إن ليله صلاة وإن نهاره صيام وفي حاجات الناس (١).
بل إنه ﵁ لشدة ارتباطه بالعبادة والصلاة لما دخل في غيبوبة بعد طعنه لم ينبهوه إلا بذكر الصلاة، فقال أحد الحاضرين: إنكم لن توقظوه بشيء أفزع له من الصلاة.
فقالوا: الصلاة يا أمير المؤمنين.
فقال: ها الله إذا، ولا حق (لا حظَّ) في الإسلام لمن ترك الصلاة، فصلى وإن جرحه ليسعب (يسيل) دما (٢).
وكان يهتم بأهل بيته أيضا، فقد روي أنه كان يصلي من الليل ما شاء الله أن يصلي حتى إذا كان نصف الليل أيقظ أهله للصلاة ثم يقول لهم: الصلاة، ويتلو هذه الآية: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢] (٣).
وكان من دعاء عامر بن عبد قيس إذا أصبح بعد تهجده: اللهم غدا الناس إلى أسواقهم، وأصبح لكل امرئ منهم حاجة، وحاجتي إليك يا رب أن تغفر لي. وكان لا يبيت كل ليلة حتى يبل عمامته بدموعه.
وعن عيسى بن عمرو قال: كان عمرو بن عتبة يخرج على فرسه ليلا فيقف على القبور، فيقول: يا أهل القبور طويت الصحف، ورفعت الأعمال، ثم يبكي، ثم يصف بين قدميه يصلي التهجد، فيرجع فيشهد صلاة الصبح.
ويقول مولى عمرو بن عتبة: رأيت ابن عتبة ليلة قائما يصلي فسمعنا زئير الأسد فهربنا وهو قائم يصلي لم ينصرف، فقلنا له بعدما ولى الأسد، وانتهى من صلاته: أما خفت الأسد؟
فقال: إني أستحي من الله أن أخاف شيئا سواه.
وعن ابن جريج قال: قال لي عطاء: قال لي طاووس بن كيسان: يا عطاء لا تنزلن حاجتك بمن أغلق دونك أبوابه، وجعل عليها حجابه، ولكن أنزلها بمن بابه مفتوح لك إلى يوم القيامة، أمرك أن تدعوه وضمن لك أن يستجيب لك.
стр. 107
وكان طاووس يفترش فراشه ويضطجع فيتقلى كما تتقلى الحب في المقلى، ثم يثب فيدرجه ويستقبل القبلة حتى الصباح ويقول: طيَّر ذكر جهنم نوم العابدين.
يا هذا، كيف تطيق السهر مع الشبع؟ كيف تزاحم أهل العزائم بمناكب الكسل؟.
قلت لليل: هل لجوفك سر ... عامر بالحديث والأسرار؟
قال: لم ألق في حياتي حديثا ... كحديث الأحباب في الأسحار
وكان زيد بن الحارث يجزئ الليل ثلاثة أجزاء: جزءا عليه، وجزءا على ابنه، وجزءا على ابنه الآخر عبد الرحمن، فكان هو يصلي ثم يقول لأحدهما: قم، فإذا تكاسل صلى جزأه، ثم يقول للآخر: قم، فإن تكاسل أيضا صلى جزأه فيصلي الليل كله.
وقال الحسن بن علي: سمعت يحيى بن معاذ يقول: الليل طويل فلا تقصره بمنامك، والنهار نقي فلا تدنسه بآثامك.
وكان علي بن بكار يفرش الفراش، فيلمسه بيده، فيقول: إنك لطيب، وإنك لبارد، والله لا أعلونك في هذه الليلة. ثم يظل يصلي إلى الصباح.
وقال أحد ضباط المباحث -الذين منَّ الله عليهم بالهداية- للإخوان: كنا نرسل بعض المخبرين للتجسس على الإخوان، إلا أننا لا نلبث نفقد الثقة فيمن نرسلهم لإحساسهم بتحولهم وتبدلهم لاحتكاكهم بالإخوان المسلمين حتى تعبنا وأعيانا الأمر، فاخترنا رجلا شريرا وقلنا، هذا سهم نضرب به الإخوان يستعصي على الكسر، ومضت الأيام، وبعد أسبوع واحد فقط، وإذا بهذا المخبر يدخل مكتبي وطلب نقله من عند الإخوان قائلا: ودوني عند الشيوعيين، عند اليهود، عند الكفرة، أما أولاد .... دول لأ، فعجبت من أمره وسألته: لماذا؟ قال: كل ليلة يقومون ويصلون، وشيخهم يقرأ القرآن لهم، الركعة تيجي ساعة، معدتش قادر أصلب طولي (١).
стр. 108
السجود
الكل يسجد لله، يقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨].
وما من مخلوق إلا وهو داخل في هذا السجود دون اختيار، يقول تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦].
قال الشوكاني: المراد بسجودهما انقيادهما لله تعالى انقياد الساجدين من المكلفين.
احتجاج الهدهد
ولقد أظهر الهدهد الاحتجاج وهو محلق على هذه المسافة لا يمكنه سماع ما يقولون للشمس التي يعبدونها، ولكن رؤيته لهم وهم يسجدون لغير الله كانت كافية لأن يحكم عليهم بالكفر: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥)﴾ [النمل: ٢٥].
الشمس تسجد
في الصحيحين عن أبي ذر قال النبي ﷺ له حين غربت الشمس: "أتدري أين تذهب؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، فيقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨].
وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فلذلك أمرت الملائكة مريم بالسجود بقوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]. وقدموا السجود على الركوع، لأن السجود أفضل أركان الصلاة.
стр. 109
سجدة خير من الدنيا
يأتي زمان تكون فيه السجدة خيرًا من الدنيا وما فيها. عن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا، فيكسر الصليب، ويقتل الخترير، ويضع الحرب، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها" [رواه البخاري].
ولما كان السجود مظهرا من مظاهر الخضوع والذل فقد أمر الله بني إسرائيل عند دخولهم البلد الذي فتحه الله عليهم وهو قوله: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [البقرة: ٥٨].
سجود النبي ﷺ -
وكان النبي يطيل السجود، فعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يصلي إحدى عشرة ركعة كانت تلك صلاته -تعني في الليل- فيسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبيل صلاة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للصلاة. [رواه البخاري].
هل تذوقت حلاوة الخشوع ؟
يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩] فهذا التأثر الناشيء من التفكر في عظمة الخالق الذي جعلهم يخرون على وجوههم لشدة التأثر والبكاء وهم ساجدون لله تعالى، ليس عندهم ما يتقربون به ويتذللون أكثر من هذا السجود الخاشع، فيزيدهم خشوعا إلى خشوعهم، وانكسارا إلى انكسارهم، فتزداد لديهم حلاوة الإيمان ولذة الخشوع وجمال المناجاة.
الرسول سيتعرف عليك
يعرف الرسول أمته يوم القيامة بمواضع السجود، قال رسول الله ﷺ : "ما من أمتي من أحد إلا وأنا أعرفه يوم القيامة" قالوا: وكيف تعرفهم يا رسول الله في كثرة الخلائق؟ قال: "أرأيت لو دخلت صبرة فيها خيل دهم بهم، وفيها فرس أغر محجل أما كنت تعرفه منها؟ " قالوا: بلى، قال: (فإن أمتي يومئذ غر من السجود محجلون من الوضوء" [رواه أحمد].
стр. 110
النجاة بالسجود
النجاة يوم القيامة بالسجود. فقد جاء في حديث البخاري عن قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] يقول النبي ﷺ : "حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا ممن أراد الله أن يرحمه ممن يشهد أن لا إله إلا الله فيعرفونهم في النار ب أثر السجود ، تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتحشوا فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون تحته ... ".
أكثر من السجود تصاحب النبي
ومن أراد الجنة فعليه بالسجود. عن ربيعة بن كعب الأسلمي قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: "سل"، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: "فأعني على نفسك بكثرة السجود" [رواه مسلم].
سجود المؤمنين
يقول تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣)﴾ [القلم: ٤٢ - ٤٣] قال النبي ﷺ : "يآتي لهم في أدنى صورة رأوه فيها فيقول لهم: فما تنتظرون؟ تتبع كل أمة ما كانت تعبد، قالوا: يا ربنا، فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم، ولم نصاحبهم، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، لا نشرك بالله شيئا (مرتين أو ثلاثا) حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب فيقول: وهل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه" [رواه مسلم].
أثر السجود
يقول تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩].
يقول سيد قطب: سيماهم في وجوههم من الوضاءة والإشراق والصفاء والشفافية، ومن ذبول العبادة الحي الوضيء اللطيف، وليست هذه السيما هي النكتة المعروفة في
стр. 111
الوجه كما يتبادر إلى الذهن عند سماع قوله: ﴿مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ فالمقصود بأثر السجود هو أثر العبادة، واختار لفظ السجود لأنه يمثل حالة الخشوع والخضوع والعبودية لله في أكمل صورها، فهو أثر هذا الخشوع، أثره في ملامح الوجه، حيث تتوارى الخيلاء والكبرياء والفراهة، ويحل مكانها التواضع النبيل، والشفافية الصافية، والوضاءة الهادئة، والذبول الخفيف الذي يزيد وجه المؤمن وضاءة وصباحة ونبلا (١).
سجود التلاوة
وحكمه سنة للقارئ والمستمع.
عن ابن عمر قال: "كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا القرآن فإذا مر بالسجدة كبَّر وسجد وسجدنا" [أبو داود]. ومواضع السجود في القرآن خمسة عشر موضعا.
من سجد سجود التلاوة دعا بما شاء، ولم يصح عن رسول الله ﷺ إلا حديث عائشة
قالت: كان رسول الله يقول في سجود القرآن: "سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره بحوله وقوته فتبارك الله أحسن الخالقين" [رواه الخمسة إلا ابن ماجه].
سجدة الشكر
عن أبي بكرة أن النبي ﷺ كان إذا أتاه أمر يسره أو بشر به يخر ساجدًا شكرا لله تعالى. رواه أبو داود.
