← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96918

موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق

ياسر عبد الرحمن

Полный текст (763 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الورع الورع نوعان: مندوب، وهو ترك الشبهات، وواجب وهو ترك المحرمات. يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]. الورع ينظف القلب من نجاسته كما يطهر الماء دنس الثوب ونجاسته. وقد جمع النبي ﷺ الورع في كلمة واحدة: "من حسن إسلام الرء تركه ما لا يعنيه" [ابن ماجه]. فهذا يعم الترك لما لا يعني من الكلام والنظر والاستماع والبطش والمشي والفكر وسائر الحركات الظاهرة والباطنة، فهذه الكلمة كافية شافية في الورع. قال أبو سليمان الداراني: الورع أول الزهد كما أن القناعة أول الرضا. قال يحيى بن معاذ: الورع على وجهين: ورع في الظاهر وورع في الباطن؛ فورع الظاهر: ألا لا يتحرك إلا لله، وورع الباطن هو ألا تدخل قلبك سواه. المرء إن كان عاقلا ورعا ... أشغله عن عيوب غيره ورعه كما العليل السقيم أشغله ... عن وجع الناس كلهم وجعه (١) وإليك قصصًا في ورع الرسول ﷺ والصحابة والتابعين والصالحين، نسأل الله أن يرزقنا الورع. ورع الرسول عن أنس ﵁ أن النبي- ﷺ مرَّ بتمرة في الطريق، فقال:" لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها" [رواه البخاري]. ماذا لو علم رسول الله ﷺ أن هناك أناسا من أمته يأكلون أموال اليتامى ظلما،

стр. 142

ويأخذون حقوق العاملين بغير وجه حق، وينهبون أموال الشعوب المستضعفة؟ قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥]. سبحان الله ! عن صفية بنت حيي ﵂ قالت: كان النبي ﷺ معتكفا فأتيته أزوره ليلا فحدثته ثم قمت فقام معي ليقلبني (يصحبني إلى منزلي) -وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد- فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا، فقال النبي ﷺ : "على رسلكما (التأني والتمهل) إنها صفية بنت حيي"، فقالا: سبحان الله يا رسول الله! قال ﷺ : "إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرا -أو قال شيئا-" [رواه مسلم]. أراد الرسول ﷺ أن يوضح لهما حقيقة الأمر، لأنه يعلم أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، ولذلك لا يصح لمسلم أن يسير مع فتاة في الطريق العام بحجة أنها خطيبته، فلا تجوز الخلوة بالأجنبية، وهي ما زالت أجنبية عنك لأن الخطبة وعد غير ملزم. الحرام حرام بعد مقتل عمرو بن ود بعث المشركون إلى رسول الله ﷺ يشترون جيفته بعشرة آلاف، فقال: "ادفعوا إليهم جيفته، فإنه خبيث الجيفة، خبيث الدية"، فلم يقبل منهم شيئا، وقد حدث هذا والمسلمون في ضنك من العيش، ومع ذلك فالحلال حلال والحرام حرام، إنها مقاييس الإسلام في الحلال والحرام، فأين هذا من بعض المسلمين الذين يحاولون إيجاد المبررات لأكل الربا وما شابهه؟! (١). أبو بكر الصديق عن عائشة ﵂ قالت: "كان لأبي بكر ﵁ غلام يخرج له الخراج، فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: تدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: ما هو؟ فقال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته فلقيني فأعطاني لذلك هذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه" الخراج:

стр. 143

شيء يجعله السيد على عبده يؤديه يوميا في كسبه يكون لعبده. وهكذا كان أبو بكر يخاف من حساب ربه يوم القيامة. ورع وخوف روى أبو نعيم في الحلية: أن معاذ بن جبل ﵁ كانت له امرأتان فإذا كان يوم إحداهما لم يتوضأ من بيت الأخرى، ثم توفيتا في السقم الذي أصابهما بالشام فدفنتا في حفرة فأسهم بينهما أيتهما تقدم في القبر خوفا من ربه. إنه يخاف من حساب ربه، فكان ورعا في دفنهما، والمسلم يجب عليه العدل بين الزوجتين في كل شيء من باب الورع. قال الحسن البصري: أدركنا أقواما كانوا يتركون سبعين بابا من الحلال خشية الوقوع في الحرام. نموذج فريد استعمل عمرو بن سلمة على أصبهان فقدم ومعه ماله وزقاق فيها عسل وسمن، فأرسلت أم كلثوم بنت علي إلى عمرو تطلب منه سمنا وعسلا، فأرسل إليها ظرف عسل وظرف سمن، فلما كان الغد خرج علي وأحضر المال والعسل والسمن ليقسم، فعد الزقاق فنقصت زقين، فسأله عنهما، فكتمه وقال: نحن نحضرهما، فعزم عليه إلا ذكرها له، فأخبره، فأرسل إلى أم كلثوم فأخذ الزقين منها فرآهما قد نقصا فأمر التجار بتقويم ما نقص منهما، فكان ثلاثة دراهم، فأرسل إليها فأخذها منها ثم قسم الجميع (١). إنما هاجر به أبوه عن نافع أن عمر بن الخطاب ﵁ كان قد فرض للمهاجرين الأولين أربعة آلاف وفرض لابنه ثلاثة آلاف وخمسمائة، فقيل له: هو من المهاجرين فلم نقصته؟ فقال: "إنما هاجر به أبوه، يقول: ليس كمن هاجر بنفسه" [رواه البخاري]. وهذا من ورع عمر بن الخطاب حتى مع أبنائه، وإنه لمثال لكل مسئول في بلاد

стр. 144

المسلمين صغيرا كان أو كبيرا أن يتورع ويتعفف عن أموال الناس، ولا يحابي أهله. من أين لك هذا ؟ روى مالك والبيهقي عن زيد بن أسلم، قال: شرب عمر بن الخطاب ﵁ لبنًا فأعجبه فسأل الذي سقاه: من أين لك هذا اللبن؟ فأخبره أنه ورد على ماء فإذا نعم من نعم الصدقة .. وهم يسقون فحلبوا لنا من ألبانها فجعلته في سقائي هذا. فأدخل عمر إصبعه فاستقاءه. ويقول المسور بن مخرمة: كنا نلزم عمر بن الخطاب ﵁ نتعلم منه الورع. محاسبة الأهل أولاً كان عمر بن الخطاب ﵁ شديدا في محاسبة نفسه وأهله، وكان إذا نهى الناس عن شيء تقدم إلى أهله، فقال: إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم كما ينظر الطير إلى اللحم، فإن وقعتم وقعوا، وإن هبتم هابوا، وإني -والله- لا أوتى برجل وقع فيما نهيت الناس عنه إلا أضعفت له العذاب، لمكانه مني، فمن شاء منكم أن يتقدم، ومن شاء منكم أن يتأخر. وقد منع عمر أهله من الاستفادة من المرافق العامة التي رصدتها الدولة لفئة من الناس، خوفا من أن يحابى أهله به، قال عبد الله بن عمر ﵄: اشتريت إبلا أنجعتها الحمى (أدخلتها أرضا مخصصة لرعاية الإبل) فلما سمنت قدمت بها، قال: فدخل عمر السوق فرأى إبلا سمانا، فقال: لمن هذه الإبل؟ فقيل: لعبد الله بن عمر، قال: فجعل يقول: يا عبد الله بن عمر بخ بخ! ابن أمير المؤمنين قال: ما هذه الإبل؟ قال: قلت: إبل اشتريتها وبعثت بها إلى الحمى أبتغي ما يبتغي المسلمون، قال: فقال: فيقولون: ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين، اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين، يا عبد الله بن عمر اغد إلى رأس مالك، واجعل باقيه في بيت مال المسلمين. حتى لا يقال إن عمر قام بمحاباة ابنه على غيره، وحتى لا تقدم له مميزات لم تقدم لباقي الرعية. خذه يا معيقيب قال معيقيب: أرسل إليَّ عمر بن الخطاب ﵁ مع الظهيرة، فإذا هو في بيت يطالب

стр. 145

ابنه عاصم! فقال لي: أتدري ما صنع؟ إنه انطلق إلى العراق فأخبرهم أنه ابن أمير المؤمنين فانتفقهم (سالهم النفقة) فأعطوه آنية وفضة ومتاعا، وسيفا محلى، فقال عاصم: ما فعلت، إنما قدمت على أناس من قومي، فأعطوني هذا، فقال عمر: خذه يا معيقيب فاجعله في بيت المال. فهذا مثل في التحري في المال الذي يكتسبه الإنسان عن طريق جاهه ومنصبه بدون جهد. ميزان رباني قدم على عمر بن الخطاب ﵁ مسك وعنبر من البحرين، فقال عمر: والله لوددت أني وجدت امرأة تحسن الوزن تزن لي هذا الطيب حتى أقسمه بين المسلمين، فقالت له امرأته عاتكة بنت زيد: أنا جيدة الوزن فهلم أزن لك، قال: لا، قالت: لم؟ قال: إني أخشى أن تأخذيه فتجعليه هكذا -وأدخل أصابعه في صدغيه- وتمسحي به عنقك، فأصيب فضلا على المسلمين. فهذا من احتياطه البالغ لأمر دينه وخوفه من أن تمسح زوجته عنقها منه فيكون قد أصاب شيئا من مال المسلمين. بينما لا يتذكر هذه الملاحظات بعض أصحاب المناصب الآن. خوف من الشبهات قال معدان بن أبي طلحة اليعمري: إنه قدم على عمر بن الخطاب ﵁ بقطائف وطعام، فأمر به فقسم، ثم قال: اللهم إنك تعلم أني لن أستاثر عليهم إلا أن أضع يدي في طعامهم، وقد خفت أن تجعله نارا في بطن عمر، قال معدان: ثم لم أبرح حتى رأيته اتخذ صفحة (إناء) من خالص ماله فجعلها بينه وبين جفان العامة. أمير الؤمنين عمر يرغب في أن يأكل مع عامة المسلمين لما في ذلك من المصالح الاجتماعية، ولكنه يتحرج أن يأكل من طعام صنع من مال السلمين العام، فيأمر بإحضار طعام خاص له من خالص ماله، وهذا مثال في العفة والورع إذ إن الأكل من مال المسلمين العام معهم ليس فيه شبهة تحريم لأنه منهم ولكنه قد أعف نفسه عن ذلك ابتغاء ما عند الله تعالى، ولشدة خوفه من الله تعالى خشي أن يكون ذلك من الشبهات فحمى نفسه منه.

