرض صحيح. ومع ذلك فقد ذهب بعض فقهاء المذهب الحنفي إلى صحة الكفالة فتثبت حالة ويلغو التعليق.
وخلافا لما ذهب إليه الجمهور من الأخذ بجواز تعليق الكفالة بالشرط الملائم , وهو ما يساعد الكفيل المتبرع بأن يكون على بينة من أمره فلا يلتزم ولا يتحمل أكثر مما يطيقه. فقد منع الشافعية تعليق الضمان والكفالة سواء أكان الشرط المعلق عليه ملائما أم كان غير ملائم , لأن كلا من الضمان والكفالة عقد كالبيع , وهو لا يجوز تعليقه بالشرط.
الكفالة المضافة
ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز إضافة الكفالة بالمال إلى أجل مستقبل كأن يقول الكفيل: أنا ضامن لك هذا المال أو هذا الدين ابتداء من أول الشهر القادم.
وفي هذه الحالة لا يكون كفيلا إلا في ذلك الوقت , أما قبله فلا يعد كفيلا ولا يطالب بالمال.
أما عند الشافعية فلا يجوز ذلك سواء كان الأجل معلوما أو مجهولا.
والكفالة المضافة عند الجمهور تجوز إذا كان التأجيل إلى وقت معلوم أو مجهول جهالة غير فاحشة كإضافة الكفالة إلى الحصاد أو إلى مهرجان أو غيره مما هو متعارف بين الناس لأن هذه الجهالة ليست فاحشة فتتحملها الكفالة.
أما إن لم يكن الأجل متعارفا بين الناس , كالتأجيل إلى مجيء المطر , أو هبوب الريح , فالأجل باطل لأنه ليس من الآجال المتعارفة أو المنضبطة أما الكفالة فهي صحيحة وتكون منجزة.
الكفالة المقيدة
الكفالة المطلقة جائزة وفقا لشروطها المشروعة وهي لا تتقيد إلا بوصف الدين أي أنها تلزم بما يتصف به ذلك الدين من الحلول أو التأجيل:
- فإن كان الدين المكفول حالا , كانت الكفالة حالا.
- وإن كان الدين المكفول مؤجلا , كانت الكفالة مؤجلة.
ولكن قد تتقيد الكفالة إما بوصف التأجيل أو بوصف الحلول على النحو التالي:
تقيد الكفالة بوصف التأجيل:
يكون الدين المكفول هنا حالا , وتضاف كفالته إلى زمن مستقبل مؤجل. وذلك كأن يقول الكفيل للدائن: كفلت لك دينك الذي على فلان ابتداء من أول الشهر الآتي. وهذا جائز باتفاق الفقهاء بدليل ما ثبت في السنة من حمالة الرسول ﷺ لدين حال مؤجلا شهرا.
وفي هذه الحالة لا يكون للكفالة أثر إلا عند الزمن المؤجل (من أول الشهر الآتي) فيتأجل الدين بالنسبة إلى الكفيل وحده بسبب إضافة الكفالة. أما بالنسبة إلى المدين الأصيل فلا يتغير وصف الدين بل يظل حالا.
وقيل يكون التأجيل في حق الاثنين معا إذا كان التأجيل في نفس العقد لأن الأجل صفة للدين , والدين واحد.
تقيد الكفالة بوصف الحلول:
يكون الدين المكفول هنا مؤجلا إلى أجل معلوم كشهر أو سنة , وتنعقد الكفالة حالا أي يتبرع الكفيل بتعجيل الدين. وقد ذكر الفقهاء أنه يجوز أن يكون أجل الكفالة مماثلا لأجل الدين أو أزيد منه أو أنقص لأن المطالبة بالدين حق الدائن المكفول له , فله أن يتفق مع الكفيل والمدين على ما يشاء.
ولكن يرى جمهور الفقهاء أن الكفيل هنا لا يلزمه الوفاء بالتعجيل كما لا يلزم الأصيل أي أن الكفالة لا تجعل المؤجل حالا.
стр. 329
جاء في مرشد الحيران (م٨٢٢)
لا تصح الكفالة بإيجاب الكفيل وحده ما لم يقبل الطالب أو نائبه ولو فضوليا في مجلس العقد.
وجاء في المجلة (م٦٢١) :
تنعقد الكفالة وتنفذ بإيجاب الكفيل فقط , وهذا مطابق لنص المادة (١١٢٧) من مجلة الأحكام الشرعية عند الحنابلة.
المغني (٥ / ٩٤ - ٩٥)
لا يدخل الضمان والكفالة خيار , لأن الخيار جعل ليعرف ما فيه الحظ , والضمين والكفيل على بصيرة أنه لا حظ لهما ولأنه عقد لا يفتقر إلى القبول , فلم يدخله خيار كالنذر. وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي لا نعلم عن أحد خلافهم.
فإن شرط الخيار فيهما فقال القاضي: عندي أن الكفالة تبطل , وهو مذهب الشافعي لأنه شرط ما ينافي مقتضاها ففسدت , كما لو شرط ألا يؤدي ما على المكفول به , وذلك لأن مقتضى الضمان والكفالة لزوم ما ضمنه أو كفل به , والخيار ينافي ذلك ويحتمل أن يبطل الشرط وتصح الكفالة.
وقال النووي في روضة الطالبين (٤ / ٢٦٠)
لو شرط الضامن أو الكفيل الخيار لنفسه , لم يصح الضمان , فلو شرط للمضمون له , لم يضر , لأن الخيار في المطالبة , والإبراء له أبدا.
الكاساني في البدائع (٦ / ٣ - ٥)
عبارته تصور تماما ما ذكرته في الأحوال الأربعة.
ابن قدامة في المغني (٤ / ٥٤٤) :
(حول تأجيل الدين الحال في الكفالة)
إذا ضمن الدين الحال مؤجلا , صح , ويكون حالا على المضمون عنه , مؤجلا على الضامن , يملك مطالبة المضمون عنه دون الضامن. وبهذا قال الشافعي. قال أحمد في رجل ضمن ما على فلان أن يؤديه في ثلاث سنين , فهو عليه , ويؤديه كما ضمن , ووجه ذلك: ما روى ابن عباس أن رجلا لزم غريما له بعشرة دنانير على عهد رسول الله ﷺ , فقال: ما عندي شيء أعطيكه. فقال: والله لا أفارقنك حتى تقضيني أو تأتيني بحميل , فجره إلى النبي ﷺ , فقال له النبي ﷺ : كم تستنظره ,؟ قال: شهرا , قال رسول الله ﷺ فأنا أحمل. فجاء في الوقت الذي قال النبي ﷺ , فقال النبي ﷺ : من أين أصبت هذا؟ قال: من معدن , قال: لا خير فيها , وقضاها عنه. رواه ابن ماجة في سننه , ولأنه ضمن مالا بعقد مؤجل فكان مؤجلا كالبيع.
وأضاف ابن قدامة في المغني (٦ / ٥٥٨) :
تصح الكفالة حالة ومؤجلة , كما يصح الضمان حالا ومؤجلا , إذا أطلق كانت حالة , لأن كل عقد يدخله الحلول , اقتضى كالثمن الضمان فإذا تكفل حالا كان له مطالبته بإحضاره , فإن أحضره وهناك يد حائلة ظالمة , لم يبرأ منه , ولم يلزم المكفول له تسلمه , لأنه لا يحصل له غرضه وأن لم تكن يد حائلة , لزمه قبوله , فإن قبله برئ من الكفالة.
وفي ص (٥٦٠) : /٥٠ وان كفل إلى أجل مجهول لم تصح الكفالة , وبهذا قال الشافعي لأنه ليس له وقت يستحق مطالبته فيه , وهكذا الضمان وان جعله إلى الحصاد والجذاذ والعطاء , خرج على الوجهين في البيع , والأولى صحتها هنا , لأنه تبرع من غير عوض , جعل له أجلا , لا يمنع من حصول المقصود منه , فصح كالنذر. وهكذا كل مجهول لا يمنع مقصود الكفالة.
وجاء في مجلة الأحكام الشرعية الحنبلية (م١٠٣٢) :
لا تصح الكفالة إلى أجل مجهول جهالة فاحشة كمجيء المطر وهبوب الريح , أما إلى الحصاد والجذاذ وقدوم الحاج مما لا يمنع مقصود الكفالة فتصح.
وفي ص (٥٤٥) : /٥٠ وإذا ضمن دينا مؤجلا عن إنسان فمات أحدهما , إما الضامن وإما المضمون عنه , فهل يحل الدين على الميت منهما؟ على روايتين , رجح أن الدين لا يحل. وقال البهوتي في كشاف القناع (٣ / ٣٦١ - ٣٦٢) مؤيدا هذا الترجيح: إن قضى الضامن الدين المؤجل قبل أجله لم يرجع على المضمون عنه حتى يحل أجله , لأنه لا يجب له أكثر مما كان للغريم ولأنه متبرع بالتعجيل , فلم يرجع قبل الأجل , كما لو قضاه أكثر من الدين. وان مات المضمون عنه أو الضامن , لم يحل الدين , لأن التأجيل حق من حقوق الميت , فلم يبطل بموته كسائر حقوقه وإن مات الضامن والمضمون عنه فكذلك , أي لم يحل الدين , لما تقدم.
وجاء في المهذب (١ / ٣٤١) :
ويجوز أن يضمن الدين الحال إلى أجل , لأنه رفق ومعروف , فكان على حسب ما يدخل فيه , وهل يجوز أن يضمن المؤجل حالا؟ فيه وجهان -
أحدهما: يجوز كما يجوز أن يضمن الحال مؤجلا ,
والثاني: لا يجوز , لأن الضمان فرع لما على المضمون عنه , فلا يجوز أن يكون الفرع معجلا والأصل مؤجلا.
وقال العلامة خليل وشارحه الدردير في الشرح الكبير (٣ / ٣٣١ - ٣٣٢) :
وصح ضمان الدين المؤجل حالا على الضامن وان كان الدين مما يعجل , أي يجوز تعجيله , وهو العين مطلقا والعرض والطعام من قرض لا من بيع , لما فيه من حفظ الضمان وأزيدك , ويجوز عكسه: وهو ضمان الحال مؤجلا بشرطين:
أحدهما: أن يكون الغريم الذي عليه الدين موسرا حتى لا يقع في سلف جر نفعا.
