Полный текст (2 086 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
الحط من الثمن عند السداد المبكر
إذا قام المشتري بتعجيل ثمن المرابحة المؤجل أو بعضه , فقد اختلف الفقهاء في ذلك ومنعه الجمهور وذهب أحمد في رواية أيدها ابن القيم إلى أنه يجوز الاتفاق في حينه بين المشتري والبائع على تخفيض جزء من الثمن , وهو ما يسمى ب " ضع وتعجل ".
стр. 492
اختلف الفقهاء في دين المرابحة المؤجل إذا أراد المشتري المدين من الدائن أن يضع عنه بعضه على أن يعجل له الباقي , فهل يجوز لهما الصلح على ذلك؟ على ثلاثة أقوال:
(أحدها) للشافعية والمالكية: وهو عدم جواز الصلح على ذلك مطلقا. لأنه ربا.
(والثاني) للحنفية والحنابلة: وهو عدم جوازه إلا في دين الكتابة , لأن الربا لا يجري بين المكاتب ومولاه في ذلك.
(والثالث) لأحمد في رواية عنه اختارها ابن تيمية وابن القيم وهو قول ابن عباس والنخعي ورجحه الشوكاني وهو جواز ذلك.
وحجتهم على ذلك بأنه ضد الربا صورة ومعنى , فإن ذاك يتضمن الزيادة في الأجل والدين , وذلك إضرار محض بالغريم , وهذا الصلح يتضمن براءة ذمة الغريم من الدين وانتفاع صاحبه بما يتعجله , فكلاهما حصل له الانتفاع من غير ضرر بالآخر , بخلاف الربا فإن ضرره لاحق بالمدين , ونفعه مختص برب الدين.
وجاء في قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي (بمنظمة المؤتمر الإسلامي) في دورته السابعة المنعقدة بجدة سنة ١٤١٢هـ الموافق ١٩٩٢م بخصوص موضوع البيع بالتقسيط ما يلي:
" الحطيطة من الدين المؤجل لأجل تعجيله , سواء كانت بطلب الدائن أو المدين (ضع وتعجل) جائزة شرعا , لا تدخل في الربا المحرم إذا لم تكن بناء على اتفاق مسبق , وما دامت العلاقة بين الدائن والمدين ثنائية , فإذا دخل بينهما طرف ثالث لم تجز , لأنها حينئذ تأخذ حكم حسم الأوراق التجارية.
стр. 493
السيل الجرار للشوكاني (٣ / ١٤٩)
(ويصح التعجيل بشرط حط البعض) أقول: إذا حصل التراضي على هذا , فليس في ذلك مانع من شرع ولا عقل , لأن صاحب الدين قد رضي ببعض ماله وطابت نفسه عن باقية , وهو يجوز أن تطيب نفسه عن جميع ذلك المال وتبرأ ذمة من هو عليه , فالبعض بالأولى
وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ سمع رجلين يتخاصمان في المسجد وقد ارتفعت أصواتهما , وكانت تلك الخصومة في دين لأحدهما على الآخر , فأشرف عليهما النبي ﷺ وأشار بيده من له الدين أن يضع الشطر فكان هذا دليلا على جواز التعجيل بشرط حط البعض.
إعلام الموقعين (٣ / ٣٧١)
وإن كان الدين مؤجلا , فتارة يصالحه على بعضه مؤجلا مع الإقرار والإنكار , فحكمه ما تقدم. وتارة يصالحه ببعضه حالا مع الإقرار والإنكار , فهذا للناس فيه ثلاثة أقوال أيضا.
أحدها: أنه لا يصح مطلقا , وهو المشهور عن مالك لأنه يتضمن بيع المؤجل ببعضه حالا , وهو عين الربا. وفي الإنكار المدعي يقول: هذه المائة الحالة عوض عن مائتين مؤجلة , وذلك لا يجوز , وهذا قول ابن عمر.
والقول الثاني: أنه يجوز , وهو قول ابن عباس وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد حكاها ابن أبي موسى وغيره , واختاره شيخنا ; لأن هذا عكس الربا , فإن الربا يتضمن الزيادة في أحد العوضين في مقابلة الأجل , وهذا يتضمن براءة ذمته من بعض العوض في مقابلة سقوط الأجل , فسقط بعض العوض في مقابلة سقوط بعض الأجل , فانتفع به كل واحد منهما , ولم يكن هنا ربا لا حقيقة ولا لغة ولا عرفا , فإن الربا الزيادة , وهي منتفية ههنا , والذين حرموا ذلك إنما قاسوه على الربا , ولا يخفى الفرق الواضح بين قوله " إما أن تربي وإما أن تقضي " وبين قوله: عجل لي وأهب لك مائة , فأين أحدهما من الآخر! فلا نص في تحريم ذلك ولا إجماع ولا قياس صحيح.
والقول الثالث: يجوز ذلك في دين الكتابة , ولا يجوز في غيره , وهو قول الشافعي وأبي حنيفة. قالوا: لأن ذلك يتضمن تعجيل العتق المحبوب إلى الله , والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم , ولا ربا بين العبد وبين سيده , فالمكاتب وكسبه للسيد , فكأنه أخذ بعض كسبه وترك له بعضه.
مجلة الأحكام الشرعية على مذهب أحمد (ص ٤٩٦)
لا يصح الصلح عن دين مؤجل ببعضه حالا إلا في دين الكتابة (م ١٦٢١) .
أسنى المطالب (٢ / ٢١٦)
صالح عن ألف مؤجل بخمسمائة حالة (يبطل) لأنه ترك بعض المقدار ليحصل الحلول في الباقي , والصفة بانفرادها لا تقابل بعوض , ولأن صفة الحلول لا يصح إلحاقها بالمؤجل , وإذا لم يحصل ما ترك من القدر لأجله لم يصح الترك.
التاودي على التحفة (١ / ٢٢١)
وفي الرسالة: ولا تجوز الوضعية من الدين على تعجيله ولا التأخير به على الزيادة فيه.
البهجة (١ / ٢٢١)
كأن يدعي عليه بعشرة دنانير أو عشرة أثواب , فأقر بذلك أو أنكره , وصالحه على ثمانية معجلة , لما فيه من وضع وتعجل , وهو ممتنع في العين وغيرها. . .
ووجه المنع أن من عجل ما أجل يعد مسلفا , فقد أسلف الآن ثمانية ليقتضي عند الأجل عشرة من نفسه.
الاختيارات الفقهية من فتاوى ابن تيمية (ص ١٣٤)
ويصح الصلح عن المؤجل ببعضه حالا. وهو رواية عن أحمد وحكي قولا للشافعي.
الهداية (٧ / ٣٩٦)
(ولو كانت له ألف مؤجلة , فصالحه على خمسمائة حالة لم يجز) لأن المعجل خير من المؤجل , وهو حرام.
تبيين الحقائق (٥ / ٤٣)
وإنما كان تعجيل المؤجل كالوصف , لأن المعجل خير من المؤجل , ولهذا ينقص الثمن لأجله , فيكون الحط بمقابلة الأجل , فيكون ربا فلا يجوز , إلا إذا صالح المولي مكاتبه عن ألف مؤجلة على خمسمائة حالة , فإنه يجوز , لأن معنى الإرفاق فيما بينهما أظهر من معنى المعاوضة , فلا يكون هذا من مقابلة الأجل ببعض المال , ولكنه إرفاق من المولي بحط بعض البدل , وهو مندوب إليه في الشرع , ومساهلة من المكاتب فيما بقي قبل حلول الأجل ليتوصل به إلى شرف الحرية , وهو أيضا مندوب في الشرع.
شرح منتهى الإرادات (٢ / ٢٦٠)
(ولا يصح) الصلح (عن) دين (مؤجل ببعضه) أي المؤجل (حالا) نصا , لأن المحطوط عوض عن التعجيل , ولا يجوز بيع الحلول والأجل (إلا في) مال (كتابة) إذا عجل مكاتب لسيده بعض كتابته عنها , لأن الربا لا يجري بينهما في ذلك.
مراجع إضافية
انظر روضة الطالبين (٤ / ١٩٦) نهاية المحتاج (٤ / ٣٧٤) , الخرشي (٦ / ٣) , الزرقاني على خليل (٦ / ٣) البحر الرائق (٧ / ٢٥٩) البدائع (٦ / ٤٥) المبدع (٤ / ٢٧٩) كشاف القناع (٣ / ٢٨٠) العناية على الهداية (٧ / ٣٩٦) تبيين الحقائق وحاشية الشلبي (٥ / ٤٢) شرح المجلة للأتاسي (٤ / ٥٦٤) .
стр. 494
قبض البائع وتسلمه السلعة قبل بيعها مرابحة
يشترط في المرابحة دخول السلعة في ملك البائع واستلامه لها أولا قبل التعاقد على بيعها مرابحة.
واستلام السلعة قد يكون استلاما حقيقيا بالتخلية بين المشتري وسلعته المفرزة أو بنقلها إلى مكان حفظها أو ما يعتبره العرف قبضا , كما قد يكون القبض للسلعة قبضا حكميا.
стр. 495
يقوم بيع المرابحة على أساس وجود سلعة مملوكة للبائع بالمرابحة (في المرابحة العادية) أو سيتولى شرائها وامتلاكها (في المرابحة للآمر بالشراء) , فلا يجوز شرعا عقد بيع المرابحة إلا بعد دخول السلعة في ملك البائع واستلامه لها أولا ذلك أن هذا البيع من عقود الأمانة وهو يستوجب بيان الثمن في العقد الأول.
فإذا تملك البائع السلعة وقبضها فعليه أن يعرضها مجددا على الآمر بالشراء باعتبار طلبه الأول , وبالشروط التي اتفق عليها.
واستلام المبيع قد يكون استلاما حقيقيا بالتخلية بين المشتري وسلعته المفرزة أو بنقلها إلى مكان حفظها أو ما يعتبره العرف قبضا.