стр. 146

من غشنا فليس منا يحكى أن أحد الصالحين كان يوصي عماله في المحل أن يكشف للناس عن عيوب بضاعته إن وجدت، وكلما جاء مشتر أطلعه على العيب. فجاء ذات يوم يهودي فاشترى ثوبًا معيبًا، ولم يكن صاحب المحل موجودًا فقال العامل: هذا يهودي لا يهمنا أن نطلعه على حقيقة الثوب، ثم حضر صاحب المحل فسأله عن الثوب فقال: بعته ليهودي. فسأله: هل أطلعته على ما فيه من عيوب؟ فقال: لا، فقال: أين هو؟ فقال: سافر مع القافلة. فأخذ الرجل المال معه ثم تبع القافلة وأدركها بعد ثلاثة أيام فقال: يا هذا اشتريت ثوب كذا وكذا به عيب، فخذ دراهمك؟ وهات ثوبي. فقال اليهودي: ما حملك على هذا؟ فقال الرجل: الإسلام وقول رسول الله ﷺ : "من غشنا فليس منا". فقال اليهودي: والدراهم التي دفعتها لكم مزيفة، فخذ بدلها ثلاثة آلاف صحيحة وأزيدك أكثر من هذا: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله. ويحك تسقيني نارا ! عن عبد الرحمن بن نجيح قال: نزلت على عمر بن الخطاب ﵁ فكانت له ناقة يحلبها، فانطلق غلامه ذات يوم فسقاه لبنا أنكره، فقال: ويحك! من أين هذا اللبن لك؟ قال: يا أمير المؤمنين إن الناقة انفلت عليها ولدها فشربها، فخليت لك ناقة من مال الله، فقال: ويحك تسقيني نارا! فهذا مثل ورع أمير المؤمنين عمر، حيث خشي من عذاب الله جل وعلا لما شرب ذلك اللبن مع أنه لم يتعمد ذلك، ولم تطمئن نفسه إلا بعد أن استحل ذلك من بعض كبار الصحابة الذين يمثلون المسلمين في ذلك الوقت. بكى الناس إشفاقا مرض عمر بن الخطاب ﵁ يوما فوصفوا له العسل دواء، وكان في بيت المال عسل

стр. 147

جاء من بعض البلاد المفتوحة، فلم يتداو عمر بالعسل كما نصحه الأطباء حتى جمع الناس، وصعد المنبر واستأذن الناس: إن أذنتم لي، وإلا فهو عليَّ حرام، فبكى الناس إشفاقا عليه وأذنوا له جميعا، ومضى بعضهم يقول لبعض: لله درك يا عمر! لقد أتعبت الخلفاء من بعدك. فلا يجوز لأي مسئول أن يأخذ من أموال المسلمين بغير حق، ولا يستثمرها لصالحه في البنوك ويهرب بها إلى الخارج. ورع الولاة حرص العديد من الولاة على أن يعفى من الأعمال الموكلة إليهم فقد استعفى عتبة ابن غزوان عمر بن الخطاب ﵃ من ولاية البصرة فلم يعفه، كما أن النعمان بن مقرن كان واليا على كسكر فطلب من عمر أن يعفيه من الولاية ويسمح له بالجهاد رغبة في الشهادة، كما رفض بعض الصحابة الولاية حين طلب منهم عمر أن يعملوا في الولايات، فقد رفض الزبير بن العوام ولاية مصر حينما عرض عليه ذلك قائلا: يا أبا عبد الله، هل لك في ولاية مصر؟ فقال: لا حاجة لي فيها ولكن أخرج مجاهدا وللمسلمين معاونا. كما رفض ابن عباس ولاية حمص حينما عرض عليه عمر أن يوليه إياها بعد وفاة أميرها. المسلم لا يسعى إلى الإمارة على الآخرين، لأنها أمانة هي خزي وندامة يوم القيامة إلا من أخذها بحقها، فإن كنت مسئولا فاتق الله في عملك وكن ورعا. اجعلها سوقا للمسلمين بعث عمرو بن العاص إلى الفاروق بقوله: إنا قد اختططنا لك دارا عند المسجد الجامع، فكتب عمر: أنى لرجل بالحجاز تكون له دار بمصر؟! وأمره بأن يجعلها سوقا للمسلمين. وهذا دليل على كمال ورع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وزهده في مظاهر الدنيا، وإذا كان الكبار لا يترفعون عن أوحال الدنيا ومتاعها الزائل، فإن من دونهم من باب أولى أن يترفعوا عن ذلك.

стр. 148

نزاهة العمال كان عمر بن الخطاب ﵁ لكي يضمن نزاهة عماله يغنيهم عن الحاجة إلى أموال الناس، وقد دار حوار بينه وبين أبي عبيدة مفهومه أن أبا عبيدة قال لعمر بن الخطاب: دنست أصحاب رسول الله يعني -باستعمالهم- فقال له عمر: يا أبا عبيدة إذا لم أستعن بأهل الدين على سلامة ديني فبمن أستعين؟ قال أبو عبيدة: أما إن فعلت فأغنهم بالعمالة عن الخيانة. إذا استعملت رجلا فحدد له راتبا حتى لا يلجأ إلى الحرام. أجور العمال كره بعض العمال في عهد عمر بن الخطاب ﵁ أخذ الأرزاق نتيجة قيامهم بأعمال الإمارة والولاية للمسلمين إلا أن الفاروق كان يوجههم إلى أخذها، فقد قال عمر ﵁ لأحد ولاته: ألم أحدثك أنك تلي من أعمال المسلمين أعمالا فإذا أعطيت العمالة كرهتها؟ فقال: بلى، فقال عمر: ما تريد إلى ذلك؟ قال: إن لي أفراسا وأعبدا وأنا بخير، وأريد أن تكون عمالتي صدقة على المسلمين، فقال عمر: لا تفعل فإن تكن أردت الذي أردت، قد كان رسول الله يعطيني العطاء، فأقول: أعطه أفقر إليه مني، فقال النبي: خذه فتموله وتصدق به، فما جاءك من هذا المال من غير مسألة ولا إشراف فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك. وعلى كل حال فإن مبدأ إعطاء الأرزاق للعمال وإغنائهم عن الناس كان مبدأ إسلاميا فرضه الرسول ﵁، وسار عليه الخلفاء الراشدون من بعده، حتى أغنوا العمال عن أموال الناس، وفرغوهم للعمل ولمصلحة الدولة الإسلامية. ورع الفاروق عمر كان عمر بن الخطاب ﵁ شديد الورع في المال العام ويظهر ذلك من قوله: أنا أخبركم بما أستحل من مال الله، حلة الشتاء والقيظ وما أحج عليه وأعتمر من الظهر، وقوت أهلي كرجل من قريش ليس بأغناهم ولا بأفقرهم، أنا رجل من المسلمين يصيبني ما يصيبهم، وكان يقول: اللهم إنك تعلم أني لا آكل إلا وجبتي، ولا ألبس إلا حلتي، ولا آخذ إلا حقي. وكان يقول: إني أنزلت مال الله مني بمنزلة مال اليتيم من كان غنيا فليستعفف، ومن

стр. 149

كان فقيرا فليأكل بالمعروف. وهكذا على كل مسئول أن يكون أمينا على المال العام، فعليك أخي الحبيب ألا تستعمل الهاتف في مكان عملك إلا بعد أن تدفع ثمن المكالمة للمؤسسة. لا ترفع صوتك على حديت النبي عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل: يا رسول الله، أنا أعلم لك علمه، فأتاه فوجده جالسا في بيته منكسا رأسه، فقال: ما شأنك؟ فقال: شرا، كان يرفع صوته فوق صوت النبي ﷺ فقد حبط عمله وهو من أهل النار، فأتى الرجل فأخبره أنه قال: كذا وكذا، فقال موسى بن أنس: فرجع المرة الآخرة ببشارة عظيمة فقال: "اذهب إليه فقل له: إنك لست من أهل النار ولكن من أهل الجنة" [رواه البخاري]. إنه من ورع المتقين، إذا ذكر حديث للرسول ﷺ فيجب أن نقول سمعنا وأطعنا، ولا ترتفع أصواتنا على أحاديث الرسول ﷺ . ورع التابعين كان دخل عمر بن عبد العزيز قبل الخلافة أربعين ألف دينار، فترك ذلك كله لله، حتى لم يبق له دخل سوى أربعمائة دينار في كل سنة، ونحن نرى الناس يتولون الحكم فقراء، فيخرجون منه أثرياء أصحاب ثروات طائلة، وأرصدة في البنوك في الداخل والخارج، ولكن عمر بن عبد العزيز كان ثريا من أثرياء بني أمية فإذا به يصبح بعد الحكم والخلافة فقيرا، وهذا هو التورع عن أي شيء فيه شبهة. إن الذي أفسد الحياة الإسلامية قبل عمر بن عبد العزيز هو نهب الأموال العامة، والطمع فيها، وأن كل إنسان يريد أن يكون لنفسه ثروة، خاصة من أفراد بيت بني أمية، ولكن عمر بن عبد العزيز اعتبر هذه الأموال مظالم ورد هذه المظالم إلى أهلها، فمن عُرف له حق عند أمير من أمراء بني أمية، فمن حقه أن يشكو، ومن حق شكواه أن تُسمع، ومن حق ظلامته أن ترد، وما لم يُعرف له صاحب، فليؤخذ ويوضع في بيت مال المسلمين، وهذه هي سياسة عمر بن عبد العزيز. كان شديدا على نفسه وعلى أهله، لم يسمح لنفسه أن يشم ريح عنبرة جاءت إلى بيت المال فوضع يده على أنفه، قيل له: يا أمير الؤمنين إنها تشم! قال: وهل لها فائدة إلا الشم؟

стр. 150

وبعث يوما غلامه ليشوي له لحما فجاءه به سريعا فقال: أين شويته؟ قال الغلام: في المطبخ، فقال: في مطبخ المسلمين؟ قال: نعم، فقال عمر: كلها فإني لم أرزقها، هي رزقك! وسخنوا له الماء في المطبخ العام، فرد بدل ذلك بدرهم حطبا، وكان ﷺ له سراج يكتب عليه حوائجه، وسراج لبيت المال يكتب عليه مصالح المسلمين، لا يكتب على ضوئه لنفسه حرفا. فانظر كيف بلغ تورعه وكيف بلغت عفته، هكذا كان يأخذ نفسه بالشدة. ورع أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز عن فاطمة ابنة عبد الملك قالت: اشتهى عمر بن عبد العزيز يومًا عسلاً، فلم يكن عندنا، فوجهنا رجلاً على دابة من دواب البريد إلى بعلبك بدينار، فأتى بعسل، فقلت: إنك ذكرت عسلاً وعندنا عسل، فهل لك فيه. قالت: فأتيناه به فشرب، ثم قال: من أين لكم هذا العسل؟ قالت: وجهنا رجلاً على دابة من دواب البريد بدينار إلى بعلبك، فاشترى لنا عسلاً. فأرسل إلى الرجل، فقال: انطلق بهذا العسل إلى السوق فبعه، واردد إلينا رأس مالنا، وانظر إلى الفضل فاجعله في علف دواب البريد، ولو كان ينفع المسلمين قيء لتقيأت. عمر بن عبد العزيز وعمته أتت عمة عمر بن عبد العزيز إلى امرأته فاطمة، فقالت: إني أريد كلام أمير المؤمنين. قالت لها: اجلسي حتى يفرغ. فجلست، فإذا بغلام قد أتى، فأخذ سراجًا. فقالت لها فاطمة: إن كنت تريدينه فالآن، فإنه إذا كان في حوائج العامة؟ كتب على الشمع، وإذا صار إلى حاجة نفسه؛ دعا بسراجه. فقامت، فدخلت عليه، فإذا بين يديه أقراص وشيء من ملح، وزيت، وهو يتعشى، فقالت: يا أمير المؤمنين، أتيت بحاجة لي، ثم رأيت أن أبدأ بك قبل حاجتي. قال: وما ذاك يا عمة؟ قالت: لو اتخذت لك طعامًا ألين من هذا.

