الإيجابية
الإيجابية: هي اندفاع الإنسان الناشئ عن استقرار الإيمان في قلبه، لتكييف الواقع الذي من حوله، وتغييره وتبديله إلى الأفضل، وهي الحافز الذي يدفع بطاقة الإنسان لأداء عمل معين للوصول إلى غاية محددة محتملاً كافة الصعاب؛ لتحقيق هدفه الأسمى.
وتكتمل معاني الإيجابية حين يحقق المسلم في حياته قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
ونجد الرسول ﷺ يحث على الإيجابية فيقول:" إن قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها" [رواه البزار].
رجل إيجابي
تدبر في قصة الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى قال: ﴿يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠].
فكم من الجهد بُذل في زمان لم تكن وسائل المواصلات والاتصالات ميسرة وسهلة كما في أيامنا هذه، وكم من الثمن دفع تضحية لإنقاذ حامل الحق الذي أراد أن يبلغه، إنه الإيمان بالفكرة والدعوة والطريق.
تعلم من الهدهد
تفقد سليمان الطير فقال: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠] فإذا بالهدهد يقول له: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢].
ولكي ترى كم من المسافات قطع، وكم من الجهد بذل وضحى، لك أن تعرف أن مملكة سبأ تقع في جنوب الجزيرة باليمن، فقطع الهدهد هذه المسافات الشاسعة والفيافي وبلغ قائده بما رأى.
إن الدعوة لا تنتصر بأصحاب المصالح، ولا بطلاب الدنيا، ولا المعطين للدعوة
стр. 247
فضول أوقاتهم وجهدهم، ولا طالبي الأضواء والشهرة.
حتى النملة إيجابية
قال تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨)﴾ [النمل: ١٧ - ١٨].
ونلاخظ إيجابية النملة في تحذير قومها من الأخطار المحيطة بهم، فهي أمرت وحذرت، واعتذرت عن سليمان وجنوده بعدم الشعور، وخاطبت أمتها بالقول السديد والرأي الرشيد، فهل فكرت يومًا في تحذير قومك من مؤامرات الأعداء؟
الداعية الفعال
قال تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥)﴾ [يس: ٢٠ - ٢٥].
إنها استجابة الفطرة السليم لدعوة الحق المستقيمة، فهذا رجل سمع الدعوة فاستجاب لها، وحينما استشعر قلبه حقيقة الإيمان تحركت هذه الحقيقة في ضميره، فلم يطق عليها سكوتًا، ولم يقبع في داره بعقيدته وهو يرى الضلال من حوله، ولكنه سعى بالحق الذي استقر في ضميره إلى قومه، وهذه هي الإيجابية.
مؤمن آل فرعون
بعد أن صب فرعون بطشه على بني إسرائيل، فكر في قتل موسى ومن معه، وقامت الاجتماعات، وعقدت المؤتمرات، وبينما هم يتشاورون إذا برجل منهم، كان يكتم إيمانه بموسى من قبل، فلما رأى تآمرهم على قتل موسى، ضاق ذرعًا: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨)﴾ [غافر: ٢٨].
أقام مؤمن آل فرعون الحجة على فرعون وجنوده، بأحلى عبارة، وأجمل إشارة، وفي
стр. 248
النهاية يفوض أمره إلى الله البصير بعباده، وهذه هي الإيجابية، الإعلان عن كلمة الحق في وقتها.
يقول سيد قطب: فالتبعة فردية، والحساب شخصي، وكل نفس مسئولة عن نفسها، ولا تغني نفس عن نفس شيئًا، وهذا هو المبدأ الإسلامي العظيم، مبدأ التبعة الفردية القائمة على الإرادة والتمييز من الإنسان، وعلى العدل المطلق من الله، هو أقوم المباديء التي تشعر الإنسان بكرامته، والتي تستجيش اليقظة الدائمة في ضميره، وكلاهما عامل من عوامل التربية، فوق أنه قيمة إنسانية تضاف إلى رصيده من القيم التي يكرمه بها الإسلام (١).
اقتراح إيجابي
دخل عمر بن الخطاب ﵁ على رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله، ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟ قال: بلى، والذي نفسي بيده إنكم على الحق، إن متم وإن حييتم، قال: ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لتخرجن -وكان الرسول ﷺ (على ما يبدو) قد رأى أنه آن الأوان للإعلان، وأن الدعوة قد غدت قوية تستطيع أن تدفع عن نفسها- فأذن بالإعلان، وخرج الرسول ﷺ في صفين، عمر فى أحدهما، وحمزة في الآخر، ولهم كديد ككديد الطحين، حتى دخل المسجد، فنظرت قريش إلى عمر وحمزة. فأصابتهم كآبة لم تصبهم قط، وسماه رسول الله ﷺ يومئذ الفاروق. قال عبد الله بن عمر ﵄: لما أسلم عمر بن الخطاب لم تعلم قريش بإسلامه، فقال: أي أهل مكة أنقل للحديث؟ قيل له: جميل بن معمر الجمحي، فخرج إليه وأنا معه أتبع أثره، وأنظر ما يفعل، وأنا غلام أعقل كل ما رأيت وسمعت، فأتاه فقال: يا جميل إني قد أسلمت، فوالله ما رد عليه كلمة حتى قام يجر رداءه، وتبعه عمر واتبعت أبي، حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش -وهم في أنديتهم حول الكعبة- ألا إن عمر بن الخطاب قد صبأ، وعمر يقول من خلفه: كذبت ولكنني أسلمت، وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، فثاروا إليه، فوثب عمر على عتبة بن ربيعة، فبرك عليه وجعل يضربه، وأدخل إصبعيه في عينيه، فجعل عتبة يصيح، فتنحى الناس عنه، فقام عمر يجعل لا يدنو أحد إلا أخذ شريف من دنا منه، حتى
стр. 249
أحجم الناس عنه، واتبع المجالس التي كان يجلسها بالكفر فأظهر فيها الإيمان، وما زال يقاتلهم حتى ركدت الشمس على رؤوسهم، وفتر عمر وجلس، فقاموا على رأسه فقال: افعلوا ما بدا لكم، فوالله لو كنا ثلاثمائة رجل لتركتموها لنا، أو تركناها لكم، فبينما هم كذلك إذ جاءه رجل عليه حلة حرير وقميص، قال: ما بالكم؟ قالوا: ابن الخطاب قد صبأ، قال: فمه؟ امرؤ اختار دينًا لنفسه، أتظنون أن بني عدي يسلمون إليكم صاحبكم، فكأنما كانوا ثوبًا انكشف عنه، فقلت له بالمدينة: يا أبت من الرجل الذي رد عنك القوم يومئذ؟ قال: يا بني، ذاك العاص بن وائل السهمي (١).
الدعاة اليوم هم طلائع النور في أمة طال عليها الليل، وبوادر اليقظة في أمة تأخر عنها النور، وأمل العالم في عصر أجدبت فيه الدنيا من رسل الرحمة واليقين، فلا يجوز لمسلم أن يبخل بوقته أو جهده لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، أو ولد يرجو له مستقبلاً يفخر به، أو يورثه الطريق، يكون له دعوة صالحة بعد فراقه لهذه الدنيا الفانية؟
موقف بطولي
في موقعة القادسية أسرع القعقاع بن عمرو ﵁ حتى قدم بهم على جيش القادسية صبيحة يوم أغواث، وكان أثناء قدومه قد فكر بعمل يرفع به معنويات المسلمين، فقسم جيشه إلى مائة قسم، كل قسم مكون من عشرة، وأمرهم بأن يقدموا تباعًا كلما غاب منهم عشرة عن مدى إدراك البصر، سرحوا خلفهم عشرة، فقدم هو في العشرة الأوائل وصاروا يقدمون تباعًا كلما سرح القعقاع بصره في الأفق فأبصر طائفة منهم كبر فكبر المسلمون، ونشطوا في قتال أعدائهم، وهذه خطة حربية ناجحة لرفع معنويات المقاتلين، فإن وصول ألف لا يعني مددًا كبيرًا لجيش يبلغ ثلاثين ألف، ولكن هذا الابتكار الذي هدى الله القعقاع إليه قد عوض نقص هذا المدد بما قوي من عزيمة المسلمين، وقد بشرهم بقدوم الجنود بقوله: يأيها الناس قد جئتكم في قوم، والله أن لو كانوا بمكانكم حسدوكم، وحاولوا أن يطيروا بها دونكم، فاصنعوا كما أصنع، فتقدم ثم نادى: من يبارز؟ فقالوا فيه بقول أبي بكر: لا يهزم جيش فيهم مثل هذا وسكنوا إليه، فخرج إليه ذو الحاجب (قائد من قادة الفرس) فقال له القعقاع: من أنت؟ فقال: أنا بهمن
стр. 250
جاذويه، وهنا تذكر القعقاع مصيبة المسلمين الكبرى وهزيمتهم يوم الجسر على يد هذا القائد فأخذته حميته الإسلامية فنادى فقال: يا لثارات أبي عبيد وسليط وأصحاب الجسر، ولابد أن هذا القائد الفارسي بالرغم مما اشتهر به من الشجاعة قد انخلع قلبه من هذا النداء، فقد قال أبو بكر ﵁ عن القعقاع: لصوت القعقاع في الجيش خير من ألف رجل، فكيف سيثبت له رجل واحد مهما كان في الشجاعة وثبات القلب، ولذلك لم يمهله القعقاع فأوقعه أمام جنده قتيلاً، فكان لقتله بهذه الصورة أثر كبير في زعزعة الفرس ورفع معنويات المسلمين، لأنه كان قائدًا لعشرين ألف مقاتل من الفرس، ثم نادى القعقاع مرة أخرى: من يبارز؟ فخرج إليه رجلان، فانضم إلى القعقاع الحارث بن ظبيان بن الحارث أخو بني تيم، وقُتل الرجلان المبارزان من الفرس على يد القعقاع والحارث، وهكذا قضى القعقاع في أول النهار على قائدين من قادة الفرس الخمسة، ولا شك أن ذلك أوقع الفرس في الحيرة والاضطراب، وساهم ذلك في تدمير معنويات أفراد الجيش الفارسي.
