← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96918

موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق

ياسر عبد الرحمن

Полный текст (763 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

لا تسبوه مر أبو الدرداء ﵁ بجماعة قد تجمهروا على رجل وجعلوا يضربونه ويشتمونه فأقبل عليهم وقال: ما الخبر؟ قالوا: رجل وقع في ذنب كبير. قال: أرأيتم لو وقع في بئر أفلم تكونوا تستخرجونه منها؟ قالوا: بلى. قال: لا تسبوه ولا تضربوه وإنما عظوه وبصروه، واحمدوا الله الذي عافاكم من الوقوع في ذنبه. قالوا: أفلا تبغضه؟ قال: إنما أبغض فعله، فإذا تركه فهو أخي. فأخذ الرجل ينتحب ويعلن توبته (١). الرحمة بالعصاة تكون بتبصيرهم بأخطائهم والدعاء لهم بالهداية. ١٣ - الرحمة بالرعية: كان عمر بن الخطاب ﵁ يتوخى الرحمة والشفقة على الرعية، وكم من مرة أمر قادته في الجهاد ألا يغرروا بالمسلمين ولا ينزلوهم منزل هلكة، وكتب عمر لرجل من بني أسلم كتابا يستعمله به، فدخل الرجل على عمر وبعض أولاد عمر في حجر أبيهم يقبلهم، فقال الرجل: تفعل هذا يا أمير المؤمنين؟ فوالله ما قبلت ولدا لي قط. فقال عمر: فأنت والله بالناس أقل رحمة، لا تعمل لي عملا، ورده عمر فلم يستعمله. وغزت بعض الجيوش بلاد فارس حتى انتهت إلى نهر ليس عليه جسر، فأمر أمير الجيش أحد جنوده أن ينزل في يوم شديد البرد لينظر للجيش مخاضة يعبر منها، فقال الرجل: إني أخاف إن دخلت الماء أن أموت، فأكرهه القائد على ذلك، فدخل الرجل الماء وهو يصرخ: يا عمراه يا عمراه! ولم يلبث أن هلك، فبلغ ذلك عمر وهو في سوق المدينة، فقال: يالبيكاه يالبيكاه! وبعث إلى أمير ذلك الجيش فنزعه. ...

стр. 387

موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق (قصص تربوية من حياة الأنبياء والصحابة والتابعين والصالحين) الجزء الثاني إعداد ياسر عبد الرحمن

стр. 388

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى للناشر ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م رقم الإيداع: ٢٤١٨١/ ٢٠٠٦ الترقيم الدولي: I.S.B.N ٨-٠٠٦-٤٤١-٩٧٧ مركز السلام للتجهيز الفني عبد الحميد عمر ٠١٠٦٩٦٢٦٤٧ مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة ١٠ ش أحمد عمارة - بجوار حديقة الفسطاط القاهرة ت: ٥٣٢٦٦١٠ محمول: ٠١٠٢٣٢٧٣٠٢ - ٠١٠١١٧٥٤٤٧ WWW.Iqraakotob.com Email:info@iqraakotob.com

стр. 389

إهداء إلى كل من علمني حرفًا من القرآن وأرشدني إلى طريق الإيمان إلى أمي التي سهرت على راحتي إلى أبي الذي تعب في ترييتي إلى زوجتي التي ساعدتني إلى ابنتي واسأل الله أن يبارك فيها إلى كل من كان له فضل عليَّ ياسر عبد الرحمن

стр. 390

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 391

الشجاعة الشجاع هو: الجريء المقدام، الجمع شجعان، وشجع شجاعة: قوي قلبه. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "جتنبوا السبع الموبقات" قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" [متفق عليه]. أنواع الشجاعة: خالد بن الوليد في مؤتة: في غزوة مؤتة استشهد القادة الثلاثة الذين عينهم النبي ﷺ ، فاتفق المسلمون على أن يتولى خالد بن الوليد، فلما تولى في القيادة فكر في حيلة لينجو بالجيش، لأنه لا يمكنه التغلب على قوات الروم الكثيرة بهذا العدد القليل من المسلمين، فغير أماكن الجنود، وأمر بعض الكتائب أن تبتعد عن ساحة القتال، ثم يأتون مندفعين أثناء المعركة وهم يكبرون، ويثيرون التراب بخيولهم، وفي الصباح، فوجيء جنود الروم بوجوه جديدة من الجنود المسلمين لم يروها من قبل في الأيام الماضية، ثم جاءت الكتائب الأخرى فظنها الروم مددا لجيش المسلمين، فدب الرعب في قلوبهم، وفي الليل سحب خالد جيشه من المعركة تدريجيا حتى لا يلاحقهم الروم، وهكذا استطاع أن ينقذ جيش المسلمين. من الشجاعة عدم الخوف من كثرة الباطل فإنه غثاء. أشجع الناس بعد الرسول ﷺ : قال علي بن أبي طالب ﵁: أيها الناس، أخبرونى من أشجع الناس؟ قالوا: أنت يا أمير المؤمنين. قال: أما إني ما بارزت أحدا إلا انتصفت منه، ولكن أخبروني بأشجع الناس. قالوا: لا نعلم، فمن؟

стр. 392

قال: أبو بكر ﵁ أنه لما كان يوم بدر جعلنا لرسول الله ﷺ عريشا، فقلت: من يكون مع رسول الله لا يهوي إليه أحد من المشركين؟ فوالله ما دنا منه أحد إلا أبو بكر شاهرا السيف على رأس رسول الله ﷺ لا يهوي إليه أحد إلا أهوى إليه، فهذا أشجع الناس. شجاعة الرسول ﷺ عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس، قال: وقد فزع أهل المدينة ليلة سمعوا صوتا قال: فتلقاهم النبي على فرس لأبي طلحة عري وهو متقلد سيفه فقال ﷺ : "لم تراعوا لم تراعوا" [رواه البخاري] (الزوع الخوف والفزع). شجاعة الصحابة في غزوة الخندق نادى عمرو بن ود على المسلمين ليخرج إليه من بينهم من يبارزه فقام علي ﵁ فقال: أنا يا رسول الله، فقال: "اجلس" ثم الثانية ثم الثالثة فقال: "يا على إنه عمرو بن عبد ود" فقال: وإن كان عمرا. فقال له عمرو: من أنت؟ قال: أنا علي، قال: ابن عبد مناف؟ قال: أنا علي بن أبي طالب، فقال: يا ابن أخي من أعمامك من هو أسن منك فإني أكره أن أهريق دمك، فقال له علي: لكني والله لا أكره أن أهريق دمك فغضب فنزل فسل سيفه كأنه شعلة نار فقال النبي ﷺ "اللهم أعن عليًا عليه"، وكان علي قد دعاه إلى الإسلام، فرفض وبدأت المبارزة وهجم علي عليه كالصقر فقتله ثم كبر، فكبر معه المسلمون فرحا. الدفاع عن الدين إن المواقف الصادقة والأحاديث الصريحة والعمل الجاد ومواجهة المشكلات بجرأة وثبات وصمود أمام التحديات كانت السمة البارزة للأستاذ عمر التلمساني، ففي حديث مفتوح للرئيس أنور السادات بمدينة الإسماعيلية حضره الأستاذ عمر التلمساني، بناء على دعوة وجهت إليه، وبث في الإذاعة والتليفزيون على الهواء مباشرة، اتهم السادات التلمساني بالفتنة الطائفية وساق أنواعا من التهم، فما كان من الأستاذ التلمساني إلا أن انبرى واقفا يرد على السادات بقوله: "الشيء الطبيعي بإزاء أي ظلم يقع على من أي

стр. 393

جهة أن أشكو صاحبه إليك، بصفتك المرجع الأعلى للشاكين -بعد الله- وهأنذا أتلقى الظلم منك، فلا أملك إلا أن أشكوك إلى الله" وما إن سمع السادات مقولة التلمساني حتى أصابه الذعر والرعب وناشد التلمساني أن يسحب شكواه، فقال التلمساني بقوة وأدب: إني لم أشكك إلى ظالم، وإنما شكوتك إلى رب عادل يعلم ما أقول. حرق أعصاب الظالم يقول الأستاذ التلمساني: كنت في سجن مصر، ودخل علينا شخصية كبيرة من الحكومة في الزنزانة، فقمت تلبية (الشخطة العسكري) انتباه، أما الأستاذ الهضيبي فلم يتحرك من مكانه، وكأنه لم ير أحدا ولم يسمع صيحة الشاويش، فقال له رجل الحكومة: لو كنت على حق لنصرك الله علينا. فرد عليه وهو في جلسته الهادئة: إن المسلمين هزموا في موقعة أحد، وهم على الحق. فلم يرد رجل الحكومة وانصرف ساكتًا، وبعد خروج هذا الشخص لامني فضيلته على قيامي وعلمني أن الظالم لا يحرق أعصابه إلا عدم اهتمام الناس بمظهره وقوته الجوفاء (١). هكذا كانوا أقبل حذيفة بن محصن على رستم في هيئة تشبه هيئة ربعي، السفير السابق، حتى وصل إلى أقرب بساط، قال له أتباع رستم: انزل من على فرسك. قال: ذلك لو جئتكم في حاجة خاصة بي فقولوا لملككم، أله حاجة أم لا؟ فإن قال: لا، فقد كذب ورجعت وتركتكم، فإن قال: نعم لم آتكم إلا على ما أحب. فقال رستم: دعوه، فدخل حذيفة راكبا فرسه، حتى وقف على رستم وهو على سريره، فقال له رستم: انزل. قال: لا أفعل وأبى، فلما رآه رستم مصرا على الركوب تركه وشأنه، ثم وجه له سؤالا: ما بالك جئت ولم يجيء صاحبنا بالأمس؟ قال: إن أميرنا يحب أن يعدل بيننا في الشدة والرخاء فهذه نوبتي. قال رستم: ما جاء بكم؟

