← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96918

موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق

ياسر عبد الرحمن

Полный текст (763 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ويقول البنا: أهم الأغراض التي تجب على الأمة الإسلامية حيال القرآن الكريم ثلاثة مقاصد: أولها: الإكثار من تلاوته، والتعبد بقراءته، والتقرب إلى الله ﵎. وثانيها: جعله مصدرا لأحكام الدين وشرائعه، منه تؤخذ وتستنبط وتستقي وتتعلم. وثالثها: جعله أساسا لأحكام الدنيا، منه تستمد وعلى مواده الحكيمة تطبق. تلك أهم المقاصد والأغراض التي أنزل الله لها كتابه وأرسل به نبيه وتركه فينا من بعده واعظا مذكرا وحكما عدلا وقسطاسا مستقيما، ولقد فهم السلف -رضوان الله عليهم- هذه المقاصد فقاموا بتحقيقها خير قيام، فكان منهم من يقرأ القرآن في ثلاث ومنهم من يقرأه في سبع ومنهم من يقرأه في أقل من ذلك أو أكثر .. ولقد كان بعضهم إذا شغل عن ورده من القرآن نظر في المصحف وقرأ بعض الآيات الكريمة، وقال: حتى لا أكون ممن اتخذوا القرآن مهجورا، فكان القرآن ربيع قلوبهم وورد عبادتهم، يتلونه آناء الليل وأطراف النهار، ورضي الله عن الخليفة الثالث الذي لم يترك المصحف والحصار على بابه والسيف على عنقه (١). ذكر الله قال ابن عون المصري: أما يستحي أحدكم أن تكون دابته التي يركب، وثوبه الذي يلبس، أكثر ذكرا لله منه؟ ويقول ابن الجوزي: يا معشر المذنبين، تأسوا بأبيكم في البكاء، تفكروا كيف باع دارا قد ربى فيها وضاع الثمن، لا تبرحوا من باب الذل، فأقرب الخطائين إلى العفو المعترف بالزلل، ما انتفع آدم في بلية ﴿وَعَصَى﴾ [طه: ١٢١] بكمال ﴿وَعَلَّمَ﴾ [البقرة: ٣١] ولا رد عنه عز ﴿واسْجُدُوا﴾ [البقرة: ٣٤] وإنما خلصه ذل ﴿ظَلَمْنَا﴾ [الأعراف: ٢٣]. قيام الليل كان لسعيد بن جبير ديك كان يقوم الليل بصياحه، قال: فلم يصح ليلة من الليالي حتى أصبح فلم يصل سعيد تلك الليلة، فشق عليه فقال: ما له قطع الله صوته؟

стр. 177

قال: فما سمع له صوت بعدها، فقالت أمه: يا بني لا تدع علي شيء بعدها (١). وقال الحسن بن علوية: سمعت يحيى بن معاذ يقول: دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتفكر، وخواء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين. وقالت ابنة الرييع بن خثيم: يا أبتاه مالي أرى الناس ينامون ولا تنام؟ قال: إن جهنم لا تدعني أنام. ينتفض فزعا يقول أبو يزيد محمد بن حسان: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: ما عاشرت في الناس رجلا أرحم من سفيان، وكنت أرمقه الليلة بعد الليلة، فما كان ينام إلا أول الليل، ثم ينتفض فزعا مرعوبا ينادي: النار النار شغلني ذكر النار عن النوم والشهوات، ثم يتوضأ ويقول على إثر وضوئه: اللهم إنك عالم بحاجتي غير معلم، وما أطلب إلا فكاك رقبتي من النار، إلهي إنه لجزع ما أرقني، وذلك من نعمك السابغة علي، إلهي لو كان لي عذر في التخلي ما أقمت مع الناس طرفة عين. ثم يقبل على صلاته، وكان البكاء يمنعه من القراءة حتى إن كنت لا أستطيع سماع قراءته من كثرة بكائه، وما كنت أقدر أن أنظر إليه استحياء وهيبة منه. وقال يزيد بن هارون: بت عن المستسلم بن سعيد، وكان لا يكاد ينام، إنما هو قائم وقاعد، وذكر أنه لم يضع جنبه منذ أربعين عاما، فظننت أنه يعني بالليل، فقيل: ولا بالنهار. وقال عمرو بن عون: مكث هشيم بن بشر يصلي الفجر بوضوء العشاء الآخرة، قبل أن يموت عشر سنين. - ويقول ابن الجوزي: يا من كان له قلب فمات، يا من كان له وقت ففات، استغث من بوادي القلق، "ردوا علي ليالي التي سلفت"، احضر في السحر فإنه وقت الإذن العام، واستصحب رفيق البكاء فإنه مساعد صبور، وابعث رسائل الصعداء فقد أقيم لها من يتناول. واعلم بأن سبب حرمانك من قيام الليل الذنوب والمعاصي، قال مبارك بن فضالة: سمعت الحسن البصري قال له شاب: أعياني قيام الليل، فقال: قيدتك خطاياك.

стр. 178

كثرة الدعاء قال الحسن بن علوية: سمعت يحيى بن معاذ يقول: على قناطر الفتن جاوزوا إلى خزائن المنن. وسمعته يقول: إلهي، كيف أفرح وقد عصيتك؟ وكيف لا أفرح وقد عرفتك؟ وكيف أدعوك وأنا خاطئ؟ وكيف لا أدعوك وأنت كريم؟. وقال يحيى بن معاذ: يا من يغضب على من لا يسأله، لا تمنع من قد سألك. وقال أبو سليمان الداراني: إنك إن طلبتني بشري طالبتك بكرمك، وإن أخذتني بذنوبي أتيت بتوحيدك، وإن أسكنتني النار بين أعدائك لأخبرنهم بحبي لك. وعن معاوية بن قرة أن أبا الدرداء اشتكى فدخل عليه أصحابه فقالوا: ما تشتكي؟ قال: أشتكي ذنوبي. قالوا: فما تشتهي؟ قال: أشتهي الجنة. قالوا: أفلا ندعو لك طبيبا؟ قال: هو الذي أضجعني. ***

стр. 179

علو الهمة أمر رسول الله ﷺ بعلو الهمة فقال: "من كانت الآخرة همه، جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهى راغمة، ومن كانت الدنيا همه، جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له" [رواه الترمذي]. ويعلمنا رسول الله ﷺ علو الهمة في الدعاء، قال ﷺ : "إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة" [رواه البخاري]. ويخطئ كثير من الناس حين يصفون الكفار بعلو الهمة، لأن الهمة العالية حكر على طلاب الآخرة، وهي من عزتها تأنف أن تسكن قلبا قد تنجس بالكفر، وبين تعالى أن الدار الآخرة هي الحياة الحقيقية فقال تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]. يقول ابن الجوزي: إذا اعتقدت أنك مخلوق للصغير من الأمور لم تبلغ من الحياة إلا الصغير، وإذا اعتقدت أنك مخلوق لعظائم الأمور شعرت بهمة تكسر الحدود والحواجز، وتنفذ منها إلى الساحة الفسيحة والغرض الأسمى. ومصداق ذلك حادث في الحياة المادية، فمن دخل مسابقة مائة متر شعر بالتعب إذا هو قطعها، ومن دخل مسابقة أربعمائة متر لم يشعر بالتعب من المائة والمائتين، فالنفس تعطيك من الهمة بقدر ما تحدد من الغرض، حدد غرضك وليكن ساميا صعب المنال، ولكن لا عليك في ذلك ما دمت كل يوم تخطو إليه خطوة جديدة، إنما يصد النفس ويعبسها ويجعلها في سجن مظلم: اليأس وفقدان الأمل، والعيشة السيئة برؤية الشرور، والبحث عن معايب الناس والتشدق بالحديث عن سيئات العالم لا غير (١).

стр. 180

عالي الهمة شريف النفس عالي الهمة يعرف قدر نفسه، في غير كبر، ولا عجب، ولا غرور، وإذا عرف المرء قدر نفسه صانها عن الرذائل، وحفظها من أن تهان، ونزهها عن دنايا الأمور وسفاسفها في السر والعلن، وجنبها مواطن الذل. ألم تر إلى شرف نفس الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم نبي الله يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم حين دعا ربه: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣] وحين قال لرسول الملك: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠]. قيل لرجل: لي حويجة. فقال: اطلب لها رجيلا. وقد قيل لبعض العلماء: لي سؤال صغير. فقال: اطلب له رجلا صغيرا. ويقول ابن الجوزي: لا شيء أقتل للنفس من شعورها بضعتها وصغر شأنها وقلة قيمتها، وأنها لا يمكن أن يصدر عنها عمل عظيم، ولا ينتظر منها خير كبير، هذا الشعور بالضعة يفقد الإنسان الثقة بنفسه والإيمان بقوتها، فإذا أقدم على عمل ارتاب في مقدرته وفي إمكان نجاحه، وعالجه بفتور ففشل فيه. الثقة بالنفس فضيلة كبرى عليها عماد النجاح في الحياة وشتان بينها وبين الغرور الذي يعد رذيلة، والفرق بينهما أن الغرور اعتماد النفس على الخيال وعلى الكبر الزائف، والثقة بالنفس اعتمادها على مقدرتها مع تحمل المسئولية، وعلى تقوية ملكاتها وتحسين استعداداتها (١). ١ - علو الهمة في العبادة: كان من أخبار عامر بن عبد الله ما حدث به أحد أبناء البصرة قال: سرت في قافلة فيها عامر بن عبد الله، فلما أقبل علينا الليل، نزلنا فحمل عامر متاعه، وربط فرسه بشجرة، وجمع له من حشائش الأرض ما يشبعه، ثم توارى، فقلت في نفسي: والله