стр. 151

قال: ليس عندي يا عمة، ولو كان عندي لفعلت. قالت: يا أمير المؤمنين كان عمك عبد الملك يجري عليَّ كذا وكذا، ثم كان أخوك الوليد فزادني، ثم وُليت أنت فقطعته عني. قال: يا عمة، إن عمي عبد الملك، وأخي الوليد، وأخي سليمان كانوا يعطونك من مال المسلمين، وليس ذاك المال لي فأعطيكه، ولكني أعطيك مالي إن شئت. قالت: وما ذاك، يا أمير المؤمنين؟ قال: عطائي مائتا دينار، فهو لك؟ قالت: وما يبلغ مني عطاؤك؟ قال: فليس أملك غيره يا عمة. قالت: فانصرفت عنه. الآن طاب لي أكله أتت عمر بن عبد العزيز سلتا رطب من الأردن، فقال: ما هذا؟ قالوا: رطب بعث به أمير الأردن. قال: علام جيء به؟ قالوا: على دواب البريد. قال: فما جعلني الله أحق بدواب البريد من المسلمين، أخرجوهما، فبيعوهما، واجعلوا ثمنهما في علف دواب البريد. فغمزني ابن أخيه فقال لي: اذهب، فإذا قامتا على ثمن، فخذهما علي. قال: فاخرجتا إلى السوق فبلغتا أربعة عشر درهمًا، فأخذتهما، فجئت بهما إلى ابن أخيه، فقال: اذهب بهذه الواحدة إلى أمير المؤمنين. وحبس لنفسه واحد، قال: فأتيته بهما، فقال: ما هذا؟ قلت: اشتراهما فلان ابن أخيك، فبعث إليك بهذه، وحبس لنفسه الأخرى. قال: الآن طاب لي أكله. محمد بن واسع ظل محمد بن واسع الأزدي يجاهد المشركين تحت راية يزيد بن المهلب حتى اقترب

стр. 152

موعد الحج، فلما لم يبق أمامه غير وقت قصير، دخل على يزيد، واستأذنه في الانصراف إلى القيام بالنسك، فقال له يزيد: إذنك بيدك يا أبا عبد الله، فامض متى شئت، وقد أمرنا لك بمبلغ من المال يعينك على حجك، فقال له: وهل ستأمر بمثل هذا المال لكل جندي من جنودك أيها الأمير؟ فقال: لا، قال: لا حاجة لي بشيء أخص به من دون جند المسلمين، ثم ودعه وانصرف. أقبلت هدية ؟! عبد الملك بن مروان كان حريصا على نزاهة من يعملون في دولته، فقد بلغه ذات يوم أن أحد عماله قبل هدية، فأمر بإحضاره إليه، فلما حضر قال له: أقبلت هدية منذ وليتك؟ قال: يا أمير المؤمنين بلادك عامرة وخراجك موفور، ورعيتك على أفضل حال، قال: أجب عما سألتك، قال: نعم، قد قبلت، فعزله. لا تقبل هدية ممن له حاجة عندك في مكان العمل بهدف تيسير أموره وتأخير الآخرين. عطاء بن أبي رباح يقول عثمان بن عطاء الخراساني: انطلقت مع أبي نريد هشام بن عبد الملك، فكلما غدونا قريبا من دمشق إذا نحن بشيخ على حمار أسود عليه قميص خشن وجبَّة بالية، فضحكت منه، وقلت لأبي: من هذا؟ فقال: اسكت، هذا سيد فقهاء الحجاز عطاء بن أبي رباح، فلما قرب منا نزل أبي عن بغلته، ونزل هو عن حماره، فاعتنقا وتساءلا، ثم عادا فركبا، وانطلقا حتى وقفا على باب قصر هشام بن عبد الملك، فما أن استقر بهما الجلوس حتى أذن لهما، فلما خرج أبي قلت له: حدثني بما كان منكما. فقال: لما علم هشام أن عطاء بن أبي رباح بالباب بادر فأذن له -ووالله ما دخلت إلا بسببه- فلما رآه هشام قال: مرحبا مرحبا ههنا ههنا، ولا زال يقول له: ههنا ههنا، حتى أجلسه معه على سريره، ومس بركبته ركبته، وكان في المجلس أشراف الناس، وكانوا يتحدثون فسكتوا، ثم أقبل عليه هشام، وقال: ما حاجتك يا أبا محمد؟

стр. 153

قال: يا أمير المؤمنين، أهل الحرمين، أهل الله وجيران رسوله، تقسم عليهم أرزاقهم وأعطياتهم. فقال: نعم، اكتب لأهل مكة والمدينة بعطاياهم وأرزاقهم لسنة، ثم قال: هل من حاجة غيرها يا أبا محمد؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، أهل الحجاز وأهل نجد أصل العرب، وقادة الإسلام، ترد فيهم فضول صدقاتهم. فقال: شم، يا غلام اكتب بأن ترد فيهم فضول صدقاتهم، هل من حاجة غير ذلك يا أبا محمد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أهل الثغور (المرابطون) يقفون في وجوه عدوكم، ويقتلون من قصدهم بشر، تجري عليهم أرزاقهم تدرها عليهم، فإنهم إن هلكوا ضاعت الثغور. فقال: نعم، يا غلام اكتب بحمل أرزاقهم إليهم، هل من حاجة غيرها يا أبا محمد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أهل ذمتكم لا يكلفون ما لا يطيقون فإن ما تجبونه منهم معونة لكم على عدوكم. فقال: يا غلام اكتب لأهل الذمة بألا يكلفوا ما لا يطيقون، هل من حاجة غيرها يا أبا محمد؟ قال: نعم، اتق الله في نفسك يا أمير المؤمنين، واعلم أنك خلقت وحدك، وتموت وحدك، وتحشر وحدك، وتحاسب وحدك، ولا والله ما معك ممن ترى أحد، فأكب هشام ينكت في الأرض وهو يبكي، فقام عطاء، فقمت معه، فلما صرنا عند الباب، إذا رجل قد تبعه بكيس لا أدري ما فيه وقال له: إن أمير المؤمنين بعث لك بها، فقال: هيهات ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٩] فوالله إنه دخل على الخليفة وخرج من عنده، ولم يشرب قطرة ماء (١). ورع الإمام كتب الخليفة المنصور إلى أبي حنيفة بثلاثين ألف درهم، على دفعات، فحدثت أبا حنيفة نفسه: كيف تأخذ كل هذا المال، وهو من مال المسلمين؟ ففكر أبو حنيفة في حيلة

стр. 154

ليرد هذا المال، فذهب إلى أمير المؤمنين، وشكره على صنيعه ثم قال: يا أمير المؤمنين، إني ببغداد غريب، وليس عندي موضع أضع فيه هذه الأموال الكثيرة، فأرى أن تجعلها في بيت مال المسلمين، حتى إذا أردتها أخذتها، فأجابه المنصور إلى ذلك. ومرت الأيام حتى توفي أبو حنيفة، ولم يأخذ من ذلك المال شيئا، فقال أبو جعفر المنصور: خدعنا أبو حنيفة. ثم رد المال إلى بيت المال. وهكذا يكون المسلم الداعية ورعا في أموال المسلمين. محمد بن المنكدر يروي الإمام الغزالي عن محمد بن المنكدر أنه كان له شقق بعضها بخمسة دراهم، وبعضها بعشرة، فباع غلامه في غيبته لأعرابي شقة من الخمسيات بعشرة، فلما عاد ابن المنكدر وعرف، لم يل يطلب ذلك الأعرابي المشتري طول النهار حتى وجده، فقال له: إن الغلام قد غلط فباعك ما يساوي خمسة بعشرة، فقال الأعرابي: يا هذا، قد رضيت، فقال: وإن رضيت، فإنا لا نرضى لك إلا ما نرضاه لأنفسنا، فاختر إحدى ثلاث خصال: إما أن تأخذ شقة من العشريات بدراهمك، وإما أن نرد عليك خمسة، وإما أن ترد شقتنا وتأخذ دراهمك. فرد عليه خمسة، وانصرف الأعرابي. يرفض الذل اعتقل كمال السنانيري في أكتوبر عام ١٩٥٤م وأفرج عنه في يناير عام ١٩٧٣م بعد أن أمضى سجنه في الواحات في وجه الشمس المحرقة، ولهيب هواء الصحراء، وبعد الحكم عليه ضغطوا على زوجته وأمه لعلهما تثنيانه عن عناده، ويكتب سطرين في تأييد عبد الناصر، فأبى بشدة، وقال لأمه التي طلبت منه أن يكتب رسالة استعطاف وشفعت كلامها بدموعها، فاعتذر لها وقال بشموخ الداعية وكان ورعا:"كيف يكون موقفي بين يدي الله إذا أرسلت هذه الرسالة ثم مت"؟. ومن ورعه أنه خير زوجته بين البقاء زوجة له أو الطلاق، فالتقطت دمعاتها وقالت: أبقي زوجة لك أيها الحبيب. ولكن رجال المباحث ضغطوا على أهلها فأجبروها على الطلاق منه. الورع عما يستبيحه الكافة انفرد الأستاذ الهضيبي برتبة عالية في الورع عما تعارف الناس على إباحته من توافه

