فأرادته عن نفسه فأبى وقال: اتقي الله أيتها المرأة، فجعلت لا تكف عنه ولا تلتفت إلى قوله، فلما أبى عليها صاحت عليه، فجاء الناس، فقالت: إن هذا دخل عليّ يريدني عن نفسي، فوثبوا عليه وجعلوا يضربونه وأوثقوه.
فلما صلى عمر الغداة فقده، فبينا هو كذلك إذ جاءوا به في وثاق، فلما رآه عمر قال: اللهم لا تخلف ظني به، قال: ما لكم؟ قالوا: استغاثت امرأة بالليل، فجئنا فوجدنا هذا الغلام عندها، فضربناه وأوثقناه، فقال عمر: اصدقني، فأخبره بالقصة على وجهها.
فقال له عمر: أتعرف العجوز؟ قال: نعم، إن رأيتها عرفتها، فأرسل عمر إلى نساء جيرانها وعجائزهن، فجاء بهن فعرضهن فلم يعرفها فيهن، حتى مرت به العجوز، فقال: هذه يا أمير المؤمنين، فرفع عمر عليها الدرة، وقال: اصدقيني، فقصت عليه القصة كما قصها الفتى، فقال عمر: الحمد لله الذي جعل فينا شبيه يوسف (١).
إبراهيم المسكي
قيل لأبي بكر المسكي: إنا نشم منك رائحة المسك مع الدوام، فما سببه؟
فقال: والله لي سنين عديدة لم أستعمل المسك، ولكن سبب ذلك أن امرأة احتالت عليّ حتى أدخلتني دارها، وأغلقت دوني الأبواب، وراودتني عن نفسي، فتحيرت في أمري، فضاقت بي الحيل، فقلت لها: إن لي حاجة إلى الطهارة، فأمرت جارية لها أن تمضي بي إلى بيت الراحة، ففعلت.
فلما دخلت بيت الراحة أخذت العذرة، وألقيتها على جسمي، ثم رجعت إليها، وأنا على تلك الحالة، فلما رأتني دهشت، ئم أمرت بإخراجي فمضيت واغتسلت.
فلما كانت تلك الليلة رأيت في المنام قائلا يقول لي: "فعلت ما لم يفعله أحد غيرك، لأطيبن ريحك في الدنيا والآخرة" فأصبحت والمسك يفوح مني، واستمر ذلك إلى الآن.
الجزاء من جنس العمل
يحكى أن رجلاً اسمه المبارك كان عبدًا رقيقًا لرجل غني اسمه نوح ابن مريم، فطلب منه سيده أن يذهب ليحرس البساتين التي يملكها فذهب.
стр. 282
وبعد عدة شهور ذهب نوح ليتفقد أحوال البساتين ومعه مجموعة من أصحابه.
فقال للمبارك: ائتني برمان حلو وعنب حلو، فقطف له رمانات ثم قدمها إليهم، فإذا هي حامضة وكذلك العنب.
فقال له نوح: يا مبارك ألا تعرف الحلو من الحامض؟
قال: لم تأذن لي ياسيدي أن آكل منه حتى أعرف الحلو من الحامض.
فتعجب الرجل وقال: أما أكلت شيئًا وأنت هنا منذ شهور؟
قال المبارك: لا والله ما ذقت شيئًا، ووالله ما راقبتك ولكني راقبت ربي، فتعجب سيده من تلك العفة، ومن هذا الورع، وظن في البداية أنه يخدعه، فلما سأل الجيران.
قالوا: ما رأيناه يأكل شيئًا أبدًا، فتأكد من صدقه وورعه وعفته.
فقال: يا مبارك أريد أن أستشيرك في أمر عظيم، قال: ما هو يا سيدي؟
قال: إن لي ابنة واحدة وتقدم لها فلان وفلان وفلان "من الأثرياء" فيا ترى لمن أزوجها.
قال له المبارك: يا سيدي إن اليهود يزوجون للمال، والنصارى يزوجون للجمال، والعرب للحسب والنسب، والمسلمون يزوجون للتقوى، فمن أي الأصناف أنت؟ زوِّج ابنتك للصنف الذي أنت منه.
فقال نوح: والله لا شيء أفضل من التقوى، ووالله ما وجدت إنسانًا أتقى لله منك فقد اعتقتك لوجه الله وزوجتك ابنتي.
وسبحان الله، عف المبارك عن رمانة من البساتين، فساق الله إليه البستان وصاحبة البستان، والجزاء من جنس العمل، ومن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، فكانت النتيجة أن هذه المرأة أنجبت من المبارك ولدًا أتدرون من هو؟ إنه شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك!!
стр. 283
الحياء
تعريف الحياء
لغة: هو انقباض وانزواء وانكسار يعتري المرء خوف ما يعاب به. وهو مشتق من الحياة، فمن لا حياء له فهو ميت في الدنيا وشقي في الآخرة، وقال بعض البلغاء: حياة الوجه بحيائه، كما أن حياة الغرس بمائه.
شرعا: هو صفة وخلق يكون في النفس، فيبعث على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق. يقول الرسول ﷺ : "الإيمان بضع وستون شعبة، من الإيمان" رواه البخاري.
وقال ﷺ : "إن لكل دين خلقا وخلق الإسلام الحياء" [رواه ابن ماجه في سننه وحسنه الألباني].
وقال ﷺ أيضا: "الحياء خير كله" [رواه مسلم].
وقال ﷺ : "الحياء لا يأتي إلا بخير" [رواه البخاري].
وقال ﷺ أيضا:"الحياء والإيمان قرناء جميعا، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر" [رواه الحاكم].
وقال ﷺ أيضا: "ما كان الفحش في شيء إلا شانه، وما كان الحياء في شيء إلا زانه" [رواه الترمذي].
وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء. فقال رسول الله: "دعه فإن الحياء من الإيمان" [رواه الترمذي].
أما استحييت مني ؟!
في أثر إلهي يقول الله : "ابن آدم إنك ما استحييت مني أنسَيتُ الناس عيوبك، وأنسيت بقاع الأرض ذنوبك، ومحوت من أم الكتاب زلاتك، وإلا ناقشتك الحساب يوم القيامة".
стр. 284
وفي أثر آخر: "أوحى الله إلى عيسى ﵇: عظ نفسك، فإن اتعظت وإلا فاستحي مني أن تعظ الناس".
علامات الشقوة
قال الفضيل بن عياض: خمس من علامات الشقوة: القسوة في القلب وجمود العين وقلة الحياء والرغبة في الدنيا وطول الأمل.
أنت مؤمن بالله
ويقول الجنيد: الحياء رؤية الآلاء ورؤية التقصير، فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء.
وقال يحيى بن معاذ: من استحيا من الله مطيعا استحيا الله منه وهو مذنب.
هكذا خلقك الله
والحياء فطرة إنسانية كما جاء في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢].
وضاعت الأخلاق
ومن فقد الحياء فقد كل شيء وصار مجردا من كل خلق، عن ابن عمر ﵁ قال رسول الله ﷺ :" إن الله إذا أراد أن يهلك عبدا نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتا ممقتا (أشد البغض) فإذا لم تلقه إلا مقيتا ممقتا، نزعت منه الأمانة، فإذا نزعت منه الأمانة لم تلقه إلا خائنا مخونا، فإذا لم تلقه إلا خائنا مخونا نزعت منه الرحمة، فإذا نزعت منه الرحمة لم تلقه إلا رجيما ملعنا، فإذا لم تلقه إلا رجيما ملعنا نزعت منه ربقة الإسلام" [رواه ابن ماجه].
مفاهيم يجب أن تصحح
١ - الحياء للنساء: الحياء ليس -كما يظن الناس- صفة تتعلق بالنساء، ولكن الحياء شجاعة تملأ القلب حتى لا يقع في المعاصي، فذو الحياء لابد أن يكون صادقًا، لأن الكذب نقيصة يستحى منها، وذو الحياء لابد أن يكون أمينا لأن الخيانة نقيصة يستحيي منها ... وقد قال النبي ﷺ :" إن مما أدرك الناس من كلام النبوة: إذا لم تستح فاصنع ما شئت" [رواه البخاري].
стр. 285
٢ - الحياء سلبية: الحياء ليس صفة سلبية أو عجزًا بل الحياء شجاعة، وإن الحيي من أقوى الناس شكيمة وأشدهم بأسا في الدفاع عن الحق، لا يخشى في الحق لومة لائم، وإن الانتصار للحق والحرص عليه لا يتنافى مع الحياء.
٣ - الحياء خوف: الحياء ليس انقباضا في النفس يحجم صاحبه عن فعل الرذائل أمام المخلوقين فقط، ولكن المستحيي فعلا أولى له أن يستحيى من الخالق، لأنه هو وحده المطلع على الخفايا والسرائر.
٤ - الحياء خجل: الحياء ليس معناه الخجل من معايشة الناس، فالخجل عكس الحياء؛ لأنه شعور بالنقص داخل الإنسان، فهو يشعر أنه أضعف من الآخرين، وأنه لا يستطيع مواجهتهم، أما الحياء فهو شعور نابع من الإحساس برفعة وعظمة النفس، فالحيي يستحي أن يكذب لأنه لا يقبل أن تكون نفسه في هذه الدنايا، ولكن الخجول إذا أتيحت له الفرصة أن يفعل ذلك دون أن يراه أحد لفعل، والخجل ليس من الإسلام. عن عبد الله بن عمر -وكان دون الحُلم- أن رسول الله ﷺ قال: "إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هى؟ " فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله: ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: "هي النخلة" رواه البخاري، وفي رواية: فأردت أن أقول هي النخلة فإذا أنا أصغر القوم وفي رواية: ورأيت أبا بكر وعمر يتكلمان فكرهت أن أتكلم فلما قمنا حدثت أبي بما وقع في نفسي، فقال: لأن تكون قلتها أحب إلي من أن يكون لي حمر النعم.
٥ - الحياء في الزواج: ولي أمر الفتاة يجوز له أن يعرض ابنته على الشاب الصالح للزواج منها في غير تحرج ولا التواء ولا حياء زائف، كما حدث مع موسى، وحياء الفتاة لم يمنعها أن تعبر لولي أمرها بأدب عن رغبتها في الرجل.
