Полный текст (2 086 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
اتفق الفقهاء قاطبة على صلاحية النقدين (الدنانير الذهبية والدراهم الفضية) لأن يكونا معقودا عليها في الشركات.
يقول ابن قدامة في المغني: (لا خلاف في أنه يجوز جعل رأس المال الدراهم والدنانير فإنها قيم الأموال وأثمان البياعات , والناس يشتركون بها من لدن النبي ﷺ إلى زمننا من غير نكير) .
ويدخل في النقود النقود الورقية الحديثة كالريال والجنيه والدولار وغيرها لأنها أثمان عرفا وعملا وتطبيقا , والقاعدة العامة عند معظم الفقهاء هي أن ما تعامل به الناس فحكمه حكم الأثمان المطلقة تجوز الشركة فيه.
قول الحنفية وظاهر مذهب الحنابلة
ولا تصح الشركة برأس مال من العروض - مثلية أو قيمية - عند الحنفية وظاهر مذهب الحنابلة لأن قيمة العروض غير ثابتة وهي عرضة للزيادة والنقصان وذلك مما يؤدي إلى جهالة ربح كل شريك جهالة من شأنها أن تؤدى إلى نزاع , إذ أن تعرف مقدار الربح حينئذ متوقف على معرفة القيمة عند العقد وبعده , ولا تعرف حينئذ إلا بالحزر والظن وذلك مما يختلف باختلاف التقويم , وقد يكون التقويم محل نزاع فيؤدي إلى نزاع في الربح ومقداره وذلك مفسد للشركة.
قول الشافعية
أما جماهير الشافعية , فإنهم فرقوا بين المثليات وهي المكيالات والموزونات كالبر والشعير , وبين القيميات التي تختلف آحادها من حيث القيمة كالحيوان , فقد منعوا انعقاد الشركة في القيميات وأجازوها في المثليات بعد الخلط مع اتحاد الجنس , لأن الخلط بغير الجنس كخلط القمح بالشعير والزيت بالسمن يخرج المثلي عن مثليته وهذا يؤدي إلى جهالة الأصل والربح والمنازعة عند القسمة لمكان الحاجة تقويمه إذ ذاك لمعرفة مقداره , والتقويم حزر وتخمين ويختلف باختلاف المقومين بخلاف المثلي فإنه يحصل مثله.
قول المالكية ومذهب أحمد في رواية
وخلافا لبقية الفقهاء , فإنه يجوز الاشتراك بكل العروض سواء كانت مثلية أو قيمية , وسواء كان العروض من الطرفين , أو كان العرض من طرف والعين من طرف آخر , وسواء اختلفا جنسا أو اتفقا , ولكن العروض تقيم بقيمتها يوم العقد وتجعل قيمتها المتفق عليها حصة في رأس مال الشركة يعلم بموجبها حصة الأرباح أو الخسائر , وهذا مذهب المالكية والأوزاعي وابن أبي ليلى ومذهب أحمد في رواية.
وبهذا القول الأخير , فإن العروض لا بد أن تقوم عند انعقاد الشركة عليها , وبالتالي لا يحدث ربح ما لم يضمن , ولا الجهالة , ولا الوكالة في العروض , لأنها تحولت من خلال تقييمها إلى الأثمان.
كيفية تصحيح الشركة في العروض عند المانعين
وقد التجأ المانعون إلى حيلة تؤدي نفس الغرض , حيث أجاز الحنفية والشافعية الشركة في العروض عن طريق الحيلة , قال الكاساني في البدائع (٧ / ٣٥٣٨) : (والحيلة في جواز الشركة في العروض وكل ما يتعين بالتعيين: أن يبيع كل واحد منهما نصف ما له بنصف مال صاحبه حتى يصير مال كل واحد منهما نصفين , وتحصل شركة ملك بينهما , ثم يعقدان بعد ذلك عقد الشركة فتجوز بلا خلاف , ولو كان من أحدهما دراهم ومن الآخر عروض فالحيلة في جوازه أن يبيع صاحب العروض نصف عرضه بنصف دراهم صاحبه , ويتقابضا , ويخلط جميعا حتى تصير الدراهم بينهما والعروض بينهما ثم يعقدان عليهما عقد الشركة فيجوز) .
وجاء في المهذب (١ / ٣٤٥) : (وإن لم يكن لهما غير العروض وأرادا الشركة باع كل واحد منهما بعض عرضه ببعض عرض الآخر فيصير الجميع مشتركا بينهما ويشتركان في ربحه) .
стр. 527
جاء في المدونة (٥ / ٦٥ - ٦٦)
وإن كان من عند أحدهما دنانير ومن عند الآخر عروض وقيمتها سواء , أو قيمتهما مختلفة فذلك جائز أيضا في قول مالك. . إذا اشترط العمل عليها على قدر رءوس أموالهما , والربح على قدر رءوس أموالهما والوضيعة على قدر رءوس أموالهما.
وجاء في الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (٣ / ٣٤٩)
وتصح الشركة بالذهب والفضة من الشريكين. . وبعرضين من جانب , وبعرض من آخر , وبعرضين: من كل واحد عرض مطلقا: اتفقا جنسا , أو اختلفا , ودخل فيه ما إذا كان أحدهما عرضا والآخر طعاما , واعتبر كل من العرض الواقع في الشركة من جانب أو من جانبين بالقيمة , فالشركة في الأولى بالعين وقيمة العرض , وفي الثانية بقيمة العرضين , فإذا كان قيمة كل عشرة فالشركة بالنصف وهكذا وتعتبر القيمة يوم عقد الشركة وإن لم يحضر العرض بالفعل , وهذا فيما يدخل في ضمان المشتري بالعقد في البيع وهو ما ليس فيه حق توفية , ولا مواضعة , ولا خيار , ولا غائب , وأما ما لا يدخل في ضمانه بالعقد كذي التوفية - وهو ما يكال , أو يعد أو يوزن من غير العين - والغائب غيبة قريبة فتعتبر قيمته يوم دخوله في ضمانه في البيع , وإنما قلنا في البيع , لا في الشركة لأن الضمان فيها إنما يكون بالخلط.
جاء في المغني لابن قدامة (٥ / ١٧)
وعن أحمد رواية أخرى: أن الشركة والمضاربة تجوز بالعروض , وتجعل قيمتها وقت العقد رأس مال , قال أحمد إذا اشتركنا في العروض يقسم الربح على ما اشتركا , وقال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن المضاربة بالمتاع؟ قال: جائز , فظاهر هذا صحة الشركة بها , اختار هذا أبو بكر وأبو الخطاب وهو قول مالك وابن أبي ليلى وبه قال في المضاربة طاوس والأوزاعي وحماد بن أبي سليمان.
وجاء في فتح القدير (٦ / ١٦٧ ١٧١)
ولا تنعقد الشركة إلا بالدراهم , والدنانير , والفلوس النافقة. . , ولا تجوز بما سوى ذلك إلا أن يتعامل الناس بالتبر والنقر فتصح الشركة بهما.
وجاء في المغني (٥ / ١٦)
فأما العروض فلا تجوز الشركة فيها في ظاهر المذهب نص عليه أحمد في رواية أبي طالب وحرب وحكاه ابن المنذر وكره ذلك ابن سيرين ويحيى بن أبي كثير والثوري. . وإسحاق وأبو ثور.
وجاء في المهذب (١ / ٣٤٥)
فأما ما سواهما أي الدراهم والدنانير من العروض فضربان: ضرب لا مثل له , وضرب له مثل , فأما ما لا مثل له كالحيوان والثياب فلا يجوز عقد الشركة عليها. , وأما ما له مثل كالحبوب والأدهان ففيه وجهان: أحدهما لا يجوز عقد الشركة عليه , وعليه ينص البويطي والثاني يجوز وهو قول أبي إسحاق.
стр. 528
أن يكون رأس المال عينا حاضرا لا دينا
يشترط جمهور الفقهاء أن يكون رأس مال الشركة عينا حاضرة لا دينا ولا مالا غائبا ,
ولا يشترط الحنفية والمالكية حضور رأس المال وقت العقد بل الشرط وجوده وقت الشراء فقط.
стр. 529
يشترط جمهور الفقهاء أن يكون رأس مال الشركة عينا حاضرة لا دينا ولا مالا غائبا.