سجود السهو
وهما سجدتان يسجدهما المصلي قبل التسليم أو بعده، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى، ثلاثا أم أربعا، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم" [البخاري].
...
стр. 112
التأثر بالقرآن
حث الإسلام على تدبر القرآن، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤].
وروى ابن عبد البر عن علي ﵁ قال: ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقه، ولا في علم ليس فيه تفهيم، ولا في قراءة ليس فيها تدبر.
وقال ابن عباس ﵁: لأن أقرأ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة: ١] و ﴿الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة: ١] أتدبرهما أحب إلي من أن أقرأ البقرة وآل عمران تهذيرا.
وعن زيد بن ثابت ﵁: لأن أقرأ القرآن في شهر أحب إليّ من أن أقرأه في خمس عشرة، ولأن أقرأه في خمس عشرة أحب إلي من أن أقرأه في عشر، ولأن أقرأه في عشر أحب إلي من أن أقرأه في سبع؛ أقف وأدعو.
أحوال السلف مع القرآن
يقول عبد الله بن مسعود ﵁: إنا صعب علينا حفظ ألفاظ القرآن، وسهل علينا العمل به، وإن من بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن، ويصعب عليهم العمل به.
وكان ابن عمر ﵁ يقول: كان الفاضل من أصحاب رسول الله في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا السورة أو نحوها، ورزقوا العمل بالقرآن، وإن آخر هذه الأمة يرزقون القرآن، منهم الصبي والأعمى، ولا يرزقون العمل به.
وقال الحسن: كان عمر يمر بالآية من ورده بالليل فيبكي حتى يسقط، ويبقى في البيت حتى يعاد للمرض.
ويخبر أحد أصحاب الربيع بن خثيم فيقول: كان الربيع يبكي حتى تبل لحيته من دموعه، ومر ذات ليلة بقوله تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣)﴾ [الفرقان: ١٢ - ١٣].
فصعق الربيع، فاحتملناه إلى أهله.
стр. 113
وكان يقول: إذا عوتب في بكائه وشدة اجتهاده، أدركنا أقواما كنا في جنوبهم لصوصا.
التأثر بآية
عن أبي ذر ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ بنا ليلة فقام بآية يرددها، وهي: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨].
وقام تميم الداري بآية يكررها حتى أصبح أو كاد، وهي قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١].
وروى إبراهيم بن علقمة قال: صليت إلى جنب عبد الله بن مسعود فافتتح سورة طه فلما بلغ: ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] قال: رب زدني علما، رب زدني علما.
وعن عروة بن الزيير ﵁ قال: دخلت على أسماء بنت أبي بكر (يعني أمه) وهي تصلي، فقرأت هذه الآية: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] فقمت، فلما طال علي ذهبت إلى السوق، ثم رجعت، وهي مكانها، وهي تكرر الصلاة (يعني الآية).
وروي أن عامر بن عبد قيس قرأ ليلة سورة المؤمن (غافر)، فلما انتهى إلى هذه الآية ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر: ١٨] لم يزل يرددها حتى أصبح.
وكان بعضهم يقول: كل آية لا أفهمها، ولا يكون قلبي فيها، لا أعد لها ثوابا.
وعن أبي سليمان الداراني قال: إني لأتلو الآية فأقيم فيها أربع ليال، وخمس ليال، ولا أني أقطع الفكر فيها ما جاوزتها إلى غيرها.
وكان عبد الله بن عمر ﵄ إذا قرأ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] بكى حتى يغلبه البكاء.
وشرب عبد الله بن عمر ﵄ ماء مبردا فبكى بكاء شديدا، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: ذكرت آية في كتاب الله ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤] فعرفت أن أهل النار لا يشتهون شيئا شهوتهم الماء.
стр. 114
وعن القاسم قال: صلى ابن عمر- ﵁ فقرأ قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] حتى بلغ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:١ - ٦] فبكى ابن عمر حتى حنى ولم يقدر أن يكمل ما بعدها من الآيات.
وقال محمد بن كعب: لأن أقرأ في ليلتي حتى أصبح (﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١] و ﴿الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة: ١] لا أزيد عليهما، وأتفكر فيهما أحب إلي من أن أهذ القرآن هذَّا، أو قال: أنثره نثرا.
وقال الزهري: العلم ذكر لا يحبه إلا الذكور من الرجال.
ويقول المقريزي نقلا عن مجاهد: صليت خلف مسلمة بن مخلد فقرأ سورة البقرة فما ترك ألفا ولا واوا.
ويقول الحارت بن سعيد: أخذ بيدي رياح القيسي فقال: هلم يا أبا محمد حتى نبكي على مر الساعات، ونحن على هذه الحال، قال: وخرجت معه إلى المقابر فلما نظر إلى القبور صرخ، ثم خر مغشيًا عليه، قال: فجلست -والله- عند رأسه أبكي، فأفاق، فقال: ما يبكيك؟ قلت: لما أرى بك.
قال: لنفسك فابك، ثم قال: وانفساه! وانفساه! ثم غشي عليه.
قال: فرحمته -والله- مما نزل به، فلم أزل عند رأسه حتى أفاق، فوثب وهو يقول: ﴿تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ ... ﴿تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ [النازعات: ١٢]، مضى على وجهه، وأنا أتبعه لا يكلمني حتى انتهى إلى منزله، فدخل ورجعت إلى أهلي، ولم يلبث بعد ذلك إلا يسيرا حتى مات.
ويقول منصور بن عمار دخلت الكوفة فبينما أنا أمشي في ظلمة الليل إذ سمعت بكاء رجل بصوت شجي من داخل دار وهو يقول إلهي، وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك، ولكن عصيتك بجهل مني، فالآن من ينقذني من عذابك؟ وبحبل من أعتصم إن قطعت حبالك عني؟ واذنوباه! واغوثاه! يا الله!
قال منصور بن عمار فأبكاني كلامه فوقفت فقرأت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ
стр. 115
مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] فسمعت للرجل صياحا شديدا واضطرابا فوقفت حتى انقطع صوته ومشيت.
فلما أصبحت أتيت إلى دار الرجل فوجدته قد مات والناس في تجهيزه، وعجوز تبكي، فسألت عنها فقيل: هي أمه، فقمت إليها وسألتها عن حاله، فقالت: كان يصوم النهار ويقوم الليل ويكتسب الحلال فيقسم كسبه ثلاثا: ثلثًا لنفقته، وثلثًا لنفقتي، وثلثًا يتصدق به، فقلما كان البارحة مر إنسان، وهو يقرأ فسمع آية من القرآن ففارق الدنيا (١).
خوف شديد
قرأ عمر بن عبد العزيز بالناس ذات ليلة: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١] فلما بلغ ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤)﴾ [الليل:١ - ١٤] خنقته العبرة فلم يستطع أن ينفدها فتركها، وقرأ سورة غيرها.
وقرأ ذات ليلة: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣] فبكى عمر حتى غلبه البكاء، وعلا نشيجه، فقام من مجلسه، فدخل بيته وتفرق الناس.
وقرأ ذات ليلة قوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١] فبكى بكاء شديدا حتى سمعه أهل الدار، فجاءت فاطمة، فجلست تبكي لبكائه، وبكى أهل الدار لبكائهما، فجاء ابنه عبد الملك وهو على هذا الحال، فقال: يا أبت ما يبكيك؟
قال: خير يا بني، ود أبوك أنه لم يعرف الدنيا ولم تعرفه، والله يا بني، لقد خشيت أن أهلك، والله يا بني، لقد خشيت أن أكون من أهل النار.
أعظم آية
عن أبي هريرة ﵁ قال: وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فآتاني آت فجعل يحثو من الطعام، فآخذته فقلت لأرفعنك إلى رسول الله، قال: إني محتاج، وعلي عيال، وبي حاجة شديدة، فخليت عنه، فأصبحت، فقال رسول الله ﷺ : "يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ " فقلت: يا رسول الله شكا حاجة وعيالا فرحمته فخليت سبيله، فقال: "أما إنه قد كذبك وسيعود"، فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله ﷺ فرصدته، فجاء يحثو
стр. 116
من الطعام فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله، قال: دعني فإني محتاج، وعلي عيال، لا أعود، فرحمته وخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ : "يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ " قلت: يا رسول الله شكا حاجة وعيالا فرحمته وخليت سبيله، فقال: إنه قد كذبك وسيعود، فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله وهذا آخر ثلاث مرات إنك تزعم أنك لا تعود ثم تعود! فقال: دعني فإني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: ما من؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي فإنه لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله فأصبحت، فقال لي رسول الله: "ما فعل أسيرك البارحة؟ " فقلت: يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، فقال: ما هي؟ فقلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقال لي: لا يزال عليك من الله حافظ، ولن يقربك شيطان حتى تصبح، فقال النبي ﷺ : "أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث يا أبا هريرة؟ " قلت: لا، قال: "ذلك شيطان" [رواه البخاري].
هل تحرص على قراءة آية الكرسي باستمرار؟
من أحوال الصالحين
القاسم بن أيوب قال: سمعت سعيد بن جبير يردد هذه الآية في الصلاة بضعًا وعشرين مرة: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١].
وعن البراء بن سليم قال: سمعت نافعا يقول: ما قرأ ابن عمر هاتين الآيتين قط من آخر سورة البقرة إلا بكى ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] ثم يقول: إن هذا لإحصاء شديد. [رواه أحمد].
وعن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٤٥] هو قال أبو الدحداح الأنصاري: وإن الله ليريد منا القرض؟ قال: نعم يا أبا الدحداح، قال: أرني يدك يا رسول الله، قال: فناوله رسول الله يده، قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي (بستاني) -وحائطه له فيه ستمائة نخلة- وأم الدحداح فيها وعيالها، قال: فجاء أبو الدحداح فنادى: يا أم الدحداح، قالت: لبيك. قال: اخرجي من الحائط
стр. 117
فقد أقرضته ربي .
وعن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" [البخاري].
وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال:"لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار" [متفق عليه].
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة" [مسلم].
تأثير القرآن في العرب
قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الزمر: ٢٣].
ويقول ابن مسعود: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات من القرآن، لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن، والعمل بهن. [الطبري].
وقال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن من أصحاب رسول الله أنهم كانوا يأخذون من رسول الله عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الآخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قال: فتعلمنا العلم والعمل جميعا. [رواه أحمد].
ومن هنا اقتضت حكمة الله أن ينزل القرآن منجما في ثلاث وعشرين سنة في مكة والمدينة، ليتمكن الناس من فهمه والعمل به، قال تعالى لرسوله: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦].
هل تشعر بأن قلبك يتأثر عند قراءة القرآن؟
العمل بالقرآن
ذكر ابن كثير في تفسيره عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان أبو طلحة ﵁ أكثر الناس بالمدينة مالاً، وكان أحب أمواله إليه (بيرحاء) -اسم حديقة له- وكانت مستقبلة
стр. 118
المسجد، وكان النبي يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قال أبو طلحة: يا رسول الله، إن الله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وإن أحب أموالي إليَّ بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله تعالى، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال النبي:"بخ بخ! ذاك مال رابح، ذاك مال رابح، وقد سمعت، وأنا أرى أن تجعلها في الأقربين"، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه. [أحمد].
وفي الصحيحين أن عمر ﵁ قال: يا رسول الله، لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي من سهمي الذي هو بخيبر، فما تأمرني به؟ قال:"حبس الأصل وسبل الثمرة". [ابن كثير].
ومعنى هذا أن يجعله وقفا في سبيل الله، يحبس أصله، فلا يباع ولا يوهب، وتسبل ثمرته، أي تجعل في سبيل الله، أي في الخير وإعانة الضعفاء والفقراء.
يقول سيد قطب: إن هذا القرآن هو معلم هذه الأمة ومرشدها ورائدها وحادي طريقها على طول الطريق، وهو يكشف لها عن حال أعدائها معها، وعن جبلتهم وعن تاريخهم مع هدى الله كله، ولو ظلت هذه الأمة تستشير قرآنها، وتسمع توجيهاته، وتقيم قواعده وتشريعاته في حياتها، ما استطاع أعداؤها أن ينالوا منها في يوم من الأيام .. ولكنها حين نقضت ميثاقها مع ربها، وحين اتخذت القرآن مهجورا، وإن كانت ما تزال تتخذ منه ترانيم مطربة، وتعاويذ ورقى وأدعية، أصابها ما أصابها (١).
هل تستخرج آية يوميا من القرآن وتعمل بها؟
مع سورة الزلزلة
أخرج إسحاق بن راهويه وعبد بن حميد وابن مردويه عن أسماء قالت: بينما أبو بكر يتغدى مع رسول الله، إذ نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] فأمسك أبو بكر، وقال: يا رسول الله، أكل ما عملناه من سوء رأيناه؟ فقال:"ما ترون مما تكرهون فذاك مما تجزون به، ويدخر الخير لأهله في الآخرة".
стр. 119
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب البكاء، وابن جرير الطبري وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ قال: أنزلت ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١] وأبو بكر قاعد يبكي، فقال له رسول الله: "ما يبكيك يا أبا بكر؟ " قال: تبكيني هذه السورة، فقال:" لولا أنكم تخطئون وتذنبون فيغفر لكم، لخلق الله أمة يخطئون ويذنبون فيغفر لهم".
وأخرج ابن المبارك في الزهد وأحمد وعبد بن حميد والنسائي والطبراني وابن مردويه عن صعصعة بن معاوية عم الفرزدق أنه أتى النبي ﷺ فقرأ عليه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] فقال: حسبي، لا أبالي ألا أسمع من القرآن غيرها.
وأخرج سعيد بن منصور عن المطلب بن عبد الله أن رسول الله قرأ في مجلس ومعهم أعرابي جالس: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] فقال الأعرابي: يا رسول الله! أمثقال ذر؟ قال: "نعم"، فقال الأعرابي: واسوأتاه! ثم قام وهو يقولها، فقال رسول الله: "لقد دخل قلب الأعرابي الإيمان".
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: ذكر لنا أن عائشة جاءها سائل فسأل، فأمرت له بتمرة، فقال لها قائل: يا أم المؤمنين إنكم لتتصدقون بالتمرة؟ قالت: نعم والله! إن الخلق كثير ولا يشبعه إلا الله، أوَليس فيه مثاقيل ذر كثير؟
وأخرج عبد بن حميد عن جعفر بن برقان قال: بلغنا أن عمر بن الخطاب أتاه مسكين وفي يده عنقود من عنب فناوله منه حبة وقال: فيه مثاقيل ذر كثيرة.
ليس لي عذر
الشيخ الأعرج عمرو بن الجموح ﵁ يأبى إلا أن يخرج للمشاركة في غزوة أحد مع أن الله عذره في كتابه حين قال: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: ١٧] ومع أن له أربعة بنين يشهدون المعارك خلفا له مع رسول الله، ولكنه يسعى وراء أمنية غالية هي الشهادة، وقد حققها الله له.
وعن أنس أن أبا طلحة قرأ سورة براءة، فأتى على هذه الآية: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١] فقال: أي بَني .. جهزوني (أي بعدة الحرب) فقال له بنوه: يرحمك الله .. فقد غزوت مع النبي حتى مات، فنحن نغزو
стр. 120
عنك، قال: لا، جهزوني، فغدا في البحر، فمات في البحر، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها، إلا بعد سبعة أيام، فدفنوه فيها.
قال الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو، وقد ذهبت إحدى عينيه، فقيل له: إنك عليل، فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل، فإن لم يمكنني الحرب كثرت السواد، وحفظت المتاع.
هل تحرص على أن يرزقك الله الشهادة؟
بل أنت يا رب
عن حجر بن قيس المدري قال: بتٌّ عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ فسمعته وهو يصلي من الليل يقرأ بهذه الآية: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩)﴾ [الواقعة: ٥٨ - ٥٩] قال: بل أنت يا رب -ثلاثا- ثم قرأ ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٦٤] قال: بل أنت يا رب -ثلاثا- ثم قرأ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩)﴾ [الواقعة: ٦٨ - ٦٩] قال: بل أنت يا رب -ثلاثا- ثم قرأَ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢)﴾ [الواقعة: ٧١ - ٧٢] قال: بل أنت يا رب -ثلاثا- (١).
سرعة الاستجابة
تقول السيدة عائشة ﵂: "إن لنساء قريش لفضلا، وإني -والله- ما رأيت أفضل من نساء الأنصار، ولا أشد تصديقا لكتاب الله، ولا إيمانا بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] فانقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته، وكل ذي قرابته، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل (المزخرف الذي فيه تصاوير) فاعتجرت به (شدته على رأسها) تصديقا وإيمانا بما أنزل الله في كتابه، فأصبحن وراء رسول الله معتجرات كأن على رءوسهن الغربان" ابن كثير في تفسيره.
أجل، لم ينتظرن يوماً أو يومين أو أكثر حتى يشترين أو يخطن أكسية جديدة تلائم غطاء الرءوس، وتتسع لتضرب على الجيوب، بل أي كساء وجد، وأي لون تيسر، فهو الملائم والموافق، فإن لم يوجد شققن من ثيابهن ومروطهن، وشددنها على رءوسهن، غير مباليات بمظهرهن الذي يبدون به كان على رءوسهن الغربان.
стр. 121
تحريم الخمر في أمريكا
يقدر ما أنفقته الدولة في الدعاية ضد الخمر بما يزيد على ستين مليونا من الدولارات، وأن ما أصدرته من كتب ونشرات يبلغ عشرة بلايين، وما تحملته في سبيل تنفيذ قانون التحريم مدة أربعة عشر عاما لا يقل عن ٢٥٠ مليون دولار، وقد أعدم في هذه المدة ٣٠ نفسًا وسجن ٥٣٢٣٣٥ نفسًا وبلغت الغرامات ستة عشر مليون دولار، وصادرت من الأملاك ما بلغ أربعمائة مليون وأربعة ملايين دولار، ولكن كل ذلك لم يزد الأمة الأمريكية إلا غراما بالخمر، وعنادا في تعاطيها حتى اضطرت الحكومة سنة ١٩٣٣ م إلى إلغاء هذا القانون، وإباحة الخمر إباحة مطلقة (١).
يقول البنا: كان القرآن فيما مضى زينة الصلوات فأصبح اليوم زينة الحفلات، وكان قسطاس العدالة في المحاكم فصار سلوة العابثين في المواسم، وكان واسطة العقد في الخطب والعظات فصار واسطة العقد في الحلي والتميمات، أفلست مُحقا حين قلت: ما رأيت ضائعا أشبه بمحتفظ به من كتاب الله! تناقض عجيب في هذا الموقف منا أمام القرآن: أننا نعظمه ما في ذلك شك .. ونذود عنه، ما في ذلك شك .. ونتقرب به إلى الله، ما في ذلك شك، ولكن يا قوم، أخطأتم طريق التعظيم، وتنكبتم سبيل الذود عنه، وضللتم عن جادة التقرب إلى الله به (٢).
القرآن ينادي على الأمة فيقول:
أنا القرآن في آياتي الحل كامن ... فهل فكر المسلمون في تطبيقي؟
كان يحيى بن معاذ يدعو: اللهم لا تجعلنا ممن يدعو إليك بالأبدان ويهرب منك بالقلوب، يا أكرم الأشياء علينا لا تجعلنا أهون الأشياء عندك (٣).
الاستماع إلى القرآن
يطلب الرسول ﷺ من ابن مسعود ﵁ أن يقرأ عليه شيئا من القرآن، قال: قلت: أقرأ
стр. 122
عليك وعليك أنزل؟ قال: "إني أشتهي أن أسمعه من غيري" قال: فقرأت سورة النساء حتى إذا بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] قال لي: "كف- أو أمسك"، فرأيت عينيه تذرفان.