٦ - الحياء يضيع الحقوق: يقول البعض: إن الحياء لا ينفع في هذا البلد، والحياء يضيع الحقوق، وليس هناك تعارض بين الحياء والمطالبة بالحق، طالما أني أطالب بحقي بسلوك مهذب وفيه حياء.
عمر والمرأة
خطب عمر بن الخطاب ﵁ مرة فعرض لغلاء المهور، فقالت له امرأة: أيعطينا الله
стр. 286
وتمنعنا يا عمر؟ الم يقل الله : ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] فلم يمنعها الحياء أن تدافع عن حق نسائها، ولم يمنع عمر أن يقول معتذرا: كل الناس أفقه منك يا عمر.
لا سمع ولا طاعة
وخطب مرة وعليه ثوبان فأمر بالسمع والطاعة، فنطق أحد المسلمين قائلا: لا سمع ولا طاعة يا عمر .. عليك ثوبان وعلينا ثوب واحد، فنادى عمر بأعلى صوته: يا عبد الله بن عمر .. فأجابه ولده: لبيك يا أبتاه، فقال له: أنشدك بالله أليس أحد ثوبيَّ هو ثوبك أعطيتنيه؟ قال: بلى والله، فقال الرجل: الآن نسمع ونطيع يا عمر .. فانظر كيف لم يمنع الحياء الرجل أن يقول، وعمر أن يعترف.
٧ - ترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر:
الحياء ليس معناه التخلي عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فالرجل الحيي قد يفضل أن يريق دمه على أن يريق ماء وجهه، وليس معنى الحياء أيضا أن يقر المسلم المنكر ويتغاضى عن الحق أو يحلل الحرام للحكام ويزينه لهم.
٨ - الاعتراف بالخطأ:
لا يتنافى الاعتراف بالخطأ مع الحياء؛ فقد جاء رجل إلى سلطان العلماء العز بن عبد السلام واستفتاه في أمر ما، فأفتاه العز، وبعد أن انصرف الرجل ظهر للعز أنه قد أخطأ في فتواه، فلم يصر على خطئه ولم يمنعه الحياء من الاعتراف بالخطأ، ولكنه استأجر مناديا ينادي في البلاد: من استفتى العز في كذا فلا يأخذ بالفتوى فإن العز قد أخطأ.
٩ - الحياء لا يمنع من العلم:
عن أم سلمة ﵂ قالت: جاءت أم سليم إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال النبي: "إذا رأت الماء" [رواه البخاري].
الله أكرم
قال رسول الله ﷺ : "إن الله حيى كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما
стр. 287
صفرا خائبتين" [رواه الترمذي].
وقال أيضا في الحديت القدسي: "قال الله: أنا أكرم وأعظم عفوا من أن أستر على عبدي في الدنيا ثم أفضحه بعد أن سترته، ولا أزال أغفر لعبدي ما استغفرني" [رواه الترمذي].
لا لخدش الحياء
ولم يصرح الله في القرآن بالألفاظ التي تخدش الحياء: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩)﴾ [الأعراف: ١٨٩] حيث كنى الله بكلمة "تغشاها" عن الجماع.
١ - هكذا كان نبيكم:
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "كان النبي ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه" [رواه البخاري]، وجاء في الحديث أن امرأة سألته عن كيفية الغسل من الحيض فعلمها النبي ﷺ كيف تغتسل ثم قال: "خذي فرصة من مسك فتطهري بها" فقالت: كيف أتطهر؟ قال: "تطهري بها"، قالت: كيف؟ قال "سبحان الله! تطهري بها"، فلما رأت السيدة عائشة أن المرأة رغم كل هذا لم تفهم، ورأت حياء النبي من التصريح بما يريد، جذبت المرأة إليها، وقالت لها: تتبعي بها أثر الدم. [رواه البخاري].
ما بال فلان يقول ؟
وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا بلغه شيء لم يقل: ما بال فلان يقول، ولكن يقول: "ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟ " [رواه أبو داود].
رجل تستحي منه الملائكة
وعن سعيد بن العاص ﵁ أن عائشة زوج النبي ﷺ وعثمان حدثاه أن أبا بكر ﵁ استأذن على النبي وهو مضطجع على فراشه فأذن لأبي بكر وهو كذلك فقضى إليه حاجته ثم انصرف، فاستأذن عمر ﵁ فأذن له وهو على تلك الحالة فقضى إليه حاجته ثم
стр. 288
انصرف، قال عثمان: ثم استأذنت عليه فجلس وقال: "اجمعي عليك ثيابك"، فقضيت إليه حاجتي ثم انصرفت، فقالت عائشة: يا رسول الله، مالي لا أراك فزعت لأبي بكر وعمر كما فزعت لعثمان؟ فقال رسول الله: "إن عثمان رجل حيي وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحالة لا يبلغ إلي حاجته". وقال جماعة من الناس: إن رسول الله ﷺ قال لعائشة: "ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة؟! " [رواه مسلم].
ما رأيت أشد حياء منه
عن جابر بن سمرة ﵁ أن النبي ﷺ كان قبل البعثة يرعى غنما لأخت السيدة خديجة ﵂، مع شريك له، وعندما ينقضي النهار ويحين موعد أخذهما لأجرتهما، يطلب الشريك من محمد أن يذهب لصاحبة الغنم ليأخذ حقه، فيقول له النبي: "اذهب أنت، فإني أستحي" ... فكان الشريك يذهب وحده في كل مرة، وفي مرة سألته صاحبة الغنم: أين محمد؟ لماذا لا يجيء معك؟ فقال: زعم أنه يستحي، فقالت: ما رأيت رجلا أشد حياء، ولا أعف ولا ... ولا ... منه. [رواه الطبراني].
لا تصافح النساء
عن عائشة ﵂، قالت: "ما مست يد رسول الله امرأة إلا امرأة يملكها (أي زوجته) وقال: "إني لا أصافح النساء" [رواه البخاري].
حياء من الضيوف
وانظر إلى حياء النبي ﷺ مع ضيوفه عندما تزوج السيدة زينب بنت جحش بأمر من الله، وصنع وليمة العرس لأصحابه ودعاهم إلى طعامه، فمكث بعض الصحابة بعد الفراغ من الطعام مستمتعين بوجود النبي، ولكن النبي يريد أن يقوم إلى زوجه المنتظرة داخل البيت، والنبي يستحيي أن يأمرهم بالانصراف، فخرج من البيت متعللا بالمرور على باقي زوجاته للاطمئنان عليهن، ثم يعود لعل الضيوف يدركون إشارته اللطيفة، حين يترك المنزل، والحياء يمنع النبي أن يطلب منهم الانصراف، وبعد فترة أدركوا وفطنوا أنهم يجب عليهم الانصراف فانصرفوا، فنزل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا
стр. 289
دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣].
قف واعلم
عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "استحيوا من الله حق الحياء" قلنا: يا رسول الله إنا نستحيى والحمد لله، قال: "ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء: أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى" [رواه الترمذي].
١ - حفظ الرأس وما حوى يكون بالبعد عن سماع المحرمات كالغيبة والنميمة، وبالتفكر في الكون، وغض البصر.
٢ - حفظ البطن وما حوى يكون بشكر الله على نعمه والالتزام بالسنة وتحرى الحلال في المأكل والمشرب والامتناع عن كثرة الضحك.
٣ - ذكر الموت والبلى يكون بتذكر أحوال الموتى والاتعاظ بهم.
وصية
قال رسول الله ﷺ لأحد أصحابه: "أوصيك أن تستحي من الله تعالى كما تستحي من الرجل الصالح من قومك" رواه الطبراني.
وقال بعض السلف: خف الله على قدر قدرته عليك واستحى منه على قدر قربه منك.
إني استحييت من ربي
لما عرج برسول الله ﷺ إلى السماء فرض الله على أمته خمسين صلاة في اليوم والليلة، وفي طريق العودة مر النبي ﷺ على سيدنا موسى في السماء السادسة فراجعه حتى قال الرسول: "إني استحييت من ربي".
ثلاث خصال
سئل أحد الصالحين عن معنى الحياء من الله، فقال: الحياء من الله يكون في ثلاث خصال:
стр. 290
أن تستشعر دوام إحسانه عليك مع إساءتك وتفريطك.
وأن تعلم أنك بعين الله في متقلبك ومثواك.
وأن تذكر وقوفك بين يدي الله ومساءلته إياك عن الصغيرة والكبيرة.
ما لي لا أجزع ؟!
لما احتضر الأسود بن يزيد النخعي بكى فقيل له: ما هذا الجزع؟
فقال: ما لي لا أجزع؟! ومن أحق بذلك مني؟! والله لو أنبئت بالمغفرة من الله لأهابن الحياء منه مما صنعت، إن الرجل ليكون بينه وبين الرجل الذنب الصغير فيعفو عنه فلا يزال مستحيا منه.
إن الرجل في حضرة من يجلهم ويحرص على استرضائهم يضبط سلوكه ضبطًا محكما، فكيف تتصرف والله لا يغيب عنك أبدا؟ وفي الأثر: "استحي من الله كما تستحي من أولي الهيبة من قومك".
افرح مع الحياء
عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ :" البكر تستأذن" قلت: إن البكر تستحي، قال: "إذنها صماتها" [رواه البخاري]، فيحفظ النبي لكل فتاة حياءها، ويجنبها مشقة الإفصاح عن الموافقة على الزواج صراحة، ويبين الاكتفاء بصمتها دليلا على رضاها.
حياء وسط الرجال
عن صفية بنت حيي أم المؤمنين ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ معتكفا فأتيته أزوره ليلا، فحدثته ثم قمت فانقلبت فقام معي ليوصلني إلى داري -وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد- فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي أسرعا.
فقال النبي:"على رسلكما إنها صفية بنت حيي".
فقالا: سبحان الله يا رسول الله!.
قال: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما سوءا" [رواه البخاري].
стр. 291
لا للمزاحمة
نهى رسول الله ﷺ عن تزاحم المرأة بالرجال، فكان يأمر الرجال أن ينتظروا في المسجد حتى تخرج النساء، ويأمر النساء بالإسراع حتى لا يزاحمهن الرجال، حتى أمر أن يكون للنساء باب خاص في مسجده.
