الجد والاجتهاد في العلم، فذهب من فوره إلى ابن هرمز -وهو عالم كبير- فأخذ يتلقى العلم عليه سبع سنوات، وكان شديد الحرص على الاستفادة منه خلالها (١).
اصبر على مر الجفا من معلم ... فإن رسوب العلم في نفراته
ومن لم يذق مر التعلم ساعة ... تجرع ذل الجهل طول حياته
ومن فاته التعليم وقت شبابه ... فكبر عليه أربعا لوفاته
وذات الفتى -والله- بالعلم والتقى ... إذا لم يكونا لا اعتبار لذاته (٢)
- كان سيبويه حريصا على طلب العلم، وذات مرة، جلس حماد بن سلمة يلقي درسا من دروسه: قال النبي ﷺ : "ليس من أصحابي إلا من لو شئت لأخذت عليه ليس أبا الدرداء" فظن سيبويه أن شيخه قد أخطأ في عبارة "ليس أبا الدرداء" فقام من مكانه ليصححها له، وقال: ليس أبو الدرداء، لأنه اعتقد أن كلمة أبا اسم ليس التي ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، فابتسم الشيخ في وجه الفتى الصغير وقال: لحنتَ وأخطأتَ يا سيبويه، ليس هذا حيث ذهبت، إنما ليس ما هنا استثناء، فقال سيبويه بأدب لأستاذه قولته السابقة: لا جرم سأطلب علما لا تلحني فيه.
ومنذ ذلك الحين بدأ الفتى الصغير رحلة الاجتهاد والجد، لتحصيل علوم اللغة العربية وخاصة علم النحو (٣).
أفاد سيبويه الكثيرين بعلمه، حتى وصل علمه إلى عامة الناس الذين أخذوا عنه، وتعلموا منه الفصاحة.
يحكى أن رجلا قال لسماك (يبيع السمك) بالبصرة: بكم هذه السمكة؟
فقال: بدرهمان .. فضحك الرجل مستهزئا من السماك لأنه رفع المجرور، فقال السماك: ويلك أنت أحمق: لقد سمعت سيبويه يقول: ثمنها درهمان.
يقول أبو هريرة: لأن أفقه ساعة أحب إلي من أن أحي ليلة أصليها حتى أصبح،
стр. 212
والفقيه أشد على الشيطان من ألف عابد، ولكل شيء دعامة ودعامة الدين الفقه (١).
وكان من دعاء بعض الصالحين: اللهم اجعلني من غرسك الذين تستعملهم بطاعتك.
وعن جابر قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا النبي أخبر بذلك، فقال: "قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العيّ السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر (أو يعصب شك موسى) على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده". [أبو داود].
وعن عقبة بن مسلم قال: صحبت ابن عمر أربعة وثلاثين شهرا فكان كثيرا ما يسأل فيقول: لا أدري، ثم يلتفت إلي فيقول: أتدري ما يريد هؤلاء؟ يريدون أن يجعلوا ظهورنا جسرا إلى جهنم (٢)
وسئل القاسم بن محمد بن أبي بكر عن شيء فقال: لا أحسنه.
فقال السائل: إني جئت إليك لا أعرف غيرك؟
فقال القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي، وكثرة الناس حولي، والله ما أحسنه.
فقال شيخ من قريش جالس إلى جانب القاسم: يا ابن أخي الزمها، فوالله ما رأيتك في مجلس أنبل منك اليوم.
فقال القاسم: والله لأن يقطع لساني أحب إلى من أن أتكلم بما لا علم لي (٣).
وسئل الإمام الشعبي عن شيء فقال: لا أدري، فقيل له: ألا تستحي من قولك: لا أدري وأنت فقيه أهل العراق؟
فقال: لكن الملائكة لم تستح حين قالت: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا (٤).
واشتهر عن الإمام مالك، والذي قيل فيه حقه: لا يفتى ومالك بالمدينة، قال ابن وهب: لو كتبنا عن مالك لا أدري لملأنا الألواح.
стр. 213
وعن الهيثم بن جميل قال: شهدت مالكا سئل عن ثمان وأربعين مسألة، قال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري.
وعن مالك أيضا: أنه ربما كان سئل عن خمسين مسألة فلا يجيب في واحدة منها (١).
ومن جميل ما يروي في هذا عن عبد الرحمن بن مهدي أنه سأل شيخه عبد الله بن الحسن العبري عن مسألة فغلط فيها، فقال له: أصلحك الله، القول فيها كذا وكذا، فأطرق ساعة ثم رفع رأسه فقال: إذن أراجع وأنا صاغر، لأن أكون ذنَبا في الحق أحب إلي من أن أكون رأسا في الباطل.
وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أدركت في هذا المسجد مائة وعشرين من أصحاب رسول الله ما منهم أحد يسأل عن حديث أو فتيا إلا ود أن أخاه كفاه ذلك.
وفي لفظ آخر: كانت المسألة تعرض على أحدهم فيردها إلى الآخر، ويردها الآخر إلى الآخر، حتى تعود إلى الأول (٢).
وعن وهب بن منبه قال: ينبغي للعالم أن يكون بمنزلة الطباخ الحاذق يعمل لكل قوم ما يشتهون من الطعام، وكذلك ينبغي للعالم أن يحدث كل قوم بما تحتمله قلوبهم وعقولهم من العلم (٣).
وعن الشافعي قال: كنت يتيما في حجر أمي، ولم يكن معها ما تعطي المعلم، وكان المعلم قد رضي مني أن أخلفه إذا قام، فلما ختمت القرآن دخلت المسجد فكنت أجالس العلماء فأحفظ الحديث والمسألة فكنت أنظر إلى العظم يلوح فأكتب فيه الحديث والمسألة وكانت لنا جرة عظيمة فإذا امتلأ العظم تركته في الحجرة (٤).
وكان أغلى شيء عند الإمام أحمد بن حنبل ما جمعه من حديث رسول الله، لذلك كان يكتب في أوراق يحفظها في مكان أمين، وقد حدث ذات يوم أن سرق اللص منزله، فأخذ ملابسه وكل ما في بيته، فلما جاء الإمام أحمد إلى البيت، لم يسأل عن شيء إلا عن الأوراق التي يكتب فيها أحاديث رسول الله، ولما وجدها اطمأن قلبه ولم يحزن على ما سرق منه.
ولم يكن الإمام أحمد بن حنبل مجرد حافظ لأحاديث الرسول بل كان يعمل بما في
стр. 214
هذه الأحاديث، فيقول عن نفسه: ما كتبت حديثا إلا وقد عملت به (١).
مناى من الدنيا علوم أبثها ... وأنشرها في كل باد وحاضر
دعاء إلى القرآن والسنن التي ... تناسى ذكرها في المحاضر
وكتب ابن حزم أربعمائة مجلد، تشتمل على ثمانية آلاف ورقة تقريبا (٢).
ويقول الرسول ﷺ : "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما، اتخذ الناس رءوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" [البخاري].
ويقول الحسن البصري: العامل على غير علم ما يفسد أكثر مما يصلح، فاطلبوا العلم طلبا لا تضروا بالعبادة، واطلبوا العبادة طلبا لا تضروا بعلمكم، فإن قوما طلبوا العبادة وتركوا العلم، حتى خرجوا بأسيافهم على أمة محمد، ولو طلبوا العلم لم يدلهم على ما فعلوا (٣).
قال الرسول ﷺ : "يخرج قوم من أمتي يقرأون القرآن، ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرأون القرآن، يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاقم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية". [مسلم].
وعن سفيان بن عيينة قال يوما لأصحابه: من أحوج الناس إلى طلب العلم؟
قالوا: قل يا أبا محمد.
قال: ليس أحد أحوج إلى طلب العلم من العالم، لأنه ليس الجهل بأحد أقبح به من العالم (٤).
وحفظ الشافعي القرآن الكريم وسنه سبع سنين، ثم شرع في حفظ أحاديث رسول الله وأمه تشجعه وتشد من أزره، وتحنو عليه، ولكن كان الشافعي لا يقوى على دفع أجر المحفظ أو شراء الأوراق التي يسجل فيها محفوظاته، كان يطوف شوارع وطرقات مكة يجمع قطع الجلود وسعف النخيل وعظام الجمل ليكتب عليها (٥).
وكان الشافعي يقضي الساعات الطوال في دروس متصلة، ينتقل من علم إلى علم،
стр. 215
يجلس في حلقته إذا صلى الفجر فيأتيه من يريدون تعلم القرآن، فإذا طلعت الشمس قاموا وجاء طلاب الحديث، فيسألونه تفسيره ومعانيه، فإذا انتهوا جاء بعدهم من يريدون تعلم العربية والعروض والنحو والشعر، ويستمر الشافعي في دروسه من بعد صلاة الفجر حتى صلاة الظهر (١).
آداب طالب العلم:
١ - عدم الحياء في العلم: قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] وتقول السيدة عائشة ﵂: نعم النساء نساء الأنصار! لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.
٢ - المداومة على طلب العلم: قال الشاعر:
وكلما أدبني الدهر ... أراني نقص عقلي
وكلما ازددت علما ... زادني علما بجهلي
٣ - الصبر: يقول الشاعر:
ومن لم يذق مر التعلم ساعة ... تجرع ذل الجهل طول حياته
ومن فاته التعليم وقت شبابه ... فكبر عليه أربعا لوفاته
٤ - التدوين: يقول أحمد بن حنبل: مع المحبرة إلى المقبرة، وقيل: العلم صيد والكتابة قيد.
٥ - العمل بالعلم: قال الرسول: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه، وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه" رواه الترمذي.
٦ - احترام المعلم: يقول شوقي:
قم للمعلم وفه التبجيلا ... كاد المعلم أن يكون رسولا
أرأيت أعظم أو أجلَّ من الذي ... يبني وينشيء أنفسا وعقولا؟!
стр. 216
آفات العلم
قال رسول الله: "لا تتعلموا العلم لتباهوا به العلماء وتماروا به السفهاء ولتصرفوا به وجوه الناس إليكم، فمن فعل ذلك فهو في النار" ابن ماجه.
وقال عمر: إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة المنافق العليم، قالوا: كيف يكون منافقا عليما؟ قال: عليم اللسان جاهل القلب والعمل.
وقال الحسن: لا تكن ممن يجمع علم العلماء وطرائف الحكماء ويجري في العمل مجرى السفهاء.
وقال الخليل بن أحمد: الرجال أربعة: رجل يدري ويدري أنه يدري فذلك عالم فاتبعوه، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فذلك نائم فأيقظوه، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فذلك مسترشد فأرشدوه، ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فذلك جاهل فارفضوه.
وقال سفيان الثوري: يهتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل.
وقال أسامة بن زيد: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يؤتى بالعالم يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى فيطوف به أهل النار فيقولون: مالك؟ فيقول: كنت آمر بالخير ولا آتيه وأنهى عن الشر وآتيه" متفق عليه.
وكتب رجل إلى أخ له: إنك قد أوتيت علما فلا تطفئن نور علمك بظلمة الذنوب فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم في نور علمهم.
وراعي الشاة يرعى الذئب عنها ... فكيف إذا الرعاة لها ذئاب؟!
