التواضع
التواضع صفة من صفات المؤمنين؛ قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] هونا: المشي بسكينة وتواضع.
وسئل الفضيل بن عياض عن التواضع، فقال: أن تخضع للحق وتنقاد له، وتقبله ممن قاله.
وقال أبو يزيد البسطامي في تعريف التواضع: هو ألا يرى لنفسه مقاما ولا حالا، ولا يرى في الخلق شرا منه.
ويقول الجنيد: التواضع هو خفض الجناح ولين الجانب.
وقال رسول الله ﷺ : "ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا ذلا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه" [رواه مسلم].
اركب يا أمير المؤمنين
عن الحسن قال: خرج عمر بن الخطاب ﵁ في يوم حار واضعا رداءه على رأسه، فمر به غلام على حمار فقال: يا غلام احملني معك، فوثب الغلام عن الحمار، وقال: اركب يا أمير المؤمنين.
قال: كلا، اركب أنت وأركب أنا خلفك، تريد تحملني على المكان الوطئ، وتركب أنت في المكان الخشن؟ فركب الغلام، فدخل المدينة وهو خلفه والناس ينظرون إليه.
جدد نيتك
أخرج ابن سعد عن ثابت قال: كان سلمان الفارسي ﵁ أميرا على المدائن، فجاء رجل من أهل الشام من بني تميم، معه حمل تبن، وعلى سلمان سراويل أعجمية وعباءة، فقال الرجل لسلمان وهو لا يعرفه: تعال احمل -يظنه حمالا- فحمل سلمان، فرآه الناس فعرفوه، فقالوا: هذا الأمير.
стр. 352
فقال الرجل: لا أعرفك.
فقال له سلمان: لا حتى أبلغ منزلك، قد نويت فيه نية فلا أضعه حتى أبلغ بيتك.
فالمسلم يجدد نيته لله ﵎ في كل أعماله.
شهادة عدي
يقول عدي بن حاتم: ذهبت لرؤية محمد بن عبد الله، وكنت أظن أني سألقي ملكا في المدينة، دخلت عليه وهو في المسجد فسلمت عليه فقال: من الرجل؟ فقدت: عدي ابن حاتم، فقام، وانطلق بي إلى بيته فوالله إنه لعامد بي إليه إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته فوقف طويلا تكلمه في حاجتها قال: فقلت: والله ما هذا بملك، قال: ثم مضى بي حتى إذا دخل بي إلى بيته تناول وسادة من أدم محشوة ليفا فقذفها إليَّ فقال:"اجلس على هذه"، قال: قلت: بل أنت فاجلس عليها، فقال: "بل أنت"، فجلست عليها وجلس رسول الله ﷺ على الأرض. وقال: قلت في نفسي والله ما هذا بأمر ملك.
وكان رسول الله ﷺ كريما مع ضيوفه وينزل الناس منازلهم؛ وهذه هي الدعوة إلى الله.
مواقف رائعة
كان القاضي يحيى بن أكثم في ضيافة المأمون، فقام الخليفة المأمون لإحضار ماء له، فاندهش يحيى من ذلك، فكيف يأتي له أمير المؤمنين بالماء ويخدمه وهو جالس في مكانه، فلما رأى المأمون علامات الاستفهام على وجه يحيى قال له: سيد القوم خادمهم (١).
وقال رجل لأحمد بن حنبل: جزاك الله عن الإسلام خيرا، فتغير وجهه وقال: بل جزى الله الإسلام عني خيرا، من أنا وما أنا؟ من أنا وما أنا؟
تواضع تكن كالنجم لاح لناظر ... على صفحات الماء وهو رفيع
ولا تك كالدخان يعلو بنفسه ... على طبقات الجو، وهو وضيع
стр. 353
وروي أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب اشترى من السوق لحما بدرهم، فحمله في ملحفته، فقال له أحد أصحابه: أحمل عنك يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا، أبو العيال أحق أن يحمل.
ويقول علي بن أبي طالب ﵁: لا ينقص الرجل الكامل من كماله ما حمل من شيء إلى عياله.
وروي أن عمر بن عبد العزيز أتاه ليلة ضيف، وكان يكتب، فكاد السراج يطفأ، فقال الضيف: أقوم إلى المصباح فأصلحه؟
فقال: ليس من كرم الرجل أن يستخدم ضيفه.
قال: أفأنبه الغلام؟
فقال: هي أول نومة نامها، فقام عمر وملأ المصباح زيتا.
فقال الضيف: قمت أنت بنفسك يا أمير المؤمنين؟
فقال: ذهبت وأنا عمر، ورجعت وأنا عمر، ما نقص مني شيء، وخير الناس من كان عند الله متواضعا.
الفرق بين التواضع والمهانة
يقول ابن القيم: التواضع يتولد من بين العلم بالله سبحانه ومعرفة أسمائه وصفاته ونعوت جلاله، وتعظيمه، ومحبته، وإجلاله، ومن معرفته بنفسه وتفاصيلها وعيوب عملها وآفاتها، فيتولد من بين ذلك كله خلق التواضع، وهو انكسار القلب لله، وخفض جناح الذل والرحمة بعباده، فلا يرى له أحد فضلا ولا يرى له عند أحد حقا، بل يرى الفضل للناس عليه، والحقوق لهم قبله، وهذا خلق إنما يعطيه الله من يحبه ويكرمه ويقربه.
وأما المهانة فهي الدناءة والخسة وبذل النفس وابتذالها في نيل حظوظها وشهواتها، كتواضع السفل في نيل شهواتهم، وتواضع المفعول به للفاعل، وتواضع طالب كل حظ لمن يرجو نيل حظه منه، فهذا كله ضعة لا تواضع، والله سبحانه يحب التواضع، ويبغض
стр. 354
الضعة والمهانة (١).
تقول أم المؤمنين عائشة: إنكم لتغفلون عن أفضل العبادات: التواضع.
تواضع الفاروق
هذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يأتيه رجل من أشجع يحمل بشرى نصر المسلمين بقيادة سلمة بن قيس بفتح الأهواز، يقول الرجل: نشدت أمير المؤمنين فوجدته واقفا يغدي المسلمين وهو متكيء على عصاه كما يصنع الراعي، وكان يدور على القصاع وهو يقول لغلامه "يرفأ": يا يرفأ، زد هؤلاء لحما، يا يرفأ، زد هؤلاء خبزا، يا يرفأ، زد هؤلاء مرقا، فلما أقبلت عليه، قال: اجلس، فجلست، في أدنى الناس، وقدم لي الطعام فأكلت فلما فرغ الناس من طعامهم قال: يا يرفأ، ارفع قصاعك، ثم مضى فاتبعته.
فلما دخل داره استأذنت عليه فأذن لي، فإذا هو جالس على رقعة من شعر، متكيء على وسادتين من جلد محشوتين ليفا، فطرح لي إحداهما فجلست عليها وإذا خلفه ستر فالتفت نحو الستر، وقال: يا أم كلثوم غداءنا.
فقلت في نفسي: ماذا عسى أن يكون طعام أمير المؤمنين الذي خص به نفسه؟ فناولته خبزة بزيت عليها ملح لم يدق، فالتفت إلي وقال: كل، فامتثلت وأكلت قليلا، وأكل هو، فما رأيت أحدا أحسن منه أكلا، ثم قال: اسقونا، فجاءوه بقدح فيه شراب من سويق الشعير، فقال: أعطوا الرجل أولا، فأعطوني فأخذت القدح فشربت منه قليلا، إذ كان سويقي أطيب منه وأجود، ثم أخذه فشرب منه حتى روي، ثم قال: الحمد لله الذي أطعمنا فاشبعنا، وسقانا فآوانا (٢).
أريد أن أعرفها نفسها
يقول محمد بن عمر المخزومي عن أبيه: نادى عمر بن الخطاب بالصلاة جامعة، فلما اجتمع الناس، وكبروا، صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على نبيه.
стр. 355
ثم قال: أيها الناس، لقد رأيتني أرعى على خالات لي من بني مخزوم، فيقبضن لي قبضة من التمر أو الزبيب، فأظل يومي وأي يوم!! ثم نزل.
فقال له عبد الرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين، ما زدت على أن قمأت -عبت- نفسك.
فقال: ويحك يا ابن عوف! إني خلوت فحدثتني نفسي، قالت: أنت أمير المؤمنين، فمن ذا أفضل منك؟ فأردت أن أعرفها نفسها. وفي رواية: إني وجدت في نفسي شيئا فأردت أن أطأطيء منها.
ونهى الإسلام عن الكبر، قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨].
وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: التقى عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ على المروة فتحدثا، ثم مضى عبد الله بن عمرو، وبقي عبد الله بن عمر يبكي، فقال له رجل: ما يبكيك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هذا -يعني عبد الله بن عمرو- زعم أنه سمع رسول ﷺ يقول: "من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر كبه الله لوجهه في النار" [رواه أحمد].
تقدير الموتى
عن عروة بن الزبير قال: رأيت عمر بن الخطاب على عاتقه قربة ماء فقلت: يا أمير المؤمنين، لا ينبغي لك هذا.
فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين، دخلت نفسي نخوة، فأردت أن أكسرها.
