← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96918

موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق

ياسر عبد الرحمن

Полный текст (763 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

عبادة بن الصامت لقد كان عبادة بن الصامت من الصحابة الأجلاء، أسود اللون، وكان رئيس الوفد الذي أرسله عمرو بن العاص لمفاوضة المقوقس عظيم القبط، فضاق به المقوقس لسواده وبسط جسمه، وطلب من الوفد أن يتكلم غيره فردوا عليه: إن هذا أفضلنا رأيا وعلما، وهو سيدنا وخيرنا، وقد أمره الأمير علينا فلا نخالف أمره. فعجب المقوقس، كيف يكون الأسود أفضلهم؟ فردوا عليه بأن الألوان ليست ما يقاس به الرجل. إن الإسلام لا يعرف في تقييم البشر إلا الخلق والمواهب الفاضلة. عمر والعدل كان جبلة بن الأيهم آخر أمراء بني غسان، من قبل هرقل، وإن الغساسنة يعيشون تحت إمرة دولة الروم، وكان الروم يحرضونهم دائما على غزو الجزيرة العربية، خاصة بعد نزول الإسلام، ولما انتشرت الفتوحات الإسلامية، وتوالت انتصارات المسلمين على الروم، أخذت القبائل العربية في الشام تعلن إسلامها فبدا للأمير الغساني أن يدخل الإسلام هو أيضا، فأسلم وأسلم ذووه معه، وكتب إلى الفاروق يستأذنه في القدوم إلى المدينة، ففرح عمر بإسلامه وقدومه، فجاء إلى المدينة وأقام بها زمنا والفاروق يرعاه ويرحب به، ثم بدا له أن يخرج إلى الحج، وفي أثناء طوافه بالبيت الحرام وطيء إزاره رجل من بني فزارة فحله، فغضب الأمير الغساني لذلك، وهو حديث عهد بالإسلام، فلطمه لطمة قاسية هشمت أنفه، وأسرع الفزاري إلى أمير المؤمنين يشكو إليه ما حل به، وأرسل الفاروق إلى جبلة يدعوه إليه، ثم سأله فأقر بما حدث فقال له عمر: ماذا دعاك يا جبلة لأن تظلم أخاك هذا فتهشم أنفه؟ فأجاب بأنه قد ترفق كثيرا بهذا البدوي (وأنه لولا حرمة البيت الحرام لأخذت الذي فيه عيناه) فقال له عمر: لقد أقررت، فإما أن ترضي الرجل وإما أن أقتص منك، وزادت دهشة جبلة بن الأيهم لكل هذا الذي يجري، وقال: وكيف ذلك وهو سوقة وأنا ملك؟ فقال عمر: إن الإسلام قد سوى بينكما، فقال الأمير الغساني، لقد ظننت يا أمير المؤمنين أن أكون في الإسلام أعز مني في الجاهلية. فقال الفاروق: دع عنك هذا فإنك إن لم ترض الرجل اقتصصت منك. فقال جبلة: إذن أتنصر.

стр. 457

فقال عمر: إذا تنصرت ضربت عنقك، لأنك أسلمت فإن ارتددت قتلتك. وهنا أدرك جبلة أن الجدال لا فائدة منه، وأن المراوغة مع الفاروق لن تجدي، فطلب من الفاروق أن يمهله ليفكر في الأمر، فأذن له عمر بالانصراف، وفكر جبلة بن الأيهم ووصل إلى قرار، وكان غير موفق في قراره، فقد آثر أن يغادر مكة هو وقومه في جنح الظلام، وفر إلى القسطنطينية فوصل إليها متنصرا، وندم بعد ذلك على هذا القرار أشد الندم. وفي هذه القصة نرى حرص الإسلام على مبدأ المساواة؛ فالإسلام قد سوى بين الملك والسوقة، ولابد لهذه المساواة أن تكون واقعا حيا ليس مجرد كلمات توضع على الورق. رد المظالم تولى عمر بن عبد العزيز ﵁ الخلافة فأمر مناديا ينادي: ألا من كانت له مظلمة فليرفعها إلى أمير المؤمنين. وذات يوم كان عنده العباس بن الوليد بن عبد الملك، فدخل عليه رجل نصراني من أهل حمص، أبيض الرأس واللحية، فقال: يا أمير المؤمنين، أسألك بكتاب الله . قال عمر: وما ذاك؟ فأخبره الرجل أن العباس بن الوليد بن عبد الملك أخذ أرضه واغتصبها. فقال عمر للعباس: ما تقول؟ فأخبره العباس أن أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك كان قد أعطاها له، وكتب له بها عقدا، فقال عمر: ما تقول يا ذمي.؟ قال الذمي: يا أمير المؤمنين، أسألك كتاب الله ، فقال عمر: كتاب الله أحق أن يتبع من كتاب الوليد ابن عبد الملك، فاردد يا عباس أرضه، فردها العباس عليه. اشتري مظلمته لما رجع عمر بن الخطاب ﵁ من الشام إلى المدينة انفرد عن الناس ليعرف أخبار رعيته فمر بعجوز في خباء لها فقال: ما فعل عمر؟ قالت: أقبل من الشام سالما. فقال: ما تقولين فيه؟

стр. 458

قالت: يا هذا، لا جزاه الله عني خيرا. قال: ولم؟ قالت: لأنه ما أنالني من عطائه منذ ولي أمر المسلمين دينارا ولا درهما. فقال: وما يدري عمر بحالك وأنت في هذا الموضع؟ فقالت: سبحان الله، والله ما ظننت أحدا يولى على الناس ولا يدري ما بين مشرقها ومغربها. فبكى عمر وقال: واعمراه! كل الناس أفقه منك حتى العجائز يا عمر، ثم قال لها: يا أمة الله بكم تبيعين ظلامتك من عمر فإني أرحمه من النار؟ فقالت: لا تهزأ بنا، يرحمك الله. فقال عمر: لست أهزأ بك، ولم يزل بها حتى اشترى ظلامتها بخمسة وعشرين دينار. فبينما هو كذلك إذ أقبل علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، فقالا: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فوضعت العجوز يدها على رأشها وقالت: واسوءتاه! شتمت أمير المؤمنين في وجهه. فقال لها عمر: لا بأس عليك، يرحمك الله، ثم طلب قطعة جلد يكتب فيها فلم يجد، فقطع قطعة من مرقعته وكتب فيها: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما اشترى عمر من فلانة ظلامتها منذ ولي الخلافة إلى يوم كذا بخمسة وعشرين دينارًا، فما تدعي عليه عند وقوفه في الحشر بين يدي الله تعالى فعمر بريء منه، شهد على ذلك علي وابن مسعود". ثم دفعها إلى ولده وقال له: إذا أنا مت فاجعلها في كفني ألقى بها ربي (١). رجل يضرب الأمير عن عمر بن شيبة قال: قال عمرو بن العاص ﵁ لرجل من تجيب: يا منافق. فقال التجيبي: يا أمير المؤمنين، إن عَمْرًا نفَّقني، ولا والله ما نافقت منذ أسلمت، فكتب عمر -رضوان الله عليه- إلى عمرو، وكان إذا غضب كتب: إلى العاصي بن العاصي: أما بعد،

стр. 459

فإن فلانا التجيبي ذكر أنك نفقته، وقد أمرته إن أقام عليك شاهدين، أن يضربك أربعين -أو قال سبعين- فقام فقال: أنشد الله رجلا سمع عَمْرًا نفقني إلا قام فشهد، فقام عامة من في المسجد، فقال له حنتمة: أتريد أن تضرب الأمير؟ وعرض عليه الأرش "دية الجرح" فقال: لو ملأت لي هذه الكنيسة ما قبلت، فقال له حنتمة: أتريد أن تضربه؟ قال: ما أرى لعمر هاهنا طاعة، فلما ولما قال عمرو: ردوه، فأمكنه من السوط، وجلس بين يديه، فقال: أتقدر أن تمتنع عني بسلطانك؟ قال: لا، فامض لما أمرت به، قال: فإني قد عفوت عنك (١). قميص عمر جاءت إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أقمشة من اليمن، فأعطي كل رجل من المسلمين قطعة تكفي ثوبا واحدا، ثم أخذ نصيبه ونصيب ولده عبد الله وخاطه ولبسه. فلما صعد عمر المنبر ليخطب في الناس، وقال: أيها الناس اسمعوا وأطيعوا، قام إليه رجل من المسلمين، وقال: لا سمعا ولا طاعة، فقال عمر: ولم ذلك؟ قال: لأنك استأثرت علينا، قال عمر: بأي شيء؟ قال الرجل: لقد أعطيت كلا منا قطعة من القماش، تكفي ثوبا واحدا، وأنت رجل طويل، وهذه القطعة لا تكفيك ثوبا، ونراك قد خيطه قميصا تاما، فلابد أنك أخذت أكثر مما أعطيتنا، فالتفت أمير المؤمنين إلى ابنه عبد الله، وقال: يا عبد الله أجبه عن كلامه، فقال عبد الله: لقد أعطيته من كسائي ما أتم به قميصه، قال الرجل: أما الآن فالسمع والطاعة. الأمير لا يستأثر على الرعية بأموال لا تحل له من المال العام. مجلس القضاء كان بين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وأبي بن كعب ﵄ خصومة فذهبا إلى زيد بن ثابت ليحكم بينهما، فرحب بهما زيد، وأدخلهما ووسع لعمر ليجلسه في مكان متميز، وقال: اجلس ما هنا يا أمير المؤمنين، فقال له عمر: هذا أول جور (ظلم) جرت في حكمك، ولكن أجلس مع خصمي. وجلس الخصمان معا أمام زيد، فادعى أبي شيئا وأنكر عمر، وفي مثل هذه الحال، على المدعي أن يأتي ببينة، وعلى من أنكر أن يقسم، عندئذ قال زيد لأبي: أعف أمير

стр. 460

المؤمنين من اليمين، وما كنت لأسألها لأحد غيره، ولكن عمر رفض وحلف اليمين، ثم قام غاضبا لأن القاضي يفرق بينه وبين خصمه، وأقسم ألا يتولى زيد القضاء، حتى يكون عمر ورجل من عموم المسلمين عنده سواء، لا فرق بينهما. إذا أخطأ الأمير مع بعض الرعية، فلابد أن يقدم إلى التحقيق والقضاء، بلا تفريق بينهما، حتى ينتشر العدل، ويشعر الجميع بالأمان. الرسالة دخل أعرابي على عمر بن الخطاب ﵁ غاضبا، وألقى في حجره لفافة من الشعر، فقال عمر: ما هذا؟ قال الأعرابي: جئت أشكو إليك فقد ظلمني الوالي أبو موسى الأشعري، قال عمر: وماذا فعل؟ قال الأعرابي: لم يعطني حقي كاملا، فرددته إليه، فغضب، وجلدني عشرين سوطا، وقص شعري، وهو في هذه اللفافة التي ألقيتها إليك. فتألم عمر وأرسل إلى أبي موسى الأشعري يأمره أن يجلس أمام جماعة من المسلمين ليجلده الأعرابي عشرين سوطا، ثم يحلق له شعر رأسه. فلما قرأ أبو موسى رسالة عمر قام إلى الأعرابي وقال له: تقدم ونفذ ما أمر به عمر، ثم أعطاه سوطا ليجلده، وقدم إليه رأسه ليحلقه، فتأثر الأعرابي، وعفا عنه، وقال: لن يظلم أحد وعمر أمير المؤمنين. لا يظلم أحد أبدا في ظل تطبيق شريعة الله، فلنحرص على تطبيقها في أنفسنا تطبق على أرضنا. دعوة المظلوم مستجابة ادعت أروى بن أويس على سعيد بن زيد ﵁ أنه أخذ شيئا من أرضها، فخاصمته (شكته) إلى مروان بن الحكم، وقالت: إنه أخذ حقي، فترك سعيد ما ادعت المرأة من الأرض، ثم قال: اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها، واجعل قبرها في دارها. فجاء سيل من الماء فأظهر عن ضفتها (حدود الأرض) فإذا حقها من الأرض خارجا عن حق سعيد، فذهب إلى مروان وأخبره عما رأى، وعلم مروان والناس أن المرأة ظلمت سعيدا، وبعد فترة عميت المرأة، وسقطت في بئرها، فماتت استجابة لدعوة سعيد. فتذكر -أخي المسلم- أن دعوة الظلوم مستجابة، فلا تظلمن أحدا مهما كنت مسئولاً.