وقال حاتم الأصم: ليس في القيامة أشد حسرة من رجل علم الناس علما فعملوا به ولم يعمل هو به ففازوا بسببه وهلك هو.
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
وقال الحسن: تعلموا ما شئتم أن تعلموا فوالله لا يأجركم الله حتى تعملوا.
وقال عمر: إذا زل العالِم زل بزلته عالَم من الخلق.
стр. 217
التفكر
أمر الله عباده المؤمنين بالتفكر في عظيم مخلوقاته، ونعمه عليهم، وأن ينظروا فيما حولهم من مخلوقات تتحدث كلها عن عظمة من خلقهما وصنعهما وأبدعهما فجاءت في أحسن صورة وأتمها وأكملها.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾ [سبأ: ٤٦].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١].
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١)﴾ [الغاشية: ١٧ - ٢١].
والآيات الدالة على وجوب التفكر والتدبر والتأمل كثيرة، فهيا بنا ننظر ونتدبر فيما خلق الله وأبدع لنقول معًا: سبحان الله.
يقول هرشل عالم الفلك الكبير في القرن الثامن عشر: "كلما اتسع نطاق العلوم كثرت الأدلة على وجود حكمة خالقة، قادرة، مطلقة، وما العلماء الطبيعيون والكيماويون وعلماء الفلك إلا بناة لمعابد العلوم التي يسبح فيها للخالق العظيم".
ويقول سقراط فيلسوف اليونان الشهير: "هذا العالم يظهر لنا على النحو الذي لم يُترك فيه شيء للمصادفة".
قرر علماء النفس أن الإيمان هو أهم عوامل الشفاء لمرضى النفس وتقول الإحصاءات في أمريكا إنه في كل ٣٥ دقيقة تقع حادثة انتحار، وفي كل ١٢٠ ثانية يصاب شخص بالجنون، ويقول الأطباء بأن معظم حالات الانتحار وحالات الجنون يمكن أن يقطع دابرها الإيمان. ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦].
стр. 218
ويقول رائد الفضاء السوفيتي تيتوف: "لقد رأيت الأرض معلقة في الفضاء .. وتساءلت من يمسكها فلا تقع .. هل من إجابة غير ما جاءت في القرآن الكريم: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥].
ويقول لابلاس: "إن القدرة التي وضعت الأجرام السماوية في المجموعة الشمسية، وكثافتها، وأقطارها، ومداراتها، وحددت مدة دوران السيارات حول الشمس، والتوابع حول السيارات بنظام مستمر إلى ما شاء الله، لا يمكن أن تنسب إلى المصادفة".
سبنسر الذي لم يكن يعترف بالأديان قال: "إننا مضطرون إلى الاعتراف بأن للحادثات مظاهر قدرة مطلقة، متعالية عن الإدراك".
ويقول الفلكي الكبير جيمس جينز: "لا يمكن أن تكون المصادفة هي التي أوجدت نظام هذا الكوكب".
ويقول ابراهام لنكولن:" إنني لأعجب لمن يتطلع إلى السماء ويشاهد عظمة الخالق، ثم لا يؤمن بالله". ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥].
التفكر
أحد العلماء رد جسم الإنسان إلى العناصر الأساسية فيه، فخرج بالنتائج الآتية:
إذا جئنا بإنسان وزنه مائة وأربعون رطلاً ونظرنا في تكوينه وجدنا بدنه يحتوي على المواد الآتية:
قدر من الدهن يكفي لصنع (٧) قطع من الصابون.
قدر من الكربون يكفي لصنع (٧) أقلام رصاص.
قدر من الفسفور يكفي لصنع رءوس (١٢٠) عود ثقاب.
قدر من ملح المغنسيوم يصلح جرعة واحدة لحد المسهلات.
قدر من الحديد يمكن عمل مسمار متوسط الحجم منه.
قدر من الجير يكفي لتبييض بيت للدجاج.
قدر من الكبريت يطهر جلد كلب واحد من البراغيث التي تسكن شعره.
стр. 219
قدر من الماء يملأ برميلاً سعته عشرة جالونات.
وهذه المواد تشتري من السوق بمبلغ من المال ... وتلك هي قيمة الإنسان المادية (١).
يقول سيد قطب: إن وقفة أمام اللحظة التي يبدأ فيها الجنين حياته على الأرض وهو ينفصل عن أمه، ويعتمد على نفسه، ويؤذن لقلبه ورئتيه بالحركة لبدء الحياة.
إن وقفة أمام هذه اللحظة وهذه الحركة لتدهش العقول وتحير الألباب، وتغمر النفس بفيض من الدهش وفيض من الإيمان، لا يقف له قلب ولا يتماسك له وجدان.
وإن وقفة أخرى أمام اللحظة التي يتحرك فيها لسان الوليد لينطق بهذه الحروف والمقاطع والكلمات ثم بالعبارات، بل أمام النطق ذاته نطق هذا اللسان. وتصويت تلك الحنجرة. إنها عجيبة. عجيبة تفقد وقعها لأنها تمر بنا كثيرًا، ولكن الوقوف أمامها لحظة في تدبر يجدد وقعها، إنها خارقة، خارقة مذهلة تنبئ عن القدرة التي لا تكون إلا لله (٢).
الطير سبحه والوحش مجده ... والموج كبره والحوت ناجاه
والنمل تحت الصخور الصم قدسه ... والنحل يهتف حمدًا في خلاياه
والناس يعصونه جهرًا فيسترهم ... والعبد ينسى وربي ليس ينساه
التقى زنديق بإمامنا الشافعي يومًا، فقال له: يا شافعي، ما الدليل على وجود الله؟
فقال الإمام: ورقة التوت، فقال الزنديق: وكيف ذلك؟
قال الشافعي: تأكلها الدود فتخرجها حريرًا طريًا، وتأكلها النحلة فتخرجها عسلا شهيا، وتأكلها الغزالة فتخرج مسكًا زكيًا، وتأكلها الشاة فتخرجها لبنًا صافيا، ... المادة واحدة، واللون واحد، لكن الصنعة مختلفة فمن الصانع؟ ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨].
النحلة
تلك التي خاطبها ربها بما خاطب به الأنبياء فقال: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي
стр. 220
مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾ [النحل:٦٩،٦٨].
هل تأملت النحل وأحواله وأعماله؟ ألم تتأمل أقراص الشمع السداسية، وفي دقتها وإتقان صنعتها؟ .. إنها مأمورة بالأكل من كل الثمرات، بخلاف كثير من الحشرات التي تعيش على أنواع معينة من الأشجار أو الأعشاب .. وتتعجب معي حين تعلم أن النحلة لا تأكل، بل ولا تقف على شجرة التبغ "الدخان".
وللنحلة عيون كبيرة، توجد في حافتي الرأس عينان، وعينان أخريان في أعلى الرأس، تحتها عين ثالثة مما جعل لها سعة أفق في النظر، فهي ترى أقصى اليمين، وأقصى الشمال، وترى القريب والبعيد في وقت واحد، مع العلم بأن عيونها لا تتحرك، فمن الذي جعل عيونها كذلك؟ إنه من أحسن كل شيء صنعه والنحلة لها سمع دقيق جدًا يتأثر بأصوات وذبذبات لا تستطيع أن تنقلها أذن الإنسان .. فمن الذي زودها بهذا السمع العجيب؟
والنحلة تحمل ضعف وزنها، وبسرعة أربعمائة خفقة جناح في الثانية الواحدة ..
فسبحان من خلق فسوى، وقدر فهدى. وهناك من النحل من تعمل مرشدات عندما تجد مصدرًا للغذاء، تفرز عليه مادة ترشد إليه بقية أخواتها، وعندما ينتهي ما به من رحيق تفرز عليه رائحة كريهة حتى لا تضيع في البحث فيه مرة أخرى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤].
فمن الذي علمها وأرشدها؟ إنه الله رب العالمين.
إن النحلة (الشغالات) خارج الخلية تستطيع الرجوع إلى خليتها بالتعرف عليها من بين عشرات الخلايا بلا تعب أو عناء، حتى ولو ابتعدت عنها آلاف الأميال.
وهناك حراسا للخلية، فلا تدخل الخلية نحلة غريبة عنها إلا قتلوها.
وهناك نوع آخر أو نحل آخر يعمل بالنظافة، ولذلك فهي لا تلقي مخلفاتها إلا خارج الخلية فمن الذي علمها، ومن الذي ألهمها؟
يقول ابن الجوزي: عرض لي طريق الحج من العرب، فسرنا على طريق خيبر، فرأيت من الجبال الهائلة والطرق العجيبة ما أذهلني، وزادت عظمة الخالق في
стр. 221
صدري، فصار يعرض لي عند ذكرى الطرق نوع تعظيم لا أجده عند ذكر غيرها، فصحت بالنفس: ويحك اعبري إلى البحر وانظرى إليه وإلى عجائبه بعين الفكر، تشاهدي أهوالاً هي أعظم من هذه، ثم اخرجي إلى الكون والتفتي إليه، فإنك ترينه بالإضافة إلى السموات والأفلاك كذرة في فلاة. ثم جولي في الأفلاك، وطوفي حول العرش، وتلمحي ما في الجنان والنيران، ثم اخرجي عن الكل والتفتي إليه، فإنك تشاهدين العالم في قبضة القادر الذي لا تقف قدرته عند حد. ثم التفتي إليك فلتلمحي بدايتك ونهايتك، وتفكري فيما قبل البداية، وليس إلا العدم، وفيما بعد البلى وليس إلا التراب، فكيف يأنس بهذا الوجود من نظر بعين فكره المبدأ والمنتهى؟ وكيف يغفل أرباب القلوب عن ذكر هذا الإله العظيم؟ (١).