والثاني: أن يكون الغريم معسرا واستمر عسره إلى انقضاء الأجل , حتى لا يحصل سلف بتأخيره , لوجوب انتظار المعسر.
وجاء في مرشد الحيران (م٨٢٨) :
يصح أن تكون الكفالة منجزة أو مضافة إلى زمن مستقبل أو معلقة بشرط ملائم , بأن يكون شرطا لوجوب الحق أو لإمكان الاستيفاء أو لتعذره.
وفي مجلة الأحكام الشرعية عند الحنابلة (م١١٥٢) :
يصح تعليق الكفالة بشرط وتوقيتها , مثلا: لو قال: إذا قدم الحاج فأنا كفيل بفلان , أو أنا كفيل بزيد شهرا , صح , ويطالب به إذا وجد الشرط في الصورة الأولى , وفي داخل الشهر في الصورة الثانية , ويبرأ بمضي الشهر إذا لم يطالبه فيه.
стр. 330
شروط الكفيل
يشترط جمهور الفقهاء رضا الكفيل لأن العقد لا ينعقد إلا بإيجاب منه
كما يشترط فيه أن يكون أهلا للتبرع وذلك بأن يكون عاقلا , بالغا , حرا , لأن الكفالة بالاتفاق تبرع محض , لا مصلحة فيها للكفيل.
стр. 331
يشترط كون الكفيل أهلا للتبرع بأن يكون عاقلا بالغا حرا.
فلا تنعقد كفالة الصغير والمجنون والمعتوه والمبرشم الذي يهذي , لأن الكفالة عقد تبرع بالتزام المال , فلا تنعقد ممن ليس أهلا للتبرع وهذا شرط متفق عليه , وهو المعبر عنه بالرشد , أي صلاح المال عند الجمهور , وصلاح الدين والمال عند الشافعية , لأن الكفالة تصرف مالي.
فلا تصح الكفالة من مجنون وصبي , ولو كان مميزا , ومحجورا عليه بسفه , وإن أذن الولي عند الجمهور لعدم رشدهم , ولأن الضمان التزام مال لا فائدة له فيه , فلم يصح منه , كالتبرع والنذر , بخلاف البيع وقال القاضي أبو يعلى تصح كفالة السفيه المحجور عليه ويتبع لها بعد فك الحجر عنه , أي فهو شرط نفاذ , لا شرط انعقاد لأن من أصول الحنابلة أن إقراره صحيح يتبع به بعد فك الحجر عنه , فكذلك ضمانه.
ورأي الجمهور أولى , لأن الضمان إيجاب مال بعقد , فلم يصح من المحجور عليه لسفه كالبيع والشراء ولا يشبه الإقرار , لأنه إخبار بحق سابق.
وقال الرافعي من الشافعية وفي رواية عند الحنابلة: تصح كفالة الصبي المميز مع إذن الولي وهي خلاف الصحيح من المذهب , ولا تقاس على البيع , لأن الضمان غرر كله بلا مصلحة.
أما المحجور عليه لفلس فيصح ضمانه ويتبع به بعد فك الحجر عنه , لأنه من أهل التصرف , والحجر عليه في ماله , لا في ذمته , فأشبه الراهن , فيصح تصرفه فيما عدا الرهن , فهو كما لو اقترض أو أقر أو اشترى في ذمته فعدم الحجر لفلس شرط نفاذ لا شرط انعقاد.
وأما الحرية: فهي شرط نفاذ للتصرف فلا تجوز كفالة العبد , لأنها تبرع , والعبد لا يملك التبرع بدون إذن سيده ولكن الكفالة تنعقد , حتى إن العبد يطالب بموجبها بعد عتقه. والآن لا رق يبحه الإسلام , كما أفتى مجمع البحوث الإسلامية.
وأما المريض مرض الموت: فحكم ضمانه حكم تبرعه لا يصح فيما يزيد عن ثلث ماله , إلا بإجازة الوارث.
وأما المرأة: فتصح كفالتها كالرجل عند الجمهور وانفرد المالكية بالقول بأن:
- المرأة ذات الزوج تصح كفالتها في حدود الثلث فقط , ولا تنفذ فيما زاد عن الثلث إلا إذا كانت الزيادة يسيرة كالدينار أو الشيء الخفيف إلا بإجازة الزوج , فلا تلزم كفالتها حينئذ وان صحت , لأن في الزيادة على الثلث إضرارا بالزوج فلا تصح الكفالة إلا إذا كانت بموافقة الزوج نفسه , وكانت مرضية في تصرفها , غير سفيهة في حالها.
- وفي حال الزيادة اليسيرة تنفذ , لأنه يعلم أنها لم ترد به الضرر. وتصح كفالتها عن زوجها وإن بلغت جميع مالها بإذنه. وهذا كله مبني عندهم على أن المرأة محجورة في تصرفها بمالها.
стр. 332
قال في المغني (٤ / ٥٣٧) :
من أحكام الكفالة: صحة الضمان عن كل من وجب عليه حق , حيا كان أو ميتا , مليئا أو مفلسا , لعموم لفظه فيه , وهذا قول أكثر أهل العلم.
وقال أبو حنيفة لا يصح ضمان دين الميت إلا أن يخلف وفاء , فإن خلف بعض الوفاء , صح ضمانه بقدر ما خلف , لأنه دين ساقط فلم يصح ضمانه , كما لو سقط بالإبراء ولأن ذمته قد خربت خرابا لا تعمر بعده , فلم يبق فيها دين , والضمان: ضم ذمة إلى ذمة في التزامه.
ولنا: حديث أبي قتادة وعلي فإنهما ضمنا دين ميت لم يخلف وفاء , والنبي ﷺ حضهم على ضمانه في حديث أبى قتادة بقوله: ألا قام أحدكم فضمنه؟ وهذا صريح في المسألة ولأنه دين ثابت , فصح ضمانه , كما لو خلف وفاء ودليل ثبوته: أنه لو تبرع رجل بقضاء دينه جاز لصاحب الدين اقتضاؤه. ولو ضمنه حيا ثم مات , لم تبرأ ذمة الضامن. ولو برئت ذمة المضمون عنه , برئت ذمة الضامن , وفي هذا انفصال عما ذكروه.
قال ابن قدامة في المغني (٤ / ٥٦٢)
تفتقر صحة الكفالة إلى رضا الكفيل , لأنه لا يلزمه الحق ابتداء إلا برضاه. ولا يعتبر رضا المكفول له , لأنها وثيقة له , لا قبض فيها , فصحت من غير رضاه فيها , كالشهادة ولأنها التزام حق له من غير عوض , فلم يعتبر رضاه فيها كالنذر.
قال الشيرازي في المهذب (١ / ٣٤٠)
يصح الضمان من غير رضا المضمون عنه , لأنه لما جاز قضاء دينه من غير رضاه , جاز ضمان ما عليه من غير رضاه.
وقال البهوتي في كشاف القناع (٣ / ٣٥٤)
ولا يصح الضمان إلا برضا الضامن , فلا يصح ضمان المكره , لأنه التزام مال , فلم يصح بغير رضا الملتزم كالنذر. ولا يعتبر لصحة الضمان رضا المضمون له , لأن أبا قتادة ضمن الميت بغير رضا المضمون له , وأقره الشارع ﷺ ولا يعتبر أيضا رضا المضمون عنه , قال في المبدع: بغير خلاف نعلمه , لحديث أبي قتادة ولأنه لو قضى الدين عنه بغير إذنه ورضاه صح , فكذا إذا ضمن عنه ولا يعتبر أيضا معرفة الضامن لهما , أي للمضمون له والمضمون عنه , لأنه لا يعتبر رضاهما , فكذا معرفتهما.
الكاساني في البدائع (٦ / ٦ - ٧)
يشترط في المكفول له أن يكون معلوما , وأن يكون في مجلس العقد , وهو شرط الانعقاد عند أبي حنيفة ومحمد إذا لم يقبل عنه حاضر في المجلس , وتفريع على مذهبهما أن يكون عاقلا , فلا يصح قبول المجنون والصبي الذي لا يعقل , لأنهما ليسا من أهل القبول , ولا يجوز قبول وليهما عنهما , لأن القبول يعتبر ممن وقع له الإيجاب , ومن وقع له الإيجاب ليس من أهل القبول , ومن قبل , لم يقع الإيجاب له , فلا يعتبر قبوله. وأما حرية المكفول له فليست شرطا , لأن العبد من أهل القبول.
وقال في الدر المختار (٤ / ٢٧٨) :
ولا تصح الكفالة بجهالة المكفول عنه ولا بجهالة المكفول له.
قال الحطاب في مواهب الجليل (٥ / ١٠٠)
ولا يشترط معرفة المضمون له.
قال النووي في المنهاج وشارحه الشربيني الخطيب في مغني المحتاج (٢ / ٢٠٠)
والأصح اشتراط معرفة المضمون له: وهو مستحق الدين لتفاوت الناس في استيفاء الدين تشديدا وتسهيلا , وأفتى ابن الصلاح وغيره بأن معرفة وكيل المضمون له كمعرفته وأنه لا يشترط قبوله ورضاه , ولا يشترط رضا المضمون عنه (وهو المدين) قطعا ولا معرفته في الأصح.
وقال ابن قدامة في المغني (٥ / ٥٣٥)
ولا يعتبر أن يعرفهما (المضمون عنه وله) الضامن وقال القاضي أبو يعلى يعتبر معرفتهما , ليعلم هل المضمون عنه أهل لاصطناع المعروف إليه أو لا؟ وليعرف المضمون له , فيؤدى إليه. وذكر وجها آخر. أنه تعتبر معرفة المضمون له لذلك , ولا تعتبر معرفة المضمون عنه , لأنه لا معاملة بينه وبينه , ولأصحاب الشافعي ثلاثة أوجه نحو هذه.
وقال المنهاجي في جواهر العقود (١ / ١٨١)
وأما ضمان المال: فإنه يجوز بثلاثة شرائط: أن يعلم لمن هو , وكم هو , وعلى من هو؟
وذكر ابن العربي في أحكام القرآن (٣ / ١٠٨٥)
في جهالة المضمون له: قال علماؤنا: هي جائزة , وتجوز عندهم أيضا مع جهالة الشيء المضمون أو كليهما. ومن العجب أن أبا حنيفة والشافعي اتفقا على أنه لا تجوز الكفالة مع جهالة المكفول له وادعى أصحاب أبي حنيفة أن هذا الخبر: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ منسوخ من الآية خاصة.