ومن الآداب المشتركة في التعامل بين الرجال والنساء (جدية مجال اللقاء- اجتناب المصافحة- اجتناب الخلوة- اجتناب اللقاء الطويل- غض البصر- اجتناب المزاحمة- اجتناب مواطن الريبة).
يشهدن الأعياد
أما عن حال المرأة في عهد الرسول ﷺ فقد كانت تشهد الجماعة والجمعة في مسجد الرسول ﷺ ويحثهن على أن يتخذن مكانهن في الصفوف الأخيرة خلف صفوف الرجال، وكان أكثرهم يعرفون السراويل ولم يكن بين الرجال والنساء أي حائل، وقال رسول الله: "لو أنكم جعلتم هذا الباب للنساء" وصار يعرف بباب النساء.
وعن أم عطية ﵂ قالت: أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرج في الفطر والأضحى: العواتق والحيَّض وذوات الخدور، فأما الحيَّض فيعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين" [رواه مسلم].
تذكري غيرة زوجك
عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير ناضح وغير فرسه، فكنت أعلف فرسه وأستقي الماء وأخرز غربه (قربة الماء) وأعجن، ولم أكن أحسن أخبز، وكان يخبز جارات لي من الأنصار، وكن نسوة صدق، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعَه رسولُ الله - على رأسي، وهي مني على ثلثي فرسخ، فجئت يوما والنوى على رأسي، فلقيت رسول الله ومعه نفر من الأنصار فدعاني، ثم قال: إخ إخ (كلمة تقال لإناخة البعير) ليحملني خلفه، فأستحييت أن أسير مع الرجال، وذكرت الزبير -وكان أغير الناس- فعرف رسول الله أني قد استحييت فمضى، فجئت الزبير فقلت: لقيني رسول الله وعلى رأسي النوى، ومعه نفر من أصحابه فأناخ لأركب، فأستحييت منه، وعرفت غيرتك، فقال: والله
стр. 292
لحمْلك النوى كان أشد عليَّ من ركوبك معه، قالت: حتى أرسل إلى أبو بكر بعد ذلك بخادم تكفيني سياسة الفرس فكأنما أعتقني. [رواه البخاري].
حياء سيدنا موسى والفتاتين
وجد سيدنا -موسى ﵇ امرأتين من مدين تمنعان غنمهما عن ورود الماء، ولا يلتفت لهما أحد، والأولى عند ذوي المروءة والفطرة السليمة أن تسقي المرأتان بأغنامهما أولا وأن يفسح لهما الرجال، فتقدم للمرأتين ليسألهما عن أمرهما الغريب فأطلعتاه على السبب، إنه الحياء من مزاحمة الرجال، فالمرأة الحيية، العفيفة الروح، النظيفة القلب، لا تستريح لمزاحمة الرجال، فثارت نخوة موسى فتقدم وسقى لهما ثم تركهما، وجاءه الفرج عندما جاءته إحدى الفتاتين على استحياء في غير ما تبذل ولا تبرج وفي هذا قال تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾ [القصص: ٢٣ - ٢٧].
وتأمل قوله تعالى: ﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ وكأن الحياء قد تمكن منها، وتمكنت منه، وهو تعبير قرآني يصور حالة المرأة وما هي عليه من أدب جم، وخلق فاضل، وسمت كريم، وأعظم ما في خلق المرأة حياؤها، وهكذا تكون المرأة المسلمة.
ولبى موسى الدعوة، وقال لها: امشي خلفي فإن أخطأت الطريق فأشيري إليه بحجر تلقينه فيه، لأصحح المسار وأسلكه، حتى انتهى إلى بيت أبيها، وهكذا يكون الشاب المسلم حييًا لا يسير خلف امرأة ينظر إلى عورتها، ولذلك من المظاهر التي تتنافى مع الحياء في عصرنا اليوم معاكسة الشباب للبنات في الشوارع وأمام المدارس، بل أصبحت البنت في بعض الأحيان تتلفظ مع الشباب بطريقة سيئة تحدث الفوضى ويضيع بينهما الحياء، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 293
أيها الشباب
هل من الرجولة أن تفخر أمام أقرانك بالتغرير ببنات المسلمين والإيقاع بهن؟ هل هي شجاعة أن تدغدغ عواطف الغافلات القاصرات بمعسول الكلام وقصص الحب والغرام؟ هل التسلل لبيوت المسلمين في الليل أو إخراج الضعيفات من خدورهن بطولة حتى وإن عرضت هي أو بدأت -كما يقول البعض- فهي امرأة ضعيفة قاصر، أما أنت فرجل، ومن العرب الذين يتصفون بالغيرة والشهامة والشجاعة والكرم، وأنت مسلم فيك إيمان وخوف، وهناك جنة ونار، أليست الحيوانية أن تشبع نهمتك وتقضي شهوتك؟ وإن كان الثمن العار والدمار لحياة ومستقبل فتاة مسلمة كان الأولى بأن تخاف على عرضها، وأن تدافع عن شرفها بدل تهديدها بالأشرطة المسجلة والصور التي تؤخذ في حالة الضعف واستسلام الهوى.
أين النخوة ؟!
سبحان الله! كيف يتبلد الإحساس ويرتكس القلب يوم يعرض عن الله؟ أين النخوة لحماية أعراض الفتيات؟ يا لصوص الأعراض أترضون هذا لأخواتكم؟ أترضونه لزوجاتكم؟ ألا تخافون أن ينتقم الله منكم؟
أسمعك تقول لي: إنني لم أفعل ما سبق.
أقول: ألست تطلق العنان للتفكير في الشهوة وتسترسل في رسم الصور والتخيلات؟ ألست تخرج للأسواق ومدارس البنات فتؤجج نار الشهوة في نفسك بإطلاق البصر هنا وهناك؟
ألست تنظر للمجلات التي تعرض صور النساء بتبرجهن وزينتهن وتتبع أخبار الساقطات وعرضهن بأبهى صورة بل وجعلهن قدوات لخروجهن عن تعاليم الإسلام وآداب الحشمة والعفاف، ألست فتى الأحلام وفارس الظلام الذي يرفع سماعة الهاتف لساعات طويلة لتخطط للحياة الوردية والسعادة الأبدية، وتلهب المشاعر وكأنك شاعر فتتغزل بالعيون وتبث الشجن فتقع أسيرة الفؤاد وتحملها على الجواد وفي ضوء القمر يحلو السمر؟! كن حييا إذا كنت مؤمنا.
стр. 294
حياء من الموتى
عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: "كنت أدخل بيتي الذي دفن فيه رسول الله ﷺ وأبي، فأضع ثوبي فأقول: إنما هو زوجي وأبي، فلما دفن عمر معهم، فوالله ما دخلت إلا وأنا مشدودة علي ثيابي حياء من عمر" [رواه أحمد].
السيدة عائشة ﵂ قدوة حسنة لأمهات المؤمنين ولنساء اليوم، إنها تستحي من عمر بن الخطاب ﵁ وهو ميت، فكيف بنساء اليوم لا يشعرن بالحياء من الأحياء؟! وترى المرأة تخرج عارية متبرجة، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
حياء يعجب النبي
عن عائشة ﵂ قالت: جاءت فاطمة بنت عتبة بن ربيعة تبايع النبي ﷺ فأخذ عليها ألا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين .. قالت: فوضعت يدها على رأسها حياء، فأعجب رسول الله ﷺ ما رأى منها". [رواه أحمد].
المرأة المسلمة لا تسمع كلمة تخدش حياءها، ولا تتلفظ بلفظ سيئ مع الشباب في المواصلات وفي الجامعات، وهذا هو حياء المرأة الذي أعجب به النبي ﷺ .
أول نعش في الإسلام
عن ابن عباس ﵄ أن السيدة فاطمة الزهراء بنت النبي ﷺ ﵂ لما مرضت مرض الموت، وكانت عندها أسماء بنت عميس تعودها قالت فاطمة: إني قد استقبحت ما يصنع بالنساء بعد موتهن، إنه يطرح على المرأة الثوب فيصفها، وإني سأموت وأستحي أن أحمل في جنازتي على السرير ظاهرة أمام الناس، ويعرف الناس طولي وعرضي -وكانت النعوش لم تعرف بعد-.
فقالت أسماء: إني رأيت الناس في الحبشة يصنعون نعوشا يحملون فيها النساء، لئلا يظهر منهن شئ، وبوسعي أن أصنع لك واحدا تحملين فيه.
فقالت فاطمة: فأرينيه، فأتت أسماء ببعض من جريد النخل الرطب وجعلت على السرير نعشا، فتبسمت فاطمة وقالت: ما أحسن هذا وأجمله!!
يقول ابن عباس: وما رأيتها مبتسمة بعد أبيها إلا يومئذ، وكانت ﵂ أول من حملت في نعش في الإسلام. [رواه الحاكم].
стр. 295
فأين نحن من نساء اليوم؟ المرأة تخرج متبرجة لا تستحي من الله ولا من الناس؟
صوني حياءك صوني العرض لا تهني ... وصابري واصبري لله واحتسبي
إن الحياء من الإيمان فاتخذي ... منه حليك يا أختاه واحتجبي
براءة موسى
يروى أن بنو إسرائيل كانوا إذا اغتسلوا، اغتسلوا عراة أمام الناس ينظر بعضهم إلى بعض دون حياء، وكان الحياء يمنع نبي الله موسى ﵇ أن يفعل فعلهم، فكان يغتسل بمفرده بعيدا عن أعين الناس، فادعى قومه أنه إنما يفعل ذلك لعيب به، وأراد الله أن يبرئ نبيه مما قالوا، فلما ذهب موسى يغتسل، اقترب من أحد الأحجار، ثم نزع ثوبه ووضعه على الحجر، فلما انتهى وذهب ليلبس ثوبه، أخذ الحجر الثوب وجرى، فأمسك موسى عصاه وانطلق يجري خلف الثوب وهو يقول: ثوبي يا حجر .. ثوبي يا حجر، حتى وصل إلى جماعة من بني إسرائيل، فرأوه عريانا، ورأوا جسده في أحسن صورة، ليس به عيب، فقالوا: والله ما بموسى من بأس، فأخذ موسى يضرب الحجر بعصاه، حتى علم الضرب في الحجر، وعلم بنو إسرائيل أن موسى يغتسل وحده لأنه شديد الحياء.