دعوة
لله في الآفاق آيات لعل أقلها ... هو ما إليه هداكا
ولعل ما في النفس من آياته ... عجب عجاب لو ترى عيناكا
والكون مشحون بأسرار إذا ... حاولت تفسيرًا لها أعياكا
قل للطبيب تخطفته يد الردى ... من يا طبيب بطبه أرداكا
قل للمريض نجا وعوفي بعدما ... عجزت فنون الطب من عافاكا
قل للصحيح يموت لا من علة ... من بالمنايا يا صحيح دهاكا
قل للبصير وكان يحذر حفرة ... فهوى بها من ذا الذي أهواكا
بل سائل الأعمى خطأ بين الزحام ... بلا اصطدام من يقود خطاكا
قل للجنين يعيش معزولاً بلا ... راعٍ ولا مرعى ما الذي يرعاكا
قل للوليد بكى وأجهش بالبكاء ... لدى الولادة ما الذي أبكاكا
وإذا ترى الثعبان ينفث سمه ... فاسأله من ذا بالسموم حشاكا
واسأله كيف تعيش يا ثعبان أو ... تحيا وهذا السم يملأ فاكا
стр. 222
واسأل بطون النحل كيف تقاطرت ... شهدًا وقل للشهد من حلاكا
بل سائل اللبن المصفى كان بين ... دم وفرث ما الذي صفَّاكا
وإذا رأيت الحي يخرج من منايا ... ميت فاسأله من أحياكا
قل للهواء تحسه الأيدي ويخفى ... عن عيون الناس من أخفاكا
قل للنبات يجف بعد تعهد ... ورعاية مَنْ بالجفاف رماكا
وإذا رأيت النبت في الصحراء ... يربو وحده فاسأله من أرباكا
وإذا رأيت البدر يسري ناشرًا ... أنواره فاسأله من أسراكا
واسأل شعاع الشمس يدنو وهي ... أبعد كل شيء ما الذي أدناكا
قل للمرير من الثمار من الذي ... بالمر من دون الثمار غذاكا
وإذا رأيت النخل مشقوق النوى ... فاسأله من يا نخل شق نواكا
وإذا رأيت النار شب لهيبها ... فأسال لهيب النار من أوراكا
وإذا رأيت الجبل الأشم مناطحًا ... قمم السحاب فسله من أرساكا
وإذا ترى صخرًا تفجر بالمياه ... فسله من بالماء شق صفاكا
وإذا رأيت النهر بالعذب الزلال ... جرى فسله من الذي أجراكا
وإذا رأيت البحر بالملح الأجاج ... طغى فسله من الذي أطغاكا
وإذا رأيت الصبح يسفر ضاحيا ... فاسأله من يا صبح صاغ ضحاكا
ستجيب ما في الكون من آياته ... عجب عجاب لو ترى عيناكا
ربي لك الحمد العظيم لذاتك ... حمدًا وليس الواحد إلاكا
يا مدرك الأبصار والأبصار لا ... تدري له ولكنهه إدراكا
إن لم تكن عيني تراك فإنني ... في كل شيء أستبين عُلاكا
يا منبت الأزهار عاطرة الشذى ... ما خاب يومًا من دعا ورجاكا
يأيها الإنسان مهلا ما الذي ... بالله ﷻ أغراكا
يأيها الماء المهين من الذي سواكا ... ومن الذي في ظلمة الأحشاء قد والاكا
стр. 223
ومن الذي غذاك من نعمائه ... ومن الكروب جميعها نجاكا
ومن الذي شق العيون فأبصرت ... ومن الذي بالعقل قد حلاكا
ومن الذي تعصي ويغفر دائمًا ... ومن الذي تنسى ولا ينساكا (١)
هذا الكون
تبعد أرضنا التي نعيش عليها عن الشمس، التي تبلغ درجة حرارتها على سطحها ١٢ ألف درجة، بمقدار يبلغ ٩٢ مليونا ونصف مليون ميل، وتبعد عن القمر ٢٤٠ ألف ميل، وهذه الأبعاد هي التي تكفي لتهيئة البيئة الصالحة للحياة بالصورة التي نعرفها على الأرض. إذا لو قربت الأرض عن ذلك لاحترقت الأحياء التي عليها في التو واللحظة، وانعدمت منها كل مظاهر الحياة، ولو بعدت الشمس أكثر من ذلك لأصاب الجمد، ثم الموت كل كائن حي على الأرض، ولو قرب القمر أو بعد عن ذلك، لغمر الماء القارات، ولأهلك الجزر الأحياء، وتفتت الجبال والتلال، وتلاشت الحياة.
وتدور الأرض حول محورها بسرعة ألف ميل في الساعة، أي بما يعادل مرة كل أربع وعشرين ساعة، ولو قل معدل دورانها عن ذلك لطال النهار بما يؤثر في النبات والأحياء صيفًا، وطال الليل بما قد تتجمد بسببه السوائل شتاء، ولو زادت لانعدمت الحياة.
وإذا زاد سمك القشرة الأرضية عما هي عليه قليلاً، لنقص الأكسجين، وقلت فرص الحياة، فإذا فرضنا أن سمك القشرة الأرضية زاد بمقدار عشرة أقدام، لانعدمت بانعدام الأكسجين مقومات الحياة، هذا الأكسجين الذي إذا زاد زيادة طفيفة، لسبب فناء العالم، بما يسببه من اختلال في كثافة الهواء .. فتتهاوى الكواكب والنجوم.
إن من يسكنون بجوار البحار والمحيطات، أو يضطرون إلى الحياة بجوارها، يقومون بعملية معقدة لتبخير الماء ثم تكثيفه لاستبعاد الملح الذي به ليكون بذلك صالحًا للشرب، ولطالما تمنوا أن تكون هذه المياه الملحة حلوة كمياه الأنهار، فلو أن أمنيتهم تحققت، وصارت المياه كلها حلوة، لصارت عفنًا منتشرًا، ولانتهت الحياة من الأرض. فمياه
стр. 224
المحيطات والبحار مياه واقفة، والملح فيها مادة حافظة تمنع التعفن، فالشمس تبخر مياه البحار والمحيطات التي تعتبر مستودعًا لا ينفد من المياه المحفوظة، فتصعد إلى الطبقات الباردة في السماء، فتتكثف لتسقط مياها حلوة تجري في الأنهار، تسقي الزرع.
دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس، وميل محورها البالغ ٢٣ درجة فتكون فصول السنة، ولو كان الحور معتدلاً لما دارت الأرض حول نفسها، ولتجمعت قطرات المياه المتبخرة من المحيطات والبحار ونزلت في مكانين محددين في الشمال والجنوب، ولتكونت قارات من الجمد، ولظل الصيف دائمًا والشتاء دائمًا.
﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [النور: ٤٤]. اليوم بأكمله موجود على الأرض فما كان صباحًا عند قوم فهو نفسه ظهر وعصر ومغرب وعشاء ونصف ليل عند قوم آخرين، حتى تصل إلى القطبين فترى فيها ستة أشهر متواصلة مظلمة، وستة أشهر متواصلة مضيئة.
عظمة الكون
قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧].
يقول العالم بليفن في كتابه العلم ينظر إلى السماء: إن الكون أرحب وأعظم مما كنا نتخيله، وإن الأجزاء النائية من الكون تندفع في الفضاء بعيدًا بسرعة مخيفة.
وقد انتهى علماء الفلك إلى أن مجموعتنا النجمية تشمل مائة بليون من النجوم تقريبًا، ويظن كثير من الناس أن ما بين النجوم فضاء تام، والحقيقة أنه ممتليء بالغازات والمواد المختلفة.
ويقول بليفن: "إن الكون كله بنجومه المختلفة الأحجام التي لا حصر لها، والتي تندفع في جميع الاتجاهات كأنها شظايا قنبلة متفجرة، صورة لا يكاد المرء يتخيلها حتى يدركه البهر وتنقطع أنفاسه، ولكن يبدو أن الأجدر بأن يبهر ويقطع الأنفاس هو رؤية هذا الكائن البشري الضئيل الذي يعيش على شظية من شظايا نجم صغير، في زاوية حقيرة من زوايا مجرة لا تختلف شيئًا عن الملايين من أمثالها، هذا الكائن يتحدى ثم يجرؤ أن يعرف هذا الكون.
стр. 225
ويقول الفلكيون: "إن من هذه النجوم والكواكب التي تزيد على عدة بلايين نجم، ما يمكن رؤيتها بالعين المجردة، وما لا يرى إلا بالجاهر والأجهزة، وما يمكن أن تحس به الأجهزة دون أن تراه، هذه كلها تسبح في الفلك الغامض، ولا يوجد أي احتمال أن يقترب مجال مغناطيسي لنجم من مجال نجم آخر، أو يصطدم كوكب بآخر إلا كما يحتمل تصادم مركب في البحر الأبيض المتوسط بآخر في المحيط الهادي يسيران في اتجاه واحد وبسرعة واحدة.
ويقرر العلم أن سرعة الضوء ١٨٦ ألف ميل في الثانية، ومن النجوم ما ترسل ضوءها فيصل إلينا في دقائق، ومنها ما يصل في شهور، وهناك نجوم أرسلت ضوءها وأمكن معرفة ذلك بأجهزة خاصة من ملايين السنين، ولم يصل إلينا ضوؤها بعد. فكم يبلغ اتساع الكون؟
بعض ما في الكون
﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦].
يقول العلامة سيكنا: "لا يستطيع المرء أن يرفع بصره نحو السموات العلا إلا ويفضي إجلالاً ووقارًا، إذ يرى ملايين من النجوم الزاهرة الساطعة، ويراقب سيرها في أفلاكها وتنقلها في أبراجها، وكل نجم وكوكب هو دنيا قائمة بذاتها".
الأرض
الأرض كوكب من الكواكب التي تدور حول الشمس، وهي الكوكب الخامس من حيث الحجم، والثالث من حيث القرب.
والأرض تكاد تكون كرة، إلا أنها منبعجة قليلاً عند خط الاستواء، ومفلطحة عند القطبين، ومساحة سطحها ٢٠٠ مليون من الأميال المربعة ويشغل اليابس منها نحو من ٥٠ مليون ميل مربع، والماء حوالي ١٥٠ مليون ميل مربع ووزنها يبلغ ٧ آلاف مليون مليون مليون أي رقم ٧ وأمامه ٢١ صفرًا من الأطنان، وهي بهذا الحجم معلقة في السماء.
الشمس
كرة هائلة من الغازات الملتهبة، قطرها يزيد على مليون وثلث مليون كم، ومحيطها مثل محيط الأرض ٣٢٥ مرة، ويبلغ ثقلها ٣٣٢ ألف ضعف ثقل الأرض، وتبلغ درجة
стр. 226
حرارتها الداخلية ٢٠ مليون درجة مئوية، بينما حرارة سطحها ٦٠٠٠ درجة. وهذا السطح تندلع منه ألسنة اللهب إلى ارتفاع نصف مليون كم، وهي تنثر في الفضاء باستمرار طاقة قدرها ١٦٧٤٠٠ حصان من كل متر مربع، ولا يصل للأرض منها سوى جزء من ٢ مليون جزء، وهي لا تعتبر إلا نجمة، ولكنها ليست في عداد النجوم الكبرى وسطحها به عواصف وزوابع كهربائية ومغناطيسية شديدة، والمشكلة التي حيرت العلماء هي أن الشمس كما يؤخذ من علم طبقات الأرض لم تزل تشع نفس المقدار من الحرارة منذ ملايين السنين، فإن كانت الحرارة الصادرة عنها نتيجة احتراقها، فكيف لم تفن مادتها على توالي العصور، ولكفاها ستة آلاف سنة لتحترق وتنفد حرارتها.
الجمل
الأهداب الطويلة التي حول عينيه، والتي هي أشبه بشبكة تحمي عينيه من ذرات الرمال إذا هبت عاصفة رملية أثناء سيره في الصحراء. وفي الوقت نفسه يستطيع الإبصار من خلال هذه الشبكة، وبذلك لا يضطر إلى إقفال عينيه كما نفعل لوقاية أعيننا من التراب، أما عن أنفه فهو يتحكم في فتحتها أثناء العواصف ليمنع دخول الرمل فيه، وشفة الجمل العليا مشققة ليساعده على أكل نباتات الصحراء التي غالبا تكون أشواكا، وذلك علاوة على أرجله ذات الخف الذي يناسب الرمل فلا تغوص فيه لو كانت ذات ظلف أو حافر. ولقد أدهش الجمل العلماء بتحمله إذا غاب عنه الماء وأدهشهم أكثر استعداد الجمل لأن يشرب الماء المالح إذا عطش دون أن يصيبه ضرر. وما زالوا في حيرة من أمر أجهزته التي تتكيف ضد الجوع، فلا تفرز كليته نسبة ملحوظة من الماء بل تنخفض درجة حرارة جلده في الحر عند العطش لتقليل تبخر الماء منه.
