← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96918

موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق

ياسر عبد الرحمن

Полный текст (763 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وظل خزيمة على هذا الأمر حتى فني ماله وساءت حالته، وكان خزيمة رجلا عزيز النفس لا يريد أن يمد يده ليطلب مساعدة من أحد، فأغلق عليه بابه، وأقام مع زوجته وأولاده يعيشون على ما بقي عندهم من طعام ومال. علم عكرمة -والي البلاد- بما وصلت إليه حال خزيمة من فقر وحاجة، فأسف لذلك، وقال: كيف يعيش في فقر وشدة من كان في يوم من الأيام يكرم الناس من ماله وطعامه؟! وعندما جاء الليل، أخذ عكرمة أربعة آلاف درهم، ووضعها في كيس، وخرج من بيته سرا وقد أخفي شكله، وسار في الظلام حتى وصل إلى بيت خزيمة، وطرق الباب، فلما خرج إليه خزيمة ناوله عكرمة الكيس، وقال له: أصلح بهذا المال أحوالك. تناول خزيمة الكيس فوجده ثقيلا مملوءا بالدراهم، فوضعه على الأرض وأمسك بتلابيب عكرمة وسأله: من أنت؟ أخبرني. فأجابه عكرمة: ما جئتك في هذه الساعة المتأخرة من الليل لتعرفني، إنما حضرت لأعطيك هذا الكيس وكفى. فقال خزيمة: وأنا لن أقبل هذا الكيس حتى تعرفني بنفسك وتخبرني من أنت. قال عكرمة: إذا كنت مصمما على معرفتي فأنا منقذ الكرام من غدر الأيام، وأسرع عكرمة بالانصراف، ودخل خزيمة على زوجته يبشرها بخبر المال الذي جاءهما من منقذ الكرام ففرحت. وفي الصباح خرج خزيمة إلى الناس، ودفع ما عليه من ديون، واشترى طعاما لبيته. أما عكرمة فقد رجع إلى منزله، ووجد زوجته قلقة مهمومة، ولما سألته عن سبب خروجه متنكرا في منتصف الليل ومعه المال، حاول عكرمة أن يخفي عنها الحقيقة في أول الأمر، لكنها كررت السؤال ووعدته أن تكتم الأمر وتجعله سرا بينهما، فأخبرها عكرمة بالقصة، وحكى لها ما حدث بينه وبين خزيمة وطلب منها ألا تذكر ذلك لأحد أبدا. ومرت الأيام وتحسنت حال خزيمة، وعاد غنيا مرة أخرى، وذهب لمقابلة صديقه الخليفة، وحكى خزيمة له قصته مع منقذ الكرام من غدر الأيام، وتعجب الخليفة وود لو عرف اسم ذلك الرجل، وقال لخزيمة: والله لو عرفت اسمه لمكافأته أحسن المكأفاة على معروفه وكرمه، ثم قال الخليفة لخزيمة: لقد وليتك حاكما على البلاد مكان عكرمة، فاذهب إليه الآن فورا،

стр. 317

وحاسبه على ما حصل من أموال المسلمين وما أنفق منها. عاد خزيمة إلى بلده واليا عليها، وعندما علم عكرمة بخبر ولاية خزيمة على البلاد بدلا منه، خرج في جمع من أهلها يستقبله، ودخل خزيمة في موكب فخم، وقصد دار الإمارة، ولما جلس فيها، وتسلم أمور الحكم أمر بمحاسبة عكرمة، فوجد عليه أموالا عجز عن سدادها ولم يتمكن من دفعها واعتذر لعكرمة، وقال: ليس عندي ما أدفعه. طلب خزيمة من جنوده أن يقيدوا عكرمة بالسلاسل ويضعوه في السجن حتى يدفع ما عليه من أموال، دخل عكرمة السجن دون أن ينطق بكلمة واحدة ودون أن يوضح لخزيمة أين ذهبت الأموال الناقصة؟ ولما علمت زوجة عكرمة بسجن زوجها حزنت حزنا شديدا. ومرت الأيام، وساءت حالها، فلم تستطع الزوجة أن تصبر طويلا، فنادت خادمتها، وقالت لها: اذهبي إلى بيت الوالي خزيمة، وقولي له: عندي كلمة لك لا أحب أن يسمعها غيرك، وعندما ينصرف من معه، ويصبح خزيمة وحده قولي له: ما هكذا يكون جزاء منقذ الكرام من غدر الأيام. وذهبت الخادمة إلى بيت خزيمة وأبلغته ما قالت سيدتها، فقال منزعجا: واحسرتاه! أهو عكرمة؟ ثم قام من مجلسه، وأرسل إلى عظماء البلاد فجمعهم، وركب حصانه، وسار بهم إلى السجن، ودخل خزيمة السجن هو ومن معه، فوجد عكرمة أصفر اللون متعبا مقيدا بالسلاسل، فأقبل عليه يقبل رأسه ويعتذر إليه عما حدث منه، فرفع عكرمة رأسه، ونظر إلى خزيمة بعينين مليئتين بالدموع، وقال له: وما الذي دعاك إلى أن تفعل كل ذلك الآن يا خزيمة؟ فأجابه: كرم أصلك وحسن خلقك وسوء مكافأتي، لقد قابلت الإحسان بالإساءة وأنا لا أدري. فقال له عكرمة: يغفر الله لك. وطلب خزيمة الحداد وأمره أن يفك قيود عكرمة، ويقيده بدلا منه، ولما سأله عكرمة عن السبب في هذا الطلب الغريب أجابه خزيمة: أريد أن يصيبني من الحبس والقيد مثل ما أصابك. فأقسم عكرمة عليه ألا يفعل ذلك الأمر، وصمم على أن يخرج خزيمة من

стр. 318

السجن معه فخرج الاثنان في موكب من الناس حتى وصلا إلى دار خزيمة، فشكر له عكرمة واستأذنه في الانصراف إلى بيته فقال له خزيمة: لن تذهب إلى دارك يا عكرمة حتى تزول عنك آثار الحبس والقيد. واستضاف خزيمة عكرمة في داره وأعطاه أفضل ثيابه ثم اختار له أجود فرس عنده وودعه أحسن وداع (١). ٤ - إكرام الأهل قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ٢١٥]. أنفق مما تحب عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان أبو طلحة ﵁ أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن الله ﵎ يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، قال: فقال رسول الله ﷺ :"بخ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين"، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه" [رواه البخاري]. ٥ - الكرم مع الفقراء والمساكين قال الرسول ﷺ :" الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله" وأحسبه وال: "كالقائم لا يفتر وكالصائم لا يفطر" [رواه مسلم]. عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "بينا رجل بفلاة من الأرض سمع صوتا في سحابة: اسق حديقة فلان، فتنحي ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة فإذا شرجة من تلك الشِّراج قد استوعبت ذلك الماء كله فتتبع الماء فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمساحته فقال له: يا عبد الله ما اسمك؟ قال: فلان -للاسم الذي سمع في السحابة- فقال له: يا عبد

стр. 319

الله لم تسألني عن اسمي؟ فقال: إني سمعت صوتا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان لاسمك، فما تصنع فيها؟ فقال: أما إذا قلت هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه وآكل أنا وعيالي ثلثا، وأرد فيها ثلثه" الشراج: مسيل الماء [رواه مسلم]. أبو أمامة ومحبته للصدقة عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: حدثتني مولاة أبي أمامة قالت: كان أبو أمامة يحب الصدقة ويجمع لها، وما يرد سائلاً ولو ببصلة أو بتمرة، أو بشيء مما يؤكل. فأتاه سائل ذات يوم وقد افتقر من ذلك كله، وما عنده إلا ثلاثة دنانير، فسأله دينارًا، ثم أتاه سائل فأعطاه دينارًا، ثم أتاه سائل فأعطاه دينارًا. قالت: فغضبت وقلت: لم تترك لنا شيئًا. قالت: فوضع رأسه للقائلة، فلما نودي للعصر أيقظته فتوضأ وراح إلى المسجد، فرفقت عليه وكان صائمًا، فتقرضت، وجعلت له عشاء وأسرجت له سراجًا وجئت إلى فرشه لأمهد له، فإذا بذهب، فعددتها فإذا ثلاثمائة دينار قلت: ما صنع الذي صنع إلا وقد وثق بما خلف، فأقبل بعد العشاء، فلما رأى المائدة، ورأى السراج تبسم وقال: هذا خير من عنده. قالت: قمت على رأسه حتى تعشى، فقلت: يرحمك الله خلفت هذه النفقة سبيل، ولم تخبرني فأرفعها. قال: وأي نفقة؟! ما خلفت شيئًا. قالت: فرفعت الفراش فلما أن رآها فرح واشتد عجبه. قالت: فقمت فقطعت زناري وأسلمت. قال ابن جابر: فأدركتها في مسجد حمص وهي تعلم النساء القرآن والسنن والفرائض وتفقههن في الدين. ٦ - إكرام اليتيم قال رسول الله ﷺ : "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا" وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئا [رواه البخاري].

стр. 320

٧ - إكرام الجار قال النبي ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره" [رواه البخاري]. الإنفاق والإخلاص يقول تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢]. يقول سيد قطب: إن هذا هو شأن المؤمن لا سواه، إنه لا ينفق إلا ابتغاء وجه الله، لا ينفق عن هوى ولا عن عرض، لا ينفق وهو يتلفت للناس يرى ماذا يقولون، لا ينفق ليركب الناس بإنفاقه ويتعالى عليهم ويشمخ، لا ينفق ليرضى عنه ذو سلطان، أو ليكافئه بنيشان، لا ينفق إلا ابتغاء وجه الله، خالصا متجردا لله، ومن ثم يطمئن لقبول الله لصدقته، ويطمئن لبركة الله في ماله، ويطمئن لثواب الله وعطائه، ويطمئن إلى الخير والإحسان من الله جزاء الخير والإحسان لعباد الله، ويرتفع ويتطهر ويزكو بما أعطى وهو بعد في هذه الأرض، وعطاء الآخرة بعد ذلك كله فضل" (١). دعوة إلى الإنفاق لم يكتف القرآن بالدعوة إلى إطعام المسكين، والتحذير من إهماله، بل جعل في عنق كل مؤمن حقا للمسكين أن يحض غيره على إطعامه ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤)﴾ [الحاقة: ٢٥ - ٣٤]. وهذا أبو الدرداء يقول لامرأته: يا أم الدرداء، إن لله سلسلة لم تزل تغلي بها مراجل النار منذ خلق الله جهنم، إلى أن تلقى في أعناق الناس، وقد نجانا الله من نصفها بإيماننا بالله العظيم، فحضي على إطعام المسكين يا أم الدرداء. وفي سورة الماعون جعل الله من علامات التكذيب بالدين قهر اليتيم وعدم الحض على إطعام المسكين: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣)﴾ [الماعون: ١ - ٣].