فلا يصح عقد الشركة بمال غائب حاضر ولا برأس مال هو دين يحتاج للتحصيل لأن المقصود من الشركة الربح , وذلك بواسطة التصرف , والتصرف لا يمكن في المال الغائب أو في الدين , فلا يتحقق المقصود من الشركة , ولأن المدين ربما لا يدفع الدين كما قد لا يحضر المال الغائب.
هذا ولا يشترط الحنفية والمالكية حضور رأس المال وقت العقد بل الشرط وجوده وقت الشراء , وعلى هذا لو دفع رجل لآخر ألفا على أن يضم إليها مثلها ويتجر ويكون الربح بينهما فإن مثل هذا العقد يكون صحيحا إذا فعل الآخر ذلك , فالمهم هو حضور المال عند الشراء ولا يشترط عند العقد لأن الشركة تتم بالشراء , فيطلب الحضور عندئذ , كما أنه لا يجب لانعقاد الشركة وتمامها أن يخلى كل شريك بين ماله وصاحبه إذ أن ذلك ليس بشرط لصحة تصرفه ونفاذه.
أما الحنابلة فيشترط عندهم حضوره من جميع الشركاء عند العقد على الصحيح من مذهبهم ويرون أن حضور المالين عند العقد هو الذي يقرر معنى الشركة , إذ يتيح الشروع في تصريف أعمالها على الفور , ولا يتراخى بمقصودها , لكنهم يقولون إذا عقدت الشركة بمال غائب أو دين في الذمة وأحضر المال وشرع الشريكين في التصرف فيه تصرف الشركاء , فإن الشركة تنعقد بهذا التصرف نفسه.
стр. 530
خلط رأس مال الشركة
اشترط الشافعية خلط حصص الشركاء في رأس المال خلطا لا يتميز به مال أحدهم عن الآخر خلافا لما ذهب إليه جمهور الفقهاء ,
ويرى المالكية أن اختلاط أموال الشركاء هو شرط في الضمان فقط وهو قد يكون حقيقيا بأن تضم الحصص بعضها إلى بعض أو يكون حكما بأن يكتفي بتخصيصه ووضعه في خزانة أو حساب أو في يد أمين يختارانه أو بيد من توكل إليه الإدارة.
стр. 531
بحث الفقهاء مسألة خلط رأس مال الشركة , وهي مسألة لم يتعرض لها القانون الوضعي لأنه يعتبر الشركة بمجرد انعقادها شخصا معنويا منفصلا عن الشركاء , فتنتقل ملكية جميع رأس المال المشارك به إلى الشركة , وتتعلق شركتهم بحصصهم فيها , فلا مجال لخلط الأموال بعضها ببعض , أما الفقهاء فإنهم اختلفوا في هذه المسألة.
رأي الشافعية في الخلط
ذهب الشافعية إلى أن شركة الأموال لا تصح إلا بخلط حصص الشركاء في رأس المال خلطا لا يتميز به مال أحدهم عن الآخر.
ويجب أن يتم ذلك الخلط قبل التصرف حتى يكون الربح ربح مال مشترك بين الشركاء , ذلك لأن كل مال ملك لصاحبه قبل خلطه وذلك يستلزم أن يكون ربحه له خاصة لأنه يكون نماء مال لا شركة فيه.
ولا يكفى عندهم الخلط مع إمكان التمييز لنحو اختلاف جنس كدراهم ودنانير أو حنطة عتيقة وحنطة جديدة ولهذا لم تصح عندهم الشركة في المتقومات لأنه لا يمكن خلط أعيانها.
رأي الحنابلة والحنفية
لم يشترط الحنابلة وكذلك الحنفية خلط المالين في شركة الأموال لصحة الشركة إذا تعين المال وأحضر لأن عقد الشركة عقد يقصد به الربح فلا يشترط فيه خلط المال ثم أنه عقد على التصرف فلا يشترط فيه الخلط كذلك , ولذا كان هلاك أحد المالين في ضمان الشركاء سواء أكان ذلك قبل التصرف أم بعده.
رأي المالكية
يرى المالكية أن الخلط ليس شرطا لصحة العقد , فالعقد ينشأ صحيحا بمجرد القول , وإنما هو شرط في الضمان بمعنى أن رأس المال يضمنه الشركاء جميعا لو هلك بعد الخلط , أما ما يهلك قبل الخلط فإنه يهلك على صاحبه خاصة.
هذا وشرط الخلط عند المالكية خاص بالمثليات أما العروض القيمية فلا يتوقف ضمانها على خلطها , كما أن الخلط ليس حتما أن يكون حقيقيا بحيث لا يتميز المالان بل يكفي الخلط الحكمي بأن يجعل المالان في حوز شخص واحد أو في حوز الشريكين معا كأن يوضع المالان منفصلين في دكان وبيد واحد من الشريكين مفتاح له أو يوضع كل مال في حافظة على حدة وتسلم الحافظتان إلى أحد الشريكين أو إلى صراف محلهما أو أي أمين يختارانه.
стр. 532
التساوي في حصص رأس المال
لا يشترط تساوي الحصص المقدمة لرأس المال في شركة العنان ويشترط ذلك في شركة المفاوضة عند الحنفية.
стр. 533
تشترط المساواة في الحصص المقدمة لرأس المال في شركة المفاوضة , ولا يشترط ذلك في شركة العنان التي يجوز فيها تساوي أو تفاضل الشركاء في رأس مال.
ولا بد من قيام هذا الشرط عند الحنفية ما دامت الشركة في رأس المال قائمة في المفاوضة , فإذا ملك أحد الشريكين وقبض بعد العقد ارث أو صدقة أو غيره مما تصح فيه الشركة (وهو الأثمان) فإن المفاوضة تبطل وتنقلب عنانا لفوات المساواة.
أما إذا ملك ما لا تصح فيه الشركة كالعروض عقارية أو غيرها فإن هذا لا ينافي المساواة فيما يصلح رأس مال للشركة , فلا ينافي استمرار المفاوضة.
ويجب في شركة المفاوضة أن يشمل رأس المال كل ما يصلح له من مال الشريكين , فإذا كان لأحد الشريكين شيء آثر بقاءه خارج رأس المال , ولو لم يكن بيده مثل أن تكون وديعة عند غيره , فالشركة تكون عنانا لا مفاوضة لعدم صدق اسمها إذ ذاك. فيشترط إذن التساوي في الأموال النقدية الخاصة بالشريكين في شركة المفاوضة وهو ما لا يشترط في شركة العنان.
стр. 534
حق الاشتراك في العمل
الأصل أن يقدم الشركاء عملا إلى جانب ما يقدمونه من مال كما في شركة الأموال , أو يقدمون عملا من الجانبين كما في شركة الأعمال وشركة الوجوه.
فاذا ما تضمنت شركة العقد شرطا يقضي بمنع أحد الشريكين عن التصرف فإن العقد يكون غير صحيح عند جمهور الفقهاء , ولكن لا يلزم أن يباشر كل منهما العمل بنفسه فعلا , بل يجوز أن يتولاه أحدهما بتفويض من الآخر لأن الحق في التصرف لكليهما ويجوز لصاحب الحق أن يتنازل عنه لغيره متى تراضيا على ذلك ووجدا فيه مصلحة لهما.
стр. 535
الأصل أن يقدم الشركاء عملا إلى جانب ما يقدمونه من مال كما في شركة الأموال أو يقدمون عملا من جانبين في البضائع التي يشترونها من التجار استدانة بوجاهتهما كما في شركة الوجوه , أو يقدمون عملا من الجانبين كما في شركة الأعمال.
فإدارة الشركة في الفقه الإسلامي حق لكل الشركاء لأن الشركة عند الفقهاء تتضمن الوكالة وذلك ليكون ما يستفاد بالتصرف مشتركا بينهم , ويكون تصرف كل واحد منهم أصالة عن نفسه ووكالة عن الآخرين.
واتفق الفقهاء لذلك على أنه يشترط في عاقد الشركة أن يكون أهلا للتوكيل والتوكل إذا كان كل منهما متصرفا في الشركة , أما إذا كان المتصرف أحدهما فيشترط فيه أهلية التوكل وفي الآخر أهلية التوكيل , ونرى أن المالكية والشافعية اشترطوا أن يرافق صيغة العقد ما يدل على التوكيل كالإذن في التصرف ونحو ذلك.