الجذور عند النباتات
إذا كان للنبات عقل فهو في جذوره، إذ أن شعيراته الدقيقة الرهيفة تنتشر في كافة أرجاء الأرض متفادية العوائق والصخور، فإذا صادفت عقبة ولو ذرة من رمل دفعتها، وإذا لم تستطع أفرزت عليها حوامض لتذيبها، فإذا عجزت أنبتت شعيرات لتلتف حولها وتثبتها في الأرض فتأمن شرها ثم تمتد بعيدًا.
وللجذر فائدة مهمة غير ذلك ألا وهي تثبيت النبات إذ يقع عليه أمر قيام النبات
стр. 227
والاحتفاظ به .. فلا يسقط أو يقع .. وعندما تنظر إلى هذه الأشجار الضخمة الكبيرة الواقفة الشامخة علينا أن نتذكر الجذر الذي يمسكها.
البحار
دلت الأبحاث على أن أقصى أعماق البحار تعادل أقصى علو الجبال، وقد وصل العلماء إلى أعماق بلغت تسعة وثلاثين ألف قدم. والموج يرتفع عادة إلى ٢٥ قدمًا، وقد يرتفع في أيام العاصفة إلى ١٣٠ قدمًا، وإذا عرفنا أن للقدم الواحدة في كل موجة قوة مدمرة زنتها ستة آلاف رطل لأمكننا أن نتصور مدى الدمار الذي تنتجه هذه الأمواج.
ففي عام ١٨٧٢ م اقتلعت موجة عاتية في اسكتلندا مرسى حديديًا وزنه مليونان و٧٠٠ ألف رطل، وأخرى حملت صخرة وزنها ١٧٥ رطلا إلى ارتفاع مائة قدم، وفي عام ١٧٣٧ م وفي ميناء بانجوك هاج البحر وقتل ٣٠٠ ألف إنسان ودمر ٢٠ ألف مركب.
ثم على حين فجأة يصفو الجو، وتعتدل الرياح، ويسكن البحر، وتظهر السماء، وتنكشف الأرض، فلا يملك الإنسان إلا أن يسبح بحمد الله قائلا: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧].
تقليب البيض
خطر لعالم أمريكي أن يستفرخ البيض دون حضانة الدجاج، بأن يضع البيض في نفس الحرارة التي ينالها البيض من الدجاج الحاضنة لها، فلما جمع البيض ووضعه في جهاز التفريخ نصحه فلاح أن يقلب البيض إذ أنه رأى الدجاجة تفعل ذلك .. فسخر منه العالم، وأفهمه أن الدجاجة إنما تقلب البيض لتعطي الجزء الأسفل منه حرارة جسمها الذي حرمه .. أما هو فقد أحاط البيض بجهاز يشع بحرارة ثابتة لكل أجزاء البيض .. واستمر العالم في عمله حتى جاء دور الفقس وفات ميعاده ولم تفقس بيضة واحدة!! وأعاد التجربة وقد استمع إلى نصيحة الفلاح، أو بالأحرى إلى تقليد الدجاجة، فصار يقلب البيض حتى إذا أتى ميعاد الفقس خرجت الفراريج؟
وآخر تعليل علمي لتقليب البيض، أن الفرخ حينما يخلق في البيض، ترسب المواد الغذائية في الجزء الأسفل من جسمه، وإذا بقى بدون تحريك تتمزق أوعيته .. ولذلك فإن
стр. 228
الدجاجة لا تقلب البيض في اليوم الأول والأخير.
علمني الخبير العليم
تكييف حرارة وهواء خلية النحل
لما كان يلزم ليرقات نحل العسل حفظ الهواء على درجة ثابتة من الحرارة والتهوية التامة، لتظفر بأسباب الحياة والنمو في الخلية، فإن هناك طائفة من النحل لا عمل لها في الخلية إلا إجهاد عضلاتها لتولد حرارة في أبدانها لتشع في أرجاء الخلية، بينما هناك طائفة أخرى تجثم على الأرض وتحرك أجنحتها بسرعة معينة محكمة لتولد تيارًا من الهواء يكفي لتهوية الخلية، فتكون بذلك مكيفة الجو هواء وحرارة!!
لغة الحيوانات
النحلة إذا عثرت على حقل مزهر، عادت إلى الخلية، وما أن تتوسطها حتى ترقص رقصًا خاصًا، فإذا بالنحل يندفع إليها، ويسير خلفها إلى حيث تهديه النحلة إلى الزهور.
ويقول اللورد "أفبري": إنه طالما أراد أن يمتحن عقل النمل، والوقوف على طريقة التفاهم بين أفراده، وجد يومًا نملة خارجة وحدها من جحرها، فأخذ ذبابة وألقاها في طريق النمل، فما أن عثرت عليها حتى أخذت تعالجها بفمها وأرجلها مدة تزيد على العشرين دقيقة، وتيقنت بعدها عجزها، فعادت أدراجها إلى جحرها، وبعد ثوان معدودة، خرجت النملة تتقدم نحوًا من اثنتي عشرة نملة من أخواتها إلى أن انتهت بهن إلى الذبابة التي ما إن وقع عليها النمل، حتى أخذ يمزقها تمزيقا، وعاد النمل إلى جحره، وكل منها تحمل جزءًا من الذبابة .. فالنملة الأولى رجعت إلى زميلاتها ولم يكن معها شيء قط .. فكيف تم لها أن تخبر باقي النمل بأنها وجدت طعامًا سائغًا، وفريسة شهية، ما لم يكن تم ذلك بلغة خاصة.
النملة تخرج من بيتها، تحمل حب الأرز فتذهب به إلى العراء في جانب مائل من الأرض، معرض للشمس، وتضع حبتها لتجف من ماء المطر ثم تعود به إلى مخازنها تحت الأرض.
الإنسان
لم يعرف إلا أخيرًا أن الغدة النخامية والغدتين فوق الكليتين إنما هي مخازن ذخيرة
стр. 229
تعمل وتنشط عند الحاجة .. بينما في الأوقات العادية لا تزيد عن كونها أجهزة معطلة .. هذه الغدة وظيفتها حفظ التوازن الكيماوي والحيوي في الجسم .. إلا أنه عندما يحاط الإنسان بجو بارد تفرز هذه الغدد إفرازات تسبب ضيقًا في الأوعية الدموية مما يرتفع بسببه ضغط الدم .. فيتغلب الجسم على الجو البارد المحيط به .. بالدفء الداخلي الناتج عن ارتفاع ضغط الدم .. وسرعة تجلط لإيقاف نزف الدم .. كما أن هذه الغدد تعمل على تخفيض ضغط الدم عند الانفعالات النفسية وحالات التوتر والقلق.
ومما قرره العلم أن للأمعاء الدقيقة التي يبلغ طولها ستة أمتار ونصف متر، حركتين لا إراديتين لما يؤيد وجود الله، الحركة الأولى: حركة خلط مستمر هدفها مزج الطعام، بمختلف عصارات الأمعاء وخمائرها مزجًا تافا حتى يكون الهضم عامًا، والحركة الثانية: عرض الطعام المهضوم على أكبر مساحة ممكنة في الأمعاء كي يمس أكبر مسطح فيها فتمتص منه أكبر قدر، ثم يأتي بعد ذلك دور الهضم في الأمعاء الغلاظ التي تفرز آخر أجزاء المواد المهضومة من الفضلات.
وقد دلت التجارب على أنه إذا استؤصلت كلية من الجسم مثلاً ترتب على ذلك تضخم الأخرى، فيمكن قيامها بعمل الكليتين، دون أن يكون للإنسان دخل في ذلك، لذلك إذا بتر نصف الغدة الدرقية، زاد حجم النصف الثاني .. وفي الجسم أجزاء احتياطية، يمكن الاستغناء عن جزء منها عند إصابتها بمرض، فقد يقطع من الأمعاء متر من الأمتار السبعة والنصف الموجودة بجسمه دون أن يحس بفقده.
ويقول الدكتور آرون سميث في المؤتمر الدولي لعلماء النفس المنعقد في موسكو شهر أغسطس ١٩٦٦م: إن رجلا أمريكيا أزيل نصف مخه بعملية جراحية ومازال يستطيع المشي والكلام والغناء بل والقيام بمسائل حسابية كما كان قبل الجراحة.
جلد الإنسان
الجلد لا ينفذ إليه الماء ولا الغازات رغم مسامه التي تساعد على إخراج الماء من داخل الجسم .. فهو يخرج الماء في العرق ولا يسمح بدخوله! والجلد معرض لهجمات الميكروبات والجراثيم التي تسبح في الجو، لذلك يسلح بإفرازات قادرة على قتل تلك الميكروبات، أما إذا تغلبت الجراثيم واجتازت منطقة الجلد، فهنا تبدأ عملية حربية منظمة
стр. 230
يعجز الإنسان عن إدراك عظمتها، تدق الأجراس لتنبه كافة أعضاء الجسم على دخول عدو لها، وما هذه الأجراس إلا الآلام التي يحس بها الإنسان، لتسرع فرقة حرس الحدود، وتضرب حصارًا شديدًا على عدوها المغير، فإما هزمته وطردته، وإما ماتت فتتقدم فرقة أخرى من الصف الثاني، فالثالث، وهكذا .. وهذه الفرق هي كرات الدم التي يبلغ عددها ثلاثين ألف بليون كرة بين بيضاء وحمراء، فإذا رأيت بثرة حمراء وفيها صديد على الجلد، فاعلم أن صديدها هو فرق ماتت في سبيل واجبها وأن الاحمرار هو كرات دم في صراع مع عدو غادر.
ومن أهم وظائف الجلد
حفظ الجسم عند درجة ثابتة من الحرارة، إذ أن أعصاب الأوعية الدموية، في الجلد تنشطها عندما يشتد حر الجو، كي تشع منه الحرارة، وتفرز غدد العرق ما يزيد على لتر من الماء فتنخفض درجة حرارة الجو الملاصقة للجلد .. أما إذا اشتد برد الجو انقبضت الأوعية الدموية فتحتفظ بحرارتها ويقل العرق .. هذا الجهاز العجيب أعد بعناية وتقدير ليكيف حرارة الجسم فيجعلها على درجة ٣٧ درجة مئوية دومًا في خط الاستواء أو في القطبين.
وجلد الإنسان شيء خاص به، فلا يشبه جلد إنسان إنسانًا أبدًا كما أن الجلد نفسه يتجدد، فجلدك الحالي ليس هو جلد العام الماضي، فإن تجديدات الجلد مستمرة بنمو الخلايا التي في الطبقات التي تكون الجلد، فكل ٢٠ طبقة من الجلد تكون سطح الجلد.
