الذكاء
المسلم يتميز بسرعة البديهة، والعقل الراجح، والعلم الواسع، والقدرة على الاجتهاد، وحسن النظر، والحكمة والذكاء، والعلم والفطنة.
وهذه بعض مواقف الأذكياء ليتعلم منها المسلم الفطنة وحسن التصرف مع الأمور.
دار الأرقم
في بداية الدعوة إلى الإسلام، كان النبي ﷺ يدعو إلى الله سرًّا، حذرًا من قريش التي كانت متعصبة للشرك، وكانت تضطهد كل من يؤمن بالدعوة الجديدة.
لذلك اختار الرسول ﷺ دار الأرقم بن أبي الأرقم ليجتمع بها مع أصحابه الكرام، فلم يكن أحد من قريش يعلم أن الأرقم كان قد أسلم، ولن يخطر على بال قريش أن يتم اللقاء في داره، وكان الأرقم من بني مخزوم الذين كانوا يحملون لواء التنافس على سيادة قريش ضد بني هاشم، وكان بعيدًا عن ذهن قريش أن يجتمع محمد وأصحابه في قلب ديار بني مخزوم. كما أن الأرقم كان في هذا الوقت صغير السن، لا يتجاوز عمره السادسة عشرة، وكان من المستبعد أن يجتمع المسلمون في منزل هذا الفتى الصغير.
المناظرة بين خليل الله والنمرود
كان النمرود بن كنعان حاكما لبلاد كنعان التي كان يعيش فيها نبي الله إبراهيم. فدعاه إبراهيم إلى الإيمان بالله بالحكمة والموعظة الحسنة، لكن النمرود لم يستمع إلى دعوة الخير، وادعى أنه إله ودار بين إبراهيم والنمرود حوار طويل، لجأ فيه إبراهيم إلى الدليل العقلي، فقال له: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فقال النمرود: أنا أحي وأميت، فأنا أستطيع أن آتي برجلين قد حُكم عليهما بالقتل، فأقتل أحدهما وأعفو عن الأخر فأحييه، هنا فكر إبراهيم في حجة قوية لا يستطيع النمرود إنكارها مهما عاند واستكبر، فقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فلم يستطع النمرود أن يرد على هذا الدليل القاطع الحاسم.
стр. 492
إذا تحدثت مع أي إنسان فلا تجادل ولكن عليك بالدليل الواضح.
طريق اليمن في الهجرة
في بداية هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة، سار نحو الجنوب عكس اتجاه المدينة، ثم عاود السير تجاهها ليجعل الكفار يعتقدون أنه توجه إلى اليمن وليس إلى المدينة، كذلك كلف النبي عامر بن فهيرة أن يتعرف على ما يقال بمكة، ثم يأتيه بالخبر في الليل، ويحلب لهما الأغنام، ثم يصبح ويسرح مع الناس، وكان عبد الله بن أبي بكر يبيت معهما في الغار، ثم يذهب إلى مكة في الفجر، فيصبح مع قريش كأنه بات في مكة، ويسمع ما يقال عن الرسول ﷺ وصاحبه، ثم يعود إليهما بالأخبار في الليل.
كن فطنًا في التعامل مع الأعداء ولا تترك دليلاً على أفعالك.
الإبل المذبوحة
في غزوة بدر، أرسل النبي ﷺ فرقة استطلاع مكونة من علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص ﵃ إلى بدر ليستطلعوا أخبار العدو، فوجدوا اثنين من قريش يملآن قِرَب الماء ويحملانها على ظهور الإبل ليسقوا جيش المشركين، فأسروهما وأخذوهما إلى النبي ﷺ فلما رأى الأسيرين سألهما: "كم القوم؟ " فقال أحدهما: كثير، قال: "ما عدتهم؟ " قال: لا ندري. فسألهما الرسول ﷺ عن عدد الإبل التي يذبحونها كل يوم، فأخبراه أنهم ينحرون في يوم تسعة إبل، وفي يوم عشرة إبل، فقدر الرسول أن كل ناقة يأكلها مائة من الرجال، فقال الرسول ﷺ :"القوم فيما بين التسعمائة والألف" وكانت معرفة رسول الله ﷺ بعدد جيش قريش أول خطوة من خطوات النصر في بدر.
الحجر الأسود
قبل بعثة النبي ﷺ أصاب مكة سيل شديد، فتهدمت بعض أجزاء من الكعبة الشريفة، واجتمعت قريش وقرروا بناءها من جديد، وتسابقت القبائل لتنال شرف الاشتراك في إعادة بناء الكعبة، فلما تم البناء، وأرادوا إعادة الحجر الأسود إلى مكانه، تشاجر زعماء القبائل لنيل هذا الشرف، حتى كادت الحرب تقع بينهم، فرأى الحكماء
стр. 493
منهم أن يحتكموا إلى أول من يدخل عليهم، وشاءت إرادة الله أن يكون القادم محمدًا ﷺ فارتضوه حكمًا، وحكوا له القصة، فخلع النبي ﷺ رداءه، ووضعه على الأرض، ثم أخذ الحجر الأسود ووضعه على الرداء، وطلب إلى زعماء القبائل أن يمسك كل واحد منهم بطرف من الرداء، ثم يحملوا الحجر إلى مكانه، ففعلوا. فأخذ النبي ﷺ الحجر، ووضعه في مكانه، وبذلك ساهموا جميعًا في حمل الحجر الأسود، ونالوا ذلك الشرف.