وهكذا المسلم لا يخلع ملابسه أمام أحد ولو كانوا إخوة صغارًا لشعوره بالحياء، ولا ينظر إلى عورة أحد أبدا لخوفه من ربه.
ومما يتنافى مع الحياء في عصرنا: ارتفاع صوت المذياع بالأغاني الهابطة، وتدخين الرجال والنساء، وفترينات الملابس نجد بها قمصان النوم الخاصة بالنساء، وعرض الملابس الداخلية بعد غسلها أمام الناظرين من الخارج، وعرض صور خليعة على غلاف المجلات .. ونسأل الله السلامة.
الفقير والحياء
كان أبو هريرة ﵁ فقيرا، وذات يوم اشتد عليه الجوع، فخرج إلى الطريق بحثا عن طعام، فمر عليه أبو بكر فاستحيا أبو هريرة أن يخبره، فسأله آية في كتاب الله فربما يستضيفه، فأجابه أبو بكر ﵁ عن مسألته، وانصرف، ثم مر عليه عمر ابن الخطاب ﵁ فسأله أبو هريرة عن آية ربما يستضيفه، فأجابه وانصرف، ثم مر الرسول ﷺ فعرف ما في
стр. 296
نفسه، فأخذه وأمره أن يحضر أهل الصفة (جماعة من فقراء المسلمين في المسجد) فجاء بهم وشربوا عشرة عشرة ثم شرب.
والحياء يكون مع الفقير فلا يسأل الناس شيئا؛ ولذلك قال رسول الله ﷺ : "ليس المسكين الذي يطوف على الناس، ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس" [متفق عليه].
فالفقير لا يسأل الناس شيئا وإنما يجتهد في أي عمل ليحصل على قوته بدلا من أن يسأل الناس، ولا تحل الصدقة للغني ولا للقوي، ومن حق ولي الأمر أن يؤدب كل صحيح قادر على التكسب يريد أن يعيش عالة على المجتمع، متخذا من سؤال الناس حرفة له.
عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلا من الأنصار أتى النبي ﷺ يسأله شيئا فقال: "أما في بيتك شيء؟ " قال: بلى، حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب (كوب) نشرب فيه الماء. قال ﷺ :" ائتني بهما" .. فأتاه بهما فأخذهما رسول الله ﷺ وقال: من يشتري هذين؟ قال رجل: أنا آخذهما بدرهم، قال:"من يزيد على درهم؟ " مرتين أو ثلاثا، قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين، وأعطاهما الأنصاري، وقال ﷺ :"اشتر بأحدهما طعاما وانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدوما فأتني به" .. فشد رسول الله ﷺ عودا بيده ثم قال له: "اذهب فاحتطب وبع .. ولا أرينك خمسة عشر يوما"، فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاءه وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوبا، وببعضها طعاما، فقال رسول الله ﷺ :"هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة؟ إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع (شديد)، أو لذي غرم مفظع (دين ثقيل) أو لذي دم موجع (الدية الباهظة). [أصحاب السنن].
مواقف لا تتنافى مع الحياء
النساء قلن صراحة للنبي ﷺ : "يا رسول الله، قد غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يوما من نفسك" فوعدهن يوما، فلقيهن فيه ووعظهن وأمرهن. [رواه البخاري].
وقالت أم عطية ﵂: "غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات أخلفهم في رحالهم فأصنع لهم الطعام وأداوي الجرحى وأقوم على المرضى" [رواه مسلم].
فيجوز للمرأة المشاركة في الأعمال العامة ومجالس العلم، والاستماع إلى المحاضرات
стр. 297
مع عدم الاختلاط بالرجال.
وعن أسيد الأنصاري ﵁ أنه سمع النبي ﷺ وهو خارج من المسجد وقد اختلط الرجال مع النساء في الطريق، فقال ﷺ للنساء: "استأخرن فليس لكنَّ أن تحتضنَّ الطريق، عليكن بحافات الطريق" فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به. [رواه أبو داود].
فأين الحجاب الشرعي في عصرنا؟ ترى ماذا سيقول رسول الله ﷺ إذا رأى الاختلاط بين الرجال والنساء في مجتمعنا، هل سيشفع لنا، أم سيقول: سحقا سحقا؟!
فيجب على المسلم أن يراعي آداب الطريق ولو كان مع زوجته ولا يتحدث معها بصوت مرتفع في الأمور الخاصة بهما أمام الناس.
الحياء يمنع من الكذب
ذهب أبو سفيان بن حرب ومعه بعض القرشيين إلى الشام للتجارة، فأرسل إليهم هرقل ملك الروم يطلب حضورهم، فلما جاءوا إليه قال لهم: أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: أنا أقربهم نسبا، فقال هرقل: أدنوه مني واجعلوا أصحابه خلفه، ثم قال لهم: إني سائل هذا الرجل، فإن كذبني فكذبوه، فقال أبو سفيان: لولا الحياء أن يروا عليَّ كذبا لكذبت. فأخذ هرقل يسأله عن صفات النبي ونسبه وأصحابه وأبو سفيان لا يقول إلا صدقا حياء.
المسلم الحيي لا يكذب أبدا، لأن الكذب نقيصة تتنافى مع الحياء، وتأمل في موقف أبي سفيان؛ لم يكذب مع أنه مشرك.
حياء في الحرب
في غزوة الخندق والمسلمون محاصرون تقدم عمرو بن عبد ود، ونادى على المسلمين كي يبارزه أحد، فتقدم له علي بن أبي طالب ﵁ ودارت بينهما مبارزة شديدة فسقط عمرو قتيلا، فأخذ المسلمون يكبرون، وعاد عليّ إلى المسلمين فقال له عمر: هلا سلبته درعه؛ فإنه ليس في العرب درع خير منها؟ فقال علي: إني حين ضربته استقبلني بسوأته فاستحييت أن أستلبه.
المسلم الحيي لا ينظر إلى عورة أحد مهما كان، ويغض بصره عن الحرام.
стр. 298
أما تستحي من نفسك ؟!
قال رسول الله ﷺ "ما كرهت أن يراه الناس منك فلا تفعلنه بنفسك إذا خلوت" [رواه ابن حبان].
وكان عثمان ﵁ يغتسل في بيت مظلم حتى لا يرى عورة نفسه.
أما تستحي من نفسك من سمعك وبصرك وجلدك؟! ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١].
إلى متى ؟!
يا أسير دنياه، يا عبد هواه إلى متى؟! إلى أن يفجأك الموت على غفلة منك، ربما وأنت تنتقل من قناة إلى قناة أو وأنت ممسك بسماعة الهاتف أوَترضى أن تموت وأنت تسمع الغناء؟! وأنت تفكر في الزنا؟!
إلى متى وأنت بين هذه القاذورات؟! أين عقلك؟! أين غيرتك؟! أين العزيمة؟! أين الصبر؟! أين الرجولة؟! أين دينك؟!
عاتبت قلبي لما رأيت جسمي نحيلا
فلام قلبي طرفي وقال: كنت الرسولا
فقال طرفي لقلبي: بل كنت أنت الدليلا
فقلت: كفَّا جميعا تركتماني قتيلا
كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا
عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فضحك فقال ﷺ "هل تدرون مم أضحك؟ "
قلنا: الله ورسوله أعلم، قال:"من مخاطبة العبد ربه يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ قال: يقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني، قال: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا وبالكرام الكاتبين شهودا، قال: فيختم على فيه، فيقول لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله، قال: ثم يخلي بينه وبين الكلام.
стр. 299
قال: فيقول: بعدًا لكنَّ وسحقا فعنكن كنت أناضل".
قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤].
قال رسول الله ﷺ :"أطت السماء وحق لها أن تئط، والذي نفس محمد بيده ما فيها موضع شبر إلا وفيه ملك ساجد يسبح الله ويحمده" [رواه الترمذي].
والعبد متى علم أن الرب تعالى ناظر إليه أورثه هذا العلم حياء منه، يجذبه إليه احتمال أعباء الطاعة، مثل العبد إذا عمل الشغل بين يدي سيده فإنه يكون نشيطا فيه، متحملا لأعبائه، ولاسيما مع الإحسان من سيده إليه، ومحبته لسيده، بخلاف ما إذا كان غائبا عن سيده، والرب تعالى لا يغيب نظره عن عبده ولكن يغيب نظر القلب والتفاته إلى نظره سبحانه إلى العبيد.
صور في مجتمعنا تتنافى مع الحياء
١ - لاعب يسب زميله أثناء المباراة ويخلع الثياب أمام الجمهور.
فقد خرج عبد الله بن الحرث ومعه أحد أصحابه يوما من البيت وبينما هما يسيران إذ وجدا فتية من قريش، قد خلعوا ثيابهم وأصبحوا عراة ولف كل واحد منهم ثوبه على شكل حبل، وأخذ يضرب بعضهم بعضا، ويضحكون ويمزحون. فلما رأوا عبد الله وصاحبه، لم يهتموا بهما وظلوا على حالهم دون حياء، ثم مر بهم رسول الله فلما رأوه تفرقوا وأسرع كل منهم يختبيء حتى لا يراه رسول الله، فغضب النبي ودخل بيته وهو يقول: "سبحان الله! لا من الله استحيوا ولا من رسوله استتروا" وكانت أم أيمن جالسة ترى الغضب على وجه رسول الله فقالت له: استغفر لهم يا رسول الله، فلم يستغفر لهم -لقلة حيائهم- إلا بعد إلحاح شديد.
٢ - معاكسة البنات في الشوارع.
٣ - الغش في الامتحانات.
كيف تكتسب صفة الحياء ؟
١ - احفظ سمعك عن أسرار الجيران.
٢ - صم أذنك عن الغيبة والنميمة.
стр. 300
٣ - اصدق في أقوالك في كل الأحوال.
٤ - التزم الجدية في الحديث مع غير المحارم.
٥ - لا تنطق بلفظ يخدش الحياء.
٦ - ابذل ما في وسعك لشكر نعم الله عليك.
٧ - لا يتحرك قلبك بحسد تجاه أحد من الناس.
٨ - تحر الحلال في مأكلك ومشربك وفي كل معاملاتك.
٩ - أكثر من ذكر الموت في اليوم والليلة.
١٠ - حسّن معاملاتك مع الناس.
١١ - استشعر هوان الدنيا عند زيارة المريض.