حق الاشتراك في العمل في شركة الأموال
وعلى هذا الأساس , لا يجوز اشتراط منع أحد الشريكين عن التصرف: فلا بد في شركة الأموال أن يكون لكل شريك الحق في التصرف في المال بالبيع والشراء وكل ما فيه مصلحة الشركة ومن عادة التجار , كما يجب في شركة الأعمال أن يكون التقبل حقا لكل شريك.
حق الاشتراك في العمل في شركة الوجوه
يشترط أيضا في شركة الوجوه أن يكون العمل حقا لكل من الشريكين , فالعمل عنصر أساسي في هذه الشركة ويعتبر كل شريك وكيلا عن صاحبه , ولذلك فإن شركة الوجوه تختلف عن الاشتراك بالثقة المالية أو النفوذ السياسي , فهذا ممنوع في الشريعة الإسلامية لأن الائتمان وحده لا يجوز أن يكون حصة في الشركة.
ففي شركة الوجوه لا يكتفى بوجاهة الشركاء بل لا بد من العمل في البضاعة المشتراة بوجاهتهم جميعا أو بوجاهة أحدهم ويعتبر كل شريك وكيلا عن صاحبه , وهم ملتزمون جميعا بضمان ثمن ما سيشترونه بالدين (وضمانهم الثمن يكون بنسبة حصص متفق عليها عند العقد فيما يشترونه معا أو كل على انفراد) .
حق الاشتراك في العمل في شركة الأعمال
الأصل في شركة الأعمال أن تقوم على أساس اشتراك الطرفين في العمل.
المقصود بحق اشتراك الطرفين في العمل
المقصود بحق اشتراك الشركاء في العمل ليس أنه يلزم أن يباشر كل منهما العمل بنفسه فعلا , بل يجوز أن يتولاه أحدهما بتفويض من الآخر لأن الحق في التصرف لكليهما ويجوز لصاحب الحق أن يتنازل عنه لغيره متى تراضيا على ذلك ووجدا فيه مصلحة لهما.
فإذا ما تضمنت شركة العقد شرطا يقضي بمنع أحد الشريكين عن التصرف فإن العقد يكون غير صحيح عند جمهور الفقهاء لأنه لا يصح أن يشترط على الشخص عدم التصرف في مال نفسه لما في ذلك من الحجر على المالك في ملكه كما هو الحال في شركة الأموال , وكذلك في شركة الأعمال يقول السرخسي في المبسوط: (لو قال صاحب الدكان أنا أتقبل , ولا تتقبل أنت , وأطرح عليك تعمل بالنصف , لا يجوز) لأن التقبل حق لكل منهما.
فيجوز عند جمهور الفقهاء اتفاق الشريكين في شركة الأموال على أن يكون العمل من جانب أكثر من الجانب الآخر لحذقه ومهارته , كما يجوز تفويض العمل بالكامل لأحدهما.
ويقول ابن عابدين في معرض حديثه عن حق التقبل لكل شريك في شركة الأعمال: (الشرط عدم نفي التقبل عن أحدهما , لا التنصيص على تقبل كل منهما ولا على عملهما لأنه إذا اشتركا على أن يتقبل أحدهما ويعمل الآخر بلا نفي كان لكل منهما التقبل والعمل لتضمن الشركة الوكالة) .
ويقول الإمام السرخسي أن: (العمل صحيح ممن يحسن مباشرة ذلك وممن لا يحسن لأنه لا يتعين على المتقبل إقامة العمل بيده بل له أن يقيمه بأعوانه وأجرائه) .
كذلك لا يشترط في شركة الأعمال أن يعمل كل من الشريكين , فلو مرض أحدهما مرضا لا يقعده عن العمل كثيرا أو سافر كان الأجر بينهما , بل إن الحنابلة ذهبوا إلى عدم اشتراط معرفة الصنعة لواحد من الشركاء , فلو اشترك شخصان لا يعرفان الخياطة في تقبلها ثم يدفعان ما يتقبلانه لمن يعمله وما بقى لهما من الأجرة صح ذلك.
وقد خالف المالكية في هذا فأوجبوا اجتماع الشريكين في العمل وتكافؤهما فيه على قدر رءوس أموالهما. فيشترط في شركة الأموال أن يكون عمل كل واحد من الشريكين بقدر ماله , فإن كان له النصف في رأس المال فعليه النصف في العمل , أو كان له الثلثان فعليه الثلثان.
ولكن يجوز عندهم بعد تمام العقد أن يتبرع الشريك بشيء من العمل أو بالعمل كله.
وكذلك يشترط المالكية في شركة الأعمال خلافا للحنفية والحنابلة:
(أ) اتحاد الصنعة كاشتراك خياطين , أو تلازم الصنعتين أي توقف صنعة أحدهما على الآخر , كأن يشتركا نساج وغزال , أو طباع ومصفف , لأن عمل النساج يتوقف على عمل الغزال , وعمل الطباع يتوقف على مصفف الحروف , فإن اختلفت الصنعة كأن يشترك خياط وحداد , فلا تجوز الشركة.
(ب) اتحاد المكان كأن يكونان في دكان واحدة , فإذا اختلف المكان لم تجز الشركة , وقد ذكر ذلك في المدونة , وجاء في غير المدونة عند المالكية عدم اتحاد مكان العمل.
(ج) حصول التعاون كأن يشترك اثنان في صيد اللؤلؤ هذا يمسك بالحبل والثاني يغوص في البحر.
стр. 536
حدود تصرفات الشركاء
الشركة تقوم على الوكالة , فكل شريك وكيل عن صاحبه في إدارة الشركة , ويتقيد تصرف كل شريك بشروط العقد , والعرف التجاري , وفي كل ذلك هو مقيد في تصرفاته بما يبيحه الشرع الإسلامي , فلو تصرف تصرفا ممنوعا كان تصرفه باطلا ويتحمل مسئولية تصرفه وإثمه.
стр. 537
الشركة تقوم على الوكالة , فكل شريك وكيل عن صاحبه في إدارة الشركة.
والأصل في التصرف أن يكون لكل من الشريكين أن يبيع ويشترى مساومة ومرابحة وتولية ومواضعة , وكيف يرى المصلحة لأن هذا عادة التجار.
ولكن لو تشارطا في عقد الشركة على أن يبيعا نقدا لا نسيئة , أو نسيئة لا نقدا , أو في شركة العنان أن يبيع أحدهما نقدا والآخر نسيئة كانا على شرطهما بل لو تراضيا على مثل هذه القيود بعد العقد وجب الالتزام بذلك , وكذلك لو نهى أحدهما شريكه في شركة العنان أن يبيع على نحو معين يمتنع عليه أن يفعل ما نهى عنه حتى لو أنه خالف لكان ضامنا حصة شريكه.
فتصرف الشريك يتقيد بشروط العقد , والعرف التجاري , وفي كل ذلك هو مقيد في تصرفاته بما يبيحه الشرع الإسلامي , فلو تصرف تصرفا ممنوعا كان تصرفه باطلا ويتحمل مسئولية تصرفه وإثمه.
توكيل الشريك الغير في بعض التصرفات
ذهب الحنفية والمالكية وبعض الحنابلة إلى أن لكل من الشريكين أن يوكل في البيع والشراء وسائر التصرفات: كاستئجار أجير أو دابة أو عربة أو صانع لشيء من تجارتهما , وكالإنفاق في مصالح الشركة.
على أنه يجوز للشريك الآخر أن يعزل الوكيل الذي وكله شريكه متى ما شاء , شأن وكيل الوكيل.
وذهب الشافعية وأكثر الحنابلة إلى أنه ليس للشريك حق التوكيل بدون إذن شريكه , لأنه إنما ارتضى تصرفه هو. وقاعدتهم: (أن من لا يعمل إلا بإذن لا يوكل إلا بإذن) .
كما ذهب الفقهاء إلى أنه لكل من الشريكين أن يستأجر من يعمل للشركة: سواء في إصلاح مالها كعلاج دوابها , وتركيب آلاتها أم في حراسته وحفظه , أم في الاتجار به , أم في غير ذلك , ويمضى ذلك على شريكه , لأن عادة التجار قد جرت بالاستئجار في كل ما يعود نفعه على تجارتهم.
دفع الشريك مال الشركة في مضاربة
ذهب الحنفية والمالكية وبعض الحنابلة إلى أن لكل من الشريكين أن يدفع مال الشركة إلى أجنبي مضاربة , لأن المضاربة أضعف من الشركة , والأقوى يستتبع الأضعف.