стр. 394

فقال حذيفة: إن الله منَّ علينا بدينه وأرانا آياته حتى عرفناه، وكنا منكرين، ثم أمرنا بدعوة الناس، إلى واحدة من ثلاث، فأيها أجابوا إليها قبلناها: الإسلام وننصرف عنكم، أو الجزية ونمنعكم إن أجبتم إلى ذلك، أو المنابذة. فقال رستم: أو الموادعة إلى يوم ما. قال حذيفة: نعم، ثلاث من أمس، فلما لم يجد رستم عنده إلا ذلك طلب منه العودة إلى أصحابه، فانصرف عائدا إليهم. وأقبل رستم على قواده لعلهم يقبلون مصالحة المسلمين، فقال لهم: ويحكم! ألا ترون إلى ما أرى؟ جاءنا الأول بالأمس فغلبنا على أرضنا، وحقر ما نعظم وأقام فرسه على فرشنا وربطه به، فهو في يمن الطائر، ذهب بأرضنا ومن فيها إليهم، من فضل عقله، وجاءنا هذا اليوم فوقف علينا، فهو في يمن الطائر يقوم على أرضنا (١). ما حجتك عند الله ؟ مر والي البصرة بمالك بن دينار متبخترا بمشيته فصاح به: أقل من مشيتك هذه، فهمَّ خدمه به، فقال: دعوه، ما أراك تعرفني. فقال له مالك: وما أعرف بك مني، أما أولك فنطفة مذرة، وأما آخرك فجيفة قذرة، وأنت بين ذلك تحمل العذرة، فنكس الوالي رأسه ومشى (٢). استحضر هيبة الله كان العز بن عبد السلام شجاعا مقداما، فقد ذهب ذات مرة إلى السلطان في يوم عيد إلى القلعة، فشاهد الأمراء والخدم والحشم يقبلون الأرض أمام السلطان، وشاهد الجند صفوفا أمامه، ورأى الأبهة والعظمة تحيط به من كل جانب، فتقدم الشيخ إلى السلطان، وناداه باسمه مجردا، وقال: يا أيوب، ما حجتك عند الله إذا قال لك: ألم أبوئ لك مصر، ثم تبيح الخمور؟ واستطرد الشيخ قائلا: نعم تباح الخمور في الحانات وغيرها من المنكرات، وأنت تتقلب في نعمة هذه المملكة، وأخذ الشيخ يناديه بأعلى صوته والعساكر واقفون.

стр. 395

فقال السلطان: يا سيدي، هذا أنا ما عملته، هذا من زمان أبي. فقال الشيخ: أنت من الذين يقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] فأصدر السلطان أوامره بإغلاق تلك الحانات، ومنع تلك المفاسد، وشاع الخبر بين جمهور المسلمين وأهل القاهرة، فسأل أحد تلاميذ الشيخ عن السبب الذي جعله ينصح السلطان أمام خدمه وعساكره في مثل هذا اليوم الكريم. فقال الشيخ: يا بني، رأيت السلطان في تلك العظمة، فأردت أن أذكره لئلا تكبر عليه نفسه فتؤذيه. قال التلميذ: أما خفته؟ قال العز: والله يا بني، استحضرت هيبة الله تعالى فلم أخف منه (١). بين منذر بن سعيد وعبد الرحمن الناصر أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر عمل في بعض سطوح الزهراء قبة بالذهب والفضة، وجلس فيها، ودخل الأعيان، فجاء منذر بن سعيد فقال له الخليفة كما قال لمن قبله: هل رأيت أو سمعت أن أحدا من الخلفاء قبلي فعل مثل هذا؟ فأقبلت دموع القاضي تتحدر، ثم قال: والله ما ظننت يا أمير المؤمنين أن الشيطان -لعنه الله- يبلغ منك هذا المبلغ، ولا أن يمكنه من قيادك هذا التمكين، مع ما آتاك الله من فضله ونعمته وفضلك به على العالمين، حتى ينزلك منازل الكافرين. فانفعل عبد الرحمن لقوله وقال: انظر ما تقول، وكيف أنزلتني منزلتهم؟ قال: نعم، أليس الله تعالى يقول: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣] إلى قوله: َ ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾ [الزخرف:٣٣ - ٣٥]. فنكس الناصر رأسه طويلا ودموعه تتساقط، ثم قال: جزاك الله عنا خيرا وعن المسلمين، والذي قلت هو الحق، وأمر بنقض سقف القبة (٢).

стр. 396

أبو العتاهية وهارون الرشيد وضع هارون الرشيد طعاما وزخرف مجالسه وزينها، وأحضر أبا العتاهية، وقال له: صف لنا ما نحن فيه من نعيم هذه الدنيا. فقال أبو العتاهية: عش ما بدا لك سالما ... في ظل شاهقة القصور فقال الرشيد: أحسنت، ثم ماذا؟ فقال: يسعى إليك بما اشتهيت ... لدى الرواح وفي البكور فقال: حسن، ثم ماذا؟ فقال أبو العتاهية مندفعا: فإذا النفوس تقعقعت ... في ظل حشرجة الصدور فهناك تعلم موقنا ... ما كنت إلا في غرور فبكى الرشيد، فزجر أحد الحاضرين أبا العتاهية لأن المقام مقام فرح وسرور، فقال الرشيد: دعه، فإنه رآنا في عمى فكره أن يزيدنا منه (١). الترفع عن الذلة كما حدث في غزوة أحد فعندما وقف أبو سفيان في نهاية المعركة، وقال: أفي القوم محمد؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا تجيبوه"، فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا تجيبوه"، فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: رسول الله ﷺ : "لا تجيبوه" ثم التفت إلى أصحابه فقال: إن هؤلاء قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر ﵁ نفسه فقال. كذبت يا عدو الله، أبقى الله عليك ما يخزيك، قال أبو سفيان، اعل هبل، فقال النبي ﷺ : "أجيبوه"، فقالوا: ما نقول؟ قال: "قولوا: الله أعلى وأجل"، قال أبو سفيان: لنا العزى، ولا عزى لكم، فقال النبي ﷺ : "أجيبوه"، قالوا: ما نقول؟ قال: "قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم"، قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال،

стр. 397

وتجدون مثله لم آمر بها ولم تسؤني، فقال عمر: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، فجاءه فقال له أبو سفيان: أنشدك الله ياعمر، أقتلنا محمدا؟ قال عمر: اللهم لا، وإنه ليسمع كلامك الآن، قال: أنت أصدق عندي من ابن قمئة وأبر؛ لقول ابن قمئة لهم: إني قد قتلت محمدا. كان في سؤال أبي سفيان عن رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر دلالة واضحة على اهتمام المشركين بهؤلاء دون غيرهم، لأن في علمهم أنهم أهل الإسلام، وبهم قام صرحه، وأركان دولته، وفي موتهم يعتقد المشركون أنه لا يقوم الإسلام بعدهم، وكان السكوت عن إجابة أبي سفيان أولا تصغيرا له، حتى إذا انتشى وملأه الكبر أخبروه بحقيقة الأمر وردوا عليه بشجاعة (١). شجاعة المعتصم كان المعتصم بالله شجاعا، كتب إليه ملك الروم يهدده، فأمر أن يقرأوا له رسالته، فلما قرئت أمر برميها، وقال للكاتب: اكتب: أما بعد فقد قرأت كتابك، وسمعت خطابك، والجواب ما ترى لا ما تسمع، ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٤٢] (٢). لطمة على وجه اليهودي دخل أبو بكر ﵁ المدراس (مكان يتلو فيه اليهود التوراة) فوجد فيها ناسا قد اجتمعوا إلى رجل منهم، يقال له فنحاص، وكان من علمائهم وأحبارهم، ومعه حبر من أحبارهم، يقال له: أشيع، فقال أبو بكر لفنحاص: ويحك! اتق الله وأسلم فوالله إنك تعلم أن محمدا لرسول الله، قد جاءكم بالحق من عنده، تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل، فقال فنحاص لأبي بكر: والله يا أبا بكر، ما بنا إلى الله من فقر وإنه إلينا لفقير، وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء وما هو عنا بغني، ولو كان عنا غنيا ما استقرضنا أموالنا، كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطيناه، ولو كان غنيا ما أعطانا الربا، فغضب أبو بكر، فضرب وجه فنحاص ضربا شديدا، وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت رأسك أي عدو الله.