١٢ - على المرأة المسلمة ترتدي الحجاب.
١٣ - مقاطعة المنتجات التي بها صور تجرح الحياء.
١٤ - غض البصر.
١٥ - عدم مزاحمة الرجال للنساء والنساء للرجال في المواصلات والأسواق.
١٦ - عدم الوقوف في مواجهة الباب عند فتحه.
١٧ - التزام الوقار أثناء السير في الطريق.
١٨ - عدم الأكل ومضغ اللبان في الطريق وإلقاء قشر اللب في الشارع.
١٩ - خفض الصوت عند الضحك.
٢٠ - عدم إظهار الضيق من الضيوف مهما أثقلوا.
٢١ - عدم جلوس النساء بجوار الرجال، ووضع حاجز بينهما إذا اضطرا للجلوس متجاورين.
٢٢ - عدم شراء النساء الملابس الداخلية من رجال، وكذلك الرجال لا يشترونها من نساء.
٢٣ - التزام الجدية عند الرد على التليفون.
стр. 301
٢٤ - عدم الإخبار بشيء قبيح رأيته.
٢٥ - عدم نشر الملابس الداخلية بعد الغسل على الحبال في الخارج فيراها الناس.
٢٦ - عدم خلع ملابس الولد أمام أحد ولو كان أخاه.
٢٧ - عدم مصافحة البنات للبنين.
٢٨ - تعويد الولد أن يغار على أخته ويخرج معها لتوصيلها ولا يتركها وحدها.
٢٩ - عدم الدخول على من يأكل إلا بغير قصد.
٣٠ - الاستئذان عند الدخول خاصة على الوالدين.
٣١ - الغضب عند رؤية المنكرات.
٣٢ - إذا اضطرت الفتاة للحديث مع أحد الرجال فلتغلف حديثها بالحياء.
***
стр. 302
الوفاء
الوفاء: خلق من أخلاق الإسلام التي يحرص عليها المسلم، والوفاء هو ثبوت الإنسان على قوله وفعله، يقول الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦] والله تعالى عليم لا يظلم أحدا، فقد كتب الوفاء على نفسه، وأمر به الناس حيث يقول: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٢٥].
ويدور الحديث عن صور الوفاء وهي: مع الله، مع الرسول ﷺ ، مع الوالدين، مع الزوج، مع الزوجة، مع الناس، مع الاْعداء .. ونسأل الله أن نكون من الأوفياء الأتقياء.
من صور الوفاء
الوفاء مع الله:
كان جليبيب ﵁ رجلا من الموالي الذين استجابوا لنداء الله ورسوله، فأسلم وحسن إسلامه ولقد بلغ من حب رسول الله ﷺ له أنه خطب له بنفسه امرأة من الأنصار.
ولم يطل المقام بجليبيب بعد زواجه حتى دعا داعي رسول الله ﷺ للجهاد، فاندفع جليبيب يلبي النداء وفاء مع الله ورسوله ﷺ .
فلما انجلت المعركة عن نصر مؤزر للمسلمين، طفق الرسول ﷺ يستطلع أحوال الجند، ويتفقد جرحاهم وشهداءهم، فسأل أصحابه: "هل تفقدون من أحد؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، نفقد فلانا، وفلانا، وفلانا فأعاد، الرسول ﷺ القائد السؤال: "هل تفقدون من أحد؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، نفقد فلانا، وفلانا، وفلانا، وظل يكرر سؤاله، والمسلمون يجيبونه حتى لم يبق بين المسلمين من يفتقدونه، فقالوا: لا نفتقد بعد الآن أحدا يا رسول الله، فقال الرسول ﷺ : "أما أنا فأفتقد جليبيب، هلموا معي نبحث عن جليبيب"، فانطلقوا فإذا بجليبيب ينزف دما غزيرا، وقد فاضت روحه إلى بارئها، ونظروا، فإذا من حوله سبعة من صناديد الكفار قد جندلهم قبل أن يردوه شهيدا في سبيل الله.
стр. 303
ووقف الرسول ﷺ فوق جسد جليبيب يدعو له بخير، ويقول: "جزاك الله خيرا يا جليبيب، قتلت سبعة قبل أن يقتلوك"، ثم وضعه على ساعديه وهو يقول:"هذا مني، وأنا منه"، ثم أمر فحفر له، ووسده الرسول القائد في قبره بيديه الشريفتين، وفاء له.
من الوفاء أن تذكر ماضيك:
عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن ثلاثة من بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى بدا لله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكا فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن وجلد حسن، قد قذرني الناس، قال: فمسحه فذهب عنه فأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا، فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: الإبل -أو قال: البقر هو شك في ذلك إن الأبرص والأقرع قال أحدهما: الإبل، وقال الآخ: البقر- فأعطي ناقة عشراء فقال: يبارك لك فيها، وأتى الأقرع، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن ويذهب عني هذا قد قذرني الناس، قال: فمسحه فذهب، وأعطي شعرا حسنا، قال: فأي المال أحب اليك؟ قال: البقر، قال: فأعطي بقرا حاملا وقال: يبارك لك فيها، وأتى الأعمى فقال: أي شىء أحب إليك؟ قال: يرد الله إلى بصري فأبصر به الناس، قال: فمسحه فرد الله إليه بصره، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطاه شاة والدا فأنتج هذان وولَّد هذا فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من بقر، ولهذا واد من غنم، ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين تقطعت بي الجبال في سفري، فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن، والمال، بعيرا أتبلغ عليه في سفري، فقال له: إن الحقوق كثيرة، فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرصا يقذرك الناس؟ فقيرا فأعطاك الله؟ فقال: لقد ورثت لكابر عن كابر، فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت، وأتى الأقرع في عورته وهيئته فقال له مثل ما قال لهذا، فرد عليه مثل ما رد عليه هذا فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت، وأتى الأعمى في صورته فقال: رجل مسكين وابن سبيل وتقطعت بي الجبال في سفري، فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري، فقال: قد كنت أعمى فرد الله بصري، وفقيرا فقد أغناني، فخذ ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم بشىء أخذته لله، فقال: أمسك مالك، فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك" [رواه البخاري].
إذا رأيت فقيرا فتذكر فقرك في الأيام السابقة واحمد ربك وقف بجانبه.
стр. 304
صدق في الوفاء: عن أنس بن مالك ﵁ أن عمه أنس بن النضر غاب عن بدر فقال: غبتُ عن أول قتال النبي ﷺ لئن أشهدني الله مع النبي ﷺ ليرين الله ما أجد، فلقي يوم أحد فهُزم الناس، فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني المسلمين- وأبرأ إليك مما جاء به المشركون، فتقدم بسيفه فلقي سعد بن معاذ، فقال: أين يا سعد؟ إني أجد ريح الجنة دون أحد، فمضى فقتل، فما عرف حتى عرفته أخته بشامة أو ببنانه وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم" [رواه البخاري].
قال أنس: كنا نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أمثاله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣].
المسلم صادق في حبه للشهادة فهو يعمل لها ليل نهار حتى يرزقه الله إياها.
وفاء الأنصار مع الرسول:
قال عوف بن مالك ﵁: كنا مع النبي ﷺ تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال؟ "ألا تبايعون رسول الله؟ " فبسطنا أيدينا فقلت: قد بايعناك يا رسول الله، فعلام نبايعك؟ قال: "على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، والصلوات الخمس، وتطيعوا"، وأسر كلمة خفية، قال؟ "ولا تسألوا الناس شيئا"، قال عوف بن مالك: فقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم، فما يسأل أحدا أن يناوله إياه [رواه مسلم].
الوفاء مع الرسول ﷺ يكون باتباع سنته والتخلق بأخلاقه والاقتداء به والدفاع عن دينه وعقيدته.
وفاء زياد بن السكن:
لما اشتد القتال في أحد، وتكاثرت سيوف المشركين ورماحهم من حول رسول الله ﷺ عليه، وتزلزل المسلمون من حوله، نادى ﵇ بمن بقى من حوله من المسلمين: "ألا من يشري لنا نفسه؟ " فهب إليه زياد بن السكن ﵁ في خمسة من الأنصار، فجعلوا يقاتلون دون رسولهم القائد ﷺ فيستشهدون دونه رجلا بعد آخر، وزياد بن السكن صامد كالطود الأشم، يدفع عن رسول الله ك ﷺ حتى أثخنته الجراح، فوقع على الأرض لا يقوى على الحراك، بعد أن جعل جسده سورا يحمي رسوله القائد.
стр. 305
وإذ ذاك أقبلت فئة من صناديد المسلمين يذبون عن رسولهم القائد، فأزالوا المشركين من حوله، وفرقوهم، فالتفت الرسول ﷺ نحو زياد بن السكن، فإذا به رمق من حياة، فقال ﷺ : "أدنوه مني"، فأدنوه، فوسده الرسول ﷺ على فخذه، فما لبث ﵁ أن مات وخده على فخذ رسول الله ﷺ والرسول ﷺ لا يفتر يدعو له، ﵃ أجمعين.
تخيل نفسك في هذا الموضع، ماذا كنت ستفعل إذا فر صحابة الرسول ﷺ عنه؟ هل ستدافع عن الرسول ﷺ أم تفر معهم؟
بعد وفاته ﷺ :
عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال لي النبي ﷺ : "لو جاء مال البحرين أعطيتك هكذا ثلاثا"، فلم يقدم حتى توفي النبي فأمر أبو بكر مناديا فنادى: من كان له عند النبي عِدة أو دين فليأتنا فأتيته فقلت: إن النبي ﷺ وعدني فحثى لي ثلاثا [رواه البخاري]. وهكذا وفى أبو بكر ﵁ بوعد النبي ﷺ حتى بعد وفاته، ولما كان رسول الله ﷺ أولى الناس بالوفاء أدى أبو بكر مواعيده عنه.
وكذلك فعل عمر بن الخطاب ﵁ مع سراقة بن مالك ﵁، ففي حادثة الهجرة اتبع سراقة النبي ﷺ وأبا بكر فقال له النبي ﷺ :"عد يا سراقة ولك سوارا كسرى" وقبض النبي ﷺ وفي خلافة عمر بعد فتح المدائن جاء سوارا كسرى لعمر فنادى سراقة وألبسه إياهما وقال: هذا ما وعدك به رسول الله. إنه الوفاء لما وعد به الرسول ﷺ .