وعن أنس بن مالك قال: خرجت مع عمر يوما، حتى دخلت حائطا فسمعته يقول -وبيني وبينه جدار وهو في جوف حائط-: عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، بخ! والله يا ابن الخطاب لتتقين الله أو ليعذبنك.
وعن جبير بن نقير أن نفرا قالوا لعمر بن الخطاب: ما رأينا رجلا أقضى بالقسط، ولا أقوَل للحق، ولا أشد على المنافقين منك يا أمير المؤمنين، فأنت خير الناس بعد رسول الله.
стр. 356
فمال عوف بن مالك: كذبتم، والله لقد رأينا بعد رسول الله ﷺ .
فقالوا: من هو؟
فقال: أبو بكر.
فقال عمر: صدق عوف، وكذبتم، والله لقد كان أبو بكر أطيب من ريح المسك، وأنا أضل من بعير أهلي -يعني قبل أن يسلم- لأن أبا بكر أسلم قبله بست سنين.
وهذا يدل على تواضع عمر وتقديره للفضلاء، ولا يقتصر على الأحياء منهم ولكنه يعم منهم الموتى كذلك، فلا يرضى أن ينكر فضلهم أو يغفل ذكرهم، ويظل ذكرهم بالخير في كل موقف، ويحمل الناس على احترام هذا المعنى النبيل وعدم نسيان ما قدموه من جلائل الأعمال، فيبقى العمل النافع متواصل الحلقات يحمله رجال إلى رجال، فلا ينسى العمل الطيب بغياب أهله أو وفاتهم.
الرسول قدوتنا
في مؤتمر الطب الذي انعقد بدار جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة عام ١٩٣٨ م، خطب الإمام الشهيد فتحمس أحد الإخوة من الطلاب فهتف بحياة حسن البنا، وبرغم عدم استجابة الحاضرين لهذا الهتاف إلا أن الأستاذ المرشد وقف صامتا لا يتحرك برهة، فاتجهت إليه الأنظار في تطلع، ثم بدأ حديثه في غضب فقال: أيها الإخوان، إن اليوم الذي يهتف في دعوتنا بأشخاص لن يكون ولن يأتي أبدا، إن دعوتنا إسلامية ربانية قامت على عقيدة التوحيد، فلن تحيد عنه، أيها الإخوان، لا تنسوا في غمرة الحماسة الأصول التي آمنا بها، وهتف بها (الرسول قدوتنا): ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦].
***
стр. 357
القناعة
علامات القانع
لا يفرح بموجود ولا يحزن على مفقود، ويستوي عنده المدح والذم، ويأنس بالله والطاعة وحلاوة القلب ومحبة الدنيا ومحبة الله كالماء والهواء.
ويقول الفضيل بن عياض: جعل الله الشر كله في بيت وجعل مفتاحه حب الدنيا، وجعل الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا.
اجعل همومك في الآخرة
عن زيد بن ثابت ﵁ قال رسول الله ﷺ : "من أصبح وهمه الدنيا شتت الله عليه أمره وفرق عليه ضيعته وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن أصبح وهمه الآخرة جمع الله له همه وحفظ عليه ضيعته وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة" [رواه ابن ماجه].
ازهد في الدنيا
عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس، فقال: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس" [رواه ابن ماجه].
الزاهد الحقيقي
الزاهد الحقيقي من أتته الدنيا ولم تشغله عن ربه بل استصغرها في عينيه ولا يتصور الزهد من الفقير المعدم.
قيل لابن المبارك: يا زاهد.
قال: الزاهد عمر بن عبد العزيز؛ إذ جاءته الدنيا راغمة فتركها، أما أنا ففيم زهدت؟
стр. 358
أتخاف الفقر ومعك الملك ؟!
قيل لابن حازم الزاهد: ما مالك؟
قال: لي مالان لا أخشى معهما الفقر: الثقة بالله، واليأس مما في أيدي الناس.
وقيل له ذات يوم: أما تخاف الفقر؟
فقال: أنى أخاف الفقر ومولاي له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثري؟!
وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال رسول الله ﷺ "من أسخط الله في رضى الناس سخط الله عليه وأسخط عليه من أرضاه في سخطه، ومن أرضى الله في سخط الناس ﵁ وأرضى عنه من أسخطه في رضاه حتى يزينه، ويزين قوله وعمله في عينه" [رواه الطبراني].
أزمتنا معنوية لا مادية
الوهن والضعف والقصور الذي تعاني منه المجتمعات الإسلامية اليوم مرده إلى الإفراط في محبة الدنيا إلى حد العبادة حتى أضحى المسلم خائر القوى مهزوز الشخصية ضعيف الإرادة لا يحرك ساكنا وإن أقيمت الدنيا من حوله، أو هزت الأرض من تحت قدمه.
نعم لقد ديست كرامتنا وغصبت أراضينا وأهينت مقدساتنا واسترخصت دماؤنا وضاعت قدسنا، فماذا فعلنا، أو ما عسانا نفعل بهذه الآلاف المؤلفة التي استولى عليها اليأس ووقر في ذاكرتها أنه لا أحد يجرؤ أو يستطيع -مهما حاول- أن يعيد قدسنا ويرد كرامتنا ويسترجع هيبتنا؟. ولعل سائلا يقول معترضا: ولكن أين السلاح؟ أين الصواريخ المتطورة والقنابل الذرية .. ؟
إننا نملك الكثير ولكننا لا نملك القوة التي تستعمل تلك الأجهزة؟ لأن أزمتنا معنوية قبل أن تكون مادية، وإيمانية قبل أن تكون ذرية، لقد بعث الله في قلوبنا الوهن الذي هو حب الدنيا وكراهية الموت، حتى أصبح المسلم يبيع دينه بعرض من الدنيا، يسترخص كرامته لا حياته، ويبذل كل شيء مقابل أن يعيش مهما كانت هذه المعيشة، ولقد عالج
стр. 359
القرآن هذا النفوس الضعيفة الحائرة بقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤].
عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ مر بالسوق والناس معه فمر بجدي أسك ميت، فتناوله فأخذ بأذنه ثم قال: "أيكم يحب أن هذا بدرهم؟ " فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: "أتحبون أنه لكم؟ قالوا: والله لو كان حيا لكان عيبا فيه لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟ فقال: "الله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم" [رواه مسلم].
قال سفيان: خذ من الدنيا لدينك وخذ من الآخرة لقلبك ..
يا راقد الليل مسرورا بأوله ... إن الحوادث قد يطرقن أسحارا
أفنى القرون التي كانت منعمة ... كر الجديدين إقبالا وإدبارا
كم قد أبادت صروف الدهر من ملك ... قد كان في الدهر نفاعا وضرارا
يا من يعانق دنيا لا بقاء لها ... يمسي ويصبح في دنياه أسفارا
هلا تركت من الدنيا معانقة ... حتى تعانق في الفردوس أبكارا
إن كنت تبغي جنان الخلد تسكنها ... فينبغي لك ألا تأمن النارا
وصف الدنيا
قال رجل لعلي بن أبي طالب ﵁: يا أمير المؤمنين صف لنا الدنيا.
قال: وما أصف لك من دار من صح فيها سقم، ومن أمن فيها ندم، ومن افتقر فيها حزن، ومن استغنى فيها افتتن، في حلالها الحساب، وفي حرامها العقاب، وفي مباحها العتاب؟!
وقال لقمان لابنه: يا بني إنك استدبرت الدنيا من يوم نزلتها واستقبلت الآخرة، فأنت إلى دار تقرب منها أقرب من دار تباعد عنها.
عجبا لك
قال البعض: عجبا لمن يعرف أن الموت حق كيف يفرح؟ وعجبا لمن يعرف أن النار حق كيف يضحك؟ وعجبا لمن رأى تقلب الدنيا بأهلها كيف يطمئن إليها؟ وعجبا لمن
стр. 360
يعلم أن القدر حق كيف ينصب؟
العقلاء ثلاثة
قال يحيى بن معاذ العقلاء ثلاثة: من ترك الدنيا قبل أن تتركه، وبنى قبره قبل أن يدخله، وأرضى خالقه قبل أن يلقاه.
يا أيها الناس
اعملوا على مهل وكونوا من الله على وجل، ولا تغتروا بالأمل ونسيان الأجل، ولا تركنوا إلى الدنيا فإنها غدارة خداعة، قد تزخرفت لكم بغرورها، وفتنتكم بأمانيها، وتزينت لخطابها، فأصبحت كالعروس الجلية، العيون إليها ناظرة والقلوب عليها عاكفة، والنفوس لها عاشقة، فكم من عاشق لها قتلت، ومطمئن إليها فذلت، فانظروا إليها بعين الحقيقة فإنها دار كثير بوائقها وذمها خالقها، جديدها يبلى، وملكها يفنى، وعزيزها يذل، وكثيرها يقل، ودها يموت، وخيرها يفوت، فاستيقظوا رحمكم الله من غفلتكم، و انتبه وا من رقدتكم قبل أن يقال فلان عليل، فهل على الدواء من دليل؟ وهل إلى الطبيب من سبيل؟ فتدعي لك الأطباء ولا يرجى لك الشفاء ثم يقال فلان أوصى ولماله أحصى، ثم يقال: قد ثقل لسانه فما يكلم إخوانه، ولا يعرف جيرانه، وعرق عند ذلك جبينك، وتتابع أنينك، وثبت يقينك، وطمحت جفونك، وصدقت ظنونك، وتلجلج لسانك، فبكى إخوانك، وقيل لك هذا ابنك فلان، وهذا أخوك فلان، ومنعت من الكلام فلا تنطق، وختم على لسانك فلا ينطق، ثم حل بك القضاء، وانتزعت نفسك من الأعضاء، ثم عرج بها إلى السماء، فاجتمع عند ذلك إخوانك، وأحضرت أكفانك، فغسلوك وكفنوك، فانقطع عوادك، واستراح حسادك، وانصرف أهلك إلى مالك، وبقيت مرتهنا بأعمالك.