стр. 321

وفي سورة الفجر خاطب الله المجتمع الجاهلي المتظلم بقوله: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨)﴾ [الفجر: ١٧ - ١٨]. قال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٤]. قال رسول الله ﷺ : "من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو سادس" [رواه البخاري]. قال علي بن أبي طالب ﵁: إن الله تعالى فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم، فإن جاعوا أو عروا وجهدوا فبمنع الأغنياء، وحق على الله تعالى أن يحاسبهم يوم القيامة، ويعذبهم عليه. قال رسول الله ﷺ :"السخي قريب من الله، قريب من الجنة، قريب من الناس، بعيد عن النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الجنة، بعيد من الناس، قريب من النار، ولجاهل سخي أحب إلى الله من عالم بخيل" [رواه الترمذي]. الإنسان مجبول على حب المال، لو أنه أوتي ما في الأرض جميعا، بل لو أنه امتلك خزائن الرحمة العليا لما طوعت له نفسه أن ينفق منها بسعة: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠]. إن الأموال المستخفية في الخزائن، المختبئة فيها حق المسكين والبائس، شر جسيم على صاحبها في الدنيا والآخرة، إنها أشبه بالثعابين الكامنة في جحورها. أي الصدقة أعظم أجرًا ؟ جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجرا؟ قال: "أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمُهل حتى إذا بلغت (الروح) الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان" [رواه البخاري]. كرم عثمان كان في المدينة عين ماء تسمى (رومة) وكان صاحبها يبيع ماءها للمسلمين، وذات يوم قال الرسول ﷺ لأصحابه: "من يشتري رومة فيجعلها للمسلمين، وله بها مشرب في الجنة؟ " فاشترى عثمان بن عفان ﵁ نصف البئر، فخير صاحب البئر بين أمرين: إما أن

стр. 322

يكون لكل واحد منهما حرية استعمال البئر يوما مستقلا، وإما أن يضع كل واحد منهما دلوا خاصا على البئر، فرأى عثمان أنه إذا اختار يوما مستقلا فإن ذلك يكون أنفع للمسلمين فاختار يوما، فكان المسلمون يأخذون ما يكفيهم من الماء في يوم عثمان، فلما رأى صاحب البئر ذلك ذهب إلى عثمان، وقال له: أفسدت عليَّ بئري فاشتر النصف الآخر، فاشتراه عثمان ووهبه للمسلمين. عثمان ذلك الرجل السخي في عهد الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ أصاب الناس قحط شديد، وكانت قافلة من الشام مكونة من ألف جمل، محملة بأصناف الطعام واللباس قد حلت لعثمان في أرض المدينة، فتراكض التجار عليه، يطلبون أن يبيعهم هذه القافلة، فقال لهم: كم تعطوني؟ قالوا: خمسة في المائة. قال: إني وجدت من يعطيني أكثر. فقالوا: ما نعلم في التجار من يدفع أكثر من هذا الربح. فقال لهم: إني وجدت من يعطيني على الدرهم سبعمائة فأكثر، إني وجدت الله يقول: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١] هل عندكم يا معشر التجار زيادة؟ إني أشهدكم يا معشر التجار، أن القافلة وما فيها من بر ودقيق وزيت وسمن ولباس قد وهبتها لفقراء المدينة، وإنها صدقة على فقراء المسلمين (١). كرم أبي حنيفة تعرض إبراهيم بن عيينة لضائقة مالية، وسجن بسبب دين كان عليه، فسارع إخوانه الفقهاء إلى جمع قيمة الدين الذي عليه ليفرج عنه، ولكن أبا حنيفة يؤدي وحده كل ما عليه ويطلب أن يرد ما يجمعه العلماء إليهم. وكان أبو حنيفة ينتهز الفرص لتوزيع المال، فقد أهدى إليه صديق منديلا لا تزيد قيمته على ثلاثة دراهم، فأهدى إليه قطعة خز قيمتها خمسون درهما.

стр. 323

وحين كافأ صديقا أهدى إليه بضعف ما أهدى، احتج الصديق وقال: لو أعلم أنك تفعل ذلك ما أهديت لك، ولكنه رد عليه في منطق العلماء يقول: لا تقل هذا، فإن الفضل للسابق (١). دار في الجنة جاء الإسلام ودار الندوة بيد حكيم بن حزام فباعها بعد معاوية بن أبي سفيان بمائة ألف درهم، فقال له عبد الله بن الزبير: بعت مكرمة قريش؟ فقال حكيم: ذهبت المكارم إلا التقوى، يا ابن أخي إني اشتريت بها دارا في الجنة، أشهدك أني قد جعلتها في سبيل الله. ...

стр. 324

العفو العفو من أعظم الصفات التي يتحلى بها المسلم، وقد وصف الله نفسه بالعفو وأمر عباده أن يتصفوا به، قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. من أسماء الله الحسنى العفوّ ومعناه: الذي يمحو السيئات ويتجاوز عن المعاصي ويصفح عمن تاب وأناب. والعفو صيغة مبالغة. والعفو له معنيان: أحدهما الفضل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] يعني ما فضل من أموالهم. والمعنى الثاني للعفو: المحو والإزالة، يقال: عفت الرياح الآثار إذا أزالتها. فالعفو في وصفه تعالى على هذا المعنى هو إزالة آثار الإجرام بجميل المغفرة، فالله يعفو عن العباد فيعفو عن ذنوبهم فيزيل أحكامها كما قال تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]. والفرق بين الغفران والعفو أن الغفران هو الستر بمعنى التغطية ولكن العفو: هو المحو، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٢٥]. واعلم أن اقتران العفو بالقدرة تنبيه للعبد لمكارم الأخلاق ليعفو عمن ظلمه إذا نصره الله عليه، قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]. والمسلم يعفو عمن أساء إليه بل يحسن إلى المسيء ولا يمن عليه بإحسانه، ومن عرف أنه سبحانه عفو طلب عفوه، ومن طلب عفوه تجاوز عن خلقه، قال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] وأن الكريم إذا عفا حفظ قلب المسيء عن تذكيره بسوء فعله، بل يزيل عنه ذلك الخجل (١).

стр. 325

عفو يوسف كان يعقوب يحب ابنه يوسف أكثر من إخوته، فحسده إخوته على هذا الحب، فقرروا أن يتخلصوا من يوسف، فاستأذنوا أباهم في أن يأخذوا يوسف معهم إلى المرعى ليلعب ويمرح، فوافق، وأوصاهم به، فأخذوه معهم، وهناك ألقوه في بئر، ثم رجعوا إلى أبيهم في المساء يبكون، وأخبروه أن الذئب قد أكله، فحزن الأب على فراق يوسف حزنا شديدا، ومرت قافلة، فوجدوا يوسف، فأخرجوه وأخذوه معهم، وباعوه لعزيز مصر. وتربى يوسف في قصر العزيز، ونتيجة لأخلاقه الحسنة، وعلمه الواسع، صار وزيرا لملك مصر، وفي أثناء ذلك، جاء إليه إخوته ليشتروا من مصر لأهلهم بعض الغذاء، فلما دخلوا عليه عرفهم، ولكنهم لم يعرفوه، وترددوا عليه أكثر من مرة، وكانت فرصة ليوسف لينتقم من إخوته، لكنه عفا عنهم، وقال لهم: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢]. إن مرتبة العفو لا يصل إليها إلا من جرد نفسه لله، وجاهد نفسه، وكظم غيظه. عفو الرسول ﷺ - عبد الله بن أبيّ ابن سلول أشاع مقالة السوء على أم المؤمنين عائشة ﵂، وجعل المرجفين يتهامسون بالإفك حولها، ويهزون أركان المجتمع الإسلامي هزًا. وجاء ولده إلى رسول الله ﷺ يطلب الصفح عن أبيه فصفح، ثم طلب منه أن يكفنه في قميصه فمنحه إياه، ثم طلب منه أن يصلي عليه ويستغفر له، فلم يرد له الرسول ﷺ الرقيق العفو- هذا السؤال، بل وقف أمام جثمان الطاعن في عرضه بالأمس يستدر له المغفرة، ولكن العدالة العليا حسمت الأمر كله فنزل قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٨٠]. العفو سبب إسلام ثمامة بينما كان ثمامة بن أثال في بعض طريقه قريبا من المدينة، إذا بسرية من سرايا رسول