وفاء حكيم بن حزام:
عن عروة بن الزبير أن حكيم بن حزام ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ فأعطاني، ثم
سألته فأعطاني، ثم قال لي: "يا حكيم إن هذا المال خضر حلو، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى".
قال حكيم: قلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرزأ (أسأل) أحدا بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر يدعو حكيما ليعطيه العطاء فيأبى أن يقبل منه شيئا، ثم إن عمر دعاه ليعطيه فأبى أن يقبله، فقال: يا معشر المسلمين إني أعرض عليه
стр. 306
حقه الذي قسم الله له من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه فلم (يرزأ يسأل) حكيم أحدا من الناس بعد النبي ﷺ حتى توفي ﵀ [رواه البخاري].
لقد كان حكيم وفيا مع الرسول ﷺ حتى بعد مماته، فلم يقبل مالاً من أي خليفة.
الوفاء مع الزوجة:
قالت السيدة عائشة ﵂: ما غرت من أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة وما رأيتها (على الرغم من أنها كانت ميتة) ولكن كان النبي ﷺ يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة (أي صديقاتها) فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة فيقول: (إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد" [رواه البخاري].
أخي الزوج: كن وفيا مع زوجتك في حياتها وبعد موتها، ومن الوفاء أن تفتح لها قلبك لتسكن فيه وترى الترحاب في عينيك وفي امتداد ذراعيك، وأن تهتم بها أكثر من عملك وأن تعرف مفتاح قلبها.
الوفاء مع الزوج:
عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ :
"تصدقن يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن"، قالت: فرجعت إلى عبد الله بن مسعود، فقلت: إنك رجل خفيف ذات اليد (كناية عن قلة المال) وإن رسول الله ﷺ قد أمرنا بالصدقة، فائته فاسأله، فإن كان ذلك يجزيء عني، وإلا صرفتها إلى غيركم، فقالت: فقال لي عبد الله: بل أئتيه أنت، فانطلقت فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله ﷺ حاجتي حاجتها، وكان رسول الله ﷺ قد ألقيت عليه المهابة، فخرج علينا بلال، فقلنا له: أئت رسول الله فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك: أتجزيء الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما؟ ولا تخبره من نحن. قالت: فدخل بلال على رسول الله ﷺ فسأله، فقال له رسول الله: "من هما" فقال: امرأة من الأنصار وزينب، فقال رسول الله ﷺ : "أي الزيانب؟ " فقال: امرأة عبد الله، فقال رسول الله ﷺ : لهما أجران: "أجر القرابة، وأجر الصدقة" [رواه مسلم].
стр. 307
أختي المسلمة: من الوفاء مع الزوج أن تجددي عزمه وثقته بنفسه، فكثيرا ما تهتز هذه الثقة نتيجة لما يحدث على أرض الواقع وظروف الحياة وضغوطها المستمرة، فلا تزيدي من الضغوط عليه فيموت قهرا.
سيدنا موسى:
عندما وصل موسى ﵇ إلى مدين بالشام، شاهد زحاما كبيرا من الناس على بئر يسقون منها أغنامهم، وبعيدا عن البئر، رأى فتاتين، تنتظران حتى ينتهي الزحام فتسقيا أغنامهما، فتطوع موسى، وسقى لهما، فلما عادت الفتاتان إلى المنزل، عرف أبوهما الشيخ الكبير بما فعله موسى، فأرسل إحداهما إليه تدعوه لمقابلته، حتى يكافئه على ما صنع، فلما حضر موسى شكره الأب، وعرف منه قصة فراره من فرعون ومجيئه إلى مدين، فطمأنه الأب، واستضافه وأكرمه، وعرض عليه أن يزوجه إحدى ابنتيه مقابل أن يعمل عنده ثمانية أعوام، وإن شاء أكملها عشرة.
فوافق موسى، وقضى الأعوام العشرة على بعض الأقوال فوفى بوعده على خير وجه، وبعدها عاد بزوجته إلى مصر.
فمن الوفاء الالتزام بشروط العقد في الشركة، وإتقان العمل.
الوفاء مع العلماء:
صلى زيد بن ثابت ﵁ على جنازة، ثم أراد أن يركب بغلته، فجاء عبد الله بن عباس ﵄ وأمسك الركاب الذي يضع فيه الراكب قدمه ليساعد زيدا على الركوب، فقال زيد: خل عني يا ابن عم رسول الله، فقال ابن عباس: هكذا أمرنا أن نفعل بالعلماء والكبراء، فقبل زيد بن ثابت يده وقال: وهكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا.
شهادة وفاء:
أرسل الإمام حسن البنا سنة ١٩٤٥م رسالة إلى الشيخ محمد الغزالي يشكره فيها على مقالاته التي تنشر، فقال له: "أخي العزيز الشيخ محمد الغزالي، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد، قرأت مقالك "الإخوان المسلمون والأحزاب" فطربت لعبارته الجزلة، ومعانيه الدقيقة، وأدبك العف الرصين، هكذا يجب أن تكتب، اكتب دائما وروح القدس
стр. 308
يؤيدك، والله معك، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته" (١).
هل فكرت يوما أن ترسل رسالة شفوية أو مكتوبة إلى صاحب كتاب، أو خطيب جمعة، أو مقال أعجبك، وترى أنه كان سببا في توعية المسلمين؟
أوفى من السموأل:
أراد الشاعر العربي الشهير امرؤ القيس الكندي أن يذهب إلى قيصر الروم، وكان عنده عدد كبير من الدروع والأسلحة، فأعطاها لرجل يقال له السموأل، فلما مات امرؤ القيس أرسل إليه ملك كندة يطلب الأسلحة والدروع، فرفض السموأل، وقال: إما أن أعطيها لابنته أو ورثته، فأرسل الملك إليه مرة أخرى فرفض حفظا للأمانة ووفاء بالوعد، فخرج إليه ملك كندة بعسكر كثير، فدخل السمؤال حصنه، وكان ابنه خارج الحصن، فأمسك به الملك، وهدده إما أن يسلم الدروع والأسلحة، وإما أن يقتل ابنه، فاطلع إليه من الحصن، وقال له: اصنع بابني ما تشاء فلن أغدر بالعهد، ولن أخون، فقتل الملك ابن السموأل، وانتظر السموأل حتى جاء ورثة امرى القيس، وأعطاهم الدروع والأسلحة ووفى بما وعد، وضرب به المثل في الوفاء وقالوا: "أوفى من السموأل".
إنه الوفاء بالعهود وإن كان فيه قتل للذرية.
وفاء مع الكفار:
في العام السادس الهجري، عقد المشركون مع المسلمين صلح الحديبية، وكان من شروط الصلح أنه إذا أسلم أحد من المشركين، وذهب إلى الرسول ﷺ رده إلى قومه.
وبعد عقد الصلح مباشرة، جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو ﵁ وأعلن إسلامه، فلما رآه أبوه قام إليه وعنفه، ثم طلب من الرسول ﷺ أن يرد أبا جندل تنفيذا لروابط الصلح، فوافق.
فقال أبو جندل: يا معشر المسلمين، أأرد إلى المشركين يفتنوني عن ديني؟ فأخبره الرسول ﷺ بالعهد الذي أخذه على نفسه، وأنه يجب عليه الوفاء به، فقال: "يا أبا جندل، اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، وإننا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا".
стр. 309
ردوا إليهم الجزية:
عندما جمع الروم حشودهم على حدود البلاد الإسلامية الشمالية، كتب أبو عبيدة ﵁ إلى كل وال ممن خلفه في المدن التي صالح أهلها، يأمرهم أن يرجعوا عليهم ما جبي منهم من الجزية والخراج، وكتب إليهم أن يقولوا لهم: إنما رددنا عليكم أموالكم، لأنه قد بلغنا ما جمع لنا من الجموع وأنكم اشترطتم علينا أن نمنعكم، وإنا لا نقدر على ذلك، وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم، ونحن على الشرط، وما كتبنا بيننا وبينكم إن نصرنا الله عليهم، فلما قالوا ذلك لهم وردوا عليهم أموالهم التي جبيت منهم، قالوا: ردكم الله علينا ونصركم عليهم "أي الروم" فلو كانوا هم ما ردوا علينا شيئًا وأخذوا كل شيء بقي لنا حتى لا يدعوا لنا شيئا.
عمر والهرمزان:
وقع الهرمزان الفارسي في الأسر، وجاء إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وعرف الهرمزان أنه يحكم عليه بالقتل لما فعله من حرب المسلمين، فطلب من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن يطلب له ماء يشربه، فلما أتى الماء، قال الهرمزان للخليفة: آخذ عليك عهدا، ألا تقتلني ما دام الماء معي، فقال له أمير المؤمنين: لك ذلك، فقال الهرمزان: فوالله لا أترك الماء ولا أشربه، فخلى عمر سبيله وفاء بوعده. وهكذا المسلم يكون وفيا مع أعدائه في العهود.
أبو حنيفة:
من مظاهر الوفاء وفاء أبي حنيفة لشيوخه، فلقد كان يدعو لشيخه حماد مع أبويه في كل صلاة يصليها، وكان يحفظ له وده، ويذكره دائما ويترحم عليه، ولا ينسى له فضله، لم يسهل على أبي حنيفة أبدا أن ينسى شيخه وأستاذه حمادًا، فأقام على شرعة الوفاء له، يذكره بالخير، ويثني على فضله، وينوه بأثره فيه، ويدعو له، حتى قال أبو حنيفة: ما صليت قط إلا ودعوت لشيخي حماد ولكل من تعلمت منه علما أو علمته، وفي رواية: ما صليت صلاة منذ مات حماد إلا استغفرت له مع والديّ، وإني لأستغفر لمن تعلمت منه علما أو علمته علما (١).
стр. 310
وعود اليهود: من طبيعة اليهود نقض العهود وعدم الوفاء بها، قال تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٠] وقال أيضا: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ [الأنفال: ٥٦].