انتبه!
اعلم أن الدنيا سريعة الفناء، قريبة الانقضاء، تعد بالبقاء ثم تخلف الوفاء، تنظر إليها فتراها ساكنة مستقرة وهي سائرة سيرا عنيفا ومرتحلة ارتحالا سريعا، ولكن الناظر إليها قد لا يحس بحركتها فيطمئن إليها، وإنما يحس عند انقضائه، ومثالها الظل فإنه متحرك ساكن؛ متحرك في الحقيقة ساكن الظاهر، لا تدرك حركته بالبصر الظاهر، بل بالبصيرة الباطنة.
стр. 361
ولما ذكرت الدنيا عند الحسن البصرى قال:
أحلام نوم أو كظل زائل ... إن اللبيب بمثلها لا يخدع
الناس نيام !
قال يونس بن عبيد: ما شبهت نفسي في الدنيا إلا كرجل نام فرأى في منامه ما يكره وما يحب فبينما هو كذلك إذا انتبه. فكذلك الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.
قال ابن عباس ﵁: يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء زرقاء، أنيابها بادية ومشوه خلقها، فتشرف على الخلائق فيقال لها: أتعرفون هذه؟
فيقولون: نعوذ بالله من معرفة هذه! فيقال: هذه الدنيا التي تناحرتم عليها، بها تقاطعتم الأرحام، وبها تحاسدتم وتباغضتم واغتررتم، ثم يقذف بها في جهنم فتنادي: أي رب، أين أتباعي وأشياعي؟ فيقول الله : ألحقوا بها أتباعها وأشياعها.
ما لي وللدنيا ؟!
عن ابن مسعود ﵁ قال رسول الله ﷺ : "ما لي وللدنيا، وإنما مثلي ومثل الدنيا كراكب سار في يوم صائف فرفعت شجرة فقال تحت ظلها ساعة ثم راح وتركها" [رواه الترمذي].
وعن عمرو بن عوف الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجراح ﵁ إلى البحرين يأتي بجزيتها، فقدم مال من البحرين فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافق صلاة الفجر مع رسول الله، فلما صلى رسول الله انصرف فتعرضوا له فتبسم رسول الله حين رآهم ثم قال: "أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين! " فقالوا: أجل يا رسول الله، فقال: "أبشروا وأملوا ما يسركم فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسها فتهلككم كما أهلكتهم" [متفق عليه].
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله تعالى مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء" [رواه مسلم].
سيبقى عملك
عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان
стр. 362
ويبقى واحد؛ يرجع أهله وماله ويبقى عمله [متفق عليه].
هذه هي الدنيا
عن المستورد بن شداد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :"ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع" [رواه مسلم].
عن أبي ذر ﵁ قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ في المدينة فاستقبلنا أحُدًا، فقال: "يا أبا ذر"، قلت: لبيك يا رسول الله فقال: "ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهبا تمضي عليَّ ثلاثة أيام وعندي منه دينار إلا شيئًا رصده لدين إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا -عن يمينه وعن شماله وعن خلفه- ثم سار فقال: إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال بالمال هكذا وهكذا وهكذا -عن يمينه وعن شماله ومن خلفه- وقليل ما هم" ثم قال لي: "مكانك لا تبرح حتى آتيك"، ثم انطلق في سواد الليل حتى توارى فسمعت صوتا قد ارتفع فتخوفت أن يكون أحد عرض للنبي فأردت أن آتية فذكرت قوله: "لا تبرح حتى آتيك" فلم أبرح حتى أتاني فقلت: لقد سمعت صوتا تخوفت منه فتذكرت له فقال: "هل سمعته؟ " قلت: نعم، قال: "ذاك جبريل أتاني فقال: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، قلت: وإن زنى وسرق؟ فقال: وإن زنى وإن سرق" [متفق عليه].
انظروا إلى من هو أسفل منكم
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر ألا تزدروا نعم الله عليكم" [متفق عليه].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة؛ إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض" [رواه البخاري].
وعن ابن عمر ﵄ قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وكان ابن عمر يقول: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك" [رواه البخاري].
стр. 363
ماذا ترك رسولك للدنيا ؟
عن عمرو بن الحارث ﵁ قال: "ما ترك رسول الله ﷺ عند موته دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا أمة ولا شيئا إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها وسلاحه وأرضا جعلها لابن السبيل صدقة" [رواه البخاري].
هذا هو مصعب
عن خباب بن الأرت ﵁ قال: هاجرنا مع رسول الله ﷺ نلتمس وجه الله تعالى فوقع أجرنا على الله فمنا من مات ولم يأكل من أجره شيئا منهم مصعب بن عمير ﵁ قتل يوم أحد وترك نمرة فكنا إذا غطينا بها رأسه بدت رجلاه وإذا غطينا بها رجليه بدا رأسه، فأمرنا رسول الله أن نغطي رأسه ونجعل على رجليه شيئا من الإذخر، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهديها (يقطعها). [متفق عليه].
الحصير أثر في جنبه
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: نام رسول الله ﷺ على حصير فقام وقد أثر في جنبه قلنا: يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاءً، فقال: "ما لي وللدنيا؟! ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم لي راح وتركها" رواه الترمذي.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :"يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام" [رواه الترمذي].
ما أخرجكما من بيوتكما ؟
عن أبي هريرة ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم أو ليلة فإذا هو بأبي بكر وعمر فقال:"ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ " قالا: الجوع يا رسول الله، قال: "وأنا -والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما، قوما"، فقاما معه فأتى رجلا من الأنصار فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأة قالت: مرحبا وأهلا، فقال لها رسول الله: "أين فلان؟ " قالت: ذهب يستعذب لنا الماء، إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول الله وصاحبيه ثم قال: الحمد لله! ما أحد اليوم أكرم ضيفا مني، فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر (تمر النخل) وتمر ورطب فقال: كلوا، وأخذ المدية، فقال له رسول الله: "إياك
стр. 364
والحلوب" .. فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا، فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله لأبي بكر وعمر: "والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم" [رواه مسلم]. ويقال إن هذا الأنصاري هو أبو الهيثم بن التيهان.
اقعد فاشرب
عن أبي هريرة ﵁ قال: والله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد حجرا على بطني من الجوع، ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون منه فمر بي النبي ﷺ فتبسم حين رآني وعرف ما في وجهي وما في نفسي ثم قال: "أبا هر"، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: "الحق" ومضى فاتبعته، فدخل فاستأذن فأذن لي فدخلت فوجد لبنا في قدح فقال: "من أين هذا اللبن؟ " قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة قال: "أبا هر" قلت: لبيك يا رسول الله قال: "الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي"، قال: وأهل الصفة أضياف الاسلام لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أحد، وكان إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئا وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟! كنت أحق أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها فإذا جاءوا وأمرني فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن؟! ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بد، فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا واستأذنوا فأذن لهم وأخذوا مجالسهم من البيت، فقال: "أبا هر"، قلت: لبيك يا رسول الله قال: "خذ فأعطهم"، قال: فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح فأعطيه الآخر فيشرب حتى يروى، ثم يرد على القدح حتى انتهيت إلى اللبن وقد روى القوم كلهم، فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إلي فتبسم فقال: "أبا هر" قلت: لبيك يا رسول الله، قال: "بقيت أنا وأنت" قلت: صدقت يا رسول الله، قال: "اقعد فاشرب" فقعدت فشربت، فقال:" اشرب" فشربت، فما زال يقول اشرب حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكا، قال: "فأرني" فأعطيته القدح فحمد الله وسمى وشرب الفضلة. [رواه البخاري].
стр. 365
الغنى غنى النفس
قال رسول الله ﷺ : "ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس" [متفق عليه].
اليد العليا خير من اليد السفلى
عن حكيم بن حزام ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ فأعطاني ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني ثم قال:" يا حكيم؛ إن هذا المال خضر حلو، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع واليد العليا خير من اليد السفلى" قال حكيم: فقلت: يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر يدعو حكيمًا ليعطيه العطاء فيأبى أن يقبل منه شيئا، ثم إن عمر دعاه ليعطيه فأبى أن يقبله فقال: يا معشر المسلمين أشهدكم على حكيم أني أعرض عليه حقه الذي قسمه الله في هذا الفيء فيأبى أن يأخذه. فلم يرزأ حكيم أحدا من الناس بعذ النبي حتى توفي. [متفق عليه] (يرزأ: يأخذ من أحد شيئا).