стр. 326

الله ﷺ كانت تجوس خلال الديار، فأسرت ثمامة، وهي لا تعرفه، وأتت به إلى المدينة، وشدته إلى سارية من سواري المسجد، منتظرة أن يقف النبي الكريم ﷺ بنفسه على شأن الأسير، وأن يأمر فيه بأمره، ولما خرج النبي ﷺ إلى المسجد، وهمَّ بالدخول فيه رأى ثمامة مربوطا في السارلة، فقال لأصحابه: "أتدرون من أخذتم؟ " فقالوا: لا يا رسول الله. فقال: "هذا ثمامة بن أثال فأحسنوا إساره، ثم رجع الرسول إلى أهله وقال: "اجمعوا ما كان عندكم من طعام وابعثوا به إلى ثمامة بن أثال"، ثم أمر بناقته أن تحلب في الغدو والرواح، وأن يقدم إليه لبنها، وقد تم ذلك كله قبل أن يلقاه الرسول ﷺ ثم إن النبي ﷺ أقبل على ثمامة يريد أن يستدرجه إلى الإسلام وقال:"ما عندك يا ثمامة؟ " فقال: عندي يا محمد خير، فإن تقتل تقتل ذا دم (أي رجلا أراق منكم دما) وإن تنعم (بالعفو) تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه رسول الله يومين على حاله، يؤتى له بالطعام والشراب، ويحمل إليه لبن الناقة، ثم جاءه فقال:"ما عندك يا ثمامة؟ " قال: ليس عندي إلا ما قلت لك من قبل فإن تنعم تنعم على شاكر وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه رسول الله حتى إذا كان اليوم التالي جاءه فقال: "ما عندك يا ثمامة؟ " فقال: عندي ما قلت لك، فالتفت رسول الله ﷺ إلى أصحابه وقال: "أطلقوا ثمامة"، ففكوا وثاقه وأطلقه فأعلن إسلامه (١). وظهر عفو الرسول ﷺ عنه وفك أسره، فكان ذلك العفو سببا في إسلامه. العفو عند المقدرة يقول عدي بن حاتم الطائي: لقد بلغني وأنا في ديار الشام أن خيل محمد أغارت على ديارنا وأخذت أختي في جملة من أخذته من السبايا وسيقت إلى يثرب. وهناك وضعت مع السبايا في حظيرة عند باب المسجد، فمر بها النبي ﷺ فقامت إليه وقالت: يا رسول الله، هلك الولد، وغاب الوافد، فامنن عليَّ منَّ الله عليك. فقال:"ومن وافدك؟ " فقالت: عدي بن حاتم، فقال:"الفارُّ من الله ورسوله"، ثم مضى رسول الله وتركها، فلما كان الغد مر بها فقالت له مثل قولها بالأمس، فقال لها مثل قوله،

стр. 327

فلما كان بعد الغد مر بها وقد يئست منه فلم تقل شيئا، فأشار لها رجل من خلفه أن قومي إليه وكلميه، فقامت إليه فقالت: يا رسول الله، هلك الولد، وغاب الوافد، فامنن علي منَّ الله عليك، فقال: "قد فعلت" فقالت: إني أريد اللحاق بأهلي في الشام، فقال الرسول:"ولكن لا تعجلي بالخروج حتى تجدي من تثقين به من قومك ليبلغك بلاد الشام، فإذا وجدت الثقة فأعلميني"، ولما انصرف الرسول ﷺ سألت عن الرجل الذي أشار عليها أن تكلمه، فقيل لها: إنه علي بن أبي طالب، ثم أقامت حتى قدم ركب فيهم من تثق به، فجاءت إلى رسول الله ﷺ وقالت: يا رسول الله، لقد قدم رهط من قومي لي فيهم ثقة وبلاغ، فكساها رسول الله ﷺ ، ومنحها ناقة تحملها، وأعطاها نفقة تكفيها، فخرجت مع الركب، قال عدي: ثم جعلنا بعد ذلك نترقب قدومها، ونحن لا نكاد نصدق ما روي من خبرها مع محمد وإحسانه إليها، فوالله إني لقاعد في أهلي إذ أبصرت امرأة في هودجها تتجه نحونا، فقلت: ابنة حاتم، فإذا هي هي، فلما وقفت علينا قالت: القاطع الظالم، لقد احتملت بأهلك وولدك وتركت بقية ولدك وعورتك، فقلت: أي أخية، لا تقولي إلا خيرا، وجعلت أسترضيها حتى رضيت، وقصت علي خبرها، فقلت لها: ما ترين في أمر الرجل (محمد)؟ فقالت: أرى -والله- أن تلحق به سريعا، فإن يكن نبيا فللسابق إليه فضله، وإن يكن ملكا فلن تذل عنده وأنت وأنت (١). تذكر عفو الرسول، ولا تغضب إلا إذا انتهكت حرمات الله. ودارت الأيام وأسلم لما انتهت غزوة بدر ووقف الرسول ﷺ والصحابة يستعرضون أسرى المشركين إذا هم يجدون سهيل بن عمرو أسيرا في أيديهم، فلما مثل سهيل بين يدي النبي ﷺ نظر إليه عمر بن الخطاب وقال: دعني يا رسول الله أنزع ثنيتيه حتى لا يقوم بعد اليوم خطيبا في محافل مكة، ينال من الإسلام ونبيه، فقال الرسول ﷺ : "دعهما يا عمر، فلعلك ترى منهما ما يسرك إن شاء الله". ثم دارت الأيام، وكان صلح الحديبية، فبعثت قريش سهيل بن عمرو لينوب عنها في إبرام الصلح، فتلقاه الرسول ﷺ ومعه طائفة من صحبه فيهم ابنه عبد الله بن سهيل، ثم

стр. 328

دعا النبي ﷺ علي بن أبي طالب لكتابة العقد، وشرع يملي عليه فقال: "اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم"، فقال سهيل: نحن لا نعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللهم، فقال النبي ﷺ لعلي: "اكتب باسمك اللهم"، ثم قال: "اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله"، فقال سهيل: لو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال النبي ﷺ :"والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله" ثم أتم العقد وعاد سهيل بن عمرو مزهوا بما كان يظن أنه حققه من نصر لقومه على محمد. ثم دارت الأيام دورتها كرة أخرى، وإذا بقريش تهزم ويدخل النبي مكة فاتحا، وإذا المنادي ينادي: يا أهل مكلة، من دخل بيته فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن، ومن دخل بيت أبي سفيان فهو آمن، فما إن سمع سهيل النداء حتى دب في قلبه الذعر، وأغلق على نفسه باب بيته، وسقط في يده، يقول سهيل: أرسلت في طلب ابني عبد الله، وأنا أستحي أن تقع عيني على عينه، لما كنت قد أسرفت في تعذيبه على الإسلام، فلما دخل علي قلت له: اطلب لي جوارا من محمد، فإني لا آمن أن أقتل، فذهب عبد الله إلى النبي ﷺ وقال: أبي، أتؤمنه يا رسول الله جعلت فداك؟ قال:"نعم هو آمن بأمان الله، فليظهر"، ثم التفت إلى أصحابه وقال: "من لقي منكم سهيلا فلا يسئ لقاءه، فلعمري إن سهيلا له عقل وشرف وما مثل سهيل يجهل الإسلام، ولكن قدر فكان"، أسلم سهيل بن عمرو بعد ذلك إسلاما ملك عليه قلبه ولبه، وأحبه الرسول من فؤاده، قال الصديق: لقد نظرت إلى سهيل بن عمرو في حجة الوداع قائما بين يدي رسول الله، وهو يقدم له البدن، ورسول الله ينحرها بيده الكريمة، ثم دعا النبي ﷺ الحلاق فحلق رأسه، فنظرت إلى سهيل، وهو يلتقط الشعرة من شعر النبي ويضعها على عينيه فذكرت يوم الحديبية، وكيف أبى أن يكتب محمد رسول الله فحمدت الله أن هداه (١). لا تكن صلبا مع الآخرين فتكسر، ولا لينا فتعصر، ولكن كن مرنا معتدلا عفوا متسامحا.

стр. 329

في غزوة ذات الرقاع عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة قبل نجد فأدركنا رسول الله ﷺ في واد كثير العضاة (شجر عظيم له شوك) فنزل رسول الله ﷺ تحت شجرة فعلق سيفه بغصن من أغصانها، قال: وتفرق الناس في الوادي يستظلون بالشجر، فقال رسول الله ﷺ : "إن رجلاً أتاني وأنا نائم فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي فلم أشعر إلا والسيف صلت (مسلول) في يده فقال لي: من يمنعك مني؟ قال: قلت: الله، ثم قال في الثانية: من يمنعك مني؟ قال: قلت: الله، فشام السيف (أدخله في غمده) " فها هو ذا جالس ثم لم يعرض له رسول الله ﷺ (يتعرض له) بأذى [رواه مسلم]. مع أهل مكة ظهر عفو الرسول ﷺ في موقفه يوم فتح مكة عندما قال قولته الخالدة: يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء. تخيل نفسك في موقف الرسول ﷺ ماذا ستفعل؟ ذكاء وعفو يحكى أن أحد الأمراء قبض على مجموعة من الأسرى، ولما أراد أن يقتلهم نظر إليه أحد الأسرى، وطلب منه أن يطعمهم ويسقيهم قبل أن يقتلهم، فأحضر لهم الأمير الطعام والشراب، فأكلوا وشربوا وشبعوا ثم قال أحدهم له: أيها الأمير -أطال الله بقاءك- إننا كنا أسراك والآن صرنا ضيوفك، فانظر كيف تفعل بضيوفك؟ عند ذلك قال لهم الأمير: قد عفوت عنكم. وهكذا يكون المسلم حتى مع الأعداء إذا كان في موضع قوة، وهم في موضع ضعف. خذ العفو عن ابن عباس: لما قدم عيينة بن حصن نزل على ابن أخيه الحر بن قيس -وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، إذ كان القراء أصحاب مجلس أمير المؤمنين عمر ومشاورته،

стр. 330

كهولاً كانوا أو شبابًا- فقال عيينة: يا ابن أخي استأذن لي أمير المؤمنين، فاستأذن له فلما دخل قال: هيه يا ابن الخطاب، فوالله لا تعطينا الحق ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى هم أن يوقع به، فقال الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله يقول لنبيه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] وإن هذا من الجاهلين، فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافا عند حدود الله. تذكر عفو ربك غضب هارون الرشيد على رجل فهمَّ بعقابه فقال له الرجل: يا أمير المؤمنين، أسألك بالذي هو أقدر على عقابك منك على عقابي. فعفا عنه الرشيد. وقال أبو الدرداء لرجل أسمعه كلاما أغضبه: يا هذا، لا تغرقن في سبي، فإنا لا نكافيء من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه. وغضب أمير المؤمنين هارون الرشيد على رجل كان يدعي حميد الطوسي، فدعا له بالسياف ليقتله، فبكى حميد وأخذ يعتذر ثم قال له: مولاي، لا أبكي خوفا من الموت، إنما أبكي لأنني سأموت وأنت غاضب علي، فضحك أمير المؤمنين هارون، وقبل عذره، وعفا عنه، ثم قال للرجل: إن الكريم إذا خادعته انخدع. إذا غضبت فتذكر عفو الله عن ذنوبك الكثيرة. والكاظمين الغيظ جاء عن علي زين العابدين بن الحسين أن غلامه كان يصب له الماء بإبريق مصنوع من الخزف، فوقع الإبريق على رجل زين العابدين فانكسر الإبريق، وجرحت رجل زين العابدين، فغضب، وتغير وجهه. فقال الغلام: سيدي، يقول الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾. فقال زين العابدين: لقد كظمت غيظي. فقال الغلام: ولقول تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾. فقال زين العابدين: لقد عفوت عنك.