стр. 398

فذهب فنحاص إلى رسول الله فقال: يا محمد انظر ما صنع بي صاحبك، فقال رسول الله لأبي بكر: "ما حملك على ما صنعت؟ ". فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن عدو الله قال قولا عظيما، إنه يزعم أن الله فقير وأنهم أغنياء فلما قال ذلك غضبت لله مما قال، وضربت وجهه، فجحد ذلك فنحاص، وقال: ما قلت ذلك، فأنزل الله تعالى فيما قال فنحاص ردا عليه، وتصديقا لأبي بكر: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١]. ونزل في أبي بكر الصديق وما بلغه في ذلك من الغضب قوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦] (١). الشيخ الإنباني يوم تسلط الاستعمار الإنجليزي على مصر، وطأطأ الكثيرون رءوسهم وقف علماء الأزهر يشمخون برءوسهم استعلاء أمام جبروت المستعمر. وأراد اللورد (كرومر) -جبار مصر وحاكمها آنذاك- أن يستعطف علماء الأزهر، عسى أن يخففوا من معارضتهم للاستعمار، فجمع من حوله بعض المارقين من المتعاونين معه، ومضى بهم يريد زيارة العالم المؤمن الشيخ الإنباني، شيخ الجامع الأزهر يوم ذاك، وعندما دخل كرومر على الشيخ، وجده جالسا فانتظر اللورد كرومر قليلا، عسى أن يقف العالم المؤمن لاستقباله، لكنه لم يفعل فتقدم كرومر من الشيخ مادًّا يده للسلام عليه، وهو يحسب أن الشيخ سيضطر للوقوف له لرد السلام عليه، لكن الشيخ المؤمن بقى جالسا، ومد يده باستخفاف يرد على الجبار الإنجليزي تحيته، فثارت ثائرة كرومر وكاد يأمر بالفتك بالعالم المؤمن الذي تحدى سلطانه وجبروته، لكنه سرعان ما أدرك أن أي إساءة للشيخ -وهو رمز الأزهر كله- ستفتح عليه أبوابًا جديدة من المتاعب لا قبل له بها، فتصنع الهدوء وانحنى أمام العالم المؤمن يسأله بمودة مصطنعة: ألست تقف للخديوي إذا دخل عليك، أيها الشيخ الجليل؟

стр. 399

فأجابه الشيخ: بلى، إني أرد تحيته بمثلها أو بأحسن منها. فيقول كرومر بخبث: فلماذا لم تقم لي أيها الشيخ؟ فيأتيه جواب الشيخ شواظا من نار، يجسد كل ما يمثله الأزهر وشيخه وعلماؤه من رمز رافض للاستعمار البريطاني وأعوانه: أيها اللورد، إن الخديوي مسلم منا، لذلك أرد عليه تحيته، أما أنت فلست منا، إنك عدونا، فكيف أقوم لك؟ (١). شجاعة غلام: بينما الحجاج جالس وعنده وجوه أهل العراق، أتى بصبي، فلما أدخل عليه لم يعبأ بالحجاج ولم يكترث به وإنما صار ينظر إلى البناء وما فيه من العجائب، ويلتفت يمينا وشمالا، ثم اندفع يقول: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩)﴾ [الشعراء: ١٢٨ - ١٢٩]. وكان الحجاج متكئا فاستوى في مقعده، وقال: يا غلام، إني أرى لك عقلا وذهنا، حفظت القرآن؟ قال الغلام: أو خفتُ عليه من الضياع حتى أحفظه وقد حفظه الله تعالى؟ قال: أجمعت القرآن؟ قال الغلام: أو كان مفرقا حتى أجمعه؟ قال: أفأحكمت القرآن؟ قال: أليس الله أنزله محكما؟ قال الحجاج: أفأستظهرت القرآن؟ قال: معاذ الله أن أجعل القرآن وراء ظهري. فقال الحجاج وقد ثار غضبا: ويلك! قاتلك الله، ماذا أقول؟ قال الغلام: الويل لك ولقومك، قل: أوعيت القرآن في صدرك؟ فقال الحجاج: فاقرأ شيئا. فاستفتح الغلام: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم إذا جاء

стр. 400

نصر الله والفتح ورأيت الناس يخرجون من دين الله أفواجا. فقال الحجاج: ويحك! إنهم يدخلون، فرد عليه الغلام قائلا: كانوا يدخلون أما اليوم فقد صاروا يخرحون. فقال الحجاج: ولم؟ قال الغلام: لسوء فعلك بهم. قال الحجاج: ويلك يا غلام! وهل تعرف من تخاطب؟ قال الغلام: نعم، شيطان ثقيف: الحجاج. قال الحجاج: ويلك! من رباك؟ قال الغلام: الذي زرعني. قال الحجاج: فمن أمك؟ قال الغلام: التي ولدتني. قال الحجاج: فأين ولدت؟ قال الغلام: في بعض الفلوات. قال الحجاج: فأين نشأت؟ قال الغلام: في بعض البراري. قال الحجاج: أمجنون أنت فأعالجك؟ قال الغلام: لو كنت مجنونا لما وصلت إليك ووقفت بين يديك، كأنني ممن يرجو فضلك أو يخاف عقابك. قال الحجاج: فما تقول في أمير المؤمنين؟ قال الغلام: رحم الله أبا الحسن ﵁، وأسكنه جنان خلده. قال الحجاج: ليس هذا عنيت، إنما أعني عبد الملك بن مروان. قال الغلام: الفاسق الفاجر. قال الحجاج: ويحك! بم استحق اللعنة أمير المؤمنين؟

стр. 401

قال الغلام: أخطأ خطيئة ملأت ما بين السماء والأرض. قال الحجاج: وما هي؟ قال الغلام: استعماله إياك على رعيته، تستبيح أموالهم، وتستحل دماءهم. فالتفت الحجاج إلى جلسائه وقال: ما تشيرون في هذا الغلام؟ قالوا: اسفك دمه، فقد خلع الطاعة، وفارق الجماعة. فقال الغلام: يا حجاج! جلساء أخيك فرعون خير من جلسائك، حيث قالوا لفرعون عن موسى ﵇ وأخيه: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ [الأعراف: ١١١] وهؤلاء يأمرون بقتلي، إذن والله تقوم عليك الحجة بين يدي الله ملك الجبارين ومذل المستكبرين. فقال له الحجاج: هذب ألفاظك، وقصر لسانك، فإني أخاف عليك بادرة الأمر، وقد أمرت لك بأربعة آلاف درهم. فقال الغلام: لا حاجة لي بها، بيض الله وجهك، وأعلى كعبك. فالتفت الحجاج إلى جلسائه وقال: هل علمتم ما أراد بقوله: "بيض الله وجهك وأعلى كعبك؟ ". قالوا: الأمير أعلم. قال: أراد بقوله: "بيض الله وجهك" العمى والبرص، وبقوله: "أعلى كعبك" التعليق والصلب. ثم التفت إلى الغلام وقال له: ما تقول فيما قلت؟ قال الغلام: قاتلك الله، ما أفهمك! فاستشاط الحجاج غضبا، وأمر بضرب عنقه، وكان الرقاشي حاضرا، فقال: أصلح الله الأمير، هبه لي. قال الحجاج: هو لك، لا بارك الله لك فيه. فقال الغلام: والله لا أرى أيكما أحمق من صاحبه؟ الواهب أجلا قد حضر، أم المستوهب أجلا لم يحضر؟ فقال الرقاشي: استنقذتك من القتل وتكافئني بهذا الكلام؟

стр. 402

فقال الغلام: هنيئا لي الشهادة إن أدركتني السعادة، والله إن القتل في سبيل الله أحب إلي من أن أرجع إلى أهلي صفر اليدين. فأمر له الحجاج بجائزة وقال: يا غلام قد أمرنا لك بمائة ألف درهم، وعفونا عنك، لحداثة سنك وصفاء ذهنك، وحسن توكلك على الله، وإياك والجرأة على أرباب الأمر، فتقع مع من لا يعفو عنك. فقال الغلام: العفو بيد الله لا بيدك، والشكر له لا لك، ولا جمع الله بيني وبينك ... ثم همَّ بالخروج فابتدره الغلمان، فقال الحجاج: دعوه، فوالله ما رأيت أشجع منه قلبا، ولا أفصح منه لسانا، ولعمري ما وجدت مثله قط، وعسى هو أن يجد مثلي، فإن عاش هذا الغلام ليكونن أعجوبة عصره. ***

