← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96918

موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق

ياسر عبد الرحمن

Полный текст (763 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

عندما كنت في سن ٢٤ سنة قامت بإعطائك أثاث شقتك الأولى أنت كافأتها بإخبار أصدقائك بأنه أثاث بشع. عندما كنت في سن ٢٦ سنة قامت بمساعدتك في مصاريف زواجك، وبكت الدموع، وأخبرتك عن مدى حبها لك، أنت كافأتها بالرحيل والسكن إلى أبعد منطقة في البلاد. عندما كنت في سن ٣٠ سنة قامت بمناداة طفلك وتوجيهه ببعض النصائح، أنت كافأتها بقولك: الأمور تغيرت الآن. عندما كنت في سن ٤٠ سنة قامت بالاتصال بك لتذكرك بمرض أحد أقاربك، أنت كافأتها بقولك: بجد .. الآن مشغول جدا. عندما كنت في سن ٥٠ سنة أصابها مرض، واحتاجت وجودك للاعتناء بها، أنت كافأتها بالشكوى المستمرة من أعبائك وأعباء أسرتك. وبعد ذلك وفي يوم من الأيام، ماتت بهدوء، والشيء الوحيد الذي لم تقم به من قبل، قد أتى وقته يدوي مثل الرعد، بدأت تذرف الدموع لأن الحياة بدونها بلا معنى، بدأ ضميرك يشعرك بالندم لأنك لم تعطها حقها (١). قال الحسن البصري: ما يعدل بر الوالدين شيء من التطوع لا حج ولا جهاد (٢). وبكى إياس بن معاوية ﵀ حين ماتت أمه فقيل له في ذلك فقال: كان لي بابان مفتوحان إلى الجنة فأُغلق أحدهما. احرص أخي الحبيب ألا تنام ليلة من الليالي وأحد والديك غضبان عليك وبالأخص أمك. وكان من بر طلق بن حبيب أحد التابعين: أنه يقبل رأس أمه وكان لا يمشي فوق ظهر بيت وهي تحته إجلالا لها (٣). إياك أن تعق والديك، فإن عققتهما فبادر بالتوبة والاستغفار كما بادر ابن عونة ﵀ حين عن والدته فكفر عن ذلك العقوق بعتق رقبتين حيث قال: نادتني أمي

стр. 422

يوما فأجبتها، فعلا صوتي على صوتها فأعتقت رقبتين. أفعال تتنافى مع بر الوالدين ١ - كقول الابن لوالديه: أف أو (أوه) بمدها أو إهانتهما بالشتم أو رفع الصوت عليهما أو التلفظ بالألفاظ السيئة أو التذمر منهما أو رفض أوامرهما. ٢ - كأن يحرك الابن يده قاصدا إهانتهما أو بمعنى اسكتوا فيضع إصبعه على فمه مثلا، أو يضربهما بيده أو قدمه أو يجلس أمام والديه ويمد قدمه جهة وجههما .. وهكذا. ٣ - كأن ينظر الابن إلى والديه نظرة احتقار أو إهانة أو ينظر إليهما بطرف عينه، أو لا ينظر إليهما أثناء حديثهما إليه، أو ينظر إليهما بتكبر وغيرها من النظرات. ٤ - كأن يطلب الابن من والديه الفقيرين أكثر من طاقتهما ويلزمهما بتسليمه المصروف المالي وهما لا يملكان فلا ينفق عليهما، أو أن يطلب الأبوان منه المال فيرفض إعطاءهما. ٥ - من العقوق بعد الوفاة: عدم الاستغفار والدعاء لهما بالرحمة والعفو ودخول الجنة، وعدم الصدقة للوالدين، وعدم صحلة أقاربهما وأصدقائهما، وذكرهما بما يسوؤهما (١). ...

стр. 423

الشورى الشورى: هي التعاون على تبادل الرأي ومداولته في أمر من أمور المؤمنين على أسس وقواعد. قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وقال عز من قائل: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٨] فقد ذكر المولى الشورى بين فرضين عظيمين هما الصلاة والزكاة، وهذا دليل على أهمية الشورى في الإسلام. وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ "المستشار مؤتمن" [رواه الترمذي]. والشورى مصطلح إسلامي له معناه المستقل في الإسلام كمصطلحات الصلاة والزكاة .. وأشكاله متنوعة ومتطورة. وأهل الشورى يتقربون إلى الله بهذا العمل ويلتقون جميعا للوصول إلى الحق. قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]. حتى في الأمور الخاصة كان الصحابة يستشيرون النبي ﷺ في كثير من أمورهم الخاصة، كما رأينا حين استشارته فاطمة بنت قيس ﵂ في أمر زواجها، وقد أبدى الرغبة فيها رجلان: معاوية وأبو جهم، فقال لها: "أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له" [رواه مسلم] واقترح عليها أن تتزوج أسامة بن زيد ﵁. لابد أن يستشير المسلم إخوانه عند الزواج بامرأة، وكذلك المرأة، فلا خاب من استخار ولا ندم من استشار.

стр. 424

تشكيل الحكومة الإسلامية بالانتخاب بعد أن تمت بيعة العقبة الثانية طلب رسول الله ﷺ انتخاب اثني عشر زعيما يكونون نقباء على قومهم، يكفلون المسئولية عليهم في تنفيذ بنود هذه البيعة. فقال للقوم: "أخرجوا إلىَّ منكم اثني عشر نقيبا ليكونوا على قومكم بما فيهم" فتم انتخابهم في الحال، وكانوا تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس، ولما تم انتخاب هؤلاء النقباء أخذ عليهم النبي ﷺ ميثاقا آخر بصفتهم رؤساء مسئولين، قال لهم: "أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم وأنا كفيل على قومي" -يعني المسلمين-، قالوا: نعم. مجلس عسكري استشاري عقد الرسول ﷺ مجلسا عسكريا استشاريا بعد أن أستشار الجند فخافوا، قال تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦)﴾ [الأنفال: ٥ - ٦]. أما قادة الجيش فقام أبو بكر وأحسن وقام عمر وأحسن، فقام المقداد بن عمرو وقال: يا رسول الله، امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. فدعا له النبي ﷺ ولهؤلاء القادة الثلاثة من المهاجرين -وهم أقلية في الجيش- وأراد أن يعرف رأي قادة الأنصار لأنهم أغلبية الجيش، ولأن ثقل المعركة سيكون على كواهلهم، مع أن نصوص العقبة لم تكن تلزمهم بالقتال خارج ديارهم، فنظر إليهم قائلا: "أشيروا علي أيها الناس"، ففطن إلى ذلك قائد الأنصار وحامل لوائهم سعد بن معاذ ﵁ فقال: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله، قال ﷺ : "أجل"، قال: فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وإنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله، فقال رسول الله ﷺ :"سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر الآن إلى مصارع القوم".

стр. 425

وقد أجمع المسلمون على أن الشورى في كل ما لم يثبت نص ملزم فيه من كتاب أو سنة، أساس تشريعي دائم لا يجوز إهماله، أما ما ثبت فيه نص من كتاب أو حديث من السنة أبرم به الرسول ﷺ حكمه، فلا شأن للشورى فيه ولا ينبغي أن يقضي عليه بأي سلطان. الحباب خبير عسكري تحرك الرسول ﷺ بجيشه فنزل أدنى ماء من مياه بدر، وهنا قام الحباب بن المنذر ﵁ كخبير عسكري، وقال: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزل أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة"، قال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم ثم نبني عليه حوضا فنملأه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله ﷺ :"لقد أشرت بالرأي"، فنهض رسول الله ﷺ بالجيش حتى أتى أقرب ماء من العدو. والرسول ﷺ يعلم أمته مبدأ الشورى وقبول الاقتراحات من الرعية، ولم يتكبر عليهم مع أنه الرسول الذي يوحى إليه. في سقيفة بني ساعدة عقب وفاة ﷺ اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: منا أمير ومنكم أمير، فذهب إليهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، فذهب عمر يتكلم، فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أني قد هيأت كلاما قد أعجبني خشيت ألا يبلغه أبو بكر، ثم تكلم أبو بكر، فتكلم أبلغ كلام، فقال في كلامه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، فقال حباب بن المنذر: لا والله لا نفعل، منا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر: لا، إنا الأمراء، وأنتم الوزراء، نحن أوسط العرب دارا، وأعربهم أحسابا، فبايعوا عمر، أو أبا عبيدة، فقال عمر: بل نبايعك أنت، وأنت سيدنا وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله، فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس، فرضي الله عن عمر، فإنه عندما ارتفعت الأصوات في السقيفة وكثر اللغط وخشي عمر الاختلاف، ومن أخطر الأمور التي خشيها عمر أن يبدأ بالبيعة لأحد من الأنصار فتحدث فتنة عظيمة،

стр. 426

لأنه ليس من اليسير أن يبايع أحد بعد البدء بالبيعة لأحد الأنصار، فأسرع عمر بعد الشورى إخمادا للفتن، وقال للأنصار: يا معشر الأنصار، ألستم تعلمون أن رسول الله أمر أبا بكر أن يؤم الناس فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟ فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر، ثم بادر ﷺ وقال لأبي بكر: ابسط يدك نبايعك. وكانت الشورى في اختيار خليفة المسلمين سببا في توحيد الكلمة، ووحدة الأمة، فليجتمع الحكام وليتشاوروا فيما بينهم لإنشاء سوق عربية مشتركة لمواجهة التكتلات العالمية، وإظهار وحدة العرب والمسلمين. الرسول ﷺ يستشير استشار الرسول ﷺ أصحابه في قضية الأسرى، فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية وعسى أن يهديهم الله، فقال رسول الله: "ما ترى يا ابن الخطاب؟ " قال: أرى أن تمكنني من فلان قريب لعمر فأضرب عنقه، وتمكن عليا من عقيل بن أبي طالب وتمكن حمزة من فلان أخيه حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم. فهوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قال عمر، وأخذ منهم الفداء، فلما كان من الغد قال عمر: فغدوت إلى النبي ﷺ وأبي بكر، وهما يبكيان، فقلت: يا رسول الله، أخبرني ما يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله: "للذي عرض على أصحابك من أخذهم الفداء. فقد عرض على عذابهم أدنى من هذه الشجرة -شجرة قريبة- قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧] والكتاب الذي سبق من الله هو قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] فقيه الإذن بأخذ الفدية من الأسرى ولذلك لم يعذبوا، وإنما نزل العتاب لأنهم أسروا الكفار قبل أن يثخنوا في الأرض، ثم إنهم قبلوا الفداء من أولئك المجرمين، الذين لم يكونوا أسرى حرب فقط، بل كانوا مجرمي حرب لا يتركهم قانون الحرب الحديث إلا ويحاكمهم، ولا يكون الحكم في الغالب إلا بالإعدام أو بالحبس حتى الموت، واستقر الأمر على رأي الصديق فأخذ منهم الفداء، وكان الفداء من أربعة آلاف درهم إلى ثلاثة آلاف درهم إلى ألف درهم، وكان أهل مكة يكتبون وأهل المدينة لا يكتبون، فمن لم يكن