стр. 331

فقال الغلام: ويقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. فقال له زين العابدين: أنت حر لوجه الله. عفو عن الجهال جاء أن علي زين العابدين بن الحسين كان ذاهبا إلى المسجد ومعه غلمانه، فقابله رجل، فأخذ الرجل يسب زين العابدين ويشتمه، فذهب الغلمان إلى الرجل كي يضربوه، ولكن زين العابدين نهاهم عن إيذائه، ثم نظر إلى الرجل وقال له: يا هذا، فيَّ أكثر مما تقول، وما لا تعرفه مني أكثر مما عرفته، فإن كان لك حاجة في ذكرته لك، فاستحيا الرجل من زين العابدين، ثم خلع زين العابدين قميصه وأعطاه للرجل، وأمر له بألف درهم، فذهب الرجل وهو يقول: أشهد أن هذا الشاب ولد رسول الله. وكان علي بن الحسين إذا أتاه السائل رحب به وقال: مرحبا بمن يحمل زادي إلى الآخرة. وكلمه رجل فافترى عليه فقال: إن كنا كما قلت فنستغفر الله، وإن لم نكن كما قلت فغفر الله لك، فقام إليه الرجل فقبل رأسه، وقال: جعلت فداك، ليس كما قلت أنا فاغفر لي، قال: غفر الله لك. وعن سعيد بن مسروق قال: أصاب الربيع بن خثيم حجر في رأسه فشجه فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر له فإنه لم يتعمدني. وكان عامر بن عبد قيس مستجاب الدعوة، فلم يكن يدعو على أحد بشّر، وذات مرة وشى به بعض الولاة إلى الأمراء فأخرج من بلده، ونفي إلى الشام، فسأله بعض أصحابه أن يدعو عليه، فقال لهم عامر: إني داع فأمنوا: "اللهم من وشى بي وكذب علي وأخرجني من مصري وفرق بيني وبين إخواني فكثر ماله وأصح جسمه وأطل عمره" (١). وكان الإمام جعفر الصادق حليما لا يغضب، كان له غلام كسول يحب النوم، فأرسله يوما في حاجة، فغاب وخشي الإمام أن يكون الغلام قد أصابه مكروه، فخرج

стр. 332

يبحث عنه فوجده نائما في الطريق، فجلس عند رأسه، وأخذ يوقظه برفق، حتى استيقظ، فقال له ضاحكا: تنام الليل والنهار؟ لك الليل ولنا النهار (١). اللهم إني صفحت عنه فاصفح عنه أبصر عامر بن عبد الله رجلا من أعوان شرطة البصرة، وقد أمسك بخناق رجل من أهل الذمة وجعل يجره جرا والذمي يستغيث بالناس، ويقول: أجيروني أجاركم الله، أجيروا ذمة نبيكم يا معشر المسلمين، فأقبل عامر بن عبد الله عليه وقال: هل أديت جزيتك؟ فقال: نعم أديتها، فالتفت إلى الرجل الممسك بخناقه، وقال: ما تريد منه؟ قال: أريد أن يذهب معي ليكسح (ينظف) حديقة صاحب الشرط. فقال للذمي: أتطيب نفسك بهذا العمل؟ فقال: كلا، فذلك يهد قواي، ويشغلني عن كسب قوت عيالي، فالتفت عامر إلى الرجل وقال؟ دعه، فقال: لا أدعه، فما كان من عامر إلا أن ألقى رداءه على الذمي وقال: والله، لا تُخفر ذمة محمد وأنا حي. ثم تجمع الناس، وأعانوا عامرا على الرجل، وخلصوا الذمي بالقوة، فما كان من أعوان صاحب الشرط إلا أن اتهموا عامرا بنبذ الطاعة ورموه بالخروج على السنة والجماعة وقالوا: إنه امرؤ لا يتزوج النساء ولا يأكل لحم الحيوانات وألبانها، ويتعالى على غشيان مجالس الولاة، ورفعوا أمره إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان. أمر الخليفة واليه على البصرة بأن يدعو عامر بن عبد الله إلى مجلسه، وأن يسأله عما نسب إليه، وأن يرفع له خبره، فاستدعى والي البصرة عامرا وقال: إن أمير المؤمنين أمرني أن أسألك عن أمور نسبت إليك. فقال: سل عما أمر به أمير المؤمنين. فقال: ما لك تعزف عن سنة رسول الله، وتأبى أن تتزوج؟

стр. 333

فقال: ما تركت الزواج عزوفا عن سنة النبي، فأنا أشهد أنه لا رهبانية في الإسلام، وإنما أنا امرؤ رأى أن له نفسا واحدة، فجعلها لله ، وخشي أن تغلبه الزوجة عليها. فقال: ما لك لا تأكل اللحم؟ فقال: بل آكله إذا اشتهيته ووجدته، أما إذا لم أشتهه، أو اشتهيته ولم أجده فإني لا آكله. فقال: ما لك لا تأكل الجبن؟ فقال: إنا بمنطقة فيها مجوس يصنعون الجبن، وهم قوم لا يفرقون بين الميتة والمذبوحة، وإني لأخشى أن تكون المنفحة (مادة تستخرج من بطن الجدي وتوضع في الحليب فيصير جبنًا) التي صنع بها الجبن من شاة غير مذبوحة، فما شهد شاهدان من المسلمين على أنه جبن صنع بمنفحة شاة مذبوحة أكلته. فقال: وما يمنعك من أن تأتي الولاة، وتشهد مجالسهم؟ فقال: إن في أبوابكم كثيرا من طلاب الحاجات، فادعوهم إليكم، واقضوا حوائجهم لديكم واتركوا من لا حاجة له عندكم. رفعت أقوال عامر بن عبد الله إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان، فلم يجد فيها نبذًا لطاعة، أو خروجا على السنة والجماعة، غير أن ذلك لم يطفئ نار الشر، وكثر القيل والقال حول عامر بن عبد الله، وكادت تكون فتنة بين أنصار الرجل وخصومه، فأمر عثمان بتسييره إلى بلاد الشام، واتخذها دار إقامة له، وأوصى واليه على الشام معاوية بن أبي سفيان أن يحسن استقباله، وأن يرعى حرمته، وفي اليوم الذي هم فيه عامر بالرحيل عن البصرة خرج خلق كثير من إخوانه وتلاميذه لوداعه، وشيعوه. فقال دهم: إني داع فأمنوا على دعائي، فاشرأبت إليه أعناق الناس، وسكنت حركاتهم، وتعلقت به عيونهم، فرفع يديه وقال: اللهم من وشى بي وكذب علي وكان سببا في إخراجي من بلدي، والتفريق بيني وبين صحبي، اللهم إني صفحت عنه فاصفح عنه، وهبه العافية في دينه ودنياه، وتغمدني وإياه وسائر المسلمين برحمتك وعفوك

стр. 334

وإحسانك يا أرحم الراحمين (١). تخيل نفسك مكان عامر بن عبد الله ماذا سيكون موقفك؟ قمة في العفو يقول الحسن بن الحسن: وقعت بيني وبين ابن عمي زين العابدين جفوة، فذهبت إليه وأنا أتميز غيظا منه، وكان مع أصحابه في المسجد، فما تركت شيئا إلا قلته له، وهو ساكت لا يتكلم، ثم انصرفت، فلما كان الليل إذا طارق على الباب يقرعه، فقمت إليه لأرى من، فإذا زين العابدين، فما شككت أنه جاء يرد إلي الأذى، ولكنه قال: يا أخي إن كنت صادقا فيما قلت لي، فغفر الله لي، وإن كنت غير صادق، فغفر الله لك، ثم ألقى علي السلام، ومضى، فلحقت به وقلت له: لا جرم، لا عدت إلى أمر تكرهه، فرقَّ لي وقال: وأنت في حل مما قلت لي. وروى أحد أبناء المدينة قال: كان زين العابدين خارجا من المسجد فتبعته، وجعلت ألوح له بالشتم، ولست أدري سببا لذلك، فهاج علي الناس يريدون أخذي، ولو أخذوني لم يفلتوني حتى أحطم، فالتفت إلى الناس، وقال: كفوا عن الرجل، فكفوا عني، ولما رأى ما أصابني من الذعر أقبل علي بوجهه الطلق، وجعل يؤمنني ويهدئ من روعي ثم قال لي: لقد سببتنا بما علمت، وما ستر عليك من أمرنا أكبر، ثم قال لي: ألك حاجة نعينك عليها؟ فاستحييت منه، ولم أقل شيئا، فلما رأى حيائي ألقى علي كساء كان عليه، وألقى لي بألف درهم، فجعلت أقول كلما رأيته بعد ذلك: أشهد أنك من أبناء الرسول. وروى أحد مواليه قال: كنت غلاما لعلي بن الحسين، فأرسلني في حاجة فأبطأت عليه، فلما جئته خفقني بالسوط فبكيت واشتد غيظي منه، لأنه ما خفق أحدا قبلي قط، وقلت له: الله الله، يا علي بن الحسين، أتستخدمني في حاجة فأقضيها لك، ثم تضربني؟ فبكى وقال: اذهب إلى مسجد رسول الله، وصل ركعتين، ثم قل: اللهم اغفر لعلي بن الحسين، فإذا ذهبت وفعلت، فأنت حر لوجه الله تعالى، فذهبت وصليت ودعوت، ولم أعد إلى داره إلا وأنا حر (٢).