стр. 181

لأتبعنه، ولأنظرن ما يصنع في هذه الليلة، فمضى حتى انتهى إلى رابية ملتفة الشجر، مستورة عن العين، فاستقبل القبلة، وانتصب قائما يصلي، فما رأيت أحسن من صلاته، فلما صلى ما شاء أن يصلي طفق يدعو الله ويناجيه، فكان مما قاله: إلهي لقد خلقتني بأمرك، وأقمتني في بلايا هذه الدنيا بمشيئتك، ثم قلت لي: استمسك، فكيف أستمسك إن لم تمسكني بلطفك يا قوي يا متين، إنك تعلم أنه لو كانت لي هذه الدنيا بما فيها، ثم طُلبت مني مرضاة لك، لوهبتها لطالبها، فهب لي نفسي يا أرحم الراحمين، إني أحببتك حبا سهل علي كل مصيبة، ورضاني بكل قضاء، فما أبالي مع حبي لك ما أصبحت عليه، وما أمسيت فيه. قال الرجل البصري: ثم إنه غلبني النعاس، فأسلمت جفني إلى الكرى، ثم ما زلت أنام وأستيقظ، وعامر منتصب في موقفه، ماض في صلاته ومناجاته، حتى تنفس الصبح، فلما بدا الفجر أدى المكتوبة، ثم أقبل يدعو فقال: اللهم ما قد أصبح الصبح، وطفق الناس يغدون ويروحون، يبتغون من فضلك، وإن لكل منهم حاجة، وإن حاجة عامر عندك أن تغفر له، اللهم فاقض حاجتي وحاجاتهم يا أكرم الأكرمين، اللهم إني سألتك ثلاثا، فأعطيتني اثنتين ومنعتني واحدة، اللهم فأعطنيها حتى أعبدك كما أحب وأريد، ثم نهض من مجلسه فوقع بصره على فعلم بمكاني منه في تلك الليلة، فجزع لذلك أشد الجزع، وقال لي في أسى: أراك كنت ترقبني الليلة يا أخا البصرة؟ فقلت: نعم. فقال: استر ما رأيت مني ستر الله عليك. فقدت: والله لتحدثني بهذه الثلاث التي سألتها ربك، أو لأخبرن الناس بما رأيته منك. فقال: ويحك لا تفعل. فقلت: هو ما أقول لك، فلما رأى إصراري. قال: أحدثك على أن تعطيني عهد الله وميثاقه ألا تخبر بذلك أحدا. فقدت: لك عليّ عهد الله وميثاقه ألا أفشي لك سرا ما دمت حيا. فقال: لم يكن شيء أخوف علي في ديني من النساء، فسألت ربي أن ينزع من قلبي

стр. 182

حبهن، فاستجاب لي حتى صرت ما أبالي امرأة رأيت أم جدارا. فقلت: هذه واحدة، فما الثانية؟ فقال: الثانية أني سألت ربي ألا أخاف أحدا غيره، فاستجاب لي حتى أني -والله- ما أرهب شيئا في الأرض ولا في السماء سواه. قلت: فما الثالثة؟ فقال: سألت ربي أن يذهب عني النوم حتى أعبده بالليل والنهار كما أريد فمنعني هذه الثالثة. فلما سمعت منه ذلك قلت له: رفقا بنفسك، فإنك تقضي ليلك قائما، وتقطع نهارك صائما، وإن الجنة تدرك بأقل مما تصنع، وإن النار تتقي بأقل مما تعاني، فقال: إني لأخشى أن أندم حيث لا ينفع الندم، والله لأجتهدن في العبادة ما وجدت إلى الاجتهاد سبيلا، فإن نجوت فبرحمة الله، وإن دخلت النار فبتقصيري (١). أخي الحبيب: لا تترك قيام الليل مهما كانت الظروف، وداوم على صلاة ركعتين يوميا على الأقل في وقت السحر، فإن لم تستطع فحافظ عليها قبل النوم، واسأل الله أن يوقظك في الثلث الأخير من الليل. أبو حنيفة عرف عن أبي حنيفة أنه صلى الفجر بوضوء العشاء أربعين عاما. وأنه ختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعة آلاف مرة. وكان إذا قرأ سورة الزلزلة اقشعر جلده ووجل فؤاده، وأخذ لحيته بيده وطفق يقول: يا من يجزي بمثقال ذرة خيرا خيرا، يا من يجزي بمثقال ذرة شرا شرا، أجر عبدك النعمان من النار، وباعد بينه وبين ما يقربه منها، وأدخله في واسع رحمتك يا أرحم الراحمين (٢). قدم أعمالا صالحة قبل الدعاء وستجد راحة في قلبك واطمئنانا في نفسك. القيام والبكاء أقبل أبو حنيفة ذات يوم على جماعة من الناس فسمعهم يقولون: إن هذا الرجل

стр. 183

الذي ترونه لا ينام الليل، فما أن لامست كلمتهم هذه مسمعه حتى قال: إني عند الناس على خلاف ما أنا عليه عند الله، ولن أتوسد فراشا بعد اليوم في ليل حتى ألقى الله، ثم دأب منذ ذلك اليوم على قيام الليل كله، فكان إذا أرخى الظلام سدوله على الكون، وأسلمت الجنوب إلى المضاجع، قام فلبس أحسن ثيابه، وسرح لحيته، وتطيب، وتزين، ثم يصف في محرابه ويقطع ليله قانتا، أو منحنيا بصلبه على أجزاء القرآن، أو رافعا يده بالضراعة، فلربما قرأ القرآن كله في ركعة واحدة، ولربما قام الليل كله بآية واحدة، ولقد روي أنه قام الليل كله وهو يردد قوله تعالى ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦] وهو يبكي من خشية الله (١). احرص على قراءة القرآن يوميا، واجتهد في تدبر الآيات وكأنها قد نزلت عليك، وستجد السعادة في معايشة كلام الله. ٢ - علو الهمة في الجهاد: في أعقاب غزوة بدر أنزل الله على نبيه ﷺ من آي القرآن ما يرفع شأن المجاهدين، ويفضلهم على القاعدين لينشط المجاهد إلى الجهاد، ويأنف القاعد من القعود، فأثر ذلك في نفس ابن أم مكتوم، وعز عليه أن يحرم من هذا الفضل وقال: يا رسول الله، لو أستطيع الجهاد لجاهدت، ثم سأل الله بقلب خاشع أن ينزل قرآنا في شأنه وشأن أمثاله ممن تعوقهم عاهاتهم عن الجهاد، وجعل يدعو في ضراعة: اللهم أنزل عذري .. اللهم أنزل عذري، فما أسرع أن استجاب الله دعاءه! حدث زيد بن ثابت ﵁ كاتب وحي رسول الله ﷺ قال: كنت إلى جنب رسول الله ﷺ فغشيته السكينة، فوقعت فخذه على فخذي، ما وجدت شيئا أثقل من فخذ رسول الله- ﷺ ثم سري عنه فقال: "اكتب يا زيد" فكتبت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٥] فقام ابن أم مكتوم وقال: يا رسول الله فكيف بمن لا يستطيع الجهاد؟ فما انقضى كلامه حتى غشيت رسول الله ﷺ السكينة، فوقعت فخذه على فخذي، فوجدت من ثقلها ما وجدت في المرة الأولى، ثم سري عنه، فقال: اقرأ ما كتبته يا

стр. 184

زيد فقرأت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فقال: اكتب ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ فنزل الاستثناء الذي تمناه ابن أم مكتوم، وعلى الرغم من أن الله سبحانه أعفى عبد الله بن أم مكتوم وأمثاله من الجهاد، فقد أبت نفسه الطموح أن يقعد مع القاعدين، وعقد العزم على الجهاد في سبيل الله. ذلك لأن النفوس الكبيرة لا تقنع إلا بكبار الأمور، فحرص منذ ذلك اليوم على ألا تفوته غزوة، وحدد لنفسه وظيفتها في ساحات القتال، فكان يقول: أقيموني بين الصفين، وحملوني اللواء أحمله لكم وأحفظه، فأنا أعمى لا أستطيع الفرار. وفي السنة الرابعة عشرة للهجرة عقد عمر بن الخطاب ﵁ العزم على أن يخوض مع الفرس معركة فاصلة تزيل ملكهم، وتفتح الطريق أمام جيوش المسلمين، فكتب إلى عماله يقول: لا تدعوا أحدا له سلاح، أو فرس، أو نجدة، أو رأى، إلا انتخبتموه ثم وجهتموه إلي، والعجل العجل. وطفقت جموع المسلمين تلبي نداء الفاروق، وتنهال على المدينة من كل حدب وصوب، وكان في جملة هؤلاء المجاهدين المكفوف البصر عبد الله بن أم مكتوم ﵁، فأمَّر الفاروق على الجيش سعد بن أبي وقاص ﵁ وأوصاه، ولما بلغ الجيش القادسية، برز عبد الله بن أم مكتوم لابسا درعه، مستكملا عدته، وندب نفسه ليحمل راية المسلمين والحفاظ عليها، أو الموت دونها. والتقى الجمعان في أيام ثلاثة قاسية، وانجلى اليوم الثالث عن نصر مؤزر للمسلمين، فزالت أعظم الدول وكان بين الشهداء عبد الله بن أم مكتوم، فقد وجد صريعا مضرجا بدمائه وهو يعانق راية الإسلام (١). أين علو همتك في الدفاع عن دين الله، ونصرة الإسلام والمسلمين؟ ٣ - علو الهمة في طلب العلم: بعث الأمير خالد بن أحمد الذهلي والي بخارى إلى محمد بن إسماعيل البخاري: أن احل إلي كتابي الجامع والتاريخ، وغيرهما لأسمع منك. فقال محمد بن إسماعيل لرسوله: أنا لا أذل العلم، ولا أحمله إلى أبواب السلاطين، فإن

стр. 185

كان لك إلي شيء منه حاجة، فاحضرني في مسجدي أو في داري، وإن لم يعجبك هذا، فأنت سلطان، فامنعني من الجلوس، ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة، لأني لا أكتم العلم. احذر أن تجعل نية طلبك للعلم الشهرة في الدنيا وأنفذ الخليفة بمائة دينار إلى عالم، وقال لغلامه: إن قبل ذلك فأنت حر. فحملها إليه فلم يقبل، فقال: اقبل ففيه عتقي، فقال: إن كان فيه عتقك ففيه رقي (١). أين نحن من هؤلاء قال عمر بن حفص الأشقر: إنهم فقدوا البخاري أياما من كتابة الحديث بالبصرة، قال: فطلبناه فوجدناه في بيت وهو عريان، وقد نفد ما عنده ولم يبق معه شيء، فاجتمعنا وجمعنا له الدراهم حتى اشترينا له ثوبا وكسوناه، ثم اندفع معنا في كتابة الحديث. وقال مالك: لا ينال هذا الأمر، حتى يذاق فيه طعم الفقر. وهذا يحيى بن معين، خلف له أبوه ألف ألف درهم، فأنفقها كلها على تحصيل الحديث حتى لم يبق له نعل يلبسه. وذكر ابن اللباد أن محمد بن عبدوس صلى الصبح بوضوء العتمة، ثلاثين سنة، خمس عشرة في دراسة، وخمس عشرة في عبادة. وقال الحافظ ابن كثير: وقد كان البخاري يستيقظ في الليلة الواحدة من نومه، فيوقد السراج ويكتب الفائدة تمر بخاطره، ثم يطفئ سراجه، ثم يقوم مرة أخرى وأخرى، حتى كان يتعدد منه ذلك قريبا من عشرين مرة. وقال النووي: وبقيت سنتين لم أضع جنبي على الأرض. وحكى البدر بن جماعة أنه سأله عن نومه فقال: إذا غلبني النوم استندت إلى الكتب لحظة وانتبهت. وهذا ابن كثير: أخذ كتاب الإمام أحمد مرتبا، وأضاف إليه أحاديث الكتب الستة، ومعجم الطبراني الكبير، ومسند البزار، ومسند أبي يعلي الموصلي، وأجهد نفسه كثيرا،