стр. 155

الأشياء التي تضعها الدوائر الحكومية والمؤسسات التجارية في خدمة موظفيها كالأوراق والأقلام وغيرها من المهملات؛ إذ كان يحرم على نفسه وذويه استعمال شيء منها في شان خاص، وكان يعود من المحكمة -وهو قاض أو محقق- وفي حقيبته أكداس من ورق التسويد الرخيصة ليخطط عليها مشروعات القرارات والأحكام القضائية، فلا يسمح لنفسه قط باستعمال ورقة منها -ولو كانت دون الإصبع- في أمر يخصه أو يخص واحدا من أهله، فإذا رآها واحد من أولاده في غرفته وطلب ورقة منها لبعض حاجته، أنكر عليه أبوه وأعطاه قرشا يشتري به ما يحتاج إليه من الورق، ثم لقنه أمام إخوته الدرس الذي لم ينسوه بأن أوراق الحكومة ملك لها لا يحل لأحد أن يستخدمها في شأن خاص به. لا تستخدم شيئا خاصا بالعمل في مصلحتك الشخصية حتى الأشياء التافهة مثل الأوراق والأقلام إلا بإذن صاحب المؤسسة. الإفراج الصحي في عام ١٩٥٧م قررت لجنة من خمسة أطباء مسيحيين أن حالة الهضيبي تنذر بالهلاك، وأنها لا تستطيع تحمل المسئولية عن بقائه رهن الاعتقال، فصدر قرار بالإفراج الصحي عنه، نقل على أثره إلى بيته حيث توافرت له أسباب العلاج الذي أزاح الله به شبح الخطر عن حياة المرشد الصديق. بيد أن الهضيبي -الذي يعي تبعات القيادة تجاه الجنود- ما لبث أن أخذه الجند إلى إخوانه وأبنائه المسجونين، ولم تطب نفسه أن يكون في نظر الطغاة ذلك الواهن الضعيف الذي يتلقف هذه الفرصة لينعم بحياة الدعة متميزا على إخوة له في الجهاد هو أولاهم بأوفر حظ من البلاء. لذلك ما كاد يتنسم أريج العافية حتى سارع بالكتابة إلى السلطات يبلغها أنه قد عوفي بحمد الله من عارض المرض الذي أوجب عنه الإفراج، وأن باستطاعته العودة إلى السجن لقضاء باقي المدة المحكوم بها عليه. إنه مثال عال في الورع في التعامل مع الآخرين. ***

стр. 156

المسارعة إلى الخيرات حث الإسلام على المسارعة إلى الخيرات فقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. وقال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]. وحث الرسول ﷺ على المسارعة إلى الخيرات؛ فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "بادروا بالأعمال الصالحة فستكون فتن كقطع الليل الظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا" [رواه مسلم]. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:"بادروا بالأعمال سبعًا، هل تنتظرون إلا فقرًا مُنسيًا، أو غنى مُطغيًا (يجعل صاحبه يتمادى في فعل المعاصي) أو مرضًا مفسدًا، أو هرمًا مُفندًا، أو موتًا مجهزًا، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر" [رواه الترمذي وقال: حديث حسن]. المسارعة في دخول الجنة عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ يوما أن نتصدق، فوافق ذلك مالا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما، فجئت بنصف مالي فقال رسول الله: "ما أبقيت لأهلك؟ فقلت: مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال له رسول الله ﷺ : "ما أبقيت لأهلك؟ " قال: أبقيت لهم الله ورسوله. قلت: لا أسابقك إلى شيء أبدا. هل تتسابق مع إخوانك في طاعة الله ؟ سبقك بها عكاشة عن ابن عباس- ﵄ أن رسول الله ﷺ -خرج يوما فقال:"عرضت عليَّ الأمم فجعل يمر النبي معه الرجل، والنبي معه الرجلان، والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه أحد، ورأيت سوادا كثيرا سد الأفق، فرجوت أن تكون أمتي، فقيل: هذا موسى وقومه، ثم قيل لي: انظر،

стр. 157

فرأيت سوادا كثيرا سد الأفق فقيل لي: انظر هكذا وهكذا، فرأيت سوادا كثيرا سد الأفق، فقيل: هؤلاء أمتك، ومع هؤلاء سبعون ألف يدخلون الجنة بغير حساب" فتفرق الناس ولم يبين لهم، فتذاكر أصحاب النبي فقالوا: أما نحن فولدنا في الشرك ولكنا آمنا بالله ورسوله، ولكن هؤلاء هم أبناؤنا، فبلغ النبي ﷺ فقال: "هم الذين لا يتطيرون ولا يسترقون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة بن محصن، فقال: أنا منهم يا رسول الله؟ قال: "نعم"، فقام رجل آخر فقال: أمنهم أنا يا رسول الله؟ فقال ﷺ : "سبقك بها عكاشة" [رواه البخاري]. احرص ألا يأتي أحد يوم القيامة أفضل عملا منك، وتذكر الفردوس الأعلى وما أعده الله للصالحين فيه. سارع قال الرسول ﷺ يوم خيبر: "لأعطين هذه الراية رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله"، فبات الناس يدوكون (يخوضون في الحديث) ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: "أين علي بن أبي طالب؟ " فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه قال:"فأرسلوا إليه" فأتى به فبصق رسول الله ﷺ في عينيه ودعا له فبرأ حتى كان لم يكن به وجع فأعطاه الراية حتى قال عمر: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، فلما أصبح أعطاها الرسول عليا ففتح الله على يديه [رواه مسلم]. وعن ربيعة بن كعب قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي:"سلني"، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال ﷺ : "أو غير ذلك؟ " قلت: هو ذاك، قال: "فأعني على نفسك بكثرة السجود" مسلم. إذا سمعت خطبة الجمعة أو أي موعظة اسأل نفسك: ماذا استفدت منها؟ واخرج منها بواجب عملي في حياتك. مساعدة الفقراء كانت جماعات كثيرة من أهل المدينة تعيش وهي لا تدري من أين يأتيها رزقها ليلا، فلما مات علي بن الحسين، فقد هؤلاء ما كان يأتيهم من رزق ليلا، فعرفوا مصدره، ولما

стр. 158

وضع زين العابدين على المغتسل نظر غاسلوه، فوجدوا في ظهره آثار السواد، فقالوا: ما هذا؟ فقيل لهم: إنه من آثار حمل أكياس الدقيق إلى مائة بيت في المدينة ففقدت عائلها بفقده. اجتهد في تقديم مساعدة للفقراء والمساكين ولا تخبر أحدا بهذا، واحتسب أجرك عند الله. جيل المسارعين إلى الخيرات قال الحسن: من نافسك في دينك فنافسه، ومن نافسك في دنياه فألقها في نحره. وقال وهيب بن الورد: إن استطعت ألا يسبقك إلى الله أحد فافعل. وقال الشيخ شمس الدين محمد بن عثمان التركستاني: ما بلغني عن أحد من الناس أنه تعبد إلا تعبدت نظيرها وزدت عليه. وكان ابن عمر إذا فاتته صلاة الجماعة صام يوما، وأحيا ليلة، وأعتق رقبة. وعن فاطمة بنت عبد الملك زوج أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز قالت: ما رأيت أحدا أكثر صلاة ولا صياما منه، وكان يصلي العشاء، ثم يجلس يبكي حتى تغلبه عيناه، ثم ينتبه، فلا يزال يبكي حتى تغلبه عيناه، ولقد كان يكون معي في الفراش فيذكر الشيء من أمر الآخرة، فينتفض كما ينتفض العصفور من الماء ويجلس يبكي. وعن أحمد بن حرب قال: يا عجبا لمن يعرف أن الجنة تُزين فوقه، والنار تسعر تحته، كيف ينام بينهما؟ وكان أبو مسلم الخولاني قد علق سوطا في مسجد بيته يخوف به نفسه. وكان يقول لنفسه: قومي فوالله لأزحفن بك زحفا حتى يكون الكلل منك لا مني. وكان يقول: أيظن أصحاب محمد أن يستأثروا به دوننا؟ كلا والله لنزاحمنهم عليه زحاما حتى يعلموا أنهم قد خلفوا وراءهم رجالا. وقال هشيم تلميذ منصور بن زادان: كان لو قيل له: إن ملك الموت على الباب، ما كان عنده زيادة في العمل. وكان صفوان بن سليم قد تعقدت ساقاه من طول القيام، وبلغ من الاجتهاد ما لو

стр. 159

قيل له: القيامة غدا ما وجد مزيدا، وكان يقول: اللهم إني أحب لقاءك فأحب لقائي. وعن وكيع قال: كان الأعمش قريبا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى، واختلفت إليه أكثر من ستين سنة، فما رأيته يقضي ركعة. وعن أبي حيان، عن أبيه قال: كان الربيع بن خثيم يقاد إلى الصلاة وبه الفالج -الشلل- فقيل له: قد رخص لك. قال: إني أسمع حي على الصلاة، فإن استطعتم أن تأتوها ولو حبوًا. وعن عيسى بن عمر قال: كان عمرو بن عتبة بن فرقد يخرج على فرسه ليلا، فيقف على القبور فيقول: يا أهل القبور، قد طويت الصحف، وقد رفعت الأعمال، ثم يبكي، ويصف بين قدميه حتى يصبح، فيرجع، فيشهد صلاة الصبح. وقيل لكثير بن عبيد الحمصي عن سبب عدم سهوه في الصلاة قط، وقد أم أهل حمص ستين سنة كاملة. فقال: ما دخلت من باب المسجد قط وفي نفسي غير الله. هم الرجال وعيب أن يقال ... لمن لم يكن مثلهم رجلُ ذهب أهل الدثور بالأجور عن أبي هريرة ﵁ قال: إن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: ذهب أهل الدثور (المال الكثير) بالدرجات العلى، والنعيم المقيم، فقال: "وما ذاك". قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق. فقال رسول الله ﷺ "أفلا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم، إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "تسبحون، وتكبرون، وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة"، فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله، فقال رسول الله ﷺ :"ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" [رواه البخاري].