كما يكون القبض للسلعة قبضا حكميا , وهو الأسلوب الذي أحدثته التجارة العالمية والتخزين العلمي الحديث وما في حكم ذلك , فأصبحت مستندات الشحن تعتبر في الغالب الأعم في حكم القبض الحقيقي للسلعة.
كما أن شهادات التخزين في المخازن التي تدار بطرق علمية موثوق بها تثبت الملكية لحامل السند وحده دون سواه. . ولكن لا يجوز تداول المستندات بين المشترين. . فالقبض الحكمي رخص فيه للحاجة فلا يجوز للمشتري الأول به أن يستخدمه كذلك وسيلة للقبص عند بيعه لهذه السلعة.
هذا وككل البيوع يكون من آثار وجوب بيع المرابحة: أن البائع يلزمه تسليم المبيع إلى المشتري , ولا يسقط عنه هذا الحق إلا بالأداء , ويظل البائع مسئولا في حالة هلاك المبيع وتكون تبعة الهلاك عليه , سواء كان الهلاك بفعل فاعل أم بآفة سماوية.
стр. 496
اشتراط دفع قسط أول عند توقيع عقد بيع المرابحة
يتم عقد بيع في غالب الواقع المعاصر على أساس الثمن المؤجل , سواء إلى أجل واحد في نهاية المدة أو على أقساط في أثناء المدة المحددة. ويجوز في هذه الحالة أخذ قسط أول من المشتري بالمرابحة بشرط أن يكون ذلك بعد تملك البائع للسلعة وبيعها للآمر.
стр. 497
غالبا ما يتم عقد البيع على أساس الثمن المؤجل , سواء إلى أجل واحد في نهاية المدة أو على أقساط في أثناء المدة المحددة. غير أن بعض السياسات التمويلية من المصارف المركزية , أو السياسات الداخلية لبعض المصارف تشترط دفع قسط أول عند التوقيع على العقد وكثيرا ما يعتقد المشتري (الآمر) في هذه الحالة أنه ساهم بالقسط الأول في ثمن السلعة.
ولذلك يطالب بخصم هذا القسط من الثمن الكلي للسلعة وإن تحدد أرباح البائع (المأمور) على ما تبقى من الثمن. وهذا اعتقاد الخاطئ ولا يصح بحال. وسبب الاعتقاد الخاطئ أن بعض المصارف يتقاضى القسط الأول عند تصديقه على العملية وقبل تملكه للسلعة وهذا بدوره لا يجوز وهو مصدر عقيدة الآمر بأنه ساهم في ثمن السلعة.
ولو أخذ القسط الأول بعد تملك المأمور للسلعة وبيعها للآمر وتنفيذ لشروط هذا العقد لما نشأ هذا الخطأ المركب
وينبغي أن نوضح هنا أن هامش المرابحة يحدد - ضمن عوامل أخرى بناء على طريقة السداد , فنسبة الربح لمن يسدد على أقساط تكون أقل من تلك النسبة المقدرة على من يدفع الثمن كله بنهاية المدة. كما أن نسبة الربح تقل أكثر في حق من يدفع قسطا أول ثم يتلوه بأقساط في أثناء فترة السداد ويجب مراعاة ذلك تحقيقا للعدالة.
стр. 498
ضمان مديونية بيع المرابحة المؤجلة
يجوز للبائع أن يحبس السلعة ضمانا لسداد الثمن المعجل.
كما يجوز له أن يشترط على المشتري بثمن مؤجل كله أو بعضه تقديم الضمان لسداد المديونية في وقتها. وكل أنواع الضمان جائزة في هذا المقام. ومن بين هذه الضمانات يجوز أن تكون السلعة المبيعة ضمانا للسداد.
стр. 499
لا يرتبط سداد مديونية بيع المرابحة المؤجلة - من ناحية الحكم الشرعي - بمصير السلعة المبيعة سلبا أو إيجابا. ذلك لأنه وبتمام عقد البيع صحيحا نافذا لازما تنتقل ملكية السلعة إلى المشتري والثمن إلى البائع. ويصبح الثمن - كله أو جزء منه - دينا في ذمة المشتري. فإذا باع المشتري (الآمر بالشراء) السلعة في الحال أو في أي وقت قبل حلول الأجل , فهو غير ملزم بسداد الدين , إلا إذا كانت ذات السلعة مرهونة لهذا الغرض.
ولو باع الآمر السلعة بأضعاف ثمنها فهو غير ملزم بالسداد إلا في الوقت المضروب له.
كما أن كساد السلعة من ناحية أخرى - ينبغي أن لا يؤثر على سداد المديونية في وقتها - فيطالب المدين بالسداد عند حلول الأجل. فإن لم يستجب يملك الدائن أن يرجع على الضمانات. فله أن ينفذ على الرهن , ويرجع على الضمان , ويفتح بلاغا إذا ارتدت شيكات المدين لعدم كفاية الرصيد أو غيره.
كل هذه الفرص تتاح للدائن إلا إذا قدر أن ثمة عذر يبرر إمهال المدين , فيضرب له أجلا جديدا مناسبا , ولكن بالطبع دون أن يتقاضى على ذلك أي زيادة. لأن زيادة الدين بسبب الأجل هي عين ربا الديون.
وعلى الرغم من عدم الارتباط بين المديونية والسلعة في هذه الحالة إلا أنه لا بد عند الدراسة من الاستيثاق من خبرة الآمر في إدارة مثل هذه السلعة , ومناسبة الثمن الذي دفع فيها حتى يعين المصرف عميله على الاستثمار المجدي ويساعده بدوره على السداد في وقته فتتحقق مصلحة المصرف تبعا لذلك.
стр. 500
انتهاء المرابحة
تنتهي المرابحة بتسليم المبيع إلى المشتري والثمن إلى البائع أو بالاتفاق على الإقالة أو بالفسخ لأحد الأسباب الموجبة له.
стр. 501
تنتهي المرابحة كبقية البيوع بتنفيذ آثارها وهي الالتزامات المترتبة على البائع والمشتري , وذلك بتسليم الثمن إلى البائع والسلعة إلى المشتري.
كما تنتهي باتفاق الطرفين على الإقالة ويترتب على ذلك التراد بإعادة الثمن إلى المشتري وإعادة السلعة إلى البائع.
وتنتهي أيضا بطروء سبب من أسباب الفسخ المقررة شرعا ومن ذلك ظهور العيب إذا اختار المشتري الفسخ دون التعويض (الأرش) .
стр. 502
الشركة
стр. 503
تعريف الشركة
الشركة بالمعنى العام
هي اختصاص اثنين فأكثر بمحل واحد وهذا التعريف جامع يشمل شركة العقد , وشركة الملك , وشركة الإباحة , كما يشمل المضاربة والمساقاة والمزارعة لأن المحل يشمل الدين والعين والعمل والمال والجاه.
والشركة بالمعنى الخاص
هي عقد يتم بين اثنين أو أكثر على الاشتراك في المال وربحه وأن يكون إذن التصرف لهما , أو على الاشتراك على عمل بينهما والربح بينهما.
وهذا هو تعريف شركة العقد سواء كانت على مال أو غيره , ويخرج منه المضاربة والمساقاة ونحوهما.
стр. 504
تعريف الشركة تشكيل النص
الشركة - بفتح الشين وكسر الراء , أو بكسر الشين وسكون الراء - هي اسم مصدر شرك.
يقال شركت فلانا في الأمر شركا وشركة أي كان لكل منهما نصيب منه فهو شريك.
فالمعنى اللغوي للشركة هو الاختلاط أو الخلط بين المالين أو النصيبين.
أما في الاصطلاح , فالشركة يختلف معناها حسب التوسع في مفهومها أو التضييق فيها وتشمل الشركة بالمفهوم الواسع شركة الإباحة , وشركة الملك وشركة العقد.
وشركة العقد هي التي عناها الفقهاء عند إطلاق لفظ الشركة ويعنون بها شركة التجارة لأنها الشركة التي تنشأ بالعقد بين الطرفين.
شركة الإباحة
تسمى شركة الإباحة في القانون الوضعي الملك العام أو الأشياء العامة.
وهي تعني اشتراك جميع الناس (العامة) في حق تملك الأشياء المباحة التي ليست في الأصل ملكا لأحد.
والأصل في شركة الإباحة قوله تعالى:
﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾ (البقرة: ٢٩)
﴿وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه﴾ (الجاثية: ١٣)
﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة﴾ (المائدة: ٩٦)
وكذلك قوله ﷺ : الناس شركاء في ثلاثة: الماء والكلأ والنار.
وتتناول شركة الإباحة الأشياء العامة التي يشترك جميع الناس في ملكيتها , وأباح لهم الشارع استعمالها أو استهلاكها وهي:
(أ) الماء ويشمل ماء البحر وماء الأودية العظيمة كنهر النيل ودجلة والفرات والأردن وغيرها , وماء الأودية الخاصة بقرية أو مدينة , وماء العيون والآبار في الأرض غير المملوكة لأحد.
(ب) الكلأ وهو الحشيش أو العشب الذي ينبت في أرض غير مملوكة والنبات الذي ينبت بنفسه في أرض مملوكة ما لم يقطعه إنسان.
(ج) النار ويراد بها الحطب الذي يحطبه الناس , وكل ما ينتفع به استضاءة واستدفاء واصطلاء.
(د) المعادن التي لا تنقطع كالملح والنفط ومشتقاته , والكبريت وأحجار الرحا والرخام والكحل والياقوت وغيرها.
(٥) المرافق العامة أو الانتفاعات المشتركة التي تمنع اختصاص الفرد بحيازتها كالشوارع والمساجد والرباطات , ومجتمع النادي ومرتكض الخيل , وملعب الصبيان , ومناخ الإبل , والملاعب والحدائق والمنتزهات العامة , ومدن الرياضة ودور الحكومة , ومدارس الدولة ومستشفياتها وملاجئها وأشباه ذلك.
شركة الملك
تسمى شركة الملك في القانون الوضعي الشيوع.