стр. 335

وقال إبراهيم التيمي: إن الرجل ليظلمني فأرحمه. وهذا إحسان وراء العفو لأنه يشغل قلبه لمعصية الله تعالى بالظلم وأنه يطالب يوم القيامة فلا يكون له جواب. وقال بعضهم: إذا أراد الله أن يتحف عبدا قيض له من يظلمه. ودخل رجل على عمر بن عبد العزيز ﵀ فجعل يشكو إليه رجلا ظلمه ويقع فيه، فقال له عمر: إنك إن تلقى الله ومظلمتك كما هي، خير لك من أن تلقاه اقتصصتها. يقول تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. يقول سيد قطب: "وكظم الغيظ هو المرحلة الأولى، وهي وحدها لا تكفي، فقد يكظم الإنسان غيظه ليحقد ويضغن، فيتحول الغيظ الفائر إلى إحنة غائرة، ويتحول الغضب الظاهر إلى حقد دفين، وإن الغيظ والغضب لأنظف وأطهر من الحقد والضغن، لذلك يستمر النص ليقرر النهاية الطليق لذلك الغيظ الكظيم في نفوس المتقين؛ إنها العفو والسماحة والانطلاق. إن الغيظ وقر في النفس حين تكظمه، وشاظ يلفح القلب، ودخان يغشى الضمير .. فأما حين تصفح النفس ويعفو القلب، فهو الانطلاق من ذلك الوقر، والرفرفة في آفاق النور، والبرد في القلب، والسلام في الضمير" (١). الفرق بين العفو والذل يقول ابن القيم: العفو إسقاط حقك جودا وكرما وإحسانا مع قدرتك على الانتقام، فتؤثر الترك رغبة في الإحسان ومكارم الأخلاق، بخلاف الذل فإن صاحبه يترك الانتقام عجزا وخوفا ومهانة نفس، فهذا مذموم غير محمود، ولعل المنتقم بالحق أحسن حالا منه. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩] فمدحهم بقوتهم على الانتصار لنفوسهم وتقاضيهم منها ذلك، حتى إذا قدروا على من بغى عليهم، تمكنوا من استيفاء ما لهم عليه ندبهم إلى الخلق الشريف من العفو والصفح، فقال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠].

стр. 336

فذكر المقامات الثلاثة: العدل وأباحه، والفضل وندب إليه، والظلم وحرمه. فإن قيل: فكيف مدحهم على الانتصار والعفو وهما متناقضان؟ قيل: لم يمدحهم على الاستيفاء والانتقام، وإنما مدحهم على الانتصار وهو القدرة والقوة على استيفاء حقهم، فلما قدروا ندبهم إلى العفو، قال بعض المسلمين في هذه الآية: كانوا يكرهونه أن يستذلوا، فإن قدروا عفوا، فمدحهم على عفو بعد قدرة، لا على عفو ذل وعجز ومهانة، وهذا هو الكمال الذي مدح سبحانه به نفسه في قوله: (﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٩] (١) ... .

стр. 337

الحِلم الحلم: هو الأناة وضبط النفس عند الغضب، قال تعالى عن صفات عباد الرحمن: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. من أسماء الله الحسنى: الحليم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥]. والحليم معناه أنه ذو الصفح والأناة الذي لا يعجل بالعقوبة مع المقدرة؛ فلا يستفزه غضب، ولا يلحقه جهل جاهل ولا عصيان عاص، بمعنى أنه تعالى هو الذي يسامح الجاني مع استحقاقه للعقوبة والمؤاخذة بالذنب، وهو الذي يشاهد معصية العصاة ويرى مخالفة الأمر ثم لا يستفزه غضب ولا يعتريه غيظ ولا يحمله شيء على المسارعة إلى الانتقام مع غاية الاقتدار كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥]. حلم الرسول ﷺ مع زيد بن سعنة وهو حبر يهودي، عالم بالكتاب، يقول في قصة إسلامه: لم يبق من علامات النبوة إلا وقد عرفتها في وجه محمد حين نظرت إليه، إلا اثنتين، لم أخبرهما منه، يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، فكنت أتلطف له لأن أخالطه فأعرف حلمه وجهله. قال: فخرج رسول الله ﷺ يوما من الحجرات ومعه علي بن أبي طالب فأتاه رجل على راحلته كالبدوي فقال: يا رسول الله، إن قرية بني فلان قد أسلموا ودخلوا في الإسلام، فكنت حدثتهم أنهم إن أسلموا أتاهم الرزق غدا، وقد أصابتهم سنة، وشدة، وقحوط من الغيث، وإني أخشى يا رسول الله أن يخرجوا من الإسلام طمعا كما دخلوا فيه طمعا، فإن رأيت أن ترسل إليهم بشيء تعينهم به. قال: فنظر رسول الله ﷺ إلى رجل بجانبه -أراه عليا- فقال: ما بقي من شيء يا رسول الله.

стр. 338

قال زيد بن سعنة: فدنوت إليه فقلت له: يا محمد هل لك أن تبيعني تمرا معلوما من حائط بني فلان إلى أجل كذا وكذا، فقال: لا يا يهودي، ولكن أبيعك تمرا معلوما إلى أجل كذا وكذا ولا أسمي حائط بني فلان قال: قلت: نعم فبايعني فأعطيته ثمانين مثقالا من ذهب في تمر معلوم إلى أجل كذا وكذا، وقال: أعجل إليهم وأغثهم بها. قال زيد بن سعنة: فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة خرج رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار ومعه أبو بكر وعمر وعثمان ونفر من أصحابه، فلما صلى الجنازة، ودنا من جدار ليجلس إليه أتيته فأخذته بجوامع قميصه وردائه، ونظرت إليه بوجه غليظ، وقلت: ألا تقضيني يا محمد حقي، فوالله ما علمتكم يا بني عبد المطلب إلا المطل، ولقد كان لي بمخالطتكم علم. قال: فنظر إليَّ عمر بن الخطاب وعيناه تدوران في وجهه كالفلك المستدير ثم رماني بطرفه، وقال: يا عدو الله أتقول لرسول الله ما أسمع وتفعل به ما أرى؟! فوالذي بعثك بالحق لولا ما أحاذر قوته لضربت بسيفي رأسه، ورسول الله ﷺ ينظر إلى عمر في سكون وتبسم ثم قال: "أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر، أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن الطلب، اذهب يا عمر فاقضه حقه، وزده عشرين صاعا مكان ما روعته"، قال زيد: فذهب عمر فقضاني حقي، وزادني عشرين صاعا من تمر، فقلت: ما هذه الزيادة؟ فقال: أمرني رسول الله أن أزيدك مكان ما روعتك، فقلت: أتعرفني يا عمر؟ قال: لا، فمن أنت؟ قلت: أنا زيد بن سعنة. قال: الحبر؟ قلت: الحبر. قال: فما دعاك أن تقول لرسول الله ما قلت، وتفعل به ما فعلت؟ قلت: يا عمر، كل علامات النبوة قد عرفتها في وجه رسول الله ﷺ حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل إلا حلما، فقد أخبرتهما، فأشهدك يا عمر أني قد رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، وحسن إسلامه وشهد المشاهد كلها [ابن حبان والحاكم والبيهقي]. إنما بعثت رحمة عن جابر بن سليم قال: وفد أعرابي على رسول الله ﷺ يريد أن يتعلم الإسلام، ولم

стр. 339

تكن له معرفة سابقة بالنبي ﷺ ولا بما يدعو إليه، قال: رأيت رجلا يصدر الناس عن رأيه، لا يقول شيئا إلا صدروا عنه، قلت: من هذا؟ قالوا: هذا رسول الله ﷺ ، قلت: عليك السلام يا رسول الله -مرتين- قال: "لا تقل: عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الميت، قل: السلام عليك" قال: قلت: أنت رسول الله؟ قال: "أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضر دعوته كشفه عنك، وإن أصابك عام سنة (جدب) فدعوته أنبتها لك، وإذا كنت بأرض قفر فضلَّت راحلتك فدعوته ردها عليك"، قال: قلت: اعهد إلي، قال:"لا تسبن أحدا" فما سببت بعد حرا ولا عبدا ولا بعيرا ولا شاة، قال: "ولا تحقرن شيئا من المعروف، وأن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك، إن ذلك من المعروف" ثم قال: "وإن امرؤ شتمك وعيرك بما يعلم فيك، فلا تعيره بما تعلم فيه، فإنما وبال ذلك عليه" [رواه أبو داود]. وعن أبي هريرة ﵁: قيل يا رسول الله، ادع على المشركين، قال:"إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة" [رواه مسلم]. المسلم يقدم النصيحة برفق، ويخلص النية لله ﵎، ولا يغضب لأن رجلا تحدث معه بطريقة لا تناسب مقامه، بل يكون حليما، ويتذكر نبيه ﷺ . حلم مع اليهود عن عائشة ﵂، قالت: إن رهطا من اليهود دخلوا على رسول الله ﷺ فقالوا: السام (الموت) عليك يا محمد، فقال الرسول ﷺ : "عليكم" فقالت عائشة: عليكم السام واللعنة، فقال النبي ﷺ : "يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله"، فقالت عائشة: ألم تسمع ما قالوا؟ فقال لها: "قد قلت: عليكم" [رواه الترمذي]. يجب الرد على تحية غير المسلمين بقول: وعليكم، وهذا ما فعله رسول الله ﷺ مع اليهود. يا أنيس ذات يوم أرسل الرسول ﷺ أنس بن مالك ﵁ ليقضي له حاجة، فذهب أنس وفي الطريق وجد بعض الصبيان يلعبون في السوق، فوقف يلعب معهم، ونسي أن يذهب إلى حيث أمره الرسول ﷺ ، فجاء الرسول ﷺ إلى السوق وابتسم له وقال: "يا أُنيس اذهب حيث أمرتك".