стр. 333
شروط الأصيل
لا خلاف بين الفقهاء في عدم اشتراط رضا الأصيل المكفول عنه لأن قضاء دينه بغير إذنه جائز , فكفالته أولى كما قال الفقهاء.
ولكن اشترط أبو حنيفة شرطين في المدين الأصيل: معرفته , وقدرته على تسليم المكفول به.
ولم يوافقه أكثر الفقهاء , بل إنهم أجازوا أن يكون المكفول عنه مجهولا كما أجازوا كفالة الدين عن الميت المفلس.
стр. 334
لا خلاف بين الفقهاء في عدم اشتراط رضا الأصيل المكفول عنه لأن قضاء دينه بغير إذنه جائز , فكفالته أولى كما قال الفقهاء. ولكن اختلف الفقهاء في مدى حق الكفيل في الرجوع على المكفول عنه إذا كفله بغير إذنه.
وبالرغم من إجماع الأئمة على عدم اشتراط رضا المكفول عنه , فإنهم اختلفوا في موضعين هما: معرفته , وقدرته على تسليم المكفول به.
شرط معرفة المكفول عنه:
- اشترط الحنفية والقاضي أبو يعلى من الحنابلة أن يكون الأصيل معروفا عند الكفيل , فإذا قال الكفيل: كفلت ما على أحد من الناس , لا تصح الكفالة , لأن الناس لم يتعارفوا ذلك. ولأن اشتراط هذا الشرط إنما هو لأجل معرفة المكفول عنه: هل هو موسر أو ممن يبادر إلى قضاء دينه أو يستحق اصطناع المعروف أو لا.
ولا يشترط حضرة الأصيل , فتجوز الكفالة عن غائب أو محبوس , لأن الحاجة إلى الكفالة في الغالب تظهر في مثل هذه الأحوال.
وقال الشافعية والحنابلة: الأصح أنه لا يشترط معرفة المكفول عنه , قياسا على رضاه , فإنه ليس بشرط. وأما اصطناع المعروف , فهو معروف , سواء أكان لأهله أم لغير أهله.
شرط قدرة المكفول عنه على تسليم المكفول به:
هذا الشرط خاص عند أبي حنيفة وهو أن يكون الأصيل قادرا على تسليم المكفول به , إما بنفسه وإما بنائبه. فلا تصح الكفالة عنده بالدين عن ميت مفلس مات ولم يترك وفاء لدينه , لأنه دين ساقط , فلم يصح ضمانه , كما لو سقط بالإبراء ولأن ذمة الميت قد زالت بالموت , فلم يبق فيها دين والضمان عنده: ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة به.
وذهب الصاحبان وجمهور الفقهاء: إلى أنه يصح ضمان الدين عن الميت المفلس , بدليل حديث أبي قتادة السابق ذكره , فإنه ضمن دين ميت لم يترك شيئا لوفاء دينه , والنبي ﷺ حض الصحابة على ضمان دين الميت في حديث أبي قتادة بقوله: ألا قام أحدكم فضمنه؟ ولأن دين الميت دين ثابت , فصح ضمانه كما لو خلف وفاء لدينه.
والدليل على ثبوت هذا الدين: أنه لو تبرع رجل بقضائه , جاز لصاحب الدين اقتضاؤه , وكذا لو ضمنه حيا , ثم مات , لم تبرأ ذمة الضامن , مما يدل على أنه لم تبرأ ذمة المضمون عنه.
стр. 335
قال في المغني (٤ / ٥٣٧) :
من أحكام الكفالة: صحة الضمان عن كل من وجب عليه حق , حيا كان أو ميتا , مليئا أو مفلسا , لعموم لفظه فيه , وهذا قول أكثر أهل العلم.
وقال أبو حنيفة لا يصح ضمان دين الميت إلا أن يخلف وفاء , فإن خلف بعض الوفاء , صح ضمانه بقدر ما خلف , لأنه دين ساقط فلم يصح ضمانه , كما لو سقط بالإبراء ولأن ذمته قد خربت خرابا لا تعمر بعده , فلم يبق فيها دين , والضمان: ضم ذمة إلى ذمة في التزامه.
ولنا: حديث أبي قتادة وعلي فإنهما ضمنا دين ميت لم يخلف وفاء , والنبي ﷺ حضهم على ضمانه في حديث أبى قتادة بقوله: ألا قام أحدكم فضمنه؟ وهذا صريح في المسألة ولأنه دين ثابت , فصح ضمانه , كما لو خلف وفاء ودليل ثبوته: أنه لو تبرع رجل بقضاء دينه جاز لصاحب الدين اقتضاؤه. ولو ضمنه حيا ثم مات , لم تبرأ ذمة الضامن. ولو برئت ذمة المضمون عنه , برئت ذمة الضامن , وفي هذا انفصال عما ذكروه.
قال ابن قدامة في المغني (٤ / ٥٦٢)
تفتقر صحة الكفالة إلى رضا الكفيل , لأنه لا يلزمه الحق ابتداء إلا برضاه. ولا يعتبر رضا المكفول له , لأنها وثيقة له , لا قبض فيها , فصحت من غير رضاه فيها , كالشهادة ولأنها التزام حق له من غير عوض , فلم يعتبر رضاه فيها كالنذر.
قال الشيرازي في المهذب (١ / ٣٤٠)
يصح الضمان من غير رضا المضمون عنه , لأنه لما جاز قضاء دينه من غير رضاه , جاز ضمان ما عليه من غير رضاه.
وقال البهوتي في كشاف القناع (٣ / ٣٥٤)
ولا يصح الضمان إلا برضا الضامن , فلا يصح ضمان المكره , لأنه التزام مال , فلم يصح بغير رضا الملتزم كالنذر. ولا يعتبر لصحة الضمان رضا المضمون له , لأن أبا قتادة ضمن الميت بغير رضا المضمون له , وأقره الشارع ﷺ ولا يعتبر أيضا رضا المضمون عنه , قال في المبدع: بغير خلاف نعلمه , لحديث أبي قتادة ولأنه لو قضى الدين عنه بغير إذنه ورضاه صح , فكذا إذا ضمن عنه ولا يعتبر أيضا معرفة الضامن لهما , أي للمضمون له والمضمون عنه , لأنه لا يعتبر رضاهما , فكذا معرفتهما.
الكاساني في البدائع (٦ / ٦ - ٧)
يشترط في المكفول له أن يكون معلوما , وأن يكون في مجلس العقد , وهو شرط الانعقاد عند أبي حنيفة ومحمد إذا لم يقبل عنه حاضر في المجلس , وتفريع على مذهبهما أن يكون عاقلا , فلا يصح قبول المجنون والصبي الذي لا يعقل , لأنهما ليسا من أهل القبول , ولا يجوز قبول وليهما عنهما , لأن القبول يعتبر ممن وقع له الإيجاب , ومن وقع له الإيجاب ليس من أهل القبول , ومن قبل , لم يقع الإيجاب له , فلا يعتبر قبوله. وأما حرية المكفول له فليست شرطا , لأن العبد من أهل القبول.
وقال في الدر المختار (٤ / ٢٧٨) :
ولا تصح الكفالة بجهالة المكفول عنه ولا بجهالة المكفول له.
قال الحطاب في مواهب الجليل (٥ / ١٠٠)
ولا يشترط معرفة المضمون له.
قال النووي في المنهاج وشارحه الشربيني الخطيب في مغني المحتاج (٢ / ٢٠٠)
والأصح اشتراط معرفة المضمون له: وهو مستحق الدين لتفاوت الناس في استيفاء الدين تشديدا وتسهيلا , وأفتى ابن الصلاح وغيره بأن معرفة وكيل المضمون له كمعرفته وأنه لا يشترط قبوله ورضاه , ولا يشترط رضا المضمون عنه (وهو المدين) قطعا ولا معرفته في الأصح.
وقال ابن قدامة في المغني (٥ / ٥٣٥)
ولا يعتبر أن يعرفهما (المضمون عنه وله) الضامن وقال القاضي أبو يعلى يعتبر معرفتهما , ليعلم هل المضمون عنه أهل لاصطناع المعروف إليه أو لا؟ وليعرف المضمون له , فيؤدى إليه. وذكر وجها آخر. أنه تعتبر معرفة المضمون له لذلك , ولا تعتبر معرفة المضمون عنه , لأنه لا معاملة بينه وبينه , ولأصحاب الشافعي ثلاثة أوجه نحو هذه.
وقال المنهاجي في جواهر العقود (١ / ١٨١)
وأما ضمان المال: فإنه يجوز بثلاثة شرائط: أن يعلم لمن هو , وكم هو , وعلى من هو؟
وذكر ابن العربي في أحكام القرآن (٣ / ١٠٨٥)
في جهالة المضمون له: قال علماؤنا: هي جائزة , وتجوز عندهم أيضا مع جهالة الشيء المضمون أو كليهما. ومن العجب أن أبا حنيفة والشافعي اتفقا على أنه لا تجوز الكفالة مع جهالة المكفول له وادعى أصحاب أبي حنيفة أن هذا الخبر: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ منسوخ من الآية خاصة.
стр. 336
شروط المكفول له
لم يشترط جمهور الفقهاء - خلافا للحنفية على وجه الخصوص - رضا المكفول له بالكفالة وقبوله لها كما لم يشترطوا فيه البلوغ والعقل , وكذلك وجوب معرفته من قبل الكفيل.
стр. 337
أن يكون المكفول له معلوما للكفيل:
اشترط الحنفية في المكفول له وهو الدائن أن يكون معلوما للكفيل سواء كانت الكفالة منجزة أو معلقة أو مضافة. فإن كان مجهولا , كما لو قال: أنا كفيل بما يحصل من هذا الدلال من ضرر على الناس , لم تصح الكفالة. ذلك أنه إذا كان المكفول له مجهولا , لا يتحقق المقصود من الكفالة , وهو التوثق.
وهذا موافق لمذهب الشافعية في الأصح عندهم , لأن مستحقي الدين يتفاوتون عادة في استيفاء الدين تشديدا وتسهيلا , وليعلم الضامن هل المكفول له هو أهل لإسداء الجميل إليه أم لا.