الإبصار
مركز حاسة الإبصار العين التي تحتوي على ١٣٠ مليونًا من مستقبلات الضوء وهي أطراف أعصاب الإبصار، ويقوم بحمايتها الجفن ذو الأهداب وتعتبر حركته لا إرادية، أما السائل المحيط بالعين والذي يعرف باسم الدموع، فهو أقوى مطهر كما أنه يجعل حركة العين من الصلبة والقرنية والمشيمية والشبكية، تتم في سهولة وشمر وذلك بخلاف العدد الهائل من الأعصاب والأوعية، ويكفي أن نعلم أن معجزة الإبصار هي أن صورة الشيء المنظور تطبع معكوسة على الشبكية، وينقل العصب البصري هذه الصورة المعكوسة الشكل إلى المخ، فيعيدها المخ إلى العين، وقد عكسها مرة أخرى أي عدلها، فيراها الناظر
стр. 231
معدولة، فهل حدث أن رأى إنسان مرة واحدة صورة معكوسة في التاريخ.
يقول الدكتور جودسون هريك في محاضرة ألقاها في معهد التاريخ بنيويورك في ديسمبر ١٩٥٧م: إن الدماغ الإنساني الذي يبلغ وزنه ألفًا وأربعمائة جرام غريب التركيب بعيد عن الصور والخيال، فلو جمعنا كل ما في العالم من أجهزة التلغراف والتليفون والرادار فإنها لا تبلغ في تعقيدها درجة دماغ الإنسان.
الجهاز الدوري
يشمل الجهاز الدوري الطحال، تلك القطعة الصغيرة الحجم البيضاوية الشكل من الأنسجة ومجاري الدم، وتوجد خلف المعدة، إنه يقوم بجمع كرات الدم الحمراء التي ضعفت ويفتتها ليصنع منها كرات جديدة قوية، كما أنه ينتج كرات دم بيضاء .. ويضاعف من إنتاجه لمختلف كرات الدم عند الحاجة.
أجهزة أخرى
جهاز الذوق في الإنسان يرجع عمله إلى مجموعة من الخلايا الذوقية القائمة في حلمات غشائه المخاطي، ولتلك الحلمات أشكال مختلفة منها المحيطية، والقطرية والعدسية، ويغذي الحلمات فروع من العصب اللساني البلعومي، والعصب الذوقي، وتتأثر عند الأكل الأعصاب الذوقية فينتقل الأثر إلى النحخ، وهذا الجهاز موجود في أول الفم حتى يمكن للإنسان أن يلفظ ما يحس أنه ضار به، وبه يحس المرء المرارة والحلاوة والبرودة والسخونة والحموضة والملح واللاذع ونحوه. ويحتوي اللسان على تسعة آلاف من نتوءات الذوق الدقيقة يتصل كل نتوء منها بالمخ بأكثر من عصب فكم عدد الأعصاب وما حجمها؟ وكيف تعمل منفردة وتتجمع بالإحساس عند المخ.
تقول مجلة العدوم الإنجليزية: إن يد الإنسان في مقدمة العجائب الطبيعية الفذة، وأنه من الصعب جدًا بل من المستحيل أن تبتكر آلة تضارع اليد البشرية من حيث البساطة والقوة وسرعة التكيف، فحينما تريد قراءة كتب، تتناوله بيدك ثم تثبته في الوضع الملائم للقراءة، وهذه اليد هي التي تصحح وضعه تلقائيًا وحينما تقلب إحدى صفحاته تضع أصابعك تحت الورقة تضغط عليها بالدرجة التي تقلبها، ثم يزول الضغط بقلب الورق. واليد تمسك بالقلم وتكتب به. وتستعمل كافة الآلات التي تلزم الإنسان من
стр. 232
ملعقة إلى سكينة وتحمل كل ما يريده الإنسان .. واليدان تشتملان على ٢٧ عظمة، ١٩ مجموعة من العضلات لكل منهما.
وفي دراسة اختلاف شكل الإنسان ما يقربنا إلى تفهم جزء من مدى القدرة التي كونت فشكلت. فقد أثبت العلماء أن الصفات الشكلية والخلقية تحملها في الإنسان كروموسومات تناهت في الدقة إلى درجة أنه لو جمع كروموسومات العالم بأجمعه ما زادت عن قبضة اليد، هذه القبضة تسبب اختلافًا في شكل ولون وصفات وأخلاق بلايين البشر، وهم سكان هذا العالم في الماضي والحاضر والمستقبل.
السمك
للسمك حاسة غريبة، هي حاسة تفادي الاصطدام بالصخور والحواجز في ظلمات البحار، وقد درس العلماء هذه الظاهرة فقرروا من نتائج دراساتهم أن للسمك خطًا طوليًا على كل جانب من جانبيه، وبفحص هذه الخطوط بالمجهر، وجدت أنها أعضاء دقيقة حساسة إلى درجة كبيرة، فإذا اقتربت السمكة من حاجز أو صخر، تحس هذه الأعضاء باختلاف ضغط الماء نتيجة اصطدامه بالحاجز، حتى ولو كان تماوج الماء قليلاً، فتتفادى بذلك الاصطدام إذ تغير طريقها.
الخفاش
حيرت العلماء قدرة الخفاش على تفادي الاصطدام بالمباني والأشجار، فهو يطير في الليل حيث الأضواء، وحيث لا تظهر العوائق في الليل، زيادة على ضعف بصره، وقد قام العالم الإيطالي سبالانزاني بالتحقق من هذه القدرة بتجربة لطيفة، إذ علق في سقف حجرة عددًا من الحبال في نهاية كل منها ناقوس صغير يدق إذا لمس الحبل، ثم أظلم الغرفة إظلامًا تامًا، وأطلق فيها خفاشًا وطار الخفاش مرارًا ولكنه لم يمس هذه الحبال، إذ لم يدق أي جرس.
وقد علل العلماء فيما مضى هذه القدرة بأن جلد الخفاش أرق من أي جلد، ولذلك يتمكن من أن يحس اختلاف ضغط الهواء حين يقترب من عائق، وظهر في السنوات الأخيرة رأي يقرر أن الخفاش يرسل اهتزازات ترد إليه بالتصادم مع أي جسم يقابله فيحس به، وأن نظرية معرفته بالعقبات دون رؤية هي نفس نظرية الرادار الذي اخترع في
стр. 233
عصر الذرة .. فانظر كيف أن ما تفتقت عنه حيل العلماء من اكتشافات بهرت العالم .. موجودة في الخفاش.
عجائب الحياة في النبات
ينبت النبات عمومًا من بذرة توافرت لها ظروف خاصة، أهمها حيوية الأجنة فيها، وتحافظ البذور على حيويتها لمدد طويلة تعتبر في ذاتها دليلاً على وجود الله، فقد أمكن استنبات حبات قمح وجدت في قبور الفراعنة، ويجب توافر الماء الضروري للإنبات، والحرارة المناسبة. فكل بذرة تنبت في درجة حرارة معينة، والهواء ضروري للنبات، فهو كائن حي يعيش ويحيا ويتنفس بل ويحس .. ودرجة إحساسه واستجابته للمؤثرات قوية وسريعة .. فالنبات يقلق ويهدأ .. يحزن ويسعد .. فلقد أجريت تجارب على نباتات وضعت في مركبات فضاء .. وبأجهزة القياس .. أوضحت التسجيلات أن صدمات عصبية أصابت النباتات وبدا عليها الاضطراب .. وما إن رجعت إلى الأرض حتى عاد إليها الاستقرار والهدوء. وإذا استنبتت البذرة وخرج الجنين الحي مكونًا جذيرًا صغيرًا بدأ يتغذى من الغذاء المدخر في البذرة حتى يستطيل عوده ويضرب في الأرض ليأكل منها، شأنه في ذلك شأن الجنين في الإنسان والحيوان يتغذى من أمه وهو في بطنها، ثم من لبنها، ثم يستقل عنها، ويعتمد على نفسه في غذائه عندما يستوي. عوده فهل غير الله أودع في البذرة الحياة؟ وهل غير الله وهب الجذر قوة التعمق في الأرض وأخرج الساق وأنبت عليها الأوراق، فالأزهار، فالثمار؟
تنفس النبات
اكتشف في عام ١٧٧٩ م أن النبات يتنفس، فيأخذ الأكسجين ويطرد ثاني أكسيد الكربون، مثله في ذلك مثل الإنسان والحيوان، ويصحب تنفس النبات ارتفاع في درجة الحرارة، ويتم التنفس في الليل والنهار، إلا أنه في النهار لا تظهر نتيجة التنفس واضحة بالنسبة لعملية التمثيل الكربوني التي يجريها النبات بسرعة أكثر من عملية التنفس، فيخرج الأكسجين ويمتص ثاني أكسيد الكربون. لذلك قد عرف بأن ارتياد الحدائق يكون نهارًا أفضل.
وقد دلت الأبحاث على أن عملية التمثيل الكربوني، كانت كافية وحدها باستهلاك
стр. 234
ثاني أكسيد الكربون الموجود في العالم، لو أن الأمر قد اقتصر عليها، ولكن العليم الخبير قدر ذلك، فجعل الكائنات الحية الأخرى تخرج في تنفسها ثاني أكسيد الكربون.
ولم يترك أمر استهلاك ثاني أكسيد الكربون وإنتاجه دون تحديد، فقد قضت حكمة الخالق أن تكون نسبة ثاني أكسيد الكربون في الجو دائمًا من ثلاثة إلى أربعة أجزاء في كل عشرة آلاف جزء هواء، وهذه النسبة ينبغي أن تكون ثابتة على الدوام لعمار العالم، فلم يحدث أي تغير لها قط مهما اختلفت عمليات الاستهلاك والأنتاج.
عبادة الكون
قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤].
وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨].
الكون يغار على توحيد الله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١)﴾ [مريم: ٨٨ - ٩١].
الجبال مهيأة للتأثر بالقرآن: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١].
الحجارة تتأثر من خشية الله: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤].
بل صاحبت بعض الجبال والطير نبيًا من أنبياء الله في عبادته: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ: ١٠].
يحس المسلم أن في الكون من الحيوانات والجمادات ما يتودد إليه، قال رسول الله: "إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله، فإنها رأت ملكًا، وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنه رأى شيطانًا" [رواه البخاري ومسلم].
وعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:"وإن العالم ليستغفر له من في السموات والأرض حتى الحيتان في الماء" [رواه الترمذي].
стр. 235
مشاعر متبادلة مع الكون كله
السماء والأرض لا تبكيان على موت الكافرين والطغاة: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩].
المسلم يتبادل مشاعر المحبة مع جبل أصم، عن أنس قال: نظر رسول الله ﷺ إلى أحد فقال: "إن أحدًا جبل يحبنا ونحبه" [رواه مسلم والبخاري].
وعن قتادة أن أنسًا حدثه أن النبي صعد أحدًا، وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم، فقال: "اثبت أحد فإن عليك نبيًا وصديقًا وشهيدين" [رواه البخاري].
والحجر والشجر يناصران أهل التوحيد، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم السلمون، حتى يختبيء اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود" [رواه البخاري ومسلم].
وقال رسول الله ﷺ عندما نظر إلى الهلال: "ربي وربك الله" [رواه الترمذي ومسلم].
ونهي عن لعن الريح، فعن ابن عباس أن رجلاً لعن الريح عند النبي ﷺ فقال: "لا تلعن الريح فإنها مأمورة" [رواه الترمذي].