стр. 340

ويقول أنس: خدمت رسول الله ﷺ سبع سنين، ما علمته قال لشيء صنعته لم صنعت كذا وكذا، ولا لشيء تركته هلا فعلت كذا وكذا. المسلم يكون حليما مع الأولاد فمن طبيعتهم كثرة الحركة، فلابد من توجيههم للرياضة، ولكن مع التوجيه والموازنة بين أداء الصلاة، وقضاء الطلبات المنزلية، والمذاكرة. مراجعة قال عمر بن الخطاب ﵁: كنا معشر قريش قوما نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة، وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، وكان منزلي في بني أمية بن زيد بالعوالي، فغضبت يوما على امرأتي، فإذا هي تراجعني، فأنكرت أتراجعني، فقالت: ما تنكر أن أراجعك، فوالله إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل. قال: فانطلقت، فدخلت على حفصة، فقلت: أتراجعين رسول الله ﷺ ؟ قالت: نعم. قلت: وتهجره إحداكن اليوم إلى الليل؟ قالت: نعم. قلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر، أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله فإذا هي قد هلكت؟ لا تراجعي رسول الله ولا تسأليه شيئا، وسليني ما بدا لك، ولا يغرنك أن جارتك هي أوسم وأحب إلى رسول الله ﷺ منك، يريد عائشة. جميل جدا من كان حليما على زوجته عندما أهملته في أحد الأمور فلم ينفعل وفي نهاية اليوم أخبرها في هدوء أنه تضايق بسبب ما فعلته فما كان منها إلا أن بكت واعتذرت، ولو أنه انفعل وأقام الدنيا وأقعدها لما استفاد شيئا، وليصل مرادك بالتلميح لا التصريح. أحلم من معن كان معن بن زائدة أميرا على العراق، وكان مشهورا بالحلم الشديد، فذهب إليه

стр. 341

أعرابي، يختبر حلمه، فلما دخل الأعرابي على معن قال له: أتذكر إذ لحافك جلد شاة ... وإذ نعلاك من جلد البعير؟! قال معن: أذكر ذلك ولا أنساه. فقال الأعرابي: فسبحان الذي أعطاك ملكا ... وعلمك الجلوس على السرير قال معن: . فقال الأعرابي: فلست مسلما إن عشت دهرا ... على معن بتسليم الأمير قال معن: يا أخا العرب، السلام سنة، وشأنك في الأمير. فقال الأعرابي: سأرحل عن بلاد أنت فيها ... ولو جار الزمان على الفقير قال معن: يا أخا العرب، إن جاورتنا فمرحبا بك، وان رحلت فمصحوبا بالسلامة. فقال الأعرابي: فجد لي يا ابن ناقصة بشيء ... فإني قد عزمت على المسير قال معن: أعطوه ألف دينار يستعين بها في سفره. فأخذها الأعرابي وقال له: قليل ما أتيت به وإني ... لأطمع منك بالمال الكثير قال معن: فأعطوه ألفا أخرى. فقال له: سألت الله أن يبقيك ذخرا ... فما لك في البرية من نظير قال معن: أعطوه ألفًا أخرى. فقال الأعرابي: يا أمير المؤمنين ما جئت إلا مختبرا لك فوجدت أن الله جمع فيك حلما لو وزع على أهل الأرض لكفاهم. قال معن: يا غلام، كم أعطيته على نظمه؟ قال: ثلاثة آلاف دينار.

стр. 342

قال: أعطوه على نثره مثلها. فأخذها ومضى في طريقه شاكرا لكرمه وصار يضرب به المثل في الحلم (أحلم من معن بن زائدة). وسئل معن عن سبب امتناعه عن إيقافه عند حده. فأجاب السائل: إذا نبح عليك الكلب، فهل تنبح مثله؟ قال: لا. وإذا رفسك حمار أترفسه؟ قال: لا. وإذا نطحك ثور فهل تنطحه؟ قال: لا. فأجابه: إن السفيه لا يمتاز عن تلك الحيوانات لاشتراكه معها في أقبح صفاتها، وهي الشراسة والحماقة، فاقتنع السائل وانصرف وهو يقول: لا غرابة إذا سعد كبار العقول (١). أخي الحبيب: القوي هو من يكظم غيظه، ولا ينفعل لأتفه الأسباب، وعندئذ سيتأثر الناس بأخلاقك وحلمك. حلم الفاروق خطب عمر بن الخطاب ﵁ في الشام وتحدث عن الأموال وكيفية القسمة، وقال: إني اعتذرت إليكم عن خالد بن الوليد فإني أمرته أن يحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين فأعطى ذا البأس، وذا الشرف، وذا اللسان، فنزعته وأمرت أبا عبيدة بن الجراح. فقام أبو عمرو بن حفص بن المغيرة فقال: والله ما اعتذرت يا عمر، ولقد نزعت عاملا استعمله رسول الله وأغمدت سيفا سله رسول الله ووضعت أمرا نصبه رسول الله، وقطعت رحما، وحسدت ابن عمك. فقال عمر: إنك قريب القرابة، حديث السن، تغضب في ابن عمك. لابد من مراعاة حالة من يغضب عليك، وتذكر مقولة علي بن أبي طالب: "إذا عز أخوك فهن"، أي كن هينا معه لين الجانب.

стр. 343

الأحنف بن قيس الأحنف بن قيس أحد حلماء العرب الذين ضرب بحلمهم المثل، وقد بلغ من حلمه أن "عمرو بن الأهتم" أغرى رجلا بسبه سبًّا يثيره، لكن الأحنف ظل صامتا مطرقا، فلما رأى الرجل أنه لا يجيبه، ولا يأبه به، أخذ إبهامه في فمه، وجعل يعضه وهو يقول: واسوأتاه! والله ما منعه من جوابي إلا هواني عليه (١). ويحكى أيضا أن رجلا شتمه فلم يرد عليه، وتركه ومشي في طريقه فأصر الرجل على المشي وراء الأحنف، وزاد في سبه وشتمه، والأحنف لا يرد عليه، فلما اقترب الأحنف من الحي الذي يعيش فيه وقف والتفت إلى الرجل، وقال: إن كان قد بقى في نفسك شيء فقله قبل أن يسمعك فتيان الحي من قومي فيؤذوك، ونحن لا نحب الانتصار لأنفسنا. فظهر الخجل على وجه الرجل، وعاد نادما. يقول الشيطان: كيف يغلبني ابن آدم وإذا رضي جئت لأكون في قلبه، وإذا غضب طرت لأكون في رأسه. فهل تنصاع لكلام الشيطان وتجعله يدخل في رأسك ويوسوس لك بالشر والانتقام لنفسك؟ قال الأحنف لابنه يومًا: يا بني إن أردت أن تؤاخي رجلا، فأغضبه حتى تختبره، فإن أنصفك وإلا فاحذره. إذا استشاط السلطان تسلط الشيطان جاء أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى سكران، فأراد أن يأخذه ليعاقبه، فشتمه السكران، فرجع عنه عمر، فقيل له: يا أمير المؤمنين، لما شتمك تركته. قال: إنما تركته لأنه أغضبني، فلو عاقبته، كنت انتصرت لنفسي، ولا أحب أن أضرب مسلما لحمية نفسي، فانتظرت حتى أهدأ من غضبي. واسمع ما قاله أبو ذر ﵁ لخادمه ذات يوم: لم أرسلت الشاة على علف الفرس؟ فقال الخادم: أردت أن أغضبك، فأمسك أبو ذر نفسه، فقال للخادم: لأجمعن غيظا مع أجر، اذهب فأنت حر لوجه الله.

стр. 344

هكذا كانوا قمة في الحلم، فلم تصدر منهم كلمات يندمون عليها بعد ذلك، فالناس ينظرون إلى الدعاة اليوم ويضعونهم تحت المجهر، فاحذر أن يصدر منك سلوك يؤثر على دعوتك، وينفر الناس منك. ثلاث صحف كتب أحد الملوك ثلاث صحف، ثم أعطى لكل رجل صحيفة وقال للرجل الأول، إذا اشتد غضبي فقم إلي بهذه، وقال للثاني: إذا سكن بعض غضبي فأعطني هذه، وقال للثالث: إذا ذهب غضبي فأعطني هذه. وكان مكتوبا في الصحيفة الأولى: أقصر فما أنت وهذا الغضب إنك لست بإله إنما أنت بشر يوشك أن يأكل بعضك بعضا. وكان مكتوبًا في الثانية: ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء. وكان مكتوبًا في الثالثة: احمل عباد الله على كتاب الله فلا يصلحهم إلا ذلك. المسلم لا ينتقم لنفسه، وهو متسامح دائما، وهذه وسيلة من أحد الملوك ليكظم غيظه، فاتخذ ما شئت من الوسائل لتكون حليما، اترك الغضب. قال ابن مسعود: انظر إلى حلم الرجل عند غضبه، وأمانته عند طمعه، وما علمك بحلمه إذا لم يغضب؟! وما علمك بأمانته إذا لم يطمع؟! وقال جعفر بن محمد: الغضب مفتاح كل شر. وقال بعضهم: إياك والغضب فإنه يصيرك إلى ذلة الاعتذار. وقيل: اتقوا الغضب فإنه يفسد الإيمان. وقال علي بن زيد: أغلظ رجل من قريش لعمر بن عبد العزيز، فأطرق عمر زمانا طويلا ثم قال: أردت أن يستفزني الشيطان بعز السلطان فأنال منك ما تناله مني غدا؟ وكان عمر ﵁ إذا خطب قال في خطبته: أفلح منكم من حفظ من الطمع والهوى والغضب. وقال بعضهم: من أطاع شهوته وغضبه قاداه إلى النار، وقال الحسن: من علامات المسلم قوة في دين، وحزم في لين، وإيمان في يقين، وعلم في حلم، وكيس في رفق، وإعطاء في حق، وقصد في غنى، وتحمل في فاقة، وإحسان في قدرة، وتحمل في