стр. 461

القاضي شريح وابنه يحكى أن ابنا لشريح القاضي قال لأبيه إن بيني وبين قوم خصومة فانظر في الأمر، فإن كان الحق لي خاصمتهم، وإن لم يكن لي الحق لم أخاصمهم، ثم قص قصته عليه فقال شريح: انطلق إليهم فخاصمهم فخاصمهم ابنه أمام أبيه القاضي، فقضى شريح على ابنه! فقال ابنه له لما رجع إلى أهله: والله لو لم أتقدم إليك بطلب النصح لم ألمك .. فضحتني! فقال شريح: يا بني، والله لأنت أحب إليَّ من ملء الأرض مثلهم، ولكن الله هو أعز علي منك، خشيت أن أخبرك أن القضاء عليك فتصالحهم على مال فتذهب ببعض حقهم! بين شريح وعلي بن أبي طالب لما توجه عليّ ﵁ إلى صفين، افتقد درعًا له، فلما انقضت الحرب ورجع إلى الكوفة، أصاب الدرع في يد يهودي، فقال لليهودي: الدرع درعي، لم أبع ولم أهب. فقال اليهودي: درعي وفي يدي. فقال: نصير إلى القاضي. فتقدم عليّ، فجلس إلى جنب شريح، وقال: لولا أن خصمي يهودي لاستويت معه في المجلس، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أصغروهم من حيث أصغرهم الله". فقال شريح: قل يا أمر المؤمنين. - فقال: نعم. هذه الدرع التي في يد هذا اليهودي درعي، لم أبع ولم أهب. فقال شريح: أيش تقول يا يهودي؟ قال: درعي وفي يدي. فقال شريح: ألك بينة، يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، قنبر والحسن يشهدان أن الدرع درعي. فقال شريح: شهادة الابن لا تجوز للأب. فقال علي: رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الحسن والحسين سيدا أهل الجنة" فحكم القاضي بالدرع إلى اليهودي.

стр. 462

فقال اليهودي: أمير المؤمنين قدمني على قاضيه، وقاضيه قضى عليه! أشهد أن هذا هو الحق، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، وأن الدرع درعك. الراعي والرعية رحمة وعدل كان بريد عمر بن عبد العزيز لا يعطيه أحدٌ من الناس -إذا خرج- كتابًا إلا حمهل. فخرج بريد من مصر، فدفعت إليه فرتونة السوداء مولاة ذي أصبح كتابًا تذكر فيه أن لها حائطًا قصيرًا، وأنه يقتحم عليها منه، فيسرق دجاجها، فكتب إليها عمر: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى فرتونة السوداء مولاة ذي أصبح. بلغني كتابك وما ذكرت من قصر حائطك، وأنه يُدخل عليك فيه، فيُسرق دجاجك، فقد كتبت لك كتابًا إلى أيوب بن شُرحبيل -وكان أيوب عماله على صلاة مصر وحربها- آمره أن يبني لك ذلك حتى يُحصنه لك مما تخافين إن شاء الله، والسلام. وكتب إلى أيوب بن شرحبيل: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى ابن شرحبيل، أما بعد: فإن فرتونة مولاة ذي أصبح كتبت إلي ذكر قصر حائطها، وأنه يسرق دجاجها، وتسأل تحصينه لها. فإذا جاءك كتابي هذا؛ فاركب أنت بنفسك إليه حتى تُحصنه لها. لما جاء الكتاب إلى أيوب؛ ركب ببدنه حتى أتى الجيزة يسأل عن فرتونة حتى وقع عليها، وإذا هي سوداء مسكينة، فأعلمها بما كتب به أمير المؤمنين فيها، وحصنه لها. عدل وثبات كتب المنصور إلى سوار بن عبد الله قاضي البصرة: انظر الأرض التي تخاصم فيها فلان القائد وفلان التاجر، فادفعها إلى القائد. فكتب إليه سوار: إن البينة قد قامت عندي أنها للتاجر، فلست أُخرجها من يده إلا ببينة. فكلتب إليه المنصور: والله الذي لا إله إلا هو لتدفعنها إلى القائد. فكلتب إليه سوار: والله الذي لا إله إلا هو لا أخرجنها من يد التاجر إلا بحق. فلما جاءه الكتاب، قال: ملأته، والله، عدلاً، وصار قُضاتي تردني إلى الحق. **

стр. 463

الولاء والبراء كل مرة ذكر فيها حزب الله في القرآن إنما ذكرت بجانب الولاء مقيدة فيه، مما يدل على أن الولاء هو الميزان الذي يوزن إيمان الإنسان به، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦]. وقال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]. فهاتان الآيتان بينتا أنه لا يكون الإنسان من حزب الله إلا إذا حرر ولاءه ومودته، فلم يعطهما لعدو الله مهما كان نوعه، بل يعطيهما لله ورسوله والمؤمنين، وهذه هي الصفة الأولى للمؤمنين ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٧١]. والولاء في اللغة: الموالاة؛ أن يتشاجر اثنان فيدخل ثالث بينهما للصلح، ويكون له في أحدهما هوى فيواليه أو يحابيه، ووالى فلان فلانا إذا أحبه. واصطلاحا: الولاية هي النصرة والمحبة والإكرام والاحترام والكون مع المحبوبين ظاهرا وباطنا. البراء لغة: برئ إذا تخلص، وبرئ إذا تنزه وتباعد، وبرئ إذا أعذر وأنذر، قال تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ١] أي إعذار وإنذار. واصطلاحا: هو البعد والخلاص والعداوة بعد الإعذار والإنذار. حكم الإسلام إن الله يأبى علينا أن نعطي ولاءنا إلا بجامع الإيمان والإسلام: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤].

стр. 464

كل أنواع الموالاة على أي آصرة من الأواصر غير الإسلام باطلة ومخرجة لصاحبها عن الإسلام. إن الله حرم على المسلم أن يعطي ولاءه على أي أساس غير أساس العقيدة السليمة الصحيحة، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾ [الكهف: ١٠٢] أي أن هذا غير ممكن لأَن عباد الله لا يوالون أحدا من دون الله فكيف يوالون أعداء الله، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٦] والوليجة في اللغة البطانة والخاصة. إن الله حرم على المؤمن أن يعطي ولاءه للكافرين ولا المنافقين، ومتى أعطى المؤمن ولاءه للكافرين فقد صار منهم، وهذه نصوص قطعية لا تحتمل جدلا، قال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧]. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨)﴾ [المائدة: ٥٧ - ٥٨]. ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨]. يقول سيد قطب: إن التصور الإسلامي يقطع الوشائج والصلات التي لا تقوم على أساس العقيدة والعمل، ولا يعترف بقربى ولا رحم إذا انبتّت وشيجة العقيدة، والعمل ويسقط جميع الروابط والاعتبارات ما لم تتصل بعروة العقيدة والعمل، وهو يفصل بين جيل من الأمة الواحدة وجيل إذا خالف أحد الجيلين الآخر في عقيدته، بل يفصل بين الوالد والولد، والزوج والزوجة، إذا انقطع بينهما حبل العقيدة، فعرب الشرك شيء وعرب الإسلام شيء آخر، ولا صلة بينهما ولا قربى ولا وشيجة، والذين آمنوا من أهل الكتاب شيء، والذين انحرفوا عن دين إبراهيم وموسى وعيسى شيء آخر، ولا صلة بينهما ولا قربى ولا وشيجة، إن الأسرة ليست آباء وأبناء وأحفادا، إنما هي هؤلاء حين

стр. 465

تجمعهم عقيدة واحدة، وإن الأمة ليست مجموعة أجيال متتابعة من جنس معين، إنما هي مجموعات من المؤمنين مهما اختلفت أجناسهم وأوطانهم وألوانهم، وهذا هو التصور الإيماني، الذي ينبثق من خلال هذا البيان الرباني، وكتاب الله الكريم (١). مظاهر الولاء للكفار ١ - من أول مظاهر الولاء النصرة -طاعة الله في الكافرين- وربط المصير بالمصير ونأخذها من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ [الحشر: ١١]. ٢ - من مظاهر الولاء إعطاء الكافرين أسرار المؤمنين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١] قال ابن كثير: كان سبب نزول صدر هذه السورة الكريمة قصة حاطب بن أبي بلتعة وذلك أن حاطبا كان رجلا من المهاجرين، وكان من أهل بدر أيضا، وكان له بمكة أولاد ومال، ولم يكن من قريش أنفسهم. فلما عزم رسول الله ﷺ على فتح مكة لما نقض أهلها العهد أمر النبي ﷺ المسلمين بالتجهز لغزوهم وقال: "اللهم عمِّ عليهم خبرنا"، فعمد حاطب هذا فكتب كتابا وبعثه مع امرأة من قريش إلى أهل مكة يعلمهم بما عزم عليه رسول الله من غزوهم ليتخذ بذلك عندهم يدا، فأطلع الله تعالى على ذلك رسوله استجابة لدعائه، فبعث في أثر المرأة فأخذ الكتاب منها. فإخبار الكافرين بأسرار المؤمنين لدفع خطط المؤمنين، أو لتوقي الكافرين من المؤمنين ولاء يخرج من الإيمان، ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٤٦]. ٣ - ومن مظاهر الولاء المحبة والمودة، قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]. قال ابن مسعود: لو عبد الله بين الحجر والمقام سبعين عاما لم يحشره الله إلا مع من

стр. 466

أحب. فكونك تجد إنسانا عواطفه مع الكافرين والمنافقين يميل إليهم ويحبهم، ويتمنى انتصارهم، فذلك ولاء من أعظم الولاء، فمن مال بقلبه إلى قوم يعملون بالمعاصي، ورضي أعمالهم كان منهم وعليه مثل وزرهم، وإن كان بعيدا عنهم، جاء في الحديث: "إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها (أنكرها) كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضعيها كان كمن شهدها" [رواه أبو داود]. ٤ - من مظاهر الولاء مجالسة الكافرين والمنافقين اختيارًا وسماع كلامهم القبيح مع الاستمرار في الجلسة دون الرد أو الغضب أو الخروج قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠] هكذا (إنكم إذًا مثلهم) فمن كثر سواد قوم فهو منهم. ٥ - من مظاهر الولاء الطاعة، فمن أطعته فقد توليته، ومن كلام إبراهيم لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٥]. وولاية الشيطان طاعته والاستجابة له: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢] وقد بين الله أصناف الكافرين والمنافقين حتى لا نكون منهم، وجعل طاعتهم ردة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥ - ٢٦]. وقد فصل القرآن في أصناف من لا تجوز طاعته تفصيلا كثيرا حتى لا نهلك. فقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]. ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٨]. ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥)﴾ [القلم: ٨ - ١٥]. ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨] أي وكان أمره تقدما على الحق ونبذا له وراء ظهره. ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢)﴾ [الشعراء: ١٥١ - ١٥٢].