اجلس مع نفسك وفكَّر في وسائل عملية لنصرة الإسلام.
المسئولية فردية
يقول تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
يقول سيد قطب:"فردية التبعة، فلا تنال نفس إلا ما كسبت، ولا تحمل نفس إلا ما اكتسبت، فردية التبعة، ورجعة كل إنسان إلى ربه بصحيفته الخاصة، وما قيد فيها له أو عليه، فلا يحيل على أحد، ولا ينتظر عون أحد، ورجعة الناس إلى ربهم فرادى من شأنهم -حين يستيقنها القلب- أن تجعل كل فرد وحدة إيجابية لا تنزل عن حق الله فيها لأحد من عباده إلا بالحق، فهو مسئول عن نفسه هذه، وعن حق الله فيها، وحق الله فيها هو طاعة في كل ما أمر به وفي كل ما نهى عنه، وعبوديتها له وحده شعورا وسلوكًا فإذا فرط في هذا الحق لأحد من العبيد تحت الإغراء والضلال، أو تحت القهر والطغيان -إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان- فما أحد من تلك العبيد يدافع عنه يوم القيامة ولا شافع له، وما أجد من تلك العبيد بحامل عنه شيئًا من وزره ولا ناصر له من الله واليوم الآخر" (١).
стр. 251
مبارزة
عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: أقبل رجل من المشركين وعليه السلاح، حتى صعد على مكان مرتفع من الأرض، فقال: من يبارز؟ فقال رسول الله ﷺ لرجل من القوم: أتقوم إليه؟ فقال له الرجل: إن شئت يا رسول الله، فأخذ الزبير ﵁ يتطلع، فنظر إليه رسول الله ﷺ فقال: قم يابن صفية، فانطلق إليه حتى استوى معه، ثم عانق أحدهما الآخر، ثم تدحرجا، فقال رسول الله ﷺ " أيهما وقع الحضيض أول فهو المقتول، فدعا النبي ﷺ ودعا الناس فوقع الكافر ووقع الزبير على صدره فقتله.
إيجابية الأطفال
عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: إني لواقف يوم بدر في الصف فنظرت عن يميني وشمالي، فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، تمنيت أن أكون بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما، فقال: يا عماه! أتعرف أبا جهل؟ فقلت: نعم، وما حاجتك إليه؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر فقال لي أيضا مثلها، فلم ألبث أن نظرت لأبي جهل وهو يجول في الناس، فقلت: ألا تريان، هذا صاحبكم الذي تسألاني عنه، فتنافس معاذ ومعوذ على ذبح رأس الكفر أبي جهل على الطريقة الإسلامية، ليقدما رأسه هدية إلى النبي ﷺ ، فهذا ضربة وذاك أخرى حتى قتلاه، وعند قبض الثمن اختلفا فتخاصما إلى النبي ﷺ فطلب رؤية دليل الإثبات (السيوف)، وبعد المعاينة قضى باقتسام الأجر مناصفة قائلاً: كلاكما قتله.
يجب أن نهتم بتعليم الأطفال الإيجابية، ونسمح لهم بالتعبير عن آرائهم مع توجيههم إلى حب الرسول عمليًا.
أبو محجن الثقفي
كان أبو محجن الثقفي لا يزال يجلد في الخمر، فلما أكثر عليهم سجنوه وأوثقوه، فلما كان يوم القادسية رآهم يُقتلون، فكأنه رأى أن المشركين قد أصابوا من المسلمين فأرسل إلى امرأة سعد يقول لها: إن أبا محجن يقول لك: إن خليت سبيله وحملتِهِ على هذا الفرس ودفعت إليه سلاحًا ليكونن أول من يرجع إليك إلا أن يقتل، فحلت عنه قيوده، وحمل
стр. 252
على فرس كان في الدار، وأعطي سلاحًا، ثم خرج يركض حتى لحق بالقوم، فجعل لا يزال يمر على رجل فيقتله، فنظر إليه سعد فجعل يتعجب منه ويقول: من ذلك الفارس؟ فلم يلبثوا إلا يسيرًا إلا أن هزم الله المشركين، ورجع أبو محجن ورد السلاح وجعل رجليه في القيود كما كان، فجاء سعد فقالت له امرأته: كيف كان قتالكم؟ فجعل يخبرها ويقول: لقينا ولقينا حتى بعث الله رجلاً على فرس أبلق، لولا أن تركت أبا محجن في القيود لظننت أنها بعض شمائل أبي محجن، فقالت: والله إنه لأبو محجن، كان من أمره كذا وكذا، فقصت عليه قصته، فدعا به وحل قيوده، وقال: اذهب فما أنا مؤاخذك بشيء تقوله حتى تفعله، قال أبو محجن: لا جرم لا أجيب لساني إلى صفة قبيح أبدًا.
قول الحق
جاء أن أبا غياث الزاهد كان يسكن المقابر ببخارى، فدخل المدينة ليزور أخًا له، وكان غلمان الأمير (نصر بن أحمد) ومعهم المغنون والملاهي يخرجون من داره، وكان يوم ضيف الأمير، فلما رآهم الزاهد، قال: (يا نفسُ وقع أمر، إن سكت فأنت شريكة) فرفع رأسه إلى السماء، واستعان بالله، وأخذ العصا فحمل عليهم حملة واحدة، فولوا منهزمين مدبرين إلى دار السلطان، وقصوا على الأمير، فدعا به وقال له: أما علمت أنه من يخرج على السلطان يتغدى في السجن؟
فقال له أبو غياث: أما علمت أنه من يخرج على الرحمن يتعشى في النيران؟
فقال له: من ولاك الحسبة؟
فقال: الذي ولاك الإمارة.
فقال: ولاني الخليفة.
فقال: ولاني الحسبة رب الخليفة.
فقال الأمير: وليتك الحسبة بسمرقند.
فقال: عزلت نفسي عنها.
قال الأمير: العجب في أمرك، تحتسب حين لم تؤمر، وتمتنع حين تؤمر.
стр. 253
قال: لأنك إن وليتني عزلتني، وإن ولاني ربي لم يعزلني أحد.
فقال الأمير: سل حاجتك.
فقال: حاجتي أن ترد عليَّ شبابي.
فقال: ليس ذلك إليَّ.
قال: هل لك حاجة أخرى؟
قال: أن تكتب إلى مالك خازن النار أن لا يعذبني.
قال: ليس إليَّ ذلك أيضًا، قال: هل لك حاجة أخرى؟
قال: أن تكتب إلى رضوان خازن الجنان يدخلني الجنة.
قال: ليس ذلك إليَّ أيضًا.
قال أبو غياث: فإنها مع الرب الذي هو مالك الحوائج كلها، لا أسأله حاجة إلا أجابني إليها، فخلى الأمير سبيله.
المسلم الإيجابي يدعو إلى الخير، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويتذكر قول رسول الله ﷺ :"والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم" [رواه الترمذي].
الجبين المرفوع
كان حسن الهضيبي أول من كسر تقاليد الانحناء بين يدي الملك، عند حلف اليمين القانونية التي يؤديها القضاة أمامه قبل تولي مناصب المستشارين، إذ كانت دفعته حوالي عشرة، سبقه منهم خمسة لم يترددوا في الانحناء عند حلف اليمين رغم تهامسهم بالتذمر من هذا التقليد المهين، حتى إذا جاء دور الهضيبي الواهن البنية، الصامت اللسان، فاجأ الجميع بأن مد يده لمصافحة الملك وأقسم اليمين منتصب القامة مرفوع الجبين، بصورة أنعشت الإباء فيمن بعده وتبعه سائر المستشارين، فصافحوا الملك وأقسموا اليمين دون تخاضع أو انحناء، حتى قال أحدهم: "إذا شنقوا الهضيبي فليشنقوني معه".
стр. 254
والله لأعرضنك اليوم
عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: كنا في غزاة لنا، فحضر العدو، فصيح في الناس فهم يثوبون إلى مصافهم، فإذا رجل أمامي، رأس فرسي عند عجز فرسه، وهو يخاطب نفسه ويقول: أي نفسُ الم أشهد كذا وكذا؟ فقلتِ لي: أهلك وعيالك فأطعتك ورجعت؟ ألم أشهد مشهد كذا وكذا؟ فقلت لي: أهلك وعيالك فأطعتك ورجعت؟ والله لأعرضنك اليوم، أخذك أو تركك، فقلت: لأرمقنه اليوم، فرمقته، فحمل الناس على عدوهم، فكان في أوائلهم، ثم إن العدو حمل على الناس فانكشفوا فكان في حماتهم، ثم إن الناس حملوا فكان في أوائلهم، ثم حمل العدو، وانكشف الناس فكان في حماتهم، وقال: فوالله ما زال ذلك دأبه حتى رأيته صريعًا، فعددت به وبدابته ستين أو أكثر من ستين طعنة.
إيجابية الغلام
عن صهيب الرومي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إليَّ غلامًا أعلمه السحر فبعث إليه غلامًا يعلمه، فكان في طريقه إذا سلك راهب فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه، فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب، وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر، فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة، قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل، فأخذ حجرًا، فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فأقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس، فرماها فقتلها، ومضى الناس، فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أي بني أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستُبتلى، فإن ابتليت فلا تدل عليَّ، وكان الغلام يبريء الأكمه والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدواء، فسمع جليس للملك كان قد عمى، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: ما ههنا لك أجمع إن أنت شفيتني، فقال: إني لا أشفي أحدًا، إنما يشفي الله، فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك، فآمن بالله فشفاه الله، فأتى الملك، فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال ربي قال: ولك رب غيرى؟ قال: رب وربك الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فجىء بالغلام، فقال له الملك: أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص،
стр. 255
وتفعل وتفعل، فقال: إني لا أشفى أحدًا، إنما يشفي الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب، فجيء بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك فأبى، فدعا بالمنشار فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه ثم جىء بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه، ثم جيء بالغلام، فقيل له: ارجع عن دينك فأبى، فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه، فذهبوا به فصعدوا الجبل فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فسقطوا وجاء يمشي إلى الملك فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟: قال: كفانيهم الله فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور، فتوسطوا به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه فذهبوا به، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت فانكفأت بهم السفينة فغرقوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله، فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، قال: ما هو قال: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ثم خذ سهمًا من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس، تم قل: بسم الله رب الغلام ثم ارمني، فإنك إن فعلت ذلك قتلتني، فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ثم أخذ سهمًا من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال: بسم الله رب الغلام ثم رماه فوقع السهم في صدغه فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمات.