стр. 345

رفاقة، وصبر في شدة، لا يغلبه الغضب، ولا تجمع به الحمية، ولا تغلبه شهوة، ولا تفضحه بطنه، ولا يستخفه حرصه، ولا تقصر به نيته، فينصر المظلوم، ويرحم الضعيف، ولا يبخل ولا يبذر، ولا يسرف ولا يقتر، يغفر إذا ظلم، ويعفو عن الجاهل، نفسه منه في عناء والناس منه في رخاء. قيل لعبد الله بن المبارك: أجمل لنا حسن الخلق في كلمة، فقال: اترك الغضب. يخاطبني السفيه بكل قبح ... فأكره أن أكون له مجيبا يزيد سفاهة فأزيد حلما ... كعود زاده الإحراق طيبا (١) الرنتيسي تقول زوجة الشهيد الرنتيسي: كنت أنظف البيت ووقع مني جهاز التلفاز على شاشته وتعطل تماما فاستأت كثيرا لذلك خاصة بعد خروجه من المعتقل والوضع المادي صعب لا يسمح بشراء جهاز آخر، ولكنه حينما حضر وسألني عن سبب استيائي فأخبرته، فقال: للأشياء آجال، قدر الله وما شاء فعل، قالها وهو مبتسم (٢). كلمات من ذهب قال عمر ﵁: من اتقى الله لم يشف غيظه، ومن خاف الله لم يفعل ما يشاء، ولولا يوم القيامة لكان غير ما ترون، وقال لقمان لابنه: يا بني لا تذهب ماء وجهك بالمسألة، ولا تشف غيظك بفضيحتك، واعرف قدرك تنفعك معيشتك. وقال أيوب: حلم ساعة يدفع شرا كثيرا. واجتمع سفيان الثوري وأبو خزيمة اليربوعي والفضيل بن عياض فتذاكروا الزهد، فأجمعوا على أن أفضل الأعمال الحلم عند الغضب، والصبر عند الجزع. وقال رجل لعمر ﵁: والله ما تقضي بالعدل ولا تعطي الجزل، فغضب عمر حتى عرف ذلك في وجهه، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين ألا تسمع إلى الله تعالى يقول: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] فهذا من الجاهلين.

стр. 346

فقال عمر: صدقت، فكأنما كانت نارا فأطفئت. وقال محمد بن كعب: ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان بالله: إذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق، وإذا قدر لم يتناول ما ليس له. وجاء رجل إلى سلمان فقال: يا عبد الله أوصني، قال: لا تغضب، قال: لا أقدر، قال: فإن غضبت فأمسك لسانك ويدك. إذا نطق السفيه فلا تجبه ... فخير من إجابتك السكوت فإن كلمته فرجت عنه ... وإن خليته كمدا يموت (١) قال عمر ﵁: تعلموا العلم وتعلموا للعلم السكينة والحلم. وقال علي ﵁: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر علمك ويعظم حلمك، وألا تباهي الناس بعبادة الله، وإذا أحسنت حمدت الله تعالى، وإذا أسأت استغفرت الله تعالى. وقال الحسن: اطلبوا العلم وزينوه بالوقار والحلم. وقال معاوية لعرابة بن أوس: بم سدت قومك يا عرابة؟ قال: يا أمير المؤمنين كنت أحلم عن جاهلهم، وأعطي سائلهم، وأسعى في حوائجهم، فمن فعل فعلي فهو مثلي، ومن جاوزني فهو أفضل مني، ومن قصر عني فأنا خير منه. وسب رجل ابن عباس ﵄ فلما فرغ قال: يا عكرمة هل للرجل حاجة فنقضيها؟ فنكس الرجل رأسه واستحى. وقال رجل لعمر بن عبد العزيز: أشهد أنك من الفاسقين. فقال: ليس تقبل شهادتك. وعن علي بن الحسين بن علي ﵃ أنه سبه رجل فرمى إليه بخميصة

стр. 347

كانت عليه وأمر له بألف درهم. وقال رجل لجعفر بن محمد: إنه قد وقع بيني وبين قوم منازعة في أمر وإني أريد أن أتركه فأخشى أن يقال لي: إن تركي له ذل. فقال جعفر إنما الذليل الظالم. وقال الخليل بن أحمد: كان يقال من أساء فأحسن إليه فقد جعل له حاجز من قلبه يردعه عن مثل إساءته. وقال الأحنف بن قيس: لست بحليم ولكنني أتحلم. وقال وهب بن منبه: من يرحم يرحم، ومن يصمت يسلم، ومن يجهل يغلب، ومن يعجل يخطيء، ومن يحرص على الشر لا يسلم، ومن لا يدع المراء يشتم، ومن لا يكره الشر يأثم، ومن يكره الشر يعصم، ومن يتبع وصية الله يحفظ، ومن يحذر الله يأمن، ومن يتول الله يمنع، ومن لا يسأل الله يفتقر، ومن يأمن مكر الله يخذل، ومن يستعن بالله يظفر. وقال رجل لمالك بن دينار بلغني أنك ذكرتني بسوء. قال: أنت أكرم علىَّ من نفسي، إني إذا فعلت ذلك أهديت لك حسناتي. وقال بعض العلماء: الحلم أرفع من العقل لأن الله تعالى تسمى به. وقال رجل لبعض الحكماء: والله لأسبنك سبا يدخل معك في قبرك. فقال: معك يدخل لا معي. ومر المسيح ابن مريم ﵊ بقوم من اليهود فقالوا له شرا فقال لهم خيرا فقيل له: إنهم يقولون شرا وأنت تقول خيرا؟ فقال: كل ينفق مما عنده. وقال لقمان: ثلاثة لا يعرفون إلا عند ثلاثة: لا يعرف الحليم إلا عند الغضب، ولا الشجاع إلا عند الحرب، ولا الأخ إلا عند الحاجة إليه. علاج الغضب قال رسول الله ﷺ : "من كظم غيظا وهو يقدر على أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على

стр. 348

رءوس الخلائق يوم القيامة حتى يخبره في أي الحور العين شاء" [رواه الترمذي]. ومن الوسائل النبوية لعلاج الغضب: ١ - تغيير العادة: روى أن أبا ذر ﵁: كان يسقي على حوض فجاء قوم فقال أحدهم: أيكم يورد على أبي ذر ويحتسب شعرات من رأسه، فقال رجل: أنا، فجاء الرجل فأورد عليه الحوض فدقه (كسره) وكان أبو ذر قائما، فجلس، ثم اضطجع، فقيل له: يا أبا ذر لم جلست ثم اضطجعت، قال: إن رسول الله ﷺ قال لنا: "إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع" [رواه أحمد]. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال في خطبته: "إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم تتوقد، ألم تروا إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه، فإذا وجد أحدكم ذلك فليجلس" أو قال: "فليلصق بالأرض" [رواه أحمد] (الأوداج: العروق المحيطة بالعنق). ٢ - الوضوء: كان عروة بن محمد السعدي رجلا صالحا من التابعين، وفي يوم من الأيام كان يتحدث مع الناس، فقام إليه واحد منهم، وكلمه كلاما قبيحا، فغضب عروة حتى احمر وجهه، ولم يرد على الكلام القبيح بكلام قبيح مثله، بل صبر وتحلى بالحلم والأناة، وترك المجلس، وذهب فتوضأ، ثم رجع ثانية إلى المجلس، وقد هدأ، وذهب عنه الغضب، ثم قال لمن حوله: حدثني أبي عن جدي أن رسول الله ﷺ قال: "إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ" [رواه أبو داود]. ٣ - السكوت في حالة الغضب: قال رسول الله ﷺ : "إذا غضب أحدكم فليسكت" [رواه أحمد]. ٤ - التعوذ بالله من الشيطان الرجيم: عن سليمان بن صرد قال: استبَّ رجلان عند النبي ﷺ فجعل أحدهما تحمر عينه وتنتفخ أوداجه فقال رسول الله ﷺ : "إني لأعرف كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجد:

стр. 349

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" فقال الرجل: وهل ترى بي جنونًا [رواه مسلم]. الغضب المحمود هناك فرق بين الغضب المذموم والغضب المحمود، فالغضب المذموم هو أن تغضب لنفسك، والغضب المحمود أن تغضب إذا انتهكت حرمات الله. عن عائشة ﵂ أن قوما من قريش أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: ومن يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: من يجتريء عليه إلا أسامة بن زيد حِب رسول الله ﷺ ، فكلمه أسامة، فقال سول الله ﷺ : "أتشفع في حد من حدود الله؟ " ثم قام فاختطب ثم قال: "إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه"، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" [رواه البخاري]. غضب عمر لله عن جابر بن عبد الله قال: أتى رسول الله بالجعرانة (منصرفه من حنين وهي تقع شمال مكة بتسعة وتسعين ميلا) وفي ثوب بلال فضة ورسول الله يقبض منها يعطي الناس، فأتي رجل فقال: يا محمد اعدل، قال ﷺ : "ويلك! من يعدل إذا لم أكن أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل" فقال عمر بن الخطاب ﵁: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق، فقال: "معاذ الله! أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرميَّة" (يخرجون من الدين خروج السهم) [رواه مسلم]. عمر بن الخطاب ﵁ لا يصبر إذا انتهكت أمامه الحرمات، فقد اعتدى على مقام النبوة والرسالة، فما كان من الفاروق إلا أن أسرع قائلا: دعني يا رسول الله أقتل هذا المنافق، هذا هو رد عمر أمام من ينتهكون قدسية النبوة والرسالة. الغضب لفلسطين طارد الإنجليز محمد أمين الحسيني مفتي فلسطين الأكبر عام ١٩٢٠ م، وكان يغضب لله ﵎، وتولى رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى، وكان أول من نبه إلى خطر