وأجاز المالكية والحنابلة الضمان مع جهالة المكفول له. فإذا قال الضامن: أنا ضامن الدين الذي على زيد للناس - وهو لا يعرف عين من له الدين - فالكفالة صحيحة هنا لما ثبت في السنة (أن أبا قتادة كفل دين الميت دون أن يعرف المكفول له) .
ودليل ذلك أيضا في قوله تعالى: ﴿نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ (يوسف ٧٢) لأن المنادي لم يكن مالكا , وإنما كان نائبا عن يوسف ﵇ فشرط حمل البعير على يوسف ﵇ لمن جاء بالصواع , وتحمل هو به عن يوسف.
أن يكون المكفول له حاضرا في مجلس العقد:
وهذا شرط انعقاد عند أبي حنيفة ومحمد إذا لم يكن هناك نائب عن المكفول له يقبل الكفالة في المجلس فلو كفل إنسان الغائب عن المجلس , فبلغه الخبر , فأجاز , لا تجوز الكفالة عندها إذا لم يقبل عنه حاضر في المجلس , ودليلهما: أن في الكفالة معنى التمليك , أي تمليك المطالبة من الطالب , والتمليك لا يحصل إلا بالإيجاب والقبول , فلا بد من توافره لإتمام صيغة العقد , والموجود شطر العقد , فلا يتوقف على ما وراء مجلس العقد.
وعن أبي يوسف روايتان , والقول المتأخر عنه: أن الكفالة عن الغائب تجوز لأن معنى الكفالة , وهو الضم والالتزام يتم بإيجاب الكفيل , فكان إيجابه صالحا وحده لإتمام العقد وهذا الرأي هو رأي جمهور الفقهاء القائلين بأن الكفالة تنعقد بإرادة منفردة , أي بالإيجاب وحده.
أن يكون المكفول له عاقلا
ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة ومعهم أبو يوسف إلى عدم اشتراط البلوغ والعقل في المكفول له لأن الكفالة تنعقد بإيجاب الكفيل دون حاجة إلى قبول المكفول له , فلا يلزم أن يكون أهلا للقبول.
وذهب أبو حنيفة ومحمد - وهو رأي عند الشافعية - إلى اشتراط أن يكون المكفول له بالغا عاقلا , لأن الكفالة تحتاج إلى إيجاب من الكفيل وقبول من المكفول له. ويجوز قبول الصبي المميز والسفيه , لأن ضمان حقه نفع محض , فلا يتوقف على إجازة وليهما.
стр. 338
قال في المغني (٤ / ٥٣٧) :
من أحكام الكفالة: صحة الضمان عن كل من وجب عليه حق , حيا كان أو ميتا , مليئا أو مفلسا , لعموم لفظه فيه , وهذا قول أكثر أهل العلم.
وقال أبو حنيفة لا يصح ضمان دين الميت إلا أن يخلف وفاء , فإن خلف بعض الوفاء , صح ضمانه بقدر ما خلف , لأنه دين ساقط فلم يصح ضمانه , كما لو سقط بالإبراء ولأن ذمته قد خربت خرابا لا تعمر بعده , فلم يبق فيها دين , والضمان: ضم ذمة إلى ذمة في التزامه.
ولنا: حديث أبي قتادة وعلي فإنهما ضمنا دين ميت لم يخلف وفاء , والنبي ﷺ حضهم على ضمانه في حديث أبى قتادة بقوله: ألا قام أحدكم فضمنه؟ وهذا صريح في المسألة ولأنه دين ثابت , فصح ضمانه , كما لو خلف وفاء ودليل ثبوته: أنه لو تبرع رجل بقضاء دينه جاز لصاحب الدين اقتضاؤه. ولو ضمنه حيا ثم مات , لم تبرأ ذمة الضامن. ولو برئت ذمة المضمون عنه , برئت ذمة الضامن , وفي هذا انفصال عما ذكروه.
قال ابن قدامة في المغني (٤ / ٥٦٢)
تفتقر صحة الكفالة إلى رضا الكفيل , لأنه لا يلزمه الحق ابتداء إلا برضاه. ولا يعتبر رضا المكفول له , لأنها وثيقة له , لا قبض فيها , فصحت من غير رضاه فيها , كالشهادة ولأنها التزام حق له من غير عوض , فلم يعتبر رضاه فيها كالنذر.
قال الشيرازي في المهذب (١ / ٣٤٠)
يصح الضمان من غير رضا المضمون عنه , لأنه لما جاز قضاء دينه من غير رضاه , جاز ضمان ما عليه من غير رضاه.
وقال البهوتي في كشاف القناع (٣ / ٣٥٤)
ولا يصح الضمان إلا برضا الضامن , فلا يصح ضمان المكره , لأنه التزام مال , فلم يصح بغير رضا الملتزم كالنذر. ولا يعتبر لصحة الضمان رضا المضمون له , لأن أبا قتادة ضمن الميت بغير رضا المضمون له , وأقره الشارع ﷺ ولا يعتبر أيضا رضا المضمون عنه , قال في المبدع: بغير خلاف نعلمه , لحديث أبي قتادة ولأنه لو قضى الدين عنه بغير إذنه ورضاه صح , فكذا إذا ضمن عنه ولا يعتبر أيضا معرفة الضامن لهما , أي للمضمون له والمضمون عنه , لأنه لا يعتبر رضاهما , فكذا معرفتهما.
الكاساني في البدائع (٦ / ٦ - ٧)
يشترط في المكفول له أن يكون معلوما , وأن يكون في مجلس العقد , وهو شرط الانعقاد عند أبي حنيفة ومحمد إذا لم يقبل عنه حاضر في المجلس , وتفريع على مذهبهما أن يكون عاقلا , فلا يصح قبول المجنون والصبي الذي لا يعقل , لأنهما ليسا من أهل القبول , ولا يجوز قبول وليهما عنهما , لأن القبول يعتبر ممن وقع له الإيجاب , ومن وقع له الإيجاب ليس من أهل القبول , ومن قبل , لم يقع الإيجاب له , فلا يعتبر قبوله. وأما حرية المكفول له فليست شرطا , لأن العبد من أهل القبول.
وقال في الدر المختار (٤ / ٢٧٨) :
ولا تصح الكفالة بجهالة المكفول عنه ولا بجهالة المكفول له.
قال الحطاب في مواهب الجليل (٥ / ١٠٠)
ولا يشترط معرفة المضمون له.
قال النووي في المنهاج وشارحه الشربيني الخطيب في مغني المحتاج (٢ / ٢٠٠)
والأصح اشتراط معرفة المضمون له: وهو مستحق الدين لتفاوت الناس في استيفاء الدين تشديدا وتسهيلا , وأفتى ابن الصلاح وغيره بأن معرفة وكيل المضمون له كمعرفته وأنه لا يشترط قبوله ورضاه , ولا يشترط رضا المضمون عنه (وهو المدين) قطعا ولا معرفته في الأصح.
وقال ابن قدامة في المغني (٥ / ٥٣٥)
ولا يعتبر أن يعرفهما (المضمون عنه وله) الضامن وقال القاضي أبو يعلى يعتبر معرفتهما , ليعلم هل المضمون عنه أهل لاصطناع المعروف إليه أو لا؟ وليعرف المضمون له , فيؤدى إليه. وذكر وجها آخر. أنه تعتبر معرفة المضمون له لذلك , ولا تعتبر معرفة المضمون عنه , لأنه لا معاملة بينه وبينه , ولأصحاب الشافعي ثلاثة أوجه نحو هذه.
وقال المنهاجي في جواهر العقود (١ / ١٨١)
وأما ضمان المال: فإنه يجوز بثلاثة شرائط: أن يعلم لمن هو , وكم هو , وعلى من هو؟
وذكر ابن العربي في أحكام القرآن (٣ / ١٠٨٥)
في جهالة المضمون له: قال علماؤنا: هي جائزة , وتجوز عندهم أيضا مع جهالة الشيء المضمون أو كليهما. ومن العجب أن أبا حنيفة والشافعي اتفقا على أنه لا تجوز الكفالة مع جهالة المكفول له وادعى أصحاب أبي حنيفة أن هذا الخبر: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ منسوخ من الآية خاصة.
стр. 339
يشترط في المكفول به أن يكون دينا لازما صحيحا
يشترط في المكفول به: أن يكون الدين لازما صحيحا: وهو ما لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء ,
وقد اختلف الفقهاء على اتجاهين في ضمان ما لم يجب ,
فمنعه فريق وهم الحنفية والشافعية , وأجاز آخرون الضمان في كل حق من الحقوق الواجبة أو التي تؤول إلى الوجوب في المستقبل.
стр. 340
يشترط في المكفول به أن يكون دينا لازما صحيحا , وهو ما لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء. وهذا شرط خاص بكفالة المال , وهو شرط متفق عليه في الجملة بين المذاهب.
فيصح ضمان كل دين لازم كالثمن والأجرة وعوض القرض ودين السلم وأرش الجناية وغرامة المتلف , لأنه وثيقة يستوفى منها الحق , فصح في كل دين لازم كالرهن وأما ما لا يلزم بحال وهو دين الكتابة فلا يصح ضمانه , لأنه لا يلزم المكاتب أداؤه , فلم يلزم ضمانه.
الكفالة بما ليس بدين ولا تصح عند الحنفية الكفالة بما ليس بدين كنفقة الزوجة قبل القضاء بها أو التراضي عليها , لأنها لا تصير دينا إلا بالقضاء أو الرضا.
ضمان ما لم يجب ويتفرع عن اشتراط كون المكفول به دينا لازما أنه لا يصح عند الحنفية والشافعية ضمان ما لم يجب كجعل الجعالة , لأنه دين غير لازم
قال في المهذب: ولا يصح ضمان ما لم يجب: وهو أن يقول: ما تداين فلان فأنا ضامن له , لأنه وثيقة بحق , فلا يسبق الحق , كالشهادة.
وفي الثمن في مدة الخيار ومال الجعالة ثلاثة أوجه:
أحدها - لا يصح ضمانه , لأنه دين غير لازم , فلم يصح ضمانه كدين الكتابة.
الثاني - يصح , لأنه يؤول إلى اللزوم , فصح ضمانه.
والثالث - يصح ضمان الثمن في مدة الخيار , ولا يصح ضمان مال الجعالة , لأن عقد البيع يؤول إلى اللزوم , وعقد الجعالة لا يلزم بحال.