أسلموا بسبب القرآن
ابن الزعيم غاندي: والده هو الزعيم "المهاتما غاندي" الهندوسي، وكان ابنه "هيرالال" يسمع كثيرًا عن الإسلام، وعزم على إشهار إسلامه بعد سماع قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥] وفي يوم الجمعة ارتدى قميصًا أبيضا، وتوجه إلى الجامع الكبير في مدينة بومباي، وأمام أكثر من عشرين ألف مسلم أعلن إسلامه، وصادف مضايقات كثيرة وقال: "لست بنادم ولا متأسف لاعتناقي الدين الإسلامي الحنيف كما يقولون ويشيعون، والله يعلم أني ما فعلت أكثر من تلبيتي نداء الحق ونداء ضميري، ورضوخي واستسلامي إلى الضالة المنشودة، والحلقة المفقودة التي كانت ضائعة مني، قد وجدتها أمامي أخيرا متمثلة في كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وفي سيرة رسوله، "مجلة الإسلام عدد يوليو ١٩٣٦م" (١).
بطل العالم في الملاكمة "كاسيوس كلاي" الذي صار محمد علي كلاي:
عام ١٩٦٠م ولما بلغ العشرين من عمره حصل على لقب بطل العالم في الملاكمة في أقصر مباريات الملاكمة، لم تستغرق سوى ثوان معدودة، وأمام ضجيج المعجبين، وفلاشات آلات التصوير أعلن إسلامه قائلا: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله".
ويقول عن سبب إسلامه: بدأت أعيش مع القرآن، والفاتحة أول سورة حفظتها منه، وبدأت رحلة الإسلام التي هي رحلة طمأنينة، ورحلة إيمان يعيشها صاحبها بتعاليم خالقه. ولم يسلم من الإيذاء، ولكنه كان صابرا، وقال:"إننا لو قمنا بهذه الدعوة سنجد حشودا كبيرة تدخل إلى الإسلام، الذي عندما نقارنه بغيره من الأديان نعرف أنه الدين الهادي إلى القلوب، دين الحق والنقاء" وأخذ كلاي ينتقل من مرحلة اعتناقه للإسلام إلى مرحلة الدعوة إليه بحماس المؤمن وإصرار وعناد من عرف طريق الحق، لقد أخذ يدعو الناس في الأماكن التي
стр. 123
ينتقل إليها، ويقول لهم: "إنه كلما قرأ المسلم القرآن بعمق، وقام بتأدية الشعائر الإسلامية بصدق وعمق، ركب بر الأمان في رحلة الإسلام، وركب قطار الاستقرار والطمأنينة ويبعد عنه خبث الشيطان". جريدة المسلمون في عددها الأول ١٩٨٥ (١).
إسلام قسيس
القس المصري "فوزي صبحي سمعان" أصبح معلما للدين الإسلامي، سمع هذه الآيات: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧)﴾ [المائدة: ١١٦ - ١١٧] ودخل كنيسة الإسماعيلية، ووجد نفسه يسجد سجود المسلمين، وبالفعل أشهر إسلامه وهو يبكي (٢).
أستاذ اللاهوت
كان يعمل راعي الكنيسة الإنجيلية وأستاذ العقائد واللاهوت بكلية اللاهوت بأسيوط، حتى عام ١٩٥٣م، ثم سكرتيرا عاما للإرسالية الألمانية السويسرية بأسوان، ومبشرا بين المسلمين ما بين المحافظات من أسيوط إلى أسوان عام ١٩٥٥ م.
سمع القرآن مذاعا بالمذياع يقول: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾ [الجن: ١ - ٢].
يقول: فأسلمت وغيرت اسمي من "إبراهيم خليل فيلبس" إلى إبراهيم خليل أحمد، وأخذت أدعو للإسلام، ولقد تولت الكنيسة إثارة الجهات المسئولة ضدي، حتى أن وزارتي الأوقاف والداخلية طلبتا مني أن أكف عن الحديث عن الإسلام وإلا تعرضت لتطبيق قانون الوحدة الوطنية، متهما بالشغب وإثارة الفتن، فقررت الهجرة إلى السعودية.
لا تعلم كم شعرت براحة نفسية عميقة وأنا أقرأ القرآن الكريم فأقف طويلا عند الآية
стр. 124
الكريمة ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١] (١).
خمسة قساوسة
أشهر خمسة قساوسة إسلامهم بعد مناظرة استمرت ثلاثة أيام بينهم وبين جماعة من الدعاة المسلمين، وقد أشهروا إسلامهم في بور سودان، ومن الطريف أيضا أن أحد عشر قسيسا بالسودان قد أشهروا إسلامهم في الوقت الذي كانوا يقومون فيه بمحاولات التنصير (٢).
إسلام البحار
أحد البحارة، كان يساعده في عمله بحار مسلم من اليمن، وأفنيا زهرة شبابهما في لجج البحار، وفي أثناء تلك الفترة كثيرا ما كان يرى هذا المسلم مداوما على صلاته وعبادته، وكان هو يسخر منه أحيانا، ويلمزه أحيانا أخرى .. ولكن المسلم استمر في عمله وعلاقته بربه، غير عابئ به، ما دام لم يحاول منعه من أداء فرائض دينه، وتمر الأيام وتشاء إرادة الله أن يكتنف الموج هذه السفينة الصغيرة، وتحتويها لججه العاتية، فيتيقن البحار ومن معه بالهلاك، ويلجأ إلى مساعده البحار المسلم بتضرع وخنوع ليصلي لله ركعات وقت الشدة، لأنه طالما كان معه في الرخاء، لعل الله ينقذهم مما هم فيه من البلاء، ويتجه البحار المسلم إلى ربه متضرعا أن ينقذهم مستعينا بآية طالما رددها في المواقف المماثلة مستشهدا بقوله تعالى ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ [النور: ٤٠] وتشاء الأقدار فيتبدد الخطر بسكون البحر وهدوء أمواجه، وتنقشع الظلمات، ويلتفت هذا البحار إلى مساعده البحار المسلم ليبدأ معه حوار ظن مستوضحا عن نظر الإسلام في مثل هذه الظاهرة، فشرح له مدلول الآية، فوقف البحار واجما، وقال: هل كان محمد بحارا؟ قال مساعده: لا، قال: هل ركب البحر في حياته؟ قال: لا، قال: وكيف يأتي بمثل ذلك المشهد الذي لم أره متجليا في حياتي العامرة بخوض البحار إلا هذا اليوم الذي لم أجد القرآن يتحدث عنه من واقع المشاهدة؟ قال: هذا من أسرار عظمة الإسلام، وعالمية القرآن، وكان هذا المشهد مدخلا مباشرا لاعتناق هذا البحار الإسلام عن قناعة وفهم.
стр. 125
ومن هنا يتحدد دور الفرد المسلم، بأن يجعل من نفسه القدوة، وأن يستشعر المسئولية، فيكون مثاليا أولا بالقدوة والعمل في التطبيق والمنهج (١).
في ظلال القرآن
يقول سيد قطب: الحياة في ظلال القرآن نعمة، نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها، نعمة ترفع العمر وتباركه وتزكيه.
والحمد لله .. لقد منَّ الله عليَّ بالحياة في ظلال القرآن فترة من الزمان، ذقت فيها من نعمته ما لم أذق قط في حياتي، ذقت فيها هذه النعمة التي ترفع العمر وتباركه وتزكيه.
لقد عشت أسمع الله سبحانه يتحدث إليَّ بهذا القرآن .. أنا العبد القليل الصغير .. أي تكريم للإنسان هذا التكريم العلوي الجميل؟! أي رفقة للعمر يرفعها هذا التنزيل؟! أي مقام كريم يتفضل به على الإنسان خالقه الكريم؟!
وعشت في ظلال القرآن أنظر من علو إلى الجاهلية التي تموج في الأرض وإلى اهتمامات أهلها الصغيرة الهزيلة، أنظر إلى تعاجب أهل هذه الجاهلية بما لديهم من معرفة الأطفال، وتصورات الأطفال، واهتمامات الأطفال، كما ينظر الكبير إلى عبث الأطفال، ومحاولات الأطفال، ولثغة الأطفال، وأعجب .. ما بال هؤلاء الناس؟ ما بالهم يرتكسون في الحمأة الوبيئة، ولا يسمعون النداء العلوي الجليل، النداء الذي يرفع العمر ويباركه ويزكيه؟
وعشت في ظلال القرآن أحس التناسق الجميل بين حركة الإنسان كما يريدها الله، وحركة هذا الكون الذي أبدعه الله .. ثم أنظر .. فأرى التخبط الذي تعانيه البشرية في انحرافها عن السنن الكونية والتصادم بين التعاليم الفاسدة الشريرة التي تملي عليها وبين فطرتها التي فطرها الله عليها، وأقول في نفسي: أي شيطان لئيم هذا الذي يقود خطاها إلى هذا الجحيم؟! يا حسرة على العباد! (٢).
خيبة أهل الكتاب
حكى أن ملكا كتب إلى بعض عماله في البلدان أني قادم عليكم فاعملوا كذا وكذا،
стр. 126
فعملوا إلا واحدًا منهم، فإنه قعد يتفكر في الكتاب فيقول: أترى كتبه بمداد أو بحبر؟ أترى كتبه قائما أو قاعدا؟ فما زال يتفكر حتى قدم الملك ولم يعمل ما أمره به شيئا، فأحسن جوائز الكل وقتل هذا.
هجر القران أنواع
أحدها: هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه.
والثاني: هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه وإن قرأه وآمن به.
والثالث: هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه واعتقاد أنه لا يفيد اليقين وأن أدلته لفظية لا تحصل العلم.
والرابع: هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه.
والخامس: هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب، وأدوائها، فيطلب شفاء دائه من غيره ويهجر التداوي به، وكل هذا داخل في قوله: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠] وإن كان بعض الهجر أهون من بعض.