ققال الناس: آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام، فأتى الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر، قد والله نزل بك حذرك قد آمن الناس، فأمر بالأخدود في أفواه السكك فخرت وأضرم النران وقال: من لم يرجع عن دينه فاحموه فيها أو قيل له: اقتحم ففعلوا، حتى جاءت امرأة معها صبي فتقاعست أن تقع فيه فقال لها الغلام: يا أماه اصبري فإنك على الحق" [رواه مسلم].
كان الغلام إيجابيًا في دعوة الناس إلى الخير، فكانت ثمرة الإيجابية إيمان أهل القرية، وثباتهم على إيمانهم ضد الظلم والطغيان.
إيجابية أبي ذر
لما بلغ أبا ذر ﵁ مبعث النبي ﷺ بمكة قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي، فاعلم علم هذا الرجل الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء، فاسمع من قوله ثم
стр. 256
ائتني به، فانطلق الآخر حتى قدم مكة، وسمع من قوله ثم رجع إلى أبي ذر فقال: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وكلام ما هو بالشعر، فقال: ما شفيتني فيما أردت، فتزود وحمل قربة قديمة فيها ماء حتى قدم مكة، فأتى المسجد فالتمس النبي ﷺ ولا يعرفه، وكره أن يسأل عنه حتى أدركه بعض الليل، فاضطجع فرآه علي فعلم أنه غريب، فلما رآه تبعه فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتى أصبح ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد فظل ذلك اليوم، ولا يرى النبي ﷺ حتى أمسى فعاد إلى مضطجعه فمر به علي فقال: أما آن للرجل أن يعلم منزله؟ فأقامه، فذهب به معه ولا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتى إذا كان اليوم الثالث فعل مثل ذلك، فأقامه علي معه، ثم قال: ألا تحدثني ما الذي أقدمك هذا البلد؟ قال: إن أعطيتني عهدًا وميثاقًا لترشدني فعلت، ففعل فأخبره، فقال: فإنه حق، وهو رسول الله، فإذا أصبحت فاتبعني فإن رأيت شيئًا أخاف عليك قمت كأني أريق الماء، فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي، ففعل فانطلق يقفوه، حتى دخل على النبي ﷺ ودخل معه، فسمع من قوله وأسلم مكانه، فقال له النبي ﷺ : ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري، فقال: والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وثار القوم فضربوه حتى أضجعوه، فأتى العباس فكب عليه فقال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار وإن طريق تجارتكم إلى الشام عليهم؟ فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد لمثلها، وثاروا عليه فضربوه، فأكب عليه العباس فأنقذه [رواه البخاري].
وفي رواية مسلم: قال أبو ذر: فأتيت أنيسًا فقال: ما صنعت؟ قلت: صنعت أني أسلمت وصدقت، قال: ما بي رغبة عن دينك فإني قد أسلمت وصدقت، فأتينا أمنا فقالت: ما بي رغبة عن دينكما فإني قد أسلمت وصدقت، فاحتملنا حتى أتينا قومنا غفارًا فأسلم نصفهم، وكان يؤمهم "إيماء بن رخصة الغفاري" وكان سيدهم، وقال نصفهم: إذ قدم رسول الله المدينة أسلمنا، فقدم رسول الله ﷺ المدينة، فأسلم نصفهم الباقي، وهكذا أسلمت قبيلة غفار بدعوة أبي ذر بعد أن بذل ما بذل من جهد ووقت وتحمل الأذى في سبيل نشر دعوته.
стр. 257
الشيخ أحمد ياسين
كان المعتاد في قطاع غزة إجراء حفل سنوي للطلاب للاحتفال بأعياد النصر، لخروج القوات الإسرائيلية من قطاع غزة، ووقع الاختيار على أربع فتيات من جيران الشيخ أحمد ياسين للمشاركة في الرقصات أثناء الحفل، فحرض الشيخ أولياء أمورهن على الرفض، فأمر (بشير الرايس) مدير التعليم حينئذ بفصلهن من المدرسة، فاتصل الشيخ وأولياء الأمور بمساعد الحاكم العسكري العام وكان مديرًا للشئون (اللواء جمال صابر) وهددوه بأن مخيم الشاطيء على موعد غدًا مع مظاهرة كبرى احتجاجًا على هذا التصرف، وعلم الحاكم الإداري بالقصة فعنف (بشير الرايس) وأمر بإعادة البنات فورا إلى مدارسهن، ولم يشاركن في الحفل الراقص (١).
...
стр. 258
الإيثار
الإيثار تفضيل الإنسان لغيره على نفسه، فيبذل لهم مما يملك لإسعادهم قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩].
وللإيثار فضل كبير ينعم به الفرد والجتمع، فالمؤثر يحظى برضوان الله تعالى وحبه له، ويحدث الترابط بين أفراد المجتمع.
إيثار الرسول ﷺ -
عن سهل بن سعد ﵁ أن امرأة جاءت النبي ﷺ ببردة منسوجة فيها حاشيتها، أتدرون ما البردة؟ قالوا: الشملة، قال: نعم، قالت: نسجتها بيدي فجئت لأكسوكها، فأخذها النبي ﷺ محتاجا إليها، فخرج إلينا وإنها إزاره، فحسنها فلان، فقال: اكسنيها، ما أحسنها! قال القوم: ما أحسنت، لبسها النبي ﷺ محتاجا إليها ثم سألته وعلمت أنه لا يرد، قال: إني والله ما سألته لألبسه إنما سألته لتكون كفني قال سهل: فكانت كفنه [رواه البخاري].
ضيف الرسول ﷺ -
عن أبي هريرة ﵁ قال: أن رجلا أتى النبي ﷺ فبعث على نسائه فقلن: ما معنا إلا الماء فقال رسول الله ﷺ : من يضم أو يضيف هذا؟ فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمي ضيف رسول الله ﷺ ، فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني فقال: هيئي طعامك، وأصلحي سراجك، ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاء، فهيأت طعامها، وأصلحت سراجها ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان فباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله ﷺ فقال ﷺ : ضحك الله الليلة أو عجب من فعالكما، فأنزل الله ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] [رواه البخاري].
مساعدة الناس
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينما نحن في سفر مع النبي ﷺ ، إذ جاء رجل على راحلة
стр. 259
له، فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالاً، فقال رسول الله ﷺ : من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له" [رواه مسلم].
إذا كنت تملك قميصا زائدا عن حاجتك، أو لا تستعمله فتبرع به لأحد الفقراء.
إيثار علي بنفسه مكان الرسول ﷺ -
تآمر كفار قريش على قتل النبي ﷺ ، ووقف فرسانهم الأشداء حاملين سيوفهم أمام باب بيته، ولكن الله حفظه منهم، وطلب رسول الله ﷺ من علي بن أبي طالب ﵁ أن ينام في فراشه، فلم يتردد في الموافقة على طلب النبي ﷺ وقدم نفسه فداء له، فنام في فراشه، وتغطى ببردته، وهو يعلم أن المشركين قد يقتلونه لظنهم أنه النبي ﷺ ، وإذا علموا أنه خدعهم ونام مكانه. ونجى الله رسوله ﷺ وأحاط عليا برعايته، فلم تمتد إليه أيدي المشركين بأذى، وكان علي بن أبي طالب أول فدائي في الإسلام، فكن على استعداد لتقدم نفسك مقابل الدفاع عن رسولك.
جوار الحبيبين
عندما طُعن عمر بن الخطاب ﵁، أراد ألا يحرم من شرف الصحبة مع النبي ﷺ ، فقال لابنه عبد الله: انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل: عمر يقرأ عليك السلام ولا تقل أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرًا وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن بجوار صاحبيه، فقالت عائشة ﵂: كنت أريده لنفسي ولأؤثرنه اليوم على نفسي، فلما أقبل قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء، قال: ارفعوني فأسنده رجل إليه فقال: ما وراءك؟ قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين، أذنت، قال: الحمد لله ما كان شيء أحب إليَّ من ذلك، فإذا أنا مت فاحملوني، ثم سلم وقل: يستأذن عمر بن الخطاب فإن أذنت فأدخلوني، وإن ردتني فردوني إلى مقابر المسلمين.
وهكذا كانت السيدة عائشة ﵂ تؤثر الآخرين على نفسها.
стр. 260
عمر بن الخطاب والدنانير
أخذ عمر بن الخطاب ﵁ أربعمائة دينار فجعلها في صرة، فقال للغلام: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح ثم تله ساعة في البيت حتى تنظر ما يصنع، قال: فذهب بها الغلام فقال: يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذه في بعض حاجتك، قال: وصله الله ورحمه، ثم قال: تعالي يا جارية، اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان حتى أنفدها. فرجع الغلام إلى عمر وأخبره، فوجده قد أعد مثلها لمعاذ بن جبل، فقال: اذهب بها إلى معاذ بن جبل، وتله في البيت ساعة، حتى تنظر ما يصنع، فذهب بها إليه، فقال: يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال: ﵀ ووصله، تعالى يا جارية، اذهبي إلى بيت فلان بكذا، واذهبي إلى بيت فلان بكذا فاطلعت امرأة معاذ، فقالت: نحن والله مساكين فأعطنا، ولم يتبق إلا ديناران فرمى بهما إليها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره بذلك، فسُر بذلك وقال: إنهم إخوة بعضهم من بعض.