فأما المال المشروط في السبق والرمي ففيه قولان:
أحدهما: أنه كالإجارة فيصح ضمانه.
والثاني: أنه كالجعالة فيكون في ضمانه وجهان.
قال النووي والشربيني في مغني المحتاج: ضمان الجعل في الجعالة كالرهن به , ومن المعلوم أنه يصح الرهن بالجعل بعد الفراغ من العمل قطعا , ولا يصح قبله , ولو بعد الشروع في الأصح , فلو قال شخص: من رد عبدي فله دينار , فضمنه عنه ضامن قبل مجيء العبد , لأنه غير لازم كمال الكتابة. والفرق بين الجعل والثمن في مدة الخيار: أنه لا يصير إلى اللزوم إلا بالعمل , بخلاف الثمن فإنه يؤول إليه بنفسه.
وذهب المالكية والحنابلة إلى أنه يصح ضمان ما لم يجب , مثل ضمان الجعل. قال خليل وشراح متنه في الشرح الصغير: شرط الدين: لزومه للمضمون في الحال , أو كونه آيلا إلى اللزوم في المستقبل كجعل , كما لو قال شخص لآخر: إن أتيت لي بعبدي الآبق مثلا , فلك دينار , فيصح ضمان القائل , فإن أتى المخاطب بالعبد , لزم الضامن الدينار , إن لم يدفعه رب العبد للعامل. وكذا: داين فلانا وأنا أضمنه , أو إن ثبت لك عليه دين , فأنا ضامن.
فيصح الضمان عندهم في كل حق من الحقوق المالية الواجبة أو التي تؤول إلى الوجوب , كثمن المبيع في مدة الخيار وبعده , والأجرة , والمهر قبل الدخول أو بعده لأن هذه الحقوق لازمة , وجواز سقوطها لا يمنع ضمانها كالثمن في البيع بعد انقضاء الخيار ويجوز أن يسقط برد بعيب أو مقايضة.
стр. 341
وقال في مواهب الجليل (٥ / ٩٨ - ١٠٠)
يصح الضمان بدين لازم أو آيل إلى اللزوم إن أمكن استيفاؤه من ضامنه , وإن جهل ,
المهذب (١ / ٣٤٠)
يصح ضمان كل دين لازم كالثمن والأجرة وعوض القرض ودين السلم وأرش الجناية وغرامة المتلف , لأنه وثيقة يستوفى منها الحق , فصح في كل دين لازم كالرهن.
الكاساني في البدائع (٦ / ٧ - ٩) :
وها هنا شرط ثالث لكنه يخص الدين وهو أن يكون لازما , فلا تصح الكفالة عن المكاتب لمولاه ببدل الكتابة , لأنه ليس بدين لازم , لأن المكاتب يملك إسقاط الدين عن نفسه بالتعجيز لا بالكسب.
الدر المختار ورد المحتار (٤ / ٢٧٤ - ٢٧٥) :
وأما كفالة المال فتصح ولو كان المال مجهولا به , إذا كان ذلك المال دينا صحيحا. .
والدين الصحيح: هو ما لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء.
ولو كان الإبراء حكما , بفعل يلزمه سقوط الدين , فيسقط دين المهر بمطاوعتها لابن الزوج للإبراء الحكمي , فلا تصح ببدل الكتابة لأن عقد الكتابة عقد غير لازم من جانب العبد , فله أن يستقل بإسقاط هذا الدين , بأن يعجز نفسه متى أراد , فلم يكن دينا صحيحا , لأن العقد من أصله لم ينعقد ملزما لبدل الكتابة , لأنه دين للسيد على عبده ولا يستحق السيد على عبده دينا.
وكذا لا تصح الكفالة بالدية.
جاء في مشروع تقنين الشريعة الإسلامية , على مذهب الإمام مالك (م٣٢٤)
يشترط في لزوم الضمان: أن يكون دين المضمون لازما له في الحال أو في المستقبل , وأن يكون الضامن غير محجور عليه فيما ضمن فيه من ماله.
وقال خليل وشارح متنه في الشرح الصغير (٣ / ٤٣١ - ٤٣٢) :
وشرط الدين لزومه في الحال , بل ولو يلزم المضمون في المآل , أي في المستقبل , كجعل , فإنه قد يؤول إلى اللزوم.
كشاف القناع (٣ / ٣٥٠ - ٣٥٧) :
الضمان: التزام من يصح تبرعه (وهو الحر غير المحجور عليه) أو التزام مفلس برضاهما (أي من يصح تبرعه والمفلس) دينا وجب على غيره أو ما يجب على غيره مع بقائه على الغير. فلا يصح ضمان دين الكتابة , لأنه ليس بلازم , ولا مآله إلى اللزوم , لأن المكاتب له تعجيز نفسه والامتناع عن الأداء , فإذا لم يلزم الأصل , فالفرع أولى
وقال ابن قدامة في المغني (٤ / ٥٣٦)
يصح ضمان الجعل في الجعالة , وفي المسابقة والمناضلة وقال أصحاب الشافعي في أحد الوجهين: لا يصح ضمانه , لأنه لا يؤول إلى اللزوم , فلم يصح ضمانه , كمال الكتابة. ولنا قول الله تعالى ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ فدلت الآية على ضمان حمل البعير , مع أنه لم يكن وجب ولأنه يؤول إلى اللزوم إذا عمل العمل. وإنما الذي لا يلزم: العمل , والمال يلزم بوجوده والضمان للمال دون العمل. ويصح ضمان أرش الجناية , سواء كانت نقودا كقيم المتلفات أو حيوانا كالديات.
كشاف القناع (٣ / ٣٥٤)
ولا يعتبر كون الحق واجبا إذا كان مآله (أي الحق) إلى الوجوب , فيصح ضمان ما لم يجب إذا آل إلى الوجوب.
стр. 342
يشترط في المكفول به أن يكون مضمونا على الأصيل
يشترط في المكفول به أن يكون مضمونا على الأصيل لأن التزام الكفيل تابع لالتزام الأصيل.
стр. 343
يشترط في المكفول به أن يكون مضمونا على الأصيل: سواء أكان دينا أم عينا , أم نفسا أم فعلا بشرط أن تكون العين مضمونة بنفسها كالمغصوب والمقبوض بالبيع الفاسد , والمقبوض على سوم الشراء.
والمراد بالفعل المكفول به: هو فعل التسليم مثل الكفالة بتسليم المبيع والرهن , وتصح الكفالة بالفعل , لأن التسليم مضمون على الملتزم به فالمبيع مضمون التسليم على البائع , والرهن مضمون التسليم على المرتهن في الجملة بعد قضاء الدين.
والكفالة بنفس من عليه الحق , كفالة بالفعل: وهو تسليم النفس , وبما أن فعل التسليم مضمون على الأصيل , فجازت الكفالة به عند الحنفية وغيرهم على التفصيل في أقسام الكفالة.
وقد صحح الفقهاء ضمان الأعيان المضمونة بنفسها كالمغصوب والمبيع بيعا فاسدا , والمقبوض على سوم الشراء. . فهذه كلها تصح الكفالة بها , ويجب على الكفيل ما يجب على الأصيل: وهو دفع العين , فإن عجز وجب قيمته أو مثله على الكفيل.
ولا يصح ضمان الأعيان إذا لم تكن مضمونة على من هي في يده. فإذا كان المودع لديه غير ضامن للوديعة , والمضارب غير ضامن لمال المضاربة , والمستأجر غير ضامن لما استأجره , فلا تصح الكفالة في مثل هذه الحالات , لأن الكفيل لا يلتزم بما لا يلتزم به الأصيل.
أما إذا كانت الأمانات - وهي غير مضمونة - تصبح مضمونة على من في يده إذا تعدى أو خان , فهنا تعتبر الكفالة في الحقيقة ضمان ما لم يجب بعد.
стр. 344
جاء في مغني المحتاج (٢ / ٢٠٢)
يصح ضمان رد كل عين ممن هي في يده , مضمون عليه , كمغصوبة ومستعارة ومستامة ومبيع لم يقبض كما يصح بالبدن (أي كفالة النفس) بل أولى , لأن المقصود هنا المال , ويبرأ الضامن بردها للمضمون له , ويبرأ أيضا بتلفها , فلا يلزمه قيمتها , كما لو مات المكفول ببدنه لا يلزم الكفيل الدين , ولو ضمن قيمة العين إن تلفت , لم يصح , لعدم ثبوت القيمة , ومحل صحة ضمان العين إذا أذن فيه واضع اليد , أو كان الضامن قادرا على انتزاعه منه.
أما إذا لم تكن العين مضمونة على من هي بيده كالوديعة والمال في يد الشريك والوكيل والوصي , فلا يصح ضمانها , لأن الواجب فيها التخلية دون الرد.
(يفهم مما ذكر أن الشافعية في ضمان الأعيان كالحنفية والحنابلة , فيكون الجواز رأي جمهور الفقهاء) .
وقال ابن رشد في المقدمات والممهدات (٢ / ٣٧٩) :
الحمالة لا تجوز إلا فيما تصح فيه النيابة , وذلك إنما يكون في المال المتعلق في الذمة , أو ما يؤول إلى المال المتعلق بها.
ابن جزي في القوانين الفقهية (ص ٣٢٥) :
(المضمون) هو كل حق تصح النيابة فيه , وذلك في الأموال وما يؤول إليها , فلا يصح الضمان في الحدود ولا في القصاص , لأنها لا تصح النيابة فيها.
الكاساني في البدائع (٦ / ٧ - ٩)
وأما الذي يرجع إلى المكفول به فنوعان:
أحدهما - أن يكون المكفول به مضمونا على الأصيل , سواء كان دينا أو عينا , أو نفسا أو فعلا ليس بدين ولا عين ولا نفس عند أصحابنا , إلا أنه يشترط في الكفالة بالعين: أن تكون مضمونة بنفسها. .
وأما الفعل: فهو فعل التسليم في الجملة , فتجوز الكفالة بتسليم المبيع والرهن , لأن المبيع مضمون التسليم على البائع , والرهن مضمون التسليم على المرتهن في الجملة بعد قضاء الدين , فكان المكفول به مضمون التسليم على الأصل: وهو فعل التسليم , فصحت الكفالة به , لكنه إذا هلك لا شيء على الكفيل , لأنه لم يبق مضمونا على الأصيل , فلا يبقى على الكفيل.