وإنما كانت المضاربة أضعف. لأن الخسارة فيها يختص بها رب المال , وهي في الشركة على الشريكين بقدر المالين , وفي المضاربة الفاسدة ليس للمضارب شيء من الربح , أما في الشركة الفاسدة فالربح بين الشريكين بقدر ماليهما , ثم مقتضى الشركة الاشتراك في الأصل والربح , ومقتضى المضاربة الاشتراك في الربح دون الأصل.
إلا أن المالكية يزيدون لجواز المضاربة قيد اتساع المال.
وذهب الشافعية والحنابلة الذين لا يجيزون للشريك التوكيل والاستئجار للتجارة بدون إذن شريكه إلى منعه من دفع مال الشركة إلى أجنبي مضاربة.
إيداع الشريك مال الشركة عند الغير
ذهب الحنفية إلى أن لكل من الشريكين أن يودع مال الشركة , لأن له أن يتركه في عهدة حارس يستأجره لحفظه , فلأن يكون له ذلك بدون أجر أجدر وأولي. على أن الإيداع من مصالح التجارة , إذ تتقى به السرقات , وأخطار الطريق وغير الطريق.
أما غير الحنفية , فلا يرون للشريك أن يودع إلا إذا دعت إلى ذلك حاجة به , إذ المال قد يضيع بالإيداع. حتى لو أنه أودع من غير حاجة , فضاع المال ضمنه.
سفر الشريك بمال الشركة
ذهب أبو حنيفة ومحمد والحنابلة إلى أن لكل من الشريكين أن يسافر بمال الشركة دون إذن شريكه إذا أمن الطريق لأن المفروض أن الشركة أطلقت , ولم تقيد بمكان. فالإذن بالتصرف الصادر في ضمنها لكل شريك هو على هذا الإطلاق , إذ لا يخرج المطلق عن إطلاقه إلا بدليل , ولا دليل , ويستوي بعد ذلك أن يكون السفر قريب الشقة أو بعيدها , وأن يكون المال خفيف المحمل أو ثقيله على خلاف في كل من هذا وذاك.
وذهب الشافعية وأبو يوسف إلى أنه ليس للشريك أن يسافر بمال الشركة إلا بإذن صريح أو عرفي أو ضرورة. ومن الإذن العرفي: ما لو عقدت الشركة على ظهر سفينة , ثم استمرت الرحلة إلى المقصد. ومن الضرورة: جلاء أهل البلد عنه لكارثة , أو فرارا من زحف العدو القاهر.
فإذا خالف الشريك , فسافر سفرا غير مسموح به , كان عليه ضمان حصة شريكه , لو ضاع المال. لكنه لو باع شيئا مضى بيعه دون أي تناف بين هذا , وبين ثبوت ضمانه. وكذا المالكية في شركة العنان , أما شريك المفاوضة فليس مقيدا إلا برعاية المصلحة.
تبرع الشريك بمال الشركة
ليس لأحد الشريكين إتلاف مال الشركة أو التبرع به: لأن المقصود بالشركة التوصل إلى الربح. فما لم يكن ثمة إذن صريح من الشريك الآخر , لا يملك أحد الشريكين أن يهب , أو يقرض من مال الشركة , قليلا أو كثيرا إذ الهبة محض تبرع , والإقراض تبرع ابتداء , لأنه إعطاء المال دون تنجز عوض في الحال.
فإذا فعل فلا جواز لفعله على شريكه إلا بإذن صريح , وإنما ينفذ في حصة نفسه لا غير.
стр. 538
تناسب الربح مع حصة المساهمة
ذهب المالكية والشافعية وزفر إلى أنه يقسم الربح والخسران على قدر المالين , سواء تساويا في العمل , أو تفاوتا فيه لأن استحقاق الربح لا يكون عندهم إلا بالمال فقط فلا يجوز اتفاق الشريكين على غير ذلك.
ويجوز عند الحنفية والحنابلة أن يتساوى المالان ويتفاضل الشريكان في الربح , أو أن يتفاضل المالان ويتساوى الربحان وذلك على أساس النظر إلى شرط العمل , ذلك أن استحقاق الربح يكون عندهم بواحد من الأمور الثلاثة: المال , والعمل , والضمان.
стр. 539
القول باشتراط تناسب الربح على قدر المالين
ذهب المالكية والشافعية وزفر إلى أنه يقسم الربح والخسارة على قدر المالين , سواء تساويا في العمل , أو تفاوتا فيه لأن استحقاق الربح لا يكون عندهم إلا بالمال فقط.
فإن شرط المتعاقدين خلاف ذلك بأن شرطا التساوي في الربح والخسارة مع التفاضل في المالين , أو التفاضل في الربح والخسارة مع التساوي في المالين , أو لو شرطا زيادة للأكثر منهما عملا:
ذهب المالكية إلى أن الشرط في هذه الحالة غير صحيح وتفسد الشركة.
ذهب الشافعية إلى عدم صحة العقد , لأنه شرط ينافي مقتضى الشركة فلم يصح , كما لو شرط الربح لأحدهما , فإن تصرفا مع هذا الشرط صح التصرف , لأن الشرط لا يسقط الإذن فنفذ التصرف فإن ربحا أو خسرا جعل بينهما على قدر المالين ويرجع كل واحد منهما بأجرة عمله في نصيب شريكه.
القول بجواز اختلاف الربح عن حصص رأس المال
أجاز الحنفية والحنابلة زيادة أرباح بعض الشركاء على رءوس أموالهم , ذلك أن استحقاق الربح يكون عندهم بواحد من الأمور الثلاثة: المال , والعمل , والضمان:
فهو يستحق بالمال لأنه نماؤه فيكون لمالكه.
وهو يستحق بالعمل حين يكون العمل سببه: كنصيب المضارب في ربح المضاربة اعتبارا بالإجارة.
ويستحق بالضمان كما في شركة الوجوه لقوله صلوات الله وسلامه عليه: (الخراج بالضمان) أو (الغلة بالضمان) أي من ضمن شيئا فله غلته. ولذا ساغ للشخص أن يتقبل العمل من الأعمال كخياط ثوب ويتعهد بإنجازه لقاء أجر معلوم ثم يتفق مع آخر على القيام بهذا العمل بأجر أقل من الأجر الأول , ويربح هو فرق ما بينهما حلالا طيبا لمجرد أنه ضمن العمل , دون أن يقوم به: عسى أن لا يكون له مال أصلا.
توزيع الربح في شركات الأموال
ذهب الحنفية والحنابلة أنه يجوز في شركة العنان أن يتساوى المالان ويتفاضل الشريكان في الربح , وأن يتفاضل المالان ويتساوى الربحان وذلك على أساس النظر إلى شرط العمل , فقد يرى الشريكين إغفال النظر إلى العمل فيكون الربح بحسب المالين , وقد يجعلا لشرط العمل قسطا من الربح يستأثر به أحدهما بالإضافة لما يستحقه بمقتضى حصته في الشركة , والمناط هنا هو شرط العمل الوارد في العقد وليس وجود العمل نفسه فقد يعمل الشريك بمقتضى الشرط وقد لا يعمل.
ولكن لا تصح الشركة عند هؤلاء الفقهاء إذا شرط الشريكان العمل على صاحب الحصة الأكبر في رأس المال وشرط لصاحب الحصة الأقل زيادة في الربح لأن صاحب الأقل لا يستحق الربح لا بمال ولا بعمل.
أما في شركة المفاوضة وفقا للاصطلاح الحنفي , فإنه يشترط التساوي في الأرباح لأنها مبنية على التساوي في جميع شروطها.
توزيع الربح في شركة الأعمال
ذهب الحنفية والحنابلة أيضا إلى أنه يجوز في عنان شركة الأعمال الاشتراك في الربح على حسب ما يتم الاتفاق عليه بين المتشاركين لأنه في الواقع بدل عمل , والعمل يختلف في تقويمه.
فإذا لم يتعرضا لشرط العمل بنسبة معينة , جازت الشركة على ما يشترطانه من الربح لأن هذا هو الأصل.
ويشترط المالكية في شركة الأعمال أن يكون اقتسام الربح مناسبا لمقدار العمل , ولا يتجاوز إلا عن فرق يسير , وهذا في عقد الشركة , أما بعده فلا حرج على متبرع إن تبرع ولو بالعمل كله. فإذا وقع العقد على تفاوت النسبة بين العملين والنسبة بين الربحين تفاوتا فاحش , فإنه يكون العقد فاسدا عند المالكية.