المسلم لا ينسى للوزغ عداءه القديم لخليل الرحمن، فيبادله العداوة بمثلها، عن عائشة قالت: " ... فإن رسول الله حدثنا أن إبراهيم ﵊ حين ألقي في النار لم تكن في الأرض من دابة إلا تطفئ النار عنه، غير الوزغ كان ينفخ فيه، فأمرنا رسول الله بقتله" [رواه أحمد]. بينما دواب أخرى يلتقي المسلم معها في تسبيح ربها ودعوتها إلى التوحيد، ونهى المسلم عن قتلها، عن ابن عباس قال: "إن النبي ﷺ نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصرد" [رواه أبو داود]. عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "أن نملة قرصت نبيًا من الأنبياء، فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحي إليه:" أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح" [رواه مسلم].
عن عبد الله بن عمرو قال: نهى النبي ﷺ عن قتل الضفدع وقال: "إن نقيقها تسبيح" [رواه الطبراني] (١).
стр. 236
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
المعروف: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، والمنكر اسم جامع لكل ما يبغضه الله.
قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [التوبة: ٧١].
قال رسول الله ﷺ :"والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن النكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم" [رواه الترمذي].
يقول سيد قطب: إن العصيان والعدوان قد يقعان في كل مجتمع من الشريرين المفسدين المنحرفين، فالأرض لا تخلو من الشر، والمجتمع لا يخلو من الشذوذ، ولكن طبيعة الجتمع الصالح لا تسمح للشر والمنكر أن يصبحا عرفًا مصطلحًا عليه، وأن يصبحا سهلاً يجتريء عليه كل من يهم به، وعندما يصبح فعل الشر أصعب من فعل الخير في مجتمع من المجتمعات، ويصبح الجزاء على الشر رادعًا وجماعيًا تقف الجماعة كلها دونه، وتوقع العقوبة الرادعة عليه .. عندئذ ينزوي الشر وتنحسر دوافعه، وعندئذ يتماسك الجتمع فلا تنحل عراه، وعندئذ ينحصر الفساد في أفراد أو مجموعات يطاردها الجتمع، ولا يسمح لها بالسيطرة، وعندئذ لا تشيع الفاحشة ولا تصبح هي الطابع العام (١).
فوائد الأمر بالمعروف:
السلامة من العقاب الإلهي: قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٥].
стр. 237
حماية الأرض من الفساد: قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١].
وقال رسول الله ﷺ :"مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا" [رواه البخاري].
إقامة الحجة على العصاة: قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].
تنبيه الغافلين: قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٤].
حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الوجوب، مع اختلاف العلماء هل هو فرض كفاية أم فرض عين؟ قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤].
والمقصود من هذه الآية أن تكون فرق من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان
ذلك واجبًا على كل فرد من الأمة بحسبه، كما ثبت عن أبي هريرة ﵁: قال رسول الله
ﷺ : "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" [رواه مسلم].
ونرى أنه يمكن الجمع بين الرأيين، وأنه واجب على كل مسلم ولكن الوجوب قد يكون مباشرة، وقد يكون بواسطة لغير المتأهلين.
ويقول عبد القادر عودة: إن الواجب لم يسقط بتحميله للبعض دون البعض، إنما يسقط بالأداء.
قال ابن مسعود ﵁: بحسب المرء إذا رأى منكرًا لا يستطيع تغييره أن يُعلم الله من قلبه أنه كاره له.
стр. 238
يقول سيد قطب: "إن سمة المجتمع الخير الفاضل الحي القوي المتماسك أن يسود فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يوجد فيه من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأن يوجد فيه من يستمع إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يكون عرف المجتمع من القوة بحيث لا يجرؤ المنحرفون فيه على التنكر لهذا الأمر والنهي، ولا على إيذاء الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر.
وهكذا وصف الله الأمة المسلمة فقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
ووصف بني إسرائيل فقال: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: ٧٩] (١).
مراتب الإنكار
١ - تغيير المنكر باليد: اتفق العلماء على أن التغيير باليد لا يكون إلا عند القدرة عليه، كأولي الأمر بمعناها العام حتى تشمل: الوالد في بيته، والرئيس في عمله، وصاحب العمل مع عماله وفي مصنعه.
٢ - تغيير المنكر بالقول، وهو أنواع:
أ- تعريف مرتكب المنكر بالحكم الشرعي فقد يكون جاهلاً به.
ب- الوعظ والنصح والإرشاد.
ج- التقريع والتخويف.
د- التهديد بإنزال العقوبة به.
٣ - الإنكار بالقلب: قال رسول الله ﷺ : "من جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك حبة خردل". [رواه مسلم] ويقول فقهاء الحنفية: والسكوت عن البدعة والمنكر، فإن رضي أي مع القدرة على الإزالة فهو آثم، وإلا كفاه الإنكار بالقلب، وليس معنى الإنكار بالقلب أن يموت القلب فلا يغضب للمنكر بل معناه رفض كل معصية حضرها أو غاب عنها، أو دعي إليها سرًا أو علنًا، وما لم تكن المسألة كذلك يصبح موقف المسلم من دينه حرجًا ومسئوليته خطيرة،
стр. 239
قال الرسول ﷺ :" إذا عملت الخطيئة في الأرض وكان من شهدها فكرهها وقال مرة: فأنكرها، كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها" [رواه أبو داود].
والمسلم مأمور أن يغير المنكر إذا رآه، فإن لم يستطع أن يغيره ويزيله، فلا أقل من أن يزول هو عنه، ليبتعد عن مواطنه وأهله، ومما يروي عن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز أنه كان يعاقب شارب الخمر ويقيم عليه الحد، ويعاقب من شهد المجلس، ولم يشارك في الشرب والإثم، ولكنه شارك في السكوت عليه ولم يغادر مكان المعصية، رفع إليه قوم شربوا الخمر فأمر بجلدهم، فقيل له: إن فيهم فلانًا لم يشاركهم لأنه كان صائما فقال: ابدأوا به -أي عاقبه قبلهم- ثم قال: أما سمعتم قول الله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠].
يقول سيد قطب: وقد يجيء على المسلمين زمان لا يستطيعون فيه تغيير المنكر بأيديهم، ولا يستطيعون فيه تغيير المنكر بألسنتهم، فيبقى أضعف الإيمان، وهو تغييره بقلوبهم، وهذا ما لا يملك أحد أن يحول بينهم وبينه، إن هم كانوا حقًّا على الإسلام، وليس هذا موقفًا سلبيًا من المنكر -كما يلوح في بادئ الأمر-. وتعبير الرسول بأنه تغيير دليل على أنه عمل إيجابي في طبيعته، فإنكار المنكر بالقلب معناه احتفاظ هذا القلب بإيجابيته تجاه المنكر، إنه ينكره ويكرهه، ولا يستسلم له، ولا يعتبره الوضع الشرعي الذي يحضع له ويعترف به، وإنكار القلوب لوضع من الأوضاع قوة إيجابية لهدم هذا الوضع المنكر، ولإقامة المعروف في أول فرصة تسنح، وللتربص بالمنكر حتى توافي هذه الفرصة.
وهذا كله عمل إيجابي في التغيير، وهو على كل حال أضعف الإيمان، فلا أقل من أن يحتفظ المسلم بأضعف الإيمان، أما الاستسلام للمنكر لأنه واقع، ولأن ضغطًا قد يكون ساحقًا، فهو الخروج من آخر حلق الدين، والتخلي عن أضعف الإيمان.
الرفق في النهي عن المنكر
يشترط الرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد وعظ رجل المأمون وعنف له في القول، فقال: يا رجل ارفق، فقد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شر مني وأمره بالرفق: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤].
стр. 240
النهي عن المنكر بالمعروف
قال محمد بن زكريا الغلابي: شهدت عبد الله بن محمد ليلة، وقد خرج من المسجد بعد المغرب يريد منزله، وإذا في طريقه غلام من قريش سكران، وقد قبض على امرأة فجذبها فاستغاثت، فاجتمع الناس يضربونه، فنظر إليه ابن عائشة فعرفه، فقال للناس: تنحوا عن ابن أخي، ثم قال: إليَّ يا ابن أخي فاستحى الغلام، فجاء إليه فضمه إليه، ثم قال له: امض معي، فمضى معه حتى صار إلى منزله، فأدخله الدار وقال لبعض غلمانه، بيّته عندك، فإذا أفاق من سكره فأعلمه بما كان منه ولا تتركه ينصرف حتى تأتيني به، فلما أفاق ذكر له ما جرى فاستحيا منه وبكى وهم بالانصراف، فقال الغلام: قد أمر أن تأتيه، فأدخله عليه، فقال له: أما استحييت لنفسك؟ أما استحييت لشرفك؟ فاتق الله وانزع عما أنت فيه، فبكى الغلام منكسًا رأسه، ثم رفع رأسه وقال: عاهدت الله عهدًا يسألني عنه يوم القيامة أني لا أعود للشرب، ولا لشيء مما كنت فيه أنا تائب، فقال: ادن مني، فقبل رأسه، وقال: أحسنت يا بني، فكان الغلام بعد ذلك يلزمه ويكتب عنه الحديث، وكان ذلك ببركة الرفق.
لا تخش إلا الله
عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحقر أحدكم نفسه قالوا: يا رسول الله: كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: يرى أمرًا لله عليه فيه مقال ثم لا يقول فيه، فيقول الله له يوم القيامة: ما يمنعك أن تقول في كذا وكذا؟ فيقول: خشية الناس، فيقول: فإياي كنت أحق أن تخشى" [رواه ابن ماجه].
يقول عبد الله بن عبد العزيز العمري: من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مخافة المخلوقين نزعت منه هيبة الله تعالى، فلو أمر بعض ولده أو بعض مواليه لاستخف به.
أحياني أحياه الله
صعد أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان ﵁ على المنبر يومًا فقال:
إنما المال مالنا، والفيء فيئنا، فمن شئنا أعطيناه، ومن شئنا منعناه. فلم يجبه أحد. فلما كان في الجمعة الثانية؛ قال مثل ذلك، فلم يجبه أحد. فلما كان في الجمعة الثالثة قال مثل مقالته، فقام إليه رجل ممن حضر المسجد فقال:
كلا، إنما المال مالنا، والفيء فيئنا، فمن حال بيننا وبينه حاكمناه إلى الله بأسيافنا.
стр. 241
فنزل معاوية ﵁، فأرسل إلى الرجل، فأدخله، فقال القوم: هلك الرجل. ثم دخل الناس، فوجدوا الرجل معه على السرير، فقال معاوية للناس: إن هذا أحياني أحياه الله، سمعت رسول الله ﷺ يقول:"سيكون بعدي أمراء يقولون، ولا يرد عليهم، يتقاحمون في النار كما تتقاحم القردة". وإني تكلمت أول جمعة فلم يرد على أحد، فخشيت أن أكون منهم، ثم تكلمت في الجمعة الثانية، فلم يردَّ عليَّ أحد، فقلت في نفسي: إني من القوم. ثم تكلمت في الجمعة الثالثة، فقام هذا الرجل، فرد علي، فأحياني أحياه الله.