стр. 160

مسارعة في طلب العلم ونشره - ألف الإمام البيهقي ألف جزء كلها تآليف محررة نادرة، وأقام يصوم ثلاثين سنة. - وبلغ الإمام أبو الوفاء علي بن عقيل الحنبلي البغدادي -المتوفى سنة ٥١٣ هـ الذي يقول فيه الإمام ابن تيمية: إنه من أذكياء العالم- في محافظته على الزمن مبلغا أثمر أكبر كتاب عرف في الدنيا لعالم، هو كتاب الفنون في ثمانمائة مجلد. - وصنف الحافظ ابن عساكر كتابه "تاريخ دمشق" في ثمانين مجلدة كبيرة. - وصنف الإمام أبو حاتم الرازي كتابه "المسند" في ألف جزء. - وهذا الإمام أبو الفرج ابن الجوزي المتوفي سنة ٥٩٧ هـ قال على المنبر في آخر عمره: كتبت بإصبعي هاتين ألفي مجلدة، وتاب على يدي مائة ألف، وأسلم على يدي عشرون ألف يهودي، ونصراني، وقال أيضا: ولو قلت إني قد طالعت عشرين ألف مجلد، كان أكثر، وأنا بعد في الطلب. - فإذا كان قدر ما قرأ وهو في الطلب (عشرين ألف مجلد) واحتسبنا أن صفحات المجلد الواحد في المتوسط (٣٠٠) صفحة، كان مقدار ما قرأ ستة ملايين صفحة، وإذا كان ما كتب بإصبعه (ألفي) مجلد، كان مقدار ما كتب ستمائة ألف صفحة، هذا ما قرأ ونسخ، فما مقدار ما كتب وصنف؟! يقول ابن الجوزي: لقد رأيت خلقا كثيرا يجرون معي فيما اعتاده الناس من كثرة الزيارة، ويسمون ذلك التردد خدمة، ويطلبون الجلوس، ويجرون فيه أحاديث الناس، فأعددت أعمالا لا تمنع من المحادثة لأوقات لقائهم لئلا يمضي الزمان فارغا، فجعلت أثناء لقائهم قطع الكاغد وبري الأقلام، وحزم الدفاتر، فإن هذه الأشياء لابد منها، ولا تحتاج إلى فكر وحضور قلب، فأرصدتها لأوقات زيارتهم لئلا يضيع شيء من وقتي. - وصنف شيخ الإسلام ابن تيمية ما يربو على أربعمائة مصنف من كنوز العلم، ودقائقه. - وهذا الطبيب الرائد ابن النفيس صنف كتابا في الطب سماه "الشامل" يقول فيه التاج السبكي: قيل: لو تم لكان ثلاثمائة مجلدة، وتم منه ثمانون مجلدة. - ويحدث الإمام ابن عقيل عن همته وهو في عشر الثمانين من عمره يقول: إني لا يحل

стр. 161

لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة وبصري عن مطالعة أعملت فكري في حال راحتي، وأنا مستطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره، وإني لأجد حرصي على العلم وأنا في عشر الثمانين مما كنت أجده وأنا ابن عشرين. قال الإمام أحمد: مع المحبرة إلى المقبرة. سارع في وضع خطة لنفسك للقراءة اليومية، ولا تصرف جزءا من وقتك في غير فائدة. المسارعة في الجهاد ظهرت المسارعة إلى الخيرات في موقف الرجل الذي قال للنبي ﷺ يوم أحد: أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال: "في الجنة"، فألقى تمرات كن في يده ثم قاتل حتى قتل [رواه البخاري]. وحنظلة الأنصاري ﵁ لما سمع صيحة الحرب وهو مع امرأته قام من فوره إلى الجهاد، فأخبر رسول الله ﷺ أصحابه أن الملائكة تغسله، ثم قال: "سلوا أهله ما شأنه؟ " فسألوا امرأته، فأخبرتهم الخبر. هكذا نزع حنظلة نفسه من أحضان عروسه ليلة الزفاف لأن الحور تناديه، وهو يعلم جيدا الفارق بين هذه وتلك، وعند إراقة دمه أعلنت الملائكة حالة الطوارئ، فريق يغسله، وفريق يطيبه، وفريق يزفه إلى عروسه الجديدة. تنافس في الشهادة عن سليمان بن بلال، أن رسول الله ﷺ لما خرج إلى بدر، أراد سعد بن خيثمة وأبوه معا الخروج معه، فذكر ذلك للنبي فأمر أن يخرج أحدهما، فاستهما، فقال خيثمة ابن الحارث لابنه سعد ﵄ إنه لابد لأحدنا أن يقيم، فأقم مع نسائك، فقال سعد: لو كان غير الجنة لآثرتك به، فاستهما فخرج سهم سعد فخرج مع رسول الله ﷺ إلى بدر وقتل. تحدث مع أبنائك عن فضل الشهادة، وأهمية الدفاع عن المسجد الأقصى.

стр. 162

جهزوني قال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١] .. قرأ أبو طلحة هذه الآية فقال: ما سمع الله عذر أحد، أي بَني جهزوني جهزوني، فقال بنوه: يرحمك الله! لقد غزوت مع النبي حتى مات، ومع أبي بكر حتى مات، ومع عمر حتى مات، فنحن نقاتل عنك، قال: لا، جهزوني، فغزا في البحر فلم يجدوا جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام ولم يتغير جسده، وهذه هي المسارعة إلى تنفيذ أمر الله، والجهاد في سبيل الله. من يأخده بحقه ؟ عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ أخذ سيفا يوم أحد فقال: "من يأخذ هذا السيف؟ " فأخذه قوم فجعلوا ينظرون إليه فقال: "من يأخذه بحقه؟ " فأحجم القوم، فقال أبو دجانة سماك بن خرشة: أنا آخذه بحقه، فأخذه ففلق به هام المشركين [رواه أحمد]. المسارعة في رد الفتنة يذكر المستشار العقيلي أن كامل الشريف والشيخ فرغلي، كانا يمثلان الإخوان في لقاء بمكتب البكباشي عبد الناصر -وكان وقتها وزيرا للداخلية في وزارة محمد نجيب- وقد ضم الاجتماع رجال الانقلاب: عبد الحكيم عامر، وصلاح سالم، وحسين كمال الدين، فأراد ضباط الانقلاب أن يوقعوا بين الشيخ فرغلي، والمرشد العام الهضيبي بذكرهم جهاد الشيخ فرغلي، إلا أنه قطع عليهم الحديث وقال غاضبا: يجب أن تدركوا أن هذا الذي تتحدثون عنه هو زعيمنا وقائد جماعتنا، وإني أعتبر حديثكم هذا إهانة للجماعة كلها ولشخصي بصفة خاصة، وإذا كان هذا أسلوبكم فلن تصلوا إلى شيء. فكان هذا القول كافيا لإقناعهم أنهم أمام رجل صلب العود، قوي الشكيمة، فانصرفوا بالحديث إلى جهة أخرى (١). لا تسمح لأحد بإضعاف صلتك بإخوانك، وسارع في الرد على ما يثار من أقوال غرضها خبيث. ...

стр. 163

محاسبة النفس يقول تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] وقال تعالى أيفئا: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: ٦]. وقال سبحانه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨]. وتال سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]. عرف أرباب البصائر من الآيات البينات أن الله تعالى لهم بالمرصاد، وأنهم سيناقشون في الحساب، ويطالبون بمثاقيل الذرِّ من الخطرات واللحظات، وتحققوا أنه لا ينجيهم من هذه الأخطار إلا لزوم المحاسبة، ومطالبة النفس في الأنفاس والحركات، ومحاسبتها في الخطرات واللحظات، فمن حاسب نفسه قبل أن يُحاسب خفَّ في القيامة حسابه، وحضر عند السؤال جوابه، وحسن منقلبه ومآبه. ومن لم يحاسب نفسه دامت حسراته، وطالت في عراص القيامة وقفاته، وقادته إلى الخزي والمقت سيئاته. وقد أشار القرآن إلى المحاسبة بعد العمل في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨]. ولذلك قال عمر ﵁: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم.

стр. 164

وكان عمر يضرب قدميه بالدرة إذا جنه الليل ويقول لنفسه: ماذا عملت اليوم؟ وعن ميمون بن مهران أنه قال: لا يكون العبد من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة شريكه، والشريكان يتحاسبان بعد العمل. وتروي أم المؤمنين عائشة: أن أبا بكر ﵁ قال لها عند الموت: ما أحد أحبَّ إليَّ من عمر، ثم قال لها: كيف قلت؟ فأعادت عليه ما قال فقال: لا أحد أعزَّ عليَّ من عمر. فانظر كيف نظر بعد الفراغ من الكلمة فتدبر لها وأبدلها بكلمة غيرها. وقال محمد بن علي الترمذي: اجعل مراقبتك لمن لا تغيب عن نظره إليك، واجعل شكرك لمن لا تنقطع نعمه عنك، واجعل طاعتك لمن لا تستغني عنه، واجعل خضوعك لمن لا تخرج عن ملكه وسلطانه. وقال الحسن: المؤمن قوام على نفسه يحاسبها لله، وإنما خف الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة. ثم فسر المحاسبة فقال: المؤمن يفجؤه الشيء يعجبه فيقول: والله إنك لتعجبني وإنك من حاجتي ولكن هيهات، حيل بيني وبينك، وهذا حساب قبل العمل. ثم قال: ويفرط في الشيء فيرجع إلى نفسه فيقول: ماذا أردت بهذا؟ والله لا أعذر بهذا، والله لا أعود إلى هذا أبدا إن شاء الله، وهذا حساب بعد العمل (١). ويقول معاذ بن عون الضرير: كنت أكون قريبًا من الجبان -المقابر- فكان يمر بي رياح القيسي بعد المغرب إذا خلت الطريق، فكنت أسمعه وهو يتشنج بالبكاء، وهو يقول: إلى كم يا ليل يا نهار، تحطان من أجلي، وأنا غافل عما يراد بي؟ إنا لله، إنا لله، فهو كذلك حتى يغيب عني وجهه (٢).

стр. 165

تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا لعمرى في القياس بديع لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع في كل يوم يبتديك بنعمة ... منه وأنت لشكر ذاك مضيع (١) لفتة ! وإليك أخي العاقل هذه اللفتة من ابن القيم يقول فيها: اشغل نفسك فيما يعنيك دون ما لا يعنيك، فالفكر فيما لا يعني باب كل شر، ومن فكر فيما لا يعنيه فاته ما يعنيه، فإياك ثم إياك أن تمكن الشيطان من بيت أفكارك، فإنه يفسدها عليك فسادا يصعب تداركه، ويلقى إليك الوساوس، ويدخل فيما بينك وبين الفكر فيما ينفعك، وأنت تعينه على نفسك بتمكينه من قلبك، فمثالك معه كمثال صاحب (رحى) يطحن بها جيد الحبوب فأتاه شخص معه حمل به تراب، وبعر وغثاء ليطحنه في طاحونك فإن طردته ولم تمكنه من إلقاء ما معه في الطاحون فقد واصلت على طحن ما ينفعك، وإن مكنته من إلقاء ما معه في الطاحون، أفسد عليك ما في الطحين من حب فخرج الطاحون كله فاسدا. وعن طاوس قال: رأيت علي بن الحسين ساجدا في الحجر فقلت: رجل صالح من أهل بيت طيب، لأسمعن ما يقول: فأصغيت إليه فسمعته يقول: عبدك بفنائك، مسكينك بفنائك، سائلك بفنائك، فقيرك بفنائك، فوالله ما دعوت الله بها في كرب إلا كشف الله عني. وعن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين أن أباه كان يقول في جوف الليل: أمرتني فلم أأتمر، وزجرتني فلم أزدجر، هذا عبدك بين يديك ولا أعتذر. كان داود الطائي يعاتب نفسه قائلا: يا داود، من خاف الوعيد، قصر عليه البعيد، ومن طال أمله قصر عمله، وكل ما هو آت قريب، واعلم يا داود، أن كل شيء يشغلك عن ربك فهو عليك مشئوم، واعلم يا داود، أن أهل الدنيا جميعا من أهل القبور، إنما يندمون على ما يخلفون، ويفرحون بما يقدمون، فبما عليه أهل القبور يندمون، عليه أهل الدنيا يقتتلون، وفيه يتنافسون، وعليه عند القضاء يختصمون.