وهي تعني أن يكون الشيء مشتركا بين اثنين أو أكثر بحيث يختلط النصيبان بشكل لا يتميز أحدهما عن الآخر , ويكون ذلك بأي سبب من أسباب التملك سواء أكان بالاختيار أو الجبر.
فتنقسم شركة الملك عند جمهور الفقهاء إلى قسمين:
شركة جبر: وهي التي تحصل بغير فعل الشركاء , وهي حالة الإرث التي يرث فيها شخصان شيئا فيكون الموروث مشتركا بينهما شركة ملك.
شركة اختيار: وهي التي تحصل بفعل الشريكين واختيارهما , مثل أن يشتريا شيئا أو يوهب لهما شيء أو يوصي لهما شيء فيقبلا , فيصير ذلك الشيء مشتركا بينهما شركة ملك اختيارية أي قائمة على رضاهما بالشركة.
ونورد بعض أحكام شركة الملك:
(أ) الأصل أن كل واحد من الشريكين أو الشركاء في شركة الملك أجنبي بالنسبة لنصيب الآخر.
لأن هذه الشركة لا تتضمن وكالة ما , ثم لا ملك لشريك ما في نصيب شريكه , ولا ولاية له عليه من أي طريق آخر. والمسوغ للتصرف إنما هو الملك أو الولاية وهذا ما لا يمكن تطرق الخلاف إليه.
(ب) ليس لشريك الملك في نصيب شريكه شيء من التصرفات التعاقدية: كالبيع , والإجارة والإعارة وغيرها , إلا أن يكون ذلك بإذن شريكه هذا.
فإذا تعدى فآجر مثلا أو أعار العين المشتركة فتلفت في يد المستأجر أو المستعير , فلشريكه تضمينه حصته. وهذا أيضا مما لا خلاف فيه.
(ج) لكل شريك في شركة الملك أن يبيع نصيبه لشريكه , أو يخرجه إليه عن ملكه على أي نحو , ولو بوصية , إلا أن المشترك لا يوهب دون قسمة , ما لم يكن غير قابل لها وباستثناء حالة الضرر.
هذا ما قرره الحنفية , وهو في الجملة محل وفاق - إلا أن هبة المشاع سائغة عند جماهير أهل العلم بإطلاق كما قرره المالكية والشافعية والحنابلة.
والحنفية على أن هبه المشاع لا تجوز - بمعنى عدم إثبات ملك ناجز - فالهبة صحيحة , ولكن يتوقف الملك على الإفراز ثم التسليم.
شركة العقد
عرف الفقهاء شركة العقد تعريفات متعددة , وهي المقصودة عندهم عند إطلاق لفظ الشركة.
وقد خصص الفقهاء كتاب الشركة لشركة العقد دون بقية أنواع المشاركات كشركة الإباحة , بل إنهم لا يذكرون أحكام المضاربة والمزارعة والمساقاة عند ذكرهم كتاب الشركة بل يخصصون لها أبوابا وكتبا خاصة.
وقد حاول بعض العلماء المحدثين إعطاء تعريفات محددة للشركة , ولكنها لا تخرج عن تعريفات الفقهاء السابقين ويمكن في ضوء ذلك تعريف الشركة بأنها: عقد يتم بين اثنين أو أكثر على الاشتراك في المال وربحه , وأن يكون إذن التصرف لهما , أو على الاشتراك على عمل بينهما والربح بينهما.
وبهذا التعريف تكون شركة العقد سواء على مال أو غيره , كما تخرج منها المضاربة والمساقاة ونحوهما.
والتمييز بين شركة العقد وشركة الملك في الفقه الإسلامي يظهر في أمرين:
(أ) الاشتراك في (الشيوع) يكون في الاستحقاق , والاشتراك في شركة العقد يكون في التصرف , فالشركاء في الشيوع يستحقون أنصباءهم في العين المشترك فيها أو في منفعتها , بينما في شركة العقد يتعاون الشركاء في التصرف وإدارة الشركة لإنجاحها , ولهذا كان من تعريفات شركة الملك: أنها اجتماع في استحقاق , وكان من تعريفات شركة العقد أنها اجتماع في التصرف.
(ب) شركة الشيوع تكون في الأعيان أما في رقبتها أو في منفعتها , ويتم ذلك أما عن طريق الجبر كالإرث وذلك بأن يموت شخص ويترك ثروة يشترك فيها الورثة , أو عن طريق رضا المتشاركين كأن يتفق شخصان أو أكثر على شراء دار لاستغلال منافعها.
بينما شركة العقد تقوم على الاشتراك بالنقدين , ولا تجوز بغيرهما إلا إذا قومت بالنقدين وعرف نصيب كل من الشركاء بالقيمة , وإذا تمت بالمثلي فلا بد من الخلط لتصبح شركة للملك أولا ثم تنشأ شركة العقد على المخلوط , وأما في الأعيان أو في منفعتها فلا يجوز أن ينشأ عليها شركة عقد أي من غير تقويم.
стр. 505
تعريف الشركة
جاء في الهداية وشرحها لابن الهمام ط. مصطفى الحلبي بمصر (٦ / ١٥٢ - ١٥٤) :
الشركة ضربان شركة أملاك , وشركة عقود , فشركة الأملاك: العين يرثها رجلان , أو يشتريانها فلا يجوز لأحدهما أن يتصرف في نصيب الآخر إلا بإذنه , وكل واحد منهما في نصيب صاحبه كالأجنبي. . . وشركة العقود , وركنها الإيجاب والقبول.
وجاء في حاشية ابن عابدين ط. دار إحياء التراث العربي ببيروت (٣ / ٣٣٣ - ٣٣٣) : هي شرعا عبارة عن عقد بين المتشاركين في الأصل والربح.
وجاء في الشرح الكبير على مختصر خليل مع حاشية الدسوقي ط. عيسى الحلبي القاهرة (٣ / ٣٤٨) :
الشركة إذن في التصرف لهما مع أنفسهما.
(وهذا التعريف لعقد الشركة) .
وجاء في المغني لابن قدامة ط. الرياض (٥ / ٣) :
الشركة هي الاجتماع في استحقاق , أو تصرف.
стр. 506
دليل مشروعية الشركة
الشركة جائزة في الجملة , وقد ثبت جوازها بالكتاب والسنة والإجماع.
стр. 507
الدليل من الكتاب
تحدث القرآن الكريم عن الشركاء والخلطاء في مجال الأموال:
فذكر شركة الملك عن طريق الإرث فقال تعالى: ﴿فهم شركاء في الثلث﴾ سورة (النساء: ١٢) .
كما ضرب مثلا للفشل والخسران بالشركة التي يكون شركاؤها متشاكسين متنازعين مختلفين فقال تعالى: ﴿ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا﴾ سورة (الزمر: ٢٩) .
وتحدث القرآن الكريم كذلك عن الخلطاء في سورة (ص) حيث تنازعوا فيما بينهم , وأرادوا أن يعرضوا أمرهم هذا على داود ﵇ ولكنه كان في يوم عبادته وصومه وفي صومعته ومحرابه , ولذلك تسوروا الحائط فنزلوا عليه من فوق: ﴿ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم﴾ (سورة ص: ٢١: ٢٤) .
ويستفاد من هذه الآيات مشروعية الخلطة والشركة واحتمال وقوع الظلم من بعض الشركاء على بعضهم الآخر , بل الأكثرية على ذلك , كما أن مجال أكل أموال الشركة من الشركاء أوسع من أي شيء آخر , لأن كل واحد وكيل عن الآخر والأموال تحت يديه , فلو لم يخف الله تعالى فليس هناك رادع آخر , لأن إثبات أخذه من أموال الشركة ليس سهلا ولذلك قال سيدنا داود ﵇ ﴿وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض﴾ ثم استثنى من عنده الرقابة الباطنية , والتصديق الكامل فقال: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ ثم عقب على ذلك بأن هؤلاء قليلون ﴿وقليل ما هم﴾ كما يستفاد من هذه الآيات ضرورة المشاركة مع من كان مؤمنا حقا وترسخت العقيدة في قلبه , وتمكن الخوف من الله تعالى في نفسه وهو دائم العمل الصالح للدنيا والآخرة.
ويبدو أن الحفاظ على الأمانة والإخلاص في باب الشركة له من الصعوبة والندرة حتى جعل الله تعالى له ميزة واختصاصا فقال في حديث قدسي: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه. .
الدليل من السنة
تكرر لفظ الشركة في السنة كثيرا , بل عقدت لها كتب وأبواب , فقد خصص البخاري في صحيحة كتابا سماه: كتاب الشركة , ذكر فيه ستة عشر بابا وبلغ عدد أحاديثه سبعة وعشرين حديثا.
أخرج أبو يعلى والبيهقي عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من خان شريكا فيما ائتمنه عليه واسترعاه له فإنه بريء منه.
ويستدل بهذا الحديث على مشروعية الشركة حيث يقرر جوازها ويحذر الشريكين من الخيانة.
وأخرج أبو داود وروى الحاكم في مستدركه , والبيهقي في سننه , عن النبي ﷺ قال يد الله مع الشريكين ما لم يتخاونا , فإذا تخاونا محقت تجارتهما فرفعت البركة منها.
والحديث يدل على جواز شركة العقد وفضيلتها , وأنها محل للبركة وتنمية الرزق لأن يد الله مع الشريكين.
وأورد الشوكاني عن أبي المنهال أن زيد بن أرقم والبراء ابن عازب كانا شريكين فاشتريا فضة بنقد ونسيئة , فبلغ النبي ﷺ فأمرهما أن ما كان بنقد فأجيزوه , وما كان بنسيئة فردوه.
رواه أحمد والبخاري ولفظ البخاري ما كان يدا بيد فخلوه , وما كان نسيئة فردوه.
وقد دلت عبارة الحديث على جواز الشركة عموما وجوازها بالدنانير والدراهم , وعلى جواز التعامل بها نقدا لا نسيئة.