هؤلاء هم الرجال عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه فنقبت أقدامنا ونقبت قدمي وسقطت أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا من الخرق فسميت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب على أرجلنا من الخرق، قال أبو برد: فحدث أبو موسى بهذا الحديث ثم كره ذلك وقال: ما كنت أصنع بأن أذكره؟ قال: كأنه كره أن يكون شيئًا من عمله أفشاه. [متفق عليه].
لا تسأل الناس شيئا
عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ تسعة أو ثمانية أو سبعة فقال: ألا تبايعون رسول الله؟ وكنا حديثي عهد ببيعة فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثم قال: ألا تبايعون رسول الله؟ فبسطنا أيدينا وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فعلام نبايعك؟ قال: "أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، والصلوات الخمس، وتسمعوا وتطيعوا الله، وأسر كلمة خفية .. ولا تسألوا الناس شيئا" .. فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدًا أن يناوله إياه. [رواه مسلم].
стр. 366
الرفق
حث الإسلام على الرفق، فعن عائشة ﵂، أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم الرفق" [رواه أحمد].
عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ومن أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير، ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من الخير" [رواه الترمذي].
وعن عائشة ﵂ عن الرسول ﷺ قال: "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به" [رواه مسلم].
أنواع الرفق
الرفق في الدين:
قال رسول الله ﷺ : "إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة" [رواه البخاري].
قال ابن حجر: والمشادة بالتشديد: المغالبة، يقال: شاده مشادة إذا قاواه، والمعنى لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب.
الدلجة: السير من أول الليل، والغدوة: الخروج أول النهار، والروحة: الخروج آخر النهار.
عن عائشة رضي المته عنها زوج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: "إن الرفق لا يكون في شىء إلا زانه ولا يترع من شىء إلا شأنه" [رواه مسلم].
اعلم أخي الحبيب أن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، فلا تضغط على نفسك في البداية في العبادة ثم تتوقف نهائيا، ولكن عليك بالتدرج، ابدأ بقراءة جزء يوميا من القرآن ثم اجتهد في الزيادة مع الدوام.
стр. 367
الرفق في التبليغ:
كان عبد الله بن مسعود يذكر الناس في كل خميس فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، لوددت أنك ذكرتنا كل يوم، فرد عليه تلميذ النبوة بجواب مليء بفقه الدعوة: "أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم، وإني أتخولكم بالموعظة كما كان النبي ﷺ يتخولنا بها مخافة السآمة علينا" [رواه البخاري].
يخاف السآمة على جيل التابعين فكيف بجيل القرن العشرين؟! ولا ينفرد ابن مسعود بهذا الفقه دون الصحابة، بل إن ذلك سمة بارزة فيهم -رضوان الله عليهم جميعا- فهذا عمر ﵁ يقول على المنبر: أيها الناس لا تبغضوا الله إلى عباده.
فقيل: كيف ذاك أصلحك الله؟
قال: يجلس أحدكم قاصا فيطول على الناس حتى يبعض إليهم ما هم فيه، ويقوم أحدهم إماما فيطول على الناس حتى يبغض إليهم ما هم فيه.
وهذا ابن عباس يقول: حدث الناس كل جمعة، فإن أكثرت فمرتين، فإن أكثرت فثلاثا، ولا تمل الناس من هذا القرآن ولا تأت القوم وهم في حديث فتقطع عليهم حديثهم، وقال: أنصت، فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه، وإياك والسجع في الدعاء فإني عهدت رسول الله ﷺ وأصحابه لا يفعلونه.
وإذا أخذت بأقوال الصحابة وفقههم فإنك في مأمن من أن تكون من النفر الستة الذين ذكرهم ابن عبد البر حين قال: كان يقال: ستة إذا أهينوا فلا يلومون إلا أنفسهم:
- الذاهب إلى مائدة لم يدع إليها.
- وطالب الفضل من اللئام.
- والداخل بين اثنين في حديثهما من غير أن يدخلاه فيه.
- والمستخف بالسلطان.
- والجالس مجلسا ليس له بأهل.
- والمقبل بحديثه على من لا يسمع منه ولا يصغى إليه (١).
стр. 368
الرفق مع الجهلة:
عن أبي هريرة ﵁ قال: بال أعرابي في المسجد فثار الناس إليه ليقعوا به، فقال لهم رسول الله ﷺ : "دعوه وأريقوا على بوله ذَنوبا من ماء أو سَجلا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين" [رواه البخاري]، السجل بفتح السين وإسكان الجيم، وهي الدلو الممتلئة ماء.
إنها قمة من قمم الرفق لا يبلغها إلا من اتصل بمشكاة النبوة اتصالا لا يعرف الملل، وذلك نابع من استشعار الرسول ﷺ بأن هذا التصرف الشاذ لا ينتج إلا من جاهل، ولنا أن نسأل أنفسنا: هل سيكون لنا نفس الموقف الذي وقفه الرسول ﷺ من الأعرابي إذا ما شاهدنا يوما تصرفا شاذا من أحد الناس؟ وهل نرفق به ولا نعنفه وننصحه بهدوء أن يقلع عن ذلك؟ أم أننا نسيء الظن فيه، ونحسبه قد تعمد ذلك ونثور كما ثار الصحابة رضوان الله عليهم في بداية الأمر؟! (١).
الرفق مع المبتديء:
عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذا عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه! ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني، سكت، فلما صلى رسول الله ﷺ بأبي هو وأمي ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، فوالله ما كهرني (زجرني وعبس في وجهي) ولا ضربني ولا شتمني، قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبر وقراءة القرآن" [رواه مسلم].
يقول الحاج أحمد أبو شادي: حدث أن أحد الإخوان كان في طبعه حدة وعصبية فكان يثور دائما لأوهى الأسباب، ويسبب بثورته ضيقا في نفوس الإخوان ويحاول بعضهم أن يقضي على ثورته الجامحة ويهديء من روعه ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وكان الإمام كثيرا ما يتدخل في ثورة هذا الأخ العصبي فتهدأ نفسه إلى حين ثم يعود بعدها إلى ثورة جديدة.
стр. 369
ولما طفح الكيل وضاق الإخوان وأستاذهم ذرعا بهذا الأخ الذي لا يتورع عن إيذاء الإخوان وتجريحهم انتفض الأستاذ غاضبا، وطلب إليه أن يخرج من دار المركز العام إلى بيته، فما كان من الأخ الثائر إلا أن قال للأستاذ: لن أخرج من هذه الدار، إنها ليست داركم ولكنها دار الإخوان المسلمين، فما كان من الأستاذ إلا أن سيطر على غضبه ولم يندفع في ثورته على هذا الأخ فأجابه في هدوء وسكينة: صدقت في قولك يا أخي إنها ليست داري وإنما دار الإخوان، لكن لا تنس أنني أبو هؤلاء الإخوان جميعا، وإننا جميعا مستاءون من تصرفاتك معنا وثورتك المستمرة علينا، وأوعز الأستاذ للإخوان بمقاطعته فقاطعوه ولم يكلموه ولم يردوا عليه، وترك الأستاذ الإمام مكانه في الغرفة وخرج الإخوان معه كلهم في صورة احتجاج ومقاطعة لهذا الأخ، وظل هذا الأخ في الغرفة وحيدا حزينا يفكر في موقفه الذي ساقته إليه ثوراته وجمحاته وشطحاته، وظل هكذا وحيدا يفكر فيما جنت يداه على نفسه، وعلى إخوانه، وعلى مرشده، واغرورقت عيناه بالدموع، دموع الندم والتوبة.
وبعد فترة قصيرة من الوقت دخل عليه الأستاذ فوجده على هذه الحال، فما رآه الأخ حتى سارع إلى تقبيل يده، والاعتذار إليه وإلى الإخوان الذين أساء إليه هم مرارا، فما كان من الأستاذ إلا أن ضمه إليه ضمة الحب والرحمة والإشفاق، وقبله قبلة الأخ الرحيم والمربي الحكيم، وأقبل عليه الإخوان يصافحونه، ويعانقونه بعد أن اعتذر إليهم، فما كان منه إلا أن استقام أمره، ولم يعد إلى ما كان منه من جمحات وشطحات. وهكذا استطاع الأستاذ الإمام أن يعالج مشكلة هذا الأخ الجامح، فلم يعالجه بالشدة والغلظة والزجر والثورة، وإنما عالجه باللين والرفق، ناهجا في ذلك نهج النبي الكريم والمربي العظيم الذي كان يقول: "إن الله يحب الرفق في الأمر كله" [البخاري] (١).
يقول سيد قطب: فالناس في حاجة إلى كنف رحيم، وإلى رعاية فائقة، وإلى بشاشة سمحة، وإلى ود يسعهم، وحلم لا يشق بجهلهم وضعفهم ونقصهم، في حاجة إلى قلب كبير يعطيهم ولا يحتاج منهم إلى عطاء، ومن يحمل همومهم ولا يعنيهم بهمه، ويجدون عنده دائما الاهتمام والرعاية والعطف والسماحة والود والرضاء،
стр. 370
وهكذا كان قلب رسول الله ﷺ (١).