стр. 166

يا نفس ! يا نفس تدبري أمرك وتأملي، ومثلي بين ما يبقى وما يفنى ولا تعجلي، لقد ضللت طريق الهدي فقفي واسألي، وآثرت وهنًا يورث وهنًا لا تفعلي، يا غمرة من الشقاء ما أراها تنجلي، أتبع الهوى والهوى علي وليس لي، أريد حياة نفس ونفسي تريد مقتلي، يا جسدا قد بلى بما قد بلى (١). هل أنت إلا قطرة ؟ يقول ابن الجوزي: لمن رآها تتكبر: هل أنت إلا قطرة من ماء مهين، تقتلك شرقة، وتؤلمك بقة؟ وإن رأى تقصيرها عرفها حق المولى على العبيد، وإن ونت في العمل، حدثها بجزيل الأجر، وإن مالت عن الهوى، خوفها عظيم الوزر، ثم يحذرها عاجل العقوبة الحسية، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٦] والمعنوية كقوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦] فهذا جهاد بالقول، وذاك جهاد بالفعل. وقال محمد بن يونس بن موسى: سمعت زهير بن نعيم الباني قال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، توصي بشيء؟ قال: نعم، احذر أن يأخذك الله وأنت على غفلة. وعن عون بن عبد الله قال: كان أهل الخير يكتب بعضهم إلى بعض بهؤلاء الكلمات الثلاث ويلقى بعضهم بعضا: من عمل لآخرته كفاه الله دنياه، ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته. مثل واضح كما يستعين التاجر بشريكه وغلامه الذي يتجر في ماله، كما أن الشريك يصير خصما منازعا يجاذبه في الربح فيحتاج إلى أن يشارطه أولا ويراقبه ثانيا ويحاسبه ثالثا ويعاقبه أو يعاتبه رابعا، فكذلك العقل يحتاج إلى مشارطة النفس أولا، فيوظف عليها الوظائف ويشرط عليها الشروط ويرشدها إلى طريق الفلاح ويجزم عليها الأمر بسلوك تلك الطرق، ثم لا يغفل عن مراقبتها لحظة، فإنه لو أهملها لم ير منها إلا الخيانة وتضييع

стр. 167

رأس المال، كالعبد الخائن إذا خلا له الجو وانفرد بالمال، ثم بعد الفراغ ينبغي أن يحاسبها ويطالبها بالوفاء بما شرط عليها؛ فإن هذه تجارة ربحها الفردوس الأعلى، وبلوغ سدرة المنتهى مع الأنبياء والشهداء، فتدقيق الحساب في هذا مع النفس أهم كثيرا من تدقيقه في أرباح الدنيا مع أنها محتقرة بالإضافة إلى نعيم العقبى. وصية حكيم قال بعض الحكماء لابنه: يا بني لا تشغل قلبك من الدنيا إلا بقدر ما تتحققه من عمرك، ولتكن جرأتك على المعاصي بقدر صبرك على النار، وإذا أردت أن تعصي الله تعالى فانظر موضعا لا يراك الله فيه، وانظر إلى نفسك فإن كانت عزيزة فلا تذلها، وإن كانت ذليلة فلا تزدها على ذلها ذلا. كل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها يمكن أن يشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد. ويقول ابن الجوزي: تفكرت في نفسي يوما تفكر محقق، فحاسبتها قبل أن تحاسب، ووزنتها قبل أن توزن، فرأيت اللطف الرباني، فمنذ الطفولة وإلى الأن أرى لطفا بعد لطف، وسترا على قبيح، وعفوا عما يوجب عقوبة، وما أرى لذلك شكرا إلا باللسان. النفس اللوامة قال الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ٢]: لا يلقى المؤمن إلا يعاتب نفسه، ماذا أردت بكلمتي؟ ماذا أردت بأكلتي؟ ماذا أردت بشربتي؟ والفاجر يمضي قدما لا يعاتب نفسه. وقال مالك بن دينار رحمه الله تعالى: رحم الله عبدا قال لنفسه: ألست صاحبة كذا، ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمها ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله تعالى فكان له قائدا. ونقل عن توبة بن الصمة -وكان بالرقة وكان محاسبا لنفسه- أنه حسب يوما فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيامها فإذا هي أحد وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم، فصرخ وقال: يا ويلتى! ألقي الملك بأحد وعشرين ألف ذنب، فكيف وفي كل يوم عشرة آلاف ذنب؟ ثم خر مغشيا عليه فإذا هو ميت، فسمعوا قائلا يقول: يا لك ركضة إلى الفردوس الأعلى! فهكذا ينبغي أن يحاسب نفسه على الأنفاس وعلى معصيته بالقلب والجوارح في كل

стр. 168

ساعة، ولو رمى العبد بكل معصية حجرا في داره لامتلأت داره في مدة يسيرة قريبة من عمره، ولكنه يتساهل في حفظ المعاصي والملكان يحفظان عليه ذلك ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦]. واحسرتاه فواحسرتاه على عمر انقضى فيما لا يطابق الرضا! واحرماني لمقامات الرجال الفطناء! يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله، وشماتة العدو بي! واخيبة من أحسن الظن بي إذا شهد الجوارح علي! وخذلاني عند إقامة الحجة، سخر -والله- مني الشيطان وأنا الفطن، اللهم توبة خالصة من هذه الأقذار، ونهضة صادقة لتصفية ما بقي من الأكدار، وقد جئتك بعد الخمسين وأنا مخلق المتاع، وأبي العلم إلا أن يأخذ بيدي إلى معدن الكرم، وليس لي وسيلة إلا التأسف والندم، فوالله ما عصيتك جاهلا بمقدار نعمتك، ولا ناسيا لما ألفت من كرمك، فاغفر لي سالف فعلي (١). مع أبي طلحة وهذا أبو طلحة لما اشتغل قلبه في الصلاة بطائر في حائطه تصدق بالحائط كفارة لذلك، وإن عمر كان يضرب قدميه بالدرة كل ليلة ويقول: ماذا عملت اليوم؟ وعن مجمع: أنه رفع رأسه إلى السطح فوقع بصره على امرأة فجعل على نفسه ألا يرفع رأسه إلى السماء ما دام في الدنيا. وكان الأحنف بن قيس لا يفارقه المصباح بالليل فكان يضع إصبعه عليه ويقول لنفسه: ما حملك على أن صنعت يوم كذا وكذا؟ محمد بن بشر رئي محمد بن بشر بن داود الطائي، وهو يأكل عند إفطاره خبزا بغير ملح، فقيل له: لو أكلته بملح؟ فقال: إن نفسي لتدعوني إلى الملح منذ سنة. ولا ذاق داود ملحا ما دام في الدنيا. أصحاب علي يروى عن رجل من أصحاب علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: صليت خلف علي ﵁ الفجر فلما سلم انفتل عن يمينه وعليه كآبة فمكث حتى طلعت الشمس ثم قلب يده

стр. 169

وقال: والله لقد رأيت أصحاب محمد وما أرى اليوم شيئا يشبههم، كانوا يصبحون شعثا غبرا صفرا قد باتوا لله سجدا وقياما يتلون كتاب الله يراوحون بين أقدامهم وجباههم، وكانوا إذا ذكروا الله مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح وهملت أعينهم حتى تبل ثيابهم، وكان القوم باتوا غافلين -يعني من كان حوله-. ويحك يا نفس يحكي محمد بن المنكدر عن عقاب تميم لنفسه إذا نام عن صلاة الليل مرة فيقول: نام تميم الداري ليلة لم يقم فيها يتهجد حتى أذن الصبح فقام سنة كاملة لم ينم فيها عقوبة للذي صنع. وقال أبو زيد: ما زلت أسوق نفسي إلى الله وهي تبكي حتى سقتها وهي تضحك. وقال إبراهيم التميمي: مثلت نفسي في الجنة آكل من ثمراتها، وأشرب من أنهارها، وأعانق أبكارها، ثم مثلتها في النار آكل من زقومها، وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسلها وأغلالها .. ثم قلت لنفسي: يا نفس أي شيء تريدين؟ قالت: أريد أن أرد إلى الدنيا، فأعمل صالحا، قال: فأنت في الدنيا فاعملي. وهذه طريقة اتخذها الرجل في إيقاظ نفسه، وإن شئت فقل: في إحياء ضميره، لقد تخيل المتوقع واقعا والغائب حاضرا، ثم قال لنفسه بعد أن عرض عليها بصورتين: تخيري واعلمي (١). التوبة قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]. والتوبة نظر في الفعل بعد الفراغ منه بالندم عليه، ولذا قال ﵊: "إني لأستغفر الله تعالى وأتوب إليه في اليوم مائة مرة" [رواه مسلم]. وقال عون بن عبد الله: قلب التائب بمنزلة الزجاجة يؤثر فيها جميع ما أصابها، فالموعظة إلى قلوبهم سريعة، وهم إلى الرقة أقرب، فداووا القلوب بالتوبة، فلرب تائب دعته توبته إلى الجنة حتى أوفدته عليها، وجالسوا التوابين، فإن رحمة الله إلى التوابين أقرب.

стр. 170

ويقول ابن القيم: إن الذنوب والمعاصي تضر، ولابد أن ضررها في القلب كضرر السموم في الأبدان، على اختلاف درجاتها في الضرر، وهل في الدنيا والآخرة شر وداء إلا سببه الذنوب والمعاصي؟ فما الذي أخرج الأبوين من الجنة، دار اللذة والنعيم، والبهجة والسرور، إلى دار الآلام والأحزان والمصائب؟ وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء وطرده ولعنه، ومسخ ظاهره وباطنه، فجعل صورته أقبح صورة وأشنعها، وباطنه أقبح من صورته وأشنع، وبدل بالقرب بعدا، وبالرحمة لعنة، وبالجمال قبحا، وبالجنة نارا تلظى .. وبزجل التسبيح والتقديس والتهليل، زجل الكفر والفسوق والعصيان، فهان على الله غاية الهوان. وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق رءوس الجبال؟ وما الذي سلط الريح على قوم عاد حتى ألفتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية؟ وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن آخرهم؟ وما الذي رفع قوم اللواطية حتى سمعت الملائكة نباح كلابهم، ثم قلبها عليهم، فجعل عاليها سافلها، فأهلكهم جميعا، ثم أتبعهم حجارة من السماء أمطرها عليهم؟ وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل، فلما صار فوق رءوسهم أمطر عليهم نارا تلظى؟ وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر، ثم نقلت أرواحهم إلى جهنم، فالأجساد للغرق والأرواح للحرق؟ وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله؟ وما الذي أهلك القرون من بعد نوح بأنواع العقوبات ودمرها تدميرا؟ وما الذي أهلك قوم صاحب يس بالصيحة حتى خمدوا عن آخرهم (١).