стр. 403

الاعتدال دعا رسول الله ﷺ أمته إلى الاعتدال في أمور الدين والدنيا، كما حث على عدم الغلو، فقال ﷺ : "إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة" [رواه البخاري]. الدلجة: السير أول الليل. فسددوا: أي توسطوا في العمل، وقاربوا: أي دون إفراط ولا تفريط، فالإفراط هو مجاوزة الحد والغلو فيه، والتفريط هو التقصير في الشيء وتضييعه. ومن دعاء الرسول ﷺ : "اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر" [رواه مسلم]. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا عبد الله ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟ ". قلت: بلى يا رسول الله، قال ﷺ :"فلا تفعل وصم وأفطر وقم ونم فإن لجسدك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا" [رواه البخاري]. الاعتدال في العبادة فالإسلام لا يدعو إلى الرهبنة والانقطاع للعبادة، وإنما يدعو إلى الوسطية بين طلب الدنيا وطلب الآخرة، فهو القائل: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧]. وهو القائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة: ٩ - ١٠]. وقد حذر النبي ﷺ من الغلو في الدين وهو المغالاة والتعسير على النفس والتشديد

стр. 404

عليها، مما يؤدي إلى الملل، وترك الواجبات، وترك ما أحل الله تعالى لعباده، وإلزام الإنسان نفسه بما لا يلزمه به الشرع، وقال الرسول ﷺ : "هلك المتنطعون" قالها ثلاثا، والمتنطعون: أي المتشددون في غير موضع التشدد [رواه مسلم]. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟! قال أحدهم. أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله ﷺ فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكنى أصوم وأفطر، وأصلى وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" [رواه البخاري]. ومن أمثلة الاعتدال في العبادة: عدم الإطالة بالناس في صلاة الجماعة، لما في ذلك من مشقة على المصلين، لأن فيهم الضعيف، والشيخ، وذا الحاجة، أما إذا صلى منفردا فليطل كما شاء. وعن ابن مسعود ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إني والله لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا فيها. قال: فما رأيت النبي قط أشد غضبا في موعظة منه يومئذ، ثم قال: "أيها الناس إن منكم منفرين، فأيكم ما صلى بالناس فليتجوز، فإن فيهم الكبر والضعيف وذا الحاجة" [رواه البخاري]. ويقول جابر بن سمرة ﵁: كنت أصلي مع النبي ﷺ الصلوات، فكانت صلاته قصدا، وخطبته قصدا (والقصد ما بين الطول والقصر) [رواه مسلم]. كما أمر النبي ﷺ بالاعتدال في قيام الليل، وكانت من سنته أن يصلي أقل من ثلثي الليل، أو نصفه أو ثلثه، فعن عائشة قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ وعندي امرأة فقال: "من هذه؟ " فقلت: امرأة لا تنام (تصلي) قال: "عليكم من العمل ما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا" [رواه مسلم]. كما نهى ﷺ عن الوصال في الصوم، رحمة بأمته، ولأن المؤمن القوي خير وأحب إلى

стр. 405

الله من المؤمن الضعيف، ولأن الإسلام في حاجة إلى رجال أقوياء أشداء يستطيعون رد أعدائه ونشر الإسلام في بقاع الأرض، فعندما سمع النبي ﷺ أن بعض أصحابه يصلون الصيام باليومين والثلاثة قال ﷺ : "إياكم والوصال، إياكم والوصال! " قيل: إنك تواصل قال: "إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني" [رواه البخاري]. كما يجب التوسط في كل مجالات الإنفاق الدنيوية، فلا يكون بخيلا يبغصه من حوله، ولا يكون مسرفا يضيع من حوله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]. وقواما أي: وسطا. ***

стр. 406

النصيحة النصيحة لغة: من "نصح الشيء نصحا ونصوحا ونصاحة". ويقال: نصحت توبته: خلصت من شوائب العزم على الرجوع، ونصح قلبه: خلا من الغش، ونصح لفلان الود أو المشورة: أخلص، ونصح فلانا ونصح له: أرشده إلى ما فيه صلاحه فهو ناصح، والناصح: الخالص من كل شيء. ويقال: امرؤ ناصح الجيب: لا غش عنده، والنصح: إخلاص المشورة، والنصيحة: قول فيه دعوة إلى صلاح ونهي عن فساد. معنى النصيحة يقول المازري: النصيحة مشتقة من نصحت العسل إذا أصفيته، يقال: نصح الشيء إذا خلص، ونصح له القول إذا أخلصه له، أو مشتقة من النصح وهي الخياطة بالمنصحة وهي الإبرة، والمعنى أنه يلم شعث أخيه بالنصح كما تلم بالمنصحة، ومنه التوبة النصوح: كأن الذنب يمزق الدين والتوبة تخيطه. ويقول الإمام أبو عمر بن الصلاح: النصيحة كلمة جامعة تتضمن قيام الناصح للمنصوح له بوجوه الخير إرادة وفعلا. النصيحة ليست كلمة عابرة يلقى بها إلى الآخر، ظاناً بذلك أنه قد فعل ما يأمره به دينه، بل النصيحة أدب إسلامي له أهميته الكبرى. أهمية النصيحة ١ - وظيفة الرسل والأنبياء: قال تعالى على لسان نوح: ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٦٢] وعلى لسان هود: ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ [الأعراف: ٨٦] وعلى لسان صالح: ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٧٩] وعلى لسان شعيب: ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (٩٣)﴾ [الأعراف: ٩٣].

стр. 407

٢ - نوع من الجهاد: قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١]. أي لا حرج ولا سبيل على هؤلاء الضعفاء والمرضى والذين لا يجدون ما ينفقون في سبيل الله من أجل الجهاد مع النبي ولا يجد النبي ﷺ ما يحملهم عليه من دابة- لا حرج عليهم في حالة واحدة هي أن ينصحوا لله وللرسول ﷺ . قال رسول الله ﷺ "الدين النصيحط قلنا: لمن؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" [رواه مسلم]. ٣ - من أحب الأعمال إلى الله: سئل. ابن المبارك: أي الأعمال أفضل؟ قال: النصح لله (١). ويقول الحسن البصري: قال بعض أصحاب النبي ﷺ والذي نفسي بيده، إن شئتم لأقسمن لكم بالله إن أحب عباد الله الذين يحببون الله إلى عباده ويحببون عباد الله إلى الله ويسعون في الأرض بالنصيحة (٢). طلب النصيحة كان الوزير نظام الملك يكثر من إدخال أحد الفقهاء عليه، فسئل في ذلك، فقال: هذا الفقيه يدخل عليَّ فلا يطريني، ولا يغرني، بل يذكرني بذنوبي وتقصيري فيخرج من عندي، وقد غسلت نفسي من الكبر، ثم هو لا يقبل مني عطاء ولو اجتهدت في إقناعه، أما غيره فأشعر حين يخرجون من عندي أن نفسي تغر ويعتريها غفلات (٣). أين من ينصحك ؟ طلب عمر بن عبد العزيز من مولاه مزاحم قال له: إن الولاة جعلوا العيون على العوام، وأنا أجعلك عيني على نفسي، فإن سمعت مني كلمة تربأ بي عنها، أو فعلا لا تحبه، فعظني عنده، وانهني عنه، وطلب ﵀ الطلب نفسه من عمرو بن مهاجر وقال له: يا عمرو

стр. 408

إذا رأيتني قد ملت عن الحق فضع يديك في تلابيبي، ثم هزني، ثم قل لي: ماذا تصنع؟ بل الأعجب من ذلك أنه لما استخلف ﵀ قال لمن حوله: انظروا رجلين من أفضل ما تجدون، فجيء برجلين فكان إذا جلس مجلس الإمارة أمر فألقي إليهما وسادة قبالته، فقال لهما: إنه مجلس شر وفتنة، فلا يكن لكما عمل إلا النظر إلي، فإذا رأيتما مني شيئا لا يوافق الحق، فخوفاني وذكراني بالله (١). وجوب النصيحة قال الرسول ﷺ : "إذا استنصحك فانصح له" [رواه أحمد]. وقال أيضا ﷺ : "إن أحدكم مرآة أخيه فإن رأى به أذى فليمطه عنه" [رواه الترمذي]. ويقول مصطفى مشهور: "نحن بشر، وكلنا فيه نقص وعيوب، وواجب المسلمين أن يبصر بعضهم بعضا بما فيهم من نقص أو عيوب، فالمؤمن مرآة أخيه، ومن صفات المؤمنين أنهم يتواصون بالحق، ويتواصون بالصبر، فالواجب ألا تحول مواقع المسئولية مهما تدرجت دون تبادل هذه النصائح (٢). ويقول عبد الله ناصح علوان: ولا يمكن أن تكون -يعني الأخوة- كذلك حتى يكون الأخ مرآة أخيه المؤمن، فإن رأى أحدهما من الآخر خيرا شجعه عليه وطلب منه المزيد، وإن رأى منه نقصا أو خللا نصحه سرا وطلب منه أن يتوب إلى الله ويرجع إلى الهدى ودين الحق، وفي ذلك تعاون كبير على التحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل، وسعي حثيث لتكون الشخصية المتآخية على أسس الإسلام وميزان الشريعة وإلى هذه النصيحة الخالصة لله بايع النبي أصحابه عليها ليكونوا في المجتمع دعاة حق، وهداة خير، ورجال دعوة حيثما حلوا، وأينما ارتحلوا (٣). الفرق بين الغيبة والنصيحة يقول ابن القيم: والفرق بين النصيحة والغيبة أن النصيحة يكون القصد فيها تحذير المسلم من مبتدع أو فتان أو غاش أو مفسد، فتذكر ما فيه إذا استشارك في صحبته ومعاملته والتعلق. به أحد، كما قال النبي لفاطمة بنت قيس وقد استشارته في نكاح معاوية