стр. 467

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠)﴾ [آل عمران: ١٤٩ - ١٥٠]. ٦ - من مظاهر الولاء التشبه، قال الرسول ﷺ : "من تشبه بقوم فهو منهم" (١). فمن تشبه برسول الله ﷺ وصحبه فقد والاهم وهو منهم، ومن تشبه بالكافرين فهو منهم، وفرض الله علينا أن نعطي ولاءنا للمؤمنين: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦]. إنه ما لم نعط المؤمنين ولاءنا نأثم، وإعطاؤنا الولاء لغيرهم ضلال، وليس عندنا في الإسلام حياد مقبول عند الله، فمن لم يكن مع المسلمين فليس منهم، ولكن لا يعتبرونه ضدهم حتى يقاتل أو يظهر العداء، قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٠] ولكن إذا لم نعتبرهم ضدنا فكذلك لا نعتبرهم منا، وليس هذا بنافعهم شيئا عند الله يوم القيامة ما لم يسلموا فيكونوا منا. ٧ - الرضا بكفر الكافرين أو الشك في كفرهم، ويتضح هذا الأمر في كونه ولاء للكفار أنه يسعدهم ويسرهم أن يروا من يوافقهم على كفرهم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠]. ٨ - التحاكم إليهم دون كتاب الله، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١] وإن من الإيمان ببعض ما هم عليه: فصل الدين عن الدولة والقول بأنه لا توجد علاقة للإسلام بالسياسة. ٩ - الركون إليهم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣]. ١٠ - مداهنتهم ومجاملتهم على حساب الدين، قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] والمداهنة والجاملة على حساب الدين أمر وقع فيه كثير من المسلمين اليوم،

стр. 468

وهذه نتيجة طبيعية للانهزام الداخلي في نفوسهم، حيث رأوا أن أعداء الله تفوقوا في القوة المادية فانبهروا بهم، ولأمر ما رسخ وترسب في أذهان المخدوعين أن هؤلاء الأعداء هم رمز القوة والقدوة، وصدق الرسول حيث قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه" قلنا: يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟ " (١). ١١ - اتخاذهم بطانة من دون المؤمنين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨]. لا يألونكم خبالا: لا يقصرون ولا يتركون جهدهم فيما يورثكم الشر والفساد (٢). من قصص الولاء والبراء عثمان بن مظعون قال ابن إسحاق: لما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أحباب رسول الله من البلاء، وهو يغدو ويروح في أمان من الوليد بن المغيرة قال: والله إن غدوى ورواحي آمنا بجوار رجل من أهل الشرك، وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى في الله لا يصيبني، لنقص كبير في نفسي، فمشى إلى الوليد بن المغيرة فقال له: يا أبا عبد شمس، وفت ذمتك، قد رددت إليك جوارك، فقال له: يا ابن أخي لعله آذاك أحد من قومي؟ قال: لا، ولكني أرضى بجوار الله، ولا أريد أن أستجير بغيره، قال: فانطلق إلى المسجد فرد عليّ جواري علانية كما أجرتك علانية. قال: فانطلقا فخرجا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد: هذا عثمان قد جاء يرد عليَّ جواري، قال: صدق، قد وجدته وفيا كريم الجوار، ولكني قد أحببت ألا أستجير بغير الله، فقد رددت عليه جواره، ثم انصرف عثمان، ولبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب في مجلس من قريش ينشدهم، فجلس معهم عثمان فقال لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل.

стр. 469

قال عثمان: صدقت. قال لبيد: وكل نعيم لا محالة زائل. قال عثمان: كذبت؛ نعيم الجنة لا يزول. قال لبيد بن رليعة: يا معشر قريش، والله ما كان يؤذي جليسكم فمتى حدث هذا فيكم؟ فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه من سفهاء معه، قد فارقوا ديننا، فلا تجدن في نفسك من قوله، فرد عليه عثمان حتى كثر أمرهما فقام إليه ذلك الرجل فلطم عينه فخضرها والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان، فقال: أما والله يا ابن أخي كانت عينك عما أصابها لغنية، لقد كنت في ذمة منيعة. قال: يقول عثمان: بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله، إني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس، فقال له الوليد: هلم يا ابن أخي إن شئت فعد إلى جوارك، فقال: لا (١). براءة إبراهيم من الكافرين قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩)﴾ [مريم: ٤١ - ٤٩]. يقول سيد قطب: إن سماحة الإسلام مع أهل الكتاب شيء، واتخاذهم أولياء شيء آخر، ولكنهما يختلطان على بعض المسلمين، الذين لم تتضح في نفوسهم الرؤية الكاملة لحقيقة هذا الدين ووظيفته، بوصفه حركة منهجية واقعية، تتجه إلى إنشاء واقع في الأرض، وفق التصور الإسلامي الذي يختلف في طبيعته عن سائر التصورات التي تعرفها

стр. 470

البشرية، وتصطدم من ثم بالتصورات والأوضاع المخالفة كما تصطدم بشهوات الناس وانحرافهم وفسوقهم عن منهج الله، وتدخل في معركة لا حيلة فيها، ولابد منها، لإنشاء ذلك الواقع الجديد الذي تريده، وتتحرك إليه حركة إيجابية فاعلة منشئة. وهؤلاء الذين تختلط عليهم تلك الحقيقة ينقصهم الحس النقي بحقيقة العقيدة، كما ينقصهم الوعي الذكي لطبيعة المعركة وطبيعة موقف أهل الكتاب فيها، ويغفلون عن التوجيهات القرآنية الواضحة الصريحة فيها، فيخلطون بين دعوة الإسلام إلى السماحة في معاملة أهل الكتاب والبر بهم في المجتمع المسلم الذي يعيشون فيه مكفولي الحقوق، وبين الولاء الذي لا يكون إلا لله ورسوله وللجماعة المسلمة، ناسين ما يقرره القرآن الكريم من أن أهل الكتاب بعضهم أولياء بعض في حرب الجماعة المسلمة، وأن هذا شأن ثابت لهم، وأنهم ينقمون من المسلم إسلامه، وأنهم لن يرضوا عن المسلم إلا أن يترك دينه ويتبع دينهم، وأنهم مصرون على الحرب للإسلام وللجماعة المسلمة، وأنهم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر إلى آخر هذه التقريرات الحاسمة. إن المسلم مطالب بالسماحة مع أهل الكتاب ولكنه منهي عن الولاء لهم بمعنى التناصر والتحالف معهم، وإن طريقه لتمكين دينه وتحقيق نظامه المتفرد لا يمكن أن يلتقي مع طريق أهل الكتاب، ومهما أبدى لهم من السماحة والودة فإن هذا لن يبلغ أن يرضوا له البقاء على دينه وتحقيق نظامه، ولن يكفهم عن موالاة بعضهم لبعض في حربه والكيد له، وسذاجة أية سذاجة وغفلة أية غفلة، أن نظن أن لنا وإياهم طريقا واحدا نسلكه للتمكين للدين، أما الكفار والملحدون، فهم مع الكفار والملحدين، إذا كانت المعركة مع المسلمين (١). سيدنا نوح دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عاما فلم يؤمن معه إلا القليل، ولقد أبى ابنه أن يستجيب لدعوته، وكان من الغارقين. لقد استعلى نبي الله على العاطفة ورضي بحكم الله فلا لجاجة ولا التواء، ولا معذرة ولا تأويل، بل تسليم مطلق واتباع لما يحب الله ويرضى، وإعراض عما يكره ويبغض، وولاء لمن يحب الله، وبراء وعداء لمن حاد الله ولو كان أقرب قريب، ولم يكن شأن نبي الله نوح هذا

стр. 471

مقصورا على هذا الابن الكافر، بل أيضا مع زوجته، ويا له من امتحان عظيم مع الزوجة والابن قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم: ١٠]. على أن مما يجب التنويه عنه هنا أن هذه الخيانة في الدين وليست في الفاحشة، فإن نساء الأنبياء معصومات عن الوقوع في الفاحشة لحرمة الأنبياء ﵈. الفتية أصحاب الكهف فتية تركوا الأهل والولد والوطن والعشيرة حين علموا أنه لا طاقة لهم بمواجهة ومجابهة قومهم فنجوا بأنفسهم إلى ذلك الكهف الذي تجلت فيه معجزة عظيمة يسوقها الله لنا عبرة وعظة في حفظه لعباده الصالحين: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦)﴾ [الكهف: ١٣ - ١٦]. أبو بكر وطئ أبو بكر ﵁ في مكة يوما بعد ما أسلم، وضرب ضربا شديدا، ودنا منه عتبة ابن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفين ويحرفهما لوجهه، ثم نزل على بطن أبي بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وحملت بنو تميم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله، ولا يشكون في موته، فتكلم آخر النهار فقال: ما فعل رسول الله؟ فعذلوه، ثم قاموا وقالوا لأمه أم الخير: انظري إن تطعميه شيئا أو تسقيه إياه، فلما خلت به ألحت عليه وجعل يقول: ما فعل رسول الله؟ فقالت: والله ما لي علم بصاحبك، فقال: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه، فخرجت حتى جاءت أم جميل فقالت: إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله، قالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك ذهبت، فقالت: نعم، فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعا، فدنت أم جميل وأعلنت بالصياح وقالت: والله إن قوما نالوا منك هذا لأهل فسق وكفر، وإني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم، قال: فما فعل رسول الله؟ قالت: هذه أمك تسمع. قال: فلا شيء عليك منها، قالت: سالم صالح، قال: أين هو؟ قالت: في دار ابن الأرقم،

стр. 472

قال: فإن لله علي ألا أذوق طعاما ولا شرابًا أو آتي رسول الله، فأمهلهما حتى إذا هدأت الرجل وسكن الناس خرجتا به يتكيء عليهما حتى أدخلوه على رسول الله. يا لله! رجل مضروب مثخن بالجراح لا يتناول حتى شربة الماء -وهو أشد ما يكون حاجة إليها- حتى يرى رسول الله. سعد بن أبي وقاص قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: ١٥] نزلت قي سعد بن أبي وقاص قالت له أمه: ما هذا الدين الذي أحدثت؟ والله لا آكل ولا أشرب حتى ترجع إلى ما كنت عليه، أو أموت فتعير بذلك أبد الدهر، يقال: يا قاتل أمك .. ثم إنها مكثت يوما وليلة لم تأكل ولم تشرب ولم تستظل، فأصبحت قد جهدت ثم مكثت يوما آخر وليلة لم تأكل ولم تشرب، فجاء سعد إليها وقال: يا أماه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني، فكلي وإن شئت فلا تأكلي. فلما أيست منه أكلت وشربت فأنزل الله هذه الآية وأمره بالبر بوالديه، والإحسان إليهما، وعدم طاعتهما في الشرك لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. عبد الله بن عبد الله بن أبيّ ابن سلول لما بلغه ما كان من أبيه أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالديه مني، إني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فأقتله، فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار، فقال رسول الله: "بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا". وذكر عكرمة أن الناس لما قفلوا راجعين إلى المدينة وقف عبد الله بن عبد الله ابن أبي على باب المدينة، واستل سيفه فجعل الناس يمرون عليه، فلما جاء أبوه عبد الله ابن أبي قال له ابنه: وراءك، فقال: مالك ويلك؟! قال: والله لا تجوز من ما هنا حتى يأذن لك رسول الله. فشكا إليه عبد الله بن أبي ابنه، فقال الابن: والله يا رسول الله لا يدخلنها حتى تأذن له، فأذن له رسول الله فقال: أما إذ أذن لك رسول الله فجز الآن.