الرفق في الدعوة:
من مواقف الرسول ﷺ الحكيمة فعله مع الطفيل بن عمرو الدوسي ﵁، فقد أسلم الطفيل قبل الهجرة في مكة، ثم رجع إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، فبدأ بأهل بيته، فأسلم أبوه وزوجته، ثم دعا قومه إلى الله فلم يسلموا، فجاء الطفيل إلى رسول الله ﷺ وذكر أن دوسا قد عصت وأبت، وطلب أن يدعو عليهم، فاستقبل رسول الله ﷺ القبلة ورفع يديه فقال الناس: هلكوا، فقال: "اللهم اهد دوسا، وائت بهم، اللهم اهد دوسا وائت بهم" [رواه أحمد].
فاستجاب الله دعاءه، وحصل على ثمرة الصبر والتأني وعدم العجلة، فقد رجع الطفيل إلى قومه، ورفق بهم فأسلم على يديه خلق كثير، ثم قدم على النبي وهو بخيبر فدخل المدينة بثمانين أو تسعين بيتا من دوس، ثم لحقوا بالنبي بخيبر، فأسهم لهم مع المسلمين.
كن رفيقا في تعليم الناس:
كان عبد البديع صقر ﵀ إذا دخل بيتا ووجد فيه تمثالا كسره أو رماه أو شوه وجهه دون موافقة صاحب البيت، وقد يكون صاحب البيت حديث عهد بالإخوان أو بالدعوة فيصيبهم نفور من عبد البديع، وكثرت الشكوى من تصرفه هذا، وبلغت الإمام الشهيد حسن البنا ﵀ فقال لعبد البديع: لا نريد منك أن تحطم أصنام الناس، ولكننا نريدك أن تجعلهم يحطمونها بأيديهم!!
وهكذا رسم له طريق الدعوة الصحيح، وبين له المهمة الأساسية للداعية (٢).
الرفق بالمساكين:
يقول محمد إقبال: جاء سائل فطرق بابنا بعنف، فضربته بعصا على رأسه، فتناثر ما جمعه، فتألم والدي وسال الدمع من عينيه، وقال: يا بني، غدا تجتمع أمة خير البشر أمام
стр. 371
مولاها، ويحشر أهل الملة البيضاء حكماؤها والشهداء والعلماء، والعصاة، ويأتي هذا السائل المسكين صائحا شاكيا، فماذا أقول إذا قال لي النبي ﷺ : إن الله أودعك شابا مسلما، فلم تؤدبه بأدبي، بل لم تستطع أن تجعله إنسانا، فانظر يا ولدي عتاب النبي الكريم ومقامي في خجلي بين الخوف والرجاء، أتفضح أباك أمام مولاه؟ يا ولدي كن برعما في غصن المصطفى ﷺ ، وكن وردة من نسيج ربيعه، وخذ من خلقه الطيب بنصيب (١).
الرفق بالوالدين:
ذكر العلماء أن رجلا كان عنده والد كبير، فتأفف من خدمته ومن القيام بأمره، فأخذه وخرج إلى الصحراء ليذبحه، فلما وصل إلى صخرة أنزله هناك قال: يا بني ماذا تريد أن تفعل بي؟ قال: أريد أن أذبحك، قال: يا بني هذا جزاء الإحسان؟ قال الابن: لابد من ذبحك فقد أسأمتني وأمللتني، فقال الأب: يا بني إن أبيت إلا ذبحي فاذبحني عند الصخرة التالية ولا تذبحني هنا؛ فتعجب الابن وسأل: وما الفرق بين هنا أو هناك؟ قال: يا بني إن كان الجزاء من جنس العمل فاذبحني عند الصخرة التالية فلقد ذبحت أبي هناك ولك يا بني مثلها (٢).
الرفق بالعصاة:
قال أبو هريرة ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين، وكان أحدهما يذنب، والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب، فيقول: أقصر، فوجده يوما على ذنب، فقال له: أقصر، فقال: خلني وربي، أبعثت علي رقيبا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الله الجنة، فقبض أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالما، أو كنت على ما في يدي قادرا؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار" [رواه أبو داود].
وكتب عدي بن أرطأة إلى عمر بن عبد العزيز ﵁: من عدي بن أرطأة .. أما بعد، أصلح الله أمير المؤمنين، فإن قبلي أناسا من العمال قد اقتطعوا من مال الله مالاً
стр. 372
عظيما، لست أرجو استخراجه من أيديهم، إلا أن أمسهم بشيء من العذاب، فإن رأى أمير المؤمنين -أصلحه الله- أن يأذن لي في ذلك أفعل.
فأجابه عمر أما بعد، فالعجب كل العجب من استئذانك إياي في عذاب بشر، وكأن رضائي عنك ينجيك من سخط الله ، فانظر ما قامت عليه بينة عدول، فخذه بما قامت عليه البينة، ومن أقر لك بشيء فخذه بما أقر به، ومن أنكر فاستحلفه بالله العظيم وخل سبيله، وايم الله، لأن يلقوا الله بخياناتهم أحب إلي من أن ألقى الله بدمائهم، والسلام (١).
احرص على أن تكون رفيقا بالعصاة واعلم أن الخواتيم بيد الله، ونسأل الله حسن الخاتمة.
الرفق بالحيوان:
عن أبي عثمان الثقفي قال: كان لعمر بن عبد العزيز غلام يعمل على بغل له يأتيه بدرهم كل يوم، فجاءه يوما بدرهم ونصف، فقال: ما بدا لك؟
فقال: نفقت السوق، قال: لا ولكنك أتعبته، أرحه ثلاثة أيام.
الحصان ليس من الإخوان
من طرائف الذكريات قصة رحلة الإمام البنا إلى مدينة بنها في مناسبة ذكرى الإسراء والمعراج، وتحدث الأستاذ في هذه الذكرى حديثا شرح الصدور وشفى النفوس، وأمتع الحاضرين من العامة والخاصة والشباب والشيوخ بما في الإسراء والمعراج من معجزات ومشاهد ومواقف وتوجيهات، وبعد انتهاء هذه المحاضرة الغراء انصرف المستمعون إلا قليلا منهم ممن أدركوا أن وراء هذه الكلمات دعوة وداعية وليست مجرد كلمات ومواعظ، فاستأجر بعض الإخوان للأستاذ عربة حنطور ليركب فيها إلى محطة بنها ليعود إلى القاهرة في آخر قطار، وذلك بعد أن جلس هؤلاء القلائل من المستمعين للمحاضرة حول الإمام يسألونه في كل ما يهمهم من أمر هذه الدعوة التي يحملها إليهم ويبحث عن رجال ينهضون بها، ويفدونها بأرواحهم
стр. 373
وأموالهم، وجلس هؤلاء مع الإمام ساعات طوالا ثم انصرف الأستاذ ومعه بعض هؤلاء يودعونه حتى محطة بنها وقد اكتظت العربة بمن فيها من الراكبين حوله في العربة، وقد رجا الأستاذ إخوانه أن ينصرفوا مشكورين إلى بيوتهم، وعليهم أن يرحموا هذه العربة المكتظة، فطمأنه أحد الراكبين بقوله: لا تقلق يا أستاذنا من هذا الازدحام على العربة فإن صاحب العربة وسائقها من الإخوان!
فأجاب الإمام هذا الأخ بقوله: ليكن صاحب العربة من الإخوان ولكن الحصان الذي يجر العربة ليس من الإخوان!
***
стр. 374
الرحمة
الرحمة خلق من أخلاق المسلمين، ومعناها الشفقة واللين والعطف، وصف الله بها نفسه: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] وأرسل بها نبيه ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ووصف بها الصحابة: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩].
والرحمة وإن كانت رقة القلب والنفس ولكنها ليست مجرد عاطفة نفسية لا أثر لها، بل إن لها مظاهر حقيقية منها العفو عن المؤمنين ومساعدة الفقراء.
وإليك بعض أنواع الرحمة وهي: رحمة الله، ورحمة الرسول بأمته، والرحمة بالأطفال، والرحمة باليتامى، والرحمة بالحيوانات، والرحمة بأهل الذمة، والرحمة بالجيران، والرحمة بالوالدين، والرحمة بالخالة، والرحمة بالمحتاجين، والرحمة بالعصاة، والرحمة بالرعية .. ونسأل الله أن يرحمنا في الدنيا والآخرة.
١ - رحمة الله بعباده:
قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤].
وقال النبي ﷺ : "لما قضى الله الخلق، كتب عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبى" [رواه البخاري].
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ فيما حكى عن ربه قال:"أذنب عبد ذنبا فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: عبدي أذنب ذنبا، فعلم أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب، اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: أذنب عبدي ذنبا، فعلم أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت، فقد غفرت لك" [رواه مسلم] أي: إذا كان هذا دأبه، يذنب الذنب فيتوب منه، ويستغفر ولا يصر عليه ويندم، فإن الله يغفر له.
стр. 375
فسارع أخي الحبيب إلى التوبة والاستغفار، واعلم أن الله غفور رحيم، يغفر الذنوب جميعا.
عن عمر بن الخطاب ﵁: قدم على النبي ﷺ سبي، فإذا امرأة من السبي تحلب ثديها إذ وجدت صبيا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا النبي ﷺ : "أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار" قلنا: لا وهي أقدر على أن تطرح، فقال: "لله أرحم بعباده من هذه بولدها" [رواه البخاري].
من مظاهر رحمة الله
منها الرحمة العامة؛ عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا وأنزل في الأرض جزءا واحدا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه" [رواه البخاري].
ومنها إذا تاب العبد بدل الله سيئاته حسنات، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠].