وقفات
خرج عمر يعس بالمدينة ذات ليلة، فمر بدار رجلٍ من المسلمين، فوافقه قائما يصلي، فوقع يستمع قراءته فقرأ "والطور" حتى بلغ ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨)﴾ [الطور: ٧ - ٨] قال: قسم ورب الكعبة حق، فنزل عن حماره واستند إلى حائط، فمكث مليًا، ثم رجع إلى منزله، فمكث شهرا يعوده الناس لا يدرون ما مرضه ﵁.
عمر ﵁ سمع السورة قبل ذلك، وقرأها وصلى بها، فقد كان رسول الله ﷺ يصلي بها المغرب، وعمر يعلم، ويتأسى، ولكنها في تلك الليلة صادفت منه قلبا مكشوفا وحسا مفتوحا، فنفذت إليه وفعلت به هذا الذي فعلت، حين وصلت إليه بثقلها وعنفها وحقيقتها اللدنية المباشرة، التي تصل إلى القلوب في لحظات خاصة، فتتخللها وتتعمقها، في لمسة مباشرة كهذه اللمسة، تلقى فيها القلب الآية من مصدرها الأولى كما تلقاها قلب رسول الله ﷺ فأطاقها لأنه تهيأ لتلقيها، فأما غيره فيقع لهم شيء مما وقع لعمر ﵁ حين تنفذ إليهم بقوة حقيقتها الأولى (١).
стр. 127
يقول سيد قطب: كنا على ظهر الباخرة في عرض الأطلنطي وطريقنا إلى نيويورك، حينما أقمنا صلاة الجمعة على ظهر المركب .. ستة من الركاب المسلمين من بلاد عربية مختلفة وكثير من عمال المركب أهل النوبة، وألقيت خطبة الجمعة متضمنة آيات من القرآن في ثناياها، وسائر ركاب السفينة من جنسيات شتى متحلقون يشاهدون.
وبعد انتهاء الصلاة جاءت إلينا -من بين من جاء لنا عن تأثره العميق بالصلاة الإسلامية- سيدة يوغوسلافية فارَّة من الشيوعية إلى الولايات المتحدة، جاءت وفي عينيها دموع لا تكاد تمسك بها وفي صوتها رعشة، وقالت لنا في إنجليزية ضعيفة: أنا لا أملك نفسي من الإعجاب البالغ بالخشوع البادي في صلاتكم .. ولكن ليس هذا ما جئت من أجله .. إنني لا أفهم من لغتكم حرفا واحدا غير أنني أحس أن فيها إيقاعا موسيقيا لم أعهده في أية لغة .. ثم .. إن هناك فقرات مميزة في خطبة الجمعة، وهي أشد إيقاعا ولها سلطان خاص على نفسي (١).
آداب تلاوة القرآن:
١ - تلاوة صفحة على الأقل يوميا.
٢ - الوضوء قبل تلاوته.
٣ - الاستعاذة بالله من الشيطان قبل تلاوته.
٤ - التغني وتحسين الصوت.
٥ - محاولة البكاء عند تلاوته.
٦ - التطويل في الصلاة بتلاوته.
٧ - استقبال القبلة عند تلاوته.
٨ - عدم وضع المصحف على الأرض وعدم وضع شيء عليه.
٩ - عدم دخول الحمام به.
١٠ - عدم رفع الصوت به إذا وجد من يصلي أو يذاكر أو أحد مريضا.
١١ - البطء وعدم السرعة أثناء التلاوة.
стр. 128
١٢ - الاجتماع على تلاوته.
١٣ - لا يقرؤه في أقل من ثلاث ليال. قال رسول الله: "من قرأ القرآن في أقل من ثلاث ليال لم يفقهه". [أصحاب السنن والترمذي].
١٤ - التزام الخشوع عند تلاوته. قال رسول الله ﷺ : "اتلوا القرآن وابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا" [ابن ماجه].
١٥ - أن يحسن صوته به. قال رسول الله ﷺ : "زينوا القرآن بأصواتكم" [أحمد].
١٦ - ترتيل القرآن. قال تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤].
١٧ - ألا يكون عند تلاوته من الغافلين عنه المخالفين له إن قرأ (ألا لعنة الله على الكاذبين) وكان كاذبا فإنه يكون لاعنا لنفسه وجاء في التوراة: (أن الله تعالى يقول: أما تستحي مني يأتيك كتاب من بعض إخوانك، وأنت في الطريق تمشي، فتعدل عن الطريق وتقعد لأجله وتقرؤه وتتدبره حرفا حرفا، حتى لا يفوتك شيء منه، وهذا كتابي أنزلته إليك، انظر كيف فصلت لك فيه من القول، وكم كررت عليك فيه لتتأمل طوله وعرضه ثم أنت معرض عنه، فكنت أهون عليك من بعض إخوانك، يا عبدي يقعد إليك بعض إخوانك فتقبل إليه بكل وجهك، وتصغى إلى حديثه بكل قلبك، فإن تكلم متكلم أو شغلك شاغل عن حديثه أومأت إليه، أن كف، وها أنا مقبل عليك ومحدث وأنت معرض بقلبك عني، أفجعلتني أهون عليك من بعض إخوانك؟! ".
١٨ - الاتصاف بصفات أهل القرآن: يقول عبد الله بن مسعود ﵁: ينبغي لقارئ القرآن أن يُعرف بليله إذ الناس نائمون، وبنهاره إذ الناس مفطرون، وببكائه إذ الناس يضحكون، وبورعه إذ الناس يخلطون، وبصمته إذ الناس يخوضون، وبخشوعه إذ الناس يختالون، وبحزنه إذ الناس يفرحون.
***
стр. 129
التعلق بالمساجد
قال تعالى ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨].
كلما دخل الإسلام بلدًا كان المسجد شعاره وعنوانه، وكان ناديًا للجميع، ومعهدًا للدرس، ومعبدًا للذكر.
وقد حض الإسلام على عمارته، وبيَّن لنا أن ذلك يكون بأمرين: الأول تعمير مادي، وذلك يكون بإقامته، وإضاءته، وتنظيفه، وصيانته.
والثاني: تعمير روحي، وذلك يكون بالتردد عليه للصلاة والذكر ومدارسة العلم.
أما عن التعمير الروحي فيكون ذلك بالصلاة فيه وقراءة القرآن، والذى وتعلم العلم، ومعرفة أحوال المسلمين.
فالمساجد لم تبن للصلاة فقط. بل ليهتم كل مسلم بإخوانه المسلمين يسأل عنهم إذا غابوا، ويرشدهم إذا انحرفوا، ويعاونهم إذا احتاجوا، وبذلك يفوز بالفوز العظيم والأجر الجزيل من الله رب العالمين.
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "صلاة الجميع تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه خمسًا وعشرين درجة، فإن أحدكم إذا توضأ فأحسن، وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه خطيئة حتى يدخل المسجد، وإذا دخل المسجد كان في صلاة ما كنت تحبسه وتصلى عليه الملائكة ما دام في مجلسه الذي يصلى فيه: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يُحدث فيه" [متفق عليه].
فالصلاة جماعة بالمسجد تزيد في الأجر والفضل على صلاة المسلم في بيته بخمس وعشرين أو سبع وعشرين درجة، وذلك لأنها تغرس فيه حب النظام حيث إنه لا يستطيع أن يصليها قبل وقتها، وتنمي فيه روح الجماعة حيث لا يخاطب ربه إلا بصيغة الجمع ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وتقيم له الدليل على أن الناس جميعًا سواء في وقوفهم أمام الله رب العالمين.
стр. 130
وقال رسول الله ﷺ : "المسجد بيت كل تقي، وتكفَّل الله لمن كان المسجد بيته بالرَّوح والرحمة والجواز على الصراط إلى رضوان الله، إلى الجنة" [رواه الطبراني].
وعن أبي موسى ﵁ قال: قال النبي ﷺ :
"أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرًا من الذي يصلي ثم ينام" [متفق عليه].
وقال في الحديث القدسي:
"إن بيوتي في الأرض المساجد، وإن زواري عمَّارها، فطوبى لمن تطهر في بيته وزارني في بيتي، وحق على المزور أن يكرم زائره".
قال ابن عباس: إن المساجد بيوت الله في الأرض تضيء لأهلها كما تضيء نجوم السماء لأهلها.
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط" [مسلم].
ومن مظاهر التعلق بالمسجد الحرص على صلاة الجماعة فقد كان الرسول يحرص على حضور صلاة الجماعة في المسجد حتى وهو في مرض الموت، فعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: دخلت على عائشة فقلت: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله؟ قالت: بلى، ثقل النبي ﷺ فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك، قال: ضعوا لي ماء في المخضب (الإجانة) قالت: ففعلنا، فاغتسل فذهب لينوء "ليقوم" فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، قال: ضعوا لي ماء في المخضب، قال: فقعد فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق، فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، فقعد فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، والناس عكوف في المسجد، ينتظرون النبي لصلاة العشاء الآخرة، فأرسل النبي إلى أبي بكر، بأن يصلي بالناس، فأتاه الرسول فقال: إن رسول الله يأمرك أن تصلي بالناس، فقال أبو بكر -وكان رجلا رقيقا-: يا
стр. 131
عمر، صل بالناس، فقال له عمر: أنت أحق بذلك، فصلى أبو بكر تلك الأيام [البخاري] فانظر -رحمك الله- إلى أي مدى كان رسول الله حريصا على الصلاة؟!
ولما وجد في نفسه خفة خرج إلى المسجد فكيف كانت خفته؟ قالت عائشة: فوجد النبي من نفسه خفة، فخرج يهادي بين رجلين، كأني أنظر رجليه تخطان من الوجع (أي لم يكن يقدر على رفعهما من الأرض).
يقول سيد قطب: "إن الصلاة صلة ولقاء بين العبد والرب، صلة يستمد منها القلب قوة، وتحس فيها الروح صلة، وتجد فيها النفس زادا أنفس من أعراض الحياة الدنيا، ولقد كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وهو الوثيق الصلاة بربه، الموصول الروح بالوحي والإلهام .. وما يزال هذا الينبوع الدافق في متناول كل مؤمن يريد زادا للطريق، وريًا في الهجير، ومددا حين ينقطع المدد، ورصيدا حين ينفد الرصيد (١).