стр. 473

أبو عبيدة بن الجراح انطلق أبو عبيدة ﵁ يوم بدر يصول بين الصفوف صولة من لا يهاب الردى فهابه المشركون، ويجول جولة من لا يحذر الموت، فحذره فرسان قريش وجعلوا يتنحون عنه كلما واجهوه، لكن رجلا واحدا منهم جعل يبرز لأبي عبيدة في كل اتجاه، فكان أبو عبيدة ينحرف عن طريقه ويتحاشى لقاءه ولجَّ الرجل في الهجوم، وأكثر أبو عبيدة من التنحي، وسد الرجل على أبي عبيدة المسالك، ووقف حائلا بينه وبين قتاله لأعداء الله. فلما ضاق به ذرعا ضرب رأسه بالسيف ضربة فلقت هامته فلقتين، فخر الرجل صريعا بين يديه .. لا تحاول أيها القارئ الكريم، أن تخمن من يكون هذا الرجل الصريع، أما قيل لك: إن عنف التجربة فاق حسبان الحاسبين، وجاوز خيال المتخيلين، ولقد يتصدع رأسك إذا عرفت أن الرجل الصريع هو عبد الله بن الجراح والد أبي عبيدة. لم يقتل أبو عبيدة أباه، وإنما قتل الشرك في شخص أبيه. إنها المفاضلة الكاملة بين حزب الله وحزب الشيطان، والانحياز التام للصف المتميز. عبد الله بن سهيل هاجر إلى الحبشة بعد إسلامه تخلصا من أذى قريش، ثم شاء الله أن تصل أخبار كاذبة إلى مهاجري الحبشة، بأن قريشا قد أسلمت، وأن المسلمين باتوا يعيشون بين أهليهم بسلام، فعاد فريق منهم إلى مكة، وكان في جملة العائدين عبد الله بن سهيل، لم يكد أقدام عبد الله تطأ أرض مكة، حتى أخذه أبوه وكبله بالقيود، وألقى به في مكان مظلم من بيته، وجعل يتفنن في تعذيبه، ويلج في إيذائه، حتى أظهر لهم ارتداده عن دين محمد، وأعلن رجوعه إلى ملة آبائه وأجداده، فسري عن سهيل بن عمرو وقرت عينه، وشعر بنشوة النصر على محمد. ثم ما لبث المشركون أن عزموا على منازلة رسول الله ﷺ في بدر فخرج معهم سهيل بن عمرو مصحوبا بابنه عبد الله، متشوقا لأن يرى فتاه يشهر السيف في وجه محمد، بعد أن كان واحدًا من أتباعه، ولكن الأقدار كانت تخبيء لسهيل ما لم يكن يقع له في حساب، إذ ما كاد يلتقي الجمعان على أرض بدر حتى فر الفتى المسلم المؤمن إلى صفوف المسلمين، ووضع نفسه تحت راية رسول الله ﷺ ، وامتشق حسامه ليقاتل به أباه ومن معه من أعداء الله (١).

стр. 474

العزة ذلة العباد لربهم ذلة بالحق لا بالباطل، أما ذلة العبد للعبد فباطل، فقد حرم الإسلام الكبر وحرم على المسلم أن يكون مستضعفا أو ذليلا، يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧]. إن اعتزاز المسلم بدينه هو من كبرياء إيمانه، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]. وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨]. الأذان في أوله: الله أكبر، لكي يوقن المسلم بأن كل من تكبر بعد الله فهو صغير وأن كل متعاظم بعد الله فهو حقير، ولذلك اختار الله من أسمائه العظيم والأعلى ليكررها المسلم في ركوعه وسجوده. العزة حق يقابله واجب، فإذا كلفت بعمل ما فأديته على أكمل وجه فلا سبيل لأحد عليك. عزة الرسول ﷺ -: دخل عمر بن الخطاب ﵁ على رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله، ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟ قال:"بلى، والذي نفسي بيده إنكم على الحق، إن متم وإن حييتم"، قال: ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لتخرجن -وكان الرسول ﷺ (على ما يبدو) قد رأى أنه آن الأوان للإعلان، وأن الدعوة قد غدت قوية تستطيع أن تدفع عن نفسها، فأذن بالإعلان- وخرج الرسول ﷺ في صفين، عمر في أحدهما، وحمزة في الآخر، ولهم كديد ككديد الطحين، حتى دخل المسجد، فنظرت قريش إلى عمر وحمزة، فأصابتهم كآبة لم تصبهم قط وسماه رسول الله ﷺ يومئذ الفاروق. من تهيب الموت وتحمل العار طلبا للبقاء في الدنيا على أية صورة فهذا حمق، فإن

стр. 475

الفرار لا يطيل الأجل والإقدام لا ينقص عمرا قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]. كن عزيزا خرج عمر بن الخطاب ﵁ إلى الشام ومعه أبو عبيدة بن الجراح، فأتوا على مخاضة، وعمر على ناقة فنزل عنها، وخلع خفيه فوضعهما على عاتقه وأخذ بزمام ناقته، فخاض بها المخاضة، فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين أأنت تفعل هذا؟ تخلع نعليك، وتضعهما على عاتقك، وتأخذ بزمام ناقتك، وتخوض بها المخاضة؟ ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك. فقال عمر أوِّه لو قال ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالاً لأمة محمد، إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله. وفي رواية قال: يا أمير المؤمنين تلقاك الجنود وبطارقة الشام وأنت على حالك هذه؟ فقال عمر: إنا قوم أعزنا الله بالإسلام، فلن نبتغي العزة بغيره. العزة ليست في كثرة الأموال واعتلاء المنصب، وإنما بقدر اتصالك بالله. فالله هو المعز المذل، هو الذي يؤتي الملك من يشاء ويسلبه ممن يشاء، قال تعالى: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]. وهو المعز لمن أطاعه المذل لمن عصاه وهو المانح للعز، ﴿وَللهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]. ومن أعزه الله فهو العزيز ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج: ١٨]. عزة ربعي بن عامر طلب رستم وفدا من سعد بن أبي وقاص في القادسية فأرسل سعد ربعي بن عامر، فدخل على رستم، وقد زينوا مجلسه بالنمارق، والزرابي الحرير، وأظهر اليواقيت واللآليء الثمينة العظيمة، وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب، ودخل ربعي بترس وفرس قصير، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد،

стр. 476

وأقبل وعليه سلاحه ودرعه، فقالوا له: ضع سلاحك. فقال: إني لم آتكم وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت. فقال رستم: ائذنوا له، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق، فخرق عامتها. فقالوا له: ما جاء بكم؟ فقال: ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل منا ذلك، قبلنا ذلك منه، ورجعنا عنه، وتركناه وأرضه يليها دوننا، ومن أبي ذلك قاتلناه أبدا حتى نفضي إلى موعود الله. قال: وما موعود الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقى، فخلص رستم برؤساء أهل فارس، فقال: ما ترون؟ هل رأيتم كلاما أوضح ولا أعز من كلام هذا الرجل؟ قالوا: معاذ الله لك أن تميل إلى شيء من هذا، وتدع دينك لهذا الكلب، أما ترى إلى ثيابه؟ فقال: ويحكم لا تنظروا إلى الثياب، ولكن انظروا إلى الرأي، والكلام والسيرة. ثم كان أن أبى الفرس دعوة الإسلام، واختاروا المناجزة، فنصر الله المسلمين، وهزموا فارس وسبوهم، وكان يزدجرد ملك فارس قد أرسل يستنجد بملك الصين، ووصف له المسلمين، فأجابه ملك الصين: إنه يمكنني أن أبعث لك جيشا أوله في منابت الزيتون -أي الشام- وآخره في الصين، ولكن إن كان هؤلاء القوم كما تقول، فإنه لا يقوم لهم أهل الأرض، فأرى لك أن تصالحهم، وتعيش في ظلهم وظل عدلهم. فزع رستم لما نزل رستم النجف بعث عينا إلى عسكر المسلمين، فانغمس فيهم بالقادسية، فرآهم يستاكون عند كل صلاة ثم يصلون فيفترقون إلى موقفهم، فرجع إليه فأخبره بخبرهم وسيرتهم حتى سأله: ما طعامهم؟ فقال: مكثت فيهم ليلة، لا والله ما رأيت أحدا منهم يأكل شيئا إلا أن يمصوا عيدانا لهم حين يمسون وحين ينامون وقبيل أن يصبحوا، وفي يوم أذن مؤذن سعد بن أبي وقاص ﵁ فرآهم يتهيأون للنهوض فنادى في أهل فارس أن

стр. 477

يركبوا، فقيل له: ولم؟ قال: أما ترون إلى عدوكم قد نودي فيهم بالنهوض لكم، قال أحدهم: إنما نهوضهم للصلاة، فقال رستم: أكل عمر كبدي. شعر الأعداء بالرعب من سنة واحدة وهي السواك فكيف لو تمسك المسلمون بالسنن كلها خوف قيصر ملك الروم في السنة الخامسة عشرة تقهقر هرقل بجنوده، وارتحل عن الشام إلى بلاد الروم، وكان هرقل كلما حج إلى بيت المقدس وخرج منها يقول: عليك السلام يا سورية، سلام مودع لم يقض منك وطرا وهو عائد، فلما عزم على الرحيل من الشام، التفت إلى بيت المقدس، وقال: وعليك السلام يا سورية سلاما لا اجتماع بعده، ثم سار هرقل إلى القسطنطينية واستقر بها ملكه، وقد سأل رجلا ممن اتبعه، كان قد أسر مع المسلمين، فقال: أخبرني عن هؤلاء القوم. فقال: أخبرك كأنك تنظر إليهم، هم فرسان بالنهار رهبان بالليل، ما يأكلون في ذمتهم إلا بثمن ولا يدخلون إلا بسلام، يقضون على من حاربوه حتى يأكلوا عليه، فقال. لئن كنت صدقتني ليملكُن موضعي قدمي هاتين. لن نشعر بالعزة إلا عندما نتمسك بقيام الليل وصلاة الفجر ما أعزكم آل الخطاب ! في ذات سنة قدم سليمان بن عبد الملك مكة حاجا، فلما أخذ يطوف طواف القدوم، أبصر سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب يجلس في الكعبة في خضوع، فلما فرغ الخليفة من طوافه، توجه إلى سالم فأفسح له الناس الطريق حتى أخذ مكانه بجانبه، وكاد يمس بركبته ركبته، فلم ينتبه له سالم ولم يلتفت إليه، لأنه كان مستغرقا فيما هو فيه، مشغولا بذكر الله عن كل شيء، وطفق الخليفة يرقب سالما بطرف خفي يلتمس فرصة يتوقف فيها عن التلاوة، فلما واتته الفرصة مال عليه وقال: السلام عليك يا أبا عمر ورحمة الله. فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. فقال الخليفة بصوت خفيض: سلني حاجة أقضها لك يا أبا عمر، فلم يجبه سالم