ومن رحمته إرسال الرسل إلى الناس ليأخذوا بأيديهم إلى الصواب مبشرين ومنذرين، قال تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الدخان: ٥ - ٦].
ومن رحمته إنزال الكتاب المبين، قال تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣)﴾ [لقمان: ٢ - ٣].
ومن رحمته إباحة المحظور، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣].
ومن رحمته إنجاؤه للمؤمنين حين يأخذ الكفار بالعذاب، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [هود: ٥٨].
إذا منع الله عبده رزقا فهو من رحمته؛ قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦ - ٧]. فالناس في نظر الله كالمرضى يعطيهم الدواء على قدر الداء، فإذا أعطى الفقر أو المرض للإنسان فقد أعطاه دواء مرا في باطنه الرحمة، فالمرارة نعمة، فقد يمنع
стр. 376
الإنسان ولده المريض عن أكل اللحم والحلوى، وهو كله رحمة بولده، وقد يمسك الوالد ولده بيده، ويقدمه للطبيب ليجري له عملية جراحية والولد يتألم والوالد كله رحمة بابنه.
وما من سيف لقمع ظالم أو سلاح لقهره رفع إلا وهو رحمة بالمجتمع الإنساني، وأكثر رحمته تتجلى في القصاص، فإن وجب القتل على إنسان فقُتل كان ذلك رحمة بالمجتمع لعدم انتشار الفوضى.
بل إنك إذا نظرت إلى النار بعين الاعتبار، وجدت في باطنها رحمة، ولولا النار ما عرف القهار للكفار الفجار (١).
إلهي !
يا رحمن الوجود، يا من وسعت كل شيء رحمة وعلما، ظهرت رحمتك في كل ذرات الوجود فلا نرى شيئا إلا ونقرأ من آيات رحمتك ما يجذبنا إليك، وتطمئن قلوبنا بواسع حنانك.
رحمتك بالعوالم دلتنا على سعة الحنان فاطمأنت قلوبنا بأنك الرحيم بجميع الأكوان، وأنت تحب الرحمة لأنها صفتك، ونحن المستحقون لها لأن عيوبنا كثيرة، فانشر علينا رحمتك يا أرحم الراحمين.
الله يقسم رحمته كيف يشاء، ويدخل في رحمته من يشاء، والرحمة من الله إنعام وفضل، ونحن لا نكاد نرى آثار رحمة الله لكثرتها، وذلك بأن نعم الله لا تحصى، ولكننا نحسها إن أمسك الله بعض رحمته ونشعر وكأنها تنزع نزعا، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ [هود: ٩] ومن المبشرات أن الله جعل الرحمة قريبة من المحسنين قال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦].
وقفة
قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
يقول سيد قطب: وهكذا يتصور المسلم رحمة ربه وعدله في التكاليف التي يفرضها الله عليه في خلافته للأرض، وفي ابتلائه في أثناء الخلافة، وفي جزائه على عمله في نهاية المطاف، ويطمئن إلى رحمة الله وعدله في هذا كله، فلا يتبرم بتكاليفه، ولا يضيق بها
стр. 377
صدرا، ولا يستثقلها كذلك، وهو يؤمن أن الله الذي فرضها عليه أعلم بحقيقة طاقته، ولو لم تكن في طاقته ما فرضها عليه، ومن شأن هذا التصور -فضلا عما يسكن في القلب من راحة وطمأنينة وأنس- أن يستجيش عزيمة المؤمن للنهوض بتكاليفه وهو يحس أنها داخلة في طوقه، ولو لم تكن داخلة في طوقه ما كتبها الله عليه، فإذا ضعف عن نفسه وهم همة جديدة للوفاء، ما دام داخلا في مقدوره، وهو إيحاء كريم لاستنهاض الهمة كلما ضعفت على طول الطريق، فهي التربية كذلك لروح المؤمن وهمته وإرادته، فوق تزويد تصوره بحقيقة إرادة الله به في كل ما يكلفه (١).
٢ - رحمة الرسول بأمته:
عن ثوبان ﵁ مولى رسول الله ﷺ أن رسول الله قال:"زويت لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وأعطيت الكنزين الأصفر أو الأحمر والأبيض (يعني الذهب والفضة) وقيل لي: إن ملكك حيث زوي لك، وإني سألت الله ثلاثا: ألا يسلط على أمتي جوعا، فيهلكهم به عامة، وألا يلبسهم شيعا، ويذيق بعضهم بأس بعض، وأنه قيل لي: إذا قضيت قضاء فلا مرد له، وإني لن أسلط على أمتك جوعا فيهلكهم، ولن أجمع عليهم من بين أقطارها، حتى يفني بعضهم بعضا، ويقتل بعضهم بعضا. وإذا وضع السيف في أمتي، فلن يرفع عنهم إلى يوم القيامة، وإن مما أتخوف على أمتي أئمة مضلين، وستعيد قبائل من أمتي الأوثان، وستلحق قبائل من أمتي بالمشركين" [رواه ابن ماجه].
وهكذا كان النبي ﷺ رحمة بأمته بل أمن الله المشركين من العذاب في الدنيا ما دام فيهم النبي محمد ﷺ وذلك مع استعجالهم له فقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] مع أنهم طلبوا العذاب قائلين: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾ [الأنفال: ٣٢].
٣ - الرحمة بالمؤمنين:
قال رسول الله ﷺ : "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" [رواه الترمذي]. وقال رسول الله ﷺ :"لا تنزع الرحمة إلا من شقي" [رواه الترمذي].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قبَّل رسول الله ﷺ الحسن بن علي ﵄
стр. 378
وعنده الأقرع بن حابس التميمي، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا، فنظر رسول الله ﷺ ثم قال ﷺ :" من لا يرحم لا يُرحم" [رواه البخاري].
وعن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: كنت أضرب غلاما لي فسمعت من خلفي صوتا: "اعلم أبا مسعود، لله أقدر عليك منك عليه"، فالتفت فإذا هو رسول الله فقلت: يا رسول الله هو حر لوجه الله، فقال: "أما لو لم تفعل للفحتك النار" أو "لمستك النار".
وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي مما أعلم من وجد أمه من بكائه" [رواه البخاري].
الحسين بن علي وهو طفل صغير رأى الفاروق على المنبر فقال له: انزل من على منبر أبي واصعد على منبر أبيك.
فقال له الفاروق: إن أبي لم يكن له منبر، ثم أخذ الحسين وأقعده معه (١).
فالرحمة بالأطفال تكون بعدم ضربهم على الخطأ في المرة الأولى، ويجب التبسم عند لقائهم ومداعبتهم.
٤ - قصة الأم الحقيقية
جاءت امرأتان إلى نبي الله سليمان، تحتكمان إليه في أمر وقع بينهما، فقد كان لكل امرأة طفل رضيع، فجاء الذئب في غفلة منهما وأخذ طفلا فأكله، فلما رأت أمه ذلك، أخذت الطفل الآخر وادعت أنه ابنها، وحينما جاءت أمه الحقيقية لتأخذه رفضت أن تعطيها طفلها، فاستمع نبي الله سليمان إلى دعواهما، وكل منهما تدعي أنه ابنها، ففكر في حيلة يعرف بها الأم الحقيقية، فقال لأصحابه: ائتوني بسكين لنشق الولد نصفين، ونعطي كل واحدة منهما نصف الطفل، فرضيت إحداهما، أما الأخرى فصاحت وقالت: لا تفعلوا به هذا ولتأخذه هي ولا تقتلوه، فعلم سليمان أنها الأم الحقيقية، لأنها رفضت أن يذبح ابنها فأعطاها الطفل.
فالأم بطبيعتها تحن على أبنائها، ولكنها في بعض اللحظات عند الغضب تدعو عليهم بالشقاء، وهذا لا يصح، لأنها قد تصادف ساعة إجابة، ويجب الدعاء لهم بالرحمة والهداية.
стр. 379
ارحمي أولادك !
علم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أن جماعة من التجار جاءوا إلى المدينة، وأنهم مقيمون بالمسجد، فخرج ومعه عبد الرحمن بن عوف لحراسة التجار طوال الليل، ووسط الليل سمع عمر بكاء صبي، فتوجه نحوه، وقال لأم الصبي: اتقي الله وأحسني إلى صبيانك، ثم عاد إلى مكانه، وتكرر هذا الأمر مرة ثانية، وفي آخر الليل سمع عمر بكاء الصبي، فذهب إلى أمه وقال لها: ويحك: إني لأراك أم سوء، ما لي أرى ابنك لا يقر (يهدأ)، فغضبت الأم من كلامه -وهي لا تعرفه- وأخبرته أنها تستعجل فطام ابنها، حتى يكون له نصيب مما يعطيه عمر للمسلمين من بيت المال، فإن عمر لا يعطي الرضيع، فتأثر عمر بما سمع وبكى كثيرا، حتى إن الناس لم تسمع قراءته في صلاة الفجر من شدة بكائه، ولما انتهى من الصلاة قال: يا بؤسا لعمر! كم قتل من أولاد المسلمين! ثم أمر مناديا ينادي: ألا لا تعجلوا صبيانكم على الفطام، فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام.
سارع -أخي الحبيب- بعد هذه الكلمات بتقبيل أطفالك، وإظهار الحنان لهم.