وروى الشوكاني عن أبي عبيدة عن عبد الله قال: اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر قال: فجاء سعد بأسيرين ولم أجيء أنا وعمار بشيء , قال الشوكاني وهو (أي الحديث) حجة في شركة الأبدان وتملك المباحات.
وهو دليل على صحة الشركة إلا أن ابن حزم يطعن في الحديث ويرى أنه خبر منقطع لأنه من رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه , وأبو عبيدة لم يذكر عن أبيه شيئا , وابن حزم لا يرى صحة شركة الأبدان ولذلك طعن في الحديث.
الدليل من الإجماع
حكى الإجماع جمهرة الفقهاء إذ كان الناس يتعاملون بالشركة من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا من غير نكير.
وجاء في المغني لابن قدامة أن المسلمين أجمعوا على جواز الشركة بالجملة وإنما اختلفوا في أنواع منها كما هو موضح في أقسام الشركة.
стр. 508
الوصف الفقهي للشركة
يرى الفقهاء أن الشركة على اختلاف أنواعها تتضمن وكالة كل شريك عن صاحبه في التصرف في موضوع الشركة.
ويذهب معظم الفقهاء إلى أن الشركة من عقود المعاوضات بينما يرى بعضهم أنها من عقود الأمانات وليس المعاوضات.
стр. 509
يرى الفقهاء أن الشركة على اختلاف أنواعها تتضمن وكالة كل شريك عن صاحبه ولذا يجب أن تتوافر فيه شروط الوكيل باعتباره وكيلا , وشروط الموكل باعتباره موكلا صاحبه إذ أن كلا من الشركاء وكيل عن صاحبه في التصرف في موضوع الشركة بيعا وشراء واستثمارا واستئجارا وتقبلا للأعمال لأن هذا هو مقتضى الشركة.
ولكن نية المشاركة تخرج الوكالة من الشركة - وإن كانت الشركة تقوم على الوكالة - لأن الوكيل لا يشارك في الربح ولا في الخسارة وإنما يأخذ أجرا على وكالته وقد لا يأخذ ونية المشاركة غير متوفرة من البدء.
وبالنظر لتبادل الحقوق يرى معظم الفقهاء أن الشركة من عقود المعاوضة وهي التي يأخذ فيها العاقد مقابلا لما يعطى , بمعنى أن كل شريك يقدم حصة في رأس المال ويأخذ نصيبا من أرباح الشركة مقابل هذه الحصة.
وقد تكون مبادلة مال بمال إذا كان رأس المال من النقدين أو غيرها (عند من يجيز الشركة بالعروض من الفقهاء) مقابل ربح مالي , وقد تكون مبادلة عمل بمال كما في شركتي الصنائع والوجوه.
على أن بعض الفقهاء ومنهم الأستاذ مصطفى الزرقا يرى أن الشركة ليست من عقود المعاوضة , فهو يقول: (وأما عقود الإعارة والوكالة والشركة ونحوها , فإنها خالية خلوا تاما من معنى المعاوضة , فتعتبر عقود أمانة ويكون مال الموكل في يد وكيله , ومال القاصر في يد وصيه , ومال الشريك في يد شريكه والعارية في يد مستعيرها , كل ذلك أمانة محضة غير مضمونة بمقتضى العقد كالوديعة) .
ويوضح الأستاذ مصطفى الزرقا المبدأ الشرعي الذي يقوم على أساسه التمييز بين عقود الضمانات وعقود الأمانات فيقول: (إن فكرة الضمان في العقد تدور مع معنى المعاوضة فيه ولو نهاية ومآلا , وحينئذ يكون العقد عقد ضمان في الناحية التي تتعلق بها المعاوضة) .
وعلى هذا الأساس فهو يعتبر الشركة من عقود الأمانات وليس المعاوضات ويذكر ما جاء في آخر بحث شركة العنان من كتاب الهداية ما نصه: (ويد الشريك في المال يد أمانة لأنه قبض المال بإذن المالك لا على وجه البدل والوثيقة , فصار كالوديعة) .
غير أن هذه الأمانة في الشركة لا تمنع المعاوضة كما جاء في تعليق الدكتور عبد العزيز الخياط في كتابة الشركات في الشريعة الإسلامية , فهو يقول: (ومقتضى كون الشركة من عقود المعاوضات لا يمنع أن تكون من حيث الضمان عقود أمانة في بعض أنواع الشركات كالمضاربة , وهي من عقود الضمان في بقية أنواع الشركة حيث يضمن كل شريك ما تلف من مال صاحبه بعد الخلط وعدم تمييز نصيب كل شريك من نصيب صاحبه) .
стр. 510
الحكم التكليفي للشركة
تدل النصوص المعتبرة في القرآن الكريم والسنة المطهرة لا على إباحة وجواز عقد الشركة فقط , بل على استحبابها وتشوف الشارع إليها وحثه عليها.
стр. 511
أجمع الفقهاء على أن الشركة مشروعة , ومبنى هذا الإجماع على الأدلة المعتبرة من القرآن الكريم والسنة المطهرة.
بل أن الأحاديث التي أوردناها ولا سيما الحديث القدسي الذي يقول فيه الله تعالى: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما إنها تدل بوضوح لا على الإباحة والجواز فقط بل على استحبابها وتشرف الشارع إليها وحثه عليها بل إنه يمكن القول بوجوبها في حالة حاجة الأمة أو الدولة المسلمة إلى مشروعات ضخمة لا يستطيع الأفراد بمفردهم القيام بها , وحينئذ يكون وجوبها من باب: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب , ولا سيما في عصرنا الحاضر الذي رأينا فيه أن الاستعمار الغربي بدأ باستعمار ديارنا عن طريق الشركات الضخمة كشركة الهند الشرقية.
والحكمة من مشروعية الشركة هي التعاون من خلال جمع الأموال الكثيرة من الأشخاص , وبالتالي تحقيق التنمية الاقتصادية والقيام بمشروعات ضخمة لخدمة المجتمع الإسلامي تجاريا وصناعيا وزراعيا.
فالبركة دائما مع الجماعة , والخير كله مع التعاون ولذلك أمر الله تعالى بالتعاون فقال: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ (سورة المائدة: ٢) .
فالشركة تعاون بين أصحاب الأموال لجمع الأموال الكافية لتحقيق الأهداف التنموية للمجتمع , ودفع لحاجة أصحاب رءوس الأموال الصغيرة الذين لا يستطيعون وحدهم أن يدخلوا في المشروعات المناسبة فيضموا أموالهم إلى أموال الآخرين من خلال عقد الشركة فيتكون منها مال كبير يكون قادرا على إنجازها , وعلى تحقيق الربح المناسب للأطراف المشاركة , ولو لم تكن مثل هذه الشركات لظلت الأموال القليلة غير قادرة على الاستثمار والمساهمة في التنمية , بل قد تكنز أموال هؤلاء الأشخاص الذين ليس لهم قدرة على الاستثمار حتى ولو كانت أموالهم كبيرة بسبب عدم خبرتهم فحينما توجد الشركات يتسارع أصحاب هذه الأموال لشراء أسهمها والمساهمة في تحقيق أغراضها , إضافة إلى تحقيق التكامل بين المال والخبرة والعمل في شركات المضاربة والمساقاة والمزارعة ونحوها وكل هذه الأغراض مشروعة بل هي داخلة في مقاصد الشريعة الغراء.
стр. 512
تقسيم شركة العقد باعتبار محلها
يقسم الفقهاء الشركات إلى أنواع مختلفة بعضها متفق عليه وبعضها موضع خلاف بينهم.
ويمكن تقسيمها إجمالا إلى شركة أموال وشركة أعمال وشركة وجوه.
وشركة الأموال هي التي تعتمد على المشاركة في رأس المال.
وشركة الأعمال هي التي تعتمد على الحرفة والصنعة وضمان العمل , وشركة الوجوه تعتمد على ثقة الناس بالمتشاركين وليس لهما مال وحرفة ولكن لهم حسن التصرف والخبرة في البيع والشراء.
وبصفة عامة فإن شركة الأموال جائزة بإنفاق الفقهاء , وشركة الأعمال منعها الشافعية وأجازها غيرهم.
وشركة الوجوه جائزة عند الحنفية والحنابلة وغير جائزة عند المالكية والشافعية.
стр. 513
شركة الأموال
شركة الأموال هي عقد بين اثنين فأكثر , على أن يتجروا في رأس مال لهم , ويكون الربح بينهم بنسبة معلومة.
والأصل في شركة الأموال أن يكون العمل على المشتركين بجانب اشتراكهم برأس المال لأن كلا من الشركاء وكيل عن الآخر في التصرف بمال الشركة , وهي عند كثير من الفقهاء أذن في التصرف في المال فكان العمل جائزا لكل من الشركاء.
فإذا عمل بعضهم ولم يعمل البعض الآخر أو عملوا جميعا أو اشترطوا أن يكون العمل من جانب أكثر من الجانب الآخر لحذقه ومهارته , جاز ذلك كله في رأي الحنفية والحنابلة وجمهور من الفقهاء.
وشركة الأموال إما أن تكون شركة مفاوضة وقد اختلف الفقهاء في معناها وفي حكمها , وإما أن تكون شركة عنان وهي جائزة باتفاق الفقهاء.
وفي عنان شركة الأموال يجوز تساوي أو تفاضل الشركاء في تقديم حصة رأس المال وكذلك في حصة الربح المتفق عليها.
شركة الأعمال
شركة الأعمال هي الشركة التي تعتمد على الجهد البدني والفكري فهي اتفاق اثنين أو أكثر من أرباب الأعمال والمهن على أن يشتركا في تقبل الأعمال من الناس وأن يكون ما يكسبانه من أرباح مشتركا بينهما بحسب الاتفاق.
فإذا اشترك كاتبان في عمل فكري ككتابة كتاب ونشره , أو اشترك طبيبان في فتح عيادة أو اشترك خياطان في تقبل الخياطة , واتفقا على أن ما يكسبانه لهما مناصفة أو غير ذلك كان ذلك شركة أعمال.