стр. 427

عنده فداء دفع إليه عشرة غلمان من غلمان المدينة يعلمهم، فإذا تعلموا فهو فداؤه. ما أجمل أن تجلس مع أولادك وتستشيرهم في أمور البيت حتى يشاركوك في همومك! واستمع إلى مقترحاتهم، وشجعهم على التعبير عن آرائهم وإن كانت تخالفك .. رؤيا رسول ﷺ - رأى رسول الله ﷺ رؤيا يوم أحد قالها لأصحابه: "إني رأيت والله خيرا، رأيت بقرا يذبح، ورأيت في ذباب سيفى ثلما، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة"، وتأول البقر بنفر من أصحابه يقتلون، وتأول الثلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته، وتأول الدرع بالمدينة، ثم قدم رأيه إلى أصحابه ألا يخرجوا من المدينة، وأن يتحصنوا بها، فإن أقام المشركون بمعسكرهم أقاموا بشر مقام، وإن دخلوا المدينة قاتلهم المسلمون في الطرقات، والنساء من فوق البيوت. ووافقه على هذا كبار السن وفرح عبد الله بن أبي بن سلول بهذا الرأي، وأشارت جماعة من أفاضل الصحابة الذين لم يخرجوا في بدر- أشاروا على رسول الله ﷺ بالخروج قائلين: يا رسول الله كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله، فقد ساقه إلينا وقرب المسير، اخرج إلى أعدائنا، لا يرون أنا جبنا عنهم. ومنهم حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ فقال: والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم طعاما حتى أجالدهم بسيفي خارج المدينة، ورفض رسول الله ﷺ رأيه أمام رأي الأغلبية، ثم صلى النبي ﷺ الجمعة بالناس وحثهم على الجهاد، ثم صلى العصر ثم دخل بيته فتقلد سيفه فقال سعد بن معاذ وأسيد بن حضير للشباب: لقد استكرهتم رسول الله ﷺ على الخروج فردوا الأمر إليه، فندموا على ما صنعوا فلما خرج قالوا له: يا رسول الله ما كان لنا أن نخالفك فاصنع ما شئت، إن أحببت أن تمكث بالمدينة فافعل فقال رسول الله ﷺ : "ما ينبغى لنبى إذا لبس لامته -وهي الدرع- أن يضعها، حتى يحكم الله بينه وبين عدوه"، وقسم النبي ﷺ جيشه إلى ثلاث كتائب ثم سار إلى العدو مع ألف مقاتل. وتمرد عبد الله بن أبيّ -وكان على مقربة من العدو فقد كان يراهم ويرونه- فانسحب بثلث الجيش ثلاثمائة مقاتل قائلا: ما ندري علام نقتل أنفسنا؟ متظاهرا بالاحتجاج على ترك الرسول ﷺ لرأيه وإطاعة غيره، وكان هدفه هو إحداث بلبلة واضطراب في جيش المسلمين وإضعاف معنويات من بقي مع الرسول ﷺ ، وكاد ينجح؛ فقد همت طائفتان -بنو حارثة بن الأوس وبنو سلمة من الخزرج- أن تفشلا ولكن

стр. 428

تولاهما الله فثبتهما بعد أن هما بالانسحاب ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢] وحاول عبد الله بن حرام -والد جابر بن عبد الله- تذكير هؤلاء المنافقين بواجبهم في هذا الظرف الدقيق، فتبعهم وهو يوبخهم ويحضهم على الرجوع، ويقول: تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا، قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع، فرجع عنهم عبد الله بن حرام قائلا: أبعدكم الله أعداء الله، فسيغني الله عنكم نبيه. قال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٧]. يقول سيد قطب: لقد كان في استطاعة رسول الله ﷺ أن يجنب الجماعة المسلمة تلك التجربة المريرة، التي تعرضت لها، وهي بعد ناشئة ومحاطة بالأعداء من كل جانب، والعدو رابض في داخل أسوارها ذاتها، نقول كان في استطاعة رسول الله ﷺ أن يجنب الجماعة المسلمة تلك التجربة المريرة التي تعرضت لها، لو أنه قضى برأيه في خطة المعركة مستندا إلى رؤياه الصادقة، وفيها ما يشير إلى أن المدينة درع حصينة، ولم يستشر أصحابه، أو لم يأخذ بالرأي الذي انجلت المشورة عن رجحانه في تقدير الجماعة، أو لو أنه رجع عن الرأي عندما سنحت له فرصة الرجوع، وقد خرج من بيته، فرأى أصحاب هذا الرأي نادمين أن يكونوا قد استكرهوه على غير ما يريد، ولكنه -وهو يقدر النتائج كلها- أنفذ الشورى، وأنفذ ما استقرت عليه، وذلك كي تجابه الجماعة المسلمة نتائج التبعة الجماعية، وتعلم كيف تتحمل تبعة الرأي، وتبعة العمل، لأن هذا في تقديره ﷺ وفي تقدير المنهج الإسلامي الذي ينفذه أهم من اتقاء الخسائر الجسيمة، ومن تجنب الجماعة تلك التجربة المريرة، فتجنيب الجماعة التجربة معناه حرمانها الخبرة، وحرمانها المعرفة، وحرمانها التربية (١). بيت المقدس بعد الانتصار الذي أيد الله به المسلمين على أعدائهم الروم في أجنادين، حاصر جيش المسلمين الروم في بيت المقدس وضيقوا عليهم حتى وافقوا على الصلح فأرسل

стр. 429

أبو عبيدة بن الجراح ﵁ قائد الجيش الإسلامي إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يخبره بأن يحضر، فلما وصل الخبر إلى أمير المؤمنين اجتمع مع الصحابة، واستشارهم في أمر الخروج إلى بيت المقدس، فأشاروا عليه بالخروج، فأخذ عمر برأيهم وتوجه إلى الشام فاستقبله أمراء المسلمين. اجلس مع المسئولين في العمل، وعليك بالشورى، ولا تكن مستبدا. مفاوضات في غزوة الخندق أراد النبي ﷺ أن يصالح عيينة بن حصن والحارث بن عوف رئيس غطفان على ثلث ثمار المدينة، حتى ينصرف بقومه، ويستعد المسلمون لإلحاق الهزيمة الساحقة بقريش، فاستشار ﷺ السعدين (سعد بن عبادة وسعد بن معاذ) ﵄، فقالا: يا رسول الله إن كان الله أمرك بهذا فسمعا وطاعة، وإن كان شيء تصنعه لنا فلا حاجة لنا فيه؟ لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة، فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له، وأعزنا بك نعطيهم أموالنا؟ والله لا نعطيهم إلا السيف يا رسول الله، فقال لهما: "إنما هو شىء أصنعه لكم، لما رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة". إذا قابلتك محنة فاستشر أهل الخير. استشارة أم سلمة لما فرغ رسول الله ﷺ من المعاهدة، قال: "قوموا فانحروا" فوالله ما قام منهم أحد حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلمة ﵂ فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت: يا رسول الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا كلمة حتى تنحر بُدنك وتدعو حالقك. فقام فخرج، فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك، نحر بُدنه ودعا حالقه فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما. أخي الزوج، لا تتكبر على زوجتك واستشرها في أمورك الخاصة، واستمع إلى آرائها ومقترحاتها ولا تسمع لمن يقول "شاوروهن وخالفوهن" فهو قول غير صحيح.

стр. 430

جمعية عمومية جعل عمر بن الخطاب ﵁ موسم الحج جمعية عمومية ليلتقي فيه بزوار بيت الله الحرام والعمال وأصحاب المظالم، فكان موسما عاما للمراجعة، ولا يكتفي عمر بأهل الخبرة، بل إذا أعياه الأمر دعا الأحداث فاستشارهم لحدة عقولهم، وإنه لإلهام في فن الاستشارة. الشورى البناءة قالت بلقيس: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥)﴾ [النمل: ٣٢ - ٣٥] وبمثل هذه المثاورة البناءة تمكنت ملكة سبأ أن تجنب قومها الدخول في حرب خاسرة بل دخلت في دين سليمان. الإسلام لا يحب أن يؤم رجل الناس في صلاة الجماعة وهم له كارهون، فكيف يقبل أن يقود رجل أمة كلها في شئونها العامة، وهي له كارهة. عدم الاستقلال بالرأي أحجم الناس عن الخروج إلى دولة الفرس، لما في نفوسهم من عظمتها وشوكتها القديمة، ولكن المثنى بن حارثة الشيباني وقف في المدينة المنورة وقال: أيها الناس، لا يعظمن عليكم هذا الوجه فإنا قد فتحنا ريف فارس، وغلبناهم، ونلنا منهم، واجترأنا عليهم، ولنا إن شاء الله ما بعدها. وكان أول من استجاب للخروج أبو عبيد بن مسعود الثقفي، فأمَّره عمر بن الخطاب على الجيش فسار بالمسلمين إلى أرض العراق، بعد ما أوصاه عمر أن يسمع من أصحاب رسول الله ويشركهم في الأمر، وألا يتسرع. بعث رستم بهمن جاذويه إلى أبي عبيد، وقال له: إما أن تعبر النهر -نهر الفرات- إلينا وندعكم والعبور، وإما أن تدعونا نعبر إليكم، فنهى الناس أبا عبيد عن العبور فترك الرأي والمشورة، وقال أبو عبيد: لا يكونوا أجرأ على الموت منا، فعبروا إليهم فاقتتلوا، وكان مع الفرس فيلة، فلما رأتها خيل المسلمين لم تتقدم نحوها وتراجت، ففرقت الفيلة