ونلاحظ محاسبة النفس على التقصير في أداء الصلاة:
عن نافع أن ابن عمر كان إذا فاتته العشاء في جماعة، أحيا بقية ليلته.
وحرص السلف على صلاة الجماعة، قال القواريري: لم تكن تكاد تفوتني صلاة العتمة في جماعة، فنزل بي ضيف فشغلت به، فخرجت أطلب الصلاة في مساجد البصرة، فإذا الناس قد صلوا، فقلت في نفسي: جاء عن النبي: أن "صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" [البخاري]. فانقلبت إلى منزلي فصليت العتمة سبعا وعشرين مرة، ثم رقدت فنمت، فرأيتني كأني مع قوم راكبين أفراسًا، وأنا راكب، ونحن نتجارى وأفراسهم تسبق فرسي، فجعلت أضربه لألحقهم، فالتفت إلي آخرهم، فقال: لا تجهد فرسك، فلست بلاحقنا، قال: فقلت: ولم؟ قال: لأنا صلينا العتمة -يعني العشاء- في جماعة.
وقال حاتم الأصم: فاتتني الصلاة في الجماعة، فعزاني أبو إسحاق البخاري وحده، ولو مات لي ولد لعزاني أكثر من عشرة آلاف، لأن مصيبة الدين أهون عند الناس من مصيبة الدنيا.
стр. 132
وكان الإمام المزني شيخ الشافعية ﵀ إذا فاتته صلاة الجماعة، صلى تلك الصلاة خمسا وعشرين مرة.
يخرجون للصلاة وهم مرضى
عن عبد الله بن مسعود قال: "ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يتهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف". [مسلم].
وعن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، أنه كان يحمل وهو مريض إلى المسجد.
هل تحرص على صلاة الجماعة مهما كانت الأسباب؟
في أصعب الظروف
كان الإمام أبو عبد الله محمد بن خفيف الشيرازي به وجع الخاصرة، فكان إذا أصابه أقعده عن الحركة، فكان إذا نودي للصلاة يحمل على ظهر رجل، فقيل له: لو خففت على نفسك؟
قال: إذا سمعتم حي على الصلاة ولم تروني في الصف، فاطلبوني في المقبرة (١).
وقال ربيعة بن عبد الرحمن: المروءة في الحضر: الإدمان إلى المساجد، وتلاوة القرآن، وكثرة الإخوان في الله .
وفي رواية: أما التي في الحضر: فتلاوة القرآن، ولزوم المساجد، وعفاف الفرج (٢).
وقال السخاوي عن مدين بن أحمد المغربي: مكث دهرا إلى حين وفاته لا تفوته التكبيرة الأولى من صلاة الصبح ويمكث في مصلاه وهو على طهارة إلى أن يركع الضحى وربما جلس بعد ذلك.
وكان أبو السعود الكازورني أول الناس دخولا المسجد وآخرهم خروجا، لزم صلاة الجماعة بالمسجد النبوي بحيث لا يفوته فرض إلا لعذر، وكان لا يخرج من المسجد إلا آخر الناس خصوصا بعد صلاة العشاء ويقول: أحب أن أكون آخر الناس
стр. 133
خروجا وأولهم دخولا (١).
وكان القاضي حسين بن محمد بن عبد الوهاب قد ثقل آخر عمره، فكان يخرج لصلاة الجماعة يتهادى بين رجلين حتى يقام في الصف وله من العمر نحو اثنتين وتسعين سنة (٢).
وقال ابن الخطيب: بقي الحفار الغرناطي نحوا من عامين أو أزيد يخرج للصلوات الخمس يهادي بين رجلين لشيء كان برجله حتى كان بعض أصحابه يقول: الحفار حجة الله على من لم يحضر الجماعة.
وقال إبراهيم الكينعي: صلى حاتم الحملاني زهاء أربعين سنة إماما، ما ترك صلاة واحدة في جماعة، ولا سجد للسهو في جميع هذه المدة إلا ست مرات، وكان لا يدع البكاء في الصلاة مطلقا، وقبضت روحه وهو يصلي.
وروى ابن سعد، عن عبد الرحمن بن السور بن مخرمة، قال: جاء عمر إلى سعيد بن يربوع، إلى منزله، فعزاه بذهاب بصره، وقال: لا تدع الجمعة ولا الصلاة في مسجد رسول الله، قال: ليس لي قائد، قال: فنحن نبعث إليك بقائد، فبعث إليه بغلام من السبي.
وقال ثابت بن الحجاج: خرج عمر بن الخطاب إلى الصلاة، فاستقبل الناس، فأمر المؤذن فقام وقال: والله لا ننتظر لصلاتنا أحدا، فلما قضى صلاته، أقبل على الناس، ثم قال: ما بال أقوام يتخلفون، يتخلف بتخلفهم آخرون، والله لقد هممت أن أرسل إليهم فيجأ (يضرب) أعناقهم، ثم يقال: اشهدوا الصلاة.
من أحوال السلف
عبد الله بن الزبير بن العوام كان يسمى حمام المسجد .. الربيع بن خثيم كان يقول: إني لآنس بصوت عصفور المسجد من أنسي بزوجتي، وكان ﵀ بعدما سقط شقه يهادي بين رجلين إلى مسجد قومه، وكان أصحاب عبد الله بن مسعود يقولون: يا أبا يزيد، قد رخص الله لك، لو صليت في بيتك فيقول: إنه كما تقولون، ولكني سمعته
стр. 134
ينادي: حي على الفلاح، فمن سمع منكم: حي على الفلاح، فليجبه ولو زحفًا، ولو حبوا.
وعن أبي حيان التيمي عن أبيه: أصاب الربيع الفالج (الشلل) فكان يحمل إلى الصلاة، فقيل له: إنه قد رخص لك، قال: قد علمت، ولكن أسمع النداء بالفلاح.
الحرص على صلاة الفجر
قال رسول الله ﷺ : "من صلى العشاء في جماعة، فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة، فكأنما قام الليل كله" [مسلم].
انظر إلى الصحابي الجليل الحارث بن حسان، تزوج في ليلة من الليالي، فحضر صلاة الفجر مع الجماعة. روى الإمام الطبراني عن عنبسة بن الأزهر قال: تزوج الحارث ابن حسان وكان له صحبة، فقيل له: أتخرج وإنما بنيت بأهلك في هذه الليلة؟ فقال: والله إن امرأة تمنعني من صلاة الغداة في جمع لامرأة سوء.
وعن هشيم عن أبيه قال: فقد عمر رجلا في صلاة الصبح، فأرسل إليه فجاء، فقال: أين كنت؟ فقال: كنت مريضا، ولولا أن رسولك أتاني لما خرجت، فقال عمر: فإن كنت خارجا إلى أحد، فأخرج للصلاة.
وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يمر في الطريق مناديا: الصلاة الصلاة -يوقظ الناس لصلاة الفجر- وكان ﵁ يفعل ذلك كل يوم.
وروى ابن سعد عن الحسن يحدث عن خروج عليّ في اليوم الذي طعن فيه من بيته، حيث يقول: فلما خرج من الباب نادى: أيها الناس الصلاة الصلاة، كذلك يفعل في كل يوم، ومعه درته يوقظ الناس (١).
وقال علي بن بكار: مذ أربعين سنة ما أحزنني إلا طلوع الفجر، لو قمت في السحر لرأيت طريق العباد قد غص بالزحام، لو وردت ماء مدين، وجدت عليه أمة من الناس يسقون.
وقال أبو الزناد: كنت أخرج من السحر إلى مسجد النبي فلا أمر ببيت إلا وفيه قارئ.
стр. 135
فأما اليوم فنشكو إلى الله أحوال المسلمين؛ فلا تكاد تمر ببيت في صلاة الفجر إلا وتسمع غطيط أهله بالنوم بعد سهر الليل على مسلسلات الحب والغرام وكلمات الفحش والإجرام، ليل صاخب ووجه شاحب وابتعاد عن الهدي الأول، نعم، فإلى وقت قريب لم يكن ليل المسلمين هكذا، بل كان ليل الآباء والأمهات والأجداد والجدات، ليل الصالحين والصالحات، ليل الراكعين والراكعات، ليل الساجدين والساجدات، ليل التائبين، ليل المستغفرين، فما الذي دهانا؟ ما الذي دهانا معشر البنين والبنات؟! سيئات وشهوات، وقنوات ومسلسلات (١).
وكان الصالحون من هذه الأمة حريصين على بدء القتال دائما بعد صلاة الصبح، وليس قبلها، حتى لا تضيع عليهم الصلاة، لأن وقتها قصير، وحتى يحصلوا على بركة الساعات الأولى من النهار، وحتى يبتهلوا إلى الله في صلاتهم أن ينصرهم على أعدائهم.
خالد بن الوليد ﵁ لم يكن يبدأ قتاله إلا بعد صلاة الصبح.
ويوسف بن تاشفين ﵀ زعيم دولة الرابطين، وقائد من أعظم قادة المسلمين، لم يخض موقعة الزلاقة المشهورة إلا بعد أن صلى الفجر بجيش المسلمين، ثم بدأ القتال.
وقطز ﵀ بدأ القتال في موقعة عين جالوت المشهورة ضد التتار بعد صلاة الصبح مباشرة (٢).
أنس يبكي
أنس بن مالك ﵁ كان يبكي كلما تذكر فتح "تستر".
و"تستر" كانت مدينة فارسية حصينة حاصرها المسلمون سنة ونصفًا بالكامل، ثم سقطت المدينة في أيدي المسلمين، وتحقق لهم فتح مبين، وهو من أصعب الفتوح التي خاضها المسلمون ..