لا يشارك فى باطل
روى زياد عن مالك بن أنس قال: لما بعث أبو جعفر إلى مالك بن أنس وعبد الله ابن طاووس قال: دخلنا عليه وهو جالس على فرش وبين يديه أنطاع قد بسطت، وجلادون بأيديهم السيوف يضربون الأعناق، فأومأ إلينا أن اجلسوا، فجلسنا، فأطرق زمانًا طويلاً ثم رفع رأسه، والتفت إلى ابن طاووس وقال: حدثني عن أبيك!
فقال عبد الله: حدثني أبي قال: إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل أشركه الله تعالى في سلطانه، فأدخل عليه الجور في حكمه.
فاغتاظ المنصور من تعريض ابن طاووس به، وأطرق ساعة، ملأ الغضب من خلالها وجهه، حتى ظن مالك أنه الهلاك!! قال مالك: فضممت ثيابي مخافة أن يصيبني دمه.
ثم قال المنصور لابن طاووس: ناولني الدواة (قالها ثلاث مرات) فلم يفعل ابن طاووس.
فقال المنصور: لِمَ لم تناولني؟
فقال ابن طاووس: أخاف أن تكتب بها معصية، فأكون قد شاركت فيها!! فلما سمع المنصور ذلك قال لهما: قوما عني.
فقال ابن طاووس: ذلك ما كنا نبغي.
يقول مالك: فما زلت أعرف لابن طاووس فضله من ذلك اليوم (١).
الهضيبي وجمال عبد الناصر
من المواقف المشرفة للعلماء مع الحكام موقف الأستاذ حسن الهضيبي من جمال عبد
стр. 242
الناصر عام ١٩٥٤، حين تأزمت الأمور، وخنقت الحريات، وانتشر الظلم والعدوان، فقد بعث إليه خطابًا يأمره فيه بالمعروف، وينهاه عن المنكر، والفساد والإفساد وقد قال فيه:
السيد جمال عبد الناصر رئيس مجلس الوزراء .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد، فإني ما زلت أحييك بتحية الإسلام وأقرئك السلام، وما زلت ترد عليَّ التحية بالشتائم واتهام السرائر، واختلاق الوقائع وإخفاء الحقائق، وليس ذلك أدب الإسلام ولا من شيم الكرام، لست أطمع في نصحك بأن تلزم الحق فذاك أمر عسير، وأنت حر في أن تلقى الله تعالى على ما تريد أن تلقاه عليه، ولكني أريد أن أبصرك بأن هذه الأمة قد ضاقت بخنق حريتها وكتم أنفاسها، وأنها بحاجة إلى بصيص من نور يجعلها تؤمن بأنكم تسلكون بها سبل الخير، وأن غيركم يسلكون بها سبل الشر والهدم والتدمير إلى آخر ما تنسبون إليهم.
إن الأمة في حاجة الآن إلى القوت الضروري، القوت الذي يزيل عن نفسها الهم والغم والكرب، إنها في حاجة إلى حرية القول، ومهما قلتم إنكم تحكمونها حكمًا ديمقراطيًا فإنها لن تصدق لأنها محرومة من نعمة الكلام، والتعبير عن الرأي، فإذا حققتم ذلك فإننا نعدكم بأن نذكر الحقائق ولا نخاف من نشرها ونصدق القول ولا نشوبه بالكذب والبهتان والاختلاق، ولا نتهم لكم سريرة، ولا نبادلكم فيما تضمرون وتدخرن في أنفسكم، ولا نجاري بعض وزرائك فيما يكتبون من غثاثة وإسفاف، وإنما نعدكم -كما هو شأننا- بأن نناقش المسائل مناقشة موضوعية، أما أن تعطوا أنفسكم الحق في الكلام وتحرموا الناس منه، وأما أن تفرضوا آراءكم بالسلاح على الأمة فذلك شيء لا يعقله الناس ولا ترضاه الأمة (١).
الشعراوي والسادات
وقف الشيخ الشعراوي في وجه السادات وخطأه على تفويته صلاة المغرب في اجتماع سياسي جمع أعضاء مجلس الشعب والوزراء وغيرهم من كبار المسئولين، وابتدأ الاجتماع قبل المغرب واستمر حتى بعد العشاء، وعندما حانت صلاة المغرب وقف المرحوم د. السعيد أبو علي عضو مجلس الشعب عن المحلة الكبرى، وأذن للصلاة بصوت مرتفع مقاطعًا بذلك الرئيس السادات وهو يخطب خطبته المذاعة على الهواء بالإذاعة والتليفزيون، وكان الدكتور السعيد من الجمعية الشرعية، فقال له السادات: اجلس نحن في عبادة، وطلب منه الدكتور
стр. 243
السعيد رفع الجلسة ليصلي الأعضاء المغرب ورفض السادات، فترك الدكتور السعيد مكانه ومعه بعض الأعضاء يعدون على الأصابع ومنهم الشيخ الشعراوي الذي كان وزيرًا للأوقاف وأدوا الصلاة بالخارج، وعادوا إلى مكانهم لمعاودة الاستماع لكلمة الرئيس السادات، وبعد انتهاء الجلسة دار حوار علني بين السادات والشيخ الشعراوي حيث قال السادات للشيخ الشعراوي: نحن كنا في عبادة، فقال له الشيخ الشعراوي: يا ريس العبادة نوعان: عباد موقوتة وعبادة غير موقوتة، والصلاة عبادة موقوتة، وكان يتحتم عليك رفع الجلسة لأداء الصلاة، فقال له السادات: أنت شايف كده يا شيخ شعراوي، فرد عليه الشعراوي بحزم قائلاً: لست أنا اللي شايف كده، ولكن الله هو الذي أمرنا بذلك وهو اللي شايف كده، وأسقط في يد السادات (١).
التلمساني والسادات
في حديث مفتوح للرئيس أنور السادات بمدينة الإسماعيلية حضره الأستاذ عمر التلمساني بناء على دعوة وجهت إليه، وبث في الإذاعة والتليفزيون على الهواء مباشرة، اتهم السادات جماعة الإخوان بالفتنة الطائفية وساق أنواعًا من التهم الباطلة، فما كان من الأستاذ التلمساني إلى أن انبرى واقفًا يرد على السادات بقوله: "الشيء الطبيعي بإزاء أي ظلم يقع على من أي جهة أن أشكو صاحبه إليك بصفتك المرجع الأعلى للشاكين بعد الله، وهأنذا أتلقى الظلم منك فلا أملك أن أشكوك إلا إلى الله".
وما أن سمع السادات مقولة التلمساني حتى أصابه الذعر والرعب وناشد التلمساني أن يسحب شكواه.
فقال التلمساني بقوة وأدب وتأثر "إني لم أشكك إلى ظالم وإنما شكوتك إلى رب عادل يعلم ما أقول".
إن الذي يمد رجله لا يمد يده
دخل إبراهيم باشا ابن محمد علي حاكم مصر المسجد الأموي في وقت كان فيه عالم الشام الشيخ سعيد الحلبي يلقي درسًا في المصلين. ومر إبراهيم باشا من جانب الشيخ وكان
стр. 244
مادًا رجله فلم يحركها ولم يبدل جلسته، فاستاء إبراهيم باشا واغتاظ غيظًا شديدًا وخرج من المسجد وقد أضمر في نفسه شرًا بالشيخ.
وما أن وصل قصره حتى حف به المنافقون من كل جانب يزينون له الفتك بالشيخ الذي تحدى جبروته وسلطانه، وما زالوا يؤلبونه حتى أمر بإحضار الشيخ مكبلاً بالسلاسل.
وما كاد الجند يتحركون لجلب الشيخ حتى عاد إبراهيم باشا فغير رأيه، فقد كان يعلم أن أي إساءة للشيخ ستفتح له أبوابًا من المشاكل قبل له بإغلاقها.
وهداه تفكيره إلى طريقة أخرى ينتقم بها من الشيخ، طريقة الإغراء بالمال، فإذا قبله الشيخ فكأنه يضرب عصفورين بحجر واحد، يضمن ولاءه ويسقط هيبته في نفوس السلمين فلا يبقى له تأثير عليهم.
وأسرع إبراهيم باشا فأرسل إلى الشيخ ألف ليرة ذهبية وهو مبلغ يسيل له اللعاب في تلك الأيام، وطلب من وزيره أن يعطي المال للشيخ على مرأى ومسمع من تلاميذه ومريديه.
وانطلق الوزير بالمال إلى المسجد واقترب من الشيخ وهو يلقي درسه. فألقى السلام وقال للشيخ بصوت عال سمعه كل من حول الشيخ:
هذه ألف ليرة ذهبية يرى مولانا الباشا أن تستعين بها على أمرك.
ونظر الشيخ نظرة إشفاق نحو الوزير وقال له بهدوء وسكينة:
يا بني عد بنقود سيدك وردها إليه وقل له: إن الذي يمد رجله لا يمد يده.
رجل آثر الله
دعا عمر بن هبيرة كلا من الحسن البصري وعامر بن شراحيل المعروف بالشعبي وقال لهما: إن أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك قد استخلفه الله على عباده وأوجب طاعته على الناس، وقد ولاني ما ترون من أمر العراق، ثم زادني فولاني فارس، وهو يرسل إلي أحيانا كتبا يأمرني فيها بإنفاذ ما لا أطمئن إلى عدالته، فهل تجدان لي في متابعتي إياه وإنفاذ أوامره مخرجا في الدين؟ فأجاب الشعبي جوابا فيه ملاطفة للخليفة، ومسايرة للوالي، والحسن ساكت، فالتفت عمر بن هبيرة إلى الحسن وقال: وما تقول أنت يا أبا سعيد؟
стр. 245
فقال: يا ابن هبيرة خف الله في يزيد، ولا تخف يزيد في الله، واعلم أن الله جل وعز يمنعك من يزيد، وأن يزيد لا يمنعك من الله، يا ابن هبيرة، إنه يوشك أن ينزل بك ملك غليظ شديد لا يعصي الله ما أمره، فيزيلك عن سريرك هذا، وينقلك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، حيث لا تجد هناك يزيد، وإنما تجد عملك الذي خالفت فيه رب يزيد، يا ابن هبيرة إنك إن تك مع الله تعالى وفي طاعته يكفك بائقة يزيد، واعلم يا ابن هبيرة أنه لا طاعة لمخلوق -كائنا من كان- في معصية الخالق . فبكى عمر بن هبيرة حتى بلت دموعه لحيته، ومال عن الشعبي إلى الحسن، وبالغ في إكرامه، فلما خرجا من عنده توجها إلى المسجد، فاجتمع عليهما الناس، وجعلوا يسألونهما عن خبرهما مع الأمير، فالتفت الشعبي إليهم وقال: أيها الناس من استطاع منكم أن يؤثر الله على خلقه في كل مقام فليفعل، فوالذي نفسي بيده ما قال الحسن لعمر بن هبيرة لا أجهله، ولكني أردت فيما قلته ابن هبيرة، وأراد فيما قاله وجه الله، فأقصاني الله من ابن هبيرة وأدناه منه وحببه إليه (١).
المسلم لا يخشى في الله لومة لائم وإنما يقول كلمة الحق لوجه الله.
...