стр. 409

وأبي جهم، فقال: "أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضح عصاه عن عاتقه". فإذا وقعت الغيبة على وجه النصيحة لله ورسوله وعباده المسلمين، فهي قربة إلى الله من جملة الحسنات، وإذا وقعت على وجه ذم أخيك وتمزيق عرضه والتفكه بلحمه، والغض منه لتضع من منزلته في قلوب الناس فهي الداء العضال ونار الحسنات التي تأكلها كما تأكل النار الحطب (١). نصيحة في السجن يقول الشيخ عبد البديع صقر: لقيني الأستاذ الهضيبي في السجن الحربي ذات مرة أمام دورة المياه، فقال لي: في كم تختم القرآن؟ قلت: كل ١٥ يوما، قال: وما يمنعك أن تختم كل ثلاثة أيام؟ اقرأ جزءين بعد كل صلاة وأنت على وضوء، هذه فرصة لن تتكرر (٢). نصيحة مؤثرة يقول أحد الشباب: خرجت ذات يوم بسيارتي لقضاء بعض الأعمال، وفي أحد الطرق الفرعية الهادئة قابلني شاب يركب سيارة صغيرة، لم يرني، لأنه كان مشغولا بملاحقة بعض الفتيات في ذلك الطريق الخالي من المارة. كنت مسرعا فتجاوزته، فلما سرت غير بعيد قلت في نفسي: أأعود فأنصح ذلك الشاب؟ أم أمضي في طريقي وأدعه يفعل ما يشاء؟ وبعد صراع داخلي دام عدة ثوان فقط اخترت الأمر الأول. عدت ثانية، فإذا به قد أوقف سيارته وهو ينظر إليهن ينتظر منهن نظرة أو التفاتة، فدخلن في أحد البيوت. أوقفت سيارتي بجوار سيارته، نزلت من سيارتي واتجهت إليه، سلمت عليه أولا، ثم نصحته فكان مما قلته له: تخيل أن هؤلاء الفتيات أخواتك أو بناتك أو قريباتك فهل ترضى لأحد من الناس أو يؤذيهن؟ كنت أتحدث إليه وأنا أشعر بشيء من الخوف، فقد كان شابا ضخما ممتليء الجسم، كان يستمع إلي وهو مطرق الرأس، لا ينبس ببنت شفة. وفجاة التفت إلي، فإذا دمعة قد سالت على خده، فاستبشرت خيرا، وكان ذلك دافعا لي لمواصلة النصيحة، لقد زال الخوف مني تماما، وشددت عليه في الحديث حتى رأيت أني قد أبلغت في النصيحة. ثم ودعته، لكنه استوقفني، وطلب مني أن أكتب له رقم

стр. 410

هاتفي وعنواني، وأخبرني أنه يعيش فراغا نفسيا قاتلا، فكتبت له ما أراد. وبعد أيام جاءني في البيت، لقد تغير وجهه وتبدلت ملامحه، فقد أطلق لحيته وشع نور الإيمان في وجهه. جلست معه، فجعل يحدثني عن تلك الأيام التي قضاها في التسكع في الشوارع والطرقات وإيذاء المسلمين والمسلمات، فأخذت أسليه، وأخبرته بأن الله سبحانه واسع المغفرة، وتلوت عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]. فانفرجت أسارير وجهه، واستبشر خيرا، ثم ودعني وطلب مني أن أرد الزيارة، فهو في حاجة إلى من يعينه على السير في الطريق المستقيم، فوعدته بالزيارة. مضت الأيام، وشغلت ببعض مشاغل الحياة الكثيرة، وجعلت أسوِّف في زيارته. وبعد عدة أيام، وجدت فرصة وذهبت إليه، طرقت الباب فإذا بشيخ كبير يفتح الباب، وقد ظهرت عليه آثار الحزن والأسى، إنه والده. سألته عن صاحبي، أطرق برأسه إلى الأرض، وصمت برهة ثم قال بصوت خافت: يرحمه الله ويغفر له، ثم استطرد قائلا: حقا إن الأعمال بالخواتيم. ثم أخذ يحدثني عن حاله وكيف أنه كان مفرطا في جنب الله بعيدا عن طاعة الله، فمنَّ الله عليه بالهداية قبل موته بأيام، لقد تداركه الله برحمته قبل فوات الأوان. فلما فرغ من حديثه عزيته ومضيت، وقد عاهدت الله أن أبذل النصيحة لكل مسلم (١). آداب الناصح ١ - عدم كتمان النصيحة: قال الرسول ﷺ : "حق المسلم على المسلم ست"، قيل: ما هي يا رسول الله؟ قال: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه" [رواه مسلم]. ٢ - أن يكون قدوة: كتب رجل إلى صديق له: أما بعد فعظ الناس بفعلك، ولا تعظهم بقولك، واستح من الله بقدر قربه منك، وخفه بقدر قدرته عليك، والسلام.

стр. 411

٣ - أن تكون النصيحة سرا: قال الشافعي: تغمدني بنصحك في انفرادي ... وجنبني النصيحة في الجماعة فإن النصح بين الناس نوع ... من التوبيخ لا أرضى استماعه وكان الرسول ﷺ إذا أراد أن ينصح أحد الحاضرين يقول: "ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا، ما بال أحدكم يفعل كذا"، وقيل: النصح ثقيل فلا تجعله جبلا، ولا ترسله جدلا. فالنفس البشرية لا تقبل أن يطلع الناس على عيبها، فلو نصحت أخاك سرا كان ذلك أرجى لقبوله النصيحة، أما إذا نصحته علنا أمام الناس، فقد يظن أنك تشهر به، وتظهر الفضل والعلم عليه، وقد يمنعه ذلك من تقبل النصيحة، بل قد يرفضها في الحال إنكارا لفعلك مع اقتناعه بالنصيحة. يقول البنا: "إن النصيحة إذا ساءت انقلبت إلى فضيحة، ومن واجبنا أن نجعل النصيحة خالصة لوجه الله ومهذبة، وكان رسول الله إذا أتى أحد في مجلسه شيئا منافيا يقول: ما بال أقوام يفعلون كذا ويفعلون كذا". آداب المنصوح ١ - تقبل النصيحة بصدر رحب: دون ضجر أو تكبر، وقد قيل: تقبل النصيحة على أي وجه، وقدمها على أحسن وجه. ٢ - عدم الإصرار على الباطل: قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: ٢٠٦]. ٣ - شكر الناصح: يجب على المنصوح أن يقدم الشكر لمن نصحه، فمن لا يشكر الناس لا يشكر الله. يقول عمر بن الخطاب ﵁: أحب الناس إلي من أهدى إليَّ عيبا. ***

стр. 412

بر الوالدين ذكر الوالدان في القرآن في ١٤ موضعا، وذكر البر في ٨ مواضع والأبرار في ٦ مواضع منها: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣]. ووصف الله نفسه بالبر في قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨]. قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦] جعل الإحسان للوالدين تاليا لعبادة الله لوجوه منها: أنهما سبب وجود الولد، فلا إنعام بعد إنعام الله تعالى أعظم من إنعام الوالدين، وإن إنعامهما يشبه إنعام الله تعالى من حيث إنهما لا يطلبان بذلك ثوابا، وإنه تعالى لا يمل من إنعامه على العبد وكذلك الوالدن. قال ابن عباس ﵁: ثلاث آيات مقرونة بثلاث، لا تقبل منها واحدة بغير قرينتها؛ قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] فمن أطاع الله ولم يطع الرسول لم يقبل منه، والثانية قوله تعَالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [المزمل: ٢٠] فمن صلى ولم يزك لم يقبل منه، والثالثة قوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] فمن شكر الله ولم يشكر والديه لم يقبل منه. قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣]. وهذه الآية جامعة ومشتملة على جميع الحالات التي يكون عليها الآباء والأبناء. ووصف الله تعالى يحيى بن زكريا قبل ولادته بقوله: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ [مريم: ١٤] وذكر عيسى ﵇ الصفات الكبرى التي أنعم الله عليه فذكر منها بره بوالدته: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: ٣٢]. الأدب مع الوالدين بر الوالدين واجب ولو كان الأبوان كافرين أو فاسقين، غير أنه لا يطيعهما في معصية الله: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي

стр. 413

الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥]. نصح إبراهيم أباه بأسلوب عذب رقيق تبدأ كل جملة فيها بكلمة يا أبت: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)﴾ [مريم: ٤١ - ٤٧]. طاعة لأمي عن محمد بن سيرين قال: بلغت النخلة في عهد عثمان بن عفان ﵁ ألف درهم. قال: فعمد أسامة بن زيد إلى نخلة فعقرها (قطعها) فأخرج جمارها (قلب النخلة) فأطعمه أمه، فقالوا له: ما يحملك على هذا وأنت ترى النخلة قد بلغت ألف درهم؟ قال: إن أمي سألتنيه، ولا تسألني شيئا أقدر عليه إلا أعطيتها. أحمد بن حنبل لما بلغ الخامسة عشرة من عمره، جاء إلى بغداد عالم كبير، وأقام في الضفة المقابلة لدار أحمد بن حنبل، وفاض نهر دجلة، وارتفع ألموج حتى أدرك قصر الرشيد، فتركه إلى قصر بعيد، ولكن طلاب العلم هرعوا إلى الضفة الأخرى في الزورق، وأبى أحمد بن حنبل حين دعاه زملاؤه إلى العبور قائلا: أمي لا تدعني أركب الماء في هذا الفيضان، وترك العبور وعاد إلى أمه لتطمئن عليه. وكم كان أحمد بارا لأمه! لقد أبى الزواج ليتفرغ لخدمة أمه، فما تزوج إلا بعد أن ماتت وكان قد بلغ أكثر من ثلاثين عاما، لكيلا يدخل على الدار سيدة، أبى أن تنازع أمه السيادة على الدار. لقد أدرك منذ نشأ أن أمه في سبيل توفير حياة كريمة له رفضت الخطاب من أجله، فحرص أن يعوضها، وبذل كل جهده في الدروس حتى حصل علوما ومعارف كثيرة في سن صغيرة معتمدا على نفسه. رأى أمه تبيع حليها، لتعينه على طلب العلم فأقسم بينه وبين نفسه أن يعمل على

стр. 414

مساعدتها، وكان حريصا على أن يوجد له عملا يساعد به على الإنفاق، وقد وفق كثيرا في ذلك. هل فكرت يوما في رد الجميل لأمك؟ موعظة أيها المضيع لبر الوالدين، بر الوالدين عليك دين، وأنت تتعاطاه باتباع الشياطين، تطلب الجنة بزعمك، وهي تحت أقدام أمك، حملتك في بطنها تسعة أشهر كانها تسع حجج، وأرضعتك من لبنها،، وآثرتك بالغذاء على نفسها، فإن أصابك مرض أو شكاية أظهرت من الأسف فوق النهاية، وأطالت الحزن والنحيب، وبذلت مالها للطبيب، لو خيرت بين حياتك وموتها، لطلبت حياتك بأعلى صوتها، ومع هذا كم عاملتها بسوء الخلق مرارا، فدعت لك بالتوفيق سرا وجهارا، فلما احتاجت عند الكبر إليك، جعلتها من أهون الأشياء عليك، فشبعت وهي جائعة، وقدمت عليها أهلك وأولادك، قد هجرتها وما لها سواك، هذا مولاك قد نهاك على التافف، وعاتبك في حقها بعتاب لطيف، ستعاقب في الدنيا بعقاب البنين، وفي الآخرة بالبعد من رب العالمين (١). البَر من أسماء الله الحسنى البر ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] ومعناه البار المحسن غزير الإحسان لعباده فهو سبحانه واسع يمنّ بعطائه على عباده دنيا ودينا. إلهي، أنت البر الرحيم، وصل برك إلى العاصي والمستقيم، وتوالي عطاؤك للأقوياء والضعفاء، وتجليت لعيون الروح فشاهدت أنوارك في الأرض وفي السماء، اجعل لنا حظا وافرا من نور اسمك البر، ويسر لنا بفضلك كل أمر، وأعنا على تقديم البر للوالدين والأقارب، وإفاضة الإحسان إلى الجيران والأجانب، وامنحنا قوة إلهية نقوم بها ببر سيدنا محمد خير من هلل وكبر (٢). مفاهيم تتصل ببر الوالدين حق الأم في البر أكثر عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال:"أمك"، قال: ثم من؟ قال:"أمك"، قال: ثم من؟ قال: "

стр. 415

أمك"، قال: ثم من؟ قال: "ثم أبوك" [رواه البخاري]. قال القرطبي: فهذا الحديث يدل على أن محبة الأم والشفقة عليها ينبغي أن تكون ثلاثة أمثال محبة الأب وذلك لصعوبة الحمل، وصعوبة الوضع، وصعوبة الرضاعة. وجاء عن مالك أن رجلا قال له: إن أبي في السودان، وقد كتب لي أن أقدم عليه، وأمي تمنعني من ذلك، فقال له: أطع أباك ولا تعص أمك. وقال المحاسبي في كتاب الرعاية: لا خلاف بين العلماء أن للأم ثلاثة أرباع البر وللأب الربع. من صور البر أبصر أبو هريرة ﵁ رجلين فقال لأحدهما: ما هذا منك؟ فقال: أبي، فقال أبو هريرة: لا تسمه باسمه، ولا تمش أمامه، ولا تجلس قبله. وسئل الفضيل بن عياض عن بر الوالدين فقال: لا تقوم إلى خدمتهما وأنت كسلان، ولا ترفع صوتك عليهما، ولا تنظر إليهما شزرا، ولا يريا منك مخالفة في ظاهر أو باطن، وأن تترحم عليهما ما عاشا وتدعو لهما إذا ماتا. ومن البر: إكرامهما، وعدم رفع الصوت عليهما وعدم مقاطعتهما أثناء الكلام، وعدم الخروج من الجدار إلا بإذنهما، وتقبيل أيديهما، ومخاطبتهما بلطف، والنهوض لهما إذا دخلا عليه، وعدم إزعاجهما إذا كانا نائمين، وعدم تفضيل الزوجة والولد عليهما، وعدم مد اليد إلى الطعام قبلهما، وعدم النوم وهما جالسان إلا إذا أذنا بذلك، وعدم مد الرجلين أمامهما، وعدم المشي أمامهما، وإكرام أصحابهما في حياتهما وبعد موتهما، وعدم مصاحبة إنسان غير بار بوالديه، والدعاء لهما. عن أبي غسان قال: خرجت أمشي مع أبي بظهر الحرة فلقيني أبو هريرة فقال: من هذا؟ قلت: أبي. قال: لا تمش بين يدي أبيك ولكن امش خلفه، أو إلى جانبه، ولا تدع أحدا يحول بينك وبينه، ولا تمش فوق سطح أبيك، ولا تأكل عرقا قد نظر أبوك إليه لعله قد اشتهاه.

стр. 416

رجل يخاف من عقوق الوالدين قال رجل لعلي بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄: لقد علمناك من أبر الناس بأمك فلماذا لا تأكل معها في صفحة واحدة؟ فقال له: لأني أخاف أن تسبق يدي يدها إلى ما تسبق عيناها إليه فأكون قد عققتها. ورأي عمر بن عبد العزيز أحد أبنائه في يوم عيد، وعليه ثوب خلق -أي قديم بال- فدمعت عيناه، فرآه ولده فقال له: ما يبكيك يا أمير المؤمين؟ قال: يا بني أخشى أن ينكسر قلبك إذا رآك الصبيان بهذا الثوب الخلق. فقال له ابنه: يا أمير المؤمنين إنما ينكسر قلب من أعدمه الله رضاه، أو عق أمه وأباه، وإني لأرجو أن يكون الله تعالى راضيا عني برضاك (١). موقف إسماعيل مع أبيه سيدنا إسماعيل لم يقل لأبيه: وما ذنبي؟ وهل تطاوعك نفسك أن تذبحني بيدك؟ أو ما جوابك لأمي؟ إنه غلام حليم كما وصفه الله : ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]. البر مفتاح الفرج عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله تعالى بصالح أعمالكم، قال رجل منهم: اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق (أقدم في الشراب) قبلهما أهلا ولا مالا فنأي بي طلب الشجر يوما فلم أرح عليهما حتى ناما فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلا ولا مالاً فلبثت والقدح في يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر والصبية يتضاغون عند قدمي فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج منه، قال الآخر: اللهم إنه كانت لي ابنة عم كانت أحب الناس إلى فأردتها على نفسي فامتنعت مني حتى ألم بها سنة