حيلة يوسف
جاء إخوة يوسف إلى مصر لشراء القمح والطعام، فلما دخلوا على أخيهم -الذي كان وزيرًا للبلاد- عرفهم ولم يعرفوه، وأعطاهم ما أرادوا، ووعدهم أنه سيزيد لهم في العطاء في المرة الثانية، إن أحضروا معهم أخاهم من أبيهم، فإن لم يحضروه فلن يعطيهم شيئًا.
فلما جاءوا في المرة الثانية أحضروا معهم أخاهم، ففكر يوسف في حيلة ليحجز أخاه، ويستبقيه إلى جواره، فأمر رجاله أن يضعوا مكيال الملك الذهبي الذي يكيل به في أمتعة أخيه، ثم أعلن أن المكيال قد سرق. فنفى إخوة يوسف أن يكونوا قد سرقوا المكيال، فسألهم يوسف عن جزاء من يسرق في شريعتهم؛ حتى يطبق ذلك الحكم عليه إذا وجد المكيال مع أحدهم، فأخبروه أن السارق يؤخذ رهينة أو أسيرًا، مقابل ما يسرق، فأمر يوسف بالتفتيش، فوجدوا المكيال في متاع أخيه، ونجحت حيلة يوسف في أن يأخذ أخاه.
داود وسليمان
كان لرجل قطيع من الأغنام، وذات يوم دخلت هذه الأغنام حقل رجل آخر، فأكلت ما به من حرث وثمار وأفسدت الزرع، فذهب صاحب الحرث إلى نبي الله داود ليحكم في أمره، فحكم داود لصاحب الحقل أن يأخذ الأغنام نظير ما أُفسِد من حرثه، فلما علم ابنه سليمان بذلك قال: لو وليت أمركما لقضيت بغير هذا، فدعاه داود وسأله: كيف تقضي بينهما؟ فحكم سليمان بأن يأخذ صاحب الحرث الأغنام فينتفع بما تلد وما تنتج من ألبانها، ويأخذ صاحب الأغنام الأرض فيزرعها ويصلحها حتى تعود كما كانت عليه أول مرة، فإذا ما أعطاها كما كانت ردت إليه أغنامه، وأخذ صاحب الحرث أرضه،
стр. 494
ورغم أن حكم داود كان صحيحًا ولكنه أعجب برأي ابنه سليمان.
قصة الرجل الحكيم
كان الفاروق عمر بن الخطاب جالسًا ذات يوم مع بعض أصحابه، وكان فيهم جرير بن عبد الله، فشم ريحًا كريهة، فقال: عزمت على صاحب هذه الريح أن يقوم فيتوضأ، لكن جرير أراد ألا يتعرض من أخرج الريح للحرج، وفضل أن يقوم المسلمون جميعًا فيتوضأوا، فقال: يا أمير المؤمنين، أو يتوضأ القوم جميعا، فأعجب عمر بحكمة جرير وفطنته، وقال له: رحمك الله، نعم السيد كنت في الجاهلية! ونعم السيد أنت في الإسلام!
الفطنة
لما خرج رسول الله ﷺ مهاجرًا ومعه صاحبه أبو بكر سلكا طريقًا غير الذي اعتاد الناس السفر منه إلى المدينة، فاتجها نحو الساحل في الطريق المؤدي إلى اليمن، وأخذ أبو بكر يسير أمام النبي ﷺ فإذا خشي أن يهجم عليه عدو من خلفه سار وراءه، حتى وصلا إلى المدينة سالمين.
وكان أبو بكر تاجرا معروفًا، يطوف البلاد، ويتعامل مع الناس، فكان إذا لقيه الناس عرفوه، وسألوه عن الرجل الذي يسير معه، وكان أبو بكر لا يريد أن يخبر أحدًا بحقيقة صاحبه قبل وصوله إلى المدينة، وكان لا يحب أن يكذب، فكان يقول: هاد يهديني، يقصد الهداية في الدين، بينما يحسبه السائل دليلاً يدله على الطريق.
هل تتصرف في أمورك الصعبة بحكمة وفطنة؟
خالد بن الوليد في مؤتة
في غزوة مؤتة، استشهد القادة الثلاثة الذين عينهم النبي ﷺ ، فاتفق المسلمون على أن يتولى خالد بن الوليد، فلما تولى خالد القيادة فكر في حيلة لينجو بالجيش؛ لأنه لا يمكنه التغلب على قوات الروم الكثيرة بهذا العدد القليل من المسلمين، فغير أماكن الجنود، وأمر بعض الكتائب أن تبتعد عن ساحة القتال، ثم يأتوا مندفعين أثناء المعركة وهم يكبرون، ويثيرون التراب بخيولهم، وفي الصبح فوجيء جنود الروم بوجوه جديدة من الجنود المسلمين لم يروها من قبل في الأيام الماضية، ثم جاءت الكتائب الأخرى فظنها
стр. 495
الروم مددًا لجيش المسلمين، فدب الرعب في قلوبهم، وفي الليل سحب خالد جيشه من المعركة تدريجيًا حتى لا يلاحقهم الروم. وهكذا استطاع أن ينقذ جيش المسلمين.