ويسمى هذا النوع من الشركات بشركة الأعمال لأن العمل هو أساس المشاركة فيما بين الشركاء إذ ليس فيها رأس مال يشتركان فيه وإنما يشتركان بعمل البدن , ولذا تسمى أيضا شركة الأبدان , وتسمى أيضا شركة التقبل للمشاركة في تقبل الأعمال من الناس , وتسمى أيضا شركة الصنائع لأن رأس مال الشريكين فيها هو صنعتهما.
وقد اتفق جمهور الفقهاء على جواز هذه الشركة واختلفوا في بعض أنواعها وأحكامها , وخالف الشافعية فذهبوا إلى أنها شركة باطلة لأن الشركة تنبئ عن الاختلاط وهو شرط لجوازها ولا يقع الاختلاط إلا في الأموال , ولا يتحقق الاختلاط بالأموال في شركة الأعمال.
وكذلك لأن الشركة إنما شرعت أصلا لاستنماء المال بالتجارة ولا بد من أصل يستنمى , وهو لا يوجد في شركة الأعمال لأنها تعتمد على الأبدان فلا يحصل ما وضعت له الشركة فلا يجوز.
ثم أن في شركة الأعمال كثير غرر لأن الأعمال لا تنضبط وعمل كل واحد من الشركاء مجهول عند صاحبه وهو مميز ببدنه ومنافعه فيختص بفوائده ولا يجوز أن يشاركه فيها غيره.
أما المجيزون لشركة الأعمال , ومنهم الحنابلة والمالكية فقد استدلوا بحديث عبد الله بن مسعود إذ أنه قال: اشتركت أنا وسعد وعمار يوم بدر فلم أجيء أنا وعمار بشيء وجاء سعد بأسيرين , وقد أقرهم النبي ﷺ على اشتراكهم في الأسرى وهم إنما استحقوا ذلك بالعمل.
كما استدل الحنفية على جواز شركة الأعمال بإجماع الناس على التعامل بها في سائر الأمصار من غير نكير من أحد عليهم بالرغم من عدم أخذ بعض الفقهاء بها بعد استقرار الإجماع على مشروعيتها.
ويقول الكاساني الشركة بالأموال شرعت لتنمية المال , وأما الشركة بالأعمال فما شرعت لتنمية المال بل لتحصيل أصل المال , والحاجة إلى تحصيل المال فوق الحاجة إلى تنميته , فلما شرعت لتحصيل الوصف فلأن تشرع لتحصيل الأصل أولى.
هذا وتنبني شركة الأعمال على الضمان أي يضمن كل من الشركاء ما يقبله شريكه من العمل , وضمانهم ضمان الصناع في مصنوعهم.
شركة الوجوه
شركة الوجوه هي أن يشترك اثنان وليس لهما مال , ولكن لهما وجاهة عند الناس فيقولان اشتركنا على أن نشتري بالنسيئة ونبيع بالنقد على أن ما رزق الله سبحانه من ربح فهو بيننا على شرط كذا.
وهي سميت بذلك لأن الشركاء ليس لديهم رأس مال إلا ما يحصلون عليه بالاستدانة بوجاهتهم لدى من يبيعهم بالأجل , قال الإمام شمس الدين السرخسي (أن رأس مالهما وجههما فإنه لا يباع بالنسيئة إلا ممن له في الناس وجه , وتسمى شركة المفاليس) .
وتسمى هذه الشركة أيضا شركة الذمم قال ابن رشد (شركة الوجوه هي الشركة على الذمم من غير صنعة ولا مال) .
وشركة الوجوه جائزة عند الحنفية والحنابلة , وغير جائزة عند المالكية والشافعية.
ويستدل الشافعية بأن الشركة تبنى عن الاختلاط , ولا يقع الاختلاط إلا في الأموال , أما الأعمال فلا اختلاط فيها ثم أن الشركة شرعت لتحصيل غرض الاستنماء ولابد من أصل يستنمى وهو لا يوجد في شركة الوجوه.
وكذلك لم يجز المالكية شركة الوجوه لما فيها من غرر لأنها اشتراك بالذمم وهو لا يجوز عندهم , فهي من باب تحمل عني وأتحمل عنك وأسلفني وأسلفك , فهي من باب ضمان بجعل وسلف.
أما بالنسبة لمن أجازها من الحنفية والحنابلة , فإن مشروعية شركة الوجوه ثابته بالسنة التقريرية لأن الناس تعاملوا بها من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا من غير إنكار. وهي لا تخرج في حقيقتها عن الجمع بين الوكالة والكفالة , ففيها وكالة كل شريك لشريكه في شراء السلعة والكفالة بثمنها , والوكالة والكفالة جائزتان فما اشتمل عليهما فهو جائز أيضا.
هذا وتنبني شركة الوجوه على ضمان الديون أي استعداد كل من الشريكين لتحمل مسئولية وفائها في حالة إخفاق عمليات هذه المشاركة. ولا بد عند العقد من تحديد نسبة ما يستحمله كل شريك فيها من الضمان , ويجوز أن يكون ذلك بالتساوي أو بالتفاضل بأن يضمن أحد الشركاء ٦٠ % ويضمن الآخر ٤٠ % مثلا.
стр. 514
تقسيم شركة العقد باعتبار التساوي والتفاوت
يقسم الفقهاء شركة العقد باعتبار تساوي الشركاء في بعض الأمور أو تفاوتهم فيها إلى شركة مفاوضة وشركة عنان , وتكون شركتا المفاوضة والعنان عند الحنفية في كل من شركات الأموال والأعمال والوجوه.
وقد أجمع الفقهاء على جواز شركة العنان , واختلفوا في معنى شركة المفاوضة وفي حكمها.
стр. 515
شركة المفاوضة
تقوم شركة المفاوضة على أساس تفويض كل واحد من الشريكين إلى صاحبه التصرف في ماله مع غيبته وحضوره. فلا بد فيها من أن يطلق كل من الشركاء للآخرين حرية التصرف في البيع والشراء والمضاربة والتوكل والارتهان والابتياع في الذمة والمسافرة بالمال وغير ذلك مما تحتاج له التجارة.
وعلى أساس معنى التفويض السابق ذكره , فإن شركة المفاوضة تكون جائزة عند جمهور الفقهاء من الحنفية والحنابلة والمالكية ولكن مع ضرورة تحقق شروط أخرى عند الحنفية.
وبهذا المعنى فإن المشارك المفاوض لا يحتاج إلى مراجعة شريكه وأخذ موافقته في كل تصرف من تصرفاته للشركة , بل يكون تصرفه نافذا عليه وعلى شريكه في كل ما يعود على مال الشركة نفعه.
وهذا الحكم موضع وفاق بين القائلين بالمفاوضة وهم كما ذكرنا الحنفية والحنابلة والمالكية.
أما الشافعية فانهم ذهبوا إلى عدم جواز شركة المفاوضة ورأوا فيها غررا لأنه يلزم كل واحد ما لزم الآخر , وقد يلزمه شيء لا يقدر على القيام به.
وقد أجاب المجيزون على ذلك بأنه ليس في هذا العقد غرر ولا إجبار على الاشتراك في المفاوضة بل أن القاعدة تقول أن الغنم بالغرم , وما دام الشركاء قد تراضوا على أن يلتزم كل منهم بما يلزم الآخر فلا غرر فيه وهو جائز.
شركة المفاوضة عند الحنفية
شركة المفاوضة عند الحنفية يختلف معناها عن المعنى الذي جاء به المالكية والحنابلة , فالحنفية يرون أن المفاوضة مشتقة من الفوض أي التساوي وهي تتحقق بوجود المساواة الكاملة بين الشريكين , ففي شركة الأموال يشترط التساوي في رأس المال وفي الربح وفي القدرة على التصرف , وفي شركة الأعمال يقوم التساوي في الاشتراك في تقبل الأعمال مقام التساوي في رأس المال كما يقوم تعهد العمل مقام التصرف فيه.
أما في شركة الوجوه فيكون التساوي في التضامن في التزام الحقوق والواجبات والثمن الذي يشتريان به نسيئة مقام التساوي في رأس المال.
ويعني الحنفية بتساوي رأس المال في شركة الأموال أن يتساوى الشركاء فيما يصلح أن يكون رأس مال الشركة قدرا وقيمة ابتداء وانتهاء بمعنى أنه يجب أن يكون كل ما يملكه كل من الشريكين مساويا للآخر , فلا يجوز أن يكون لأحد المتفاوضين مال يصلح أن يكون رأس مال للشركة ولم يدخل فيها عند التعاقد , كذلك تتحول المفاوضة إلى عنان إذا استوفى أحد الشريكين دينا أو حضر له مال غائب.
لذلك فإن الأستاذ علي الخفيف يرى أن شركة المفاوضة لا تعد شركة واقعية وليس لوجودها بقاء إذا ما وجدت , فهو يقول: (أن اشتراط تساوي أموال الشركاء في القيمة وعدم اختصاص كل شريك بمال يصلح أن يكون رأس مال للشركة في جميع مراحل وجودها لا يبقى عليها زمنا طويلا فإن استمرار كل شريك على ما كان له من نقود عند تكوينها وعدم زيادتها بعد ذلك أمر يكاد أن يكون عسيرا) .
هذا ولا ضير عند الحنفية في أن يتفاضلا الشريكين في الأموال التي لا تصلح فيها الشركة كالعقار والعروض والديون , ولكن كما ذكرنا إذا قبض الدين نقودا تحولت المفاوضة إلى عنان لاشتراطهم استمرار المساواة ابتداء وانتهاء.
شركة المفاوضة عند غير الحنفية
وخلافا عن الحنفية , فإن المالكية والحنابلة لا يشترطون المساواة بين الشريكين في رأس المال لصحة المفاوضة.
كما أنهم لا يبنوها على الكفالة وانما اكتفوا بما فيها من معنى الوكالة , بينما ذهب الحنفية إلى أن كل شريك يكون وكيلا عن الآخر فيما له من حقوق وكفيلا عنه فيما يجب عليه من شراء وبيع والتزامات.