جاء في مرشد الحيران ما يلي (م٨٢٦)
تصح الكفالة بالأعيان المضمونة بنفسها على الأصيل , وهي التي تجب قيمتها عند هلاكها إن كانت قيمية أو مثلها إن كانت مثلية , كالمبيع فاسدا , أو المغصوب , أو المقبوض على سوم الشراء إن سمي له ثمنا.
(م٨٢٧) :
لا تصح الكفالة بالأعيان المضمونة على الأصيل بغيرها لا نفسها , وهي الأعيان الواجبة التسليم وهي قائمة , وعند هلاكها لا يجب مثلها ولا قيمتها , كالمبيع قبل القبض والرهن , فهما مضمونان بالثمن والدين.
(م٨٢٩) :
لا تصح الكفالة بالأمانات كالوديعة ومال المضاربة والشركة والمؤجر في يد المستأجر.
وقال ابن قدامة في المغني (٤ / ٥٣٨)
يصح ضمان الأعيان المضمونة كالمغصوب والعارية , وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد القولين , وقال في الآخر: لا يصح , لأن الأعيان غير ثابتة في الذمة , وإنما يضمن ما ثبت في الذمة ووصفنا له بالضمان إنما معناه: أنه يلزمه قيمتها إن تلفت , والقيمة مجهولة.
ولنا: أنها مضمونة على من هي في يده , فصح ضمانها كالحقوق الثابتة في الذمة.
وأما الأمانات كالوديعة والعين المؤجرة والشركة والمضاربة والعين التي يدفعها إلى القصار والخياط , فهذه إن ضمنها من غير تعد فيها , لم يصح ضمانها , لأنها غير مضمونة على من هي في يده فكذلك على ضامنه. وإن ضمنها إن تعدى فيها , فظاهر كلام أحمد ﵀ يدل على صحة الضمان.
وعبارة البهوتي في كشاف القناع (٣ / ٣٦٤) أوضح وهي: /٥٠ وتصح الكفالة بالأعيان المضمونة , كالمغصوب والعواري , لأنه يصح ضمانها ولا تصح الكفالة بالأمانات كالوديعة والشركة والمضاربة , إلا إن كفله بشرط التعدي فيها , فيصح ضمانها.
ولا تصح الكفالة بزوجة لزوجها ولا بشاهد ليشهد له , لأن الذي عليهما أداؤه ليس بمالي , ولا يمكن استيفاؤه من الكفيل.
كشاف القناع (٣ / ٣٥٠ - ٣٥٧)
ولا يصح أيضا ضمان الأمانات كالوديعة والعين المؤجرة ومال الشركة والمضاربة , والعين المدفوعة إلى الخياط ونحوهما , لأنها غير مضمونة على من هي في يده , فكذا على ضامنه.
стр. 345
أن يكون المكفول به مقدور الاستيفاء من الكفيل ليكون العقد مفيدا
يشترط أن يكون المكفول به مقدور الاستيفاء من الكفيل.
стр. 346
يشترط أن يكون المكفول به مقدور الاستيفاء من الكفيل وذلك في الأموال. وهذا شرط مقرر عند جمهور العلماء بل في المذاهب الأربعة مع اختلاف في بعض الجزئيات.
ويترتب عليه أنه لا تجوز الكفالة في الحدود والقصاص عند الحنفية والمالكية والحنابلة , لتعذر الاستيفاء من الكفيل لأن النيابة لا تجري في الحدود , فلا تفيد الكفالة فائدتها.
ودليلهم حديث: لا كفالة في حد ولأن الكفالة استيثاق , والحدود مبناها على الدرء والإسقاط بالشبهات , فلا يلائمها الاستيثاق ولأن الحق لا يجوز استيفاؤه من الكفيل إذا تعذر عليه إحضار المكفول به.
ويتفرع على هذا الشرط عند الحنفية: أن تصح الكفالة بالتزام حمولة شيء في ذمة متعهد النقل بوسيلة نقل غير معينة بذاتها كأي سيارة أو دابة , لأن المستحق حينئذ مقدور للكفيل. لكن لا تصح الكفالة بالتزام نقل حمل من مكان إلى آخر على سيارة أو دابة معينة بذاتها دون غيرها لأن الكفيل قد يعجز عن الحمولة بتلف وسيلة النقل المخصصة.
стр. 347
وقال في مواهب الجليل (٥ / ٩٨ - ١٠٠)
يصح الضمان بدين لازم أو آيل إلى اللزوم إن أمكن استيفاؤه من ضامنه , وإن جهل
الكاساني في البدائع (٦ / ٧ - ٩)
وأما الذي يرجع إلى المكفول به فنوعان:
النوع الثاني - أن يكون المكفول به مقدور الاستيفاء من الكفيل , ليكون العقد مفيدا , فلا تجوز الكفالة بالحدود والقصاص , لتعذر الاستيفاء من الكفيل , فلا تفيد الكفالة فائدتها.
مواهب الجليل (٥ / ٩٩ - ١٠٠) :
ولزم الضمان فيما ثبت إن أمكن استيفاؤه من ضامنه.
стр. 348
أن يكون المكفول به معلوما أو مجهولا
لا يشترط جمهور الفقهاء أن يكون المكفول به معلوما بل يجوز عندهم ضمان المجهول إذا كان دينا صحيحا لأن الضمان عقد تبرع غير معاوضة ومنع الشافعية ذلك بسبب الجهالة المفسدة لعقد البيع ونحوه.
هذا ويصح ضمان الدرك باتفاق الفقهاء وهو من أمثلة ضمان المجهول حيث يضمن شخص للمشترى الثمن إن خرج المبيع مستحقا أو مبيعا أو ناقصا , وكذلك يصح شرعا ضمان العهدة بالاتفاق وهو أعم من ضمان الدرك لشموله ضمان الدرك بالثمن وضمان الدرك في المبيع.
стр. 349
ضمان المجهول لا يشترط في الكفالة بالمال عند جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة أن يكون الدين معلوم القدر والصفة والعين.
فتصح الكفالة:
بالمعلوم كقوله: تكفلت عنه بألف ,
أو بالمجهول , كقوله: تكفلت عنه بما لك عليه , أو ضمنت لك ما تداينه به.
ومن أمثله ضمان المجهول: ضمان السوق , وهو أن يضمن ما يلزم التاجر من دين , وما يقبضه من عين مضمونة.
ويذهب الجمهور إلى صحة ضمان المجهول لقوله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ وحمل البعير غير معلوم , لأن حمل البعير يختلف باختلافه وعموم قوله ﵇: الزعيم غارم ولأن الكفالة عقد تبرع , وهو التزام حق في الذمة من غير معاوضة فصح في المجهول , كالنذر والإقرار. كما أن الكفالة مبنية على التوسع , فيحتمل فيها الجهالة.
أما عند الشافعية فلا يجوز ضمان المجهول وذهب إلى ذلك أيضا الثوري والليث وابن أبي ليلى وابن المنذر لأن الضمان إثبات مال في الذمة بعقد لآدمي أو التزام مال , فلم يجز مع الجهالة كالثمن في البيع , فلا يصح المجهول ولا غير المعين كأحد الدينين.
ضمان الدرك ضمان الدرك: هو الكفالة بما يدرك المال المبيع ويلحق به من خطر بسبب سابق على البيع وذلك مثلا بأن يضمن شخص للمشترى الثمن إن خرج المبيع مستحقا أو معيبا أو ناقصا إما لرداءته , أو لنقص سنجات الوزن التي وزن بها. والدرك هو التبعة , أي المطالبة والمؤاخذة.
فقد اتفق الفقهاء جميعا على صحة هذا النوع من الضمان (ضمان الدرك) , لأنه عند جمهور الفقهاء من أمثلة ضمان المجهول , وهو جائز عند الشافعية لحاجة الناس إليه.
كما صحح الحنفية الكفالة فيما لو قال إنسان لغيره: اسلك هذا الطريق , فان أخذ مالك , فأنا ضامن , فأخذ ماله , صح الضمان , والمضمون عنه مجهول. وكذا لو قال: لو غصب مالك فلان أو واحد من هؤلاء القوم , فأنا ضامن , صح الضمان.
ويطلق على ضمان الدرك أيضا ضمان العهدة لالتزام الضامن ما في عهدة البائع رده , والعهدة في الحقيقة: عبارة عن الصك المكتوب فيه الثمن , ولكن الفقهاء يستعملونه في الثمن مجازا.
وقال الشافعية والحنابلة: يصح ضمان عهدة المبيع عن البائع للمشترى , وعن المشترى للبائع ,
فضمانه على المشتري: هو أن يضمن الثمن الواجب بالبيع قبل تسليمه , وإن ظهر فيه عيب أو استحق , رجع بذلك على الضامن ,
وضمانه عن البائع للمشتري: هو أن يضمن عن البائع الثمن متى خرج المبيع مستحقا , أو رد بعيب , أو أرش العيب.
فضمان العهدة في الموضعين: هو ضمان الثمن أو جزء منه عن أحدهما للآخر , وحقيقة العهدة: الكتاب الذي يكتب فيه وثيقة البيع. وذكر فيه الثمن , فعبر به عن الثمن الذي يضمنه.
وممن أجاز ضمان العهدة في الجملة: أبو حنيفة ومالك والشافعي ومنع منه بعض الشافعية لكونه ضمان ما لم يجب , وضمان مجهول , وضمان عين. وقد بينا جواز الضمان في ذلك كله , ولأن الحاجة تدعو إلى الوثيقة على البائع. والوثائق ثلاثة: الشهادة , والرهن والضمان.
ويصح ضمان العهدة عن البائع للمشترى قبل قبض الثمن وبعده.
وقال الشافعي إنما يصح بعد القبض , لأنه قبل القبض لو خرج مستحقا , لم يجب على البائع شيء. وهذا ينبني على ضمان ما لم يجب إذا كان مفضيا إلى الوجوب كالجعالة , أجازه المالكية والحنابلة , ومنعه الحنفية والشافعية , كما تقدم.
وقال النووي في مغني المحتاج: والمذهب صحة ضمان الدرك بعد قبض الثمن: وهو أن يضمن للمشتري الثمن إن خرج المبيع مستحقا أو معيبا أو ناقصا لنقص السنجة التي وزن به.