في غزوة الأحزاب
حاصر المشركون المدينة، فأرسل النبي ﷺ حذيفة بن اليمان إلى معسكر المشركين، ليعرف أخبارهم، وما يتآمرون به ضد المسلمين، فتسلل حذيفة في الظلام حتى وصل إلى جيش المشركين، واندس بينهم، وبينما هم يتحدثون ويدبرون مكائدهم، أراد قائدهم أبو سفيان بن حرب أن يطمئن إلى أن مجلسهم لم يتسلل إليه أحد من المسلمين، فأمرهم أن يتعرف كل واحد منهم على من يجلس إلى جواره.
شعر حذيفة بحرج شديد، وخشي أن ينكشف أمره، فأسرع وأمسك بيد الجالس إلى جواره، وبادره بالسؤال: من الرجل؟ فقال الرجل المشرك: فلان بن فلان، وهكذا استطاع حذيفة بحسن تصرفه وذكائه أن يشغل من إلى جواره عن معرفته، وعاد إلى معسكر المسلمين سالمًا بفضل الله تعالى.
حيلة أبي بصير
كان من شروط صلح الحديبية بين المسلمين وقريش أنه إذا أتى المسلمين المشرك مسلمًا ردوه لقريش، وإذا أتى المسلم مشركًا لا ترده قريش للمسلمين.
فكان ممن أسلم في هذا الوقت رجل يسمى أبو بصير عتبة بن أسيد بن جارية رده رسول الله -حسب المعاهدة- إلى قريش التي بعثت تطلبه، وقال له رسول الله ﷺ يا أبا بصير انطلق فإن الله تعالى سيجعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا. فانطلق حتى إذا كان بذي الحليفة جلس إلى جدار وجلس معه المشركان اللذان جاءا ليأخذاه فقال أبو بصير لأحدهما: أصارم سيفك هذا يا أخا بني عامر؟
فقال: نعم.
قال: أنظر إليه.
قال: انظر إن شئت، فأستله أبو بصير ثم علاه به حتى قتله وفر الآخر سريعًا إلى رسول الله ﷺ يشكو إليه فلحقه أبو بصير، وقال للرسول: يا رسول الله، وفت ذمتك
стр. 496
وأدى الله عنك، أسلمتني بيد القوم وقد امتنعت بدني أن أفتن فيه أو يعبث بي.
فقال رسول الله ﷺ :"ويل أمه محشى (مشعل) حرب لو كان معه رجال".
فلما بلغ المستضعفين بمكة قول الرسول- ﷺ :"محشى حرب لو كان معه رجال " إذا بهم يتبعونه بالعيص من ناحية ذي المروة على ساحل البحر بطريق قوافل قريش إلى الشام وكانوا سبعين رجلاً، فقطعوا الطريق على قريش وعمدوا إلى كل قرشي أو قافلة تمر فيقتلونهم، حتى كتبت قريش إلى رسول الله ﷺ تسأله بأرحامها إلا آواهم فلا حاجة لهم بهم، فآواهم الرسول ﷺ وقدموا عليه المدينة.
الصنم والكلب
كان لعمرو بن الجموح صنم يعبده، فلما أسلم ابنه معاذ فكر في حيلة يهدي بها أباه، ويثبت له أن الأصنام لا تضر ولا تنفع. وذات ليلة، انتظر هو وصديقه معاذ بن جبل حتى نام أبوه، وأخذا الصنم ووضعاه في حفرة قذرة، وفي الصباح، لم يجد عمرو صنمه، فغضب وظل يبحث عنه، حتى وجده في الحفرة، فأحضره وغسل عنه النجاسة، وكرر معاذ في الليالي التالية ما فعله بالصنم، فضاق عمرو بما يحدث لصنمه، فأحضر سيفه وعلقه على الصنم، حتى يدافع به نفسه إن كان يستطيع ذلك، وجاء المعاذان ليلاً وأخذا الصنم، وربطاه في كلب ميت، وألقياهما في بئر مليئة بالقاذورات، وفي الصباح، لم يجد عمرو صنمه، فبحث عنه، فوجده في البئر مربوطًا في الكلب، فعلم أنه لا يضر ولا ينفع، وانشرح صدره للإسلام فأسلم.
الفتى الذكي
كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يقرب الصحابة الذين حاربوا في غزوة بدر
من مجلسه، وكان يجلس معهم عبد الله بن عباس ﵁ فتضايق بعض القوم من ذلك
لصغر سن ابن عباس فأراد عمر أن يعرفهم علم ابن عباس ومنزلته، فدعاه ذات يوم إلى
مجلسه، وأدخله على كبار القوم، وقال لهم: ماذا تقولون في تفسير قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ
نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؟
فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا. وسكت الباقون.
فقال عمر: أكذلك تقول يا ابن عباس؟
стр. 497
فقال: لا.
فقال عمر: وماذا تقول؟
قال ابن عباس: هو أجل رسول الله أعلمه الله له. فالله يقول لرسوله ﷺ : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١]، وذلك علامة أجلك، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣]، فعلم القوم قدر ابن عباس.
صديق الوالي
أودع رجل عقدًا ثمينًا أمانة عند عطار، فلما طلب منه أنكر العطار، فشكاه الرجل إلى الخليفة العباسي عضد الدولة، فقال له الخليفة: اذهب واقعد أمام دكان العطار، ولا تكلمه، وافعل ذلك ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع سأمر عليك أنا وبعض رجالي، وسأنزل عن فرسي، وأسلم عليك، فرد علي السلام وأنت جالس، وإذا سألتك سؤالاً أجب علي ولا تزد شيئا، وإذا انصرفت ذكر العقاد بالعقد.