فإذا كان الوضع بهذه الصورة الجميلة المشرقة فلماذا يبكي أنس بن مالك ﵁ عندما يتذكر موقعة تستر؟
стр. 136
لقد فتح باب حصن تستر قبيل ساعات الفجر بقليل، وانهمرت الجيوش الإسلامية داخل الحصن، ودار لقاء رهيب بين ثلاثين ألف مسلم، ومائة وخمسين ألف فارسي، وكان قتالا في منتهى الضراوة، وكانت كل لحظة في هذا القتال تحمل الموت، وتحمل الخطر على الجيش المسلم.
موقف في منتهى الصعوبة .. وأزمة من أخطر الأزمات.
ولكن في النهاية -بفضل الله- كتب الله النصر للمؤمنين .. وانتصروا على عدوهم انتصارا باهرا، وكان هذا الانتصار بعد لحظات من شروق الشمس، واكتشف المسلمون أن صلاة الصبح قد ضاعت، في ذلك اليوم الرهيب لم يستطع المسلمون في داخل هذه الأزمة الطاحنة والسيوف على رقابهم أن يصلوا الصبح في ميعاده، ويبكي أنس بن مالك ﵁ لضياع صلاة الصبح مرة واحدة في حياته، ويقول أنس: وما تستر؟ لقد ضاعت مني صلاة الصبح، وما وددت أن لي الدنيا جميعا بهذه الصلاة (١).
فضيلة الوقت بعد الفجر
ثبت لهذا الوقت من الفضيلة والخصوصية ما يوجب على المسلم في عمارته بالطاعة: فقد أقسم الله به في قوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨] وأرشد العباد إلى التسبيح فيه بقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] وقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩].
قال ابن القيم: ومن المكروه عندهم النوم بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، فإنه وقت غنيمة، وللسير (أي العبادة والتوجه إلى الله) في ذلك الوقت عند السالكين مزية عظيمة، حتى لو ساروا طول ليلهم لم يسمحوا بالقعود عن السير ذلك الوقت، حتى تطلع الشمس، فإنه أول النهار ومفتاحه، ووقت نزول الأرزاق وحصول القسم وحلول البركة، ومنه ينشأ النهار، وينسحب حكم جميعه (أي النهار) على حكم تلك الحصة، فينبغي أن يكون نومها كنوم المضطر.
стр. 137
نماذج رائعة
تقول أم الشهيد يحيي عياش يوم استشهاده: ما ترك صلاة الفجر في المسجد يوما واحدا منذ عشرين سنة.
وها هو الشيخ المجاهد القعيد أحمد ياسين يرزقه الله الشهادة -التي طالما تمناها ودعا الله بها- بعد صلاة الفجر لتكون هي آخر عمل له في الدنيا.
روى الإمام مالك في موطئه أن عمر بن الخطاب فقد سليمان بن أبي حثمة ﵀ في صلاة الصبح في يوم من الأيام (يوما واحدا) وأن عمر بن الخطاب غدا إلى السوق- ومسكن سليمان بين السوق -والمسجد النبوي- فمر على الشفَّاء أم سليمان ﵂ فقال لها: لم أر سليمان في الصبح.
فقالت: إنه بات يصلي فغلبته عيناه (لم يكن يشاهد التليفزيون).
فقال عمر: لأن أشهد صلاة الصبح في جماعة أحب إليّ من أن أقوم ليلة.
لقد كانت بيعة عمر بن الخطاب ﵁ ليكون أميرا للمؤمنين بعد الصديق في صلاة الفجر في المسجد النبوي .. فقد توفي الصديق ﵁ مساء ودفن مساء، وفي صلاة الفجر من اليوم التالي بويع عمر بن الخطاب بالخلافة.
وهذا يعني أن كبار رجال الدولة والأمراء والوزراء وأهل الحل والعقد ومن بيده الأمر كل هؤلاء كانوا يصلون الفجر في جماعة، ويأخذون قرارات مصيرية جدا في صلاة الفجر (١).
هل تحافظ على أداء صلاة الفجر يوميا في جماعة؟
الحرص على تكبيرة الإحرام
قال رسول الله ﷺ : "من صلى لله أربعين يوما في جماعة، يدرك التكبيرة الأولى، كتب له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق" [الترمذي].
ويقول عدي بن حاتم: ما جاء وقت صلاة قط إلا وقد أخذت لها أهبتها، وما جاءت
стр. 138
إلا وأنا إليها بالأشواق (١).
ويقول سعيد بن المسيب: ما فاتتني الصلاة في جماعة، وقال: ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين، وما نظرت في قفا رجل في الصلاة منذ خمسين سنة.
وكان يحيى بن القطان إذا ذكر الأعمش قال: كان من النساك، وكان محافظا على الصلاة في الجماعة، وعلى الصف الأول، قال يحيي: وهو علامة الإسلام، وكان يحيى يلتمس الحائط حتى يقوم في الصف الأول.
مفتي الحرم شيخ الإسلام أبو محمد عطاء بن أبي رباح قال عنه ابن جريج: كان المسجد فراش عطاء عشرين سنة، وكان من أحسن الناس صلاة.
قال أبو مسهر حدثنا عبد الرحمن بن عامر: سمعت ربيعة بن يزيد يقول: ما أذن المؤذن لصلاة الظهر منذ أربعين سنة إلا وأنا في المسجد، إلا أن أكون مريضا أو مسافرا.
وقال زياد بن أيوب: حدثنا أبو بكر قال: كان عاصم بن أبي النجود إذا صلى ينتصب كأنه عود، وكان يكون يوم الجمعة في المسجد إلى العصر، وكان عابدا خيرا، يصلي أبدا، ربما أتى حاجة، فإذا رأى مسجدا قال: مل بنا فإن حاجتنا لا تفوق، ثم يدخل فيصلي (٢).
وعن عثمان بن حكيم؟ سمعت سعيد بن المسيب يقول: ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد (٣).
وكان السلف إذا فاتتهم تكبيرة الإحرام عزوا أنفسهم ثلاثة أيام، وإذا فاتتهم الجماعة عزوا أنفسهم سبعة أيام.
وكان منهم من يبكي عندما تفوته تكبيرة الأحرام مع الجماعة، ومنهم الذي يمرض إذا فاتته الصلاة مع الجماعة.
ومنهم القائل وقد قارب التسعين: "لم أصل الفريضة منفردا إلا مرتين، وكأني لم أصلهما".
قال وكيع بن الجراح عن الإمام العظيم سليمان بن مهران (الأعمش): كان
стр. 139
الأعمش قريبا من السبعين لم تفته التكبيرة الأولى.
ولله در إبراهيم التيمي حيث يقول: إذا رأيت الرجل يتهاون في التكبيرة الأولى، فاغسل يدك منه.
ولله در القائل:
لا يصنع الأبطال إلا ... في مساجدنا الفساح
في روضة القرآن في ... ظل الأحاديث الصحاح
شعب بغير عقيدة ... ورق يذريه الرياح
من خان "حي على الصلاة" ... يخون "حي على الفلاح"
يا ابن آدم، إذا هانت عليك صلاتك فأي شيء يعز عليك في دينك؟ (١).
قال أسيد بن جعفر: بشر بن منصور ما فاتته التكبيرة الأولى قط.
قال الحاكم عن أبي العباس محمد بن يعقوب الأصم: بلغني أنه أذن سبعين سنة في مسجده (٢).
يروي مصعب بن عبد الله أن عامر بن عبد الله بن الزبير سمع المؤذن ينادي بالصلاة وهو يحتضر وينازع الموت -وكان منزله قريبا من المسجد- فقال لمن عنده: خذوا بيدي إلى المسجد.
فقيل له: إنك عليل.
فقال: أسمع داعي الله فلا أجيبه؟ فأخذوا بيده فدخل في صلاة المغرب فركع مع الإمام ركعة ثم مات وهو في الصلاة.
يقول وكيع بن الجراح: من لم يأخذ أهبة الصلاة قبل وقتها لم يكن قد وقرها، ومن تهاون بالتكبيرة الأولى فاغسل يدك منه.
ومن الأمثلة العملية على هذا التبكير ما روي عن برد مولى سعيد بن المسيب قال: ما نودي بالصلاة منذ أربعين سنة إلا وسعيد في المسجد.
стр. 140
يقول سفيان بن عيينة: إن من توقير الصلاة أن تأتي قبل الإقامة.
بداية بالوضوء: كان عطاء السليمي إذا فرغ من وضوئه انتفض وارتعد وبكى بكاء شديدا، فقيل له في ذلك، فقال: إني أريد أن أقدم على أمر عظيم، إني أريد أن أقوم بين يدي الله تعالى.
كان علي بن الحسين إذا توضأ يصفر فيقول له أهله: ما هذا الذي يعتادك على الوضوء؟ فيقول: تدرون بين يدي من أريد أن أقوم؟!
حالك في الصلاة
شيخ الإسلام الرباني أبو المعتمر سليمان بن طرخان التيمي قال عنه معمر مؤذنه: صلى إلى جنبي سليمان التيمي بعد العشاء الآخرة، وسمعته يقرأ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: ١] قال: فلما أتى على هذه الآية ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الملك: ٢٧] جعل يرددها حتى خف أهل المسجد فانصرفوا، قال: فخرجت وتركته، قال: وعدت لأذان الفجر، فنظرت فإذا هو في مقامه، قال: فسمعت، فإذا هو فيها لم يجزها وهو يقول: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الملك: ٢٧].
قال ابن وهب: رأيت سفيان الثوري في الحرم بعد المغرب صلى، ثم سجد سجدة، فلم يرفع حتى نودي بالعشاء.
وقال علي بن الفضيل: رأيت الثوري ساجدا، فطفت سبعة أشواط قبل أن يرفع رأسه (١).
...
стр. 141
الورع
الورع نوعان: مندوب، وهو ترك الشبهات، وواجب وهو ترك المحرمات.
يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]. الورع ينظف القلب من نجاسته كما يطهر الماء دنس الثوب ونجاسته.
وقد جمع النبي ﷺ الورع في كلمة واحدة: "من حسن إسلام الرء تركه ما لا يعنيه" [ابن ماجه].
فهذا يعم الترك لما لا يعني من الكلام والنظر والاستماع والبطش والمشي والفكر وسائر الحركات الظاهرة والباطنة، فهذه الكلمة كافية شافية في الورع.