стр. 171

توشك أن تصل قابل الفضيل بن عياض رجلا بلغ من الكبر عتيا، فسأله: كم عمرك؟ قال الرجل: ستون عاما. قال الفضيل: توشك أن تصل إلى الله. قال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون. قال الفضيل: هل عرفت معناها؟ قال الرجل: نعم، عرفت أني لله عبد، وأني إليه راجع. قال الفضيل: إذا عرفت أنك لله عبد، وأنك إليه راجع، عرفت أنك مسئول، وإذا عرفت أنك مسئول، فأعد للسؤال جوابا. قال الرجل: وما الحيلة يرحمك الله؟ قال الفضيل: يسيرة، أن تتقي الله فيما بقي يغفر الله لك ما قد مضى. دينار العيار روى أن رجلا يعرف بدينار العيار كانت له والدة تعظه ولا يتعظ، فمر في بعض الأيام بمقبرة كثيرة العظام، فأخذ منها عظما نخرة فانفت في يده، ففكر في نفسه، وقال لنفسه: ويحك! كأني بك غدا قد صار عظمك هكذا رفاتا والجسم ترابا، وأنا اليوم أقدم على المعاصي، فندم وعزم على التوبة، ورفع رأسه إلى السماء وقال: إلهي، إليك ألقيت مقاليد أمري فاقبلني وارحمني. ثم مضى نحو أمه متغير اللون، فقال: يا أماه ما يصنع بالعبد الآبق إذا أخذه سيده؟ فقالت: يخشن ملبسه ومطعمه ويغل يده وقدمه. فقال: أريد جبة من صوف وأقراصًا من شعير، وتفعلين بي كما يفعل بالعبد الآبق، لعل مولاي يرى ذلي فيرحمني، ففعلت كما طلب، فكان إذا جنه الليل أخذ في البكاء والعويل، ويقول: ويحك يا دينار ألك قوة على النار؟ كيف تعرضت لغضب الجبار؟! وقالت له أمه في بعض الليالي: ارفق بنفسك. فقال: دعيني أتعب قليلا لعلي أستريح طويلا .. يا أمي إن لي موقفا طويلا بين يدي

стр. 172

رب جليل، ولا أدري أيؤمر بي إلى الظل الظليل، أم إلى شر مقيل، إني أخاف عناء لا راحة بعده، وتوبيخا لا عفو معه. قالت: فاسترح قليلا. فقال: الراحة أطلب؟ أتضمنين لي الخلاص؟ قالت: فمن يضمنه لي؟ قال: فدعيني وما أنا عليه، كأنك يا أماه غدا بالخلائق يساقون إلى الجنة وأنا أقاد إلى النار. فمرت به في بعض الليالي في قراءته: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣]. ففكر فيها، وبكى وجعل يضطرب كالحية حتى خر مغشيا عليه، فجاءت أمه إليه ونادته، فلم يجبها فقالت: قرة عيني، أين الملتقى؟ فقال بصوت ضعيف: إن لم تجدني في عرصة القيامة فاسألي مالكا عني. ثم شهق شهقة مات فيها، فجهزته وغسلته، وخرجت تنادي: أيها الناس، هلموا إلى الصلاة على قتيل النار، فجاء الناس فلم ير أكثر جمعا ولا أغزر دمعا من ذلك اليوم. تذكر يوم القيامة شاب يافع لديه طموح الشباب، كان يعيش مثل بعض أقرانه لا يأبهون بأوامر الله، وذات ليلة أراد الله به خيرا، فرأى في المنام مشهدا أيقظه من غفلته، وأعاده إلى رشده. يحدثنا هذا الشاب عن قصته فيقول: في ليلة من الليالي ذهبت إلى فراشي كعادتي لأنام، فشعرت بمثل القلق يساورني، فاستعذت بالله من الشيطان الرجيم ونمت، فرأيت فيما يرى النائم، أن شيئا غريبا وضخما قد وقع من السماء على الأرض .. لم أتبين ذلك الشيء، ولا أستطيع وصفه، فهو مثل كتلة النار العظيمة، رأيتها تهوي فأيقنت بالهلاك .. أصبحت أتخبط في الأرض، وأبحث عن أي مخلوق ينقذني من هذه المصيبة. قالوا: هذه بداية يوم القيامة، وإن الساعة قد وقعت، وهذه أولى علاماتها، ففزعت، وتذكرت جميع ما قدمت من أعمال، الصالح منها والطالح، وندمت أشد الندم .. قرضت أصابعي بأسناني حسرة على ما فرطت في جنب الله .. قلت والخوف قد تملكني: ماذا

стр. 173

أفعل الآن؟ وكيف أنجو؟ فسمعت مناديا يقول: اليوم لا ينفع الندم .. سوف تجازى بما عملت .. أين كنت في أوقات الصلوات؟ أين كنت عندما أتتك أوامر الله؟ لتمتثل الأوامر وتجتنب النواهي؟ كنت غافلا عن ربك .. قضيت أوقاتك في اللعب واللهو والغناء، وجئت الآن تبكي .. سوف ترى عذابك .. زادت حسرتي لما سمعت المنادي يتوعدني بالعذاب .. بكيت وبكيت ولكن بلا فائدة. وفي هذه اللحظة العصيبة استيقظت من نومي .. تحسست نفسي فإذا أنا على فراشي. لم أصدق أني كنت أحلم فقط حتى تأكدت من نفسي .. تنفست الصعداء، ولكن الخوف ما زال يتملكني، ففكرت، وقلت في نفسي: والله إن هذا إنذار لي من الله .. ويوم الحشر لابد منه، إذن لماذا أعصي الله؟ لم لا أصلي؟ لم لا أنتهي عما حرم الله؟ أسئلة كثيرة جالت في خاطري حتى أنجو في ذلك اليوم العظيم، أصبح الصباح، وصليت الفجر، فوجدت حلاوة في قلبي، وفي ضحى ذلك اليوم نزلت إلى سيارتي .. نظرت بداخلها فإذا هي مليئة بأشرطة الغناء .. أخرجتها واكتفيت ببعض الأشرطة الإسلامية النافعة، بقيت على هذه الحال، في كل يوم أتقدم خطوة إلى طريق الهداية التي أسأل الله أن يثبتني وإياكم عليها .. ويقول ابن الجوزي: ابك على نفسك قبل أن يبكى عليك، وتفكر في سهم قد صوب إليك، وإذا رأيت جنازة فاحسبها أنت، وإذا عاينت قبرا فتوهمه قبرك، وعد باقي الحياة ربحا (١). تفكر في مشيك والمآب ... ودفنك بعد عزك في الزاب إذا وافيت قبرا أنت فيه ... تقيم به إلى يوم الحساب وفي أوصال جسمك حين تبقى ... مقطعة ممزقة الإهاب فلولا القبر صار عليك سترا ... لأنتنت الأباطح والروابي خلقت من التراب فصرت حيا ... وعُلمت الفصيح من الخطاب وعدت إلى التراب فصرت فيه ... كأنك ما خرجت من التراب

стр. 174

فطلق هذه الدنيا ثلاثا ... وبادر قبل موتك بالمتاب نصحتك فاستمع قولي ونصحي ... فمثلك قد يدل على الصواب خلقنا للممات ولو تركنا ... لضاق بنا الفسيح من الرحاب ينادي في صبيحة كل يوم ... لدوا للموت وابنوا للخراب الدولة الغريبة تروى كتب التراث أن دولة غريبة، لها قوانينها الغريبة، تقع في وسط صحراء مقطوعة، مليئة بالزواحف الخطرة، والوحوش الضارية، ولكن هذه الدولة لها أسوار عالية لا يمكن أن يتسلقها أحد، ولا يمكن لأحد أن يخرج منها إلا من بابها الذي لا يفتح إلا كل خمس سنوات، هي مدة بقاء حاكم البلد فيها، حيث يطرد من بابها بعد انقضاء مدته، وغالبا يكون مصيره الموت في تلك الصحراء التي لا يوجد فيها أي مظهر من مظاهر الحياة، وفي نهاية مدة أحد حكامها وما أعقبها من مراسم الطرد، أعلن عمن يتطوع لإدارة الدولة فلم يتطوع أحد، ومضت الأيام دون أن يتقدم أحد إلى أن فوجئ الجميع بشاب في مقتبل العمر يتقدم للجنة المشرفة على الاختبار، ويقبل بالمهمة الصعبة، فعرضوا عليه شروط الحكم وأفهموه كل شيء عن مدة حكمه، ومصيره بعد ذلك فوافق على جميع الشروط. وبدأ فترة حكمه يحدبة، وهمة عالية، وكان قد انفق مع آلاف العمال سرا، حيث كان يخرجهم من البوابة ليلا ليشقوا القنوات المتصلة بالعيون من داخل الدولة، ويغرسوا الشجر المثمر بجميع أنواعه، ويستمر العمال في العمل ولا يدخلون حتى قبيل الفجر فيدخلون، وهكذا استمر في هذه الخطة حتى شارفت مدته على الانتهاء، فلما جاء فريق الإشراف على التعيين والطرد ليخبره بقرب موعد الرحيل لم يروا عليه ما كانوا يرونه على من سبقوه من الوجل والرعب، بل رحب بقرب الموعد، وأبدى شجاعة متناهية وطمأنينة أدهشتهم، ولما جاء موعد الطرد، وفتحت الأبواب تعجب الجميع من مناظر الأشجار المثمرة، وقنوات المياه التي تتخللها، والآبار الجديدة التي حفرت حتى بدا ما هو خارج أجمل مما في داخلها، ولما سألوا عن ذلك أخبرهم بما قام به من استعدادات ليوم الرحيل، أعجبوا به أشد الإعجاب واتفق الجميع على أن يولوه حاكما عليهم مدى الحياة.