توزيع الربح في شركة الوجوه
اشترط الحنفية وكذلك القاضي وابن عقيل من الحنابلة أن يكون الربح بين الشريكين بنسبة ضمانهما الثمن في شركة الوجوه.
وضمانهما الثمن إنما هو بنسبة حصصهما فيما يشتريانه معا , أو كل على انفراد. ومقدار هذه الحصص يتبع الشرط الذي وقع التشارط عليه عند عقد الشركة.
فمن الجائز المشروع أن يتعاقدا في شركة الوجوه على أن يكون كل ما يشتريانه أو يشتريه أحدهما بينهما مناصفة , أو على التفاوت المعلوم أيما كان كأن يكون لأحدهما الثلث أو الربع , أو أكثر من ذلك أو أقل , وللآخر الثلثان أو الثلاثة الأرباع إلخ.
فإذا شرط لأحد الشريكين في الربح أكثر أو أقل مما عليه من الضمان فهو شرط باطل لا أثر له , ويظل الربح بينهما بنسبة ضمانهما , لأنه لا يوجد في هذه الشركة سبب لاستحقاق الربح سوى الضمان , فيتقدر بقدره. ذلك أن الربح إنما يستحق بالمال أو العمل أو الضمان , ولا مال هنا ولا عمل , فيتعين أن يكون بسبب الضمان , وإذن تكون قسمته بحسبه لئلا يلزم ربح ما لم يضمن.
والمذهب عند الحنابلة أن الربح في شركة الوجوه يكون على حسب ما اتفقا عليه كشركة العنان لأن فيها مثلها عملا وغيرها , فالشريكين شركة وجوه يتجران , والتجارة عمل يتفاوت كيفا وكما ويختلف باختلاف القائمين به نشاطا وخبرة , فالعدالة أن تترك الحرية للمتعاقدين ليقدرا كل حالة بحسبها.
стр. 540
جاء في المغني (٥ / ٣١)
وأما شركة العنان - وهو أن يشتركا بدنان بماليهما - فيجوز أن يتساويا مع تفاضلهما في المال , وأن يتفاضلا فيه مع تساويهما في المال , لأن العمل مما يستحق به الربح فجاز أن يتفاضلا في الربح مع وجود العمل منهما كالمضاربين لرجل واحد , وذلك لأن أحدهما قد يكون أبصر بالتجارة من الآخر وأقوى على العمل فجاز له أن يشترط زيادة في الربح في مقابلة عمله كما يشترط الربح في مقابلة عمل المضارب , يحققه أن هذه الشركة معقودة على المال والعمل جميعا , ولكل واحد منهما حصة من الربح إذا كان منفردا فكذلك إذا اجتمعا.
جاء في الشرح الكبير (٣ / ٣٥٤)
والربح والخسران في مال الشركة بقدر المالين من تساو , وتفاوت إن شرطا ذلك , أو سكتا عنه , وتفسد بشرط التفاوت في ذلك ويفسخ العقد إن اطلع على ذلك قبل العمل , فإن اطلع عليه بعده فض الربح على قدر المالين.
جاء في فتح العزيز (١٠ / ٤٢٤)
ويتوزع الربح والخسران على قدر المال , فلو شرطا تفاوتا بطل الشرط وفسد العقد ومعنى الفساد أن كل واحد يرجع على صاحبه بأجرة عمله في ماله.
стр. 541
تحميل الخسارة بقدر المساهمة
اتفق الفقهاء على أن الخسارة على قدر رأس المال في شركة الأموال , فلا يجوز بحال أن يشترط على بعض الشركاء أن يتحمل من الخسارة أكثر أو أقل من رأس ماله , فالخسارة تتبع دائما رأس المال.
стр. 542
اتفق الفقهاء على أن الخسارة على قدر رأس المال في شركة الأموال فلا يجوز بحال أن يشترط على بعض الشركاء أن يتحمل من الخسارة أكثر أو أقل من رأس ماله , فالخسارة تتبع دائما رأس المال.
أما الخسارة في شركة الأعيان فهي تكون دائما كذلك بقدر ضمان العمل أي بقدر ما شرط على كلا الشريكين من العمل , وذلك كما هو شأن الخسارة في شركة الأموال تكون دائما بقدر المالين إذا العمل هنا كالمال هناك.
ولذا لو تشارطا على أن يكون على أحدهما ثلثا العمل وعلى الآخر الثلث فحسب , والخسارة بينهما نصفان , فالشرط باطل فيما يتعلق بالخسارة , وهى بينهما على النسبة التي تشارطاها في العمل نفسه.
وينطبق مبدأ تحميل الخسارة بقدر المساهمة كذلك في شركة الوجوه فالخسارة تكون باتفاق الفقهاء المجيزين لهذا النوع من الشركات على قدر الضمان , لأنها عبارة عن نقص في رأس المال وذلك مختص بملاكه فوجب توزيعه على قدر حصصهم.
وحصة كل شريك هنا هو النسبة أو المقدار المتفق عليه عند العقد لضمان الثمن الذي هو دين في ذمة الشركاء.
стр. 543
بيان حصص الأرباح بنسبة شائعة
يشترط الفقهاء أن تكون حصة كل شريك من الربح محددة بجزء شائع منه معلوم النسبة إلى جملته , فلا يصح الاتفاق على أي شرط يفضي إلى اختصاص أحدهما بالربح لأن مقتضى العقد الاشتراك في الربح.
стр. 544
يشترط أن تكون حصة كل شريك من الربح محددة بجزء شائع منه معلوم النسبة إلى جملته: كنصفه. فإذا تم العقد على أن يكون للشريك حصة في الربح من غير بيان مقدار (كشرط حصة من الربح مثل ما شرط لفلان مع جهله) كان عقدا فاسدا , لأن الربح هو مقصود الشركة فتفسد بجهالته , كالعوض والمعوض في البيع والإجارة.
ولا يصح كذلك العقد إذا علم مقدار حصة الشريك في الربح , ولكن جهلت نسبتها إلى جملته كمائة أو أكثر أو أقل , لأن هذا قد يؤدي إلى خلاف مقتضى العقد وهو الاشتراك في الربح , فقد لا يحصل منه إلا ما جعل لأحد الشركاء , فيقع ملكا خاصا لواحد , لا شركة فيه لسواه. بل قالوا إن هذا يقطع الشركة لأن المشروط إذا كان هو كل المتحصل من الربح , تحولت الشركة إلى قرض ممن لم يصب شيئا من الربح , أو إبضاع من الآخر.
فإذا جعل للشريك أجر معلوم المقدار من خارج مال الشركة: كخمسين أو مائة دينار كل شهر , فقد نقلوا في الهندية عن المحيط أن الشركة صحيحة , والشرط باطل.
وشرط بيان حصص الأرباح بنسبة شائعة هو موضع وفاق بين الفقهاء , فقد حكى ابن المنذر إجماع أهل العلم على أن لا شركة مع اشتراط مقدار معين من الربح كمائة لأحد الشريكين سواء اقتصر على اشتراط هذا المقدار المعين لأحدهما , أم جعل زيادة على النسبة المشروطة له من الربح , أم انتقص من هذا النسبة , لأن ذلك في الأحوال كلها قد يفضي إلى اختصاص أحدهما بالربح , وهو خلاف موضوع الشركة أو كما عبر الحنفية قاطع لها.
ومن هذا القبيل , ما لو شرط لأحدهما ربح عين معينة أو مبهمة من أعيان الشركة كهذا الثوب , أو أحد هذين الثوبين , أو ربح هذا الشهر أو هذه السنة.
كذلك لا يجوز عقد الشركة بتخصيص كل الأرباح لأحد الشركاء أو لبعضهم دون البعض لأن ذلك يتنافى مع مقتضى العقد.
стр. 545
لزوم العقد
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الشركة من العقود الجائزة , فلكل من الشريكين أن يستقل بفسخ الشركة , رضي الآخر أم أبى , حضر أم غاب , كان المال نقودا أم عروضا.
وخالفهم في ذلك المالكية فقالوا بأن الشركة عقد لازم للطرفين لا يجوز لأحدهما الفسخ إلا برضا الآخر , ويستمر هذا اللزوم إلى أن ينض المال أو يتم العمل الذي تقبل.
стр. 546
اختلف الفقهاء في طبيعة عقد الشركة , هل هو عقد جائز (غير ملزم) أم أنه عقد ملزم للطرفين.
فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن عقد الشركة من العقود الجائزة فلكل من الشريكين أن يستقل بفسخ الشركة , رضي الآخر أم أبى , حضر أم غاب , كان نقودا أم عروضا.
ولكن الحنفية اشترطوا لجواز الفسخ شرطين هما: أن يعلم الشريك صاحبه بالفسخ , وأن يكون مال الشركة نقدا أو بعبارة أخرى لا يتضرر صاحبه لأنه لا ضرر ولا ضرار.
وبناء على اشتراط النضوض عند الحنفية أي أن يكون المال ناضا نقدا لا عروضا فإن الفسخ يكون لاغيا إذا لم يتحقق هذا الشرط وتبقى الشركة قائمة. أما عند من لم يقل بهذا الشرط فإنه إذا اتفق أن كان المال عروضا عندما انتهت الشركة , فإن للشريكين أن يفعلا ما يريانه: من قسمته , أو بيعه وقسمة ثمنه. فإن اختلفا فأراد أحدهما القسمة وآثر الآخر البيع أجيب طالب القسمة لأنها تحقق لكل منهما ما يستحقه أصلا وربما دون حاجة إلى تكلف مزيد من التصرفات.
أما المالكية - عدا ابن رشد وحفيده ومن تابعهما - فإن عقد الشركة عندهم عقد لازم للطرفين لا يجوز لأحدهما الفسخ إلا برضا الآخر , والشركة عند المالكية تلزم بمجرد العقد , ويستمر هذا اللزوم إلى أن ينض المال أو يتم العمل الذي تقبل.
стр. 547
جاء في مختصر خليل وشرحه مع حاشية الدسوقي (٣ / ٣٤٨)
ولزمت بما يدل عليها عرفا كاشتركنا , أي يقوله كل منهما , أو يقوله أحدهما ويسكت الآخر راضيا به , أو شاركني ويرضى الآخر , ولا يحتاج لزيادة على القول المشهور , فلو أراد أحدهما المفاصلة قبل الخلط , وامتنع الآخر فالقول للممتنع حتى ينض المال بعد العمل.
يقول الكاساني في البدائع (٧ / ٣٥٧٩ - ٣٥٨٠)
وأما صفة الشركة فهي أنها عقد جائز غير لازم حتى ينفرد كل واحد منها بالفسخ , إلا أن من شرط جواز الفسخ أن يكون بحضرة صاحبه أي بعلمه حتى لو فسخ بمحضر من صاحبه جاز الفسخ , وكذا لو كان صاحبه غائبا وعلم بالفسخ وإن كان غائبا ولم يبلغه الفسخ لم يجز الفسخ ولم ينفسخ العقد لأن فسخ العقد من غير علم صاحبه إضرار بصاحبه ولهذا لم يصح عزل الوكيل من غير علمه , مع أن الشركة تتضمن الوكالة وعلم الوكيل بالعزل شرط جواز العزل فكذا في الوكالة التي تضمنته الشركة.
وعلى هذا الأصل قال الحسن بن زياد إذا شارك أحد شريكي العنان رجلا شركة مفاوضة أنه إن كان بغير محضر من شريكه لم تكن مفاوضة وإن كان بمحضر منه صحت المفاوضة , لأن المفاوضة مع غيره تتضمن فسخ العنان وهو لا يملك الفسخ عند غيبته ويملك عند حضرته.
стр. 548
يد الشريك يد أمانة
اتفق الفقهاء على أن يد الشريك يد أمانة بالنسبة لمال الشركة أيا كان نوعها , فلا يضمن حصة شريكه إلا في حال التعدي أو التقصير.
стр. 549
اتفق الفقهاء على أن يد الشريك يد أمانة بالنسبة لمال الشركة أيا كان نوعها , لأنه كالوديعة مال مقبوض بإذن مالكه , لا يستوفي بدله , ولا يستوثق به.
والقاعدة في الأمانات أنها لا تضمن إلا بالتعدي أو التقصير , وإذن فما لم يتعدى الشريك أو يقصر , فإنه لا يضمن حصة شريكه , ولو ضاع مال الشركة أو تلف.
ومن التعدي: مخالفة نهي شريكه , فإن كل ما للشريك فعله من كيفيات التصرف إذا نهاه عنه شريكه امتنع عليه , فإذا خالفه ضمن حصة شريكه. ومثال ذلك لو قال له: لا تركب البحر بمال التجارة فركب , أو قوله لا تبع إلا نقدا فباع نسيئة.
وعلى هذا الأساس لا يجوز لأحد الشريكين أن يشترط شروطا تؤدى إلى الإخلال بمبدأ أمانة يد الشريك وعدم ضمانه المال إلا بالتعدي والتقصير , ومن هذه الشروط الممنوعة اشتراط ضمان رأس المال أو اشتراط ضمان قدر معين من المال مثل أن يعطى له مالا ليعطي له ربحا سنويا قدره ألف دينار , فلا يجوز كل ذلك.
стр. 550
انتهاء الشركة
تنتهي الشركة بالفسخ , وبانتهاء مدتها المحددة , وبموت أحد الشريكين أو انعدام أهليته , كما تنتهي شركة الأموال بهلاك رأس مال الشركة قبل الشراء.
стр. 551
الفسخ
تنتهي الشركة بالفسخ حيث أن عقد الشركة عقد جائز غير لازم عند الجمهور ما عدا المالكية , وحينئذ يكون لكل واحد من الشريكين الحق في الفسخ ما دام لا يترتب على ذلك ضرر فعلي , فلو اتفقوا على حل الشركة كان ذلك حقهم بدون خلاف.
انتهاء المدة
تنتهي الشركة بانتهاء مدة المشاركة فيما لو حددت بفترة زمنية محدودة , أو انتهاء العمل أو المشروع الذي أسست الشركة لأجله.
الموت
تنتهي الشركة بموت أحد الشركاء عند الجمهور القائلين بعدم توريث حق المشاركة , ولكن للورثة أو أوصيائهم الخيار بين القسمة وتقرير الشركة , كما أن الشركة لو كانت بين ثلاثة وأكثر فمات أحدهم فلا تنفسخ في حق الباقيين , ولكن الشركة لا تنحل نهائيا إلا بعد أن ينض المال.
انعدام الأهلية بالكامل
تنتهي الشركة بانعدام الأهلية كجنون أحد الشريكين جنونا طبقا.
وهو لا يصير مطبقا إلا بعد أن يستمر شهرا أو سنة كاملة , على خلاف عند الحنفية.
فلا تنتهي الشركة إلا إذا مضت هذه المدة بعد ابتدائه.
هلاك رأس مال الشركة قبل الشراء
تنتهي شركة الأموال بهلاك المال قبل الشراء عند الحنفية , أو بعبارة أخرى هلاك رأس مال الشركة بالكامل قبل الشراء , أما بعد الشراء فيبقى العقد قائما.
стр. 552
المزارعة
стр. 553
تعريف المزارعة
المزارعة هي معاقدة على الزرع بين صاحب الأرض والمزارع لقسم الحاصل بينهما بالحصص المتفق عليها وقت العقد
стр. 554
المزارعة في اللغة والاصطلاح هي المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها
فهي عقد بين جهتين أو شخصين أحدهما يملك الأرض والآخر يعمل فيها على أن يكون المحصول أو الناتج مشتركا بينهما بالنسب التي يتفقان عليها.
والمزارعة تقتضي وجود:
المزارع: وهو صاحب الأرض.
العامل: وهو من يعمل في الأرض.
الأرض: وهى محل عقد المزارعة.
البذر: إذ يشترط بيان من عليه البذر في العقد على اختلاف بين الفقهاء في من عليه البذر.
آلة المزارعة: كالمحراث والبقر ونحوه.
حصص طرفي العقد من الناتج: حيث يجب تحديدها بالاتفاق مسبقا.
ويطلق على المزارعة كذلك اسم المخابرة من خبر الأرض وهو شقها أو من الخبار وهي الأرض اللينة أي الصالحة للزراعة وقال بعضهم سميت المخابرة لأنها معاملة أهل خيبر على ما يخرج منها من تمر أو زرع.
стр. 555
حاشية رد المحتار (٦ / ٢٧٤)
هي عقد على الزرع ببعض الخارج منه.
المجموع (١٤ / ٤٢٠)
قال الشافعي والمخابرة (يعنى بها المزارعة) استكراء الأرض (أي إجارتها) ببعض ما يخرج منها.