стр. 186

وتعب فيه تعبا عظيما، فجاء لا نظير له في العالم، وأكمله، إلا من بعض مسند أبي هريرة، فإنه مات قبل أن يكمله فإنه عوجل بكف بصره. وقال إبراهيم النخعي: من سره أن يحفظ الحديث، فليحدث به، ولو أن يحدث به من لا يشتهيه، فإنه إن فعل ذلك كان كالكتاب في صدره. وكان بعضهم يذاكر العلم مع نفسه فتراه يجلس وحده، ويرفع بالعلم صوته. يقول جعفر بن المراغي: دخلت مقبرة بتستر، فسمعت صائحا يصيح: والأعمش، عن أبي صالح عن أبي هريرة، والأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة .. ساعة طويلة، فكنت أطلب الصوت، إلى أن رأيت ابن زهير، وهو يدرس مع نفسه من حفظه حديث الأعمش. وقال أبو زرعة: كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث (١). احرص على القراءة اليومية، وتعليم الناس ما تستفيده من قراءتك، فإن لم تستطع القراءة فلا تحرم نفسك من سماع شريط علم نافع. حتى قبل الموت ! من الغريب أن فترة مرض الدكتور مصطفى السباعي على قساوتها وشدتها، كانت من أخصب أيام حياته، وأكثرها إنتاجا من الناحية العلمية. يقول د. محمد أديب الصالح: كان السباعي ﵀ حريصا -كما علمت منه قبل وفاته بيوم واحد- على كتابة مؤلفات ثلاثة هي: العلماء الأولياء، والعلماء المجاهدون، والعلماء الشهداء (٢). ٤ - علو الهمة في الدعوة: عبد الله بن مسعود ﵁ أول مسلم على ظهر الأرض جهر بالقرآن بعد رسول الله ﷺ ؛ فقد اجتمع يوما أصحاب رسول الله ﷺ في مكة، وكانوا قلة مستضعفين، فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط، فمن رجل يسمعهم إياه؟ فقال عبد الله بن مسعود: أنا أسمعهم إياه.

стр. 187

فقالوا: إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلا له عشيرة، تحميه وتمنعهم منه إذا أرادوه بشر. فقال: دعوني فإن الله سيمنعني ويحميني، ثم ذهب إلى المسجد حتى أتى مقام إبراهيم في الضحى، وقريش جلوس حول الكعبة، فوقف عند المقام وقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم رافعا بها صوته ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ [الرحمن١ - ٤] ومضى يقرأها، فتأملته قريش، وقالت: ماذا قال ابن أم عبد؟ تبًّا له، إنه يتلو بعض ما جاء به محمد، وقاموا إليه وجعلوا يضربون وجهه وهو يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ، ثم انصرف إلى أصحابه والدم يسيل منه، فقالوا له: هذا الذي خشينا عليك. فقال: والله ما كان أعداء الله أهون في عيني منهم الآن وإن شئتم لأغادينهم بمثلها غدا، قالوا: لا، حسبك لقد أسمعتهم ما يكرهون (١). الشيخ محمد فرغلي يقول الشيخ حسن البنا عن الشيخ محمد فرغلي: حين تم بناء المسجد الذي طالب به عمال الشركة بالجباسات بالإسماعيلية انتدب للإمامة والتدريس فضيلة الأخ محمد فرغلي، المدرس بمعهد حراء حينذاك، وصل الأستاذ فرغلي وتسلم المسجد، وأعد له سكن خاص بجواره، ووصل روحه القوية بأرواح هؤلاء العمال الطيبين، فلم تمض عدة أسابيع وجيزة حتى ارتفع مستواهم الفكري والنفساني والاجتماعي ارتفاعا عجيبا، لقد أدركوا قيمة أنفسهم، وعرفوا سمو وظيفتهم في الحياة، وقدروا فضل إنسانيتهم، فنزع من قلوبهم الخوف والذل والضعف والوهن، واعتزوا بالإيمان بالله وبإدراك وظيفتهم الإنسانية في هذه الحياة؛ خلافة الله في أرضه، فجدوا في عملهم، عفوا عما ليس لهم، فلم تأسرهم المطامع التافهة، ولم تقيدهم الشهوات الحقيرة، وصار أحدهم يقف أمام رئيسه عالي الرأس في أدب، شامخ الأنف في وقار، يحدثه في حجة ومنطق، لا يقول ولا يقبل منه كلمة نابية، أو لفظة جافية، أو مظهرًا من مظاهر التحقير والاستصغار، كما كان ذلك شأنهم من قبل، تجمعوا على الأخوة، واتحدوا على الحب والجد والأمانة، ويظهر أن هذه السياسة لم تعجب الرؤساء وقرروا أنه إذا استمر الحال على ذلك ستكون السلطة كلها لهذا الشيخ، ولن يستطيع أحد بعد ذلك أن يكبح جماحه وجماح العمال.

стр. 188

فكر الرؤساء في الشركة في إقصاء هذا الشيخ القوي الشكيمة عن العمل، وأرسل إليه الرئيس المباشر، فلما توجه إليه قال له: إن المدير أخبرني بأن الشركة قد استغنت عن خدماتك وأنها تفكر في انتداب أحد العمال للقيام بعملكم في المسجد، وهذا حسابكم إلى اليوم حسب أمر المدير. فكان جواب الشيخ له بكل هدوء: ما كنت أظن يا مسيو فرانسوا أنني موظف بشركة جباسات البلاح، لو كنت أعلم هذا ما قبلت العمل معها، ولكني أعلم أنني موظف من قبل الإخوان المسلمين بالإسماعيلية، وأتقاضى راتبي منهم محولا عليكم، وأنا متعاقد معهم لا معكم على هذا الوضع، وأنا لا أقبل منك مرتبا لا حسابا، ولا أترك عملي في المسجد ولو بالقوة، إلا إذا أمرني بذلك رئيس الجمعية التي انتدبتني هنا، وهو أمامك بالإسماعيلية اتفقوا معه كما تريدون. واستأذن وانصرف. وسقط في يد إدارة الشركة وصبرت أياما لعل الشيخ يطلب منها مرتبه، ولكنه اتصل بالبنا في الإسماعيلية فأوصاه بالتمسك بموقفه وألا يدع مكانه بحال، وحجته مقبولة ولا شيء لهم عنده، لجأت الشركة إلى الإدارة، واتصل مديرها بمحافظ القنال الذي اتصل بدوره بالمأمور بالإسماعيلية وأوصاه أن يقوم على رأس قوة لعلاج الموقف، وحضر المأمور ومعه قوته، وجلس في مكتب المدير، وأرسل في طلب الشيخ الذي اعتصم بالمسجد وأجاب الرسول: لا حاجة لي عند المأمور، ولا عند المدير، وعملي بالمسجد، فإذا كان لأحدهما حاجة فليحضر إلي، وعلى هذا فقد حضر المأمور إلى الشيخ، وأخذ يطلب منه أن يستجيب لمطالب المدير، ويترك العمل ويعود إلى الإسماعيلية، فأجاب بمثل ما تقدم، وقال له: تستطيع أن تأتيني من الإسماعيلية بكلمة واحدة في خطاب فانصرف، ولكنك إذا أردت استخدام القوة، فلك أن تفعل ما تشاء، ولكني لن أخرج من هنا إلا جثة لا حراك بها. ووصل النبأ إلى العمال، فتركوا العمل في لحظة واحدة، وأقبلوا متجمهرين صاخبين، وخشي المأمور العاقبة فترك الموقف وعاد إلى الإسماعيلية، واتصل بالإمام البنا للتفاهم على الحل، يقول البنا: (ولكني اعتذرت له، بأنني مضطر إلى التفكير في الأمر، وعقد مجلس إدارة الجمعية للنظر ثم أجيبه بعد ذلك، وفي هذه الأثناء يؤسفني أن أقول إنني حضرت إلى القاهرة لمقابلة العضو المصري الوحيد في مجلس إدارة الشركة، فوجدت منه كل إعراض عن مصالح العمال، وكل انحياز إلى آراء الشركة ومديرها، وكل

стр. 189

تجرد من أي عاطفة فيها معنى الغيرة الوطنية. قابلت بعد ذلك مدير الشركة، وسألته عما ينقمه من فضيلة الشيخ، فلم أجد عنده إلا أنهم يريدون شخصا يستسلم لمطالبهم، وكان من كلامه كلمة لا أزال أذكرها: إنني صديق للكثير من زعماء المسلمين ولقد قضيت في الجزائر عشرين سنة، ولكني لم أجد منهم أحدًا كهذا الشيخ، الذي ينفذ علينا هنا أحكاما عسكرية كأنه جنرال تماما. فناقشته في هذا الكلام وأفهمته أنه مخطئ وأن الشركة هي التي تقسو على العمال وتنقص من حقوقهم، وتستصغر إنسانيتهم، وتبخل عليهم وتقتر من أجورهم، في الوقت الذي يتضاعف ربحها ويتكدس، وأن من الواجب علاج هذه الحال بعلاج نظم هذه الشركات، ووجوب قناعتها باليسير من الربح، واتفقنا أخيرا على أن يبقى الأستاذ فرغلي شهرين حيث هو، وأن تقوم الشركة بتكريمه عند انتهاء هذه المدة، وأن تطلب رسميا من الإخوان أن يحل محله واحد من المشايخ، وأن تضاعف للشيخ الجديد راتبه، وتعني بمسكنه ومطالبه، وفي نهاية المدة عاد فضيلة الشيخ فرغلي وتسلم مكانه فضيلة الأستاذ شافعي أحمد واستمرت الدعوة تشق طريقها في هذه الصحراء مجراها ومرساها" (١). المسلم عالي الهمة لا يطلب مالا من أحد وإنما يعتز بنفسه، ويسعى لنشر دعوة الإسلام في كل مكان. الإيمان وعلو الهمة يقول القرضاوي: الإيمان هو قوة الخلق، وخلق القوة، وروح الحياة، وحياة الروح، وسر العالم، وعالم الأسرار، وجمال الدنيا، ودنيا الجمال، نور الطريق، وطريق النور. الإيمان هو واحة المسافر ونجم الملاح، ودليل الحيران، وعدة الحارب، ورفيق الغريب، وأنيس المستوحش، ولجام القوي، وقوة الضعيف. الإيمان هو مصنع البطولات، وتحقق المعجزات، ومفتاح المغاليق، ومنارة الهدى في كل طريق (٢). ...