стр. 350

تكاثر اليهود في فلسطين بعد وعد بلفور، وقد جاء بلفور مع المندوب السامي البريطاني عام ١٩٢٥ م، يريدان زيارة الحرم المقدس فمنع دخولهما، ولم تقم حركة وطنية في فلسطين أو من أجلها إلا وكان مدبرها في الخفاء أو في العلن، وتوالت أعمال الجهاد غضبا لله، وقد حاولت السلطات البريطانية اعتقاله عام ١٩٣٧ م فنجا إلى لبنان ثم هاجر متخفيا إلى إيران ومنها إلى ألمانيا. إنه الغضب من أجل تحرير فلسطين، فيجب على كل مسلم أن يبذل ما يستطيع من جهد لتحرير المسجد الأقصى. ***

стр. 351

التواضع التواضع صفة من صفات المؤمنين؛ قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] هونا: المشي بسكينة وتواضع. وسئل الفضيل بن عياض عن التواضع، فقال: أن تخضع للحق وتنقاد له، وتقبله ممن قاله. وقال أبو يزيد البسطامي في تعريف التواضع: هو ألا يرى لنفسه مقاما ولا حالا، ولا يرى في الخلق شرا منه. ويقول الجنيد: التواضع هو خفض الجناح ولين الجانب. وقال رسول الله ﷺ : "ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا ذلا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه" [رواه مسلم]. اركب يا أمير المؤمنين عن الحسن قال: خرج عمر بن الخطاب ﵁ في يوم حار واضعا رداءه على رأسه، فمر به غلام على حمار فقال: يا غلام احملني معك، فوثب الغلام عن الحمار، وقال: اركب يا أمير المؤمنين. قال: كلا، اركب أنت وأركب أنا خلفك، تريد تحملني على المكان الوطئ، وتركب أنت في المكان الخشن؟ فركب الغلام، فدخل المدينة وهو خلفه والناس ينظرون إليه. جدد نيتك أخرج ابن سعد عن ثابت قال: كان سلمان الفارسي ﵁ أميرا على المدائن، فجاء رجل من أهل الشام من بني تميم، معه حمل تبن، وعلى سلمان سراويل أعجمية وعباءة، فقال الرجل لسلمان وهو لا يعرفه: تعال احمل -يظنه حمالا- فحمل سلمان، فرآه الناس فعرفوه، فقالوا: هذا الأمير.

стр. 352

فقال الرجل: لا أعرفك. فقال له سلمان: لا حتى أبلغ منزلك، قد نويت فيه نية فلا أضعه حتى أبلغ بيتك. فالمسلم يجدد نيته لله ﵎ في كل أعماله. شهادة عدي يقول عدي بن حاتم: ذهبت لرؤية محمد بن عبد الله، وكنت أظن أني سألقي ملكا في المدينة، دخلت عليه وهو في المسجد فسلمت عليه فقال: من الرجل؟ فقدت: عدي ابن حاتم، فقام، وانطلق بي إلى بيته فوالله إنه لعامد بي إليه إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته فوقف طويلا تكلمه في حاجتها قال: فقلت: والله ما هذا بملك، قال: ثم مضى بي حتى إذا دخل بي إلى بيته تناول وسادة من أدم محشوة ليفا فقذفها إليَّ فقال:"اجلس على هذه"، قال: قلت: بل أنت فاجلس عليها، فقال: "بل أنت"، فجلست عليها وجلس رسول الله ﷺ على الأرض. وقال: قلت في نفسي والله ما هذا بأمر ملك. وكان رسول الله ﷺ كريما مع ضيوفه وينزل الناس منازلهم؛ وهذه هي الدعوة إلى الله. مواقف رائعة كان القاضي يحيى بن أكثم في ضيافة المأمون، فقام الخليفة المأمون لإحضار ماء له، فاندهش يحيى من ذلك، فكيف يأتي له أمير المؤمنين بالماء ويخدمه وهو جالس في مكانه، فلما رأى المأمون علامات الاستفهام على وجه يحيى قال له: سيد القوم خادمهم (١). وقال رجل لأحمد بن حنبل: جزاك الله عن الإسلام خيرا، فتغير وجهه وقال: بل جزى الله الإسلام عني خيرا، من أنا وما أنا؟ من أنا وما أنا؟ تواضع تكن كالنجم لاح لناظر ... على صفحات الماء وهو رفيع ولا تك كالدخان يعلو بنفسه ... على طبقات الجو، وهو وضيع

стр. 353

وروي أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب اشترى من السوق لحما بدرهم، فحمله في ملحفته، فقال له أحد أصحابه: أحمل عنك يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا، أبو العيال أحق أن يحمل. ويقول علي بن أبي طالب ﵁: لا ينقص الرجل الكامل من كماله ما حمل من شيء إلى عياله. وروي أن عمر بن عبد العزيز أتاه ليلة ضيف، وكان يكتب، فكاد السراج يطفأ، فقال الضيف: أقوم إلى المصباح فأصلحه؟ فقال: ليس من كرم الرجل أن يستخدم ضيفه. قال: أفأنبه الغلام؟ فقال: هي أول نومة نامها، فقام عمر وملأ المصباح زيتا. فقال الضيف: قمت أنت بنفسك يا أمير المؤمنين؟ فقال: ذهبت وأنا عمر، ورجعت وأنا عمر، ما نقص مني شيء، وخير الناس من كان عند الله متواضعا. الفرق بين التواضع والمهانة يقول ابن القيم: التواضع يتولد من بين العلم بالله سبحانه ومعرفة أسمائه وصفاته ونعوت جلاله، وتعظيمه، ومحبته، وإجلاله، ومن معرفته بنفسه وتفاصيلها وعيوب عملها وآفاتها، فيتولد من بين ذلك كله خلق التواضع، وهو انكسار القلب لله، وخفض جناح الذل والرحمة بعباده، فلا يرى له أحد فضلا ولا يرى له عند أحد حقا، بل يرى الفضل للناس عليه، والحقوق لهم قبله، وهذا خلق إنما يعطيه الله من يحبه ويكرمه ويقربه. وأما المهانة فهي الدناءة والخسة وبذل النفس وابتذالها في نيل حظوظها وشهواتها، كتواضع السفل في نيل شهواتهم، وتواضع المفعول به للفاعل، وتواضع طالب كل حظ لمن يرجو نيل حظه منه، فهذا كله ضعة لا تواضع، والله سبحانه يحب التواضع، ويبغض

стр. 354

الضعة والمهانة (١). تقول أم المؤمنين عائشة: إنكم لتغفلون عن أفضل العبادات: التواضع. تواضع الفاروق هذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يأتيه رجل من أشجع يحمل بشرى نصر المسلمين بقيادة سلمة بن قيس بفتح الأهواز، يقول الرجل: نشدت أمير المؤمنين فوجدته واقفا يغدي المسلمين وهو متكيء على عصاه كما يصنع الراعي، وكان يدور على القصاع وهو يقول لغلامه "يرفأ": يا يرفأ، زد هؤلاء لحما، يا يرفأ، زد هؤلاء خبزا، يا يرفأ، زد هؤلاء مرقا، فلما أقبلت عليه، قال: اجلس، فجلست، في أدنى الناس، وقدم لي الطعام فأكلت فلما فرغ الناس من طعامهم قال: يا يرفأ، ارفع قصاعك، ثم مضى فاتبعته. فلما دخل داره استأذنت عليه فأذن لي، فإذا هو جالس على رقعة من شعر، متكيء على وسادتين من جلد محشوتين ليفا، فطرح لي إحداهما فجلست عليها وإذا خلفه ستر فالتفت نحو الستر، وقال: يا أم كلثوم غداءنا. فقلت في نفسي: ماذا عسى أن يكون طعام أمير المؤمنين الذي خص به نفسه؟ فناولته خبزة بزيت عليها ملح لم يدق، فالتفت إلي وقال: كل، فامتثلت وأكلت قليلا، وأكل هو، فما رأيت أحدا أحسن منه أكلا، ثم قال: اسقونا، فجاءوه بقدح فيه شراب من سويق الشعير، فقال: أعطوا الرجل أولا، فأعطوني فأخذت القدح فشربت منه قليلا، إذ كان سويقي أطيب منه وأجود، ثم أخذه فشرب منه حتى روي، ثم قال: الحمد لله الذي أطعمنا فاشبعنا، وسقانا فآوانا (٢). أريد أن أعرفها نفسها يقول محمد بن عمر المخزومي عن أبيه: نادى عمر بن الخطاب بالصلاة جامعة، فلما اجتمع الناس، وكبروا، صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على نبيه.

стр. 355

ثم قال: أيها الناس، لقد رأيتني أرعى على خالات لي من بني مخزوم، فيقبضن لي قبضة من التمر أو الزبيب، فأظل يومي وأي يوم!! ثم نزل. فقال له عبد الرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين، ما زدت على أن قمأت -عبت- نفسك. فقال: ويحك يا ابن عوف! إني خلوت فحدثتني نفسي، قالت: أنت أمير المؤمنين، فمن ذا أفضل منك؟ فأردت أن أعرفها نفسها. وفي رواية: إني وجدت في نفسي شيئا فأردت أن أطأطيء منها. ونهى الإسلام عن الكبر، قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨]. وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: التقى عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ على المروة فتحدثا، ثم مضى عبد الله بن عمرو، وبقي عبد الله بن عمر يبكي، فقال له رجل: ما يبكيك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هذا -يعني عبد الله بن عمرو- زعم أنه سمع رسول ﷺ يقول: "من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر كبه الله لوجهه في النار" [رواه أحمد]. تقدير الموتى عن عروة بن الزبير قال: رأيت عمر بن الخطاب على عاتقه قربة ماء فقلت: يا أمير المؤمنين، لا ينبغي لك هذا. فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين، دخلت نفسي نخوة، فأردت أن أكسرها. وعن أنس بن مالك قال: خرجت مع عمر يوما، حتى دخلت حائطا فسمعته يقول -وبيني وبينه جدار وهو في جوف حائط-: عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، بخ! والله يا ابن الخطاب لتتقين الله أو ليعذبنك. وعن جبير بن نقير أن نفرا قالوا لعمر بن الخطاب: ما رأينا رجلا أقضى بالقسط، ولا أقوَل للحق، ولا أشد على المنافقين منك يا أمير المؤمنين، فأنت خير الناس بعد رسول الله.
следующие страницы →