وعن عبد الله بن شداد عن أبيه قال: خرج علينا رسول الله في إحدى صلاتي العشاء وهو حامل حسنا أو حسينا فتقدم رسول الله فوضعه ثم كبر للصلاة فصلى، فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها، فلما قضى رسول الله الصلاة، قال الناس: يا رسول الله إنك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر أو أنه يوحى إليك، قال: "كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته" [رواه النسائي].
وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵄ قال: سمعت أبي بريدة يقول: كان رسول الله ﷺ يخطب إذ جاء الحسن والحسين ﵄ عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله ﷺ من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه ثم قال ﷺ "صدق الله ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما" [رواه الترمذي].
من الرحمة بالأطفال مداعبتهم، فقم بعمل لعبة معهم، حتى تدخل عليهم السرور والفرحة.
стр. 380
٥ - الرحمة بالفقراء:
عن أبي هريرة ﵁ أن رجلا أسود أو امرأة كان يكون في المسجد يقم المسجد، فمات ولم يعلم النبي ﷺ بموته فذكره ذات يوم فقال: "ما فعل ذلك الإنسان؟ " قالوا: مات يا رسول الله، قال:"أفلا آذنتموني؟ " فقالوا: إنه كان كذا وكذا -قصته- قال: فحقروا شأنه- قال: "فدلوني على قبره"، "فأتى في قبره فصلى عليه [رواه البخاري].
٦ - الرحمة باليتامى:
عن النبي ﷺ قال: "الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله" وأحسبه قال: "كالقائم الذي لا يفتر وكالصائم الذي لا يفطر" [رواه البخاري].
وتوفي أبو سلمة ﵁ تاركا زوجته أم سلمة وأولاده الأربعة: عمر وسلمة وزينب وبرة. فأشفق النبي ﷺ عليها ورق لحال أبنائها اليتامى فقرر أن يتزوجها إكراما لها، وحفاظا على أبنائها، وبعد أكثر من أربعة أشهر أرسل إليها النبي ﷺ عمر بن الخطاب ليخطبها له، فقالت: أخبر رسول الله أني امرأة غيرى (شديدة الغيرة على زوجي) وأني امرأة مصبية (لي أولاد كثيرون) وليس أحد من أوليائي شاهدا (لا يوجد أحد من أهلي ها هنا) فعاد عمر فأتى رسول الله فذكر ذلك، فقال له ﷺ :"ارجع إليهما فقل لها: أما قولك إني امرأة غيرى فسأدعو الله لك فيذهب غيرتك، وأما قولك إني امرأة مصيبة فستكفين صبيانك (سوف أتكفل برعايتهم) وأما قولك أن ليس أحد من أوليائك شاهدا فليس أحد من أوليائك شاهدا ولا غائبا يكره ذلك"، فقالت لابنها: يا عمر قم فزوج رسول الله، فزوجه [رواه النسائي].
وقال رسول الله ﷺ : "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا" وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئا [رواه البخارى].
الرحمة باليتامى تكون برعايتهم وكفالتهم وإطعامهم والعطف عليهم ومساعدتهم في أمورهم.
٧ - الرحمة بالحيوانات:
يروي المؤرخون أن عمرو بن العاص ﵁ في فتح مصر نزلت حمامة بفسطاطه
стр. 381
فاتخذت من أعلاه عشا، وحين أراد عمرو الرحيل، رآها، فلم يشأ أن يهيجها بتقويضه الفسطاط فتركه، وتكاثر العمران من حوله.
ورأى عمر بن الخطاب ﵁ رجلا يسحب شاة برجلها ليذبحها، فقال: ويلك! قدها إلى الموت قودا جميلا.
الإسلام شديد المؤاخذة لمن تقسو قلوبهم على الحيوان ويستهينون بآلامه، وقد بين أن الإنسان على عظم قدره يدخل النار في إساءة يرتكبها مع دابة عجماء. قال النبي ﷺ : "دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض" [رواه البخاري].
كما بين الرسول ﷺ أن كبائر المعاصي تمحوها نزعة رحمة تغمر القلب، ولو بكلب، ففي رواية أن امرأة بغيا رأت كلبا في يوم حار يطيف (يدور) ببئر، قد أدلع (أخرج) لسانه من العطش، فنزعت لها بموقها (خفها) فغفر لها [رواه مسلم].
وعن المسيب بن دارم قال: رأيت عمر بن الخطاب يضرب جمالا، ويقول: حملت ما لا يطيق، وأعلن عمر أنه مسئول عن بغلة تعثر في العراق لم يسو لها الطريق.
واشتهى الفاروق سمكا طريا فأخذ يرفأ -مولاه- راحلة فسار ليلتين مقبلا وليلتين مدبرا، واشترى مكتلا فجاء به، وقام يرفأ إلى الراحلة يغسلها من العرق فنظر إليها عمر فقال: عذبت بهيمة من البهائم في شهوة عمر، والله لا يذوق عمر ذلك.
وتقدم عمر إلى جمل تبدو عليه مظاهر الإعياء والمرض فقال له: إني لخائف أن أسأل عنك.
الرحمة بالحيوان تكون بإطعامه، وعدم اللعب به وتعذيبه، وعدم ضربه، أو إحراقه بالنار، وإذا رأيت من يعذب حيوانا انهه عن ذلك.
٨ - الرحمة بأهل الذمة:
كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يسير في طريق من طرق المدينة النورة فرأى شيخا قد شاب شعره، وانحنى ظهره، يسير مستندا على عصاه، يسأل الناس أن يتصدقوا عليه؛ لم يكن الرجل مسلما بل كان من أهل الذمة المقيمين في بلاد المسلمين تحميهم دولة
стр. 382
الإسلام، وترعاهم، وتأخذ من القادرين منهم مبلغا زهيدا (الجزية) نظير ما يقدم لهم من خدمة ورعاية، ولما علم أمير المؤمنين بأمر الرجل رق له، وشعر بالرحمة والشفقة نحوه، وقال: ما أنصفناك! أخذنا منك الجزية في شبيبتك (شبابك) ثم ضيعناك في كبرك، وأصدر أوامره بإسقاط الجزية عن الرجل، وأمر أن يصرف له مبلغ شهري من المال يكفي لقضاء حوائجه، فانصرف الرجل وهو سعيد برحمة المسلمين به.
وذات يوم كان صلاح الدين يتفقد أحوال جنده فرأى امرأة من الصليبيين تبكي وتضرب على صدرها فسألها عن قصتها، فقالت: دخل المسلمون في خيمتي وأخذوا ابنتي الصغيرة، فنصحني الناس أن أذهب إليك، وقالوا: إن السلطان صلاح الدين رجل رحيم، فدمعت عينا صلاح الدين، وأمر أحد الجنود أن يبحث عن الصغيرة وعمن اشتراها، ويدفع له ثمنها ويحضرها، فما مضت ساعة حتى وصل الفارس والصغيرة على كتفه، ففرحت الأم فرحا شديدا وشكرت صلاح الدين على مروءته وحسن صنيعه (١).
٩ - الرحمة بالجيران:
أراد رجل أن يحج فأعطاه خاله عشرة آلاف درهم، وقال له: إذا قدمت المدينة فابحث عن أفقر بيت فأعط أهله هذا المبلغ، فلما وصل الرجل إلى المدينة سأل عن أفقر بيت فدلوه على بيت فذهب إليه، وطرق الباب، فأجابته امرأة، وقالت له: من أنت؟ فقال: أنا رجل من أهل بغداد، معي أمانة وأمرت أن أسلمها إلى أفقر أهل بيت بالمدينة، وقد دلوني عليكم، فخذوها، فقالت المرأة: إن جيراننا أفقر منا فادفعها إليهم، فذهب إلى البيت الجاور، فأجابته امرأة فذكر لها القصة، فقالت: نحن وإياهم في الفقر سواء فاقسمها بيننا وبينهم، فقسم الرجل المبلغ بين الجارين.
شفاعة أبي حنيفة
حتى ولو كان الجار مؤذيا نكون رحماء به.
كان للإمام أبي حنيفة النعمان جار يلهو ويغني طول الليل يزعج جيرانه ويقول:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
стр. 383
وكان أبو حنيفة يتضايق من أذى جاره، ولا يستطيع أن يقوم الليل ويصلي بسبب صوت جاره وغنائه، ورغم ذلك كله، فقد كان صابرا عليه.
وذات يوم كان رجال الشرطة يمرون فسمعوا صوت هذا الجار، فأخذوه ووضعوه في الحبس، فلم يسمع أبو حنيفة صوت جاره كالعادة، فسأل عنه فقيل له: إن الشرطة قد حبسته فأسرع أبو حنيفة في الصباح إلى بيت الحاكم عيسى بن موسى، واستأذن في الدخول عليه، وقال له: أصلح الله الأمير، جار لي أخذه عسس الأمير (الشرطة) ليلة كذا، فوقع في حبسك، سمع عيسى بن موسى شفاعة أبي حنيفة لجاره، فأمر بإطلاق سراح ذلك الجار إكراما لأبي حنيفة، فخرج الجار من السجن، وشكر أبا حنيفة، فقال له أبو حنيفة: هل أضعناك يا فتى؟
فقال الجار: لا والله، ولم يعد مرة ثانية إلى اللهو والغناء، وكف عن إزعاج جيرانه.