كما قال أيضا: ولا يختص ضمان الدرك بالثمن , بل يجري في المبيع , فيضمنه للبائع إن خرج الثمن المعين مستحقا أو أخذ بشفعة سابقة أو معيبا أو ناقصا إما لرداءته , أو لنقص الصنجة.
ولو ضمن عهدة فساد البيع بغير الاستحقاق أو عهدة العيب أو التلف قبل قبض المبيع , صح للحاجة إليه , ولا يدخل ذلك تحت ضمان العهدة.
وعليه , يصح شرعا ضمان العهدة بالاتفاق , وهو أعم من ضمان الدرك , لشموله ضمان الدرك بالثمن وضمان الدرك في المبيع.
стр. 350
قال المرغيناني في الهداية وابن الهمام في فتح القدير (٥ / ٤٠٢)
وأما الكفالة بالمال فجائزة معلوما كان المكفول به أو مجهولا , إذا كان دينا صحيحا , مثل أن يقول: تكفلت عنه بألف أو بما لك عليه أو بما يدكك في هذا البيع , لأن مبنى الكفالة على التوسع , فيحتمل فيها الجهالة وعلى الكفالة بالدرك إجماع , وصار عقد الكفالة بمال مجهول كالكفالة بشجة , أي شجة كانت إذا كانت خطأ , فإنها صحيحة , وإن كانت بمجهول , لاحتمال السراية والاقتصار , أو: وإن احتملت السراية والاقتصار.
وقال في الدر المختار ورد المحتار (٤ / ٢٧٣ - ٢٧٤)
وأما كفالة المال فتصح ولو كان المال مجهولا به إذا كان ذلك المال دينا صحيحا , إلا إذا كان الدين مشتركا , كما سيجيء , لأن قسمة الدين المشترك قبل قبضه لا تجوز.
وقال في مواهب الجليل (٥ / ٩٨ - ١٠٠)
يصح الضمان بدين لازم أو آيل إلى اللزوم إن أمكن استيفاؤه من ضامنه , وإن جهل , قال أبو محمد ولما جازت هبة المجهول , جازت الحمالة , لأنه معروف.
ومن صور هذه المسألة ما قال في المدونة: ومن قال لرجل: ما ذاب لك (ما ثبت لك وصح) قبل فلان الذي تخاصم , فأنا لك به حميل , فاستحق قبله مالا , كان هذا الكفيل ضامنا له.
وقال في كشاف القناع (٣ / ٣٥٤)
ولا يعتبر كون الحق معلوما , لأنه التزام حق في الذمة من غير معاوضة , فصح في المجهول كالإقرار.
وجاء في مجلة الأحكام الشرعية الحنبلية (م١١٢٨)
تصح الكفالة ببدن من عليه دين يصح ضمانه , سواء كان الدين معلوما أو مجهولا يؤول إلى العلم به , وببدن من عنده عين مضمونة.
الدر المختار ورد المحتار (٤ / ٢٧٤ - ٢٧٥)
وأما كفالة المال فتصح ولو كان المال مجهولا به , إذا كان ذلك المال دينا صحيحا. .
стр. 351
حق المكفول له في المطالبة
يرى الجمهور أن للمكفول له الخيار بين مطالبة الأصيل أو الكفيل , فيكون له الحق عند حلول الأجل في مطالبة أحد الطرفين: إما الكفيل بما التزم , وإما المدين الأصيل بسبب أصل العلاقة , فله الحق في مطالبة أيهما شاء , دون أخذ أكثر من حقه.
أما المالكية فإنهم يرون أن المكفول له لا يطالب الكفيل إذا تيسر الأخذ من مال المكفول عنه إلا إذا اشترط ما ذكر ,
ويرى جماعة أن الكفالة بمعنى الحوالة يترتب عليها براءة ذمة الأصيل.
стр. 352
حق المكفول له في مطالبة الكفيل أو الأصيل أيهما شاء عند جمهور الفقهاء
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الكفالة تعطي المكفول له الحق في مطالبة الكفيل بما التزم به , وأن هذا الحق لا يسقط حق المكفول له في مطالبة المكفول عنه أيضا: فله مطالبة أيهما شاء , أو مطالبة الاثنين معا , ولكن لا يأخذ أكثر من حقه.
هذا ولا يترتب على الكفالة عند الجمهور براءة الأصيل إلا إذا كانت الكفالة بشرط براءة الأصيل , لأنها حوالة معنى. ولم يجز الشافعية في الأصح عندهم الكفالة بشرط براءة الأصيل , لأنه شرط ينافي مقتضى الضمان.
هذا ويجوز تعدد الكفلاء كاثنين أو أكثر , سواء ضمن كل واحد منهم جميع الدين أو جزءا منه. فإذا كان كل كفيل التزم بجزء من الدين فهو مطالب بما التزم من حصته فقط , وإذا كان كل واحد كفل الأصيل في جميع الدين فللمكفول له مطالبة الجميع أو مطالبة من شاء بجميع الدين , فضلا عن جزء منه.
وإذا كفل الكفيل الأول كفيل ثان , وكفل الثاني ثالث , وهكذا , كان الكفيل الأول بالنسبة للثاني كالأصيل بالنسبة للأول , وكان الثاني للثالث كالأول للثاني , وهكذا.
كيفية مطالبة الكفيل /٥٠ ومطالبة المكفول له بحقه تختلف بحسب محل الكفالة:
فإن كانت الكفالة بالدين ,
فيطالب الكفيل بما على الأصيل بالدين كله إن كان واحدا. فإن كان هناك كفيلان , والدين ألف مثلا , فيطالب كل وأحد منهما بخمسمائة إذا لم يكفل كل واحد منهما عن صاحبه , لأنهما استويا في الكفالة , والمكفول به يحتمل الانقسام , فينقسم عليهما في حق المطالبة. ولو أدى أحدهما لا يرجع على صاحبه , لأنه يؤدي عن نفسه , لا عن صاحبه لكن يرجع على الأصيل بما أدي.
وإن كانت الكفالة بالنفس:
فيطالب الكفيل بإحضار المكفول بنفسه إن لم يكن غائبا. وإن كان غائبا يؤخر الكفيل إلى مدة يمكنه إحضاره فيها , فإن لم يحضر في المدة ولم يظهر عجزه , للقاضي حبسه إلى أن يظهر عجزه له , فإن ظهر للقاضي أنه لا يقدر على الإحضار بدلالة الحال , أو بشهادة الشهود أو غيرها , أطلقه من الحبس , وأنظره إلى حال القدرة على إحضاره , لأنه بمنزلة المفلس بالنسبة للدين.
وإذا أخرجه القاضي فإن الدائنين بالغرماء يلازمونه , ولا يحول القاضي بينه وبين الغرماء , ولكن ليس للغرماء أن يمنعوه من أشغاله , أو من الكسب وغيره. وهذا ما قرره الحنفية.
وذهب الشافعية إلى أنه يلزم الكفيل بإحضار المكفول إن علم مكانه , فإن جهل مكانه , لم يلزم بإحضاره , وإذا ألزم بالإحضار يمهل مدة الذهاب والإياب , فإن مضت تلك المدة ولم يحضره , حبس إلى أن يتعذر إحضار المكفول بموت أو جهل بموضعه , أو إقامة عند شخص يمنعه من إمكان الوصول إليه.
ومذهب الحنابلة قريب من مذهب الشافعية , فإنهم قالوا: يلزم الكفيل بإحضار المكفول إن علم موضعه , فإن لم يحضره إما لتوان أو لهربه (أي المكفول به) واختفائه , أو لامتناعه , أو لغير ذلك , كذي سلطان بحيث تعذر إحضاره مع حياته , لزم الكفيل ما عليه من الدين , لعموم قوله ﷺ : الزعيم غارم ولأن كفالة البدن أحد نوعي الكفالة , فوجب الغرم بها إذن كالكفالة بالمال.
ولا يسقط عن الكفيل المال بإحضار المكفول به بعد الوقت المسمى , نصا , إلا إذا شرط الكفيل البراءة من الدين , فلا يلزمه , عملا بشرطه , لأنه إنما التزم الكفالة على هذا الشرط , فلا يلزمه سوى ما اقتضاه التزامه.
وان كانت الكفالة بالعين:
فيطالب الكفيل بتسليم العين إن كانت قائمة , وبمثلها أو قيمتها إن كانت هالكة.
ليس للمكفول له مطالبة الكفيل إذا تيسر الأخذ من الأصيل إلا إذا اشترط ذلك في قول المالكية
يرى جمهور المالكية الأخذ بالرأي الذي رجع إليه الإمام مالك وهو أن المكفول له لا يطالب الكفيل إذا تيسر الأخذ من مال المكفول عنه إلا إذا اشترط رب الدين أخذ دينه من أيهما شاء: الأصيل أو الكفيل , أو اشترط تقديمه في الأخذ عن المدين , أو ضمن الضامن المدين في الحالات الست: الحياة , والموت , والحضور , والغيبة , واليسر , والعسر , فله مطالبته , ولو تيسر الأخذ من مال الغريم.
وقال ابن أبي ليلى وابن شبرمة وأبو ثور وابن سيرين والظاهرية والإمامية: إن الكفالة توجب براءة الأصيل , وينتقل الحق إلى ذمة الكفيل , فلا يملك الدائن مطالبة الأصيل , كما في الحوالة , ودليلهم قصة ضمان أبي قتادة ﵁ الدينارين عن ميت , فإن الرسول ﷺ قال له: جزاك الله خيرا , وفك رهانك , كما فككت رهان أخيك فدل هذا على أن المضمون عنه برئ من الضمان أي أن هؤلاء يجعلون الكفالة حوالة.
والحقيقة أن الكفالة معناها ضم ذمة إلى ذمة في حق المطالبة , أو في حق أصل الدين على الخلاف السابق , والبراءة تنافي الضم , ولأن الكفالة لو كانت مبرئة , لكانت حوالة , وهما متغايران , لأن تغير الأسامي دليل تغاير المعاني في الأصل.