وفي اليوم الرابع مر الخليفة على الرجل، ونزل عن فرسه، وسلم عليه، وقال له: لم أرك من مدة؟! فقال الرجل: سأمر عليك قريبًا.
فلما انصرف الخليفة، نادى العطار الرجل، وقال له: صف لي العقد الذي تتحدث عنه، فوصفه الرجل فقام العطار وفتش دكانه، وأحضر العقد، فأخذه الرجل، وذهب إلى الخليفة، فأحضر الخليفة العطار، وعاقبه على خيانته.
بيت أبي تمام
دخل الشاعر أبو تمام على الخليفة العتصم، وقال له قصيدة يمتدحه فيها، وشبهه في أحد أبياتها بعمرو بن معد يكرب في الشجاعة، وحاتم الطائي في الكرم، والأحنف بن قيس في الحلم، وإياس بن معاوية في الذكاء، وهؤلاء يضرب بهم المثل في هذه الصفات، فقال:
إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس
فأراد بعض الحاضرين أن يوقعوا بين المعتصم وأبي تمام، فقالوا: لقد شبهت أمير المؤمنين بصعاليك العرب. فقال أبو تمام:
стр. 498
لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلاً شرودًا في الندى والباس
فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلاً من المشكاة والنبراس
فأسكتهم أبو تمام بذكائه، فقد وضح لهم أن تشبيهه للمعتصم لا ينقص من قدره، فالله قد شبه نوره بنور مصباح في مشكاة.
الشاعر واللص
أراد أحد الشعراء أن يسافر لأداء أمانة إلى صديق له، وكان للشاعر ابنتان، فقال لهما: إذا قدر الله، وقُتلت في الطريق، فخذا بثأري ممن يأتيكم بالشطر الأول من هذا البيت.
ألا أيها البنتان إن أباكما ... قتيل خذا بالثأر ممن أتاكما
وبينما الشاعر في الطريق قابله أحد اللصوص، وهدده بالقتل، وأخذ ما معه من أموال، فقال له الشاعر: إن هذا المال أمانة، فإذا كنت تريد مالاً فاذهب إلى ابنتيّ، وقل لهما: ألا أيها البنتان إن أباكما وسوف يعطيانك ما تريد، ولكن اللص قتله، وأخذ ما معه، ثم ذهب إلى بلدة الرجل، وقابل البنتين، وقال لهما: إن أباكما يقول لكما: ألا أيها البنتان إن أباكما فقالت البنتان: قتيل خذا بالثأر ممن أتاكما.
وصاحتا، فتجمع الجيران وأمسكوا باللص القاتل، وذهبوا به إلى الحاكم، وهناك اعترف بجريمته، فقتله الحاكم جزاء فعله.
الخياط الأعور
كان أحد الشعراء يسير في شوارع الكوفة، يبحث عن خياط ليخيط له ثوبًا، وبينما هو في الطريق، قابله الأصمعي فأخذه إلى خياط أعور يسمى زيدًا، فقال الخياط للشاعر: والله لأخيطنه خياطة لا تدري أعباءة هو أم قميص.
فقال الشاعر: والله لو فعلت لأقولن فيك شعرًا لا تدري أمدح هو أم هجاء، فلما أتم الخياط الثوب أخذه الشاعر، ولم يعرف أيلبسه على أنه عباءة أم قميص فقال في الخياط شعرًا:
خاط لي زيد قباء ... ليت عينيه سواء
فاسأل الناس جميعًا ... أمديح أم هجاء
стр. 499
فلم يدر الخياط أيدعو عليه الشاعر بالعمى، أم يدعو أن يشفى الله عينه المريضة.
القارب العجيب
تحدى أحد الملحدين -الذين لا يؤمنون بالله- علماء المسلمين في أحد البلاد، فاختاروا أذكاهم ليرد عليه، وحددوا لذلك موعدًا.
وفي الموعد المحدد ترقب الجميع وصول العالم، لكنه تأخر. فقال الملحد للحاضرين: لقد هرب عالمكم وخاف؟ لأنه علم أني سأنتصر عليه، وأثبت لكم أن الكون ليس له إله!
وأثناء كلامه حضر العالم المسلم واعتذر عن تأخره، ثم قال: وأنا في الطريق إلى هنا، لم أجد قاربًا أعبر به النهر، وانتظرت على الشاطئ، وفجاة ظهر في النهر ألواح من خشب، وتجمعت مع بعضها بسرعة ونظام حتى أصبحت قاربًا، ثم اقترب القارب مني، فركبته وجئت إليكم.
فقال الملحد: إن هذا الرجل مجنون، فكيف يتجمع الخشب ويصبح قاربًا دون أن يصنعه أحد؟! وكيف يتحرك بدون وجود من يحركه؟! فتبسم العالم، وقال: فماذا تقول عن نفسك وأنت تقول: إن هذا الكون العظيم الكبير بلا إله؟! فبهت الملحد.
المال الضائع
يروى أن رجلاً جاء إلى الإمام أبي حنيفة ذات ليلة، وقال له: يا إمام، منذ مدة طويلة دفنت مالاً في مكان ما، ولكني نسيت هذا المكان، فهل تساعدني في كل هذه المشكلة؟
فقال له الإمام: ليس هذا من عمل الفقيه؛ حتى أجد لك حلاً، ثم فكر لحظة وقال له: اذهب، فصل حتى يطلع الصبح، فإنك ستذكر مكان المال إن شاء الله تعالى.