قال أبو سليمان الداراني: الورع أول الزهد كما أن القناعة أول الرضا.
قال يحيى بن معاذ: الورع على وجهين: ورع في الظاهر وورع في الباطن؛ فورع الظاهر: ألا لا يتحرك إلا لله، وورع الباطن هو ألا تدخل قلبك سواه.
المرء إن كان عاقلا ورعا ... أشغله عن عيوب غيره ورعه
كما العليل السقيم أشغله ... عن وجع الناس كلهم وجعه (١)
وإليك قصصًا في ورع الرسول ﷺ والصحابة والتابعين والصالحين، نسأل الله أن يرزقنا الورع.
ورع الرسول
عن أنس ﵁ أن النبي- ﷺ مرَّ بتمرة في الطريق، فقال:" لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها" [رواه البخاري].
ماذا لو علم رسول الله ﷺ أن هناك أناسا من أمته يأكلون أموال اليتامى ظلما،
стр. 142
ويأخذون حقوق العاملين بغير وجه حق، وينهبون أموال الشعوب المستضعفة؟ قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥].
سبحان الله !
عن صفية بنت حيي ﵂ قالت: كان النبي ﷺ معتكفا فأتيته أزوره ليلا فحدثته ثم قمت فقام معي ليقلبني (يصحبني إلى منزلي) -وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد- فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا، فقال النبي ﷺ : "على رسلكما (التأني والتمهل) إنها صفية بنت حيي"، فقالا: سبحان الله يا رسول الله! قال ﷺ : "إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرا -أو قال شيئا-" [رواه مسلم].
أراد الرسول ﷺ أن يوضح لهما حقيقة الأمر، لأنه يعلم أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، ولذلك لا يصح لمسلم أن يسير مع فتاة في الطريق العام بحجة أنها خطيبته، فلا تجوز الخلوة بالأجنبية، وهي ما زالت أجنبية عنك لأن الخطبة وعد غير ملزم.
الحرام حرام
بعد مقتل عمرو بن ود بعث المشركون إلى رسول الله ﷺ يشترون جيفته بعشرة آلاف، فقال: "ادفعوا إليهم جيفته، فإنه خبيث الجيفة، خبيث الدية"، فلم يقبل منهم شيئا، وقد حدث هذا والمسلمون في ضنك من العيش، ومع ذلك فالحلال حلال والحرام حرام، إنها مقاييس الإسلام في الحلال والحرام، فأين هذا من بعض المسلمين الذين يحاولون إيجاد المبررات لأكل الربا وما شابهه؟! (١).
أبو بكر الصديق
عن عائشة ﵂ قالت: "كان لأبي بكر ﵁ غلام يخرج له الخراج، فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: تدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: ما هو؟ فقال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته فلقيني فأعطاني لذلك هذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه" الخراج:
стр. 143
شيء يجعله السيد على عبده يؤديه يوميا في كسبه يكون لعبده. وهكذا كان أبو بكر يخاف من حساب ربه يوم القيامة.
ورع وخوف
روى أبو نعيم في الحلية: أن معاذ بن جبل ﵁ كانت له امرأتان فإذا كان يوم إحداهما لم يتوضأ من بيت الأخرى، ثم توفيتا في السقم الذي أصابهما بالشام فدفنتا في حفرة فأسهم بينهما أيتهما تقدم في القبر خوفا من ربه.
إنه يخاف من حساب ربه، فكان ورعا في دفنهما، والمسلم يجب عليه العدل بين الزوجتين في كل شيء من باب الورع.
قال الحسن البصري: أدركنا أقواما كانوا يتركون سبعين بابا من الحلال خشية الوقوع في الحرام.
نموذج فريد
استعمل عمرو بن سلمة على أصبهان فقدم ومعه ماله وزقاق فيها عسل وسمن، فأرسلت أم كلثوم بنت علي إلى عمرو تطلب منه سمنا وعسلا، فأرسل إليها ظرف عسل وظرف سمن، فلما كان الغد خرج علي وأحضر المال والعسل والسمن ليقسم، فعد الزقاق فنقصت زقين، فسأله عنهما، فكتمه وقال: نحن نحضرهما، فعزم عليه إلا ذكرها له، فأخبره، فأرسل إلى أم كلثوم فأخذ الزقين منها فرآهما قد نقصا فأمر التجار بتقويم ما نقص منهما، فكان ثلاثة دراهم، فأرسل إليها فأخذها منها ثم قسم الجميع (١).
إنما هاجر به أبوه
عن نافع أن عمر بن الخطاب ﵁ كان قد فرض للمهاجرين الأولين أربعة آلاف وفرض لابنه ثلاثة آلاف وخمسمائة، فقيل له: هو من المهاجرين فلم نقصته؟
فقال: "إنما هاجر به أبوه، يقول: ليس كمن هاجر بنفسه" [رواه البخاري].
وهذا من ورع عمر بن الخطاب حتى مع أبنائه، وإنه لمثال لكل مسئول في بلاد
стр. 144
المسلمين صغيرا كان أو كبيرا أن يتورع ويتعفف عن أموال الناس، ولا يحابي أهله.
من أين لك هذا ؟
روى مالك والبيهقي عن زيد بن أسلم، قال: شرب عمر بن الخطاب ﵁ لبنًا فأعجبه فسأل الذي سقاه: من أين لك هذا اللبن؟ فأخبره أنه ورد على ماء فإذا نعم من نعم الصدقة .. وهم يسقون فحلبوا لنا من ألبانها فجعلته في سقائي هذا. فأدخل عمر إصبعه فاستقاءه.
ويقول المسور بن مخرمة: كنا نلزم عمر بن الخطاب ﵁ نتعلم منه الورع.
محاسبة الأهل أولاً
كان عمر بن الخطاب ﵁ شديدا في محاسبة نفسه وأهله، وكان إذا نهى الناس عن شيء تقدم إلى أهله، فقال: إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم كما ينظر الطير إلى اللحم، فإن وقعتم وقعوا، وإن هبتم هابوا، وإني -والله- لا أوتى برجل وقع فيما نهيت الناس عنه إلا أضعفت له العذاب، لمكانه مني، فمن شاء منكم أن يتقدم، ومن شاء منكم أن يتأخر.
وقد منع عمر أهله من الاستفادة من المرافق العامة التي رصدتها الدولة لفئة من الناس، خوفا من أن يحابى أهله به، قال عبد الله بن عمر ﵄: اشتريت إبلا أنجعتها الحمى (أدخلتها أرضا مخصصة لرعاية الإبل) فلما سمنت قدمت بها، قال: فدخل عمر السوق فرأى إبلا سمانا، فقال: لمن هذه الإبل؟ فقيل: لعبد الله بن عمر، قال: فجعل يقول: يا عبد الله بن عمر بخ بخ! ابن أمير المؤمنين قال: ما هذه الإبل؟ قال: قلت: إبل اشتريتها وبعثت بها إلى الحمى أبتغي ما يبتغي المسلمون، قال: فقال: فيقولون: ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين، اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين، يا عبد الله بن عمر اغد إلى رأس مالك، واجعل باقيه في بيت مال المسلمين.
حتى لا يقال إن عمر قام بمحاباة ابنه على غيره، وحتى لا تقدم له مميزات لم تقدم لباقي الرعية.
خذه يا معيقيب
قال معيقيب: أرسل إليَّ عمر بن الخطاب ﵁ مع الظهيرة، فإذا هو في بيت يطالب
стр. 145
ابنه عاصم! فقال لي: أتدري ما صنع؟ إنه انطلق إلى العراق فأخبرهم أنه ابن أمير المؤمنين فانتفقهم (سالهم النفقة) فأعطوه آنية وفضة ومتاعا، وسيفا محلى، فقال عاصم: ما فعلت، إنما قدمت على أناس من قومي، فأعطوني هذا، فقال عمر: خذه يا معيقيب فاجعله في بيت المال.
فهذا مثل في التحري في المال الذي يكتسبه الإنسان عن طريق جاهه ومنصبه بدون جهد.
ميزان رباني
قدم على عمر بن الخطاب ﵁ مسك وعنبر من البحرين، فقال عمر: والله لوددت أني وجدت امرأة تحسن الوزن تزن لي هذا الطيب حتى أقسمه بين المسلمين، فقالت له امرأته عاتكة بنت زيد: أنا جيدة الوزن فهلم أزن لك، قال: لا، قالت: لم؟ قال: إني أخشى أن تأخذيه فتجعليه هكذا -وأدخل أصابعه في صدغيه- وتمسحي به عنقك، فأصيب فضلا على المسلمين.
فهذا من احتياطه البالغ لأمر دينه وخوفه من أن تمسح زوجته عنقها منه فيكون قد أصاب شيئا من مال المسلمين. بينما لا يتذكر هذه الملاحظات بعض أصحاب المناصب الآن.
خوف من الشبهات
قال معدان بن أبي طلحة اليعمري: إنه قدم على عمر بن الخطاب ﵁ بقطائف وطعام، فأمر به فقسم، ثم قال: اللهم إنك تعلم أني لن أستاثر عليهم إلا أن أضع يدي في طعامهم، وقد خفت أن تجعله نارا في بطن عمر، قال معدان: ثم لم أبرح حتى رأيته اتخذ صفحة (إناء) من خالص ماله فجعلها بينه وبين جفان العامة.
أمير الؤمنين عمر يرغب في أن يأكل مع عامة المسلمين لما في ذلك من المصالح الاجتماعية، ولكنه يتحرج أن يأكل من طعام صنع من مال السلمين العام، فيأمر بإحضار طعام خاص له من خالص ماله، وهذا مثال في العفة والورع إذ إن الأكل من مال المسلمين العام معهم ليس فيه شبهة تحريم لأنه منهم ولكنه قد أعف نفسه عن ذلك ابتغاء ما عند الله تعالى، ولشدة خوفه من الله تعالى خشي أن يكون ذلك من الشبهات فحمى نفسه منه.