إيثار حتى الموت
أصيب الحارث بن هشام، وعكرمة بن أبي جهل، وعياش بن أبي ربيعة ﵃ بجروح شديدة، وبينما هم راقدون في خيمة الجرحى، طلب الحارث ماء ليشرب فأحضر رجل له الماء، وكان الماء قليلاً، وقربه من فم الحارث ليشرب، ولكن الحارث لاحظ أن عكرمة ينظر إلى الماء فعرف أنه يريد أن يشرب، فقال الحارث للرجل: أعطه له، فلما ذهب الرجل بالماء إلى عكرمة، كان إلى جواره عياش، فلما هم عكرمة أن يشرب، لاحظ أن عياشًا ينظر إلى الماء، فقال عكرمة للرجل: أعطه له، فلما وصل الرجل إلى عياش، وجده قد مات، فرجع الرجل بالماء مرة أخرى إلى عكرمة، فوجده قد مات فعاد به إلى الحارث فوجده قد مات أيضًا، ماتوا جميعًا وكل منهم يؤثر أخاه على نفسه بشربة ماء حتى في اللحظة الأخيرة.
لو ذكرتيني لفعلت
بعث ابن الزبير بثمانين ومائة ألف إلى عائشة ﵂ فدعت بطبق وهي يومئذ صائمة، فجلست تقسمه بين الناس، فأمست وما عندها من ذلك درهم، فلما أمست قالت: يا جارية هلمي فطري، فجاءتها بخبز وزيت، فقالت لها الجارية: أما
стр. 261
استطعت مما قسمت اليوم أن نشتري لنا بدرهم لحمًا نفطر عليه؟ فقالت لها: لا تعنفيني، لو كنت ذكرتيني لفعلت.
فرحم الله أم المؤمنين، وقد امتلأ قلبها بالإيمان وحب الرحمن، حتى نسيت إلى جنب ذلك نفسها وهي صائمة.
إيثار المهاجرين والأنصار
لما قدم المهاجرون المدينة آخى رسول الله ﷺ بينهم وبين الأنصار، وآخى بين عبد
الرحمن ابن عوف وسعد بن الربيع ﵄ فقال سعد لعبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالاً، فأقسم مالي نصفين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي، أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟ " [رواه البخاري].
إيثار بالشهوات
عن ابن عمر ﵄ أنه كان مريضًا، فاشتهى سمكة طرية، فالتُمست له بالمدينة، فلم توجد حتى وُجدت بعد كذا وكذا يوم، فاشتريت بدرهم ونصف، وشويت، وحُملت له على رغيف، فقام سائل على الباب، فقال للغلام: لفها برغيف، وادفعها له.
فقال الغلام: أصلحكا لله، اشتهيتها منذ كذا وكذا يوم، فلم نجدها، فلما وجدناها، واشتريناها بدرهم ونصف أمرت أن ندفعها له، نحن نعطيه ثمنها.
فقال: لُفها، وادفعها إليه.
فقال الغلام للسائل: هل لك أن تأخذ درهمًا وتدع هذه السمكة؟
فأخذ منه درهمًا، وردها، فعاد الغلام وقال له: دفعت له درهما وأخذتها منه.
فقال له: لفها، وادفعها إليه، ولا تأخذ منه شيئًا، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أيما امرئ اشتهى شهوة فردَّ شهوته، وآثر بها على نفسه غفر الله له".
إيثار نادر
عن أبي هريرة ﵁ قال: قالت الأنصار للنبي ﷺ : أقسم بيننا وبين إخواننا النخيل،
стр. 262
قال: لا، فقالوا: تكفونا المؤنة، ونشرككم في الثمرة، قالوا: سمعنا وأطعنا" [رواه البخاري].
إنهم يريدون أن يتبرعوا بنصف أموالهم لإخوانهم المهاجرين تعويضًا لهم عما تركوه في مكة في سبيل الله، ولا يقوم بهذا الإيثار إلا من قوي إيمانه وزكَّى نفسه من الحقد والحسد.
في أحد
عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول ﷺ أُفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش فلما رهقوه، قال:"من يردهم عنا وله الجنة؟ أو هو رفيقي في الجنة". فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه أيضًا فقال: من يردهم عنا وله الجنة؟ أو وهو رفيقى في الجنة؟ " فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل" [رواه مسلم].
وكان آخر هؤلاء السبعة عمارة بن يزيد بن السكن، قاتل حتى أثبتته الجراحة فسقط.
كل منهم يؤثر الرسول ﷺ على نفسه حتى ماتوا ورزقهم الله الشهادة.
إيثار الرجال
روي أنه اجتمع عند أبي الحسن الأنطاكي نيف وثلاثون رجلاً لهم أرغفة معدودة لا تكفيهم شبعًا، فكسروها وأطفأوا السراج، وجلسوا للأكل، فلما رفعت المائدة فإذا الأرغفة محلها لم ينقص منها شيء لأن كل واحد منهم لم يأكل إيثارًا للآخرين على نفسه حتى لم يأكلوا جميعًا، وهكذا آثر كل مسلم جائع منهم غيره، فكانوا من أهل الإيثار جميعًا.
أبو هريرة
عن أبي هريرة ﵁ قال: والله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأَشد حجرًا على بطني من الجوع، ولقد قعدت يومًا على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر بي أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني، فمر ولم يفعل. ثم مر بي عمر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني، فمر فلم يفعل. ثم مر بي أبو القاسم ﷺ فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي ثم قال: يا أبا هر، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: الحق،
стр. 263
ومضى فتبعته، فدخل فاستأذن فأذن لي فدخل، فوجد لبنا في قدح، فقال: من أين هذا اللبن؟ قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة، قال: أبا هر، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي، قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أحد، إذا أتته ﷺ صدقة بعث بها إليهم، ولم يتناول منها شيئا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة، كنت أحق أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها، فإذا جاء وأمرني فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن، ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ بد، فأتيتهم فدعوتهم، فأقبلوا واستأذنوا فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت، فقال: يا أبا هر! قلت: لبيك يا رسول الله ﷺ قال: خذ فأعطهم، قال: فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد على القدح فأعطيه الآخر فيشرب حتى يروى، ثم يرد عليَّ القدح حتى انتهيت إلى النبي ﷺ ، وقد روي القوم كلهم، فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إلي فتبسم، فقال: أبا هر، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: بقيت أنا وأنت، قلت: صدقت يا رسول الله، قال: اقعد فاشرب، فقعدت فشربت، فقال: اشرب فشربت، فما زال يقول: اشرب حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكًا، قال: فأرني، فأعطيته القدح، فحمد الله وسمى وشرب الفضلة" [رواه البخاري].
بشر بن الحارث
قال بعض الصالحين: ما رأيت أحدًا خرج من الدنيا كما دخل فيها إلا بشر بن الحارث، أتاه رجل في مرضه الذي توفي فيه، فشكا إليه الحاجة، فنزع بشر قميصه الذي كان عليه، فأعطاه إياه، ولم يملك غيره واستعار قميصًا مات فيه. إنه الإيثار حتى في لحظات الموت، فأخوه يحتاج إلى هذا القميص، وهو قد أيقن بالموت.
وكان سفيان الثوري يقول للسائل: مرحبًا بمن جاء يغسل ذنوبي.
أنفق مما تحب
عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخله ويشرب
стр. 264
من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت هذه الآية ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قام أبو طلحة إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، إنا الله ﵎ يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإن أحب أموالي إليَّ بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، قال: فقال رسول الله: بخ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه" [رواه البخاري].
يا أخي: أنت صاحب دعوة، ويراد منك أن تنشيء أمة وتبني دولة، والأمم لا تقام بفضائل الجهود، يراد منك أن تجاهد لإعلاء مبادئ الدعوة باذلاً في سبيلها مالك وراحتك ووقتك وهمتك ومواهبك وأخيرًا دمك.
إيثار بما تحب
أصاب عمر بن الخطاب ﵁ بخيبر أرضًا، فأتى إلى النبي ﷺ فقال: أصبت أرضًا لم أصب مالاً قط أنفس منه فكيف تأمرني به؟ قال: إن شئت حبست أصلها، أو تصدقت بها، فتصدق عمر بها في سبيل الله، ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف.
إيثار عبد الرحمن بن عوف
عن أنس ﵁ قال: بينما عائشة ﵂ في بيتها إذ سمعت صوتًا في المدينة قالت: ما هذا؟ قالوا: عير لعبد الرحمن بن عوف قدمت من الشام تحمل كل شيء، قال: كانت سبعمائة بعير، قال: فارتجت المدينة من الصوت فقالت عائشة ﵂: أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبواً.
فبلغ ذلك عبد الرحمن بن عوف فأتاها فسألها عما بلغه، فحدثته فقال: فإني أشهدك أنها بأحمالها وأقتابها وأحلاسها في سبيل الله وجعلها عبد الرحمن بن عوف في سبيل الله.
صدقة على الفقراء والمساكين، وآثرهم على نفسهم.
إيثار حكيم بن حزام
روى أن حكيم بن حزام ﵁ باع داراً له من معاوية بستين ألفًا، فقالوا: غبنك والله
стр. 265
معاوية! فقال: والله أشهدكم أنها في سبيل الله، والمساكين، والرقاب، فأينا المغبون؟!
إنه الفهم الصحيح لمعنى الإيثار وحب الخير للآخرين، كان كل صحابي مشغولا بالآخرة وما يقربه إلى الجنة.
يا قوم أسلموا
عن أنس ﵁ أن رجلاً سأل النبي ﷺ غنمًا بين جبلين، فأعطاه إياه فأتى قومه فقال: أي قوم أسلموا، فوالله إن محمدًا ليعطي عطاء ما لا يخاف الفقر! فقال أنس: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها [رواه مسلم].
يؤثر إخوانه بالحياة لحظات
عن أبي العباس بن عطاء قال: سعى ساع بالصوفية إلى الخليفة فقال: إنها هنا قومًا من الزنادقة يرفضون الشريعة، فأخذ أبا الحسين النوري، وأبا حمزة، والدقاق، وتستر الجنيد بالفقه، فكان يتكلم على مذهب أبي ثور.