وكذلك يشترط الحنفية في شركة المفاوضة إطلاق التصرف لكل شريك في جميع أنواع التجارة ولا يصح تخصيصها بنوع أو نشاط معين من التجارة , فكل شريك له أن يتجر في أي نوع أراد قل أو كثر , سهل أو عسر , رخص أو غلا , لأن المفاوضة تقتضي عندهم تفويض الرأي في كل ما يصلح للاتجار فيه وعدم التقييد بنوع دون نوع كما صرح به صاحب الهداية.
وهذا الشرط غير مقرر عند المالكية والحنابلة لأن المالكية ينوعون المفاوضة إلى عامة لم تقيد بنوع من أنواع المتاجرة دون نوع , وخاصة بخلافها , كما أن الحنابلة يئول كلامهم إلى مثل هذا.
شركة العنان
أجمع الفقهاء على جواز شركة العنان وهي الشركة التي كانت معروفة منذ القديم , وهي أيضا الشركة التي كانت بين رسول الله ﷺ وبين السائب بن شريك فقد جاء في الحديث أنه كان شريك النبي في أول الإسلام في التجارة , فلما كان يوم الفتح قال النبي ﷺ : مرحبا بأخي وشريكي , لا يدارى ولا يماري.
وشركة العنان هي أن يشترك اثنان أو أكثر في نوع من أنواع التجارة أو في عموم التجارات , ويلتزم المتعاقدون بمقتضاها بأن يقدم كل منهم حصة معينة في رأس المال , ويكون الربح بينهما حسب المال أو حسب الاتفاق عند جماعة من الفقهاء , أما الخسارة فهي أبدا بقدر المالين لأنها جزء ذاهب من المال , فيتقدر بقدره.
وتنعقد شركة العنان على الوكالة على معنى أن كل واحد منهما يكون وكيل صاحبه في الشراء بالمال الذي عينه , ولهذا يشترط تعيين المال عند العقد أو عند الشراء لأن الوكالة بالشراء لا تصح إلا بمال الموكل وكونها مبنية على الوكالة يمكن كل شريك من التصرف , ويكون الحاصل من التجارة مشتركا بين الشركاء.
ويرى الحنفية وكذلك الشافعية أنه لا يترتب على شركة العنان أثر إلا عند التصرف في رأس المال بالشراء , فإذا عقدت الشركة وكانت الأموال حاضرة ولكن التصرف بالشراء لم يبدأ بعد , فهلك أحد المالين هلك على صاحبه وبطلت بضياعه الشركة وذلك لانعدام محلها وهو المال المشترك.
أما إذا تصرف أحد الشركاء بالمال فإنه يترتب الأثر حينئذ وإذا هلك أي جزء من المال هلك على حساب الشركاء جميعا.
وخلافا لهذا يرى المالكية ومعهم الحنابلة أن رأس المال يصبح مشتركا بمجرد العقد فيدخل في ضمان الشركاء جميعا وإذا هلك منه جزء هلك عليهم كلهم.
الفرق بين شركة المفاوضة وشركة العنان
ويمكن أن نعرض هنا الفرق عموما بين شركتي المفاوضة والعنان كما هو عند الحنفية فيما يلي:
(أ) أن المفاوضة مختلف في جوازها , وشركة العنان مجمع على جوازها.
(ب) تشترط المساواة في قدر المال في المفاوضة , ولا يشترط ذلك في العنان.
(ج) أن المفاوضة لا تكون إلا في عموم التجارات , وأما العنان فلا يشترط فيه ذلك.
(د) أن المفاوضة يشترط فيها المساواة في الربح , وأما العنان فيجوز أن يكون الربح حسب الاتفاق تساويا أو تفاضلا.
(هـ) أن شركة المفاوضة لا بد أن يكون لكل واحد من الشركاء أهلية الكفالة بأن يكون حرا عاقلا , لذلك لا تصح من الصبي المأذون بالتجارة , أما العنان فلا يشترط فيه ذلك وإنما يشترط فيه أهلية الوكالة فقط ولذلك تجوز من الصبي المأذون.
(و) أن شركة المفاوضة تعطي الحق المطلق في التصرف , بينما شركة العنان يكون الشريك فيها مقيدا بإذن الشريك.
стр. 516
تقسيم شركة العقد باعتبار العموم والخصوص
تنقسم شركة العقد إلى:
شركة مطلقة وهي التي لم تقيد بشرط جعلي أملته إرادة شريك أو أكثر.
وشركة مقيدة ببعض الأشياء أو الأزمان أو الأمكنة.
стр. 517
الشركة المطلقة
الشركة المطلقة هي التي لم تقيد بشرط جعلي أملته إرادة شريك أو أكثر: بأن تقيد بشيء من المتاجر دون شيء , ولا زمان دون زمان , ولا مكان دون مكان , ولا ببعض الأشخاص دون بعض إلخ. . كأن اشترك الشريكان في كل أنواع التجارة وأطلقا فلم يتعرضا لأكثر من هذا الإطلاق بشقيه: الزماني وغيره يكون في شركة العنان.
أما في شركة المفاوضة عند الحنفية فلا بد من الإطلاق في جميع أنواع التجارات كما هو صريح الهداية , وإن كان في البحر الرائق أنها قد تكون مقيدة بنوع من أنواع التجارات والإطلاق الزماني احتمال من احتمالاتها وليس بحتم.
الشركة المقيدة
الشركة المقيدة هي التي قيدت ببعض الأشياء أو الأزمان أو الأمكنة , كأن تقيد بالحبوب أو المنسوجات أو السيارات أو البقالات , أو تقيد بموسم قطن هذا العام , أو ببلاد هذه المحافظة.
والتقييد ببعض المتاجر دون بعض لا يتأتى في شركة المفاوضة عند الحنفية , أما التقييد ببعض الأوقات دون بعض فيكون فيها وفي العنان.
هذا وتنوع الشركة إلى مطلقة ومقيدة , بما فيها المقيدة بالزمان , يوجد في سائر المذاهب الفقهية ومما ينص عليه الشافعية أنه يجوز تقييد تصرف أحد الشريكين , وإطلاق تصرف الآخر.
إلا أنه حكي عن بعض أهل الفقه أنه لا بد أن يعين لكل شريك نطاق تصرفه , ويحتمل كلام بعض المالكية إبطال الشركة بالتأقيت , وإن كان الظاهر عندهم أيضا صحة الشركة مع عدم لزوم الأجل.
стр. 518
صيغة العقد
يحتاج انعقاد عقد الشركة كبقية العقود إلى التعبير عن الإرادة , وهو يتم باللفظ والكتابة , والفعل (بذل المال وخلطه) والإشارة , والسكوت في معرض البيان.
стр. 519
يحتاج انعقاد عقد الشركة كبقية العقود إلى التعبير عن الإرادة , وهو يتم باللفظ والكتابة , والفعل (بذل المال وخلطه) والإشارة , والسكوت في معرض البيان.
وفي بعض هذه الوسائل خلاف وتفصيل ليس هذا محله , ولكن الراجح في ذلك: هو أن مرجع ذلك إلى العرف , فما عده العرف دليلا على إرادة عقد المشاركة فهو دليل معتبر شرعا جاء في الشرح الكبير مع الدسوقي (ولزمت الشركة بما يدل عليها عرفا) .
ولا مانع شرعا من استعمال الوسائل الحديثة للاتصال كالفاكس والتلكس والتليفون والكمبيوتر ونحوها.
وصيغة العقد يعبر عنها بالإيجاب والقبول:
وعند الحنفية: الإيجاب هو التعبير الصادر أولا الدال على الرضا بالعقد , والقبول هو التعبير الصادر في جواب الإيجاب الدال على الرضا به.
وذهب جماعة من الفقهاء إلى أن الإيجاب هو التعبير الصادر من المملك كالبائع , والقبول الصادر عن المتملك كالمشترى.
стр. 520
جاء في بدائع الصنائع (٧ / ٣٥٣١)
فيقولان اشتركنا فيه على أن نشتري ونبيع معا أو شتى أو أطلقا على أن ما رزق الله من ربح فهو بيننا على شرط كذا , أو يقول أحدهما ذلك ويقول الآخر نعم , ولو ذكرا الشراء دون البيع , فإن ذكرا ما يدل على شركة العقود بأن قالا ما اشترينا فهو بيننا أو ما اشترى أحدنا من تجارة فهو بيننا يكون شركة لأنهما لما جعلا ما اشتراه كل واحد بينهما علم انهما أراد به الشركة لا الوكالة.
وكذلك يصح عقد الشركة من غير بيان الجنس أو النوع أو قدر الثمن بأن قال رجل لغيره: ما اشتريت من شيء فبيني وبينك أو قال: فبيننا , وقال الآخر: نعم , فإن أراد بذلك أن يكونا بمعنى شريكي التجارة كان شركة حتى تصح من غير بيان جنس المشتري ونوعه وقدر الثمن , كما إذا نصا على الشراء والبيع.
قال بشر سمعت أبا يوسف يقول في رجل قال لرجل ما اشتريت اليوم من شيء فبيني وبينك نصفين , فقال الرجل نعم , فإن أبا حنيفة ﵀ قال هذا جائز , وكذلك قال أبو يوسف وكذلك أن وقت مالا , ولم يؤقت يوما , وكذا أن وقت صنفا من الثياب وسمى عددا أو لم يسم ثمنا ولا يوما.
وإن قال ما اشتريت من شيء فهو بيني وبينك ولم يسم شيئا مما ذكرنا , فإن أبا حنيفة ﵀ قال: لا يجوز , وكذلك قال أبو يوسف لما ذكرنا أنه لما لم يذكر البيع ولا ما يدل على شركة العقود علم أنها وكالة فلا تصح إلا بضرب من التخصيص.