стр. 190

طلب العلم يحث الإسلام على العلم، يقول تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. وقال رسول الله ﷺ :"فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي" الترمذي، وقال ﷺ : "فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب" الترمذي. قال علي بن أبي طالب ﵁: العلم خير من المال؛ العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والعلم حاكم والمال محكوم عليه، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو بالإنفاق. ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم ... على الهدى لمن استهدى أدلاء وقدر كل امرئ ما كان يحسنه ... والجاهلون لأهل العلم أعداء ففز بعلم تعش حيًا به أبدا ... الناس موتى وأهل العلم أحياء قال أبو الأسود: ليس شيء أعز من العلم، الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك. ثماني مسائل روى عن حاتم الأصم -تلميذ شقيق البلخي- أنه قال له شقيق: منذ كم صحبتني؟ قال حاتم: منذ ثلاث وثلاثين سنة. قال: فما تعلمت مني في هذه المدة؟ قال: ثماني مسائل. قال شقيق له: إنا لله وإنا إليه راجعون! ذهب عمري معك ولم تتعلم إلا ثماني مسائل؟!

стр. 191

قال: يا أستاذ لم أتعلم غيرها، وإني لا أحب أن أكذب. فقال: هات هذه الثماني مسائل حتى أسمعها. قال حاتم: نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد يحب محبوبا هو مع محبوبه إلى القبر، فإذا وصل إلى القبر فارقه، فجعلت الحسنات محبوبي، فإذا دخلت القبر دخل محبوبي معي. فقال: أحسنت يا حاتم فما الثانية؟ فقال: نظرت في قول الله : ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١] فعلمت أن قوله سبحانه تعالى هو الحق فأجهدت نفسي في دفع الهوى حتى استقرت على طاعة الله تعالى. الثالثة: أني نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل من معه شيء له قيمة ومقدار رفعه وحفظه، ثم نظرت إلى قوله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦] فكلما وقع معي شيء له قيمة ومقدار وجهته لله ليبقى عندي محفوظا. الرابعة: أني نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد منهم يرجع إلى المال وإلى الحسب والشرف والنسب، فنظرت فيها فإذا هي لا شيء ثم نظرت إلى قول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] فعملت في التقوى حتى أكون عند الله كريما. الخامسة: أني نظرت إلى هذا الخلق يطعن بعضهم في بعض ويلعن بعضهم بعضا وأصل هذا كله الحسد، ثم نظرت إلى قوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣٢] فتركت الحسد واجتنبت الخلق وعلمت أن القسمة من عند الله فتركت عداوة الخلق عني. السادسة: نظرت إلى هذا الخلق يبغي بعضهم على بعض ويقاتل بعضهم بعضا فرجعت إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] فعاديته وحده واجتهدت في أخذ حذري منه لأن الله تعالى شهد عليه أنه عدو فتركت عداوة الخلق غيره. السابعة: نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد منهم يطلب هذه الكسرة فيذل فيها نفسه، ويدخل فيها ما لا يحل له ثم نظرت إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى

стр. 192

اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] فعلمت أني واحد من هذه الدواب التي على الله رزقها، فاشتغلت بما لله تعالى عليّ وتركت مالي عنده. الثامنة: نظرت إلى هذا الخلق فرأيتهم كلهم متوكلين على مخلوق؛ هذا على عقاره، وهذا على تجارته، وهذا على صناعته، وهذا على صحة بدنه، وكل مخلوق متوكل على مخلوق مثله، فرجعت إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] فتوكلت على الله فهو حسبي. أهمية اللغة العربية قيل إن أبا الأسود الدؤلي دخل على ابنته يوما، فقالت له: ما أحسنُ السماء -بضم النون- فظن أنها تسأل. فقال لها: نجومها. فقالت له: أنا لا أسأل ولكني أريد أن السماء حسنة. فقال لها: إذن فقولي: ما أحسنَ السماء -بفتح النون- ثم انصرف إلى الإمام علي كرم الله وجهه فقال له: لقد فسد لسان العرب، وقص عليه القصة. فأمره أن يضع علم النحو، وأول باب وضعه هو باب التعجب، ثم أتبعه بكثير من الأبواب سدا لما كان يسمع من الخطأ. وقيل إنه قال لأبي الأسود حين جاءه يخبره بفساد لسان العرب: الكلمة اسم وفعل وحرف، وعلى هذا فانح يا أبا الأسود، فسمى هذا العلم نحوا لهذه الكلمة. تخير العلوم يقول أبو حنيفة: لما أردت طلب العلم جعلت أتخير العلوم وأسأل عن عواقبها، فقيل لي: تعلم القرآن، فقلت: إذا تعلمت القرآن وحفظته فما يكون آخره؟ قالوا: تجلس في المسجد ويقرأ عليك الصبيان والأحداث، ثم لا تلبث أن يخرج فيهم من هو أحفظ منك أو يساويك في الحفظ، فتذهب رياستك. ثم خطر لي أن أتعلم الحديث.

стр. 193

فقلت: فإن سمعت الحديث وكتبته حتى لم يكن في الدنيا أحفظ مني فماذا يكون؟ قالوا: إذا كبرت وضعفت حدثت واجتمع عليك الأحداث والصبيان، فلا تأمن أن تغلط فيرموك بالكذب فيصير عارا عليك في عقبك. فقلت: لا حاجة لي في هذا، قال أبو حنيفة: فقلت: أتعلم النحو، فقلت: إذا حفظت النحو والعربية ما يكون من آخر أمري؟ قالوا: تقعد معلما، فأكثر رزقك ديناران إلى ثلاثة، وهذا لا عاقبة له. قال: فقلت: أنظر في الشعر. فإن نظرت في الشعر حتى لم يكن أحد أشعر مني ماذا يكون من أمري؟ قالوا: تمدح هذا فيهيب لك، أو يحملك على دابة، أو يخلع عليك خلعة، وإن حرمك هجوته فصرت تقذف المحصنات، قلت: لا حاجة لي في هذا. قلت: فإن نظرت في الكلام ماذا يكون آخره؟ قالوا: لا يسلم من نظر في الكلام من مشعات الكلام فيرمي بالزندقة، فإما أن تؤخذ فتقتل وإما أن تسلم فتكون مذموما ملوما. قال أبو حنيفة: فقلت: فإن تعلمت الفقه، فماذا يكون من أمري؟ قالوا: تُسال تفتي وتطلب للقضاء وإن كنت شابا. قال: فقلت: ليس في العلوم شيء أنفع من هذا، فلزمت الفقه وتعلمته. طلب العلم قال أبو يوسف القاضي: توفي أبي وخلفني صغيرا في حجر أمي، فأسلمتني إلى قصار (يقصر الثوب) أخدمه، فكنت أدع القصار وأمر إلى حلقة أبي حنيفة فأجلس وأسمع، فكانت أم تجيء خلفي إلى الحلقة فتأخذ بيدي فتذهب بي إلى القصار، وكان أبو حنيفة يعنى بي لما يرى من حضوري وحرصي على التعلم، فلما كثر على أمي وطال عليها هربي قالت لأبي حنيفة: ما لهذا الصبي فساد غيرك، هذا صبي يتيم لا شيء له، وإنما أطعمه من مغزلي، وآمل أن يكسب دانقا يعود به على نفسه.

стр. 194

فقال لها أبو حنيفة: مري يا رعناء، هذا هو ذا يتعلم أكل الفلوذج بدهن الفستق، فانصرفت عنه، وقالت له: أنت شيخ قد خرفت وذهب عقلك. قال أبو يوسف: ثم لزمته فنفعني الله تعالى بالعلم، ورفعني حتى تقلدت القضاء وكنت أجالس الرشيد وآكل معه على مائدته، فلما كان في بعض الأيام قدم إلي هارون الرشيد فالوذجة، فقال لي: يا يعقوب كل منها، فليس في كل يوم يعمل لنا مثلها. فقلت: وما هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذه فالوذجة بدهن الفستق، فضحكت، فقال لي: مم ضحكك؟ فقلت: خيرا يا أمير المؤمنين. قال: لتخبرني، وألح علي، فأخبرته بالقصة من أولها إلى آخرها فتعجب من ذلك وقال: لعمري إن العلم لينفع دنيا ودينا، وترحم على أبي حنيفة وقال: كان ينظر بعين عقله ما لا ينظره بعين رأسه. كيف تحفظ العلم ؟ يقول ابن الجوزي: تقليل المحفوظ مع الدوام أصل عظيم، وألا يشرع في فن حتى يحكم ما قبله، ومن لم يجد نشاطا للحفظ فليتركه، فإن مكابرة النفس لا تصلح، وإصلاح المزاج من الأصول العظيمة، فإن للمأكولات أثرا في الحفظ. قال الزهري: ما أكلت خلا منذ عالجت الحفظ. وقيل لأبي حنيفة: بم يستعان على حفظ الفقه؟ قال: بجمع الهم. وقال حماد بن سلمة: بقلة الغم. وقال مكحول: من نظف ثوبه قل همه، ومن طاب ريحه زاد عقله، ومن جمع بينهما زادت مروءته. وقال الحسن البصري: العامل على غير علم كالسالك على غير طريق، وجاء في الأثر: "من سلك طريقا بغير دليل ضل، ومن تمسك بغير أصل زل".