стр. 478

بشيء، فظن الخليفة أنه لم يسمعه، فمال عليه أكثر من ذي قبل وقال: رغبت بأن تسألني حاجة لأقضيها لك. فقال سالم: والله إني لأستحي أن أكون في بيت الله، ثم أسأل أحدًا غيره، فخجل الخليفة وسكت، لكنه ظل جالسا في مكانه، فلما قضيت الصلاة نهض سالم يريد المضي إلى رحله، فلحقت به جموع الناس، هذا يسأله عن حديث من أحاديث رسول الله، وذاك يستفتيه في أمر من أمور الدين، وثالث يستنصحه في شأن من شئون الدنيا، ورابع يطلب منه الدعاء. وكان في جملة من لحق به خليفة المسلمين سليمان بن عبد الملك، فلما رآه الناس، وسعوا له حتى حاذي منكبه منكب سالم بن عبد الله، فمال عليه وهمس في أذنه قائلا: ها نحن أولاء قد غدونا خارج المسجد، فسلني حاجة أقضها لك. فقال سالم: من حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟ فارتبك الخليفة وقال: بل من حوائج الدنيا. فقال له سالم: إنني لم أطلب حوائج الدنيا ممن يملكها، فكيف أطلبها ممن لا يملكها؟ فخجل الخليفة منه وحياه، وانصرف عنه وهو يقول: ما أعزكم آل الخطاب بالزهادة والتقى! بارك الله عليكم من آل بيت (١). هل تفكر دائما في الآخرة أم في متطلبالت الدنيا وكمالياتها؟ العز بن عبد السلام وعزة العلماء كان الشيخ الجليل عز الدين بن عبد السلام قد تولى منصب قاضي القضاة، وما إن تولى هذا المنصب حتى لاحظ أن أمراء البلاد وقادة الجيش ليسوا من أهل مصر وليسوا أحرارا على الإطلاق، بل هم مجلوبون اشتراهم السلطان من بيت المال وهم صغار، فتعلموا اللغة العربية وعلوم الدين والفروسية والحرب، وعندما شبوا عينهم في مناصبهم فهم أمراء مماليك عبيد، إذن فليس لهم حقوق الأحرار ولهذا فليس لهم أن يتزوجوا بحرائر النساء، وليس لهم أن يبيعوا أو يتصرفوا إلا كما يتصرف العبيد.

стр. 479

بلغ الأمراء ذلك فعظم الخطب فيهم واحتدم الأمر واشتد، والشيخ مصمم لا يصحح لهم بيعا ولا شراء ولا نكاحا وتعطلت مصالحهم بذلك. وكان منهم نائب السلطان فاستشاط غضبا فاجتمعوا وأرسلوا إليه فقالوا له: ماذا تريد؟ فقال الشيخ: نعقد لكم مجلسا وينادي عليكم للبيع لبيت مال المسلمين ويحصل عتقكم بطريق شرعي. فرفعوا الأمر إلى السلطان فبعث السلطان إليه فلم يرجع عن قوله، فجرت من السلطان كلمة فيها غلظة، فغضب الشيخ وحمل حوائجه على حمار وأركب عائلته على حمير أخرى ومشى خلفهم خارجا من القاهرة قاصدا الشام، فلم يصل إلى نصف ما يريد حتى لحقه غالب المسلمين ولم تكد امرأة ولا صبي ولا رجل يتخلف ولا سيما العلماء والصلحاء والتجار. بلغ السلطان الخبر وقيل له: متى راح الشيخ ذهب ملكك، فركب السلطان نفسه ولحقه واسترضاه وطيب خاطره، فرجع الشيخ واتفق على أن ينادى على الأمراء لبيعهم، فأرسل إليه نائب السلطان بالملاطفة فلم يقبل الشيخ ولم تفد الملاطفة معه فانزعج نائب السلطان وقال: كيف ينادي علينا هذا الشيخ ويبيعنا ونحن ملوك الأرض؟! والله لأضربنه بسيفي هذا، وركب بنفسه -نائب السلطان- في جماعته وجاء إلى بيت الشيخ والسيف مسلول في يده، فطرق الباب فخرج ولد الشيخ فرأى من نائب السلطنة ما رأى، فعاد إلى أبيه وحكى له ما رأى، فما اهتم الشيخ بذلك ولا تغير وقال: يا ولدي أبوك أقل من أن يقتل في سبيل الله. ثم خرج وكان قضاء الله قد نزل على نائب السلطان، فحين وقع بصر الشيخ على النائب يبست يد النائب وارتجف وسقط السيف من يده وارتعدت مفاصله وبكى وسأل الشيخ أن يدعو له وقال: يا سيدي الشيخ خير أي شيء تعمل؟ قال: أنادي عليكم، قال: ففيم تصرف ثمننا؟ قال: في مصالح المسلمين، قال: فمن يقبضه، قال: أنا. فوافق وتم للشيخ ما أراد ونادى على الأمراء واحدا واحدا وغالى في ثمنهم وقبضه وصرفه في وجوه الخير، وهذا لم يسمع بمثله عن أحد، رحمه الله تعالى ﵁ (١).

стр. 480

إن الذي يمد رجليه لا يمد يده وكان الشيخ سعيد الحلبي -عالم الشام في عصره- في درسه مادًّا رجليه فدخل عليه إبراهيم باشا، ابن محمد علي حاكم مصر، فلم يتحرك له، ولم يقبض رجليه، فتألم الباشا، ولكنه كتم ألمه، ولما خرج بعث إليه بصرَّة فيها ألف ليرة ذهبية، فردها الشيخ وقال للرسول الذي جاءه بها: قل للباشا: إن الذي يمد رجليه لا يمد يده. طاوس والخليفة لما آلت الخلافة إلى هشام بن عبد الملك كانت لطاوس بن كيسان معه مواقف مشهورة منها أنه أتى بطاوس بن كيسان ودخل على هشام بن عبد الملك بعد أن آلت إليه الخلافة، فلما دخل عليه، خلع نعليه بحاشية بساطه، وسلم عليه من غير أن يدعوه بأمير المؤمنين وخاطبه باسمه دون أن يكنيه، وجلس قبل أن يأذن له بالجلوس، فاستشاط هشام غضبا حتى بدا الغيظ في عينيه، ذلك أنه رأى في تصرفه ذلك اجتراء عليه، ونيلا من هيبته أمام جلسائه، فقال لطاوس: ما حملك على ما صنعت؟ قال: وما الذي صنعته؟ فعاد إلى الخليفة غضبه وغيظه، وقال: خلعت نعليك بحاشية بساطي، ولم تسلم علي بإمرة المؤمنين، وسميتني باسمي ولم تكنني، ثم جلست من غير إذني. فقال طاوس بهدوء: أما خلع نعلي بحاشية سلطانك فأنا أخلعهما بين يدي ربي كل يوم خمس مرات فلا يعاتبني ولا يغضب علي، وأما قولك أني لم أسلم عليك بإمرة المؤمنين، لأن جميع المؤمنين ليسوا راضين بإمرتك، وقد خشيت أن أكون كاذبا إذا دعوتك بأمير المؤمنين. وأما ما أخذته علي من أني ناديتك باسمك، ولم أكنك فإن الله نادى أنبياءه بأسمائهم فقال: يا داود، يا يحيى، يا عيسى، وكنى أعداءه فقال: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١]. وأما قولك إني جلست قبل أن تأذن لي، فإني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقول: إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار، فانظر إلى رجل جالس وحوله

стр. 481

قوم قيام بين يديه. فكرهت أن تكون ذلك الرجل الذي عد من أهل النار! فأطرق هشام إلى الأرض خجلا (١). هذا الشبل من ذاك الأسد جاء أن الخليفة العباسي أبا جعفر المنصور استدعى عبد الله بن طاوس بن كيسان، ومالك بن أنس لزيارته وهما من العلماء التابعين، فلما دخلا عليه، وأخذا مجلسيهما عنده، التفت الخليفة إلى عبد الله بن طاوس وقال: ارو لي شيئا مما كان يحدثك به أبوك. فقال: حدثني أبي أن أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه الله في سلطانه فأدخل الجور في حكمه. قال مالك بن أنس: فلما سمعت مقالته هذه ضممت علي ثيابي خوفا من أن يصيبني شيء من دمه، بيد أن أبا جعفر توقف ساعة لا يتكلم ثم صرفنا بسلام (٢). نحن في ظل الله بعد أن اعتمد مكتب الإرشاد العام الصياغة التي أعدت بها مذكرة تقليدية لوزارة الدكتور ماهر بعد حريق القاهرة سنة ١٩٥٢ وكلف الأستاذ الهضيبي بالتوقيع عليها وجد في نهاية الرسالة جملة "في ظل جلالة الملك المعظم" فضرب بقلمه على هذه العبارة غير ملتفت بأن مكتب الإرشاد قد اعتمدها، ولا إلى كون هذه العبارة تقليدية وإلى أن خلو الكتاب منها يثير نقمة في القصر الملكي، مجيبا على ذلك بقوله: احذفوها على مسئوليتي، وحسبنا والملك والوزارة أن نكون في ظل الله وحده. يسرني أن أكون آخرهم كان مدير السجن الحربي في صحراء الهايكستب يتودد للأستاذ الهضيبي ويتظاهر بالأسف لاعتقاله والمسارعة فيما يسره، ومن ذلك أنه أبلغه يوما عن مسعى يقوم به لتزويد غرفته بأدوات التدفئة والراحة تقديرا لمقامه وسنه، فأجابه المرشد ﵀: إني بأتم الراحة والدفء، وإذا كان باستطاعتك أن تقدم هذه المزايا لجميع الإخوان المعتقلين

стр. 482

فيسرني أن أكون آخرهم، وإلا فوفر على نفسك المساعي وأنت مشكور. غير أن مدير السجن الذي عرف إباء الرجل ومثالية إيثاره اغتنم فرصة إخلائه الغرفة في لحظات الفسحة اليومية فحمل مدفأة مكتبه الخاص وتركها مشتعلة في زنزانة الهضيبي الذي ما كاد يدخل الزنزانة ويفاجأ بنعمة الدفء ثم يلمح المدفأة في زاوية من زنزانته حتى أقبل على باب الزنزانة من الداخل يوسعه طرقا بكلتا يديه، إلى أن سمع الحارس فأسرع يفتح باب الزنزانة، ليفاجأ بنزيلها قد حمل المدفأة بيده، وقذف بها إلى الخارج ثم أغلق الباب على نفسه دون ضوضاء. وأدرك زبانية الحكام أن الهضيبي الذي حسبوه فانيا سريع الاستسلام، ما هو إلا معين إباء وجلد تسري جوارحه شمما ومنعة في نفوس المسلمين فيثبت الواهن، ويضاعف من عزيمة الثابت. دعهم لا يرون منا إلا البشاشة وقد تفتقت مكايد الطغيان عن حيلة جديدة، نقلوا بها الأستاذ الهضيبي إلى زنزانة ملحقة بمكاتب الإدارة تفصله قرابة ميل عن مجمع زنزانات الإخوان، بحيث لا يرونه إلا في ساعة الفسحة من هذا البعد، لا يكلمهم ولا يكلمونه. ولفت أنظار الإخوان أن المرشد يقضي ساعة فسحته في الحديقة المواجهة لمكتب المدير ناشطا في القيام بتمرينات رياضية وهو بملابس ناصعة الألوان لعله كان يتوقر عنها وهو في شبابه. ولما سأله البعض عن غرابة هذه الحركات الرياضية، وهذه الملابس الزاهية، على مقامه وسنة، قال: دعهم لا يرون منا إلا البشاشة وارتفاع الروح المعنوية، حتى يتحققوا أن سهامهم طاشت ولم يبلغوا منا ما يريدون. إن الناس يذلون أنفسهم ويقبلون الدنية في دينهم ودنياهم، إما خوفا من نقص في الأرزاق أو في الآجال والغريب أن الله قطع سلطان البشر عن الآجال والأرزاق جميعا. والنالس من خوف الذل في ذل، ومن خوف الفقر في فقر. قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ [الملك: ٢١].