فذهب الرجل، وأخذ يصلي، وفجأة، وبعد وقت قصير، وأثناء الصلاة، تذكر المكان الذي دفن المال فيه، فأسرع وذهب إليه فأحضره.
وفي الصباح جاء الرجل إلى الإمام أبي حنيفة، وأخبره أنه عثر على المال، وشكره، ثم سأله: كيف عرفت أني سأتذكر مكان المال؟!
فقال الإمام: لأني علمت أن الشيطان لن يتركك تصلي، وسيشغلك بتذكر المال عن صلاتك.
стр. 500
العاطس الساهي
كان عبد الله بن المبارك عابدًا مجتهدًا، وعالمًا بالقرآن والسنة، يحضر مجلسه كثير من الناس؛ ليتعلموا من علمه الغزير، وفي يوم من الأيام، كان يسير مع رجل في الطريق، فعطس الرجل، ولكنه لم يحمد الله. فنظر إليه ابن المبارك؟ ليلفت نظره إلى أن حمد الله بعد العطس سنة على كل مسلم أن يحافظ عليها، ولكن الرجل لم ينتبه. فأراد ابن المبارك أن يجعله يعمل بهذه السنة دون أن يحرجه، فسأله: أي شيء يقول العاطس إذا عطس؟ فقال الرجل: الحمد لله، عنذئذ قال له ابن المبارك: يرحمك الله.
الرجل المجادل
في يوم من الأيام، ذهب أحد المجادلين إلى الإمام الشافعي، وقال له: كيف يكون إبليس مخلوقًا من النار، ويعذبه الله بالنار؟! ففكر الإمام الشافعي قليلا، ثم أحضر قطعة من الطين الجاف، وقذف بها الرجل، فظهرت على وجهه علامات الألم والغضب، فقال له: هل أوجعتك؟
قال: نعم، أوجعتني.
فقال الشافعي: كيف تكون مخلوقا من الطين ويوجعك الطين؟! فلم يرد الرجل وفهم ما قصده الإمام الشافعي، وأدرك أن الشيطان كذلك: خلقه الله تعالى من نار، وسوف يعذبه بالنار.
الشكاك
جاء أحد الموسوسين المتشككين إلى مجلس الفقيه ابن عقيل، فلما جلس، قال للفقيه: إني أنغمس في الماء مرات كثيرة، ومع ذلك أشك: هل تطهرت أم لا، فما رأيك في ذلك؟
فقال ابن عقيل: اذهب فقد سقطت عنك الصلاة، فتعجب الرجل وقال له: وكيف ذلك؟
فقال ابن عقيل: لأن النبي قال: "رفع القلم عن ثلاثة: المجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ، والصبي حتى يبلغ" ومن ينغمس في الماء مرارا مثلك ويشك هل اغتسل أم لا، فهو بلا شك مجنون.
стр. 501
الخليفة والقاضي
طلب أحد الخلفاء من رجاله أن يحضروا له الفقيه إياس بن معاوية، فلما حضر الفقيه قال له الخليفة: إني أريد منك أن تتولى منصب القضاء. فرفض الفقيه هذا المنصب، وقال: إني لا أصلح للقضاء للخليفة، فقال له غاضبًا: أنت غير صادق. فرد الفقيه على الفور: إذن فقد حكمت علي بأني لا أصلح. فسأله الخليفة: كيف ذلك؟ فأجاب الفقيه: لأني إن كنت كاذبًا -كما تقول- فأنا لا أصلح للقضاء، وإن كنت صادقًا فقد أخبرتك أني لا أصلح للقضاء.
براءة
تزوجت امرأة، وبعد ستة أشهر ولدت طفلاً -والمعروف أن المرأة غالبًا ما تلد بعد تسعة أشهر أو سبعة أشهر من الحمل- فظن الناس أنها لم تكن مخلصة لزوجها، وأنها حملت من غيره قبل زواجها منه.
فأخذوها إلى الخليفة ليعاقبها، وكان الخليفة حينئذ هو عثمان بن عفان ﵁ فلما ذهبوا إليه وجدوا الإمام عليًا موجودًا عنده، فقال لهم: ليس لكم أن تعاقبوها لهذا السبب، فتعجبوا وسألوه: وكيف ذلك؟ فقال لهم: لقد قال الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] أي أن الحمل وفترة الرضاعة ثلاثون شهرًا، وقال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أي أن مدة الرضاعة سنتان. إذن فالرضاعة أربعة وعشرون شهرًا، والحمل يمكن أن يكون ستة أشهر.
القاضي والحلوى
حدث خلاف بين أحد الأمراء وزوجته حول نوعين من الحلوى؛ أيهما أطيب طعامًا؟ وذات يوم، زار أحد القضاة الأمير، فدعاه إلى تناول الطعام، وذكر له قصة خلافه مع زوجته حول نوعي الحلوى، وطلب منه أن يحكم بينهما، فقال القاضي مداعبًا: أنا لا أحكم على غائب! فأحضر الخدم نوعي الحلوى، ووضعوهما أمام القاضي، فأكل من الحلوى التي يحبها الأمير، وهو يقول: نوع جميل وطيب، ثم اقترب من الحلوى التي تحبها زوجة الأمير، وأخذ يأكل منها، وهو يقول: نوع جميل وطيب، وأخذ يأكل من هذا مرة ومن هذا مرة، حتى شبع. ثم قال: أيها الأمير، ما رأيت أعدل وأفصح منهما، كلما
стр. 502
أردت أن أحكم لأحدهما قدم الآخر حجته وأدلته، فضحك الحاضرون.