стр. 431

خيل المسلمين، فاشتد الأمر بالمسلمين، فترجل أبو عبيد والناس، ثم مشوا إلى الفرس حتى صافحوهم بالسيوف، ولكن الفيلة ما حملت على جماعة إلا دفعتهم، فقال أبو عبيد: قطعوا الفيلة، ووثبت هو على فيل أبيض فوقع عليه، وفعل المسلمون مثل ذلك فما تركوا فيلا إلا حطوا رحله وقتلوا أصحابه. وأهوى فيل على أبي عبيد فضربه بالسيف فقطع خرطومه، ولكن الفيل ضرب أبا عبيد، فوقع أبو عبيد ووطئه الفيل وقام عليه، فلما بصر به الناس تحت الفيل، خشعت أنفسهم، وتتابع على أخذ اللواء سبعة أنفس من ثقيف فقاتلوا حتى الشهادة، فأخذ اللواء المثنى بن حارثة الشيباني ولكن بعد أن ذهبت ريح المسلمين، وانكشف أمرهم وبعد بدء تراجعهم على الجسر إلى ضفة الفرات الغربية. ولما رأى عبد الله بن مرثد الثقفي ما لقي أبو عبيد وخلفاؤه، وما يصنع الناس بادرهم إلى الجسر فقطعه كي لا يتراجع أحد، وقال: يا أيها الناس موتوا على ما مات عليه أمراؤكم. وحصر الفرس المسلمين إلى الجسر وقد انقطع، فتواثب المسلمون إلى الفرات، ولكن المثنى وفرسانا من المسلمين حمى من بقي منهم. ولما بلغت الهزيمة عمرقال: اللهم إن كل مسلم في حل مني، أنا فئة كل مسلم. واقتص المسلمون من الفرس فيما بعد في معركة البويب، وكان النصر، ولكن بعد أن تعلموا أن الاستقلال بالرأي من أسباب الهزيمة. جمع القرآن الكريم كان من ضمن شهداء المسلمين في حرب اليمامة كثير من حفظة القرآن، وقد نتج عن ذلك أن قام أبو بكر ﵁ بمشاورة عمر بن الخطاب ﵁ بجمع القرآن حيث جمع من الرقاع والعظام والسعف ومن صدور الرجال، وأسند الصديق هذا العمل العظيم إلى الصحابي زيد بن ثابت الأنصاري، قال زيد بن ثابت: أرسل إلي أبو بكر بعد مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر (كثر) يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف تفعل شيئا لم

стр. 432

يفعله رسول الله؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل، لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله، فتتبع القرآن فاجمعه، قال زيد: فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن. وهكذا كان الصحابة يجتهدون في جو من الهدوء والشورى يسوده الود والاحترام، هدفهم الوصول إلى ما يحقق المصلحة العامة لجماعة المسلمين، وأنهم كانوا ينقادون إلى الرأي الصحيح، وتنشرح قلوبهم له بعد الإقناع والاقتناع، فإذا تشاوروا واقتنعوا دافعوا عنه كما لو كان رأيهم منذ البداية. شوري أبي بكر جاء عيينة بن حصن والأقرع بن حابس إلى أبي بكر ﵁ فقالا: يا خليفة رسول الله إن عندنا أرضا سبخة ليس فيها كلأ ولا منفعة، فإن رأيت أن تقطعنا لعلنا نحرثها أو نزرعها، لعل الله أن ينفع بها بعد اليوم، فقال أبو بكر لمن حوله: ما تقولون فيما قالا، إن كانت أرضا سبخة لا ينتفع بها؟ قالوا: نرى أن تقطعهما إياها، لعل الله ينفع بها بعد اليوم، فأقطعهما إياها، وكتب لهما بذلك كتابا، وأشهد عمر -وليس في القوم- فانطلقا إلى عمر يشهدانه، فوجداه يهنأ بعيرا له (يطليه بالهناء أي القطران) فقالا: إن أبا بكر أشهدك على ما في الكتاب فنقرأ عليك أو تقرأ؟ فقال: أنا على الحال الذي تريان، فإن شئتما فاقرأ وإن شئتما فانظرا حتى أفرغ، فاقرأ عليكما، قالا: بل نقرأ، فلما سمع ما في الكتاب تناوله من أيديهما ثم تفل عليه فمحاه، فتذمرا، وقالا مقالة سيئة فقال: إن رسول الله كان يتألفكما والإسلام يومئذ ذليل، وإن الله قد أعز الإسلام، فاذهبا فأجهدا جهدكما، لا رعى الله عليكما إن رعيتما. فأقبلا إلى أبي بكر وهما يتذمران فقالا: والله ما ندري أنت الخليفة أم عمر؟ فقال: لا بل هو لو شاء، فجاء عمر وهو مغضب، فوقف على أبي بكر فقال: أخبرني عن هذه الأرض التي أقطعتها هذين أرض هي لك خاصة أم للمسلمين عامة؟ قال: بل للمسلمين عامة. قال: فما حملك أن تخص بها هذين دون جماعة المسلمين؟ قال: استشرت هؤلاء

стр. 433

الذين حولي فأشاروا علي بذلك. قال: فإذا استشرت هؤلاء الذين حولك، فكل المسلمين أوسعتهم مشورة ورضا. فقال أبو بكر: قد كنت قلت لك إنك على هذا أقوى مني، ولكن غلبتني. هذه الواقعة دليل لا يقبل الشك أن حكم الدولة الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين كان يقوم على الشورى، فهي تظهر لنا خليفة رسول الله حريصا على استشارة المسلمين في الصغيرة والكبيرة، وما كان ليبرم أمرا دون مشورة إخوانه. استخلاف الصديق للفاروق لما اشتد المرض بأبي بكر جمع الناس إليه فقال: إنه قد نزل بي ما قد ترون ولا أظنني إلا ميتًا لما بي وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي، وحل عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم، فأمروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمرتم في حياتي كان أجدر ألا تختلفوا بعدي، وتشاور الصحابة ﵃ وكل يحاول أن يدفع الأمر عن نفسه ويطلبه لأخيه إذ يرى فيه الصلاح والأهلية، لذا رجعوا إليه، فقالوا: رأينا يا خليفة رسول الله رأيك، قال: فأمهلوني حتى أنظر لله، لدينه، ولعباده، فدعا أبو بكر عبد الرحمن بن عوف فقال له: أخبرني عن عمر بن الخطاب، فقال: هو -والله- أفضل، ثم دعا عثمان بن عفان، فقال: أخبرني عن عمر بن الخطاب فقال: أنت أخبر به، فقال: على ذلك يا أبا عبد الله، فقال عثمان: اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله، فقال أبو بكر: يرحمك الله، ثم دعا أسيد بن حضير فقال له مثل ذلك، فقال أسيد: اللهم أعلمه الخيرة بعدك؟ يرضى للرضا، ويسخط للسخط، والذي يسر خير من الذي يعلن، ولن يلي هذا الأمر أحد أقوى عليه منه .. وكذلك استشار سعيد بن زيد وعددا من الأنصار والمهاجرين، وكلهم تقريبا كانوا برأي واحد في عمر إلا طلحة بن عبيد الله خاف من شدته فقال لأبي بكر: ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا وقد ترى غلظته؟ فقال أبو بكر: أجلسوني، أبالله تخوفونني؟! خاب من تزود من أمركم بظلم، أقول: اللهم استخلفت عليهم خير أهلك. وبين لهم سبب غلظة عمر وشدته، فقال: ذلك لأنه يراني رقيقا ولو أفضى الأمر إليه لترك كثيرا مما عليه. ثم كتب عهدا مكتوبا يقرأ على الناس في المدينة وفي الأمصار عن طريق أمراء الأجناد. إنها صورة للشورى الحقيقية المنضبطة مع أوامر الله، مع الحلال والحرام، لا الشورى

стр. 434

المزيفة التي تجري تحت قباب مجالس لم تجن من ورائها الشعوب إلا المرارة والاستبداد والظلم والضياع. اختيار الولاة كان اختيار الولاة يتم بعد مشاورة عمر بن الخطاب ﵁ لكبار الصحابة، فقد قال لأصحابه يوما: دلوني على رجل إذا كان في القوم أميرا فكأنه ليس بأمير، وإذا لم يكن بأمير فكأنه أمير، فأشاروا إلى الربيع بن زياد، وقد استشار عمر بن الخطاب فيمن يولي على أهل الكوفة فقال لهم: من يعذرني من أهل الكوفة ومن تجنيهم على أمرائهم إن استعملت عليهم عفيفا استضعفوه، وإن استعملت عليهم قويا فجروه، ثم قال: أيها الناس ما تقولون في رجل ضعيف غير أنه مسلم تقي، وآخر قوي مشدد أيهما الأصلح للإمارة؟ فتكلم المغيرة بن شعبة قال: يا أمير المؤمنين إن الضعيف المسلم إسلامه لنفسه وضعفه عليك وعلى المسلمين، والقوي المشدد فشداده على نفسه وقوته لك وللمسلمين فأعمل في ذلك رأيك، فقال عمر: صدقت يا مغيرة، ثم ولاه الكوفة، وقال له: انظر أن تكون ممن يأمنه الأبرار ويخافه الفجار، فقال المغيرة: أفعل ذلك يا أمير المؤمنين. شورى خامس الخلفاء الراشدين جاء أن عمر بن عبد العزيز جمع قراء الشام والفقهاء وقال: إني قد دعوتكم لأمر هذه المظالم التي في يد أهل بيتي، فما ترون فيها؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن ذلك أمر كان في غير ولايتك، وإن وزر هذه المظالم على من غصبها. فلم يرتح إلى ما قالوه، فالتفت إليه أحدهم ممن كان يرى غير رأيهم، وقال: ابعث يا أمير المؤمنين إلى عبد الملك، فإنه ليس دون من دعوت علما، فلما دخل عليه عبد الملك قال له عمر ما ترى في هذه الأموال التي أخذها بنو عمنا من الناس ظلما؟ وقد حضر أصحابها وجعلوا يطلبونها، وقد عرفنا حقهم فيها؟ فقال: أرى أن تردها إلى أصحابها ما دمت قد عرفت أمرها، وإنك إن لم تفعل، كنت شريكا للذين أخذوها ظلما. فانبسطت أسارير عمر، وارتاحت نفسه، وزال عنه ما أهمه، بفضل الشورى (١).