وذكر محمد في الأصل في رجلين اشتركا بغير مال على أن ما اشتريا اليوم فهو بينهما خصا صنفا من الأصناف أو عما ولم يخصا فهو جائز , وكذلك أن لم يوقتا للشركة وقتا كان هذا جائزا لأنهما لما جعلا ما يشتريه كل واحد بينهما دل على أنها شركة وليست بوكالة لأن الوكالة لا تكون من الدائنين عادة وإذا كان شركة فالشركة لا تحتاج إلى التخصيص.
قال: وإن أشهد أحدهما أن ما يشتريه لنفسه بغير محضر من صاحبه فكلما اشتريا شيئا فهو بينهما , لأن الشركة لما صحت كان كل واحد منهما وكيل الآخر فيما يشتريه فهو بالإشهاد أنه يشترى لنفسه يريد اخراج نفسه من الوكالة بغير محضر من الموكل فلا يملك ذلك.
أما الشركة بالأعمال فكأن يقولا: اشتركنا على أن نعمل فيه على أن ما رزق الله من أجرة فهي بيننا على شرط كذا.
وأما الشركة بالوجوه فكأن يقولا: اشتركنا على أن نشتري بالنسيئة ونبيع بالنقد على أن ما رزق الله من ربح فهو بيننا على شرط كذا.
وجاء في فتح العزيز للرافعي الشافعي (١٠ / ٤٠٥)
الصيغة وهي تدل على الإذن في التصرف , والأظهر أنه يكفي قولهما: اشتركنا إذا كان يفهم المقصود منه عرفا.
стр. 521
العاقدين
اتفق الفقهاء على أن شروط أهلية عاقد الشركة هي أن يملك أهلية التوكيل والتوكل لأن كلا منهما وكيل عن الآخر.
وزاد الحنفية في شركة المفاوضة والحنابلة في شركة الوجوه أن يكون للشركاء أهلية الكفالة.
واتفق الفقهاء على جواز مشاركة المسلم للكافر ما عدا شركة المفاوضة عند الحنفية فقد اختلفوا في اشتراط التساوي في الدين فيها , فذهب أبو حنيفة ومحمد إلى عدم جواز مشاركة المسلم للكافر في المفاوضة لعدم التساوي في الدين , وقال أبو يوسف بجواز ذلك مع الكراهية للتساوي بينهما في الوكالة والكفالة.
ويشترط أن يكون الشركاء اثنين فأكثر , وليس هناك حصر لعدد الشركاء مهما بلغوا أما الرجل الواحد فلا يكون شركة في الفقه الإسلامي لأن رأس ماله خاص به دون غيره فلا يشاركه فيه أحد.
стр. 522
أهلية العاقد
لكي يمكن للشخص أن يباشر عقد الشركة بدون حاجة إلى إذن الولي , يجب أن تتوافر له أهلية الأداء الكاملة , وهي صلاحية الشخص لصدور التصرفات منه على وجه يعتد به شرعا.
وقد اتفق الفقهاء على أن طرفي عقد الشركة لا بد أن يتوافر فيهما أهلية التوكل والتوكيل لأن كل منهما وكيل عن الآخر غير أن الحنفية فرقوا بين شركة المفاوضة وغيرها , وقالوا: أن شركة المفاوضة تنعقد على الوكالة والكفالة , أما الوكالة فلتحقيق المقصود في الشركة , إذ لا يتحقق إلا إذا كان كل واحد منهما وكيلا عن الآخر , لأن مقتضى عقد الشركة في الأموال والمشاركة , وأن يعمل الطرفان , أو الأطراف , وأما الكفالة فلتحقيق المساواة فيما هو من مواجب التجارات وهو توجيه المطالبة نحوهما جميعا.
وجاء في الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (٣ / ٣٤٨) : (وإنما تصح الشركة من أهل التوكيل والتوكل , أي ممن فيه أهلية لهما بأن يوكل غيره , ويتوكل لغيره وهو الحر البالغ الرشيد) .
التساوي في الدين
وقد اشترط أبو حنيفة ومحمد التساوي في الدين في شركة المفاوضة فلم يجيزوا مشاركة المسلم لغير المسلمين , ولكنهم أجازوا مشاركة الذمي للذمي حتى ولو كان أحدهما يهوديا أو نصرانيا , والآخر مجوسيا , لتحقق التساوي , لكن أبا يوسف أجازها بين المسلم والكافر , للتساوي بينهما في الوكالة والكفالة حيث أن الكافر أهل لهما.
وجمهور الفقهاء المجيزون لمشاركة المسلم للكافر ذهبوا إلى كراهة ذلك خوفا من أن يتصرف الذمي في المال تصرفات غير مشروعة إلا إذا كان المسلم هو الذي يتولى البيع والشراء فقط أو أن يكون ذلك بحضوره وحينئذ تكون جائزة بدون كراهة , وهذا رأي المالكية والحنابلة.
وكره الشافعية ذلك مطلقا لأن أموالهم ليست طيبه , فإنهم يبيعون الخمر ويتعاملون بالربا.
ويستدل بعدة أحاديث تدل على جواز مشاركة المسلم للذمي , منها حديث أن رسول الله ﷺ قد عامل أهل خيبر وهم يهود بشطر ما يخرج منها على أن يعملوها بأموالهم وأنفسهم وهذا الحديث متفق عليه , والمعاملة المذكورة فيه هي شركة في الثمن والزرع والغرس.
تعدد الشركاء
لا يمكن في الشريعة الإسلامية أن تكون الشركة بدون أن يتعدد الشركاء , والفقهاء جميعا متفقون على أن الشركة لا تصح من جانب واحد , فلا بد من اشتراك اثنين أو أكثر لأن الإيجاب والقبول وهما التعبير عن الرضا لا يتمان إلا من طرفين تتوافق إرادتهما على عقد الشركة.
وقد يظن أن من البديهي أن يكون تعدد الشركاء ركنا لا بد منه في الشركة فلا حاجة للنص عليه.
والواقع أن بعض القوانين الوضعية كالقانون الألماني والإنجليزي تجيز أن تكون الشركة من طرف واحد , أي تقوم على شخص واحد يخصص جزءا من ماله ليكون رأس مال الشركة ويكون هو الشريك الوحيد والمسئول الوحيد عنها وتتعلق حقوق الدائنين بها , ويتفادى بذلك أن تتعلق حقوقهم بأمواله الأخرى , ويطلق على هذا النوع اسم شركة الرجل الواحد.
والإسلام لا يعتبر هذه شركة لأنه لا يتحقق فيها معنى الشركة , وعلى ذلك جرى القانون الفرنسي وهو المصدر الرئيسي للتقنينات الغربية الوضعية.
стр. 523
المعقود عليه
محل الشركة في الفقه الإسلامي يتكون مما يقدمه الشريكان من حصة نقدية أو عينية (عند من يجيز ذلك) في رأس المال وهي شركة الأموال , أو مما يلتزم به من عمل في شركة الأعمال , أو من الضمان (أو الضمان والعمل) في شركة الوجوه.
стр. 524
تنقسم الشركة باعتبار محلها إلى ثلاثة أقسام: شركة أموال , وشركة أعمال , وشركة وجوه.
فإذا ساهم كل شريك بحصة نقدية أو عينية عند من أجاز ذلك كانت الشركة: شركة أموال.
وإذا كانت الحصة عملا بحيث يلتزم كل شريك بعمل يؤديه للشركة فتصيب منه نفعا ماديا , فهي شركة أعمال. وتسمى شركة الأبدان أو الصنائع أو شركة تقبل لأن التقبل قد يكون ممن لا يقدر على القيام بأي عمل للغير سوى التقبل نفسه , ومع ذلك تحصل به هذه الشركة , لأنه ملتزم لشريكه القادر , فهما شريكان بالتقبل.
وأما إذا كان ما تقوم الشركة عليه هو الثقة والضمان وليس للشريكين فيها مال , بل لهما وجاهة عند الناس ومنزلة تصلح للاستغلال على أن يشتريا بالنسيئة , ويبيعا بالنقد بوجوههما , فهي شركة وجوه , وتسمى كذلك شركة المفاليس لغلبة وقوعها بين المعدمين (ولعدم رأس المال فيها) .
ويرى بعض المعاصرين أن الضمان وحده ليس محلا لشركة الوجوه , إذ يرى الدكتور على القره داغي أنه من خلال التعمق في واقع شركة الوجوه فإن الضمان تصحبه عملية التجارة من البيع والشراء , ولذلك فهو يرى أن محل شركة الوجوه هو العمل مع الضمان وليس الضمان وحده , إذ الربح فيها لا يجوز أن يكون إلا بقدر الملك في المشترى.
ويذكر هنا ما جاء في كتاب الهداية مع فتح القدير: (فإن شرطا أن المشتري بينهما نصفان والربح كذلك يجوز , ولا يجوز أن يتفاضلا فيه , وان شرطا أن يكون المشترى بينهما أثلاثا فالربح كذلك. . واستحقاق الربح في شركة الوجوه بالضمان والضمان على قدر الملك في المشترى) .
стр. 525
أن يكون رأس المال من الأثمان
يتفق جمهور الفقهاء على جواز شركة الأموال مفاوضة كانت أو عنانا إذا كان رأس المال من الأثمان أي نقدا رائجا , وكان عينا حاضرة لا مالا غائبا أو دينا يحتاج إلى تحصيل ,
وأجاز الشافعية أن يكون رأس المال من المثليات أيضا ,
بينما أجاز المالكية شركة الأموال بكل العروض سواء كانت مثلية أو قيمية على أن تجعل قيمتها المتفق عليها يوم العقد رأس مال الشركة.
стр. 526
اتفق الفقهاء قاطبة على صلاحية النقدين (الدنانير الذهبية والدراهم الفضية) لأن يكونا معقودا عليها في الشركات.
يقول ابن قدامة في المغني: (لا خلاف في أنه يجوز جعل رأس المال الدراهم والدنانير فإنها قيم الأموال وأثمان البياعات , والناس يشتركون بها من لدن النبي ﷺ إلى زمننا من غير نكير) .