ما تقول في المسكر ؟
جاء رجل إلى إياس بن معاوية وقال له: ما تقول في المسكر؟ قال: حرام، قال: وما وجه حرمته، وهو لا يزيد عن كونه ثمرًا وماء غليا على النار، وكل ذلك مباح لا شيء فيه؟ فقال: أفرغت من قولك؟ أبقى لديك ما تقوله؟ فقال الرجل: بل فرغت، فقال إياس: لو أخذت كفا من ماء وضربتك به أكان يوجعك. قال: لا، فقال: ولو أخذت كفًا من تراب فضربتك به أكان يوجعك؟ قال: لا، فقال: ولو أخذت كفا من تبن فضربتك به أكان يوجعك؟ قال: لا، فقال: فلو أخذت التراب ثم طرحت عليه التبن، وصببت فوقهما الماء ثم مزجتها مزجا، ثم جعلت الكتلة في الشمس، حتى يبست، ثم ضربتك بها أكانت توجعك؟ قال: نعم، وقد تقتلني، فقال: هكذا شأن الخمر، فهو حين جمعت أجزاؤه وخُمر، حرم (١).
الفراسة
عن عبد الله بن مسعود قال: أفرس الناس ثلاثة: صاحبة موسى التي قالت: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]، وصاحب يوسف حيث قال: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [يوسف: ٢١]، وأبو بكر حين استخلف عمر.
السارق الحقيقي
ذهب بعض الناس إلى قاض، وقالوا له: لقد سُرق أحد التجار، وأمسكنا هذين الرجلين، ونشك فيهما، ولا نعرف أيهما السارق، فأمر القاضي الجميع بالانتظار بحجة أنه يريد أن يشرب الماء، وطلب من خادمه أن يحضر زجاجة ماء، ولما أحضرها أخذها القاضي ورفعها إلى فمه، وبدأ يشرب، وفجأة ترك القاضي الزجاجة، فسقطت على الأرض وانكسرت، وأحدثت صوتًا مفزعًا، واندهش الحاضرون من تصرف القاضي المفاجئ، بينما أسرع القاضي نحو أحد الرجلين، وأمسكه، وقال له: أنت السارق، وأصر على ذلك، حتى اعترف الرجل ثم سأله: كيف عرفت أنني السارق؟ فقال القاضي: لأنك
стр. 503
لم تفزع عند سقوط الزجاجة على الأرض، واللصوص قلوبهم قاسية جامدة، أما زميلك فقد خاف وارتعد، عندئذ عرفت أنك السارق.
قمة في حسن التخلص
اقتحم الخوارج مسجد الكوفة، وهم يقتلون المسلمين ويبيحون دماءهم وأموالهم وأحاطوا بحلقة أبي حنيفة وقد جردوا سيوفهم.
واتجهوا إلى رأس الحلقة أبي حنيفة، وكان رابط الجأش كأن لم يحدث شيء، في الوقت الذي فزع الناس من حوله، فأشار أبو حنيفة إلى جلسائه بالثبات، فثبتوا، وقال رئيس الخوارج مخاطبًا أبا حنيفة: ما أنتم؟
فأجاب أبو حنيفة في سرعة: نحن مستجيرون.
فقال أمير الخوارج: دعوهم وأبلغوهم مأمنهم واقرأوا عليهم القرآن، وكان الخوارج عباد نصوص، يقرأونها ولا يفهمون روحها، فهم نظروا إلى ظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦] وقد فطن أبو حنيفة إلى ذلك فأجابهم بما يعلم أنه يقنعهم وينجي نفسه وأصحابه من شرهم.
عجباً لأولئك الخوارج الذين روعوا الآمنين، يقتلون المسلمين ويتركون المشركين المستجيرين، فلا بأس على أبي حنيفة حين يقول لهم: نحن مستجيرون (١).
هل تستطيع التخلص من المواقف الصعبة بحكمة؟
مروءة وذكاء
لما حج "المنصور" عرض عليه جوهر ثمين نفيس له قيمته فعرفه وقال: هذا كان لهشام بن عبد الملك بن مروان فانتقل إلى ابنه "محمد بن هشام" وما بقى من بني أمية غيره، ولا بد لي منه، ثم التفت إلى حاجبه "الربيع" وقال: إذا صليت بالناس غدًا في المسجد الحرام واجتمع الناس كلهم فأغلق الأبواب كلها ووكل بها جماعة من الثقات وافتح بابًا
стр. 504
واحدًا وقف عليه ولا تخرج أحدًا حتى تعرفه، فإذا ظفرت بمحمد بن هشام فأت به .. فلما كان الغد فعل "الربيع" ما أمره به "المنصور" وكان "محمد بن هشام" في المسجد فعرف أنه المطلوب وأيقن أنه مأخوذ مقتول فتحير وارتاب واضطرب، فبينما هو على تلك الحال إذ أقبل "محمد بن زيد بن علي بن الحسين" فرآه متحيرا -وكان لا يعرفه- فتقدم إليه وقال: يا هذا ما بالك؟
فقال: لا شيء.