стр. 483

قال رسول الله ﷺ :"إن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله" الطبراني. الشهيد سيد قطب ارتضع منذ طفولته معاني العزة والكرامة، وعاش حياته سيدا، وغادر الدنيا سيدا، رافعا رأسه، وعاش حياته قطبا، وغادرها قطبا في الدعوة والجهاد، ونتوقف عند ساعاته الأخيرة في الدار الفانية، وقد طلب إليه أن يعتذر للطاغية مقابل إطلاق سراحه، فقال: لن أعتذر عن العمل مع الله، رعندما طلب منه كتابة كلمات يسترحم بها عبد الناصر، قال: إن أصبع السبابة الذي يشهد لله بالوحدانية في الصلاة، ليرفض أن يكتب حرفا يقر به حكم طاغية، وقال أيضا: لماذا أسترحم؟ إن سجنت بحق فأنا أقبل حكم الحق، وإن سجنت بباطل، فانا أكبر من أن أسترحم الباطل. وفي إحدى الجلسات اقترب أحد الضباط منه، وسأله عن معنى كلمة شهيد، فرد عليه ﵀ شهيد يعني أنه شهد أن شريعة الله أغلى عليه من حياته. أخالف البروتوكول يقول الاستاذ عمر التلمساني: في أكتوبر ١٩٥٢ دعا رجال الانقلاب الأستاذ الهضيبي وأعضاء مكتب الإرشاد إلى عشاء في سلاح المهندسين في الحلمية، فدعاهم فضيلته بعد ذلك إلى عشاء في بيته، وكنت أحضر ذلك العشاء، وجلست كعادتي على مقربة من الباب وجاء عبد الناصر وقدم لي التحية فقبلتها، وكنت أضع رجلا على رجل. وكان منتهى اللياقة أن أقف أو أن أزيل ساقي عن وضعها والرجل يقف أمامي، وفي ثوان دارت معركة في خاطري: إن ظللت جالسا فقد خالفت قواعد البروتوكول، وإن وقفت فقد يظن البعض أني أقف لرئيس الوزراء نفاقا لا لياقة، فآثرت أن أكون مخالفا لقواعد اللياقة على أن يظن بي أني منافق، وبقيت على حالتي، وما أظن عبد الناصر قد نسى ذلك (١). الهضيبي وفاروق توجه كريم ثابت باشا المستشار الصحفي للملك فاروق إلى منزل المستشار حسن الهضيبي وأخبره بأن الملك فاروق يطلب منه الحضور في ٢١/ ١١/ ١٩٥١ إلى قصر القبة

стр. 484

لمقابلته والتحدث. معه، فأخبره الهضيبي أنه لا يستطيع أن يوافق على ذلك إلا بعد عرض الأمر على مكتب الإرشاد، ووافق مكتب الإرشاد، وهنا طلب كريم ثابت من الهضيبي ضرورة ارتداء بدلة الردنجوت عند مقابلة الملك، فأخبره الهضيبي أنه لا يملك بدلة ردنجوت، فأرسل كريم ثابت باشا إلى الهضيبي في منزله بدلتين ردنجوت لارتداء إحداهما، ولكن حسن الهضيبي أصر أن يقابل الملك بملابسه العادية حتى ولو أدى الأمر إلى إلغاء المقابلة، فأذعن كريم ثابت لرأي الهضيبي مكرها، وتمت المقابلة بقصر القبة واستغرقت خمسا وأربعين دقيقة ونشرت الصحف هذا الخبر، ولم يصرح فضيلته للصحف بأي شيء عن هذه المقابلة علما بأن هذه أول مرة يقابل فيها الملك شخصا لا يرتدي الردنجوت. وحضر الملك إلى مكتب السكرتارية وسلم عليه الهضيبي معتدل القامة شامخا، وأخذه الملك من يده مصطحبا إياه إلى غرفة مكتبه، وجلس الهضيبي على كرسي وأخذ الملك يرحب بالهضيبي ووجه إليه الحديث قائلا: لا أدري لماذا يسيء الإخوان المسلمون الظن بي؟ فلم يرد عليه الهضيبي، وعاد الملك يقول: إنني مسلم وأحب الإسلام وأتمنى له الخير، وقد أمرت بإنشاء مساجد كذا وكذا فلماذا يكرهني الإخوان؟ ولم يرد الهضيبي أيضا. وعاد الملك يقول: إن الإخوان قد فهموا خطأ أنني أنا الذي أمرت بحلهم واعتقالهم، وباغتيال الشيخ حسن البنا، وهذا -والله العظيم- خطأ ولم أفعل من هذا شيئا، والذي فعل ذلك هم السعديون، النقراشي وإبراهيم عبد الهادي وفي اللحظة التي تمكنت فيها أقلت إبراهيم عبد الهادي، وأمرت الوزارة التي عينتها بالإفراج عن الإخوان، واستمر الملك في استعراض تاريخه وما عمله من خير ونسب كل عمل سيئ لغيره، وبين لحظة وأخرى يقول: لماذا يكرهني الإخوان إذن؟! والهضيبي لا يرد، وقال الهضيبي: إنني سهوت عن نفسي وتنبهت فوجدت نفسي في وضع عجيب. وجدتني جالسا على الفوتيل واضعا إحدى رجلي على الأخرى!! ففكرت في الرجوع إلى الجلسة المناسبة ولكنني قررت ألا أغير هذا الوضع وظللت كذلك حتى انتهاء المقابلة .. حين سأله الملك: ما رأيكم يا حسن بك في كل ما قلته، وفي أنني على استعداد أن أعمل للإسلام؟ فرد عليه الهضيبي قائلا: إنني سأعرض ذلك على الإخوان ونسأل الله التوفيق، ثم قام الملك وصافحه وأوصله حتى باب مكتبه حيث تلقاه كبار رجال القصر حتى رجع إلى

стр. 485

المركز العام للإخوان المسلمين بالحلمية. وقال الأستاذ الهضيبي وهو يقص أحداث هذه المقابلة بعد سنوات طويلة إنه كان يشعر وهو يجلس مع الملك أنه أمام طفل صغير ولم يشعر نحوه برهبة أو حتى احترام (١). حمية العرب في الجاهلية المهلهل بن ربيعة الذي اشتهر عند الناس باسم الزير سالم، كان رجل شهوات في حياته، رجل كأس وطاس، وزير نساء، ولكن حينما قتل أخوه كليب أبى إلا أن يطلِّق هذه الأمور كلها، وأن يعيش لشيء واحد أن يثأر لأخيه المقتول وقال في ذلك قولته: ولست بخالع درعي وسيفي ... إلى أن يخلع الليل النهار ولم يخلع درعه ولا سيفه حتى أخذ بثأر أخيه وانتقم من بني بكر، وفي يوم من الأيام قتل أحد كبرائهم فقال بعضهم: يكفيك هذا بكليب، قال: هذا يبوء بشسع نعل كليب. هذه حمية العرب في الجاهلية. وهذا عمرو بن كلثوم كان عند ملك الحيرة عمرو بن منذر -أو عمرو بن هند- وكانت معه أمه فأرادت أم الملك أن تستخدمها في بعض الأشياء فأمرتها أن تأتي لها ببعض الأشياء فكبر ذلك عند المرأة أم الفارس عمرو بن كلثوم، وأخبرت بذلك ابنها فثار وقال قصيدته الشهيرة، قصيدة عمرو بن كلثوم التي قالوا فيها إنها كانت حوالي ألف بيت وما بقي منها هو ما حفظه الرواة، ومنها: وأنا المانعون إذا غضبنا ... وأنا المانحون إذا رضينا وأنا نورد الرايات بيضا ... ونصدرهن حمرا قد روينا إذا بلغ الفطام لنا رضيع ... تخر له الجبابر ساجدينا وكانت أن قامت معركة بعد ذلك بينه وبين عمرو بن هند وقد قتل عمرو بن هند ملك الحيرة.

стр. 486

هؤلاء هم العرب لا يقبلون الذل، ويقول عنترة في شعره: لا تسقني ماء الحياة بذلة ... بل فاسقني بالعز كأس الحنظل ماء الحياة بذلة لجهنم ... وجهنم بالعز أطيب منزل هكذا كان القوم، وفي أول الإسلام حين هزمت قريش في معركة بدر الكبرى، قتل منهم سبعون من الصناديد وأسر منهم سبعون، وكان أبو سفيان بن حرب لا يزال مشركا وكان يعتبر زعيم القوم في ذلك الوقت، خصوصا بعد أن مات من مات من الصناديد والكبار في بدر، فآلى على نفسه ألا يمس بدنه ماء من غسل الجنابة -يعني لا يعاشر امرأته- وحرمت قريش على نفسها أن يبكي أحد بكاء نوح، أي بكاء بأصوات، يكتمون ذلك في أنفسهم حتى لا ينفسوا عن أنفسهم ليظل هذا الغضب مكبوتا إلى أن يأخذوا بثأرهم، وفي يوم من الأيام سمع بعض الناس. أنه أبيح لهم أن يبكوا وأن يشعروا وأن يعبروا عن أنفسهم، فلما خرج سأل فقالوا له: هذا رجل ضل بعيره، فهو يبكي بعيره الذي ضاع (١). الأخ حافظ استدعى المسيو سولنت باشمهندس القنال ورئيس قسم السكسيون الأخ حافظ ليصلح له بعض أدوات النجارة في منزله وسأله عما يطلب من أجر فقال: ١٣٠ قرشا، فقال المسيو سولنت بالعربي: أنت حرامي، فتمالك الأخ نفسه، وقال له بكل هدوء: ولماذا؟ فقال: لأنك تأخذ أكثر من حقك، فقال له: لن آخذ منك شيئا ومع ذلك فإنك تستطيع أن تسأل أحد المهندسين من مرءوسيك فإن رأى أنني طلبت أكثر من القدر المناسب فإن عقوبتي أن أقوم بالعمل مجانا، وإن رأى أنني طلبت أقل مما يصلح أن أطلب فسأسامحك في الزيادة. واستدعى الرجل فعلا مهندسا وسأله فقدر أن العمل يستوجب ٢٠٠ قرش، فعرف المسيو سولنت وأمر الأخ حافظ أن يبتدئ العمل، فقال له: سأفعل ولكنك أهنتني فعليك أن تعتذر وأن تسحب كلمتك، فاستشاط الرجل غضبا وغلبه الطابع الفرنسي الحاد، وأخذته العزة بالإثم وقال: تريد أن أعتذر لك؟ ومن أنت؟ لو كان الملك فؤاد نفسه ما