стр. 435

التعاون لا يمكن لأي إنسان مهما آتاه الله من أسباب، أن يعيش على الأرض منفردًا فهذا ضد طبيعته وإمكاناته وما جبل عليه ابن آدم، فالفرد يحتاج للناس والناس تحتاج إليه، حتى تسير الحياة للجميع بأفضل صروة وهذا هو "التعاون". وقد أمر الله عباده المؤمنين بالتعاون شرط أن يكون على البر والتقوى، ونهاهم أن يكون تعاونهم على الإثم والعدوان. يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات وهو البر، وترك المنكرات وهو التقوى، وينهاهم عن التناصر على الباطل والتعاون على المآثم والمحارم. قال ابن جرير: الإثم: ترك ما أمر الله بفعله، والعدوان: مجاوزة ما حد الله في دينكم ومجاوزة ما فرض الله عليكم في أنفسكم وفي غيركم، وقد قال رسول الله ﷺ : "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً" قيل: يا رسول الله هذا نصرته مظلوماً، فكيف أنصره إذا كان ظالماً؟ قال: "تحجزه وتمنعه من الظلم فذاك نصره" [رواه البخاري]. وقال ﷺ : "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرًا من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر عل أذاهم". وقال النبي ﷺ أيضاً: "الدال على الخير كفاعله". وقال ﷺ : "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا" [رواه البخاري]. وللتعاون على البر والتقوى وفعل الخيرات صورًا كثيرة نذكر منها: ١ - التعاون مع إخوانك أحس شيخ كبير بقرب أجله، فجمع أولاده الثلاثة، ليوصيهم بوصية تنفعهم في

стр. 436

حياتهم، فأعطاهم حزمة كبيرة من الحطب، وطلب من كل منهم أن يكسرها بمفرده، فحاول كل واحد أن يكسرها، لكنه، لم يستطع لشدة قوتها وصلابتها. أخذ الأب الحزمة، وفكها إلى أعواد، وأعطى كل واحد منهم عودًا، فكسره بسهولة فقال الأب لأبنائه: إنكم يا أبنائي مثل هذه الحزمة إذا اتحدتم وكنتم يدًا واحدة فلن يستطيع أحد مهما بلغت قوته أن يغلبكم، وإن تفرقتم فسوف يصيبكم لضعفكم، ويتمكن عدوكم منكم، فعليكم يا أولادي بالتعاون في قضاء أموركم فإن في التعاون قوة. الوزير النبي: طلب سيدنا موسى ﵇ من ربه أن يكون أخوه مساعدًا له يتعاون معه على تبليغ رسالته فقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥)﴾ [طه: ٢٩ - ٣٥]. وهكذا لا يستطيع الداعية أن يؤثر في الناس بمفرده لابد أن يتعاون مع إخوانه في دعوة الآخرين بشتى الطرق. حفر الخندق كان الرسول ﷺ يشترك مع الصحابة في حفر الخندق، يقول البراء بن عازب ﵁: رأيته ﷺ ينقل تراب الخندق حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه، وكان كثير الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة، وهو ينقل التراب، ويقول ﷺ : اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا إن الألى قد بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا قال: ثم يمد بها صوته بآخرها. لم يتكبر الرسول ﷺ على أصحابه بل تعاون معهم في أشد اللحظات وأصعب الأمور، وما أعظمه من قائد! تعاون في بناء المسجد الأول كانت أول خطوة خطاها رسول الله ﷺ بعد الهجرة هي إقامة المسجد النبوي، ففي

стр. 437

المكان الذي بركت فيه ناقته أمر ببناء هذا المسجد، واشتراه من غلامين يتيمين كانا يملكانه، وساهم في بنائه بنفسه، فكان ينقل اللبن والحجارة ويقول: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة هل تشارك إخوانك في أمورهم الخاصة والعامة؟ مساعدة المسئول دعا عمر بن الخطاب سعيد بن عامر إلى مساعدته وقال: يا سعيد إنا مولوك على أهل حمص، فقال: يا عمر نشدتك الله ألا تفتني فغضب عمر وقال: ويحكم وضعتم هذا الأمر في عنقي ثم تخليتم عني!! والله لا أدعك، ثم ولاه على حمص وقال: ألا نفرض لك رزقًا؟ قال: وما أفعل به يا أمير المؤمنين؟! فإن عطائي من بيت المال يزيد عن حاجتي، ثم مضى إلى حمص (١). إذا كنت جنديًا فاحرص على مساعدة مسئولك في إنجاز مهمته بما يرضي الله. لا تمنع أخاك روى مالك في الموطأ عن عمرو بن يحيي المازني عن أبيه أن الضحاك بن خليفة ساق خليجًا له من العريض فأراد أن يمر به في أرض محمد بن مسلمة، فأبى محمد، فقال له الضحاك، لم تمنعني وهو لك منفعة تشرب به أولاً وآخرًا ولا يضرك، فأبى محمد، فكلم فيه الضحاك عمر بن الخطاب، فدعا عمر بن الخطاب محمد بن مسلمة، فأمره أن يخلي سبيله، فقال محمد: لا، فقال عمر: لم تمنع أخاك ما ينفعه وهو لك نافع تسقي به أولاً وآخرًا وهو لا يضرك، فقال محمد: لا والله، فقال عمر: والله ليمرن به ولو على بطنك، فأمره عمر بن الخطاب أن يمر به، ففعل الضحاك، وكان هذا قياسًا من عمر على حديث أبي هريرة الذي قال فيه إن النبي قال: "لا يمنع أحدكم جاره خشبة يغرزها في جداره" ثم قال أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين والله لأرمين بها بين أكتافكم. تعاون الصغار يقول الإمام الشهيد البنا في مذكراته: ونحن طلاب في المدرسة الإعدادية كنا

стр. 438

نصلي الظهر في المسجد المجاور للمدرسة، وذات يوم مر إمام المسجد فرأى كثيرًا من التلاميذ، زاد على ثلاثة صفوف أو أربعة فخشي الإسراف في الماء، والبلى للحصير، فانتظر حتى أتم المصلون صلاتهم، ثم فرقهم بالقوة مهددًا ومنذرًا ومتوعدًا، فمنهم من فر، ومنهم من ثبت، وأوحت إلى خواطر التلمذة أن أقتص منه ولابد، فكتبت إليه خطابًا ليس في إلا هذه الآية: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢] وبعثت الخطاب بالبريد، ثم عرف الشيخ ممن جاءته هذه الضربة، فقابل الوالد شاكيًا، فأوصاه بالتلاميذ خيرًا، وكانت له معنا مواقف طيبة بعد ذلك، واشترط علينا أن نملأ صهريج المسجد بالماء قبل انصرافنا وأن نعاونه في جمع تبرعات للحصر، فأعطيناه ما شرط (١). هل تتعاون مع إمام السجد لمصلحة المسلمين؟ ٢ - تعاون بين الزوجين على الزوجة أن تعاون زوجها كما فعلت أسماء بنت أبي بكر ﵄ زوجة الزبير بن العوام قالت أسماء ﵂: كنت أخدم الزبير خدمة البيت كله، وكان له فرس وكنت أسوسه، وأقوم عليه، وكانت ﵂ تعلفه، وتسقي الماء، وتخرز الدلو، وتنقل النوى على رأسها من أرض له على ثلثي فرسخ. فعلى الزوجة أن تتحمل زوجها، وتقف بجانبه في أوقات الشدة. ٣ - تعاون الملائكة في بدر في غزوة بدر يقول ابن عباس ﵄: بينما رجل من المسلمين يشتد في إثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، فنظر إلى المشرك أمامه، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله ﷺ ، فقال: "صدقت، وذلك هدد من السماء الثالثة"، وجاء رجل من الأنصار قصير بالعباس بن عبد المطلب أسيرًا، فقال العباس: إن هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح (الذي انحسر الشعر عن جانب رأسه) من أحسن الناس وجها

стр. 439

على فرس أبلق، وما أراه في القوم، فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله، فقال ﷺ : "اسكت فقد أيدك الله بملك كريم" [رواه أحمد]. ٤ - قضاء حوائج الناس قالت السيدة خديجة ﵂ عندما عاد إليها من غار حراء بعد أن نزل عليه الأمين جبريل بالوحي: كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل (الثقل) وتُكسب المعدوم (الفقير) وتعين على نوائب الحق [رواه البخاري]. مساعدة الناس تكون سببًا في النجاة من المحن فلا تبخل على إخوانك بالمساعدة فيما وهبك الله واحتسب أجرك عند الله. مشروع زواج كان أحد الصحابة قد انقطع إلى رسول الله ﷺ يخدمه ويبيت عنده ليلي أمره إذا نزلت بالرسول حاجة فقال له رسول الله: "ألا تتزوج"؟ فقال: يا رسول الله إني فقير لا شيء لي، وانقطع عن خدمتك، فسكت ثم عاد ثانيًا، فأعاد الجواب ثم فكر الصحابي وقال: والله لرسول الله أعلم بما يصلحني في دنياي وآخرتي، وما يقربني إلى الله، ولئن قال لي الثالثة لأفعلن، فقال له الثالثة: "ألا تتزوج"؟ فقال يا رسول الله زوجني، فقال: "اذهب إلى بني فلان، فقل: إن رسول الله يأمركم أن تزوجوني فتاتكم" فقال يا رسول الله: لا شيء لي (أي لا يملك شيئا) فقال ﷺ : "اجمعوا لأخيكم وزن نواة من ذهب"، فجمعوا له وذهبوا إلى القوم فزوجوه، وجمع له أصحابه شاة للوليمة. هل فكرت في يوم من الأيام في مساعدة إنسان فقير على الزواج ولو بجزء يسير من وقتك أو من مالك أو من جهدك؟ التعاون في أمور الزواج قال أبو وداعة: كنت ألازم مسجد رسول الله ﷺ طلبًا اللعلم، وكنت أداوم على حلق سعيد بن المسيب وأزاحم الناس عليها بالمناكب، فتغيبت عن حلقة الشيخ أيامًا، فتفقدني، وظن أن بي مرضًا، أو عرض لي عارض، فسأل عني من حوله، فلم يجد عند أحد منهم خبرًا فلما عدت إليه بعد أيام حياتي، ورحب بي وقال: أين كنت يا أبا

стр. 440

وداعة؟ فقلت: توفيت زوجتي، فاشتغلت بأمرها، فقال: هلا أخبرتنا يا أبا وداعة فأواسيك، ونشهد جنازتها معك، ونعينك على ما أنت فيه، فقلت: جزاك الله خيرًا، وهممت أن أقوم، فاستبقاني حتى انصرف جميع من كان في المجلس، ثم قال لي: أما فكرت في استحداث زوج لك يا أبا وداعة؟ فقلت له يرحمك الله، ومن يزوجني ابنته وأنا شاب نشأ يتيمًا، وعاش فقيرًا، أنا لا أملك غير درهمين، أو ثلاثة دراهم، فقال: أنا أزوجك ابنتي، فانعقد لساني وقلت: أنت؟! أتزوجني ابنتك بعد أن عرفت من أمري ما عرفت؟! فقال: نعم، فنحن إذا جاءنا من نرضى دينه وخلقه زوجناه، وأنت عندي مرضي الدين والخلق، ثم التفت إلى من كان قريبًا منا، وناداهم، فلما أقبلوا عليه وصاروا عنده، حمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه محمد وعقد لي على ابنته، فقمت وأنا لا أدري ما أقول من الدهشة والفرج، ثم قصدت بيتي، وكنت يومئذ صائمًا، فنسيت صومي وجعلت أقول: ويحك يا أبا وداعة، ما الذي صنعت بنفسك؟! ممن تستدين؟! وممن تطلب المال؟! وظللت على حالي هذه حتى أُذن للمغرب، فأديت المكتوبة، وجلست إلى فطوري، وكان خبزًا وزيتًا، فما أن تناولت منه لقمة أو لقمتين حتى سمعت الباب يقرع، فقلت: من الطارق؟ فقال: سعيد، فوالله لقد مر بخاطري كل إنسان اسمه سعيد أعرفه إلا سعيد بن المسيب، ذلك لأنه لم ير منذ أربعين سنة إلا بين بيته والمسجد، ففتحت الباب، فإذا بي أمام سعيد بن المسيب، فظننت أنه قد بدا له في أمر زواجي من ابنته شيء، وقلت له: يا أبا محمد؟! هلا أرسلت إلينا فآتيك، فقال: بل أنت أحق بأن آتي إليك اليوم، فقلت: تفضل علي، فقال: كلا، وإنما جئت لأمر، فقلت: وما هو يرحمك الله؟ فقال: إن ابنتي أصبحت زوج لك بشرع الله منذ الضحى، وأنا أعلم أنه ليس معك أحد يؤنس وحشتك، فكرهت أن تبيت أنت في مكان وزوجتك في مكان آخر، فجئتك بها، فقلت: ويحي جئتني بها؟! فقال: نعم، فنظرت، فإذا هي قائمة بطولها، فالتفت إليها وقال: ادخلي إلى بيت زوجك يا بنتي على اسم الله وبركته، فلما أرادت أن تخطو، تعثرت بثوبها من الحياء حتى كادت تسقط على الأرض، أما أنا فقد وقفت أمامها ذاهلاً لا أدري ما أقول، ثم إني بادرت فسبقتها إلى القصعة التي فيها الخبز والزيت، فنحيتها من ضوء السراج حتى لا تراها، ثم صعدت إلى السطح وناديت الجيران، فأقبلوا علي وقالوا: ما شأنك؟ فقلت: عقد لي سعيد بن المسيب على ابنته اليوم في المسجد، وقد جاءني بها