стр. 417

من السنين فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت فلما قعدت بين رجليها، قالت. اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فانصرفت عنها وهى أحب الناس إلي وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها، فقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله أد إلى أجري، فقلت: كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال: يا عبد الله لا تستهزيء بي فقلت: لا أستهزيء بك، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئا، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون" [متفق عليه]. صور من العقوق من العقوق أن يعتبر الولد نفسه مساويا لأبيه، وأن يتعاظم عن تقبيل يدي والديه، ومن العقوق أن يستحي أن يُعرف بأبيه لاسيما إذا كان الولد في مركز مرموق، ومن العقوق ألا يقوم بحق النفقة على أبويه الفقيرين، ومن العقوق أن يرفع الولد صوته على أبيه. جريج العابد لا يخفى على أحد أن دعاء الوالدين مستجاب ولو كانا كافرين، وكانت أم جريج تنادي على ابنها جريج فلم يجبها فدعت عليه قائلة: اللهم أر جريجا الفاسقات، وكانت بنو إسرائيل إذا ذكر جريج بينهم يثنون عليه، لكثرة عبادته، فسمعت امرأة فاسقة ما يقولون فقالت: إن شئتم لأفتننه، قالوا: قد شئنا، فجاءت إليه لتفتنه فلم يلتفت إليها، فخرجت من عنده غاضبة، وذهبت إلى راع ففعلت معه الفاحشة، فحملت وولدت غلاما، فقال الناس لها: ممن هذا الغلام؟ قالت: من جريج، فأتوه فاستنزلوه فشتموه وضربوه، وهدموا صومعته فقال: ما شأنكم؟ قالوا: إنك فعلت الفاحشة بهذه المرأة فولدت غلاما، قال: وأين هو؟ قالوا: ما هو ذا، فقام وصلى، ثم انصرف إلى الغلام فضربه على بطنه، فقال له: يا غلام من أبوك؟ قال: أنا ابن الراعي، فوثبوا إلى جريج فجعلوا يقبلونه، وقالوا أنبني صومعتك من ذهب، قال: لا حاجة لي في ذلك، ابنوها من طين كما كانت.

стр. 418

افعل ما شئت كما تدين تدان يروى أن ولدا عاقا أتى إليه أبوه يطلب منه معروفا فتطاول عليه هذا الولد بالسب والضرب حتى أمسك بقدميه وهو ملقى على ظهره وظل يزحف به الأرض حتى وصل به إلى عتبة باب الدار ليرمي به خارج الدار فوجد أحد الجيران فلم يكمل وعاد إلى الداخل، وبعد هذه الإهانة خرج الأب وهو يبكي، وتمر الأيام ويكبر الابن ويكبر أبناؤه ويأتي ابن له يعاتبه في أمر من الأمور، وإذا بهذا الابن يتطاول عليه بالسب والضرب ثم يمسك بقدميه وهو مستلق على ظهره ليسحبه خارج البيت حتى وصل إلى عتبة الباب وهنا قال الأب لابنه: كفى هذا يا بني لقد وصلت بأبي إلى هذا الحد ولو زدت أنت عن هذا فمعناه أن غضب الله عليّ شديد. قصة شاب يقول الشاب: ذهبت إلى الخارج، وتعلمت وحصلت على شهادات عالية ثم رجعت إلى بلدي وتزوجت من فتاة غنية كانت سببا في تعاستي لولا عناية الله. ويقول: مات والدي وأنا صغير فأشرفت أمي على رعايتي، عملت خادمة في البيوت حتى تستطيع أن تصرف علي، فقد كنت وحيدها، أدخلتني المدرسة وتعلمت حتى أنهيت الدراسة الجامعية .. كنت بارا بها وجاءت بعثتي إلى الخارج فودعتني أمي والدموع تملأ عينيها وهي تقول لي: انتبه يا ولدي على نفسك ولا تقطع عني من أخبارك، أرسل إلي رسائل حتى أطمئن على صحتك. أكملت تعليمي بعد مضي وقت طويل ورجعت شخصا آخر قد أثرت فيه الحضارة الغربية، رأيت في الدين تخلفا ورجعية، وأصبحت لا أؤمن إلا بالحياة المادية. وتحصلت على وظيفة عالية وبدأت أبحث عن الزوجة حتى حصلت عليها، وكانت والدتي قد اختارت لي فتاة متدينة محافظة، ولكني أبيت، وتزوجت تلك الفتاة الغنية الجميلة لأني كنت أحلم بالحياة معها، وخلال ستة أشهر من زواجي كانت زوجتي تكيد لأمي حتى كرهت والدتي، وفي يوم من الأيام دخلت البيت وإذا بزوجتي تبكي، فسألتها عن السبب فقالت: شوف .. يا أنا يا أمك في هذا البيت لا أستطيع أن أصبر عليها أكثر من ذلك.

стр. 419

جن جنوني وطردت أمي من البيت في لحظة غضب، فخرجت وهي تبكي، وتقول: أسعدك الله يا ولدي!! وبعد ذلك بساعات خرجت أبحث عنها ولكن بلا فائدة، رجعت إلى البيت واستطاعت زوجتي بمكرها وجهلي أن تنسيتي تلك الأم الفاضلة الغالية. انقطعت أخبار أمي عني فترة من الزمن أصبت خلالها بمرض خبيث دخلت على أثره المستشفى، وعلمت أمي بالخبر فجاءت تزورني، وكانت زوجتي عندي، وقبل أن تدخل عليّ طردتها زوجتي وقالت لها: ابنك ليس هنا، ماذا تريدين منا، اذهبي عنا. رجعت أمي من حيث أتت. وخرجت من المستشفى بعد وقت طويل انتكست فيه حالتي النفسية وفقدت الوظيفة والبيت وتراكمت علي الديون وكل ذلك بسبب زوجتي .. فقد كانت ترهقني بطلباتها الكثيرة، وفي آخر المطاف ردت زوجتي الجميلة وقالت: ما دمت قد فقدت وظيفتك ومالك ولم يعد لك مكان في المجتمع فإني أعلنها لك صريحة: أنا لا أريدك، طلقني. كان هذا الخبر بمثابة صاعقة وقعت على رأسي، وطلقتها بالفعل، فاستيقظت من السبات الذي كنت فيه. خرجت أهيم على وجهي أبحث عن أمي، وفي النهاية وجدتها ولكن أين وجدتها؟ كانت تقبع في أحد الأربطة تأكل من صدقات المحسنين، دخلت عليها وجدتها قد أثر عليها البكاء فبدت شاحبة وما إن رأيتها حتى ألقيت بنفسي عند رجليها وبكيت بكاء مرا، فما كان منها إلا أن شاركتني البكاء. بقينا على هذه الحالة حوالي ساعة كاملة بعدها أخذتها إلى البيت وآليت على نفسي أن أكون طائعا لها، وقبل ذلك أكون متبعا لأوامر الله ومجتنبًا لنواهيه. وها أنا الآن أعيش أحلى أيامي وأجملها مع حبيبة العمر: أمي حفظها الله، وأسأل الله أن يديم علينا الستر والعافية (١). الجزاء غذوتك مولودا وعلتك يافعا ... تعل بما أسدى إليك وتنهل

стр. 420

إذا ليلة نابتك بالشجو لم أبت ... لبلواك إلا ساهرا أتململ فلما بلغت السن والغاية التي ... إليهما مدى ما كنت فيك أؤمل جعلت جزائي غلظة وفظاظة ... كأنك أنت المنعم المتفضل شر ما يصيب المجتمع هو التفكك وضعف الروابط بين أبنائه، وذلك بغلبة الأنانية على أنفسهم، فيذكر المرء نفسه، وينسي أخاه، ويقول كل واحد: نفسي نفسي، ولا يبالي أن يجعل من الناس قرابين تقدم لإله أطماعه وشهواته. شر ما يصيب المجتمع أن يقول كل فرد فيه: لي، ولا يقول: علي، أن تتضخم الأنا في نفسه على حساب غيره. فينظر إلى نفسه نظرة استعلاء واستكبار، وإلى الناس نظرة الازدراء والاحتقار (١). تذكر أمك الحنون عندما كنت في سن سنة هي أطعمتك وحمتك، أنت كافأتها بالبكاء طوال الليل. عندما كنت في سن سنتين، هي دفعتك إلى المشي، أنت كافأتها بالهرب منها عندما تناديك. عندما كنت في سن ٣ سنوات قامت بإعداد وجباتك الغذائية بكل رضا أنت كافأتها بإلقاء الطعام من فمك على الأرض. عندما كنت في سن ٤ سنوات قامت بإهدائك مجموعة من الطباشير، أنت كافأتها بتلوين طاولة غرفة الطعام. عندما كنت في سن ٦ سنوات، قامت بتوجيهك إلى المدرسة أنت كافأتها بالصراخ: لن أذهب. عندما كنت في سن ٨ سنوات قامت بإعطائك آيس كريم، أنت كافأتها بإلقائه على ملابسك. عندما كنت في سن ١٠ سنوات اشترت لك كرة، وأنت كافأتها برميها على منزل الجار المقابل وكسرت نافذته.