فقال: خبرني ولك الأمان إن شاء الله على نفسك.
قال "محمد بن هشام": فمن أنت؟
قال: أنا "محمد بن زيد بن علي بن الحسين" فزاد خوفه وطار عقله وتحقق من الموت، فقال له: لا تجزع فلست قاتل أبي ولا جدي وليس لي عليك ثأر، وأنا أجتهد في خلاصك إن شاء الله، ولكن تعذرني فيما أنا صانع بك من مكروه وقبيح خطاب، فقال له: افعل ما شئت، فطرح رداءه على وجهه وغطى به رأسه وجذبه وسحبه إلى أن قرب من "الربيع" حاجب "المنصور" وهو على الباب، فلما وقعت عين "الربيع" عليهما لطمه "محمد بن زيد" لطمات على رأسه وجاء به إلى "الربيع" وقال: يا "أبا الفضل" إن هذا الخبيث جمال من أهل الكوفة أكراني جمالاً فلما دفعت له الكراء هرب مني وذهب، فأكرى جماله لبعض أهل "خراسان" ولي عليه شهور، وأريد منك من يوصله معي إلى القاضي ويُمسك جماله عن الذهاب مع الخراسانيين، فدفع إليه اثنين ليوصلاه إلى القاضي، و"محمد" قابض على الرداء وقد استتر وجهه به، فخرجوا جميعا من المسجد، فلما بعدوا عن "الربيع" قال له "محمد": اذهب إلى حال سبيلك فقبل "محمد بن هشام" يده ورأسه وقال: ﴿أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] ثم خرج له جواهر قيمتها عظيمة، وقال: بالله يا بن بنت رسول الله شرفني بقبول هذا.
فقال له: اذهب بمتاعك فنحن أهل البيت لا نقبل على اصطناع المعروف مكافأة، واحترس على نفسك من هذا الرجل إلى أن تخرج فإنه مجد في طلبك.
اتصال
اتصل بالأستاذ الهضيبي كبيران من أعوان الملك يسألانه موعدًا لزيارته، فما إن حدد
стр. 505
لهما موعدا -وكان بعد ثلاثة أيام- حتى أخبراه بأنهما سيحضران معهما صورة الملك لتعليقها في دار الإخوان.
وقبل الموعد ببعض ساعة هتف إلى من بداره يكلفه بصرف الرجلين إذا سألا عنه، ولما ذكر له بأن رد مثلهما بهذه البساطة سيورطه في أزمة صارخة، أعلم بألا مفر من ردهما بأية وسيلة لأنهما سيطلبان تعليق صورة الملك بالمركز العام، وهذا لا يفعله ولو قطعت يمينه، وألهم الله أخاه أن قال له: سأرسل إليك بالمنزل ولا داعي لهذا الجفاء، وما عليك إلا أن تعتذر لهما بأن الإخوان قوم متزمتون يحرمون التصوير، وسأبادر الآن إلى رفع صور الإمام الشهيد من غرف المركز العام، حتى يستقيم الاعتذار، وما إن سمعها حتى قال: يرحم الله أباك! وأنا لهما في الانتظار.
مباحث
يقول حسن البنا: أذكر أننا في إحدى الرحلات وقفنا بالقرب من ديرب نجم على مفترق طرق زراعية متشابهة لم ندر أيها نسلك، وتلفتنا لنجد أحدًا نسأله فلم نجد في الحقول ولا على رءوس هذه الطرق أحدًا، وأخيرًا تذكر أحدنا وهو الأخ الأمباشي محمد شلش -وكان بقسم روض الفرض إذ ذاك وقد رغب أن يصاحبنا في هذه الرحلة- أن معه صفارة البوليس فأخرجها ونفخ فيها فتسارع الخفراء من كل مكان، وجاء أقربهم فأخذ التعظيم العسكري ببندقيته وسأل مين يا فندم؟ فقال له الأخ شلش: مباحث، وأسر في أذنه كلامًا ثم قال له: أين الطريق؟ فدلنا الخفير عليه بكل أدب، وأخذنا وجهتنا إلى حيث نريد.
وقلت للأخ شلش: لماذا تكذب؟ فابتسم، وقال: ما كذبت فإنما نحن مباحث عن الحق وعن الخير وعن الدين ولو قلت غير ذلك لما رضى إلا بأن نصحبه إلى العمدة، ومن يدري كيف يتصرف معنا العمدة؛ فقد نحجز عنده إلى الصباح ونحن لا وقت عندنا لهذا كله.
وكانت نكتة طريفة وتخلصا أشد طرافة (١).
стр. 506
فطنة في الإجابة
طالب بكلية الطب أثناء حديث الثلاثاء في المركز العام للإخوان المسلمين بالحلمية سأل المرشد سؤالاً: يا فضيلة المرشد هل الحب حلال أم حرام؟
فأجابه ﵀ قائلاً: الحب الحلال حلال والحب الحرام حرام، ودُهش الطالب لهذا الرد البليغ وانضم إلى الإخوان المسلمين على الفور (١).
...
стр. 507
سلامة الصدر
يقول الشيخ محمد الغزالي ﵀:
ليس أروح للمرء، ولا أطرد لهمومه، ولا أقر لعينه من أن يعيش سليم القلب، مبرأ من وساوس الضغينة، وثوران الأحقاد، إذا رأى نعمة تنساق إلى أحد رضي بها، وأحس فضل الله فيها، وفقر عباده إليها، وذكر قول الرسول ﷺ :"اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر" [رواه أبو داود].