стр. 195

علم بلا عمل المسكين كل المسكين من ضاع عمره في علم لم يعمل به، ففاتته لذات الدنيا وخبرات الآخرين فقدم مفلسا على قوة الحجة عليه. أحب الصالحين أحب الصالحين ولست منهم ... لعلي أن أنال بهم شفاعة وأكره من تجارته المعاصي ... ولو كنا سواء في البضاعة (١) وقال شهر بن حوشب: إذا حدث الرجل القوم، فإن حديثه يقع من قلوبهم موقعه من قلبه. وسئل الحسن البصري: ما بالنا نعظ الناس فنبكيهم، وأنت تعظ الناس فتبكي؟ فقال: ليست النائحة كالثكلى. وجاء في مأثور الحكم: زلة العالم كالسفينة، تغرق ويغرق معها خلق كثير (٢). كيف ينال العلم أخي لن تنال العلم إلا بستة ... سأنبيك عن تفصيلها ببيان ذكاء، وحرص، واجتهاد، وبلغة ... وصحبة أستاذ، وطول زمان (٣) شهوة العلم هذا الشافعي يقال له: كيف شهوتك للعلم؟ فيقول: سامع بالحرف -أي بالكلمة- بما لم أسمعه، فتود أعضائي أن لها أسماعا تنعم به كما تنعمت الأذان. فقيل له: كيف حرصك عليه؟ فقال: حرص الجموع المنوع في بلوغ لذاته للمال.

стр. 196

فقيل له: فكيف طلبك له؟ فقال: طلب المرأة المضلة ولدها ليس غيره (١). الكتاب خير جليس الكتاب هو الجليس الذي لا يطريك، والصديق الذي لا يغريك، والرفيق الذي لا يملك، والمستميح الذي لا يسترثيك، والجار الذي لا يستبطيك، والصاحب الذي لا يعاملك بالمكر، ولا يخدعك بالنفاق، ولا يحتال لك بالكذب، والكتاب هو الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك، وشحذ طباعك، وبسط لسانك، وجود بنانك، وفخم ألفاظك (٢). المداومة على طلب العلم من تفرس أبي حنيفة في أبي يوسف -تلميذه- عندما مرض أبو يوسف مرضا خيف عليه منه، فعاده أبو حنيفة فلما خرج من عنده وضع يديه على عتبة بابه وقال: إن يمت هذا الفتى فإنه أعلم من عليها. وأومأ إلى الأرض. وقد أغرت هذه التزكية أبا يوسف في أن يتخذ لنفسه مجلسا مستقلا بعد مرضه .. ولكن أبا حنيفة كان حريصا على ملازمته فرده إلى الحلقة بسياسة حكيمة. عقد أبو يوسف لنفسه حلقة خاصة ونظر أبو حنيفة فإذا بتلميذه الذي أمله للناس من بعده يتعجل ذلك اليوم وها هو ذا يجلس قريبا منه في مسجد الكوفة متصدرا حلقة من الحلقات. ولم يحسده أبو حنيفة على ذلك، ولم تدخل نفسه الغيرة من تلميذه، ولكن داخلها شيء آخر، هو خشيته على هذا التلميذ من الفشل، لأنه ما زال أمامه وقت للتخرج .. إن التطلع للرياسة قبل الأوان ابتسار للثمرة قبل نضجها، ولقد خاض أبو حنيفة نفسه هذه التجربة قديما حين حدثته نفسه ذات يوم أن يستقل عن شيخه حماد، ومنعه الحياء من ذلك، ثم أنابه شيخه عنه في أثناء سفر مفاجيء له، فلما عاد شيخه عرض عليه المسائل التي سئل فيها وكيف أجاب عنها، فإذا به يوافقه في كثير منها ويخالفه في بعضها، فأدرك

стр. 197

أنه أحسن صنعا حين لم يستقل بنفسه. تذكر أبو حنيفة ذلك فأشفق على تلميذه وعزم على أن يرده إلى الحلقة حبا له وإشفاقا عليه، لا حسدا له وغيرة منه. ولكن كيف يرده؟ لابد من إعمال الحيلة، ولن يعدمها أبو حنيفة وهو صاحب الذكاء المشهور. استدعى أحد المتحلقين حوله، وألقى إليه سؤالا وطلب منه أن يوجهه إلى أبي يوسف، قال له: قل ليعقوب: ما رأيك في رجل دفع إلى قصار ثوبا ليقصره له بدرهم، فعاد إليه بعد أيام يطلب الثوب فجحده، ثم إن صاحب الثوب عاد بعد أيام يطلب الثوب مرة أخرى فرده عليه مقصورا، فهل له من أجر؟ إن قال لك: له أجر فقل له: أخطأت، وإن قال: ليس له أجر فقل له: أخطأت .. وتوجه الفتى إلى أبي يوسف وألقى عليه السؤال. فقال أبو يوسف: له أجر. فقال له: أخطأت. فقال أبو يوسف: ليس له أجر. فقال له الفتى: أخطأت، وعاد الفتى إلى حلقة أبي حنيفة بعد أن أنهى مهمته، وأنهى إلى أستاذه جواب أبي يوسف، ونظر أبو يوسف فعلم أنه حار في مسألة كان المفروض ألا يحار فيها .. وهي مسألة يسيرة هينة، فكيف لو ألقى عليه من عويص المسائل، فطوى مجلسه المستقل، وعاد إلى مجلس أبي حنيفة تائبا مستغفرا، قال له أبو حنيفة: أظن ما جاء بك إلا مسألة القصار؟ قال أبو يوسف: نعم. فقال أبو حنيفة: من يجلس في مجلس الإفتاء فلا ينبغي له أن يعجز في الإجابة عن أقل مسألة. فقال أبو يوسف: إني تائب فعلمني. قال أبو حنيفة: إن كان قصره بعدما غصبه فلا أجرة له، لأنه قصره لنفسه، وإن كان قصره قبل أن يغصبه فله الأجرة لأنه قصره لصاحبه، يا أبا يوسف، من ظن أنه يستطيع

стр. 198

أن يستغني عن العلم فليبك على نفسه، ومن ظن أنه علم فقد جهل (١). ويقال إن سقراط قال: لقد علمت شيئا واحدا وهو أنني لا أعلم شيئا. ومن كلام أبي يوسف: العلم شيء لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك. فطنة العالم حلف هارون الرشيد على زوجته ألا تبيت ليلتها في بلد يدخل في ولايته، كان واقعا تحت تأثير ثورة غضب بعد خلاف نشب بينهما، وأسقط في يد هارون الرشيد بعد أن هدأت ثورة غضبه وأدرك أن الطلاق كائن لا محالة، ولكنه سرعان ما استنجد بقاضيه فأسرع في استدعائه، وجاء أبو يوسف متعجلا يلي طلب الخليفة وهو لا يعرف فيم استدعاه، وقص هارون على أبي يوسف قصة اليمين، وما أسرع أن حل أبو يوسف المشكلة دون عناء، لقد قال فورا: فلتذهب زوجة الخليفة إلى المسجد لتبيت فيه. إن المسجد هو المكان الوحيد الذي لا يقع تحت ولاية الخليفة -مع امتداد رقعة الملك في ذلك الوقت- حتى لقد كان هارون ينظر إلى السحابة تمر فيقول لها: أمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك. وذهبت زوجة الخليفة إلى المسجد وقضت فيه ليلتها ولم يحنث الخليفة في يمينه، ولم يقع الطلاق، ولم تتأثر كرامة الزوجة، لأنها قضت ليلتها في ضيافة الرحمن في بيته، وكانت فرصة طيبة لتقوم ليلتها تشكر الله على نعمه، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]. نماذج فريدة معاصرة كان الإمام البنا يحفظ ١٨ ألف بيت شعر ومثلها من النثر. ويقول عمر التلمساني: أقبلت على القراءة الدينية، فقرأت تفسير الزمخشري، وابن كثير، والقرطبي، وسيرة ابن هشام، وغيرها من السير، وقرأت أسد الغابة، والطبقات الكبرى، ونهج البلاغة والأمالي والعقد الفريد لابن عبد ربه، والمخصص لابن سيده،

стр. 199

وصحيح البخاري، وصحيح مسلم من جلده إلى جلده. الاستقامة في طلب العلم قال القاضي عياض: لما أتيت الكوفة، وأكثر أملي السماع من سليمان بن مهران الأعمش فسألت عنه، فقيل لي: غضب على أصحاب الحديث، فحلف ألا يسمعهم مدة، فكنت أختلف إلى باب داره، لعلي أصل إليه، فلم أقدر على ذلك، فجلست يوما على بابه، وأنا متفكر في غربتي وما حرمته من السماع منه، إذ فتحت جارية بابه يوما وخرجت منه، فقالت لي: ما بالك على بابنا؟ فقلت: أنا رجل غريب، وأعلمتها بخبري. قالت: وأين بلدكم؟ قلت: إفريقية، فانشرحت إلي، وقالت: تعرف القيروان؟ قلت: أنا من أهلها. قالت: تعرف دار ابن فروخ؟ قلت: أنا هو؟! فتأملتني، ثم قالت: عبد الله؟ قلت: نعم، وإذا هي جارية كانت لنا، بعناها صغيرة، فسارعت إلى الأعمش، وقالت له: إن مولاي الذي كنت أخبرك بخبره (بالباب) فأمرها بإدخالي، فدخلت وأسكنني قبالة بيته، فسمعت منه وحدثني، وقد حرم سائر الناس إلى أن قضيت أربي منه. زد من الضرب ها هو شيخ البخاري وأبي داود (هشام بن عمار) قال الحافظ جزرة: سمعت هشام ابن عمار يقول: دخلت على مالك بن أنس، فقلت له: حدثني، فقال: اقرأ، فقلت: لا، بل حدثني، فقال: اقرأ، فلما راددته، قال: يا غلام، تعال اذهب بهذا فاضربه خمس عشرة، قال: فذهب بي، فضربني خمس عشرة درة، ثم جاء بي إليه، فقال: قد ضربته، فقلت: قد ظلمتني، ضربتني خمس عشرة درة بغير جرم، لا أجعلك في حل. فقال مالك: فما كفارته؟

стр. 200

قلت: كفارته أن تحدثني بخمسة عشر حديثا. قال: فحدثني بخمسة عشر حديثا، فقلت له: زد من الضرب، وزد من الحديث، فضحك مالك، وقال: اذهب. هذا والله الملك قال الإمام الذهبي عن عبد الله بن المبارك: طلب العلم وهو ابن عشرين سنة، فأقدم شيخ لقيه هو الربيع بن أنس الخراساني، تحيل ودخل إليه السجن، فسمع منه نحوا من أربعين حديثا، ثم ارتحل في سنة إحدى وأربعين ومائة، وأخذ عن بقايا التابعين، وأكثر من الترحال والتطواف وإلى أن مات في طلب العلم، وفي الغزو، وفي التجارة، والإنفاق على الإخوان في الله وتجهيزهم معه إلى الحج. صبرهم على الجوع من أجل العلم قال الوخشي أبو علي الحسن: كنت بعسقلان أسمع من ابن مصحح وغيره، فضاقت على النفقة، وبقيت أياما بلا أكل، فأخذت لأكتب فعجزت، فذهبت إلى دكان خباز، وقعدت بقربه لأشم رائحة الخبز وأتقوى بها، ثم فتح الله تعالى عليَّ. لا يستطاع العلم براحة الجسد قال الحافظ بن عبد الرحمن بن أبي حاتم صاحب الجرح والتعديل: كنا بمصر سبعة أشهر، لم نأكل فيها مرقة، كل نهارنا مقسم لمجالس الشيوخ، وبالليل: النسخ والمقابلة قال: فأتينا يوما أنا ورفيق لي شيخا، فقالوا: هو عليل، فرأينا في طريقنا سمكا أعجبنا، فاشتريناه، فلما صرنا إلى البيت، حضر وقت مجلس، فلم يمكننا إصلاحه، ومضينا إلى المجلس، فلم نزل حتى أتى عليه ثلاثة أيام، وكاد يتغير فأكلناه نيئا، لم يكن لنا فراغ أن نعطيه من يشويه .. ثم قال: لا يستطاع العلم براحة الجسد. العمل بالعلم يقول سفيان بن عيينة: إن أنا عملت بما أعلم فأنا أعلم الناس، وإن لم أعمل بما أعلم فليس في الدنيا أحد أجهل مني.