стр. 421

عندما كنت في سن ٢٤ سنة قامت بإعطائك أثاث شقتك الأولى أنت كافأتها بإخبار أصدقائك بأنه أثاث بشع. عندما كنت في سن ٢٦ سنة قامت بمساعدتك في مصاريف زواجك، وبكت الدموع، وأخبرتك عن مدى حبها لك، أنت كافأتها بالرحيل والسكن إلى أبعد منطقة في البلاد. عندما كنت في سن ٣٠ سنة قامت بمناداة طفلك وتوجيهه ببعض النصائح، أنت كافأتها بقولك: الأمور تغيرت الآن. عندما كنت في سن ٤٠ سنة قامت بالاتصال بك لتذكرك بمرض أحد أقاربك، أنت كافأتها بقولك: بجد .. الآن مشغول جدا. عندما كنت في سن ٥٠ سنة أصابها مرض، واحتاجت وجودك للاعتناء بها، أنت كافأتها بالشكوى المستمرة من أعبائك وأعباء أسرتك. وبعد ذلك وفي يوم من الأيام، ماتت بهدوء، والشيء الوحيد الذي لم تقم به من قبل، قد أتى وقته يدوي مثل الرعد، بدأت تذرف الدموع لأن الحياة بدونها بلا معنى، بدأ ضميرك يشعرك بالندم لأنك لم تعطها حقها (١). قال الحسن البصري: ما يعدل بر الوالدين شيء من التطوع لا حج ولا جهاد (٢). وبكى إياس بن معاوية ﵀ حين ماتت أمه فقيل له في ذلك فقال: كان لي بابان مفتوحان إلى الجنة فأُغلق أحدهما. احرص أخي الحبيب ألا تنام ليلة من الليالي وأحد والديك غضبان عليك وبالأخص أمك. وكان من بر طلق بن حبيب أحد التابعين: أنه يقبل رأس أمه وكان لا يمشي فوق ظهر بيت وهي تحته إجلالا لها (٣). إياك أن تعق والديك، فإن عققتهما فبادر بالتوبة والاستغفار كما بادر ابن عونة ﵀ حين عن والدته فكفر عن ذلك العقوق بعتق رقبتين حيث قال: نادتني أمي

стр. 422

يوما فأجبتها، فعلا صوتي على صوتها فأعتقت رقبتين. أفعال تتنافى مع بر الوالدين ١ - كقول الابن لوالديه: أف أو (أوه) بمدها أو إهانتهما بالشتم أو رفع الصوت عليهما أو التلفظ بالألفاظ السيئة أو التذمر منهما أو رفض أوامرهما. ٢ - كأن يحرك الابن يده قاصدا إهانتهما أو بمعنى اسكتوا فيضع إصبعه على فمه مثلا، أو يضربهما بيده أو قدمه أو يجلس أمام والديه ويمد قدمه جهة وجههما .. وهكذا. ٣ - كأن ينظر الابن إلى والديه نظرة احتقار أو إهانة أو ينظر إليهما بطرف عينه، أو لا ينظر إليهما أثناء حديثهما إليه، أو ينظر إليهما بتكبر وغيرها من النظرات. ٤ - كأن يطلب الابن من والديه الفقيرين أكثر من طاقتهما ويلزمهما بتسليمه المصروف المالي وهما لا يملكان فلا ينفق عليهما، أو أن يطلب الأبوان منه المال فيرفض إعطاءهما. ٥ - من العقوق بعد الوفاة: عدم الاستغفار والدعاء لهما بالرحمة والعفو ودخول الجنة، وعدم الصدقة للوالدين، وعدم صحلة أقاربهما وأصدقائهما، وذكرهما بما يسوؤهما (١). ...

стр. 423

الشورى الشورى: هي التعاون على تبادل الرأي ومداولته في أمر من أمور المؤمنين على أسس وقواعد. قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وقال عز من قائل: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٨] فقد ذكر المولى الشورى بين فرضين عظيمين هما الصلاة والزكاة، وهذا دليل على أهمية الشورى في الإسلام. وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ "المستشار مؤتمن" [رواه الترمذي]. والشورى مصطلح إسلامي له معناه المستقل في الإسلام كمصطلحات الصلاة والزكاة .. وأشكاله متنوعة ومتطورة. وأهل الشورى يتقربون إلى الله بهذا العمل ويلتقون جميعا للوصول إلى الحق. قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]. حتى في الأمور الخاصة كان الصحابة يستشيرون النبي ﷺ في كثير من أمورهم الخاصة، كما رأينا حين استشارته فاطمة بنت قيس ﵂ في أمر زواجها، وقد أبدى الرغبة فيها رجلان: معاوية وأبو جهم، فقال لها: "أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له" [رواه مسلم] واقترح عليها أن تتزوج أسامة بن زيد ﵁. لابد أن يستشير المسلم إخوانه عند الزواج بامرأة، وكذلك المرأة، فلا خاب من استخار ولا ندم من استشار.

стр. 424

تشكيل الحكومة الإسلامية بالانتخاب بعد أن تمت بيعة العقبة الثانية طلب رسول الله ﷺ انتخاب اثني عشر زعيما يكونون نقباء على قومهم، يكفلون المسئولية عليهم في تنفيذ بنود هذه البيعة. فقال للقوم: "أخرجوا إلىَّ منكم اثني عشر نقيبا ليكونوا على قومكم بما فيهم" فتم انتخابهم في الحال، وكانوا تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس، ولما تم انتخاب هؤلاء النقباء أخذ عليهم النبي ﷺ ميثاقا آخر بصفتهم رؤساء مسئولين، قال لهم: "أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم وأنا كفيل على قومي" -يعني المسلمين-، قالوا: نعم. مجلس عسكري استشاري عقد الرسول ﷺ مجلسا عسكريا استشاريا بعد أن أستشار الجند فخافوا، قال تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦)﴾ [الأنفال: ٥ - ٦]. أما قادة الجيش فقام أبو بكر وأحسن وقام عمر وأحسن، فقام المقداد بن عمرو وقال: يا رسول الله، امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. فدعا له النبي ﷺ ولهؤلاء القادة الثلاثة من المهاجرين -وهم أقلية في الجيش- وأراد أن يعرف رأي قادة الأنصار لأنهم أغلبية الجيش، ولأن ثقل المعركة سيكون على كواهلهم، مع أن نصوص العقبة لم تكن تلزمهم بالقتال خارج ديارهم، فنظر إليهم قائلا: "أشيروا علي أيها الناس"، ففطن إلى ذلك قائد الأنصار وحامل لوائهم سعد بن معاذ ﵁ فقال: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله، قال ﷺ : "أجل"، قال: فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وإنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله، فقال رسول الله ﷺ :"سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر الآن إلى مصارع القوم".

стр. 425

وقد أجمع المسلمون على أن الشورى في كل ما لم يثبت نص ملزم فيه من كتاب أو سنة، أساس تشريعي دائم لا يجوز إهماله، أما ما ثبت فيه نص من كتاب أو حديث من السنة أبرم به الرسول ﷺ حكمه، فلا شأن للشورى فيه ولا ينبغي أن يقضي عليه بأي سلطان. الحباب خبير عسكري تحرك الرسول ﷺ بجيشه فنزل أدنى ماء من مياه بدر، وهنا قام الحباب بن المنذر ﵁ كخبير عسكري، وقال: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزل أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة"، قال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم ثم نبني عليه حوضا فنملأه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله ﷺ :"لقد أشرت بالرأي"، فنهض رسول الله ﷺ بالجيش حتى أتى أقرب ماء من العدو. والرسول ﷺ يعلم أمته مبدأ الشورى وقبول الاقتراحات من الرعية، ولم يتكبر عليهم مع أنه الرسول الذي يوحى إليه. في سقيفة بني ساعدة عقب وفاة ﷺ اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: منا أمير ومنكم أمير، فذهب إليهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، فذهب عمر يتكلم، فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أني قد هيأت كلاما قد أعجبني خشيت ألا يبلغه أبو بكر، ثم تكلم أبو بكر، فتكلم أبلغ كلام، فقال في كلامه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، فقال حباب بن المنذر: لا والله لا نفعل، منا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر: لا، إنا الأمراء، وأنتم الوزراء، نحن أوسط العرب دارا، وأعربهم أحسابا، فبايعوا عمر، أو أبا عبيدة، فقال عمر: بل نبايعك أنت، وأنت سيدنا وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله، فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس، فرضي الله عن عمر، فإنه عندما ارتفعت الأصوات في السقيفة وكثر اللغط وخشي عمر الاختلاف، ومن أخطر الأمور التي خشيها عمر أن يبدأ بالبيعة لأحد من الأنصار فتحدث فتنة عظيمة،
следующие страницы →