أخلف اليهود عهودهم مع النبي ﷺ ، منهم بنو قينقاع، فقد ازداد غيظهم على المسلمين بسبب انتصارهم في بدر فما لبثوا أن أثاروا في المدينة قلقا واضطرابا، وفي يوم من الأيام جاءت امرأة من العرب وقدمت على صائغ يهودي فجعل يراودها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها، فصاحت فوثب رجل من المسلمين على الصائغ اليهودي فقتله، فشد اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، وعلم رسول الله ﷺ فاستخلف على المدينة أبا لبابة وأعطى اللواء حمزة وسار إلى بني قينقاع الذين تحصنوا بحصونهم حتى أجلاهم النبي ﷺ ، فهل يعقل أن نعقد معهم عهودا بعد اليوم، وهم سادة في نقض العهود؟ أهم أصدق أم الله الذي خلقهم، وكشف لنا عن صفاتهم الدنيئة ومنها نقض العهود؟ فلن تحرر فلسطين إلا بالجهاد والتضحية.
وفاء نحو فلسطين
حاول اليهود عن طريق زعيمهم الماكر "هرتزل" استمالة السلطان عبد الحميد الثاني، حتى يسمح لهم بإقامة وطن لليهود في فلسطين، فعرضوا عليه مبلغا ضخما من المال، مقابل أن يصدر السلطان قرارا يسمح فيه لليهود بالهجرة إلى فلسطين، والتوطن فيها، وهنا ظهر وفاء السلطان عبد الحميد الثاني وقال قولته الخالدة التي سجلها التاريخ: "لست مستعدا لأن أتخلى عن شبر واحد من هذه البلاد، فهي ليست ملكي، بل هي ملك لشعبي، روى ترابها بدمه، وليحتفظ اليهود بأموالهم، ولن يستطيعوا أخذ فلسطين إلا عند تشريح جثتي، وساعتها يأخذونها بلا ثمن، أما وأنا على قيد الحياة فلا".
وهكذا يكون الوفاء لأرض فلسطين بعدم نسيان القضية، وعدم الموافقة على التفريط فيها، وتوعية الناس بأهمية المقاطعة الاقتصادية للمنتجات اليهودية.
стр. 311
الكرم والإنفاق
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥].
الإنفاق في سبيل الله من شروط التيسير في هذه الحياة، تيسير الرزق، تيسير الشفاء، تيسير الفرج؛ عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :"أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ " قالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه، قال: "فإن ماله ما قدم وماله وارثه ما أخر" [رواه البخاري].
وعن عدي بن حاتم ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اتقوا النار ولو بشق تمرة" [رواه البخاري].
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :"ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا" [رواه البخاري].
وقفة قرآنية
يقول سيد قطب عن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [آل عمران: ١٣٤]:
"فهم ثابتون على البذل، ماضون على المنهج، لا تغيرهم السراء ولا تغيرهم الضراء، السراء لا تبطرهم فتلهيهم، والضراء لا تضجرهم فتنسيهم، إنما هو الشعور بالواجب في كل حال، والتحرر من الشح والحرص، ومراقبة الله وتقواه، وما يدفع النفس الشحيحة بطبعها، المحبة للمال بفطرتها، ما يدفع النفس إلى الإنفاق في كل حال، إلا دافع أقوى من شهوة المال، وربقة الحرص، وثقلة الشح .. دافع التقوى، ذلك الشعور اللطيف العميق، الذي تشف به الروح وتخلص، وتنطلق من القيود والأغلال" (١).
стр. 312
كرم الرسول ﷺ -
عن أنس ﵁ قال: ما سئل رسول الله على الإسلام شيئا إلا أعطاه، ولقد جاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وإن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يلبث يسيرا حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها [رواه مسلم].
عن عائشة ﵂ أنهم ذبحوا شاة فقال النبي ﷺ : "ما بقى منها؟ " قالت: ما بقي منها إلا كتفها، قال: "بقى كلها غير كتفها" [سنن الترمذي] ومعناه: تصدقوا بها إلا كتفها، فقال: بقيت لنا في الآخرة إلا كتفها.
الكريم
الكريم من أسماء الله الحسنى، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦].
فالكريم هو كثير العطاء والإحسان من غير طلب ولا سؤال، بخلاف السخي فإنه المعطي عند السؤال، وهو إذا قدر عفا، وإذا وعد وفى، وإذا أعطى زاد على منتهى الرجاء.
قال الجنيد:
الكريم الذي لا يحوجك إلى وسيلة.
وقال الحارث المحاسبي: الكريم الذي لا يبالي من أعطى.
وقيل: الكريم الذي يعطي من غير منة.
وقيل: الكريم هو الذي لا يؤيس العصاة من قبول توبته عليهم من غير مساءلتهم.
من مظاهر كرمه سبحانه أنه يبتديء بالنعمة من غير استحقاق، ويتبرع بالإحسان من غير سؤال، وإن من كرم عفوه أن العبد إذا تاب عن السيئة محاها عنه وكتب له مكانها حسنة، ومن كرمه أنه في الدنيا يستر ذنوبهم ويخفى عيوبهم، فهو تعالى الذي جمع الكمال كله وتنزه عن أدنى شوائب النقص.
стр. 313
وقد أشارت آيات من القرآن إلى وصف الرزق بالكرامة فقال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [سبأ: ٤] كما وصف الله تعالى القول بالكريم فقال تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣] أي لينا سهلا، كما وصف كتاب سليمان إلى ملكة سبأ في قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠)﴾ [النمل: ٢٩ - ٣٠] ووصف الله به الديار فقال : ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦)﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٦] ووصف به ألوان النبات فقال تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠)﴾ [لقمان: ١٠] وكرامة أزواج النبات في نفاستها ومنفعتها وقيمتها.
وكما وصف الحق جانبًا من مخلوقاته بالكريم تجده ينفيها عن بعض مخلوقاته كقوله تعالى في وصف الجحيم: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤)﴾ [الواقعة: ٤١ - ٤٤] وكرامة الظل في الروح المنعش الذي يذهب كرب الحر، ومن مظاهر كرمه أن جعل الدنيا ملكا للعباد فقال تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وكذلك جعل الآخرة ملكا لهم فقال تعالى: ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] ومن كرمه أنه سخر للإنسان ما في السماوات والأرض، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] كما أن المولى يضاعف الثواب للمتقين في سبيله أضعافا مضاعفة، قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١] وقد تصل الزيادة في الثًواب بغير حساب، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
والكرم قسمان:
مادي وخلقي؛ فالمادي هو إطعام الطعام وكسوة الأيتام وصلة الأرحام، والخلقي هو العفو عن الجاني وإن تكررت الإساءة، وستر عورة الإخوان.
وللكرم فضل كبير، وفائدة عظمى للفرد والمجتمع، فالكريم يحبه الله تعالى ويحبه
стр. 314
الناس، وكل نعمة ينفق صاحبها منها ابتغاء وجه الله تعالى يبارك له فيها، يقول تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٦٥] (١).
أنواع الكرم
١ - الكرم مع النفس بدون إسراف
قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢].
ويروى أن الإمام أحمد بن حنبل كان يلقي درسا على بعض الناس، فرأى من بينهم رجلا يلبس ثيابا قديمة، فلما انتهى من دروسه وانصرف الناس، ناداه الإمام أحمد وقال له: ارفع هذا المصلى تجد تحته ألف درهم، خذها وأنفق بها على نفسك، وأصلح بها أحوالك، فأخبره الرجل أنه غني، لا يحتاج إلى هذا المال، فغضب منه الإمام أحمد وقال له: أما سمعت النبي ﷺ يقول: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده" [الترمذي].
٢ - إكرام الضيف
قال رسول الله ﷺ :"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" [رواه البخاري].
عجب الله من صنيعكما
جاء رجل إلى رسول الله ﷺ وقال: إني مجهود.
فأرسل إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، فأرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك.
فقال ﷺ : "من يضيف هذا الليلة ﵀".
فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا، إلا قوت صبياني.
стр. 315
قال: فعلليهم بشيء فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنا نأكل. فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيه.
فقعدوا وأكل الضيف فلما أصبح غدا إلى النبي ﷺ فقال: "قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة" وقد ذكرت بعض المراجع أن هذا الصحابي هو: أبو طلحة الأنصاري وامرأته أم سليم ﵃ جميعًا.
٣ - إكرام الصديق
يحكى أن رجلا ذهب يطلب مساعدة من صديق له فأعطاه الرجل كل ما معه من مال، وبعد أن انصرف رأت الزوجة على وجه زوجها (الذي أعطى) علامات الضيق والحزن، فقالت له: هل ندمت على ما أعطيت صديقك من مال؟ فقال لها: إني حزين لأنني لم أسأل عنه منذ زمن بعيد، ولم أتفقد أحواله، حتى احتاج أن يسألني.
وكان طلحة بن عبيد الله تاجرا واسع التجارة عظيم الثراء، فجاءه ذات يوم مال من "حضرموت" مقداره سبعمائة ألف درهم، فبات ليلة وجلاً جزعا محزونا، فدخلت عليه زوجته أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، وقالت: ما بك يا أبا أحمد؟ لعله رابك منا شيء.
فقال: لا، ولنعم حليلة الرجل المسلم أنت، ولكن تفكرت منذ الليلة وقلت: ما ظن رجل بربه إذا كان ينام وهذا المال في بيته؟
قالت: وما يغمك منه؟ أين أنت من المحتاجين من قومك وأخلائك؟ فإذا أصبحت فقسمة بينهم.
فقال: رحمك الله، إنك موفقة بنت موفق. فلما أصبح جعل المال في صرر وجفان، وقسمه بين المهاجرين والأنصار (١).
خزيمة وعكرمة
كان خزيمة مشهورا بين الناس بالكرم وعمل المعروف مع أصدقائه وكل من يقصده، وإذا طلب أحدهم منه شيئا قدمه له راضيا مهما كانت قيمته.
стр. 316
وظل خزيمة على هذا الأمر حتى فني ماله وساءت حالته، وكان خزيمة رجلا عزيز النفس لا يريد أن يمد يده ليطلب مساعدة من أحد، فأغلق عليه بابه، وأقام مع زوجته وأولاده يعيشون على ما بقي عندهم من طعام ومال.