حاشية الدسوقي (٣ / ٣٧٢)
المزارعة هي الشركة في الزرع أو الحرث.
المغني (٥ / ٤١٦)
دفع الأرض إلى من يزرعها أو يعمل عليها والربح بينهما.
стр. 556
دليل مشروعية المزارعة
قال بصحة المزارعة ومشروعيتها جمهور الفقهاء من الحنابلة , والصاحبان من الحنفية وهو مذهب الثوري وابن أبي ليلى وداود الظاهري وابن تيمية وأجازها مالك والشافعي تبعا للمساقاة
أما الشافعية وفي أصح الأقوال عنهم أنها لا تجوز لا مستقلة عن المساقاة ولا تابعة لها ,
وقال بعدم مشروعيتها أبو حنيفة وزفر وقالا هي فاسدة
وكرهها عكرمة ومجاهد والنخعي
وثبتت مشروعية المزارعة عند القائلين بجوازها بالسنة وإجماع الصحابة والقياس والمعقول.
стр. 557
الدليل من السنة
عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع.
وفي رواية أخرى: عن ابن عمر قال أعطى رسول الله ﷺ خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع رواه مسلم كتاب المساقاة والمزارعة والبخاري كتاب المزارعة.
ولقد رد المانعون للمزارعة على هذا الدليل من السنة بقولهم
إن حديث خيبر محمول على الجزية دون المزارعة حيث إن خيبر فتحت عنوة فكان أهلها عبيدا فما أخذه من الخارج منها فهو له أي لرسول الله ﷺ وما تركه فهو له أو أن معاملة النبي ﷺ أهل خيبر كان خراج مقاسمة بمعنى فرض مقدار نسبة محددة من غلة الأرض كالنصف بطريق المن والصلح وهو جائز.
ويرد المجيزون على ذلك بالاحتجاج بظاهر الحديث وبقوله ﷺ : أقركم ما أقركم الله وهذا صريح في انهم لم يكونوا عبيدا.
أما المانعون للمزارعة فلقد استدلوا كذلك بالسنة حيث أوردوا حديث جابر بن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ : من كانت له أرض فليزرعها فإن لم يزرعها فليزرعها أخاه رواه مسلم.
وفي رواية أخرى: نهى الرسول الله ﷺ أن يؤخذ للأرض أجر أو حظ رواه مسلم.
وفي رواية ثالثة: قال رسول الله ﷺ من كانت له أرض فليزرعها فإن لم يستطع أن يزرعها وعجز عنها فليمنحها أخاه المسلم ولا يؤاجرها إياه رواه مسلم.
كذلك استدلوا بما رواه مسلم أن رافع بن خديج قال كنا نحاقل الأرض على عهد رسول الله ﷺ فنكريها بالثلث والربع والطعام المسمى فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتي فقال نهانا رسول الله ﷺ عن أمر كان لنا نافعا وطواعية الله ورسوله انفع لنا نهانا أن نحاقل بالأرض فنكريها على الثلث والربع والطعام المسمى وأمر رب الأرض أن يزرعها أو يزرعها أخاه وكره كراءها وما سوى ذلك.
ويحمل المجوزون للمزارعة هذه الأحاديث على أنه إذا اشترط لطرفي العقد قطعة معينة من الأرض فالنهى محمول على الوجه المفضى إلى الضرر والجهالة ويوجب المشاجرة كما هو الشأن في حمل المطلق على المقيد فيحمل على ما فيه مفسدة أو يحمل على اجتنابها ندبا واستحبابا.
الدليل من الإجماع
عامل رسول الله ﷺ أهل خيبر بالشطر ثم أبو بكر ثم عمر وعثمان وعلي ثم أهلوهم وعمل به أزواج رسول الله ﷺ من بعده ولم يبق بالمدينة بيت إلا عمل به فيعد ذلك إجماعا منهم لم يخالفهم فيه أحد.
دليل المشروعية من العقل والقياس
المزارعة مشروعة عقلا إذ ليس كل من ملك أرضا صالحة للزارعة قادر على زراعتها أو متفرغا لذلك كذلك من كانت له طاقة للعمل وخبرة في أمور الزراعة وليس لديه أرض يعمل بها يمكنه العمل في أراضي الغير ومشاركة أصحابها في الناتج وهذا مفيد في تشغيل موارد الأمة وطاقاتها وعدم تعطيلها.
ويمكن قياس المزارعة على المضاربة لأنها كما قال ابن تيمية عين تنمو بالعمل عليها فجاز العمل فيها ببعض نمائها.
стр. 558
المغني (٥ / ٤١٦)
هي جائزة في قول كثير من أهل العلم قال البخاري قال أبو جعفر ما بالمدينة أهل بيت إلا ويزرعون على الثلث والربع وزارع علي وسعد وابن مسعود وعمر بن عبد العزيز والقاسم وعروة وآل أبي بكر وآل على وابن سيرين وممن رأى ذلك سعيد بن المسيب وطاوس. . . . الخ
وعامل عمر الناس على أنه إذا جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا وكرهها عكرمة ومجاهد والنخعي وأبو حنيفة.
بدائع الصنائع (٥ / ١٧٥)
وأما شرعية المزارعة فقد اختلف فيها
قال أبو حنيفة عليه الرحمة إنها غير مشروعة وبه أخذ الشافعي ﵀
وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله إنها مشروعة.
تكملة المجموع شرح المهذب (١٤ / ٤١٦ - ٤١٧)
لا تجوز المزارعة على بياض لا شجر فيه فأما إذا كانت الأرض بين النخل لا يمكن سقى الأرض إلا بسقيها نظرت فإذا كان النخيل كثيرا والبياض قليلا جاز أن تساقيه على النخل وان تزارعه على الأرض وان عقد المزارعة على الأرض ثم عقد المساقاة على النخل لم تصح المزارعة لأنها إنما أجيزت تبعا للمساقاة للحاجة ولا حاجة قبل المساقاة
وان عقدت بعد المساقاة ففيه وجهان
احدهما لا تصح لأنه إفراد للمزارعة بالعقد فاشبه إذا قد مت
والثاني: تصح لأنهما يحصلان لمن له المساقاة.
بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٢ / ٢٤٩)
واختلفوا إذا كان مع النخل أرض بيضاء أو مع الثمار هل يجوز أن تساقى الأرض مع النخل بجزء من النخل أو بجزء من النخل وبجزء مما يخرج من الأرض؟ (ويقصد بذلك المزارعة) فذهب إلى جواز ذلك طائفة وبه قال صاحبا أبي حنيفة والليث وأحمد والنووي وابن أبي ليلى وجماعة
وقال الشافعي وأهل الظاهر لا تجوز المساقاة إلا في الثمر فقط
وأما مالك فقال: إذا كانت الأرض تبعا للثمر وكان الثمر أكثر ذلك فلا بأس بدخولها في المساقاة اشترط جزءا خارجا منها أو لم يشترطه وحد ذلك الجزء بأن يكون الثلث فما دونه.
وحجة من أجاز المساقاة عليها جميعا - أي على الأرض بجزء مما يخرج منها - حديث ابن عمر
وحجة من لم يجز ذلك ما روى من النهى عن كراء الأرض بما يخرج منها في حديث رافع بن خديج.
وأما تحديد مالك ذلك بالثلث فضعيف وهو استحسان مبنى على غير الأصول لأن الأصول تقتضى أنه لا يفرق بين الجائز من غير الجائز بالقليل والكثير من الجنس الواحد.
مجموع فتاوى ابن تيمية (٣٠ / ٢٢٧)
أن المزارعة على الأرض كالمساقاة على الشجر وكلاهما جائز عند فقهاء الحديث كما دل على جواز المزارعة سنة رسول الله ﷺ وإجماع أصحابه من بعده والذين نهوا عنها ظنوا أنها من باب الإجارة لتكون إجارة بعوض مجهول وذلك لا يجوز.
والتحقق أن هذه المعاملات هي من باب المشاركات والمزارعة مشاركة هذا بنفع بدنه وهذا بنفع ماله وما قسم الله من ربح كان بينهما كشريكي العنان.
والمزارعة جائزة بلا ريب سواء كان البذر من العامل أو المالك وسواء كان بلفظ الإجارة أو المزارعة وغير ذلك هذا أصح الأقوال في هذه المسألة.