فأدخلوا على الخليفة فأمر بضرب أعناقهم، فبدر أبو الحسين إلى السياف ليضرب عنقه! فقال له السياف: مالك بدرت من بين أصحابك؟!
فقال: أحببت أن أوثر أصحابي بحياة هذه اللحظة.
فتعجب السياف من ذلك وجميع من حضر، وكتب به إلى الخليفة، فرد أمرهم إلى القاضي إسماعيل بن إسحاق، فقام إليه النوري، فسأله عن أصول الفرائض في الطهارة والصلاة، فأجابه، ثم قال: وبعد هذه فإن لله عبادًا يأكلون بالله، ويلبسون بالله، ويسمعون بالله، ويصدرون بالله، ويردون بالله، فلما سمع القاضي كلامه بكى بكاء شديدًا، ثم دخل على الخليفة فقال: إن كان هؤلاء القوم زنادقة فما على وجه الأرض موحد.
ما شاء الله
كان لعروة بن الزبير بستان من أعظم بساتين المدينة، وكان يسور بستانه طوال العام، لحماية أشجاره من أذى الماشية وعبث الصبية، حتى إذا آن أوان الرطب وأينعت الثمار
стр. 266
وطابت، واشتهتها النفوس، كسر حائط بستانه في أكثر من جهة ليجيز للناس دخوله، وكان كلما دخل بستانه ردد قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩] (١).
مداواة الروماتيزم:
آلمت بعض الإخوة الشباب في المعتقل البرد الشديد في الزنزانة، وكان شابًا وكانت معه أغطية وثياب، ولما علم معاناة المستشار الهضيبي من مرض الروماتيزم الحاد المزمن الذي يحوج أجلد الفتيان إلى مضاعفة الدفء في وقت الشتاء، فعمد إلى فروة ودفع بها مع حارس الزنزانة ليسلمها -لقاء مبلغ من المال- إلى الأستاذ الهضيبي في زنزانته التي عرف رقمها، غير أن الحارس لم يلبث أن عاد إليه بالفروة بيده ليبلغني أن نزيل تلك الزنزانة أمره بإعادتها إليَّ، وخشيت أن يكون الحارس قد أخطأ المقصود فرددته بكلمة رمزية وألزمته بتسليم الفروة، والتأكد ممن أرسلتها إليه بجواب تلك الكلمة، ولكنه سرعان ما عاد إليَّ بالجواب الرمزي، ومعه الرفض الحاسم بدعوى أنه لا يشعر بأي برد يحوجه إلى الفراء.
وبعد يومين هيأت لهذا الشاب الأقدار الاجتماع بالهضيبي في دورة المياه فقال له: أدفيء نفسك بفروتك أو ادفعها إلى من يحتاج إليها من إخوانك، فقال له: فديتك نفسي، من أحوج إليها منك وأنت مريض بالروماتيزم والدوسنتاريا، فإذا بالهضيبي يقول له في بشاشة: لقد شفيت والله ببرد هذه الزنزانة من كل ما أثقلني من الأمراض في السنوات الماضية. وما كاد الشاب يسمع الجواب حتى غلبته العبرات، وتضاءلت نفسه كأنها حفنة من تراب.
إيثار الكفاح على السلامة
شاءت الأقدار أن يكون الأستاذ الهضيبي في سوريا ولبنان في صيف عام ١٩٥٤ م بعد زيارة للمملكة العربية السعودية قام بها في أول ذلك الصيف إجابة لدعوة من الملك سعود بن عبد العزيز ﵀، وفيما كان الهضيبي موضع الحفاوة والتكريم من جميع الأوساط الدينية والاجتماعية والسياسية في البلدين الكريمين، إذا بحملة استفزاز مسعورة
стр. 267
يطلقها حاكم مصر يومذاك على الإخوان المسلمين في مصر في مدينة من محافظة الشرقية، وإذا الأنباء تتواتر عن اتباع ذلك بموجة عارمة تنصب على الجماعة فأغلقت مراكزها التي شارفت على الألفين، وتعتقل قادتها.
وظن البعض إيثار الهضيبي للسلامة خارج مصر حرصًا على استنفار الرأي العام، والإنكار على حكام مصر.
غير أن الهضيبي ما كاد يسمع أنباء النكثة الجديدة للسلطة المصرية، وما أدت إليه من سجير المحنة، حتى أمر بالتجهز للعودة إلى مصر إعذارًا إلى الله وصيانة للدعوة من أن يشاع أن المرشد العام يهش لقيادته في الرخاء، ويترك جنودها يصطلون بنارها في المحنة والبأساء.
***
стр. 268
الابتسامة
الإسلام دين السماحة واليسر لا يرفض الضحك، ولا يمنعه، وإنما يقبل منه ما يقوي أواصر الود والترابط بين أفراد المجتمع المسلم، وما يخفف من هموم النفس وآلامها ومتاعبها.
والإسلام دين الفطرة يحرص على رسم الابتسامة الدائمة على شفاه المسلمين، ويجعل بشاشة الوجه سمة أساسية من سمات المؤمن الصالح.
والابتسامة الصافية دليل على الود والصداقة، وحسن المعاملة وحسن النية، وهي تساعد على التلطف والمشاركة بين أفراد المجتمع.
والضحك يفرج الكروب، ويزوح عن النفس، وينشط العقول والأذهان، ويريح الأعصاب، ويخلص العضلات من التوتر، ويحافظ على التوازن النفسي للإنسان.
سُئل عبد الله بن عمر ﵄: هل كان أصحاب رسول الله ﷺ يضحكون؟ قال: نعم والإيمان في قلوبهم أعظم من الجبل.
ويقول ابن عيينة: البشاشة مصيدة المودة، والبر شيء هين: وجه طليق وكلام لين (١).
وسُئل الصحابي جابر بن سمرة ﵁: أكنت تجالس رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، كثيرًا كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح أو الغداة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قام، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية، فيضحكون ويبتسم [رواه مسلم].
الضحك في القرآن
جاءت آيات القرآن الكريم معبرة عن الطبيعة البشرية وخصائصها، فقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣] ليؤكد أن الله خلق خاصيتي الضحك والبكاء في النفس البشرية، وقد وصف الله سبحانه وجوه المؤمنين يوم القيامة بالضحك
стр. 269
والاستبشار، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩)﴾ [عبس: ٣٨ - ٣٩].
نماذج من ضحك الرسول ﷺ -
لم يكن الرسول ﷺ عابث الوجه قاطب الجبين، كما يظن كثير ممن يزعم التدين أو الزهد، ولكن كان للضحك والمرح جزء من حياته خاصة مع الناس، أما الخوف والبكاء فكان فيما بينه وبين الله دعاء واستغفارًا وتضرعًا، أو رحمة لمصاب المسلمين.
وكان ضحكه ﷺ لا يتنافى مع الحق فهو لا يضحك للباطل وعلى الباطل.
فهيا ننظر في ضحكه لننشر البهجة والسرور والفرح بين المسلمين، ويكون قدوة لنا في الوسطية والحق وعدم الإسراف.
الرسول والفاروق
قال سعد بن أبي وقاص ﵁: استأذن عمر بن الخطاب ﵁ على رسول الله ﷺ وعنده نسوة من قريش يكلمنه ويستكثرنه، عالية أصواتهن على صوته، فلما استأذن عمر بن الخطاب ﵁ قمن فبادرن الحجاب، فأذن له رسول الله ﷺ فدخل عمر، ورسول الله ﷺ يضحك.
فقال: أضحك الله سنك يا رسول الله.
فقال النبي ﷺ : عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب قال عمر: فأنت أحق أن يهبن يا رسول الله.
ثم قال عمر: يا عدوات أنفسهن، أتهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ ؟
فقلن: نعم، أنت أفظ وأغلظ.
فقال رسول الله ﷺ : إيها يابن الخطاب، والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان سالكًا فجًا قط إلا سلك فجًّا غير فجك" [رواه البخاري].
تصديق الحبر
قال عبد الله بن مسعود ﵁: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله يضع السماء على إصبع، والأرض على إصبع، والجبال على إصبع،
стр. 270
والشجر والأنهار على إصبع، وسائر المخلوقات على إصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك رسول الله ﷺ وقال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] [رواه البخاري].
أين السائل ؟
قال أبو هريرة ﵁: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت: قال: ما لك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟ قال: لا، قال: فمكث النبي، فبينا نحن على ذلك أتى النبي بعرق فيها تمر -والعرق: المكتل (السلة الكبيرة) - قال: أين السائل؟ فقال: أنا، قال: خذ هذا فتصدق به، فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها -يريد الحرتين- أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: أطعمه أهلك [رواه البخاري].
ما الكوثر ؟
عن أنس بن مالك ﵁ قال: بينا رسول ﷺ ذات يوم بين أظهرنا، إذا أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسمًا فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت عليَّ آنفًا سورة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ [الكوثر: ١ - ٣] ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربي ، عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فيُختلج (يقتطع) العبد منهم، فأقول: يا رب! إنه من أمتي، فيقول: ما تدري ما أحدث بعدك" [رواه مسلم].
زرع الجنة
عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ كان يوما يحدث -وعنده رجل من أهل البادية- أن رجلاً من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع قال له: ألست فيما شئت؟ قال: بلى، ولكن أحب أن أزرع، قال: فأسرع وبذر، فبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده، وتكون أمثال الجبال، فيقول الله تعالى: دونك يا ابن آدم فأما نحن فلسنا بأصحاب زرع، فإنه لا يشبعك شيء، فقال الأعرابي: يا رسول الله لا تجد هذا إلا قرشيًا أو أنصاريًا، فإنهم
стр. 271
أصحاب زرع، فضحك النبي ﷺ [رواه البخاري].