موقف صعب
كان لعبد الله بن المبارك جار فقير، اضطرته ظروف الحياة أن يبيع داره، فقيل له: بكم تبيع؟
فقال الرجل: بألفين.
فقيل له: هي لا تساوي إلا ألفا.
فقال الرجل: صدقتم، ولكني أريد ألفا للدار، وألفا لجوار عبد الله بن المبارك. ولما علم عبد الله بن المبارك بذلك، أرسل إليه، وأعطاه ثمن الدار، وقال له: ابق فيها ولا تبعها.
والرحمة بالجار تكون بكف الأذى وتحمل أذاه، وملاحظة داره في غيبته، والتلطف مع أولاده، وعدم النظر إلى أهله، ومساعدته إن كان محتاجا، وعدم إلقاء القمامة أمام بابه -أو من الشباك عليه- وعدم إزعاجه باللعب أو برفع صوت المذياع، ومشاركته في الأفراح والأحزان، وإعارته الأطباق والملح والزيت والسكر وغيرها، وملء الماء له إن كانت المياه لا تصل إليه.
١٠ - الرحمة بالوالدين:
جاء أن رجلا من النساك كان كل يوم يقبل قدم أمه فأبطأ يوما على إخوانه فسألوه
стр. 384
عن تأخيره فقال: كنت أتمرغ في رياض الجنة؟ فقد بلغنا أن الجنة تحت أقدام الأمهات.
والأبوان المشركان لهما حق البر كالمسلمين، قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة: ٨].
احتضن أنبوبة البوتاجاز لينقذ أمه !
في واقعة إنسانية تعتبر مثالا للرحمة بالوالدين لقي ابن مصرعه بعد أن احتضن أنبوبة بوتاجاز مشتعلة وخرج بها بعيدا عن الشقة لينقذ أمه من الحريق، استيقظ نبيل محمد أحمد (٢٥ سنة) -وهو سائق تاكسي- من نومه مبكرا ودخل المطبخ ليعد وجبة الإفطار له ولأمه التي كانت في صالة الشقة، وعندما أشعل الثقاب اكتشف أن الأنبوبة بها تسرب، واشتعلت النيران بالأنبوبة، وشاهدت أمه النيران فصرخت .. وقال الابن قبل وفاته إنه عندما شاهد الأنبوبة مشتعلة خاف على أمه من الحريق فاحتضن أنبوبة البوتاجاز وخرج بها من الشقة (١).
ومن الرحمة بالوالدين: إكرامهما وعدم رفع الصوت عليهما، وعدم مقاطعتهما أثناء الكلام، وعدم الخروج من الدار إلا بإذنهما، وتقبيل أيديهما، ومخاطبتهما بلطف، والنهوض لهما إذا دخلا عليه، وعدم إزعاجهما إذا كانا نائمين، وعدم تفضيل الزوجة والولد عليهما، وعدم مد اليد إلى الطعام قبلهما، وعدم النوم وهما جالسان إلا إذا أذنا بذلك، وعدم مد الرجلين أمامهما، وعدم المشي أمامهما، وإكرام أصحابهما في حياتهما وبعد موتهما، وعدم مصاحبة إنسان غير بار بوالديه، والدعاء لهما.
١١ - الرحمة بالأقارب:
عن ابن عمر ﵄ أن رجلا أتى النبي فقال: إني أصبت ذنبا عظيما فهل لي توبة؟ فقال: "هل لك من أم؟ " قال: لا، فقال: "هل لك من خالة؟ " قال: نعم، فقال: "فبرها إذًا" [رواه الترمذي].
وعن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أن رجلا من الأعراب لقيه بطريق مكة فسلم عليه عبد الله بن عمر، وحمله على حمار كان يركبه، وأعطاه عمامة كانت على رأسه فقال ابن دينار: فقلنا له: أصلحك الله، إنهم الأعراب وإنهم يرضون باليسير، فقال عبد
стр. 385
الله بن عمر ﵄: إن أبا هذا كان ودا لعمر بن الخطاب وإنى سمعت رسول الله يقول: "إن أبر البر صلة الولد أهل وفى أبيه" [رواه مسلم].
فيجب صلة الرحم وإكرامهم ومساعدتهم في الشدائد، ومشاركتهم في الأفراح والأحزان.
١٢ - الرحمة بالمحتاجين:
وجاءت امرأة إلى أبي حنيفة بثوب من الحرير لتبيعه له فقال لها: كم ثمنه؟
قالت: ثمنه مائة درهم.
فقال: كلا إنه يساوي أكثر من مائة درهم، فتعجبت المرأة من هذا المشتري الذي يرفع السعر الذي يشتري به، وأخذت تزيد في الثمن مائة بعد مائة، حتى قالت: إذن فخذه بأربعمائة درهم.
فقال: إن ثمنه أكثر من ذلك.
فقالت: أتهزأ بي؟
قال: هات رجلا يقدر لنا ثمنه، فذهبت وأحضرت رجلا، فقال لها: هو بخمسمائة درهم، فاشتراه أبو حنيفة بهذا الثمن.
رحمة عمر بن عبد العزيز
دخلت فاطمة على عمر بن عبد العزيز فوجدته واضعا خده على يده جالسا في مصلاه ودموعه تسيل على خديه، فقالت: ما بالك؟
فقال: ويحك يا فاطمة! لقد وليت من أمر هذه الأمة ما وليت، ففكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، واليتيم المكسور، والأرملة الوحيدة، والمظلوم المقهور، والغريب الأسير، والشيخ الكبير، وذي العيال الكثير، والمال القليل، وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم يوم القيامة، وأن خصمي دونهم محمد، فخشيت ألا يثبت لي حجة عند خصومته، فرحمت نفسي فبكيت.
فتذكر إخوانك المحاصرين في أرض فلسطين، لا يجدون طعاما ولا شرابا، اسأل الله لهم النصر على أعدائهم.
стр. 386
لا تسبوه
مر أبو الدرداء ﵁ بجماعة قد تجمهروا على رجل وجعلوا يضربونه ويشتمونه فأقبل عليهم وقال: ما الخبر؟
قالوا: رجل وقع في ذنب كبير.
قال: أرأيتم لو وقع في بئر أفلم تكونوا تستخرجونه منها؟
قالوا: بلى.
قال: لا تسبوه ولا تضربوه وإنما عظوه وبصروه، واحمدوا الله الذي عافاكم من الوقوع في ذنبه.
قالوا: أفلا تبغضه؟
قال: إنما أبغض فعله، فإذا تركه فهو أخي. فأخذ الرجل ينتحب ويعلن توبته (١).
الرحمة بالعصاة تكون بتبصيرهم بأخطائهم والدعاء لهم بالهداية.
١٣ - الرحمة بالرعية:
كان عمر بن الخطاب ﵁ يتوخى الرحمة والشفقة على الرعية، وكم من مرة أمر قادته في الجهاد ألا يغرروا بالمسلمين ولا ينزلوهم منزل هلكة، وكتب عمر لرجل من بني أسلم كتابا يستعمله به، فدخل الرجل على عمر وبعض أولاد عمر في حجر أبيهم يقبلهم، فقال الرجل: تفعل هذا يا أمير المؤمنين؟ فوالله ما قبلت ولدا لي قط.
فقال عمر: فأنت والله بالناس أقل رحمة، لا تعمل لي عملا، ورده عمر فلم يستعمله.
وغزت بعض الجيوش بلاد فارس حتى انتهت إلى نهر ليس عليه جسر، فأمر أمير الجيش أحد جنوده أن ينزل في يوم شديد البرد لينظر للجيش مخاضة يعبر منها، فقال الرجل: إني أخاف إن دخلت الماء أن أموت، فأكرهه القائد على ذلك، فدخل الرجل الماء وهو يصرخ: يا عمراه يا عمراه! ولم يلبث أن هلك، فبلغ ذلك عمر وهو في سوق المدينة، فقال: يالبيكاه يالبيكاه! وبعث إلى أمير ذلك الجيش فنزعه.
...
стр. 387
موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق
(قصص تربوية من حياة الأنبياء والصحابة والتابعين والصالحين)
الجزء الثاني
إعداد
ياسر عبد الرحمن
стр. 388
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى للناشر
١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م
رقم الإيداع: ٢٤١٨١/ ٢٠٠٦
الترقيم الدولي: I.S.B.N
٨-٠٠٦-٤٤١-٩٧٧
مركز السلام للتجهيز الفني
عبد الحميد عمر
٠١٠٦٩٦٢٦٤٧
مؤسسة اقرأ
للنشر والتوزيع والترجمة
١٠ ش أحمد عمارة - بجوار حديقة الفسطاط
القاهرة ت: ٥٣٢٦٦١٠ محمول: ٠١٠٢٣٢٧٣٠٢ - ٠١٠١١٧٥٤٤٧
WWW.Iqraakotob.com
Email:info@iqraakotob.com
стр. 389
إهداء
إلى كل من علمني حرفًا من القرآن
وأرشدني إلى طريق الإيمان
إلى أمي التي سهرت على راحتي
إلى أبي الذي تعب في ترييتي
إلى زوجتي التي ساعدتني
إلى ابنتي واسأل الله أن يبارك فيها
إلى كل من كان له فضل عليَّ
ياسر عبد الرحمن