стр. 175

هذه قصة رمزية لمعنى الحياة التي نعيشها، فكل منا له مدة معينة محددة لا تزيد ولا تنقص، يطرد بعدها من هذه الدار، إلى دار أخرى، إما أن يكون قد استعد لها فينجو كما نجا ذلك الشاب، وإما أن يكون قد فرط فيها وفرط في الوقت الذي أعطي لها، حتى جاءت لحظة الطرد من الدنيا فلم يجد إلا صحراء قاحلة لا حياة فيها ولا منجاة، فيبكي حيث لا ينفع الندم ولا البكاء، فهل نعتبر؟ أيها الباكي أيها الباكي على أقاربه الأموات، ابك على نفسك فالماضي قد فات، وتأهب لنزول البلايا وحلول الآفات، وتذكر قول من إذا ذكرك قال: مات، كأنك بما أتى الماضين قد أتاك، ولقد صاح بك نذيرهم: أنت غدا كذاك وليخرسن الموت بسطوته فاك، إذا وافاك إنما اليوم لهذا وغدا لذاك. قرئ على قبر. أنا في القبر وحيد ... قد تبرأ الأهل مني أسلموني بذنوبي ... خبت إن لم تعف عني (١) وجاء رجل إلى أم المؤمنين عائشة فقال: إن بي داء فهل عندك دواء؟ فقالت: ما الداء؟ فقال: القسوة. فقالت: بئس الداء داؤك، يا هذا، عُد المرضى، واشهد الجنائز، وتوقع الموت (٢). وقال جعفر بن سليمان: سمعت شميط بن عجلان يقول: من جعل الموت نصب عينيه لم يبال بالدنيا ولا بسعتها. اجعل القرآن منهجك كان والد محمد إقبال يقول له كلما رآه يكثر من قراءة القرآن: إن أردت أن تفقه القرآن فاقرأه كأنه أنزل عليك (٣).

стр. 176

ويقول البنا: أهم الأغراض التي تجب على الأمة الإسلامية حيال القرآن الكريم ثلاثة مقاصد: أولها: الإكثار من تلاوته، والتعبد بقراءته، والتقرب إلى الله ﵎. وثانيها: جعله مصدرا لأحكام الدين وشرائعه، منه تؤخذ وتستنبط وتستقي وتتعلم. وثالثها: جعله أساسا لأحكام الدنيا، منه تستمد وعلى مواده الحكيمة تطبق. تلك أهم المقاصد والأغراض التي أنزل الله لها كتابه وأرسل به نبيه وتركه فينا من بعده واعظا مذكرا وحكما عدلا وقسطاسا مستقيما، ولقد فهم السلف -رضوان الله عليهم- هذه المقاصد فقاموا بتحقيقها خير قيام، فكان منهم من يقرأ القرآن في ثلاث ومنهم من يقرأه في سبع ومنهم من يقرأه في أقل من ذلك أو أكثر .. ولقد كان بعضهم إذا شغل عن ورده من القرآن نظر في المصحف وقرأ بعض الآيات الكريمة، وقال: حتى لا أكون ممن اتخذوا القرآن مهجورا، فكان القرآن ربيع قلوبهم وورد عبادتهم، يتلونه آناء الليل وأطراف النهار، ورضي الله عن الخليفة الثالث الذي لم يترك المصحف والحصار على بابه والسيف على عنقه (١). ذكر الله قال ابن عون المصري: أما يستحي أحدكم أن تكون دابته التي يركب، وثوبه الذي يلبس، أكثر ذكرا لله منه؟ ويقول ابن الجوزي: يا معشر المذنبين، تأسوا بأبيكم في البكاء، تفكروا كيف باع دارا قد ربى فيها وضاع الثمن، لا تبرحوا من باب الذل، فأقرب الخطائين إلى العفو المعترف بالزلل، ما انتفع آدم في بلية ﴿وَعَصَى﴾ [طه: ١٢١] بكمال ﴿وَعَلَّمَ﴾ [البقرة: ٣١] ولا رد عنه عز ﴿واسْجُدُوا﴾ [البقرة: ٣٤] وإنما خلصه ذل ﴿ظَلَمْنَا﴾ [الأعراف: ٢٣]. قيام الليل كان لسعيد بن جبير ديك كان يقوم الليل بصياحه، قال: فلم يصح ليلة من الليالي حتى أصبح فلم يصل سعيد تلك الليلة، فشق عليه فقال: ما له قطع الله صوته؟

стр. 177

قال: فما سمع له صوت بعدها، فقالت أمه: يا بني لا تدع علي شيء بعدها (١). وقال الحسن بن علوية: سمعت يحيى بن معاذ يقول: دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتفكر، وخواء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين. وقالت ابنة الرييع بن خثيم: يا أبتاه مالي أرى الناس ينامون ولا تنام؟ قال: إن جهنم لا تدعني أنام. ينتفض فزعا يقول أبو يزيد محمد بن حسان: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: ما عاشرت في الناس رجلا أرحم من سفيان، وكنت أرمقه الليلة بعد الليلة، فما كان ينام إلا أول الليل، ثم ينتفض فزعا مرعوبا ينادي: النار النار شغلني ذكر النار عن النوم والشهوات، ثم يتوضأ ويقول على إثر وضوئه: اللهم إنك عالم بحاجتي غير معلم، وما أطلب إلا فكاك رقبتي من النار، إلهي إنه لجزع ما أرقني، وذلك من نعمك السابغة علي، إلهي لو كان لي عذر في التخلي ما أقمت مع الناس طرفة عين. ثم يقبل على صلاته، وكان البكاء يمنعه من القراءة حتى إن كنت لا أستطيع سماع قراءته من كثرة بكائه، وما كنت أقدر أن أنظر إليه استحياء وهيبة منه. وقال يزيد بن هارون: بت عن المستسلم بن سعيد، وكان لا يكاد ينام، إنما هو قائم وقاعد، وذكر أنه لم يضع جنبه منذ أربعين عاما، فظننت أنه يعني بالليل، فقيل: ولا بالنهار. وقال عمرو بن عون: مكث هشيم بن بشر يصلي الفجر بوضوء العشاء الآخرة، قبل أن يموت عشر سنين. - ويقول ابن الجوزي: يا من كان له قلب فمات، يا من كان له وقت ففات، استغث من بوادي القلق، "ردوا علي ليالي التي سلفت"، احضر في السحر فإنه وقت الإذن العام، واستصحب رفيق البكاء فإنه مساعد صبور، وابعث رسائل الصعداء فقد أقيم لها من يتناول. واعلم بأن سبب حرمانك من قيام الليل الذنوب والمعاصي، قال مبارك بن فضالة: سمعت الحسن البصري قال له شاب: أعياني قيام الليل، فقال: قيدتك خطاياك.

стр. 178

كثرة الدعاء قال الحسن بن علوية: سمعت يحيى بن معاذ يقول: على قناطر الفتن جاوزوا إلى خزائن المنن. وسمعته يقول: إلهي، كيف أفرح وقد عصيتك؟ وكيف لا أفرح وقد عرفتك؟ وكيف أدعوك وأنا خاطئ؟ وكيف لا أدعوك وأنت كريم؟. وقال يحيى بن معاذ: يا من يغضب على من لا يسأله، لا تمنع من قد سألك. وقال أبو سليمان الداراني: إنك إن طلبتني بشري طالبتك بكرمك، وإن أخذتني بذنوبي أتيت بتوحيدك، وإن أسكنتني النار بين أعدائك لأخبرنهم بحبي لك. وعن معاوية بن قرة أن أبا الدرداء اشتكى فدخل عليه أصحابه فقالوا: ما تشتكي؟ قال: أشتكي ذنوبي. قالوا: فما تشتهي؟ قال: أشتهي الجنة. قالوا: أفلا ندعو لك طبيبا؟ قال: هو الذي أضجعني. ***

стр. 179

علو الهمة أمر رسول الله ﷺ بعلو الهمة فقال: "من كانت الآخرة همه، جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهى راغمة، ومن كانت الدنيا همه، جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له" [رواه الترمذي]. ويعلمنا رسول الله ﷺ علو الهمة في الدعاء، قال ﷺ : "إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة" [رواه البخاري]. ويخطئ كثير من الناس حين يصفون الكفار بعلو الهمة، لأن الهمة العالية حكر على طلاب الآخرة، وهي من عزتها تأنف أن تسكن قلبا قد تنجس بالكفر، وبين تعالى أن الدار الآخرة هي الحياة الحقيقية فقال تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]. يقول ابن الجوزي: إذا اعتقدت أنك مخلوق للصغير من الأمور لم تبلغ من الحياة إلا الصغير، وإذا اعتقدت أنك مخلوق لعظائم الأمور شعرت بهمة تكسر الحدود والحواجز، وتنفذ منها إلى الساحة الفسيحة والغرض الأسمى. ومصداق ذلك حادث في الحياة المادية، فمن دخل مسابقة مائة متر شعر بالتعب إذا هو قطعها، ومن دخل مسابقة أربعمائة متر لم يشعر بالتعب من المائة والمائتين، فالنفس تعطيك من الهمة بقدر ما تحدد من الغرض، حدد غرضك وليكن ساميا صعب المنال، ولكن لا عليك في ذلك ما دمت كل يوم تخطو إليه خطوة جديدة، إنما يصد النفس ويعبسها ويجعلها في سجن مظلم: اليأس وفقدان الأمل، والعيشة السيئة برؤية الشرور، والبحث عن معايب الناس والتشدق بالحديث عن سيئات العالم لا غير (١).

стр. 180

عالي الهمة شريف النفس عالي الهمة يعرف قدر نفسه، في غير كبر، ولا عجب، ولا غرور، وإذا عرف المرء قدر نفسه صانها عن الرذائل، وحفظها من أن تهان، ونزهها عن دنايا الأمور وسفاسفها في السر والعلن، وجنبها مواطن الذل. ألم تر إلى شرف نفس الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم نبي الله يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم حين دعا ربه: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣] وحين قال لرسول الملك: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠]. قيل لرجل: لي حويجة. فقال: اطلب لها رجيلا. وقد قيل لبعض العلماء: لي سؤال صغير. فقال: اطلب له رجلا صغيرا. ويقول ابن الجوزي: لا شيء أقتل للنفس من شعورها بضعتها وصغر شأنها وقلة قيمتها، وأنها لا يمكن أن يصدر عنها عمل عظيم، ولا ينتظر منها خير كبير، هذا الشعور بالضعة يفقد الإنسان الثقة بنفسه والإيمان بقوتها، فإذا أقدم على عمل ارتاب في مقدرته وفي إمكان نجاحه، وعالجه بفتور ففشل فيه. الثقة بالنفس فضيلة كبرى عليها عماد النجاح في الحياة وشتان بينها وبين الغرور الذي يعد رذيلة، والفرق بينهما أن الغرور اعتماد النفس على الخيال وعلى الكبر الزائف، والثقة بالنفس اعتمادها على مقدرتها مع تحمل المسئولية، وعلى تقوية ملكاتها وتحسين استعداداتها (١). ١ - علو الهمة في العبادة: كان من أخبار عامر بن عبد الله ما حدث به أحد أبناء البصرة قال: سرت في قافلة فيها عامر بن عبد الله، فلما أقبل علينا الليل، نزلنا فحمل عامر متاعه، وربط فرسه بشجرة، وجمع له من حشائش الأرض ما يشبعه، ثم توارى، فقلت في نفسي: والله
следующие страницы →