ويدخل في النقود النقود الورقية الحديثة كالريال والجنيه والدولار وغيرها لأنها أثمان عرفا وعملا وتطبيقا , والقاعدة العامة عند معظم الفقهاء هي أن ما تعامل به الناس فحكمه حكم الأثمان المطلقة تجوز الشركة فيه.
قول الحنفية وظاهر مذهب الحنابلة
ولا تصح الشركة برأس مال من العروض - مثلية أو قيمية - عند الحنفية وظاهر مذهب الحنابلة لأن قيمة العروض غير ثابتة وهي عرضة للزيادة والنقصان وذلك مما يؤدي إلى جهالة ربح كل شريك جهالة من شأنها أن تؤدى إلى نزاع , إذ أن تعرف مقدار الربح حينئذ متوقف على معرفة القيمة عند العقد وبعده , ولا تعرف حينئذ إلا بالحزر والظن وذلك مما يختلف باختلاف التقويم , وقد يكون التقويم محل نزاع فيؤدي إلى نزاع في الربح ومقداره وذلك مفسد للشركة.
قول الشافعية
أما جماهير الشافعية , فإنهم فرقوا بين المثليات وهي المكيالات والموزونات كالبر والشعير , وبين القيميات التي تختلف آحادها من حيث القيمة كالحيوان , فقد منعوا انعقاد الشركة في القيميات وأجازوها في المثليات بعد الخلط مع اتحاد الجنس , لأن الخلط بغير الجنس كخلط القمح بالشعير والزيت بالسمن يخرج المثلي عن مثليته وهذا يؤدي إلى جهالة الأصل والربح والمنازعة عند القسمة لمكان الحاجة تقويمه إذ ذاك لمعرفة مقداره , والتقويم حزر وتخمين ويختلف باختلاف المقومين بخلاف المثلي فإنه يحصل مثله.
قول المالكية ومذهب أحمد في رواية
وخلافا لبقية الفقهاء , فإنه يجوز الاشتراك بكل العروض سواء كانت مثلية أو قيمية , وسواء كان العروض من الطرفين , أو كان العرض من طرف والعين من طرف آخر , وسواء اختلفا جنسا أو اتفقا , ولكن العروض تقيم بقيمتها يوم العقد وتجعل قيمتها المتفق عليها حصة في رأس مال الشركة يعلم بموجبها حصة الأرباح أو الخسائر , وهذا مذهب المالكية والأوزاعي وابن أبي ليلى ومذهب أحمد في رواية.
وبهذا القول الأخير , فإن العروض لا بد أن تقوم عند انعقاد الشركة عليها , وبالتالي لا يحدث ربح ما لم يضمن , ولا الجهالة , ولا الوكالة في العروض , لأنها تحولت من خلال تقييمها إلى الأثمان.
كيفية تصحيح الشركة في العروض عند المانعين
وقد التجأ المانعون إلى حيلة تؤدي نفس الغرض , حيث أجاز الحنفية والشافعية الشركة في العروض عن طريق الحيلة , قال الكاساني في البدائع (٧ / ٣٥٣٨) : (والحيلة في جواز الشركة في العروض وكل ما يتعين بالتعيين: أن يبيع كل واحد منهما نصف ما له بنصف مال صاحبه حتى يصير مال كل واحد منهما نصفين , وتحصل شركة ملك بينهما , ثم يعقدان بعد ذلك عقد الشركة فتجوز بلا خلاف , ولو كان من أحدهما دراهم ومن الآخر عروض فالحيلة في جوازه أن يبيع صاحب العروض نصف عرضه بنصف دراهم صاحبه , ويتقابضا , ويخلط جميعا حتى تصير الدراهم بينهما والعروض بينهما ثم يعقدان عليهما عقد الشركة فيجوز) .
وجاء في المهذب (١ / ٣٤٥) : (وإن لم يكن لهما غير العروض وأرادا الشركة باع كل واحد منهما بعض عرضه ببعض عرض الآخر فيصير الجميع مشتركا بينهما ويشتركان في ربحه) .
стр. 527
جاء في المدونة (٥ / ٦٥ - ٦٦)
وإن كان من عند أحدهما دنانير ومن عند الآخر عروض وقيمتها سواء , أو قيمتهما مختلفة فذلك جائز أيضا في قول مالك. . إذا اشترط العمل عليها على قدر رءوس أموالهما , والربح على قدر رءوس أموالهما والوضيعة على قدر رءوس أموالهما.
وجاء في الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (٣ / ٣٤٩)
وتصح الشركة بالذهب والفضة من الشريكين. . وبعرضين من جانب , وبعرض من آخر , وبعرضين: من كل واحد عرض مطلقا: اتفقا جنسا , أو اختلفا , ودخل فيه ما إذا كان أحدهما عرضا والآخر طعاما , واعتبر كل من العرض الواقع في الشركة من جانب أو من جانبين بالقيمة , فالشركة في الأولى بالعين وقيمة العرض , وفي الثانية بقيمة العرضين , فإذا كان قيمة كل عشرة فالشركة بالنصف وهكذا وتعتبر القيمة يوم عقد الشركة وإن لم يحضر العرض بالفعل , وهذا فيما يدخل في ضمان المشتري بالعقد في البيع وهو ما ليس فيه حق توفية , ولا مواضعة , ولا خيار , ولا غائب , وأما ما لا يدخل في ضمانه بالعقد كذي التوفية - وهو ما يكال , أو يعد أو يوزن من غير العين - والغائب غيبة قريبة فتعتبر قيمته يوم دخوله في ضمانه في البيع , وإنما قلنا في البيع , لا في الشركة لأن الضمان فيها إنما يكون بالخلط.
جاء في المغني لابن قدامة (٥ / ١٧)
وعن أحمد رواية أخرى: أن الشركة والمضاربة تجوز بالعروض , وتجعل قيمتها وقت العقد رأس مال , قال أحمد إذا اشتركنا في العروض يقسم الربح على ما اشتركا , وقال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن المضاربة بالمتاع؟ قال: جائز , فظاهر هذا صحة الشركة بها , اختار هذا أبو بكر وأبو الخطاب وهو قول مالك وابن أبي ليلى وبه قال في المضاربة طاوس والأوزاعي وحماد بن أبي سليمان.
وجاء في فتح القدير (٦ / ١٦٧ ١٧١)
ولا تنعقد الشركة إلا بالدراهم , والدنانير , والفلوس النافقة. . , ولا تجوز بما سوى ذلك إلا أن يتعامل الناس بالتبر والنقر فتصح الشركة بهما.
وجاء في المغني (٥ / ١٦)
فأما العروض فلا تجوز الشركة فيها في ظاهر المذهب نص عليه أحمد في رواية أبي طالب وحرب وحكاه ابن المنذر وكره ذلك ابن سيرين ويحيى بن أبي كثير والثوري. . وإسحاق وأبو ثور.
وجاء في المهذب (١ / ٣٤٥)
فأما ما سواهما أي الدراهم والدنانير من العروض فضربان: ضرب لا مثل له , وضرب له مثل , فأما ما لا مثل له كالحيوان والثياب فلا يجوز عقد الشركة عليها. , وأما ما له مثل كالحبوب والأدهان ففيه وجهان: أحدهما لا يجوز عقد الشركة عليه , وعليه ينص البويطي والثاني يجوز وهو قول أبي إسحاق.
стр. 528
أن يكون رأس المال عينا حاضرا لا دينا
يشترط جمهور الفقهاء أن يكون رأس مال الشركة عينا حاضرة لا دينا ولا مالا غائبا ,
ولا يشترط الحنفية والمالكية حضور رأس المال وقت العقد بل الشرط وجوده وقت الشراء فقط.
стр. 529
يشترط جمهور الفقهاء أن يكون رأس مال الشركة عينا حاضرة لا دينا ولا مالا غائبا.
فلا يصح عقد الشركة بمال غائب حاضر ولا برأس مال هو دين يحتاج للتحصيل لأن المقصود من الشركة الربح , وذلك بواسطة التصرف , والتصرف لا يمكن في المال الغائب أو في الدين , فلا يتحقق المقصود من الشركة , ولأن المدين ربما لا يدفع الدين كما قد لا يحضر المال الغائب.
هذا ولا يشترط الحنفية والمالكية حضور رأس المال وقت العقد بل الشرط وجوده وقت الشراء , وعلى هذا لو دفع رجل لآخر ألفا على أن يضم إليها مثلها ويتجر ويكون الربح بينهما فإن مثل هذا العقد يكون صحيحا إذا فعل الآخر ذلك , فالمهم هو حضور المال عند الشراء ولا يشترط عند العقد لأن الشركة تتم بالشراء , فيطلب الحضور عندئذ , كما أنه لا يجب لانعقاد الشركة وتمامها أن يخلى كل شريك بين ماله وصاحبه إذ أن ذلك ليس بشرط لصحة تصرفه ونفاذه.
أما الحنابلة فيشترط عندهم حضوره من جميع الشركاء عند العقد على الصحيح من مذهبهم ويرون أن حضور المالين عند العقد هو الذي يقرر معنى الشركة , إذ يتيح الشروع في تصريف أعمالها على الفور , ولا يتراخى بمقصودها , لكنهم يقولون إذا عقدت الشركة بمال غائب أو دين في الذمة وأحضر المال وشرع الشريكين في التصرف فيه تصرف الشركاء , فإن الشركة تنعقد بهذا التصرف نفسه.
стр. 530
خلط رأس مال الشركة
اشترط الشافعية خلط حصص الشركاء في رأس المال خلطا لا يتميز به مال أحدهم عن الآخر خلافا لما ذهب إليه جمهور الفقهاء ,
ويرى المالكية أن اختلاط أموال الشركاء هو شرط في الضمان فقط وهو قد يكون حقيقيا بأن تضم الحصص بعضها إلى بعض أو يكون حكما بأن يكتفي بتخصيصه ووضعه في خزانة أو حساب أو في يد أمين يختارانه أو بيد من توكل إليه الإدارة.
следующие страницы →