стр. 487

اعتذرت له، فقال حافظ في هدوء أيضا: وهذه غلطة أخرى يا مسيو سولنت فأنت في بلد الملك فؤاد، وكان أدب الضيافة وعرفان الجميل يفرضان عليك ألا تقول مثل هذا الكلام وأنا لا أسمح لك أن تذكر اسمه إلا بكل أدب واحترام، فتركه وأخذ يتمشى في البهو الفسيح ويداه في جيب بنطلونه، ووضع حافظ عدته وجلس على كرسي واتكأ على منضدة وسادت فترة سكوت لا يتخللها إلا وقع أقدام المسيو السائر الحائر، وبعد قليل تقدم من حافظ وقال له: افرض أنني لم أعتذر لك فماذا تفعل؟ فقال: الأمر هين سأكتب تقريرا إلى قنصلكم هنا وإلى سفارتكم أولا ثم أترقب كل قادم من أعضاء هذا المجلس فأشكو إليه، فإذا لم أصل إلى حقي بعد ذلك استطعت أن أهينك في الشارع وعلى ملأ من الناس وأكون بذلك قد وصلت إلى ما أريد ولا تنتظر أن أشكوك إلى الحكومة المصرية التي قيدتموها بسلاسل الامتيازات الأجنبية الظالمة، ولكني لن أهدأ حتى أصل إلى حقي بأي طريقة، فقال الرجل: يظهر أنني أتكلم مع أفوكاتو لا نجار! ألا تعلم أنني كبير المهندسين في قناة السويس فكيف تتصور أني أعتذر لك؟ فقال حافظ: وألا تعلم أن قناة السويس في وطني لا في وطنك وأن مدة استيلائكم عليها مؤقتة وستنتهي ثم تعود إلينا فتكون أنت وأمثالك موظفين عندنا؟ فكيف تتصور أن أدع حقي لك؟ ... وانصرف الرجل إلى مشيته الأولى. وبعد فترة عاد مرة ثانية وعلى وجهه أمارات الثائر وطرق المنضدة بيده في عنف مرات وهو يقول: أعتذر يا حافظ سحبت كلمتي، فقام الأخ حافظ بكل هدوء وقال: متشكر يا مسيو سولنت. وزاول عمله حتى أتمه. وبعد الانتهاء أعطاه المسيو سولنت ١٥٠ قرشا فأخذ منها ١٣٠ قرشا ورد له العشرين. فقال له: خذها بقشيشا، فقال: لا، لا حتى لا آخذ أكثر من حقي فكون حرامي، فدهش الرجل وقال: إني مستغرب لماذا لا يكون كل الصناع أولاد العرب مثلك؟ أنت "فاميلي محمد" فقال حافظ: يا مسيو سولنت كل المسلمين "فاميلي محمد" ولكن الكثير منهم عاشروا الخواجات وقلدوهم ففسدت أخلاقهم، فلم يرد الرجل بأكثر من أن مد يده مصافحا قائلا: متشكر، متشكر كتر خيرك وفيها الإذن بالانصراف (١).

стр. 488

أصبرًا على مس الهوان وأنتمو ... عديد الحصى، إني إلى الله راجع يقول سيد قطب: وما يعز المؤمن بغير الله وهو مؤمن، وما يطلب العزة والنصرة والقوة عند أعداء الله وهو يؤمن بالله، وما أحوج ناسا ممن يدعون الإسلام ويتسمون بأسماء المسلمين وهم يستعينون بأعدى أعداء الله في الأرض، أن يتدبروا هذا القرآن إن كانت بهم رغبة في أن يكونوا مسلمين وإلا فإن الله غني عن العالمين (١). وقفة قرآنية يقول تعالى في صفات المؤمنين: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]. يقول سيد قطب: فهم على الكافرين شماس وإباء واستعلاء .. ولهذه الخصائص هنا موضع، إنها ليست العزة للذات، ولا الاستعلاء للنفس، إنما هي العزة للعقيدة، والاستعلاء للراية التي يقفون تحتها في مواجهة الكافرين، إنها الثقة بأن ما معهم هو الخير، وأن دورهم هو أن يطوعوا الآخرين للخير الذي معهم لا أن يطوعوا الآخرين لأنفسهم، ولا أن يطوعوا أنفسهم للآخرين وما عند الآخرين، ثم هي الثقة بغلبة دين الله على دين الهوى، وبغلبة قوة الله على تلك القوى، وبغلبة حزب الله على أحزاب الجاهلية، فهم الأعلون حتى وهم منهزمون في بعض المعارك، في أثناء الطريق الطويل (٢). الرنتيسي يقول الشهيد الرنتيسي -أثناء اعتقاله- قام مدير عام المعتقل وهو صاحب رتبة عسكرية رفيعة ويدعي "شلتئيل" يطلب عقد لقاء مع ممثلي المعتقلين، ولقد اجتمع ممثلون عن مختلف الفصائل في خيمة من خيام المعتقل في أحد أقسامه لتدارس الأمر قبل انعقاد اللقاء مع الإدارة، وأحب المعتقلون أن أرافقهم وقد فعلت، وأثناء لقائنا في الخيمة سمعت بعض الشباب يحذر من "شلتئيل" ويضخم من شأنه ويخشى من غضبه، فشعرت بأن له هيبة في نفوس بعض الشباب وهذا لم يرق لي ولكني لم أعقب

стр. 489

بشيء، ثم جاءت حافلة في يوم اللقاء لتقلنا إلى ديوان "شلتئيل" وأخذت وأنا في الحافلة أفكر في استعلاء هذا الرجل وهيبته في نفوس الشباب وكيفية انتزاع هذه الهيبة من نفوسهم، ولقد وطنت نفسي على فعل شيء ما ولكني لا أعلمه، ولكن كان لدي استعداد تام أن أتصدى له إذا تصرف بطريقة لا تليق، ووصلت الحافلة ودخلنا ديوانه فكان عن يميننا داخل القاعة منصة مرتفعة حوالي ٣٠ سنتيمترا عن باقي الغرفة، وعليها عدد من الكراسي، وعن شمالنا كانت هناك عدة صفوف من الكراسي المعدة لنا، فجاء رؤساء الأقسام المختلفة وجميعهم من الحاصلين على رتب عسكرية في الجيش، ومن بينهم مسئول أحد الأقسام قد كان في الماضي نائب الحاكم العسكري لمدينة "خان يونس" وكان يعرفني مسبقا، وكان نائب "شلتئيل" أيضا يجلس على المنصة مع رؤساء الأقسام، وجلس المعتقلون المملثون لكل الفصائل على الكراسي المعدة لهم وجها لوجه مع رؤساء الأقسام تفصلنا عنهم مسافة لا تزيد على مترين، ولقد جلست في الصف الأول في الكرسي الأول الأقرب إلى باب الديوان، ثم بعد وقت قليل دخل "شلتئيل" وكان رجلا طويل القامة ضخم الجثة فالتفت بطريقة عسكرية وأشار بيده فوقف الشباب وبقيت جالسا، وكان هذا اللقاء هو اللقاء الأول بيني وبينه فلا يعرفني، فاقترب مني وقال: لماذا لا تقف؟ فقلت له: أنا لا أقف إلا لله وأنت لست إلها ولكنك مجرد إنسان وأنا لا أقف للبشر. فقال: يجب عليك أن تقف، فأقسمت بالله يمينا مغلظا ألا أقف، فأصبح في حالة من الحرج الشديد ولم يدر ما يفعل، حاول التدخل أحد قادة فتح في المعتقل -وهو العقيد "سامي أبو سمهدانة"- ليخبره أنني إذا قررت لا أتراجع، فرفض الاستماع إليه وأصر على موقفه، ولكني أبيت بشدة، فقال نائبه: يا دكتور هنا يوجد بروتوكول يجب أن يحترم. فقلت له: ديني أولى بالاحترام ولا يجيز لي الإسلام أن أقف تعظيما لمخلوق. فقال: وما الحل؟ فقلت: إما أن أبقى جالسا أو أعود إلى خيمتي.

стр. 490

فقال "شلتئيل": عد إذن إلى خيمتك، فخرجت من الديوان ولم يخرج معي إلا الأخ المهندس "إبراهيم رضوان" والأخ "عبد العزيز الخالدي" وكلاهما من حماس (١). من الطرائف يقول الشهيد الرنتيسي: من الطرائف التي حدثت في فترة اعتقالي أن شرطيا يهوديا رآني أحمل القرآن وأتصفحه، فسألني: يا دكتور، ماذا في كتابكم؟ فقلت: أمور كثيرة. قال: ماذا يقول إنكم فاعلون بنا؟ قلت له: يقول إننا سنذبحكم بعد أن تتجمعوا في بلادنا. فقال: متى يكون ذلك؟ فقلت: لا أدري ربما يكون خلال أربعين سنة -وكنا في عام ١٩٩٠ - فأخذ يحسب ثم همهم قائلا: ليس مهما بالتأكيد سأكون ميتا. فقلت له: وماذا تقول التوراة؟ فقال: نفس الشيء فتجمعنا هنا نهايته الذبح، ثم استدرك قائلا: ولكن عندما نفسد. فقلت: سبحان الله كأنكم لم تفسدوا بعد! (٢). ...

стр. 491

الذكاء المسلم يتميز بسرعة البديهة، والعقل الراجح، والعلم الواسع، والقدرة على الاجتهاد، وحسن النظر، والحكمة والذكاء، والعلم والفطنة. وهذه بعض مواقف الأذكياء ليتعلم منها المسلم الفطنة وحسن التصرف مع الأمور. دار الأرقم في بداية الدعوة إلى الإسلام، كان النبي ﷺ يدعو إلى الله سرًّا، حذرًا من قريش التي كانت متعصبة للشرك، وكانت تضطهد كل من يؤمن بالدعوة الجديدة. لذلك اختار الرسول ﷺ دار الأرقم بن أبي الأرقم ليجتمع بها مع أصحابه الكرام، فلم يكن أحد من قريش يعلم أن الأرقم كان قد أسلم، ولن يخطر على بال قريش أن يتم اللقاء في داره، وكان الأرقم من بني مخزوم الذين كانوا يحملون لواء التنافس على سيادة قريش ضد بني هاشم، وكان بعيدًا عن ذهن قريش أن يجتمع محمد وأصحابه في قلب ديار بني مخزوم. كما أن الأرقم كان في هذا الوقت صغير السن، لا يتجاوز عمره السادسة عشرة، وكان من المستبعد أن يجتمع المسلمون في منزل هذا الفتى الصغير. المناظرة بين خليل الله والنمرود كان النمرود بن كنعان حاكما لبلاد كنعان التي كان يعيش فيها نبي الله إبراهيم. فدعاه إبراهيم إلى الإيمان بالله بالحكمة والموعظة الحسنة، لكن النمرود لم يستمع إلى دعوة الخير، وادعى أنه إله ودار بين إبراهيم والنمرود حوار طويل، لجأ فيه إبراهيم إلى الدليل العقلي، فقال له: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فقال النمرود: أنا أحي وأميت، فأنا أستطيع أن آتي برجلين قد حُكم عليهما بالقتل، فأقتل أحدهما وأعفو عن الأخر فأحييه، هنا فكر إبراهيم في حجة قوية لا يستطيع النمرود إنكارها مهما عاند واستكبر، فقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فلم يستطع النمرود أن يرد على هذا الدليل القاطع الحاسم.