стр. 201

ويقول الفضيل بن عياض: لا يزال العالم جاهلا بما علم حتى يعمل به، فإذا عمل به كان عالما. ويقول الشافعي: ليس العلم ما حُفظ .. العلم ما نفع. ويقول محمد بن الحسن الوراق: إذا أنت لم ينفعك علمك لم تجد ... لعلمك مخلوقا من الناس يقبله وإن زانك العلم الذي قد حملته ... وجدت له من يجتنيه ويحمله ويقول ابن القيم: علماء السوء جلسوا على باب الجنة، يدعون إليها الناس بأقوالهم، ويدعونهم إلى النار بأفعالهم، فكلما قالت أقوالهم للناس: هلموا، قالت أفعالهم: لا تسمعوا منهم، فلو كان ما دعوا إليه حقا كانوا أول المستجيبين له، فهم في الصورة أدلاء، وفي الحقيقة قطاع طرق. ويقول علي بن أبي طالب: هتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل. ويقول سيدنا عيسى: من عمل بما يعلم ورثه الله علم ما لم يعلم. حفظ العلوم يقول الأعشى: احفظوا ما جمعتم، فإن الذي يجمع ولا يحفظ كالرجل كان جالسا على خوان"مائدة طعام" يأخذ لقمة لقمة، فينبذها وراء ظهره، فمتى تراه يشبع؟ ويقول الشافعي: علمي معي حيثما يممت ينفعني ... قلبي وعاء له لا بطن صندوق إن كنت في البيت كان العلم فيه معي ... أو كنت في السوق كان العلم في السوق (١) وكان أبو حامد الغزالي عائدا من رحلته العلمية في جرجان، وكان نتاج رحلته مجموعة كراريس سماها "التعليقة" حوت مجموع الفوائد التي سجلها الإمام عن أستاذه، وفي الطريق حين عودته إلى بلدة طوس خرج عليه قطاع الطريق هو ومن معه، فأخذوا جميع ما في القافلة، بما في ذلك تعليقة الشيخ.

стр. 202

ويقول أبو حامد الغزالي: فتبعتهم فالتفت إلى كبيرهم، وقال: ويحك ارجع، وإلا هلكت، فقلت: أسألك بالذي ترجو السلامة منه أن ترد على تعليقتي فقط، فما هي بشيء تنتفعون به، فقال لي: وما هي تعليقتك؟ قلت: كتب في مخلاة هاجرت لسماعها وكتابتها ومعرفة علمها، فضحك وقال: كيف تدعي أنك عرفت علمها وقد أخذناها منك فتجردت من معرفتها وبقيت بلا علم؟ ثم أمر بعض أصحابه فسلم إلى المخلاة. قال أبو حامد: فقلت: هذا مستنطق أنطقه الله ليرشدني به أمري، فلما وافيت طوس أقبلت على الاشتغال ثلاث سنين حتى حفظت جميع ما علقته، وصرت بحيث لو قطع علي الطريق لم أتجرد من علمي. نتيجة الفهم الصحيح والثقافة الواعية يحكي الإمام ابن القيم عن فقه الإمام ابن تيمية العميق للإسلام في ترتيب الأولويات فيقول: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء تصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم (١). ولما فتح الله مكة وصارت دار إسلام عزم الرسول على تغيير البيت ورده إلى قواعد إبراهيم، ومنعه من ذلك مع قدرته عليه خشية وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك لقرب عهدهم بالإسلام وكونهم حديثي عهد بكفر. فقال الرسول للسيدة عائشة: "يا عائشة لولا قومك حديث عهدهم -قال ابن الزبير: بكفر- لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين: باب يدخل الناس، وباب يخرجون" [البخاري]. وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله: "باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه". السعادة كان عبد البديع صقر كثيرا ما يجتمع مع أضرابه وإخوانه في بيت الإمام حسن البنا -عليه رحمة الله- لتدارس بعض الكتب في التفسير والسلوك، ككتاب إحياء علوم الدين

стр. 203

مثلا، وكانوا في حدود الأربعين من الأشخاص، فيدركهم الجوع، فيطعمهم جميعا طعاما بسيطا "على ما قسم الله" وأحيانا ينسى الإمام أن يجهز لهم شيئا فيقول: "اذهبوا إلى المطبخ فكلوا ما وجدتم أو اصبروا" فكانوا في نشوة الفرح باللقاء والمشغلة بالعلم النافع لا يقيمون وزنا لهذه الاعتبارات، ويتقاسمون الرغيف اليابس وهم في غاية السعادة (١). من نماذج العلماء يقول البخاري عن نفسه: لقيت أكثر من ألف رجل، لأهل الحجاز والعراق والشام ومصر، ولقيتهم مرات، أهل الشام ومصر مرتين والجزيرة مرتين، وأهل البصرة أربع مرات، ومكثت بالحجاز ستة أعوام، ولا أحصي كم دخلت الكوفة وبغداد مع محدثي خراسان. وكتب البخاري الحديث وسمعه عن ألف وثمانين من الشيوخ وحفاظ الحديث (٢). وعن عيسى الخياط عن الشعبي قال: لو أن رجلا سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن فحفظ كلمة تنفعه فيما يستقبله من عمره رأيت أن سفره لم يضع. وقال الشعبي: العلم كثر من عدد القطر فخذ من كل شيء أحسنه. وكان عبد الله بن المبارك يكثر الجلوس في بيته فقيل له: ألا تستوحش؟ فقال: كيف أستوحش وأنا مع النبي. وقال شقيق بن إيراهيم: قيل لابن المبارك: إذا صليت معنا لم تجلس معنا؟ قال: أذهب أجلس مع الصحابة والتابعين. قلنا له: ومن أين الصحابة والتابعون؟ قال: أذهب أنظر في علمي فأدرك آثارهم وأعمالهم، ما أصنع معكم؟ أنتم تغتابون الناس. وقيل لعبد الله بن المبارك: يا أبا عبد الرحمن، إلى متى تكتب هذا الحديث؟ فقال: لعل الكلمة التي أنتفع بها ما كُتبت.

стр. 204

وقال مرداد بن جميل: سأل عمرو بن إسماعيل -رجل من أصحاب الحديث- المعافي بن عمران فقال له: يا أبا عمران، أي شيء أحب إليك؟ أسهر وأصلي، أو أكتب الحديث؟ فقال: كتابة حديث واحد أحب إلي من صلاة ليلة. الفتوى عن نافع أن رجلا سأل ابن عمر في مسألة، فطأطأ رأسه ولم يجبه، حتى ظن الناس أنه لم يسمع مسألته، فقال له: يرحمك الله أما سمعت مسألتي؟ قال: بلى، ولكنكم كأنكم ترون أن الله تعالى ليس بسائلنا عما تسألونا عنه، اتركنا رحمك الله حتى نتفهم مسألتك، فإن كان لها جواب عندنا وإلا أعلمناك أنه لا علم لنا به. اطلبوا العلم عن معاوية بن قرة قال: قال أبو الدرداء: اطلبوا العلم، فإن عجزتم فأحبوا أهله، فإن لم تحبوهم فلا تبغضوهم. وعن أنس، عن أبي الدرداء قال: اغد عالما أو متعلما أو مستمعا ولا تكن الرابع فتهلك، قلت للحسن: ما الرابع؟ قال: المبتدع. وقال هارون بن سفيان: سمعت عبيد الله بن عمر القواريري يقول: أملى علي عبد الرحمن بن المهدي عشرين ألف حديث حفظا. ويقول ابن الجوزي: لقد كنت في حلاوة طلبي العلم ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى من العسل لأجل ما أطلب وأرجو، كنت في زمان الصبا آخذ معي أرغفة يابسة فأخرج في طلب الحديث، وأقعد على نهر عيسى فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء، فكلما أكلت لقمة شربت عليها الماء، وعين همتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم، فأثمر ذلك عندي أني عرفت بكثرة سماعي لحديث رسول الله وأحواله وآدابه، وأحوال أصحابه وتابعيهم، فصرت في معرفة طريقهم كابن أجود. إذا كان يؤذيك حر المصيف ... ويبس الخريف وبرد الشتا