стр. 246
الإيجابية
الإيجابية: هي اندفاع الإنسان الناشئ عن استقرار الإيمان في قلبه، لتكييف الواقع الذي من حوله، وتغييره وتبديله إلى الأفضل، وهي الحافز الذي يدفع بطاقة الإنسان لأداء عمل معين للوصول إلى غاية محددة محتملاً كافة الصعاب؛ لتحقيق هدفه الأسمى.
وتكتمل معاني الإيجابية حين يحقق المسلم في حياته قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
ونجد الرسول ﷺ يحث على الإيجابية فيقول:" إن قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها" [رواه البزار].
رجل إيجابي
تدبر في قصة الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى قال: ﴿يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠].
فكم من الجهد بُذل في زمان لم تكن وسائل المواصلات والاتصالات ميسرة وسهلة كما في أيامنا هذه، وكم من الثمن دفع تضحية لإنقاذ حامل الحق الذي أراد أن يبلغه، إنه الإيمان بالفكرة والدعوة والطريق.
تعلم من الهدهد
تفقد سليمان الطير فقال: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠] فإذا بالهدهد يقول له: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢].
ولكي ترى كم من المسافات قطع، وكم من الجهد بذل وضحى، لك أن تعرف أن مملكة سبأ تقع في جنوب الجزيرة باليمن، فقطع الهدهد هذه المسافات الشاسعة والفيافي وبلغ قائده بما رأى.
إن الدعوة لا تنتصر بأصحاب المصالح، ولا بطلاب الدنيا، ولا المعطين للدعوة
стр. 247
فضول أوقاتهم وجهدهم، ولا طالبي الأضواء والشهرة.
حتى النملة إيجابية
قال تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨)﴾ [النمل: ١٧ - ١٨].
ونلاخظ إيجابية النملة في تحذير قومها من الأخطار المحيطة بهم، فهي أمرت وحذرت، واعتذرت عن سليمان وجنوده بعدم الشعور، وخاطبت أمتها بالقول السديد والرأي الرشيد، فهل فكرت يومًا في تحذير قومك من مؤامرات الأعداء؟
الداعية الفعال
قال تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥)﴾ [يس: ٢٠ - ٢٥].
إنها استجابة الفطرة السليم لدعوة الحق المستقيمة، فهذا رجل سمع الدعوة فاستجاب لها، وحينما استشعر قلبه حقيقة الإيمان تحركت هذه الحقيقة في ضميره، فلم يطق عليها سكوتًا، ولم يقبع في داره بعقيدته وهو يرى الضلال من حوله، ولكنه سعى بالحق الذي استقر في ضميره إلى قومه، وهذه هي الإيجابية.
مؤمن آل فرعون
بعد أن صب فرعون بطشه على بني إسرائيل، فكر في قتل موسى ومن معه، وقامت الاجتماعات، وعقدت المؤتمرات، وبينما هم يتشاورون إذا برجل منهم، كان يكتم إيمانه بموسى من قبل، فلما رأى تآمرهم على قتل موسى، ضاق ذرعًا: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨)﴾ [غافر: ٢٨].
أقام مؤمن آل فرعون الحجة على فرعون وجنوده، بأحلى عبارة، وأجمل إشارة، وفي
стр. 248
النهاية يفوض أمره إلى الله البصير بعباده، وهذه هي الإيجابية، الإعلان عن كلمة الحق في وقتها.
يقول سيد قطب: فالتبعة فردية، والحساب شخصي، وكل نفس مسئولة عن نفسها، ولا تغني نفس عن نفس شيئًا، وهذا هو المبدأ الإسلامي العظيم، مبدأ التبعة الفردية القائمة على الإرادة والتمييز من الإنسان، وعلى العدل المطلق من الله، هو أقوم المباديء التي تشعر الإنسان بكرامته، والتي تستجيش اليقظة الدائمة في ضميره، وكلاهما عامل من عوامل التربية، فوق أنه قيمة إنسانية تضاف إلى رصيده من القيم التي يكرمه بها الإسلام (١).
اقتراح إيجابي
دخل عمر بن الخطاب ﵁ على رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله، ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟ قال: بلى، والذي نفسي بيده إنكم على الحق، إن متم وإن حييتم، قال: ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لتخرجن -وكان الرسول ﷺ (على ما يبدو) قد رأى أنه آن الأوان للإعلان، وأن الدعوة قد غدت قوية تستطيع أن تدفع عن نفسها- فأذن بالإعلان، وخرج الرسول ﷺ في صفين، عمر فى أحدهما، وحمزة في الآخر، ولهم كديد ككديد الطحين، حتى دخل المسجد، فنظرت قريش إلى عمر وحمزة. فأصابتهم كآبة لم تصبهم قط، وسماه رسول الله ﷺ يومئذ الفاروق. قال عبد الله بن عمر ﵄: لما أسلم عمر بن الخطاب لم تعلم قريش بإسلامه، فقال: أي أهل مكة أنقل للحديث؟ قيل له: جميل بن معمر الجمحي، فخرج إليه وأنا معه أتبع أثره، وأنظر ما يفعل، وأنا غلام أعقل كل ما رأيت وسمعت، فأتاه فقال: يا جميل إني قد أسلمت، فوالله ما رد عليه كلمة حتى قام يجر رداءه، وتبعه عمر واتبعت أبي، حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش -وهم في أنديتهم حول الكعبة- ألا إن عمر بن الخطاب قد صبأ، وعمر يقول من خلفه: كذبت ولكنني أسلمت، وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، فثاروا إليه، فوثب عمر على عتبة بن ربيعة، فبرك عليه وجعل يضربه، وأدخل إصبعيه في عينيه، فجعل عتبة يصيح، فتنحى الناس عنه، فقام عمر يجعل لا يدنو أحد إلا أخذ شريف من دنا منه، حتى
стр. 249
أحجم الناس عنه، واتبع المجالس التي كان يجلسها بالكفر فأظهر فيها الإيمان، وما زال يقاتلهم حتى ركدت الشمس على رؤوسهم، وفتر عمر وجلس، فقاموا على رأسه فقال: افعلوا ما بدا لكم، فوالله لو كنا ثلاثمائة رجل لتركتموها لنا، أو تركناها لكم، فبينما هم كذلك إذ جاءه رجل عليه حلة حرير وقميص، قال: ما بالكم؟ قالوا: ابن الخطاب قد صبأ، قال: فمه؟ امرؤ اختار دينًا لنفسه، أتظنون أن بني عدي يسلمون إليكم صاحبكم، فكأنما كانوا ثوبًا انكشف عنه، فقلت له بالمدينة: يا أبت من الرجل الذي رد عنك القوم يومئذ؟ قال: يا بني، ذاك العاص بن وائل السهمي (١).
الدعاة اليوم هم طلائع النور في أمة طال عليها الليل، وبوادر اليقظة في أمة تأخر عنها النور، وأمل العالم في عصر أجدبت فيه الدنيا من رسل الرحمة واليقين، فلا يجوز لمسلم أن يبخل بوقته أو جهده لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، أو ولد يرجو له مستقبلاً يفخر به، أو يورثه الطريق، يكون له دعوة صالحة بعد فراقه لهذه الدنيا الفانية؟
موقف بطولي
في موقعة القادسية أسرع القعقاع بن عمرو ﵁ حتى قدم بهم على جيش القادسية صبيحة يوم أغواث، وكان أثناء قدومه قد فكر بعمل يرفع به معنويات المسلمين، فقسم جيشه إلى مائة قسم، كل قسم مكون من عشرة، وأمرهم بأن يقدموا تباعًا كلما غاب منهم عشرة عن مدى إدراك البصر، سرحوا خلفهم عشرة، فقدم هو في العشرة الأوائل وصاروا يقدمون تباعًا كلما سرح القعقاع بصره في الأفق فأبصر طائفة منهم كبر فكبر المسلمون، ونشطوا في قتال أعدائهم، وهذه خطة حربية ناجحة لرفع معنويات المقاتلين، فإن وصول ألف لا يعني مددًا كبيرًا لجيش يبلغ ثلاثين ألف، ولكن هذا الابتكار الذي هدى الله القعقاع إليه قد عوض نقص هذا المدد بما قوي من عزيمة المسلمين، وقد بشرهم بقدوم الجنود بقوله: يأيها الناس قد جئتكم في قوم، والله أن لو كانوا بمكانكم حسدوكم، وحاولوا أن يطيروا بها دونكم، فاصنعوا كما أصنع، فتقدم ثم نادى: من يبارز؟ فقالوا فيه بقول أبي بكر: لا يهزم جيش فيهم مثل هذا وسكنوا إليه، فخرج إليه ذو الحاجب (قائد من قادة الفرس) فقال له القعقاع: من أنت؟ فقال: أنا بهمن
стр. 250
جاذويه، وهنا تذكر القعقاع مصيبة المسلمين الكبرى وهزيمتهم يوم الجسر على يد هذا القائد فأخذته حميته الإسلامية فنادى فقال: يا لثارات أبي عبيد وسليط وأصحاب الجسر، ولابد أن هذا القائد الفارسي بالرغم مما اشتهر به من الشجاعة قد انخلع قلبه من هذا النداء، فقد قال أبو بكر ﵁ عن القعقاع: لصوت القعقاع في الجيش خير من ألف رجل، فكيف سيثبت له رجل واحد مهما كان في الشجاعة وثبات القلب، ولذلك لم يمهله القعقاع فأوقعه أمام جنده قتيلاً، فكان لقتله بهذه الصورة أثر كبير في زعزعة الفرس ورفع معنويات المسلمين، لأنه كان قائدًا لعشرين ألف مقاتل من الفرس، ثم نادى القعقاع مرة أخرى: من يبارز؟ فخرج إليه رجلان، فانضم إلى القعقاع الحارث بن ظبيان بن الحارث أخو بني تيم، وقُتل الرجلان المبارزان من الفرس على يد القعقاع والحارث، وهكذا قضى القعقاع في أول النهار على قائدين من قادة الفرس الخمسة، ولا شك أن ذلك أوقع الفرس في الحيرة والاضطراب، وساهم ذلك في تدمير معنويات أفراد الجيش الفارسي.
اجلس مع نفسك وفكَّر في وسائل عملية لنصرة الإسلام.
المسئولية فردية
يقول تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
يقول سيد قطب:"فردية التبعة، فلا تنال نفس إلا ما كسبت، ولا تحمل نفس إلا ما اكتسبت، فردية التبعة، ورجعة كل إنسان إلى ربه بصحيفته الخاصة، وما قيد فيها له أو عليه، فلا يحيل على أحد، ولا ينتظر عون أحد، ورجعة الناس إلى ربهم فرادى من شأنهم -حين يستيقنها القلب- أن تجعل كل فرد وحدة إيجابية لا تنزل عن حق الله فيها لأحد من عباده إلا بالحق، فهو مسئول عن نفسه هذه، وعن حق الله فيها، وحق الله فيها هو طاعة في كل ما أمر به وفي كل ما نهى عنه، وعبوديتها له وحده شعورا وسلوكًا فإذا فرط في هذا الحق لأحد من العبيد تحت الإغراء والضلال، أو تحت القهر والطغيان -إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان- فما أحد من تلك العبيد يدافع عنه يوم القيامة ولا شافع له، وما أجد من تلك العبيد بحامل عنه شيئًا من وزره ولا ناصر له من الله واليوم الآخر" (١).