стр. 492

إذا تحدثت مع أي إنسان فلا تجادل ولكن عليك بالدليل الواضح. طريق اليمن في الهجرة في بداية هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة، سار نحو الجنوب عكس اتجاه المدينة، ثم عاود السير تجاهها ليجعل الكفار يعتقدون أنه توجه إلى اليمن وليس إلى المدينة، كذلك كلف النبي عامر بن فهيرة أن يتعرف على ما يقال بمكة، ثم يأتيه بالخبر في الليل، ويحلب لهما الأغنام، ثم يصبح ويسرح مع الناس، وكان عبد الله بن أبي بكر يبيت معهما في الغار، ثم يذهب إلى مكة في الفجر، فيصبح مع قريش كأنه بات في مكة، ويسمع ما يقال عن الرسول ﷺ وصاحبه، ثم يعود إليهما بالأخبار في الليل. كن فطنًا في التعامل مع الأعداء ولا تترك دليلاً على أفعالك. الإبل المذبوحة في غزوة بدر، أرسل النبي ﷺ فرقة استطلاع مكونة من علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص ﵃ إلى بدر ليستطلعوا أخبار العدو، فوجدوا اثنين من قريش يملآن قِرَب الماء ويحملانها على ظهور الإبل ليسقوا جيش المشركين، فأسروهما وأخذوهما إلى النبي ﷺ فلما رأى الأسيرين سألهما: "كم القوم؟ " فقال أحدهما: كثير، قال: "ما عدتهم؟ " قال: لا ندري. فسألهما الرسول ﷺ عن عدد الإبل التي يذبحونها كل يوم، فأخبراه أنهم ينحرون في يوم تسعة إبل، وفي يوم عشرة إبل، فقدر الرسول أن كل ناقة يأكلها مائة من الرجال، فقال الرسول ﷺ :"القوم فيما بين التسعمائة والألف" وكانت معرفة رسول الله ﷺ بعدد جيش قريش أول خطوة من خطوات النصر في بدر. الحجر الأسود قبل بعثة النبي ﷺ أصاب مكة سيل شديد، فتهدمت بعض أجزاء من الكعبة الشريفة، واجتمعت قريش وقرروا بناءها من جديد، وتسابقت القبائل لتنال شرف الاشتراك في إعادة بناء الكعبة، فلما تم البناء، وأرادوا إعادة الحجر الأسود إلى مكانه، تشاجر زعماء القبائل لنيل هذا الشرف، حتى كادت الحرب تقع بينهم، فرأى الحكماء

стр. 493

منهم أن يحتكموا إلى أول من يدخل عليهم، وشاءت إرادة الله أن يكون القادم محمدًا ﷺ فارتضوه حكمًا، وحكوا له القصة، فخلع النبي ﷺ رداءه، ووضعه على الأرض، ثم أخذ الحجر الأسود ووضعه على الرداء، وطلب إلى زعماء القبائل أن يمسك كل واحد منهم بطرف من الرداء، ثم يحملوا الحجر إلى مكانه، ففعلوا. فأخذ النبي ﷺ الحجر، ووضعه في مكانه، وبذلك ساهموا جميعًا في حمل الحجر الأسود، ونالوا ذلك الشرف. حيلة يوسف جاء إخوة يوسف إلى مصر لشراء القمح والطعام، فلما دخلوا على أخيهم -الذي كان وزيرًا للبلاد- عرفهم ولم يعرفوه، وأعطاهم ما أرادوا، ووعدهم أنه سيزيد لهم في العطاء في المرة الثانية، إن أحضروا معهم أخاهم من أبيهم، فإن لم يحضروه فلن يعطيهم شيئًا. فلما جاءوا في المرة الثانية أحضروا معهم أخاهم، ففكر يوسف في حيلة ليحجز أخاه، ويستبقيه إلى جواره، فأمر رجاله أن يضعوا مكيال الملك الذهبي الذي يكيل به في أمتعة أخيه، ثم أعلن أن المكيال قد سرق. فنفى إخوة يوسف أن يكونوا قد سرقوا المكيال، فسألهم يوسف عن جزاء من يسرق في شريعتهم؛ حتى يطبق ذلك الحكم عليه إذا وجد المكيال مع أحدهم، فأخبروه أن السارق يؤخذ رهينة أو أسيرًا، مقابل ما يسرق، فأمر يوسف بالتفتيش، فوجدوا المكيال في متاع أخيه، ونجحت حيلة يوسف في أن يأخذ أخاه. داود وسليمان كان لرجل قطيع من الأغنام، وذات يوم دخلت هذه الأغنام حقل رجل آخر، فأكلت ما به من حرث وثمار وأفسدت الزرع، فذهب صاحب الحرث إلى نبي الله داود ليحكم في أمره، فحكم داود لصاحب الحقل أن يأخذ الأغنام نظير ما أُفسِد من حرثه، فلما علم ابنه سليمان بذلك قال: لو وليت أمركما لقضيت بغير هذا، فدعاه داود وسأله: كيف تقضي بينهما؟ فحكم سليمان بأن يأخذ صاحب الحرث الأغنام فينتفع بما تلد وما تنتج من ألبانها، ويأخذ صاحب الأغنام الأرض فيزرعها ويصلحها حتى تعود كما كانت عليه أول مرة، فإذا ما أعطاها كما كانت ردت إليه أغنامه، وأخذ صاحب الحرث أرضه،

стр. 494

ورغم أن حكم داود كان صحيحًا ولكنه أعجب برأي ابنه سليمان. قصة الرجل الحكيم كان الفاروق عمر بن الخطاب جالسًا ذات يوم مع بعض أصحابه، وكان فيهم جرير بن عبد الله، فشم ريحًا كريهة، فقال: عزمت على صاحب هذه الريح أن يقوم فيتوضأ، لكن جرير أراد ألا يتعرض من أخرج الريح للحرج، وفضل أن يقوم المسلمون جميعًا فيتوضأوا، فقال: يا أمير المؤمنين، أو يتوضأ القوم جميعا، فأعجب عمر بحكمة جرير وفطنته، وقال له: رحمك الله، نعم السيد كنت في الجاهلية! ونعم السيد أنت في الإسلام! الفطنة لما خرج رسول الله ﷺ مهاجرًا ومعه صاحبه أبو بكر سلكا طريقًا غير الذي اعتاد الناس السفر منه إلى المدينة، فاتجها نحو الساحل في الطريق المؤدي إلى اليمن، وأخذ أبو بكر يسير أمام النبي ﷺ فإذا خشي أن يهجم عليه عدو من خلفه سار وراءه، حتى وصلا إلى المدينة سالمين. وكان أبو بكر تاجرا معروفًا، يطوف البلاد، ويتعامل مع الناس، فكان إذا لقيه الناس عرفوه، وسألوه عن الرجل الذي يسير معه، وكان أبو بكر لا يريد أن يخبر أحدًا بحقيقة صاحبه قبل وصوله إلى المدينة، وكان لا يحب أن يكذب، فكان يقول: هاد يهديني، يقصد الهداية في الدين، بينما يحسبه السائل دليلاً يدله على الطريق. هل تتصرف في أمورك الصعبة بحكمة وفطنة؟ خالد بن الوليد في مؤتة في غزوة مؤتة، استشهد القادة الثلاثة الذين عينهم النبي ﷺ ، فاتفق المسلمون على أن يتولى خالد بن الوليد، فلما تولى خالد القيادة فكر في حيلة لينجو بالجيش؛ لأنه لا يمكنه التغلب على قوات الروم الكثيرة بهذا العدد القليل من المسلمين، فغير أماكن الجنود، وأمر بعض الكتائب أن تبتعد عن ساحة القتال، ثم يأتوا مندفعين أثناء المعركة وهم يكبرون، ويثيرون التراب بخيولهم، وفي الصبح فوجيء جنود الروم بوجوه جديدة من الجنود المسلمين لم يروها من قبل في الأيام الماضية، ثم جاءت الكتائب الأخرى فظنها

стр. 495

الروم مددًا لجيش المسلمين، فدب الرعب في قلوبهم، وفي الليل سحب خالد جيشه من المعركة تدريجيًا حتى لا يلاحقهم الروم. وهكذا استطاع أن ينقذ جيش المسلمين. في غزوة الأحزاب حاصر المشركون المدينة، فأرسل النبي ﷺ حذيفة بن اليمان إلى معسكر المشركين، ليعرف أخبارهم، وما يتآمرون به ضد المسلمين، فتسلل حذيفة في الظلام حتى وصل إلى جيش المشركين، واندس بينهم، وبينما هم يتحدثون ويدبرون مكائدهم، أراد قائدهم أبو سفيان بن حرب أن يطمئن إلى أن مجلسهم لم يتسلل إليه أحد من المسلمين، فأمرهم أن يتعرف كل واحد منهم على من يجلس إلى جواره. شعر حذيفة بحرج شديد، وخشي أن ينكشف أمره، فأسرع وأمسك بيد الجالس إلى جواره، وبادره بالسؤال: من الرجل؟ فقال الرجل المشرك: فلان بن فلان، وهكذا استطاع حذيفة بحسن تصرفه وذكائه أن يشغل من إلى جواره عن معرفته، وعاد إلى معسكر المسلمين سالمًا بفضل الله تعالى. حيلة أبي بصير كان من شروط صلح الحديبية بين المسلمين وقريش أنه إذا أتى المسلمين المشرك مسلمًا ردوه لقريش، وإذا أتى المسلم مشركًا لا ترده قريش للمسلمين. فكان ممن أسلم في هذا الوقت رجل يسمى أبو بصير عتبة بن أسيد بن جارية رده رسول الله -حسب المعاهدة- إلى قريش التي بعثت تطلبه، وقال له رسول الله ﷺ يا أبا بصير انطلق فإن الله تعالى سيجعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا. فانطلق حتى إذا كان بذي الحليفة جلس إلى جدار وجلس معه المشركان اللذان جاءا ليأخذاه فقال أبو بصير لأحدهما: أصارم سيفك هذا يا أخا بني عامر؟ فقال: نعم. قال: أنظر إليه. قال: انظر إن شئت، فأستله أبو بصير ثم علاه به حتى قتله وفر الآخر سريعًا إلى رسول الله ﷺ يشكو إليه فلحقه أبو بصير، وقال للرسول: يا رسول الله، وفت ذمتك
следующие страницы →