стр. 441

الآن على غفلة، فتعالوا آنسوها حتى أدعو أمي، فهي بعيدة الدار فقالت عجوز منهن: ويحك أتدري ما تقول؟! أزوجك سعيد بن المسيب ابنته، وحملها لك إلى البيت بنفسه؟! وهو الذي ضن بها على الوليد بن عبد الملك، فقلت: نعم، وها هي ذي عندي في بيتي، فهلموا إليها، وانظروها، فتوجه الجيران إلى البيت، وهم لا يكادون يصدقونني، ورحبوا بها، وآنسوا وحشتها، كما وجه إلينا سعيد بن المسيب مبلغًا وفيرًا من المال لنستعين به على حياتنا (١). وهكذا تعاونوا فيما بينهم لتيسير أمور الزواج فعلى أولياء الأمور التيسير على الشباب في أمور الزواج فالسعادة ليست في كثرة المهور والتفاخر بها، وإنما في طاعة الله . ذو القرنين كان يأجوج ومأجوج أناسًا لهم أشكال مخيفة، يفسدون في الأرض لا يصلحون، وكان في زمانهم ملك يسمى ذو القرنين، آتاه الله ملكا عظيمًا ومنحه القوة والسلطان، وفي يوم من الأيام، وصل ذو القرنين بجيشه إلى المكان الذي يعيش فيه هؤلاء القوم، وكان يسكن في المكان نفسه قوم ضعاف، فلما رأوا ذا القرنين، استنجدوا به حتى يحميهم من يأجوج ومأجوج، واقترحوا عليه أن يصنع لهم سدًا يمنع عنهم شرهم، فوافق ذو القرنين على بناء السد، وطلب منهم أن يعاونوه ويساعدوه، حتى يتمكن من إنجاز هذا العمل الضخم، وتعاون القوم في صنع السد، وكان سدًا قويًا متينًا من سبيكة الحديد والنحاس، وعاش القوم بها في أمان وسلام. ٥ - تعاون الأبناء مع الأباء أمر الله تعالى نبيه إبراهيم ﵇ أن يبني الكعبة، ليحج إليها الناس ويزوروها من كل مكان وفي كل زمان، فاخبر إبراهيم ﵇ ولده إسماعيل ﵇ بذلك، فوافق على الفور، وتعاون مع أبيه في هذا العمل العظيم، فذهب

стр. 442

إلى المكان المخصص لبناء البيت، وكان يجمع الحجارة، وكان أبوه يقوم بعملية البناء، حتى ارتفع البناء، وكان إبراهيم وولده يدعوان ربهما أن يتقبل منهما هذا العمل الصالح بقولهما: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] فتقبل الله منهما دعاءهما. ٦ - التعاون من أجل مصلحة الوطن - عقد الشهيد حسن البنا مؤتمرًا وطنيًا كبيرًا بمدينة طنطا واصطحب معه أحد الأقباط المتخصصين ليتحدث عن قضية قناة السويس واسمه "نصيف ميخائيل" ليؤكد معنى التضامن بين المسلمين والمسيحيين. - وكان الأستاذ "لويس فانوس" وهو من زعماء الأقباط المرموقين يواظب على حضور حديث الثلاثاء للإمام حسن البنا بالمركز العام للإخوان المسلمين بالحلمية يوم الثلاثاء من كل أسبوع ويجلس بين إخوانه المسلمين بكل حب وإخاء، وكان صديقًا حميمًا للأستاذ البنا، وفي إحدى المرات رشح الشيخ حسن البنا نفسه في البرلمان المصري وكان وكيله في إحدى اللجان قبطيًا. - وكانت اللجنة السياسية المركزية من تسعة أعضاء برئاسة وكيل الجماعة وعضوية سكرتير الجماعة وعضو من مكتب الإرشاد، وثلاثة أعضاء أقباط هم "وهيب بك دوس" والأستاذ "لويس فانوس" عضو مجلس النواب، والصحفي الكبير "كريم ثابت"، وأرسل حسن البنا إلى توفيق دوس باشا تهنئة بمناسبة انتخابه عضوًا بمجلس الشيوخ رد عليها دوس بتهنئة بمناسبة صدور جريدة الإخوان المسلمين وأشاد بنزعة الإخوان المسلمين القومية. - وحينما هاجم "سلامة موسى" الإخوان بأنهم يثيرون الفتنة الطائفية في إحدى مقابلات الصحف، رد عليه المسيحي "توفيق غالي" بكل قوة قائلاً: إن الإخوان المسلمين أشرف الجماعات مقصدًا وأمثلهم خلقًا. - ويوم قُتل حسن البنا أيام الملك فاروق منعت الحكومة السعدية برئاسة إبراهيم عبد الهادي جثمانه من أن يشيع في جنازة، لم يمش وراء نعشه إلا اثنان هم والده، ومكرم عبيد باشا السياسي المسيحي الذي كان يحفظ القرآن عن ظهر قلب ويستشهد دائمًا بآياته

стр. 443

في خطبه البليغة (١). تعاون مرفوض: قال أبو عبد الله: لا أعرف كيف أروي هذه القصة التي عشتها منذ فترة والتي غيرت مجرى حياتي كلها، والحقيقة أنني لم أقرر أن أكشف عنها إلا من خلال إحساسي بالمسئولية تجاه الله، ولتحذير بعض الشباب الذي يعصي ربه وبعض الفتيات اللاتي يسعين وراء وهم زائف اسمه الحب. كنا ثلاثة من الأصدقاء يجمع بيننا الطيش والعجب، كلا بل أربعة، فقد كان الشيطان رابعنا. فكنا نذهب لاصطياد الفتيات الساذجات بالكلام المعسول ونستدرجهن إلى المزارع البعيدة، وهناك يفاجأن بأننا قد تحولنا إلى ذئاب لا ترحم توسلاتهن بعد أن ماتت قلوبنا ومات فينا الإحساس، هكذا كانت أيامنا وليالينا في المزارع، في المخيمات والسيارات على الشاطئ، إلى أن جاء اليوم الذي لا أنساه. ذهبنا كالمعتاد للمزرعة كان كل شيء جاهزًا، الفريسة لكل واحد منا، الشراب الملعون .. شيء واحد نسيناه هو الطعام وبعد قليل ذهب أحدنا لشراء طعام العشاء بسيارته كانت الساعة السادسة تقريبًا عندما انطلق ومرت الساعات دون أن يعود، وفي العاشرة شعرت بالقلق عليه فانطلقت بسيارتي أبحث عنه وفي الطريق؛ وعلى البعد رأيت سيارة ينبعث منها دخان كثيف، وعندما وصلت فوجئت بأنها سيارة صديقي والنار تلتهمها وهي مقلوبة على أحد جانبيها، أسرعت كالمجنون أحاول إخراجه من السيارة المشتعلة وذُهلت عندما وجدت نصف جسده وقد تفحم تمامًا لكنه كان ما يزال على قيد الحياة فنقلته إلى الأرض. وبعد دقيقة فتح عينيه وأخذ يهذي النار النار فقررت أن أحمله بسيارتي وأسرع به إلى المستشفى لكنه قال لي بصوت باك: لا فائدة لن أصل.

стр. 444

فخنقتني الدموع وأنا أرى صديقي يموت أمامي وفوجئت به يصرخ: ماذا أقول له؟ ماذا أقول له؟ نظرت إليه بدهشة وسألته: من هو؟ قال بصوت كأنه قادم من بئر عميق: الله. أحسست بالرعب يجتاح جسدي ومشاعري وفجأة أطلق صديقي صرخة مدوية ولفظ آخر أنفاسه ومضت الأيام لكن صورة صديقي الراحل لا تزال تتردد في ذهني وهو يصرخ والنار تلتهمه .. ماذا أقول له؟ ماذا أقول له؟ ووجدت نفسي أتساءل: وأنا ماذا سأقول له؟ فاضت عيناي واعترتني رعشة غريبة وفي نفس اللحظة سمعت المؤذن لصلاة الفجر ينادي: الله أكبر الله أكبر حي على الصلاة، أحسست أنه نداء خاص بي يدعوني إلى طريق النور والهداية، فاغتسلت وتوضأت وطهرت جسدي من الرذيلة التي غرقت فيها لسنوات وأديت الصلاة ومن يومها لم يفتني فرض. وأحمد الله الذي لا يحمد سواه لقد أصبحت إنسانًا آخر وسبحان مغير الأحوال وبإذن الله أستعد للذهاب لأداء العمرة وإن شاء الله الحج فمن يدري فالأعمار بيد الله. - ثبتنا الله على الحق ولن نقول لكل شاب إلا الحذر الحذر من صحبة من يعينوك على تعدي حدود الله وفيما قرأت عبرة وعظة فهل من معتبر (١)؟ سبب إسلامه: أستاذ الصحافة المسلم "مارك شيلفر" أستاذ علم الصحافة بجامعة نيويورك من أسرة مسيحية كاثوليكية، سافر إلى المغرب يقول: "تعثرت قدمي في حفرة ذات يوم حينما خرجت لأول مرة إلى مكان شعبي بمدينة الرباط، وعلى الفور وجدت عددًا من المغاربة يسارعون إليَّ لمساعدتي على النهوض، ويسألونني في لهفة عما إذا كنت قد أصبت بسوء!! ". ثم أردف هذا الموقف بما حدث أثناء فترة مرضه قائلا: "ومرضت ذات مرة فوجدت

стр. 445

عشرات من جيراني ومعارفي يأتون زيارتي، ويحاول كل منهم أن يصنع لي شيئًا، فدهشت لهذا السلوك الإنساني الذي لم أجد له نظيرًا في بلدي أمريكا، حيث الكل لا يهتم إلا بنفسه، وطابع الحياة المادية البحتة هناك يصبغهم جميعًا بالأنانية". وبينما أنا أقلب ترجمة معاني القرآن الكريم إذا بي أطالع تفسير الآيتين الكريمتين: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣) قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [الأنعام: ١٠٣ - ١٠٤]. عندئذ لم أتمالك نفسي، ووجدت الدموع تنهمر من عيني، ومن ثم أيقنت أن هذه إشارة صريحة من الله ترشدني إلى الإسراع في اعتناق الدين الإسلامي، واللحاق بركب الموحدين، وعلى الفور، حزمت حقائي، وسافرت إلى أمريكا حيث أشهرت إسلامي أنا وزوجتي وولدي بالمسجد الكبير في نيويورك (١). ...