стр. 205

ويلهيك حسن زمان الربيع ... فأخذك للعلم قل لي متى؟ لو عشت مثلا ٧٠ سنة وضاعت منك كل يوم ٥ دقائق ضاع منك ٣ أشهر، وإذا ضيعت عشر دقائق ضاع من حياتك ٦ أشهر، وإذا ضيعت ٢٥ دقيقة ضاعت منك سنة كاملة. هكذا يطلب العلم يحكى أن أحد أبناء الخليفة المهدي دخل على شريك، فجلس يستمع إلى دروس العلم التي يلقيها شريك، وأراد أن يسأل سؤالا، فسأله وهو مستند على الحائط وكأنه لا يحترم مجلس العلم، فلم يلتفت إليه شريك، فأعاد الأمير السؤال مرة أخرى، لكنه لم يلتفت إليه وأعرض عنه، فقال له الحاضرون: كأنك تستخف بأولاد الخليفة، ولا تقدرهم حق قدرهم؟ فقال شريك: لا، ولكن العلم أزين عند أهله من أن يضيعوه، فما كان من ابن الخليفة إلا أن جلس على ركبتيه ثم سأله، فقال شريك: هكذا يطلب العلم. وكان الطبري عالي الهمة، عظيم الاجتهاد، ومما يحكى عنه أن رجلا جاءه يسأله في العروض، وهو علم يعرف به الشعر من (النثر)، ولم يكن الطبري له إلمام كبير بهذا العلم فقال له: على قول ألا أتكلم اليوم في شيء من العروض، فإذا كان في غد فتعال إلي، ثم طلب أبو جعفر كتاب العروض فتدارسه في ليلته، وقال: أمسيت غير عروضي وأصبحت عروضيا. وظل الطبري أربعين عاما يكتب كل يوم أربعين ورقة، قاصدا بذلك وجه الله، بما ينفع به الإسلام والمسلمين. ولما ترك الألوسي منصب الإفتاء بالعراق، تفرغ لتفسير القرآن الكريم، وتعلقت نفسه رغبة لإتمام هذا العمل، فكان في أحيان كثيرة يقوم من نومه، ويترك فراشه حين يخطر بذهنه معنى جديد لم يذكره المفسرون السابقون عليه، ولا يهدأ له بال حتى يسجل خواطر في كراريسه، وعندئذ يعود إليه الهدوء، ويزول عنه القلق والتوتر، ويذهب إلى فراشه حيث يستسلم للنوم. وكان عبد الله بن المبارك سريع الحفظ، لا ينسى ما حفظه أبدا، يحكى أحد أقربائه

стр. 206

-واسمه صخر بن المبارك- عن ذلك فيقول: "كنا غلمانا في الكتاب، فمررت أنا وابن المبارك برجل يخطب، فطالت خطبته، فلما انتهى قال لي ابن المبارك: قد حفظتها فقلت له: فأعدها علي إن كنت حفظتها كما تدعي، فأعادها عليه ابن المبارك وقد حفظها ولم يخطيء في لفظ منها. ومن وصايا لقمان الحكيم: يا بني اختر المجالس على عينك، وإذا رأيت قوما يذكرون الله فاجلس معهم، فإنك إن تكن عالما نفعك علمك، وإن تكن جاهلا يعلموك، ولعل الله أن يطلع عليهم برحمة فيصيبك بها معهم، وإذا رأيت قوما لا يذكرون الله فلا تجلس معهم، فإنك إن تكن عالما لا ينفعك علمك، وإن تكن جاهلا زادك الله غيا -أو عيا- ولعل الله أن يطلع عليهم بعذاب فيصيبك معهم. (الدارمي). وكان الرشيد معجبا بذكاء ابنه وانصرافه إلى العلم، فحين دخل على المأمون، وهو ينظر في كتاب، قال له: ما هذا؟ فأجاب المأمون: كتاب يشحذ فكرة، ويحسن العشرة. فقال الرشيد: الحمد لله الذي رزقني من يرى بعين قلبه أكثر مما يرى بعين جسمه. ويحكى أن الرشيد أراد الحج فدخل الكوفة وطلب المحدثين علماء الحديث فلم يتخلف إلا عبد الله بن إدريس، وعيسى بن يونس، فبعث إليهما الأمين والمأمون، فحدثهما ابن إدريس بمائة حديث، فقال المأمون: يا عم أتاذن لي أن أعيدها من حفظي؟ فأداها فعجب ابن إدريس من حفظه. الذكاء والعلم جاءت امرأة إلى المأمون، وقالت له: مات أخي، وترك ستمائة دينار، فأعطوني دينارا واحدا، وقالوا: هذا ميراثك من أخيك. ففكر المأمون وقال: أخوك ترك أربع بنات؟ قالت: نعم. قال: لهن أربعمائة دينار (ثلثا الميراث).

стр. 207

قالت: نعم. قال: ترك أمًا، فلها مائة دينار (سدس الميراث) وزوجة لها خمسة وسبعون دينارا (ثمن الميراث) بالله ألك اثنا عشر أخا؟ قالت: نعم. قال: لكل واحد ديناران، ولك دينار. ويقول أحد التلاميذ: ترددت على مجلس الحسن عشر سنين، فليس من يوم إلا وأسمع منه ما لم أسمع قبل ذلك. وكان الحسن البصري يبكي كثيرا ولما سئل عن ذلك قال: نضحك ولا ندري لعل الله قد اطلع على أعمالنا، فقال: لا أقبل منكم شيئا. وقال الحسن البصري ناصحا تلميذا له: إذا جالست العلماء فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول، وتعلم حسن الاستماع تتعلم حسن الصمت، ولا تقطع على أحد حديثه وإن طال حتى يمسك. وقال سحنون: لا يصلح العلم لمن يأكل حتى يشبع، ولا لمن يهتم بغسل ثوبه. وقال الربيع: لم أر الشافعي آكلا بالنهار، ولا نائما بليل، لاهتمامه بالتصنيف. يقول الشافعي: لا يدرك الحكم في عمره ... من يكدح في مصلحة الأهل ولا ينال العلم إلا فتى ... خال من الأفكار والشغل لو أن لقمان الحكيم الذي ... سارت به الركبان بالفضل بلي بفقر وعيال لما ... فرق بين التبن والبقل (١) ويقول الشافعي: لو كلِفت شراء بصلة لما فهمت مسألة.

стр. 208

وعن جعفر بن محمد قال: رواية الحديث وبثه في الناس أفضل من عبادة ألف عابد. وقال عبد الله بن عباس: معلم الخير يستغفر له كل شيء حتى الحوت في البحر. وقال سلمان: إنما مثل العالم مثل رجل حمل سراجا في طريق مظلم يستضيء به من به، وكل يدعو له بالخير. ويروى أن فقيها أعاد الدرس في بيته مرارًا كثيرة فقالت له عجوز في بيت: قد -والله- حفظته أنا. فقال: أعيديه، فأعادته، فلما كان بعد أيام، قال: يا عجوز أعيدي ذلك الدرس. فقالت: ما أحفظه. قال: أنا أكرر عند الحفظ لئلا يصيبني ما أصابك. أ- حسن النية: قال ابن عباس: إنما يحفظ الرجل على قدر نيته. ب- إحياء المحفوظ بالعمل به: قال بعض السلف: كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به. ج- التخلي عن المعاصي: قال الشافعي: شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نور ... ونور الله لا يهدى لعاصي وقال مالك بن أنس: ليس العلم بكثرة الرواية وإنما هو نور يضعه الله في القلب. وعن ابن مهدي قال: سأل رجل مالكا عن مسألة فقال: لا أحسنها، فقال الرجل: إني ضربت إليك من كذا وكذا لأسالك عنها، فقال له مالك: فإذا رجعت إلى مكانك وموضعك فأخبرهم أني قلت لك: لا أحسنها. وقال أبو هريرة: إنكم تقولون: ما بال المهاجرين لا يحدثون عن رسول الله بهذه

стр. 209

الأحاديث؟ وما بال الأنصار لا يحدثون بهذه الأحاديث؟ وإن أصحابي من المهاجرين كانت تشغلهم صفقاتهم في الأسواق، وإن أصحابي من الأنصار كانت تشغلهم أرضوهم والقيام عليها وإني كنت امرأ معتكفا وكنت أكثر مجالسة رسول الله، أحضر إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا، وإن النبي حدثنا يوما فقال:"من يبسط ثوبه حتى أفرغ من حديثي ثم يقبضه إليه فإنه ليس ينسى شيئا مني أبدا" فبسطت ثوبي. ثم حدثنا فقبضته إلي، فوالله ما نسيت شيئًا سمعته منه، وايم الله لولا آية من كتاب الله ما حدثتكم بشيء أبدا ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩]. [متفق عليه]. ويقول الشافعي: تعلم فليس المرء يولد عالما ... وليس أخو علم كمن هو جاهل وإن كبير القوم لا علم عنده ... صغير إذا التفت عليه الجحافل وإن صغير القوم إن كان عالما ... كبير إذا ردت إليه المحافل (١) وقال سعيد بن المسيب: إن كنت لأسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد (٢). وقال أحمد بن حنبل: رحلت في طلب العلم والسنة إلى الثغور، والشامات، والسواحل، والمغرب، والجزائر، ومكة، والمدينة، والحجاز، واليمن، والعراقين جميعا، وفارس، وخراسان، والجبال، والأطراف ثم عدت إلى بغداد (٣). ويقول ابن عباس: ما أكثر العلم وما أوسعه ... من ذا الذي يقدر أن يجمعه إن كنت لابد له طالبا ... محاولا فالتمس أنفعه ويقول الإمام النووي: كان السلف لا يعلمون الحديث والفقه إلا لمن كان يحفظ القرآن، وقد مثل الداعية الذي يحفظ القرآن بالرجل يتحلى بثوب حسن في الظاهر،

стр. 210

ولكنه لا يكتسي تحته بإزار، فإذا صفحته الريح كشفت عورته، وبانت سوءته: العلم جهل عند أهل الجهل ... وما الجهل جهل عند أهل العلم ومنزلة الفقيه من السفيه ... كمنزلة السفيه من الفقيه عباس العقاد بينما عباس العقاد في الفرقة الرابعة الابتدائية، إذ بالشيخ محمد عبده -الذي كانت له مكانة كبيرة في ذلك الوقت- يزور المدرسة، فيطلعه مدرس الإنشاء على موضوع كتبه عباس، فأعجب الشيخ به إعجابا شديدا وقال: ما أجدر هذا الصبي أن يكون كاتبا بعد .. فكانت هذه الجملة التي قالها الشيخ محمد عبده حافزًا قويا لعباس العقاد في ذلك الوقت المبكر، جعلته يسلك طريق الكتابة دون سواها (١). نماذج من علماء الأمة نشأ الإمام النووي في أسرة تشتغل بالعلم، فجده مالك بن أبي عامر من كبار التابعين، فشجعه ذلك على حفظ القرآن الكريم، فأتم حفظه وأتقن تلاوته، لكنه لم يكتف بذلك بل إنه أراد حفظ أحاديث رسول الله، فذهب إلى أمه وقال لها: يا أماه إني أحب رسول الله وأريد أن أحفظ أحاديثه، فكيف لي بذلك؟ ابتسمت أمه ابتسامة صافية، وضمته إليها، ثم ألبسته ثيابا جميلة وعممته وقالت له: اذهب إلى "ربيعة الرأي" -وكان فقيها كبيرا- وتعلم من أدبه قبل علمه، فجلس الطفل الصغير، مالك بن أنس يستمع إلى شيخه وينهل من علمه، وبعد انتهاء الدرس يسرع بالجلوس تحت ظلال الأشجار ليحفظ ما سمعه من معلمه، حتى لا ينساه، وقد رأته أخته ذات مرة وهو على هذه الحال، فذهبت إلى أبيها وقصت عليه ما شاهدته، فقال لها: يا بنيتي إنه يحفظ أحاديث رسول الله، وكان مالك بن أنس -كغيره من الأطفال الصغار- يحب اللعب، فشغله ذلك عن الدرس والعلم قليلا إلى أن حدث له موقف كان له أثر كبير في حياته، فقد سأله أبوه يوما في مسألة هو وأخوه النضر، فأصاب النضر، وأخطأ مالك في الرد على السؤال، فغضب منه والده، فكانت هذه الحادثة سببا في عزمه على