تعالى حتى أسابقك
عن عائشة ﵂ قالت: خرجت مع النبي ﷺ في بعض أسفاره وأنا جارية لم أحمل اللحم، ولم أبدن، فقال للناس: تقدموا فتقدموا، ثم قال لي: تعالي حتى أسابقك، فسابقته فسبقته، فسكت عني حتى إذا حملت اللحم وبدنت ونسيت، خرجت معه في بعض أسفاره فقال للناس: تقدموا، فتقدموا، ثم قال: تعالي حتى أسابقك، فسابقته فسبقني فجعل يضحك وهو يقول: هذه بتلك" أحمد.
آخر أهل الجنة دخولاً
عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إني لأعرف آخر أهل النار خروجًا من النار وآخر أهل الجنة دخول الجنة، يؤتى برجل فيقول: سلوا عن صغار ذنوبه واخبئوا كبارها. فيقال له: عملت كذا وكذا يوم كذا وكذا، وعملت كذا وكذا، في يوم كذا وكذا.
قال: فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة.
قال: فيقول: يا رب لقد عملت أشياء ما أراها هاهنا.
قال: فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه [رواه الترمذي].
أتدرون مم أضحك ؟
عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فضحك فقال: هل تدرون مم أضحك؟ قال: فقلنا: الله ورسوله أعلم.
قال: من مخاطبة العبد ربه، يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ قال: يقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني، قال: فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا، وبالكرام الكاتبين شهودًا، قال: فيختم على فيه، فيقال لأركانه: انطقي، قال: فتنطق بأعماله". قال: ثم يخلي بينه وبين الكلام، قال: فيقول: بعدًا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل" [رواه مسلم].
وعن ابن مسعود ﵁ قال: أن رسول الله ﷺ قال: آخر من يدخل الجنة رجل، فهو يمشي مرة، ويكبو مرة، وتسفعه النار مرة. فإذا ما جاورها التفت إليها، فقال: تبارك الذي نجاني منك، لقد أعطاني الله شيئًا ما أعطاه آحدًا من الأولين والآخرين. فترفع له شجرة فيقول: أي رب! أدنني
стр. 272
من هذه الشجرة لأستظل بظلها وأشرب من مائها.
فيقول الله : يا بن آدم! لعلي إن أعطيتكها سألتني غيرها، فيقول: لا يا رب!
ويعاهده أن لا يسأله غيرها، وربه يعذره، لأنه يرى ما لا صبر عليه، فيدنيه منها؛ فيستظل بظلها ويشرب من مائها.
ثم ترفع له شجرة هي أحسن من الأولى. فيقول: أي رب! أدنني من هذه الشجرة لأشرب من مائها وأستظل بظلها، لا أسألك غيرها.
فيقول: يا بن آدم! ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟
فيقول: لعلي إن أدنيتك منها تسألني غيرها؟ وربه تعالى يعذره لأنه يرى ما لا صبر عليه فيدنيه منها، فيستظل بظلها ويشرب من مائها.
ثم ترفع له شجرة "عند باب الجنة، هي أحسن من الأوليين" فيقول أي رب! أدنني من هذه لأستظل بظلها وأشرب من مائها، لا أسألك غيرها، فيقول: يا بن آدم! ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها.
قال: بلى، يا رب، هذه لا أسالك غيرها. وربه تعالى يعذره، لأنه يرى ما لا صبر له عليها، فيدنيه منها. فإذا أدناه منها فيسمع أصوات أهل الجنة يقول: أي رب! أدخلنيها.
فيقول: يا بن آدم، ما يصريني منك؟ أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟
قال: يا رب! أتستهزيء مني وأنت رب العالمين؟
فضحك ابن مسعود فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ قالوا: مم تضحك؟
قال: هكذا ضحك رسول الله ﷺ فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟
قال: من ضحك رب العالمين حين قال: أتستهزيء مني وأنت رب العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزيء منك، ولكني على ما أشاء قادر" [رواه البخاري].
آخر ابتسامة في حياة النبي ﷺ -
عن أنس بن مالك ﵁: أن المسلمين بينا هم في صلاة الفجر من يوم الاثنين وأبو بكر يصلي بهم، لم يفجأهم إلا رسول الله ﷺ قد كشف ستر حجرة عائشة، فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة، ثم تبسم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن
стр. 273
أن رسول الله ﷺ يريد أن يخرج إلى الصلاة، فقال أنس: وهمَّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحًا برسول الله ﷺ ، فأشار إليهم بيده رسول الله ﷺ : أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر".
نصيحة طريفة
عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: أتت سلمى مولاة رسول الله أو امرأة أبي رافع مولى رسول الله ﷺ إلى رسول الله تستأذنه على أبي رافع قد ضربها.
قالت: قال رسول الله لأبي رافع: مالك ولها يا أبا رافع؟
قال: تؤذنيني يا رسول الله.
فقال رسول الله: بم آذيته يا سلمى؟
قالت: يا رسول الله ما آذيته بشيء، ولكنه أحدث وهو يصلي، فقلت له: يا أبا رافع إن رسول الله قد أمر المسلمين إذا خرج من أحدهم الريح أن يتوضأ، فقام فضربني.
فجعل رسول الله ﷺ يضحك، ويقول: يا أبا رافع إنها لم تأمرك إلا بخير" [رواه أحمد].
مواقف مضحكة
خرج الإمام الشهيد حسن البنا مرة في رحلة خلوية مع الجوالة، وقام الإخوة المكلفون بإعداد الطعام بعملهم، ولكنهم أخطأوا بخلطهم العدس بالحلبة، فكان مذاق الطعام غير مألوف، ولكنه خفف الحرج عن الآكلين والطهاة لتشجيع الجوالة على تناول هذا الطعام الغريب فقال: أتعرفون ما اسم هذه الطبخة يا أحباب؟ إنها الحلبة التي تسمعون عنها، وها أنتم قد رأيتموها وأكلتموها، فبالهناء والشفاء.
وكان في الإسكندرية شعبة للإخوان المسلمين في حي الحجاري بمنطقة رأس التين (تسمى شعبة الحجاري) وحين كان الأستاذ البنا يخطب في حفل للإخوان المسلمين في شعبة محرم بك، جاء الإخوان بشعبة الحجاري في جمع كبير، وهم يهتفون (الحجاري تحييك يا بنا)، فقطع الأستاذ البنا حديثه وقال: ومن للحجاري غير البنا.
(الحجاري: الآلة التي تقطع بها الحجارة التي تستعمل في البناء).
стр. 274
أنا روحك وأنت روحي
يقول عباس السيسي: في عام ١٩٤٧ م خرجت من دار المكتب الإداري بالإسكندرية إلى مطبعة رمسيس أمام المحافظة القديمة، وبعد مدة خطر ببالي أن أتصل بدار المكتب تليفونيًا لعل أمرًا يحتاجني هناك، ورد عليَّ في التليفون من يقول: من أنت؟ فقلت: أخوك عباس السيسي، وقلت له: من أنت؟ فقال: لا أعطيك اسمي وابتسم ضاحكًا فقلت له: طيب أنت لابس إيه؟ فقال: يا أخ عباس الرجل يعرف بروحه وحسه ولا يعرف بلبسه. فقلت: له: يظهر أنك رجل روحي قوي، قال: أنا روحك وأنت روحي، أنا حسن البنا؟ فألقيت السماعة على المكتب وهتفت: الله أكبر ولله الحمد، حيث كانت مفاجأة حيث جاء الإمام البنا من القاهرة فجأة (١).
شروط المزاح
١ - عدم الإكثار منه: كان الصحابة الذين تربوا في مدرسة النبوة يتمازحون فيما بينهم، فإذا جد الجد كانوا هم الرجال، كان أصحاب النبي ﷺ يتبادلون (يترامون) بالبطيخ، فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال.
قال عمر ﵁: من كثر ضحكه قلت هيبته.
٢ - عدم الأذى فيه:
عن عبد الله بن السائب عن أبيه عن جده ﵃ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا يأخذن أحدكم مثاع أخيه لاعبًا ولا جادًا، ومن أخذ عصا أخيه فليردها" [رواه أبو داود].
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى ﵄ قال: حدثنا أصحاب محمد ﷺ أنهم كانوا يسيرون مع النبي ﷺ ، فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى حبل فأخذه، ففزع، فقال رسول الله: لا يحل لمسلم أن يروع مسلمًا" [رواه أبو داود].
٣ - تجنب الكذب وقول الزور:
قال رسول الله ﷺ :"ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك به القوم فيكذب، ويل له، ويل له" [النسائي والترمذي].
стр. 275
ومن البدع الشائعة بين الناس (كذبة أبريل) وهي ليست من أخلاق الإسلام.
٤ - البعد عن السخرية:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١].
٥ - اختيار الوقت والمكان المناسبين:
فلا مزاح في أوقات الصلاة، وعند زيارة القبور، وذكر الموت، وعند قراءة القرآن، ولقاء الأعداء، وفي أماكن العلم.
٦ - عدم المزاح في الزواج والطلاق والمراجعة:
قال رسول الله ﷺ : "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة" (أي أن يراجع الرجل امرأته بعد أن يطلقها) [رواه أبو داود].
٧ - عدم المزاح بالسلاح:
قال رسول الله ﷺ : "من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه، وإن كان أخاه لأبيه وأمه" [مسلم].
الضحك والبكاء وجهان لسلامة صحتك
أكدت الدراسات الطبية أن دقيقة واحدة من القهقهة من القلب تعادل ممارسة تمرين رياضي مدته ١٠ دقائق، حيث تتحرك أكثر من ٨٠ عضلة مختلفة في جسم الإنسان، كما أن الضحك يساعد أيضًا على إزالة التوتر، وزيادة الإفرازات اللعابية، والعصارات الهضمية اللازمة لتسهيل الهضم، وعلاج الإمساك.
وعلى الوجه الآخر إطلاق الدموع بغزارة يعطي إحساسًا بالراحة النفسية، ويقي الجسم من أمراض القلب والقولون وقرحة المعدة، ويقي الإنسان من الهرمونات والمواد الكيماوية الضارة التي تسبب الاكتئاب (١).