стр. 446

صلة الرحم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٢١]. وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. وقال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء: ٢٦]. وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره (أجله: أي يظل ذكره حتى بعد وفاته) فليصل رحمه" [رواه البخاري] والمقصود بالزيادة في الرزق أي زيادة البركة والزيادة في العمر بالتوفيق إلى الطاعة أو بقاء ذكره الجميل بعد وفاته. وعن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت" [متفق عليه]. طريق الجنة عن أبي أيوب أن أعرابيًا عرض لرسول الله ﷺ وهو في سفر، فأخذ بخطام ناقته أو زمامها ثم قال: يا رسول الله -أو يا محمد- أخبرني بما يقربني من الجنة ويباعدني عن النار، قال: فكف النبي ثم نظر في أصحابه، ثم قال: "لقد وفق" أو "لقد هدي، قال: كيف قلت؟ قال: فأعادها، فقال النبي: "تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم، دع الناقة" وفي رواية: "وتصل ذا الرحم" فلما أدبر قال رسول الله ﷺ : "إن تمسك بما أمرته به دخل الجنة" [رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم]. من ثمارها عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله ليعمر بالقوم الديار ويثمر لهم الأموال، وما نظر إليهم منذ خلقهم بغضا لهم". قيل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: "بصلتهم أرحامهم" رواه الطبراني.

стр. 447

وعن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: "الرحم متعلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله" رواه البخاري ومسلم. وعن النبي- ﷺ قال: "الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة" رواه الترمذي. وصية عن أبي ذر ﷺ قال رسول الله ﷺ : "إنكم ستفتحون مصر، هي أرض يسمى فيها القراط فاستوصوا بأهلها خيرا، فإن لهم ذمة ورحما" رواه مسلم. والرحم كون هاجر أم إسماعيل منهم، والذمة المراد منها المصاهرة لأن مارية أم إبراهيم ابن النبي- ﷺ منهم. تدفع ميتة السوء عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال:" إن الصدقة وصلة الرحم يزيد الله بهما في العمر، ويدفع بهما ميتة المكروه والمحذور" رواه أبو يعلي. تيسير الحساب وتدخل صاحبها الجنة عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : "ثلاث من كن فيه حاسبه الله حسابا يسرا وأدخله الجنة برحمته"، قالوا: وما هي يا رسول الله بأبي أنت وأمي؟ قال: "تعطى من حرمك، وتصل من قطعك، وتعفو عمن ظلمك، فإذا فعلت ذلك يدخلك الله الجنة" [رواه البزار والطبراني والحاكم]. ترفع الدرجات يوم القيامة عن عبادة بن الصامت ﵁ قال رسول الله ﷺ : "ألا أدلكم على ما يرفع الله به الدرجات؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال:"تحلم على من جهل عليك، وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك" [رواه البزار والطبراني]. ليس الواصل بالمكافيء عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ قال: "ليس الواعل بالمكافيء ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها" رواه البخاري. وعن أبي هريرة ﵁ أن رجلا قال: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني،

стр. 448

وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عليهم ويجهلون علي، فقال: "إن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل (الرماد) ولا يزال معك من الله ظهير ما دمت على ذلك" رواه مسلم. وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "يقول الله : أنا الله وأنا الرحمن، خلقت الرحم، وشققت لها اسما من أسمائي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته" [رواه أبو داود والترمذي]. احذر قطيعة الرحم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾ [الرعد: ٢٥]. وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم، فقالت: هذا مقام العائذ بك (المستجير بك) من القطيعة، قال: نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذاك لك" ثم قال رسول الله ﷺ :"اقرأوا إن شئتم ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣)﴾ [محمد: ٢٢ - ٢٣] [رواه البخاري ومسلم]. وعن أبي محمد جبير بن مطعم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يدخل الجنة قاطع" يعني قاطع رحم. رواه البخاري ومسلم؛ أي لا يدخلها أبدا إن أنكر وجود صلة الرحم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أعمال بى آدم تعرض كل خميس ليلة الجمعة فلا يقبل عمل قاطع رحم" رواه أحمد. وعن أبي بكرة ﵁ قال رسول الله ﷺ :"ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخر من البغي وقطيعة الرحم" رواه الترمذي. مثل شائع خاطيء الأقارب عقارب، هذا مثل أحمق مضلّ يحض على قطيعة الرحم التي أمر الله أن توصل، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١].

стр. 449

العدل يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]. القسط هو العدل، تقول: أقسط الرجل فهو مقسط، إذا عدل. أما إذا قلت: قسط الرجل فهو قاسط أي ظالم وجائر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥]. قال الفراء: هم الجائرون الكفار، فالمقسط عكس القاسط. فالعدل ليس صفة كمالية أو ترفا حضاريا، وإنما هو فريضة ربانية ومطلب بشري. لذلك جاءت الرسالات كلها تأمر الناس بالقسط، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]. ومن الحكم المشهورة: العدل ليس في نص القانون، وإنما هو في ضمير القاضي. من أنواع العدل العدل الاجتماعي: وهو العدل في توزيع الثروة، وإتاحة الفرص المتكافئة لأبناء الأمة الواحدة، وإعطاء العاملين ثمرة أعمالهم وجهودهم دون أن يسرقها القادرون أصحاب السلطة، فمن لم يطعم المسكين كان من أهل الجحيم ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾ [المدثر: ٤٣ - ٤٤] ولا يكفي أن تطعم المسكين، بل يجب أن تدعو إلى إطعامه ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣)﴾ [الماعون: ١ - ٣]. والمجتمع الجاهلي مذموم لضياع الفئات الضعيفة فيه وانشغال الأقوياء بأكل المال: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾ [الفجر: ١٧ - ٢٠]. على الدولة أن تتخذ الوسائل لمساعدة الفقراء ولو كانوا من غير المسلمين ..

стр. 450

عدل عمر مع أهل الذمة مر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب الناس، فقال: ما أنصفناك، إن كنا أخذنا منك الجزية في شبيبتك، ثم ضيعناك في كبرك. ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه، ويقول عمر: لو مات جمل ضياعا على شط الفرات، لخشيت أن يسألني الله عنه. والإسلام يأمر بالعدل مع النفس بأن يوازن بين حق نفسه، وحق ربه، وحقوق غيره، قال رسول الله لعبد الله بن عمرو حين جار على حق نفسه بمداومة صيام النهار وقيام الليل: "إن لبدنك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا، وإن لزورك عليك حقا" متفق عليه. يأمر الإسلام بالعدل في القول فلا يخرجه الغضب عن قول الحق ولا يدخله الرضا في قول الباطل قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: ١٥٢]. العدل في الشهادة: ﴿قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٨]. العدل في الحكم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]. يقول سيد قطب: وتدبير الله لهذا الكون ولحياة الناس متلبس دائما بالقسط وهو العدل، فلا يتحقق العدل المطلق في حياة الناس، ولا تستقيم أمورهم استقامة أمور الكون، التي يؤدي كل كائن معها دوره في تناسق مطلق مع دور كل كائن آخر، لا يتحقق هذا إلا بتحكيم منهج الله الذي اختاره لحياة الناس، وبينه في كتابه، وإلا فلا قسط ولا عدل، ولا استقامة ولا تناسق، ولا تلاؤم بين دورة الكون ودورة الإنسان، وهو الظلم إذن والتصادم والتشتت والضياع. وها نحن نرى على مدار التاريخ أن الفترات التي حكم فيها كتاب الله وحدها هي التي ذاق فيها الناس طعم القسط، واستقامت حياتهم استقامة دورة الفلك بقدر ما تطيق طبيعة البشر المتميزة بالجنوح إلى الطاعة والجنوح إلى المعصية، والتأرجح بين هذا وذاك، والقرب من الطاعة كلما قام منهج الله، وحكم في حياة الناس كتاب الله، وأنه حيثما حكم في حياة الناس منهج آخر من صنع البشر، لازمه جهل البشر وقصور البشر، كما

стр. 451

لازمه الظلم والتناقض في صورة من الصور. ظلم الفرد للجماعة أو ظلم الجماعة للفرد، أو ظلم طبقة لطبقة أو ظلم أمة لأمة، أو ظلم جيل لجيل، وعدل الله وحده هو المبرأ من الميل لأي من هؤلاء، وهو إله جميع العباد، وهو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء (١). عدل الرسول في غزوة بدر قال رسول الله ﷺ : "استو يا سواد" -بعد أن ضربه ضربة خفيفة برمح كان معه- فقال: يا رسول الله أوجعتني، وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني، فكشف رسول الله عن بطنه، فقال: "استقدد"، قال: فاعتنقه فقبل بطنه فقال: "ما حملك على هذا يا سواد؟ " قال: يا رسول الله حضر ما ترى فأردت أن يكون آخر عهدي بك أن يمس جلدي جلدك، فدعا له رسول الله ﷺ بخير. ويضرب الرسول ﷺ من نفسه نموذجا في القصاص. عدل الصحابة معاذ بن جبل ﵁ لم يزل بالجند إذ بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن، حتى مات النبي ﷺ وأبو بكر، ثم قدم على عمر، فرده على ما كان عليه، فبعث إليه معاذ بثلث صدقة الناس، فأنكر ذلك عمر، وقال له: لم أبعثك جابيا، آخذا جزية، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس، فتردها على فقرائهم، فقال معاذ: ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد أحدا يأخذه مني. فلما كان العام الثاني بعث إليه شطر الصدقة (نصفها) فتراجعا بمثل ذلك، فلما كان العام الثالث بعث إليه بها كلها، فراجعه عمر، فقال معاذ: ما وجدت أحدا يأخذ مني شيئًا. لقد انتصر الإسلام على الفقر في ظل العدل الإسلامي في توزيع الزكاة على الفقراء، فإذا أردنا القضاء على الفقر فعلينا بتطبيق شرع الله في الأرض. العبد الصالح في يوم من الأيام كان فيروز الديلمي داخلا على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁

стр. 452

فزاحمه فتى من قريش يريد أن يدخل قبله، فرفع فيروز يده، وضربه على أنفه، فدخل الفتى على عمر، والدم يسيل من أنفه، وحكى له ما حدث. فقال عمر لفيروز: ما هذا يا فيروز؟ فأجره فيروز بما حدث، فأمر عمر بالقصاص. فجلس فيروز على ركبتيه فقام الغلام ليقتص منه، فطلب إليه عمر أن يتمهل، وقال له: سمعت رسول الله ذا غداة، يقول: "قُتل الليلة الأسود العنسي الكذاب؛ قتله العبد الصالح فروز الديلمي" فلما سمع الفتى أن الرسول قال عن فيروز أنه عبد صالح، عفا عنه، فأعطاه فيروز سيفه وفرسه وثلاثين ألفا، فقال عمر للقرشي: يا أخا قريش، عفوت مأجورا وأخذت مالا. إنه العدل العمري الذي تعلمه من الرسول ﷺ . ضربة وحجة ذات يوم خرج عمر بن الخطاب ﵁ إلى سوق المدينة يتفقد أحوال الرعية، وفي يده درته، فرأى سلمة بن الأكوع يسير في وسط الطريق، فضربه عمر ضربة خفيفة بالدرة فأصابت طرف ثوبه وأمره أن يسير في جانب الطريق، فلما كان العام التالي قابله عمر في نفس الموضع، فقال له: يا سلمة أتريد الحج؟ فقال سلمة: نعم يا أمير المؤمنين، فأخذ عمر بيده، وانطلق به إلى منزله، فأعطاه ستمائة درهم، وقال له: استعن بها على حجك، واعلم أنها بالخفقة (الضربة الخفيفة) التي خفقتك بها العام الماضي. قال سلمة: يا أمير المؤمنين، ما ذكرتها. قال عمر: وأنا ما نسيتها. عمر يتذكر موقفه يوم القيامة وحساب الله فيسارع إلى العدل وإرضاء الآخرين، انظر ماذا ستفعل إذا كنت مسئولا عن الرعية؟ موقف رائع حمى عمر أرضا قرب المدينة لترعى فيها دواب المسلمين -ومعنى حمايتها أي جعلها ملكا عاما بين الجميع- ولكنه لم يكتف بذلك، فجعل هذا الحمى لمصلحة الطبقة الفقيرة،

стр. 453

وذوي الدخل المحدود قبل كل شيء، ليكون هذا المرعى المجاني مصدرا لزيادة ثروتهم الحياتية، وزيادة دخلهم منها، ليستغنوا بذلك عن طلب المعونة من الدولة، وهذا الهدف واضح في وصية عمر للذي ولاه على هذا الحمى للإشراف عليه، فقد قال له: اضمم جناحك عن الناس، واتق دعوة المظلوم فإنها مجابة، وأدخل رب الصُّريمة والغنيمة (الصريمة: الإبل القليلة، الغنيمة: الغنم القليلة) ودعني من نعم ابن عفان، ونعم ابن عوف (أي إبل الأثرياء وغنمهم) فإنهما إن أهلكت ماشيتهما رجعا إلى نخل وزرع (أي لهم ثروات ومصادر أخرى للدخل) وإن هذا المسكين (أي رب الصريمة والغنيمة) إن هلكت ماشيته جاءني ببنيه، يصرخ: يا أمير المؤمنين، أفتاركهم أنا لا أبا لك؟ فالكلأ أيسر علي من الذهب والورق (النقود الفضية). فتجب عناية الدولة الإسلامية بذوي المال القليل والدخل الضئيل، وإتاحة الفرصة ليكسبوا ولو كان ذلك بالتضييق على ذوي الثروات الكبيرة وحرمانهم مما يتيح للفئات الضعيفة من وسائل الكسب، وكل إنسان في كنف الدولة الإسلامية من حقه إن هلك مصدر دخله وضاع مورد رزقه أن يصرخ في وجه الحاكم المسئول مطالبا بحقه وحق بنيه في خزانة الدولة والسياسة الراشدة هي التي تعمل على توفير مصادر الدخل للفقراء لتستغني بجهدهم عن طلب المعونة، وتكليفها عبء الإنفاق عليهم من خزانتها. هل تحرص على العدل بين الموظفين في العمل، وبين أولادك في المنزل؟ عدل يفوق الخيال في أثناء الفتوح الإسلامية حاصر جيش المسلمين مدينة سمرقند وكانت مدينة حصينة ومنيعة، يصعب على أي جيش أن يدخلها مهما كان قويًا بسبب حصونها وقلاعها، ولما طال الحصار فكر قائد جيش المسلمين قتيبة بن مسلم في خطة ليدخل المدينة، وبدأت الخطة بأن دخل عدد من جنود المسلمين الشجعان في هيئة تجار يبيعون سلعًا وبضائع، وبعد أن صاروا داخل المدينة هاجموا الحصون والقلاع واستولوا عليها، ثم فتحوا الأبواب، فدخل بقية جيش المسلمين، واستسلم عندئذ أهل سمرقند وسقطت المدينة في أيدي المسلمين. واجتمع أهل سمرقند عند كبير الكهنة، وسألوه النصيحة، فقال لهم: "سأطالب

стр. 454

بمحاكمة قائد جيش المسلمين". قال أحدهم: "ومن سيوافقنا على محاكمة قائد جيش المسلمين وهم المنتصرون؟!! ". فأجاب كبير الكهنة: "خليفة المسلمين عمر بن عبد العزيز فهو رجل عادل". وأرسل كبير الكهنة أحد أعوانه إلى الشام، وقابل الخليفة عمر بن عبد العزيز، فأحسن استقباله، واستمع إليه جيدًا، وقال له: "اطمئن واهدأ بالاً، فالإسلام لا يعرف غير العدل" وأعطاه خطابًا إلى الوالي حاكم المسلمين في سمرقند، وذهب كبير الكهنة بالخطاب إلى حاكم سمرقند المسلم فقرأه فوجد الخليفة يأمره بأن يختار أحد القضاة المسلمين ليحكم في الشكوى التي قدمها كهنة سمرقند واختار الوالي قاضيًا يثق فيه، وحدد موعدًا للمحاكمة. استمع القاضي إلى كبير الكهنة الذي تكلم عن أهل سمرقند وقال: "نحن نعرف أن دينكم قد حدد ثلاثة أمور لنشر دعوته أولها: الدعوة إلى الدخول في الإسلام، فمن لم يقبل فعليه دفع الجزية مقابل توفير الأمن والدفاع عنه وهذا هو الثاني، فإن رفض الدخول في الإسلام ورفض دفع الجزية يأتي دور الحرب والقتال، ولكن جيشكم لم يفعل هذا ودخل مدينتنا بالخديعة". فسأل القاضي قائد المسلمين: "هل هذا ما حدث؟ ". أجاب القائد المسلم: "أصلح الله القاضي! إن الحرب خدعة وهذا البلد أنقذه الله على أيدي جنودنا وهداه إلى طريق الحق والنور". فقال القاضي: "وهل خيرتم أهله بين واحدة من ثلاث: إما الإسلام، وإما الجزية، وإلا فالحرب؟ ". قال القائد: "لا أيها القاضي". عندئذ أصدر القاضي المسلم أعجب حكم في التاريخ قال: "قد حكمت على جيش المسلمين بأن يخرج من سمرقند ويسلم البلاد إلى أهلها، ثم يعرض عليهم الدخول في الإسلام، فإن لم يقبلوا فالجزية، وإلا فيعلق عليهم الحرب والقتال".

стр. 455

وتم تنفيذ الحكم، وانسحب جيش المسلمين من سمرقند، وعادت المدينة إلى أهلها، ودهش الجميع أمام هذا الحكم الذي يدل على عدالة الإسلام، وكانت النتيجة أن دخل أهل سمرقند في الإسلام، وعاد جنود المسلمين إليها، ليسوا جنودًا محاربين بل إخوة متحابين يعانق كل واحد منهم أخاه من أهل سمرقند، ويهنئه بالدخول في الإسلام تحت راية الحب والسلام!! عدل المسلمين اختلف علي بن أبي طالب ﷺ ذات يوم مع رجل يهودي فذهبا إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ليحكم بينهما، فقال عمر بن الخطاب ﵁ للإمام علي: اجلس يا أبا الحسن إلى جوار خصمك؟. فجلس علي وقد بدت على وجهه علامات التأثر والألم، وبعد أن حكم أمير المؤمنين عمر بينهما بالحق وانصرف اليهودي راضيًا التفت إلى علي وقال له: هل أسأت إليك بطلبي الجلوس إلى جوار خصمك؟ قال علي: لا والله، وإنما أسأت لأنك قلت لي: يا أبا الحسن وفي هذا إكبار لي أمام خصمي، فخشيت أن يشعر هذا اليهودي بأنه لا يوجد عدل بين المسلمين. المساواة من العدل لما تولى أبو بكر ﵁ الخلافة خطب فيهم قائلا:"أيها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأطيعوني، وإن أسأت فقوموني، القوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي حتى آخذ له الحق، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم" إنه يوضح منهج العدل من أول يوم في خلافته. قال عمر بن الخطاب يوما: ما قولكم لو أن أمير المؤمنين شاهد امرأة على معصية؟ يعني أتكفي شهادته في إقامة الحد عليها؟ فقال له علي بن أبي طالب: يأتي بأربعة شهداء أو يجلد حد القذف شأنه في ذلك شأن المسلمين. إنها المساواة بين الجميع فلا فرق بين الحاكم والمحكوم، والرئيس والمرءوس إلا بالتقوى.

стр. 456

عبادة بن الصامت لقد كان عبادة بن الصامت من الصحابة الأجلاء، أسود اللون، وكان رئيس الوفد الذي أرسله عمرو بن العاص لمفاوضة المقوقس عظيم القبط، فضاق به المقوقس لسواده وبسط جسمه، وطلب من الوفد أن يتكلم غيره فردوا عليه: إن هذا أفضلنا رأيا وعلما، وهو سيدنا وخيرنا، وقد أمره الأمير علينا فلا نخالف أمره. فعجب المقوقس، كيف يكون الأسود أفضلهم؟ فردوا عليه بأن الألوان ليست ما يقاس به الرجل. إن الإسلام لا يعرف في تقييم البشر إلا الخلق والمواهب الفاضلة. عمر والعدل كان جبلة بن الأيهم آخر أمراء بني غسان، من قبل هرقل، وإن الغساسنة يعيشون تحت إمرة دولة الروم، وكان الروم يحرضونهم دائما على غزو الجزيرة العربية، خاصة بعد نزول الإسلام، ولما انتشرت الفتوحات الإسلامية، وتوالت انتصارات المسلمين على الروم، أخذت القبائل العربية في الشام تعلن إسلامها فبدا للأمير الغساني أن يدخل الإسلام هو أيضا، فأسلم وأسلم ذووه معه، وكتب إلى الفاروق يستأذنه في القدوم إلى المدينة، ففرح عمر بإسلامه وقدومه، فجاء إلى المدينة وأقام بها زمنا والفاروق يرعاه ويرحب به، ثم بدا له أن يخرج إلى الحج، وفي أثناء طوافه بالبيت الحرام وطيء إزاره رجل من بني فزارة فحله، فغضب الأمير الغساني لذلك، وهو حديث عهد بالإسلام، فلطمه لطمة قاسية هشمت أنفه، وأسرع الفزاري إلى أمير المؤمنين يشكو إليه ما حل به، وأرسل الفاروق إلى جبلة يدعوه إليه، ثم سأله فأقر بما حدث فقال له عمر: ماذا دعاك يا جبلة لأن تظلم أخاك هذا فتهشم أنفه؟ فأجاب بأنه قد ترفق كثيرا بهذا البدوي (وأنه لولا حرمة البيت الحرام لأخذت الذي فيه عيناه) فقال له عمر: لقد أقررت، فإما أن ترضي الرجل وإما أن أقتص منك، وزادت دهشة جبلة بن الأيهم لكل هذا الذي يجري، وقال: وكيف ذلك وهو سوقة وأنا ملك؟ فقال عمر: إن الإسلام قد سوى بينكما، فقال الأمير الغساني، لقد ظننت يا أمير المؤمنين أن أكون في الإسلام أعز مني في الجاهلية. فقال الفاروق: دع عنك هذا فإنك إن لم ترض الرجل اقتصصت منك. فقال جبلة: إذن أتنصر.