علم عكرمة -والي البلاد- بما وصلت إليه حال خزيمة من فقر وحاجة، فأسف لذلك، وقال: كيف يعيش في فقر وشدة من كان في يوم من الأيام يكرم الناس من ماله وطعامه؟! وعندما جاء الليل، أخذ عكرمة أربعة آلاف درهم، ووضعها في كيس، وخرج من بيته سرا وقد أخفي شكله، وسار في الظلام حتى وصل إلى بيت خزيمة، وطرق الباب، فلما خرج إليه خزيمة ناوله عكرمة الكيس، وقال له: أصلح بهذا المال أحوالك.
تناول خزيمة الكيس فوجده ثقيلا مملوءا بالدراهم، فوضعه على الأرض وأمسك بتلابيب عكرمة وسأله: من أنت؟ أخبرني.
فأجابه عكرمة: ما جئتك في هذه الساعة المتأخرة من الليل لتعرفني، إنما حضرت لأعطيك هذا الكيس وكفى.
فقال خزيمة: وأنا لن أقبل هذا الكيس حتى تعرفني بنفسك وتخبرني من أنت.
قال عكرمة: إذا كنت مصمما على معرفتي فأنا منقذ الكرام من غدر الأيام، وأسرع عكرمة بالانصراف، ودخل خزيمة على زوجته يبشرها بخبر المال الذي جاءهما من منقذ الكرام ففرحت.
وفي الصباح خرج خزيمة إلى الناس، ودفع ما عليه من ديون، واشترى طعاما لبيته.
أما عكرمة فقد رجع إلى منزله، ووجد زوجته قلقة مهمومة، ولما سألته عن سبب خروجه متنكرا في منتصف الليل ومعه المال، حاول عكرمة أن يخفي عنها الحقيقة في أول الأمر، لكنها كررت السؤال ووعدته أن تكتم الأمر وتجعله سرا بينهما، فأخبرها عكرمة بالقصة، وحكى لها ما حدث بينه وبين خزيمة وطلب منها ألا تذكر ذلك لأحد أبدا.
ومرت الأيام وتحسنت حال خزيمة، وعاد غنيا مرة أخرى، وذهب لمقابلة صديقه الخليفة، وحكى خزيمة له قصته مع منقذ الكرام من غدر الأيام، وتعجب الخليفة وود لو عرف اسم ذلك الرجل، وقال لخزيمة: والله لو عرفت اسمه لمكافأته أحسن المكأفاة على معروفه وكرمه، ثم قال الخليفة لخزيمة: لقد وليتك حاكما على البلاد مكان عكرمة، فاذهب إليه الآن فورا،
стр. 317
وحاسبه على ما حصل من أموال المسلمين وما أنفق منها.
عاد خزيمة إلى بلده واليا عليها، وعندما علم عكرمة بخبر ولاية خزيمة على البلاد بدلا منه، خرج في جمع من أهلها يستقبله، ودخل خزيمة في موكب فخم، وقصد دار الإمارة، ولما جلس فيها، وتسلم أمور الحكم أمر بمحاسبة عكرمة، فوجد عليه أموالا عجز عن سدادها ولم يتمكن من دفعها واعتذر لعكرمة، وقال: ليس عندي ما أدفعه.
طلب خزيمة من جنوده أن يقيدوا عكرمة بالسلاسل ويضعوه في السجن حتى يدفع ما عليه من أموال، دخل عكرمة السجن دون أن ينطق بكلمة واحدة ودون أن يوضح لخزيمة أين ذهبت الأموال الناقصة؟ ولما علمت زوجة عكرمة بسجن زوجها حزنت حزنا شديدا.
ومرت الأيام، وساءت حالها، فلم تستطع الزوجة أن تصبر طويلا، فنادت خادمتها، وقالت لها: اذهبي إلى بيت الوالي خزيمة، وقولي له: عندي كلمة لك لا أحب أن يسمعها غيرك، وعندما ينصرف من معه، ويصبح خزيمة وحده قولي له: ما هكذا يكون جزاء منقذ الكرام من غدر الأيام.
وذهبت الخادمة إلى بيت خزيمة وأبلغته ما قالت سيدتها، فقال منزعجا: واحسرتاه! أهو عكرمة؟ ثم قام من مجلسه، وأرسل إلى عظماء البلاد فجمعهم، وركب حصانه، وسار بهم إلى السجن، ودخل خزيمة السجن هو ومن معه، فوجد عكرمة أصفر اللون متعبا مقيدا بالسلاسل، فأقبل عليه يقبل رأسه ويعتذر إليه عما حدث منه، فرفع عكرمة رأسه، ونظر إلى خزيمة بعينين مليئتين بالدموع، وقال له: وما الذي دعاك إلى أن تفعل كل ذلك الآن يا خزيمة؟
فأجابه: كرم أصلك وحسن خلقك وسوء مكافأتي، لقد قابلت الإحسان بالإساءة وأنا لا أدري.
فقال له عكرمة: يغفر الله لك.
وطلب خزيمة الحداد وأمره أن يفك قيود عكرمة، ويقيده بدلا منه، ولما سأله عكرمة عن السبب في هذا الطلب الغريب أجابه خزيمة: أريد أن يصيبني من الحبس والقيد مثل ما أصابك. فأقسم عكرمة عليه ألا يفعل ذلك الأمر، وصمم على أن يخرج خزيمة من
стр. 318
السجن معه فخرج الاثنان في موكب من الناس حتى وصلا إلى دار خزيمة، فشكر له عكرمة واستأذنه في الانصراف إلى بيته فقال له خزيمة: لن تذهب إلى دارك يا عكرمة حتى تزول عنك آثار الحبس والقيد. واستضاف خزيمة عكرمة في داره وأعطاه أفضل ثيابه ثم اختار له أجود فرس عنده وودعه أحسن وداع (١).
٤ - إكرام الأهل
قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ٢١٥].
أنفق مما تحب
عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان أبو طلحة ﵁ أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن الله ﵎ يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، قال: فقال رسول الله ﷺ :"بخ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين"، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه" [رواه البخاري].
٥ - الكرم مع الفقراء والمساكين
قال الرسول ﷺ :" الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله" وأحسبه وال: "كالقائم لا يفتر وكالصائم لا يفطر" [رواه مسلم].
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "بينا رجل بفلاة من الأرض سمع صوتا في سحابة: اسق حديقة فلان، فتنحي ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة فإذا شرجة من تلك الشِّراج قد استوعبت ذلك الماء كله فتتبع الماء فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمساحته فقال له: يا عبد الله ما اسمك؟ قال: فلان -للاسم الذي سمع في السحابة- فقال له: يا عبد
стр. 319
الله لم تسألني عن اسمي؟ فقال: إني سمعت صوتا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان لاسمك، فما تصنع فيها؟ فقال: أما إذا قلت هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه وآكل أنا وعيالي ثلثا، وأرد فيها ثلثه" الشراج: مسيل الماء [رواه مسلم].
أبو أمامة ومحبته للصدقة
عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: حدثتني مولاة أبي أمامة قالت: كان أبو أمامة يحب الصدقة ويجمع لها، وما يرد سائلاً ولو ببصلة أو بتمرة، أو بشيء مما يؤكل.
فأتاه سائل ذات يوم وقد افتقر من ذلك كله، وما عنده إلا ثلاثة دنانير، فسأله دينارًا، ثم أتاه سائل فأعطاه دينارًا، ثم أتاه سائل فأعطاه دينارًا.
قالت: فغضبت وقلت: لم تترك لنا شيئًا.
قالت: فوضع رأسه للقائلة، فلما نودي للعصر أيقظته فتوضأ وراح إلى المسجد، فرفقت عليه وكان صائمًا، فتقرضت، وجعلت له عشاء وأسرجت له سراجًا وجئت إلى فرشه لأمهد له، فإذا بذهب، فعددتها فإذا ثلاثمائة دينار قلت: ما صنع الذي صنع إلا وقد وثق بما خلف، فأقبل بعد العشاء، فلما رأى المائدة، ورأى السراج تبسم وقال: هذا خير من عنده.
قالت: قمت على رأسه حتى تعشى، فقلت: يرحمك الله خلفت هذه النفقة سبيل، ولم تخبرني فأرفعها. قال: وأي نفقة؟! ما خلفت شيئًا.
قالت: فرفعت الفراش فلما أن رآها فرح واشتد عجبه.
قالت: فقمت فقطعت زناري وأسلمت.
قال ابن جابر: فأدركتها في مسجد حمص وهي تعلم النساء القرآن والسنن والفرائض وتفقههن في الدين.
٦ - إكرام اليتيم
قال رسول الله ﷺ : "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا" وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئا [رواه البخاري].
стр. 320
٧ - إكرام الجار
قال النبي ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره" [رواه البخاري].
الإنفاق والإخلاص
يقول تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢].
يقول سيد قطب: إن هذا هو شأن المؤمن لا سواه، إنه لا ينفق إلا ابتغاء وجه الله، لا ينفق عن هوى ولا عن عرض، لا ينفق وهو يتلفت للناس يرى ماذا يقولون، لا ينفق ليركب الناس بإنفاقه ويتعالى عليهم ويشمخ، لا ينفق ليرضى عنه ذو سلطان، أو ليكافئه بنيشان، لا ينفق إلا ابتغاء وجه الله، خالصا متجردا لله، ومن ثم يطمئن لقبول الله لصدقته، ويطمئن لبركة الله في ماله، ويطمئن لثواب الله وعطائه، ويطمئن إلى الخير والإحسان من الله جزاء الخير والإحسان لعباد الله، ويرتفع ويتطهر ويزكو بما أعطى وهو بعد في هذه الأرض، وعطاء الآخرة بعد ذلك كله فضل" (١).
دعوة إلى الإنفاق
لم يكتف القرآن بالدعوة إلى إطعام المسكين، والتحذير من إهماله، بل جعل في عنق كل مؤمن حقا للمسكين أن يحض غيره على إطعامه ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤)﴾ [الحاقة: ٢٥ - ٣٤].
وهذا أبو الدرداء يقول لامرأته: يا أم الدرداء، إن لله سلسلة لم تزل تغلي بها مراجل النار منذ خلق الله جهنم، إلى أن تلقى في أعناق الناس، وقد نجانا الله من نصفها بإيماننا بالله العظيم، فحضي على إطعام المسكين يا أم الدرداء.
وفي سورة الماعون جعل الله من علامات التكذيب بالدين قهر اليتيم وعدم الحض على إطعام المسكين: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣)﴾ [الماعون: ١ - ٣].