...
стр. 276
العفة
معنى التعفف لغة: هو الكف عما لا يحل، والعفة هي النزاهة.
قال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ [النور: ٣٣] أي ليضبط نفسه فإنه وجاء.
اصطلاحا: العفة هي حصول حالة في النفس تمنع بها عن غلبة الشهوة.
وقال الجاحظ: هي ضبط النفس عن الشهوات.
قال الرسول ﷺ : "عرض على أول ثلاثة يدخلون الجنة: شهيد وعفيف متعفف وعبد أحسن عبادة الله ونصح لواليه" [رواه الترمذي].
عفوا تعف نساؤكم في المحرم ... وتجنبوا ما لا يليق بمسلم
إن الزنا دين فإن أقرضته ... كان الزنا من أهل بيتك فاعلم (١)
عفة اللسان
قال سفيان بن حسين الواسطي: ذكرت رجلا بسوء عند إياس بن معاوية، فنظر في وجهي وقال: أغزوت الروم؟ قلت: لا، قال: السند والهند والترك؟ قلت: لا، قال: أفسلم منك الروم والسند والهند والترك ولم يسلم منك أخوك المسلم؟! قال: فلم أعد بعدها (يعني لم يذكر أحدا بعد ذلك بعيب) (٢).
قال أحد السلف لما أراد أن يطلق زوجته لأمر ما، فقيل له: ما يسؤك منها؟ قال: أنا لا أهتك ستر زوجتي، ثم طلقها بعد ذلك، فقيل له: فلم طلقتها؟ قال: مالي وللكلام عن امرأة صارت أجنبية عني؟!
стр. 277
التعفف عن سؤال الناس
عن عبد الرحمن بن عبيد عن أبي هريرة ﷺ قال: إن كنت لأتبع الرجل أسأله عن الآية من كتاب الله، لأنا أعلم بها منه ومن عشيرته، وما أتبعه إلا ليطعمني القبضة من التمر أو السفة من السويق أو الدقيق أسد بها جوعي.
وعن أبي رافع أن أبا هريرة قال: ما أحد من الناس يهدي لي هدية إلا قبلتها، فأما أن أسأل فلم أكن لأسأل.
العفة عن أموال الناس
أتت عمة عمر بن عبد العزيز إلى امرأته فاطمة، فقالت: إني أريد كلام أمير المؤمنين.
قالت لها: اجلسي حتى يفرغ، فجلست، فإذا بغلام قد أتى فأخذ سراجا، فقالت لها فاطمة: إن كنت تريدينه فالآن، فإنه إذا كان في حوائج العامة كتب على الشمع، وإذا صار إلى حاجة نفسه دعا بسراجه.
فقامت، فدخلت عليه، فإذا بين يديه أقراص وشيء من ملح، وزيت، وهو يتعشى، فقالت: يا أمير المؤمنين أتيت بحاجة لي، ثم رأيت أن أبدأ بك قبل حاجتي،.
قال: وما ذاك يا عمة؟
قالت: لو اتخذت لك طعاما ألين من هذا.
قال: ليس عندي يا عمة، ولو كان عندي لفعلت.
قالت: يا أمير المؤمنين، كان عمك عبد الملك يجري عليَّ كذا وكذا، ثم كان أخوك الوليد فزادني، ثم وليت أنت فقطعته عني.
قال: يا عمة، إن عمي عبد الملك، وأخي الوليد، وأخي سليمان كانوا يعطونك من مال المسلمين، وليس ذاك المال لي فأعطيكه، ولكني أعطيك مالي إن شئت.
قالت: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟
قال: عطائي مائتا دينار، فهو لك؟
قالت: وما يبلغ مني عطاؤك؟
стр. 278
قال: فليس أملك غيره يا عمة.
قالت: فانصرفت عنه (١).
هكذا كانوا
أمر أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور لأبي حنيفة بعشرة آلاف درهم فما رضي بأخذها، فجاء إليه بهذا المال رسول الحسن بن قحطبة الوالي فدخل عليه فلم يكلمه، فوضع المال في جراب في زاوية البيت فكان أن أوصى الإمام أبو حنيفة ابنه قائلا له: إذا مت ودفنتموني، فخذ هذا المال واذهب به إلى الحسن بن قحطبة فقل له: خذ وديعتك التي أودعتها أبا حنيفة.
قال ابنه: ففعلت ذلك.
فقال الحسن: رحمة الله على أبيك، فلقد كان شحيحا على دينه.
وعن عطاء بن السائب قال: كان رجل يقرأ على أبي عبد الرحمن السلمي، فأهدى له تلميذه فرسا فردها وقال: ألا كان هذا قبل القراءة! (٢).
ويقول الحسن البصري: مثقال ذرة من الورع خير من ألف مثقال من الصلاة والصوم.
وعن أبي إسماعيل المؤدب قال: جاء رجل إلى العمري (عبد الله بن عبد العزيز العمري) فقال: عظني.
قال: فأخذ حصاة من الأرض فقال: زنة هذه من الورع يدخل قلبك خير لك من صلاة أهل الأرض.
وذكر الإمام النووي أن أبا إسحاق الشيرازي دخل يوما مسجدا ليأكل طعاما على عادته، فنسي فيه دينارا فذكره في الطريق، فرجع فوجده، ففكر ساعة وقال: ربما وقع هذا الدينار من غيري، فتركه ولم يمسه (٣).
стр. 279
وكانت ابنة عمر بن عبد العزيز تقول له: يا أبت إن البنات يعيرنني، فيقلن: لم لا يحليك أبوك بالذهب؟
فيقول: يا بنية قولي لهن: إن أبي يخشى علي حر اللهب (١).
كلمات من ذهب
قال الليث بن سعد وغيره: كتب رجل إلى ابن عمر أن اكتب إليَّ بالعلم كله، فكتب إليه: إن العلم كثير، ولكن إن استطعت أن تلقي الله خفيف الظهر من مال الناس، خميص البطن من أموالهم، كاف اللسان عن أعراضهم، لازما لأمر جماعتهم، فافعل.
وقال أحد طللاب العلم لمحمد بن واسع: أوصني يا أبا عبد الله.
فقال: أوصيتك أن تكون ملكا في الدنيا والآخرة، فدهش السائل وقال: وكيف لي بذلك يا أبا عبد الله؟
فقال: ازهد بعرض الدنيا تكن ملكا هنا بالاستغناء عما في أيدي الناس، وملكا هناك بالفوز بما عند الله من حسن الثواب (٢).
عفة عبيد بن عمير
ذكر أبو الفرج ابن الجوزي أن امرأة جميلة كانت بمكة، وكان لها زوج، فنظرت يومًا إلى وجهها في المرآة فقالت لزوجها: أترى أحدًا يرى هذا الوجه ولا فتن به؟
قال: نعم.
قالت: من؟
قال: عبيد بن عمير.
قالت: فائذن لي فيه فلأفتننه.
قال: قد أذنت لك. فأتته كالمستفتية، فخلا معها في ناحية في المسجد الحرام، فأسفرت عن وجه مثل فلقة القمر، فقال لها: يا أمة الله استتري. فقالت: إني قد فتنت بك.
стр. 280
قال: إني سائلك عن شيء، فإن أنت صدقتيني نظرت في أمرك.
قالت: لا تسألني عن شيء إلا صدقتك.
قال: أخبريني لو أن ملك الموت أتاك ليقبض روحك أكان يسرك أن أقضي لك هذه الحاجة؟ قالت: اللهم لا.
قال: صدقت. فلو دخلت قبرك، وأجلست للمسألة أكان يسرك أني قضيتها لك؟
قالت: اللهم لا.
قال: صدقت، قال: فلو أن الناس أعطوا كتبهم، لا تدرين أتأخذين كتابك بيمينك أم بشمالك أكان يسرك أني قضيتها لك؟ قالت: اللهم لا.
قال: صدقت، قال: فلو أردت الممر على الصراط، ولا تدرين هل تنجين أو لا تنجين، أكان يسرك أني قضيتها لك؟
قالت: اللهم لا.
قال: صدقت، قال: فلو جيء بالميزان وجيء بك فلا تدرين أيخف ميزانك أم يثقل أكان يسرك أني قضيتها لك؟ قالت: اللهم لا.
قال: صدقت، قال: اتق الله فقد أنعم عليك وأحسن إليك.
قال: فرجعت إلى زوجها، فقال: ما صنعت؟ قالت: أنت بطالٌ ونحن بطالون.
فأقبلت على الصلاة والصوم والعبادة، فكان زوجها يقول: مالي ولعبيد بن عمير أفسد علي امرأتي، كانت في كل ليلة عروسًا فصيرها راهبة.
حكاية فتى عفيف
قال حصين بن محمد: بلغني أن فتى من أهل المدينة كان يشهد الصلوات كلها مع عمر بن الخطاب ﵁ وكان عمر يتفقده إذا غاب، فعشقته امرأة، فذكرت ذلك لبعض نسائها، فقالت: إني أحتال لك في إدخاله عليك، فقعدت له في الطريق، فلما مر بها قالت له: إني امرأة كبيرة في السن، ولي شاة لا أستطيع أن أحلبها، فلو دخلت فحلبتها لي -وكان أرغب شيء في الخير- فدخل فلم ير الشاة، فقالت: اجلس حتى آتيك بها.
فإذا المرأة قد طلعت عليه، فلما رأى ذلك عمد إلى محراب في البيت فقعد فيه،
стр. 281
فأرادته عن نفسه فأبى وقال: اتقي الله أيتها المرأة، فجعلت لا تكف عنه ولا تلتفت إلى قوله، فلما أبى عليها صاحت عليه، فجاء الناس، فقالت: إن هذا دخل عليّ يريدني عن نفسي، فوثبوا عليه وجعلوا يضربونه وأوثقوه.
فلما صلى عمر الغداة فقده، فبينا هو كذلك إذ جاءوا به في وثاق، فلما رآه عمر قال: اللهم لا تخلف ظني به، قال: ما لكم؟ قالوا: استغاثت امرأة بالليل، فجئنا فوجدنا هذا الغلام عندها، فضربناه وأوثقناه، فقال عمر: اصدقني، فأخبره بالقصة على وجهها.