ويؤيد ذلك ما ورد في السنة من حديث رواه أحمد نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه ورواية أخري في قصة أبي قتادة الآن بردت جلدته حين أخبره أنه قضى دينه وأما صلاة النبي ﷺ على المضمون عنه , فلأنه بالضمان صار له وفاء , وإنما امتنع عن الصلاة على مدين لم يخلف وفاء. وأما قوله ﵇ فك الله رهانك إلخ فإنه كان بحال لا يصلي عليه النبي ﷺ , فلما ضمن عنه , فكه عن ذلك أو عما في معناه.
وقال المنهاجي في جواهر العقود اتفق الأئمة على جواز الضمان وأنه لا ينتقل الحق عن المضمون عند الحي بنفس الضمان , بل الدين باق في ذمته , لا يسقط عن ذمته إلا بالأداء , وهل تبرأ ذمة الميت المضمون عنه بنفس الضمان؟ فعند الأئمة الثلاثة: لا , كالحي , وعن أحمد روايتان.
стр. 353
قال في الهداية وفتح القدير (٥ / ٤٠٣)
والمكفول له بالخيار: إن شاء طالب الذي عليه الأصل , وان شاء طالب كفيله , لأن الكفالة ضم الذمة إلى الذمة في المطالبة , وذلك يقتضي قيام الأول , لا البراءة عنه إلا إذا شرط فيه البراءة , فحينئذ تنعقد حوالة , اعتبارا للمعنى , كما أن الحوالة بشرط أن لا يبرأ بها المحيل , تكون كفالة. ولو طالب أحدهما له أن يطالب الآخر , وله أن يطالبهما , لأن مقتضاه الضم , بخلاف المالك إذا اختار تضمين أحد الغاصبين , لأن اختياره تضمين أحدهما يتضمن التمليك منه , فلا يمكنه التمليك من الثاني أما المطالبة بالكفالة فلا تتضمن التمليك , فوضح الفرق.
قال النووي في المنهاج وصاحب مغني المحتاج (٢ / ٢٠٨)
وللمستحق مطالبة الضامن والأصيل , والأصح أنه لا يصح بشرط براءة الأصيل. ولو أبرأ الأصيل برئ الضامن , ولا عكس. ولو مات أحدهما حل عليه دون الآخر , وإذا طالب المستحق الضامن بالدين , فله مطالبة الأصيل بتخليصه بالأداء للدين المضمون له ليبرأ الضامن , إن ضمن بإذنه , لأنه الذي أوقعه في المطالبة , كما أنه يغرمه إذا غرم.
ومعنى التخليص , أنه يؤدي دين المضمون له ليبرأ الضامن.
وقال في المغني (٥ / ٥٤٧)
ولصاحب الحق مطالبته من شاء منهما.
وحكي عن مالك في إحدى الروايتين عنه: أنه لا يطالب الطالب إلا إذا تعذر مطالبة المضمون عنه , لأنه وثيقة , فلا يستوفي الحق منها إلا عند تعذر استيفائه من الأصل كالرهن.
ولنا: أن الحق ثابت في ذمة الضامن , فملك مطالبته كالأصيل ولأن الحق ثابت في ذمتهما , فملك مطالبته من شاء منهما , كالضامنين إذا تعذرت مطالبة المضمون عنه. ولا يشبه الرهن , لأنه مال من عليه الحق , وليس بذي ذمة يطالب , إنما يطالب من عليه الدين ليقضي منه أو من غيره.
قال الدردير في شرح متن خليل الشرح الصغير (٣ / ٤٣٨)
ولا يطالب الضامن , أي ليس لرب الدين مطالبته به , إن تيسر الأخذ لرب الدين من مال المدين: بأن كان موسرا غير ملد ولا ظالم. وهذا هو الذي رجع إليه مالك بعد قوله: رب الدين مخير في طلب أيهما شاء , ولو كان المدين غائبا , حيث كان الدين ثابتا , ومال المدين حاضرا يمكن الأخذ منه بلا مشقة.
إلا أن يشترط رب الدين عند الضمان أخذ أيهما شاء , أو يشترط تقديمه في الأخذ عن المدين , أو ضمن الضامن المدين في الحالات الست: الحياة , والموت , والحضور , والغيبة , واليسر , والعسر , فله مطالبته ولو تيسر الأخذ من مال الغريم.
[وعلق الصاوي بقوله في بلغه السالك بما نقله عن العلامة محمد البناني والقول المرجوع عنه هو الذي جرى له العمل بفاس - وهو الأنسب - بكون الضمان شغل ذمة أخرى بالحق.
وعلق على العبارة الأخيرة (فله مطالبته ولو تيسر الأخذ من مال الغريم) بقوله: ما ذكره الشارح هو المعتمد , وهو ما في وثائق أبي القاسم الجزيري وغيره , خلافا لابن الحاجب من أن الضامن لا يطالب إذا حضر الغريم مليئا مطلقا] .
стр. 354
شروط رجوع الكفيل
يرجع الكفيل على الأصيل بشرطين:
الأول: أن تكون الكفالة بإذن الأصيل , فإن لم تكن كذلك لا يصح أن يرجع الكفيل بما يؤديه لأنه حينئذ يكون متبرعا بما أدى.
الثاني: أن يؤدي الكفيل ما على الأصيل , فإن لم يؤدي لا يصح له أن يرجع ويطالب الأصيل بالمال لأن ولاية المطالبة إنما تثبت بحكم القرض والتمليك , وهو لا يوجد قبل الأداء.
ويشترط لرجوع الكفيل على الأصيل عند الحنفية: أن تكون الكفالة بأمر المكفول عنه , وبإذن صحيح منه , وبتفويضه الضمان عنه , وألا يكون هناك دين للأصيل في ذمة الكفيل , وإلا وقعت المقاصة بينهما.
стр. 355
يشترط لرجوع الكفيل على الأصيل أن تكون الكفالة بإذن الأصيل , وأن يؤدي للمكفول له الحق المكفول به.
فإذا كانت الكفالة بدين مثلا , وبإذن الأصيل , كان للكفيل مطالبة المكفول عنه بالخلاص إذا طولب , وإن حبس فله أن يحبس المكفول عنه , لأنه هو أوقعه في هذه المسئولية , فكان عليه تخليصه منها. وأما إذا كانت الكفالة بغير أمر الأصيل , فليس للكفيل حق ملازمة الأصيل إذا لوزم , ولاحق الحبس , إذا حبس.
وليس للكفيل أيضا أن يطالب بالمال قبل أن يؤدي هو , وإن كانت الكفالة بأمر الأصيل , لأن ولاية المطالبة إنما تثبت بحكم القرض والتمليك , وكل ذلك يقف على الأدلة ولم يوجد هذا بخلاف الوكيل بالشراء , فإن له مطالبة الموكل بالثمن بعد الشراء قبل أن يؤدي هو من مال نفسه لأن الثمن هنا يقابل المبيع , وملك المبيع وقع للموكل , فكان الثمن عليه , فيكون للوكيل الحق في أن يطالبه به , وأما في الكفالة فإن حق المطالبة هو بسبب القرض أو التمليك , ولم يوجد بعد.
فإذا أدى الكفيل كان له أن يرجع على الأصيل إذا كانت الكفالة بأمره , لأن العلاقة بينهما تكون حينئذ علاقة قرض واستقراض , فالأصيل مستقرض , والكفيل بأداء المال مقرض , والمقرض يرجع على المستقرض بما أقرضه.
أداء الكفيل الدين متبرعا به وليس بنية الرجوع على المكفول عنه
إذا قضى الكفيل الدين متبرعا به , لا ينوي الرجوع على المكفول عنه , برئ المدين وأصبح غير ملزم بالدين , فلا يرجع الكفيل بشيء لأنه يتطوع بذلك , وفعله أشبه بالصدقة , وذلك سواء ضمن بأمر المكفول عنه أو بغير أمره.
فإذا ما أدى الكفيل بنية الرجوع بالمؤدى , لم يخل الأمر من أربعة أحوال:
الحال الأول: أن يضمن الكفيل بأمر المضمون عنه , ويؤدي بأمره: فإنه يرجع عليه , سواء قال له: اضمن عني , أو أد عني , أو أطلق.
وهذا قول الجمهور (المالكية , والحنابلة , والشافعية وأبو يوسف) .
وقال أبو حنيفة ومحمد إن قال: اضمن عني , وانقد عني , رجع عليه , وان قال: انقد هذا , لم يرجع إلا أن يكون مخالطا يستقرض منه ويودع عنده , أو شريكا , لأنه قد يأمر مخالطه بالنقد عنه فلو قال: اضمن الألف التي لفلان علي (لم يرجع عليه عند الأداء , لأن الكائن مجرد الأمر بالضمان والإعطاء فجاز أن يكون القصد ليرجع وأن يكون القصد طلب تبرعه بذلك , فلم يلزم المال , في رأي أبي حنيفة ومحمد إلا إذا كان خليطا أو شريكا. وقال أبو يوسف يرجع , لأنه وجد القضاء بناء على الأمر , فلا بد من اعتبار الأمر فيه.
الحال الثاني: أن يضمن الكفيل بأمر المكفول عنه , ويؤدى بغير أمره , فله الرجوع أيضا.
وهو رأي المالكية والحنابلة والشافعية في الأصح.
الحال الثالث: أن يضمن الكفيل بغير أمر المكفول عنه , ويؤدي بأمره , فله الرجوع عند المالكية والحنابلة , ولا رجوع له في الأصح عند الشافعية.
الحال الرابع: أن يضمن الكفيل بغير أمر المكفول عنه , ويؤدي بغير أمره , فله الرجوع بما أدى , وهو قول مالك وعبد الله بن الحسن وإسحاق وأحمد في إحدى روايتين.
ووجه هذه الرواية أنه قضاء مبرئ من دين واجب , فكان من ضمان من هو عليه , كالحاكم إذا قضاه عنه عند امتناعه.
وأما حديث أبي قتادة فإنه تبرع بالقضاء والضمان , إذ إنه قضى دين الميت قصدا لتبرئة ذمته , ليصلي عليه النبي ﷺ مع علمه بأنه لم يترك وفاء والمتبرع لا يرجع بشيء.
وليس له الرجوع , في رواية ثانية عن أحمد وهو كذلك قول أبي حنيفة والشافعي وابن المنذر بدليل حديث علي وأبي قتادة فإنهما لو كانا يستحقان الرجوع على الميت صار الدين لهما , فكانت ذمة الميت مشغولة بدينهما كاشتغالها بدين المضمون عنه ,
следующие страницы →