المحلى لابن حزم
إن آخر فعل رسول الله ﷺ إلى أن مات كان إعطاء الأرض بنصف ما يخرج منها من الزرع ومن الثمر والشجر وعلى هذا مضى أبو بكر وعمر وجميع الصحابة ﵃ فوجب استثناء الأرض ببعض ما يخرج منها من جملة ما صح النهي عنه من أن تكرى الأرض أو يؤخذ لها أجر أو حظ وكان هذا العمل المتأخر ناسخا للنهى المتقدم عن إعطاء الأرض ببعض ما يخرج منها لأن النهى عن ذلك قد صح فلولا أنه قد صح لقلنا: ليس نسخا لكنه استثناء من جملة النهى ولولا أنه قد صح أن رسول الله ﷺ مات على هذا العمل لما قطعنا بالنسخ لكن ثبت أنه آخر عمله ﵇ فصح أنه نسخ صحيح متيقن لا شك فيه وبقي النهى عن الإجارة جملة بحسبه إذ لم يأت شيء ينسخه ولا يخصصه البتة.
стр. 559
الوصف الفقهي للمزارعة
يرى المانعون للمزارعة أنها إجارة للأرض ببعض الخارج منها فهي من جنس الإجارات فتمنع لجهالة العوض.
وذهب المجيزون إلى أنها من جنس المشاركات لأن النماء الحادث فيها ينتج من منفعة أصلين هما منفعة العامل سواء بيديه أو بحيوانه ومنفعة الأرض فالمزارعة عندهم ليست من قبيل الإجارات لأنه ليس للمزارع أن يطالب بأجره إذا لم تأت الأرض بمحصول فهو يخسر مقابل عمله كما يخسر صاحب الأرض منفعة أرضه.
стр. 560
تتفق المزارعة في بعض خصائصها وشروطها مع بعض سمات وصفات عقود الإجارة والشركة والمضاربة بحيث يرى الأحناف أن عقد المزارعة يشترك مع عقدي الإجارة والشركة
ونص المالكية على أن المزارعة هي الشركة في الزرع والحرث
وعند الحنابلة المزارعة من جنس المشاركات والمضاربة
ويري المانعون لها أنها من قبيل إجارة الأرض ببعض ما يخرج منها.
المزارعة من جنس المشاركات
يرى المجيزون للمزارعة أن المزارعة ليست مثل المؤاجرة المطلقة لأن النماء إنما يحصل باجتماع عنصرين متكاملين هما الأرض وما يتبعها من حرث أو بذر ونحوهما وجهد العامل.
وهي بالتالي تنطوى على مشاركة بين طرفين كما أن شروط هذه المشاركة تجعلها أقرب إلى عقد المضاربة الذي يجمع بين العامل وصاحب المال حيث تتفق المزارعة مع المضاربة في حصر الإدارة بالطرف العامل وأن المال ينمو بالعمل مع استمرار الملك لربه والاشتراك في نتيجة الاستثمار على أساس نسبى.
المزارعة مؤاجرة
يرى المانعون للمزارعة أنها إجارة للأرض ببعض الخارج منها وذلك ممنوع اعتمادا على الأحاديث الدالة على المنع ومنها ما رواه مسلم عن عطاء عن جابر من كانت له أرض فليزرعها فإن لم يستطع أن يزرعها وعجز عنها فليمنحها أخاه المسلم ولا يؤاجرها إياه
وحديث جابر نهي رسول الله ﷺ أن يؤخذ للأرض أجر أو حظ.
стр. 561
مغني المحتاج (٢ / ٣٢٢)
لما شابهت القراض في العمل في شيء ببعض نمائه وجهالة العوض والإجارة في اللزوم والتأقيت جعلت بينهما.
بدائع الصنائع (٦ / ١٧٥) ط٢ - ١٧٧ - ١٧٨
قول أبي حنيفة إن عقد المزارعة استئجار ببعض الخارج منها وانه منهي بالنص والمعقول.
المزارعة فيها معنى الإجارة والشركة تنعقد إجارة ثم تتم شركة
أما معنى الإجارة فلأن الإجارة تمليك المنفعة بعوض والمزارعة كذلك وأما معنى الشركة فلان الخارج يكون مشتركا بينهما على الشرط المذكور.
مجموعة فتاوى ابن تيمية (٢٩ / ٩٨ ,١٠١)
المزارعة مشاركة ومن جنس المضاربة وليست مثل المؤاجرة المطلقة لأنها تنمو بالعمل فيها فجاز العمل عليها ببعض نمائها.
стр. 562
الحكم التكليفي للمزارعة
المزارعة جائزة عند جمهور الفقهاء , وبعضهم أجازها تبعا للمساقاة , وبعضهم منعها.
стр. 563
المزارعة جائزة عند جمهور الفقهاء (الحنابلة , والصاحبين من الحنفية والثوري وابن أبي ليلى وداود الظاهري وابن تيمية) , وأجازها مالك والشافعي تبعا للمساقاة
أما الشافعية وفي أصح الأقوال عنهم أنها لا تجوز لا مستقلة عن المساقاة ولا تابعة لها ,
وقال بعدم مشروعيتها أبو حنيفة وزفر وقالا هي فاسدة وكرهها عكرمة ومجاهد والنخعي.
стр. 564
الأرض من طرف والعمل من الطرف الآخر مع توزع المستلزمات بينهما
ذهب الفقهاء إلى جواز المزارعة التي تقوم على أساس تقديم الأرض من طرف والعمل من طرف الآخر سواء قدمت البذور والمعدات (الآلات والبقر) من صاحب الأرض أو من جانب العمل.
ولا يشترط أن يكون البذر من رب الأرض خلافا لبعض الفقهاء.
стр. 565
هناك عدة صور وأشكال يأخذها عقد المزارعة في حالة كون الأرض من طرف والعمل من الطرف الآخر مع توزع العدد والآلات والبقر على الطرفين أو أحدهما وذلك على النحو التالي
- أن تكون الأرض والبذر وآلات الزراعة من طرف والعمل من الطرف الآخر.
- أن تكون الأرض من طرف والعمل والبذر وآلات الزراعة من الطرف الآخر.
- أن تكون الأرض والبذر من طرف والعمل وآلات الزراعة من الطرف الآخر.
- أن تكون الأرض والبقر من طرف والعمل والبذر والآلات من الطرف الآخر.
- وتعتبر تلك الصور كلها ما عدا الصورة الأخيرة جائزة عند من يقول بصحة المزارعة من الأحناف والمالكية والحنابلة حيث أن المزارعة تنعقد إجارة وتتم مشاركة وتنعقد على منفعة الأرض والعامل ولا يجوز على منفعة غيرهما حيث يعتبر في هذه الصورة صاحب الأرض مستأجرا للعامل لا غير ليعمل في أرضه ببعض الخارج الذي هو نماء ملكه.
ويستدل على صحة أن يكون البذر من العامل بقصة خيبر حيث لم يذكر النبي ﷺ أن البذر على المسلمين فقد جاء فيما رواه مسلم أنه ﷺ دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعتملوها من أموالهم ولرسول الله شطر ثمرها.
كما يستدل على صحة كون البذر من العامل أو صاحب الأرض بحسب الاتفاق على ما رواه البخاري عن عمر ﵁ أنه عامل الناس على أن ما جاء عمر بالبذر من عنده فله النصف وان جاءوا بالبذر فلهم كذا واشتهر ذلك ولم ينكر فكان إجماعا.
أما الآلات والبقر فلا يضير أن تكون من العامل أو صاحب الأرض لأنها توابع للمعقود عليه وهو منفعة العامل أو منفعة الأرض.
وبالرغم من أن أبو يوسف جوز صحة أن تكون الأرض والبقر من جانب والعمل والبذر والآلات من الجانب الآخر حيث اعتبر منفعة البقر تابعة لمنفعة الأرض إلا أن المذهب عند الأحناف عدم جواز ذلك حيث لا يتصور انعقاد الشركة بين منفعة البقر ومنفعة العامل ولأن جواز المزارعة عندهم ثبت بالنص مخالفة للقياس لأن الأجرة معروفة ومجهولة فيقتصر جوازها على المحل الذي ورد النص فيه وهو إذا ما كانت الآلة تابعة.
فلا يجيز الأحناف اشتراط كون آلة الزرع من البقر ونحوه على صاحب الأرض لأن ذلك يجعل منفعة البقر معقودا عليها فتكون مقصودة بذاتها بينما يشترطون أن تكون آلة الزراعة تابعة في العقد لا معقودا أصليا.
следующие страницы →