فقال له عمر: أتعرف العجوز؟ قال: نعم، إن رأيتها عرفتها، فأرسل عمر إلى نساء جيرانها وعجائزهن، فجاء بهن فعرضهن فلم يعرفها فيهن، حتى مرت به العجوز، فقال: هذه يا أمير المؤمنين، فرفع عمر عليها الدرة، وقال: اصدقيني، فقصت عليه القصة كما قصها الفتى، فقال عمر: الحمد لله الذي جعل فينا شبيه يوسف (١).
إبراهيم المسكي
قيل لأبي بكر المسكي: إنا نشم منك رائحة المسك مع الدوام، فما سببه؟
فقال: والله لي سنين عديدة لم أستعمل المسك، ولكن سبب ذلك أن امرأة احتالت عليّ حتى أدخلتني دارها، وأغلقت دوني الأبواب، وراودتني عن نفسي، فتحيرت في أمري، فضاقت بي الحيل، فقلت لها: إن لي حاجة إلى الطهارة، فأمرت جارية لها أن تمضي بي إلى بيت الراحة، ففعلت.
فلما دخلت بيت الراحة أخذت العذرة، وألقيتها على جسمي، ثم رجعت إليها، وأنا على تلك الحالة، فلما رأتني دهشت، ئم أمرت بإخراجي فمضيت واغتسلت.
فلما كانت تلك الليلة رأيت في المنام قائلا يقول لي: "فعلت ما لم يفعله أحد غيرك، لأطيبن ريحك في الدنيا والآخرة" فأصبحت والمسك يفوح مني، واستمر ذلك إلى الآن.
الجزاء من جنس العمل
يحكى أن رجلاً اسمه المبارك كان عبدًا رقيقًا لرجل غني اسمه نوح ابن مريم، فطلب منه سيده أن يذهب ليحرس البساتين التي يملكها فذهب.
стр. 282
وبعد عدة شهور ذهب نوح ليتفقد أحوال البساتين ومعه مجموعة من أصحابه.
فقال للمبارك: ائتني برمان حلو وعنب حلو، فقطف له رمانات ثم قدمها إليهم، فإذا هي حامضة وكذلك العنب.
فقال له نوح: يا مبارك ألا تعرف الحلو من الحامض؟
قال: لم تأذن لي ياسيدي أن آكل منه حتى أعرف الحلو من الحامض.
فتعجب الرجل وقال: أما أكلت شيئًا وأنت هنا منذ شهور؟
قال المبارك: لا والله ما ذقت شيئًا، ووالله ما راقبتك ولكني راقبت ربي، فتعجب سيده من تلك العفة، ومن هذا الورع، وظن في البداية أنه يخدعه، فلما سأل الجيران.
قالوا: ما رأيناه يأكل شيئًا أبدًا، فتأكد من صدقه وورعه وعفته.
فقال: يا مبارك أريد أن أستشيرك في أمر عظيم، قال: ما هو يا سيدي؟
قال: إن لي ابنة واحدة وتقدم لها فلان وفلان وفلان "من الأثرياء" فيا ترى لمن أزوجها.
قال له المبارك: يا سيدي إن اليهود يزوجون للمال، والنصارى يزوجون للجمال، والعرب للحسب والنسب، والمسلمون يزوجون للتقوى، فمن أي الأصناف أنت؟ زوِّج ابنتك للصنف الذي أنت منه.
فقال نوح: والله لا شيء أفضل من التقوى، ووالله ما وجدت إنسانًا أتقى لله منك فقد اعتقتك لوجه الله وزوجتك ابنتي.
وسبحان الله، عف المبارك عن رمانة من البساتين، فساق الله إليه البستان وصاحبة البستان، والجزاء من جنس العمل، ومن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، فكانت النتيجة أن هذه المرأة أنجبت من المبارك ولدًا أتدرون من هو؟ إنه شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك!!
стр. 283
الحياء
تعريف الحياء
لغة: هو انقباض وانزواء وانكسار يعتري المرء خوف ما يعاب به. وهو مشتق من الحياة، فمن لا حياء له فهو ميت في الدنيا وشقي في الآخرة، وقال بعض البلغاء: حياة الوجه بحيائه، كما أن حياة الغرس بمائه.
شرعا: هو صفة وخلق يكون في النفس، فيبعث على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق. يقول الرسول ﷺ : "الإيمان بضع وستون شعبة، من الإيمان" رواه البخاري.
وقال ﷺ : "إن لكل دين خلقا وخلق الإسلام الحياء" [رواه ابن ماجه في سننه وحسنه الألباني].
وقال ﷺ أيضا: "الحياء خير كله" [رواه مسلم].
وقال ﷺ : "الحياء لا يأتي إلا بخير" [رواه البخاري].
وقال ﷺ أيضا:"الحياء والإيمان قرناء جميعا، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر" [رواه الحاكم].
وقال ﷺ أيضا: "ما كان الفحش في شيء إلا شانه، وما كان الحياء في شيء إلا زانه" [رواه الترمذي].
وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء. فقال رسول الله: "دعه فإن الحياء من الإيمان" [رواه الترمذي].
أما استحييت مني ؟!
في أثر إلهي يقول الله : "ابن آدم إنك ما استحييت مني أنسَيتُ الناس عيوبك، وأنسيت بقاع الأرض ذنوبك، ومحوت من أم الكتاب زلاتك، وإلا ناقشتك الحساب يوم القيامة".
стр. 284
وفي أثر آخر: "أوحى الله إلى عيسى ﵇: عظ نفسك، فإن اتعظت وإلا فاستحي مني أن تعظ الناس".
علامات الشقوة
قال الفضيل بن عياض: خمس من علامات الشقوة: القسوة في القلب وجمود العين وقلة الحياء والرغبة في الدنيا وطول الأمل.
أنت مؤمن بالله
ويقول الجنيد: الحياء رؤية الآلاء ورؤية التقصير، فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء.
وقال يحيى بن معاذ: من استحيا من الله مطيعا استحيا الله منه وهو مذنب.
هكذا خلقك الله
والحياء فطرة إنسانية كما جاء في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢].
وضاعت الأخلاق
ومن فقد الحياء فقد كل شيء وصار مجردا من كل خلق، عن ابن عمر ﵁ قال رسول الله ﷺ :" إن الله إذا أراد أن يهلك عبدا نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتا ممقتا (أشد البغض) فإذا لم تلقه إلا مقيتا ممقتا، نزعت منه الأمانة، فإذا نزعت منه الأمانة لم تلقه إلا خائنا مخونا، فإذا لم تلقه إلا خائنا مخونا نزعت منه الرحمة، فإذا نزعت منه الرحمة لم تلقه إلا رجيما ملعنا، فإذا لم تلقه إلا رجيما ملعنا نزعت منه ربقة الإسلام" [رواه ابن ماجه].
مفاهيم يجب أن تصحح
١ - الحياء للنساء: الحياء ليس -كما يظن الناس- صفة تتعلق بالنساء، ولكن الحياء شجاعة تملأ القلب حتى لا يقع في المعاصي، فذو الحياء لابد أن يكون صادقًا، لأن الكذب نقيصة يستحى منها، وذو الحياء لابد أن يكون أمينا لأن الخيانة نقيصة يستحيي منها ... وقد قال النبي ﷺ :" إن مما أدرك الناس من كلام النبوة: إذا لم تستح فاصنع ما شئت" [رواه البخاري].
стр. 285
٢ - الحياء سلبية: الحياء ليس صفة سلبية أو عجزًا بل الحياء شجاعة، وإن الحيي من أقوى الناس شكيمة وأشدهم بأسا في الدفاع عن الحق، لا يخشى في الحق لومة لائم، وإن الانتصار للحق والحرص عليه لا يتنافى مع الحياء.
٣ - الحياء خوف: الحياء ليس انقباضا في النفس يحجم صاحبه عن فعل الرذائل أمام المخلوقين فقط، ولكن المستحيي فعلا أولى له أن يستحيى من الخالق، لأنه هو وحده المطلع على الخفايا والسرائر.
٤ - الحياء خجل: الحياء ليس معناه الخجل من معايشة الناس، فالخجل عكس الحياء؛ لأنه شعور بالنقص داخل الإنسان، فهو يشعر أنه أضعف من الآخرين، وأنه لا يستطيع مواجهتهم، أما الحياء فهو شعور نابع من الإحساس برفعة وعظمة النفس، فالحيي يستحي أن يكذب لأنه لا يقبل أن تكون نفسه في هذه الدنايا، ولكن الخجول إذا أتيحت له الفرصة أن يفعل ذلك دون أن يراه أحد لفعل، والخجل ليس من الإسلام. عن عبد الله بن عمر -وكان دون الحُلم- أن رسول الله ﷺ قال: "إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هى؟ " فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله: ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: "هي النخلة" رواه البخاري، وفي رواية: فأردت أن أقول هي النخلة فإذا أنا أصغر القوم وفي رواية: ورأيت أبا بكر وعمر يتكلمان فكرهت أن أتكلم فلما قمنا حدثت أبي بما وقع في نفسي، فقال: لأن تكون قلتها أحب إلي من أن يكون لي حمر النعم.
٥ - الحياء في الزواج: ولي أمر الفتاة يجوز له أن يعرض ابنته على الشاب الصالح للزواج منها في غير تحرج ولا التواء ولا حياء زائف، كما حدث مع موسى، وحياء الفتاة لم يمنعها أن تعبر لولي أمرها بأدب عن رغبتها في الرجل.
٦ - الحياء يضيع الحقوق: يقول البعض: إن الحياء لا ينفع في هذا البلد، والحياء يضيع الحقوق، وليس هناك تعارض بين الحياء والمطالبة بالحق، طالما أني أطالب بحقي بسلوك مهذب وفيه حياء.
عمر والمرأة
خطب عمر بن الخطاب ﵁ مرة فعرض لغلاء المهور، فقالت له امرأة: أيعطينا الله