стр. 457

فقال عمر: إذا تنصرت ضربت عنقك، لأنك أسلمت فإن ارتددت قتلتك. وهنا أدرك جبلة أن الجدال لا فائدة منه، وأن المراوغة مع الفاروق لن تجدي، فطلب من الفاروق أن يمهله ليفكر في الأمر، فأذن له عمر بالانصراف، وفكر جبلة بن الأيهم ووصل إلى قرار، وكان غير موفق في قراره، فقد آثر أن يغادر مكة هو وقومه في جنح الظلام، وفر إلى القسطنطينية فوصل إليها متنصرا، وندم بعد ذلك على هذا القرار أشد الندم. وفي هذه القصة نرى حرص الإسلام على مبدأ المساواة؛ فالإسلام قد سوى بين الملك والسوقة، ولابد لهذه المساواة أن تكون واقعا حيا ليس مجرد كلمات توضع على الورق. رد المظالم تولى عمر بن عبد العزيز ﵁ الخلافة فأمر مناديا ينادي: ألا من كانت له مظلمة فليرفعها إلى أمير المؤمنين. وذات يوم كان عنده العباس بن الوليد بن عبد الملك، فدخل عليه رجل نصراني من أهل حمص، أبيض الرأس واللحية، فقال: يا أمير المؤمنين، أسألك بكتاب الله . قال عمر: وما ذاك؟ فأخبره الرجل أن العباس بن الوليد بن عبد الملك أخذ أرضه واغتصبها. فقال عمر للعباس: ما تقول؟ فأخبره العباس أن أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك كان قد أعطاها له، وكتب له بها عقدا، فقال عمر: ما تقول يا ذمي.؟ قال الذمي: يا أمير المؤمنين، أسألك كتاب الله ، فقال عمر: كتاب الله أحق أن يتبع من كتاب الوليد ابن عبد الملك، فاردد يا عباس أرضه، فردها العباس عليه. اشتري مظلمته لما رجع عمر بن الخطاب ﵁ من الشام إلى المدينة انفرد عن الناس ليعرف أخبار رعيته فمر بعجوز في خباء لها فقال: ما فعل عمر؟ قالت: أقبل من الشام سالما. فقال: ما تقولين فيه؟

стр. 458

قالت: يا هذا، لا جزاه الله عني خيرا. قال: ولم؟ قالت: لأنه ما أنالني من عطائه منذ ولي أمر المسلمين دينارا ولا درهما. فقال: وما يدري عمر بحالك وأنت في هذا الموضع؟ فقالت: سبحان الله، والله ما ظننت أحدا يولى على الناس ولا يدري ما بين مشرقها ومغربها. فبكى عمر وقال: واعمراه! كل الناس أفقه منك حتى العجائز يا عمر، ثم قال لها: يا أمة الله بكم تبيعين ظلامتك من عمر فإني أرحمه من النار؟ فقالت: لا تهزأ بنا، يرحمك الله. فقال عمر: لست أهزأ بك، ولم يزل بها حتى اشترى ظلامتها بخمسة وعشرين دينار. فبينما هو كذلك إذ أقبل علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، فقالا: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فوضعت العجوز يدها على رأشها وقالت: واسوءتاه! شتمت أمير المؤمنين في وجهه. فقال لها عمر: لا بأس عليك، يرحمك الله، ثم طلب قطعة جلد يكتب فيها فلم يجد، فقطع قطعة من مرقعته وكتب فيها: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما اشترى عمر من فلانة ظلامتها منذ ولي الخلافة إلى يوم كذا بخمسة وعشرين دينارًا، فما تدعي عليه عند وقوفه في الحشر بين يدي الله تعالى فعمر بريء منه، شهد على ذلك علي وابن مسعود". ثم دفعها إلى ولده وقال له: إذا أنا مت فاجعلها في كفني ألقى بها ربي (١). رجل يضرب الأمير عن عمر بن شيبة قال: قال عمرو بن العاص ﵁ لرجل من تجيب: يا منافق. فقال التجيبي: يا أمير المؤمنين، إن عَمْرًا نفَّقني، ولا والله ما نافقت منذ أسلمت، فكتب عمر -رضوان الله عليه- إلى عمرو، وكان إذا غضب كتب: إلى العاصي بن العاصي: أما بعد،

стр. 459

فإن فلانا التجيبي ذكر أنك نفقته، وقد أمرته إن أقام عليك شاهدين، أن يضربك أربعين -أو قال سبعين- فقام فقال: أنشد الله رجلا سمع عَمْرًا نفقني إلا قام فشهد، فقام عامة من في المسجد، فقال له حنتمة: أتريد أن تضرب الأمير؟ وعرض عليه الأرش "دية الجرح" فقال: لو ملأت لي هذه الكنيسة ما قبلت، فقال له حنتمة: أتريد أن تضربه؟ قال: ما أرى لعمر هاهنا طاعة، فلما ولما قال عمرو: ردوه، فأمكنه من السوط، وجلس بين يديه، فقال: أتقدر أن تمتنع عني بسلطانك؟ قال: لا، فامض لما أمرت به، قال: فإني قد عفوت عنك (١). قميص عمر جاءت إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أقمشة من اليمن، فأعطي كل رجل من المسلمين قطعة تكفي ثوبا واحدا، ثم أخذ نصيبه ونصيب ولده عبد الله وخاطه ولبسه. فلما صعد عمر المنبر ليخطب في الناس، وقال: أيها الناس اسمعوا وأطيعوا، قام إليه رجل من المسلمين، وقال: لا سمعا ولا طاعة، فقال عمر: ولم ذلك؟ قال: لأنك استأثرت علينا، قال عمر: بأي شيء؟ قال الرجل: لقد أعطيت كلا منا قطعة من القماش، تكفي ثوبا واحدا، وأنت رجل طويل، وهذه القطعة لا تكفيك ثوبا، ونراك قد خيطه قميصا تاما، فلابد أنك أخذت أكثر مما أعطيتنا، فالتفت أمير المؤمنين إلى ابنه عبد الله، وقال: يا عبد الله أجبه عن كلامه، فقال عبد الله: لقد أعطيته من كسائي ما أتم به قميصه، قال الرجل: أما الآن فالسمع والطاعة. الأمير لا يستأثر على الرعية بأموال لا تحل له من المال العام. مجلس القضاء كان بين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وأبي بن كعب ﵄ خصومة فذهبا إلى زيد بن ثابت ليحكم بينهما، فرحب بهما زيد، وأدخلهما ووسع لعمر ليجلسه في مكان متميز، وقال: اجلس ما هنا يا أمير المؤمنين، فقال له عمر: هذا أول جور (ظلم) جرت في حكمك، ولكن أجلس مع خصمي. وجلس الخصمان معا أمام زيد، فادعى أبي شيئا وأنكر عمر، وفي مثل هذه الحال، على المدعي أن يأتي ببينة، وعلى من أنكر أن يقسم، عندئذ قال زيد لأبي: أعف أمير

стр. 460

المؤمنين من اليمين، وما كنت لأسألها لأحد غيره، ولكن عمر رفض وحلف اليمين، ثم قام غاضبا لأن القاضي يفرق بينه وبين خصمه، وأقسم ألا يتولى زيد القضاء، حتى يكون عمر ورجل من عموم المسلمين عنده سواء، لا فرق بينهما. إذا أخطأ الأمير مع بعض الرعية، فلابد أن يقدم إلى التحقيق والقضاء، بلا تفريق بينهما، حتى ينتشر العدل، ويشعر الجميع بالأمان. الرسالة دخل أعرابي على عمر بن الخطاب ﵁ غاضبا، وألقى في حجره لفافة من الشعر، فقال عمر: ما هذا؟ قال الأعرابي: جئت أشكو إليك فقد ظلمني الوالي أبو موسى الأشعري، قال عمر: وماذا فعل؟ قال الأعرابي: لم يعطني حقي كاملا، فرددته إليه، فغضب، وجلدني عشرين سوطا، وقص شعري، وهو في هذه اللفافة التي ألقيتها إليك. فتألم عمر وأرسل إلى أبي موسى الأشعري يأمره أن يجلس أمام جماعة من المسلمين ليجلده الأعرابي عشرين سوطا، ثم يحلق له شعر رأسه. فلما قرأ أبو موسى رسالة عمر قام إلى الأعرابي وقال له: تقدم ونفذ ما أمر به عمر، ثم أعطاه سوطا ليجلده، وقدم إليه رأسه ليحلقه، فتأثر الأعرابي، وعفا عنه، وقال: لن يظلم أحد وعمر أمير المؤمنين. لا يظلم أحد أبدا في ظل تطبيق شريعة الله، فلنحرص على تطبيقها في أنفسنا تطبق على أرضنا. دعوة المظلوم مستجابة ادعت أروى بن أويس على سعيد بن زيد ﵁ أنه أخذ شيئا من أرضها، فخاصمته (شكته) إلى مروان بن الحكم، وقالت: إنه أخذ حقي، فترك سعيد ما ادعت المرأة من الأرض، ثم قال: اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها، واجعل قبرها في دارها. فجاء سيل من الماء فأظهر عن ضفتها (حدود الأرض) فإذا حقها من الأرض خارجا عن حق سعيد، فذهب إلى مروان وأخبره عما رأى، وعلم مروان والناس أن المرأة ظلمت سعيدا، وبعد فترة عميت المرأة، وسقطت في بئرها، فماتت استجابة لدعوة سعيد. فتذكر -أخي المسلم- أن دعوة الظلوم مستجابة، فلا تظلمن أحدا مهما كنت مسئولاً.
следующие страницы →