стр. 211

الجد والاجتهاد في العلم، فذهب من فوره إلى ابن هرمز -وهو عالم كبير- فأخذ يتلقى العلم عليه سبع سنوات، وكان شديد الحرص على الاستفادة منه خلالها (١). اصبر على مر الجفا من معلم ... فإن رسوب العلم في نفراته ومن لم يذق مر التعلم ساعة ... تجرع ذل الجهل طول حياته ومن فاته التعليم وقت شبابه ... فكبر عليه أربعا لوفاته وذات الفتى -والله- بالعلم والتقى ... إذا لم يكونا لا اعتبار لذاته (٢) - كان سيبويه حريصا على طلب العلم، وذات مرة، جلس حماد بن سلمة يلقي درسا من دروسه: قال النبي ﷺ : "ليس من أصحابي إلا من لو شئت لأخذت عليه ليس أبا الدرداء" فظن سيبويه أن شيخه قد أخطأ في عبارة "ليس أبا الدرداء" فقام من مكانه ليصححها له، وقال: ليس أبو الدرداء، لأنه اعتقد أن كلمة أبا اسم ليس التي ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، فابتسم الشيخ في وجه الفتى الصغير وقال: لحنتَ وأخطأتَ يا سيبويه، ليس هذا حيث ذهبت، إنما ليس ما هنا استثناء، فقال سيبويه بأدب لأستاذه قولته السابقة: لا جرم سأطلب علما لا تلحني فيه. ومنذ ذلك الحين بدأ الفتى الصغير رحلة الاجتهاد والجد، لتحصيل علوم اللغة العربية وخاصة علم النحو (٣). أفاد سيبويه الكثيرين بعلمه، حتى وصل علمه إلى عامة الناس الذين أخذوا عنه، وتعلموا منه الفصاحة. يحكى أن رجلا قال لسماك (يبيع السمك) بالبصرة: بكم هذه السمكة؟ فقال: بدرهمان .. فضحك الرجل مستهزئا من السماك لأنه رفع المجرور، فقال السماك: ويلك أنت أحمق: لقد سمعت سيبويه يقول: ثمنها درهمان. يقول أبو هريرة: لأن أفقه ساعة أحب إلي من أن أحي ليلة أصليها حتى أصبح،

стр. 212

والفقيه أشد على الشيطان من ألف عابد، ولكل شيء دعامة ودعامة الدين الفقه (١). وكان من دعاء بعض الصالحين: اللهم اجعلني من غرسك الذين تستعملهم بطاعتك. وعن جابر قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا النبي أخبر بذلك، فقال: "قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العيّ السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر (أو يعصب شك موسى) على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده". [أبو داود]. وعن عقبة بن مسلم قال: صحبت ابن عمر أربعة وثلاثين شهرا فكان كثيرا ما يسأل فيقول: لا أدري، ثم يلتفت إلي فيقول: أتدري ما يريد هؤلاء؟ يريدون أن يجعلوا ظهورنا جسرا إلى جهنم (٢) وسئل القاسم بن محمد بن أبي بكر عن شيء فقال: لا أحسنه. فقال السائل: إني جئت إليك لا أعرف غيرك؟ فقال القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي، وكثرة الناس حولي، والله ما أحسنه. فقال شيخ من قريش جالس إلى جانب القاسم: يا ابن أخي الزمها، فوالله ما رأيتك في مجلس أنبل منك اليوم. فقال القاسم: والله لأن يقطع لساني أحب إلى من أن أتكلم بما لا علم لي (٣). وسئل الإمام الشعبي عن شيء فقال: لا أدري، فقيل له: ألا تستحي من قولك: لا أدري وأنت فقيه أهل العراق؟ فقال: لكن الملائكة لم تستح حين قالت: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا (٤). واشتهر عن الإمام مالك، والذي قيل فيه حقه: لا يفتى ومالك بالمدينة، قال ابن وهب: لو كتبنا عن مالك لا أدري لملأنا الألواح.

стр. 213

وعن الهيثم بن جميل قال: شهدت مالكا سئل عن ثمان وأربعين مسألة، قال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري. وعن مالك أيضا: أنه ربما كان سئل عن خمسين مسألة فلا يجيب في واحدة منها (١). ومن جميل ما يروي في هذا عن عبد الرحمن بن مهدي أنه سأل شيخه عبد الله بن الحسن العبري عن مسألة فغلط فيها، فقال له: أصلحك الله، القول فيها كذا وكذا، فأطرق ساعة ثم رفع رأسه فقال: إذن أراجع وأنا صاغر، لأن أكون ذنَبا في الحق أحب إلي من أن أكون رأسا في الباطل. وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أدركت في هذا المسجد مائة وعشرين من أصحاب رسول الله ما منهم أحد يسأل عن حديث أو فتيا إلا ود أن أخاه كفاه ذلك. وفي لفظ آخر: كانت المسألة تعرض على أحدهم فيردها إلى الآخر، ويردها الآخر إلى الآخر، حتى تعود إلى الأول (٢). وعن وهب بن منبه قال: ينبغي للعالم أن يكون بمنزلة الطباخ الحاذق يعمل لكل قوم ما يشتهون من الطعام، وكذلك ينبغي للعالم أن يحدث كل قوم بما تحتمله قلوبهم وعقولهم من العلم (٣). وعن الشافعي قال: كنت يتيما في حجر أمي، ولم يكن معها ما تعطي المعلم، وكان المعلم قد رضي مني أن أخلفه إذا قام، فلما ختمت القرآن دخلت المسجد فكنت أجالس العلماء فأحفظ الحديث والمسألة فكنت أنظر إلى العظم يلوح فأكتب فيه الحديث والمسألة وكانت لنا جرة عظيمة فإذا امتلأ العظم تركته في الحجرة (٤). وكان أغلى شيء عند الإمام أحمد بن حنبل ما جمعه من حديث رسول الله، لذلك كان يكتب في أوراق يحفظها في مكان أمين، وقد حدث ذات يوم أن سرق اللص منزله، فأخذ ملابسه وكل ما في بيته، فلما جاء الإمام أحمد إلى البيت، لم يسأل عن شيء إلا عن الأوراق التي يكتب فيها أحاديث رسول الله، ولما وجدها اطمأن قلبه ولم يحزن على ما سرق منه. ولم يكن الإمام أحمد بن حنبل مجرد حافظ لأحاديث الرسول بل كان يعمل بما في

стр. 214

هذه الأحاديث، فيقول عن نفسه: ما كتبت حديثا إلا وقد عملت به (١). مناى من الدنيا علوم أبثها ... وأنشرها في كل باد وحاضر دعاء إلى القرآن والسنن التي ... تناسى ذكرها في المحاضر وكتب ابن حزم أربعمائة مجلد، تشتمل على ثمانية آلاف ورقة تقريبا (٢). ويقول الرسول ﷺ : "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما، اتخذ الناس رءوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" [البخاري]. ويقول الحسن البصري: العامل على غير علم ما يفسد أكثر مما يصلح، فاطلبوا العلم طلبا لا تضروا بالعبادة، واطلبوا العبادة طلبا لا تضروا بعلمكم، فإن قوما طلبوا العبادة وتركوا العلم، حتى خرجوا بأسيافهم على أمة محمد، ولو طلبوا العلم لم يدلهم على ما فعلوا (٣). قال الرسول ﷺ : "يخرج قوم من أمتي يقرأون القرآن، ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرأون القرآن، يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاقم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية". [مسلم]. وعن سفيان بن عيينة قال يوما لأصحابه: من أحوج الناس إلى طلب العلم؟ قالوا: قل يا أبا محمد. قال: ليس أحد أحوج إلى طلب العلم من العالم، لأنه ليس الجهل بأحد أقبح به من العالم (٤). وحفظ الشافعي القرآن الكريم وسنه سبع سنين، ثم شرع في حفظ أحاديث رسول الله وأمه تشجعه وتشد من أزره، وتحنو عليه، ولكن كان الشافعي لا يقوى على دفع أجر المحفظ أو شراء الأوراق التي يسجل فيها محفوظاته، كان يطوف شوارع وطرقات مكة يجمع قطع الجلود وسعف النخيل وعظام الجمل ليكتب عليها (٥). وكان الشافعي يقضي الساعات الطوال في دروس متصلة، ينتقل من علم إلى علم،

стр. 215

يجلس في حلقته إذا صلى الفجر فيأتيه من يريدون تعلم القرآن، فإذا طلعت الشمس قاموا وجاء طلاب الحديث، فيسألونه تفسيره ومعانيه، فإذا انتهوا جاء بعدهم من يريدون تعلم العربية والعروض والنحو والشعر، ويستمر الشافعي في دروسه من بعد صلاة الفجر حتى صلاة الظهر (١). آداب طالب العلم: ١ - عدم الحياء في العلم: قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] وتقول السيدة عائشة ﵂: نعم النساء نساء الأنصار! لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين. ٢ - المداومة على طلب العلم: قال الشاعر: وكلما أدبني الدهر ... أراني نقص عقلي وكلما ازددت علما ... زادني علما بجهلي ٣ - الصبر: يقول الشاعر: ومن لم يذق مر التعلم ساعة ... تجرع ذل الجهل طول حياته ومن فاته التعليم وقت شبابه ... فكبر عليه أربعا لوفاته ٤ - التدوين: يقول أحمد بن حنبل: مع المحبرة إلى المقبرة، وقيل: العلم صيد والكتابة قيد. ٥ - العمل بالعلم: قال الرسول: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه، وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه" رواه الترمذي. ٦ - احترام المعلم: يقول شوقي: قم للمعلم وفه التبجيلا ... كاد المعلم أن يكون رسولا أرأيت أعظم أو أجلَّ من الذي ... يبني وينشيء أنفسا وعقولا؟!
следующие страницы →