وإذا رأى أذى يلحق أحدًا من خلق الله رثى له ورجا الله أن يفرج كربه ويغفر ذنبه، وبذلك يحيا المسلم ناصع الصفحة راضيًا عن الله وعن الحياة، مستريح النفس من نزعات الحقد الأعمى.
ونظرة الإسلام إلى القلب خطيرة -فالقلب الأسود يفسد الأعمال الصالحة ويطمس بهجتها ويعكر صفوها.
أما القلب المشرق فإن الله يبارك في قليله وهو إليه بكل خير أسرع.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قيل: يا رسول الله، أي الناس أفضل؟
قال: "كل مخموم القلب صدوق اللسان" قيل: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: "هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد" [رواه ابن ماجه].
وقال رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى! قال: صلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين" [رواه الترمذي].
وقال رسول الله ﷺ : "إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون، ولكن في التحريش بينهم" [رواه الترمذي].
стр. 508
تحذيرات
قال رسول الله ﷺ : "لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث" [رواه مسلم].
وقال رسول الله ﷺ : "من اعتذر إلى أخيه بمعذرة فلم يقبل منه كان عليه مثل خطيئة صاحب مكس" [رواه ابن ماجه] (المكس: الضريبة والجباية والإتاوة التي تؤخذ بغير حق).
وقد كان النبي ﷺ ينهى أن يبلغ عن أصحابه ما يسوؤه، قال: "لا يبلغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئا، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر" [رواه أبو داود].
وقال رسول الله ﷺ :"ثلاثة لا ترفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرًا: رجل أمَّ قومًا وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وأخوان متصارمان" [رواه ابن ماجه].
وقال رسول الله ﷺ : "تعرض الأعمال في كل اثنين وخميس: فيغفر الله عبد وجل لكل عبد لا يشرك به شيئًا إلا المتشاحنين، يقول الله للملائكة: ذروهما حتى يصطلحا" [رواه أحمد].
ابن الحنفية وأخيه الحسن
هذا محمد ابن الحنفية (محمد بن علي بن أبي طالب ولكن شاع نسبه إلى أمه) تحدث بينه وبين أخيه الحسن بن علي جفوة، فأرسل إليه يقول: إن الله فضلك عليَّ، فأمك فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وأمي امرأة من بني حنيفة، وجدك لأمك رسول الله وصفوة خلقه، وجدي لأمي جعفر بن قيس، فإذا جاءك كتابي هذا فتعال إليَّ وصالحني حتى يكون لك الفضل عليَّ في كل شيء، فما بلغت رسالته الحسن حتى بادر إلى بيته وصالحه (رضوان الله عليهما) (١).
التغافر خير من العتاب
من جميل ما روى أن ابن السماك الواعظ المعروف وقع بينه وبين أحد إخوانه شيء فقال له أخوه: الميعاد بيني وبينك غدًا نتعاتب.
فقال له ابن السماك: بل بيني وبينك غدًا نتغافر.
стр. 509
وكتب أحد الشعراء لإخوانه في مثل هذا:
من اليوم تعارفنا ... ونطوي ما جرى منا
فلا كان ولا صار ... ولا قلتم ولا قلنا
وإن كان لابد ... من العتب فبالحسنى (١)
الحسد
الحسد لا يكون إلا بسبب نعمة أنعم الله بها على الإنسان، فمن كره تلك النعمة أحب أن تزول عن أخيه المسلم فهو حاسد.
تعريف الحسد: أن تكره النعمة التي أنعم الله بها على غيرك، وتحب زوالها، ولو تمكنت من إزالتها لأزلتها، فإذا لم تكرهها ولم تحب إزالتها، ولكنك تشتهي مثلها فإن هذا يسمى غبطة: "لا حسد إلا في اثنتين" والغبطة والمنافسة محمودتان، والحسد مذموم. إلا إذا كانت النعمة في يد فاجر أو فاسق فإن حب زوال النعمة الآن ليس من أجل النعمة وإنما من أجل الفساد المترتب عليها.
قال عبد الله بن مسعود: لا تعادوا نعم الله، قيل له: ومن يعادي نعم الله؟ قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، يقول تعالى في بعض كتبه: "الحسود عدو نعمتي، يتسخط لقضائي، غير راض بقسمتي".
أعطيت كل الناس من نفسي الرضا ... إلا الحسود فإنه أعياني
ما إن لي ذنبًا إليه علمته ... إلا تظاهر نعمة الرحمن
وأبى فما يرضيه إلا ذلي ... وذهاب أموالي وقطع لساني
قال الأحنف بن قيس: لا راحة لحسود، ولا وفاء لبخيل، ولا صديق لملول، ولا مروءة لكذوب، ولا سؤدد لمن ليس له خلق.
عاقبة حاسد
ورد أن رجلاً ترك ولدين بعد مماته، وخلف لهما مالاً لا بأس به، فاقتسماه وتصرف كل منهما في حقه، فاستغله الابن الأصغر في التجارة، وأخلص لله في عمله، وكان كثير
стр. 510
التصدق، لا يبخل على عباد الله بنعمة، فنمت تجارته، وزاد ماله، وأصبح ذا ثروة طائلة، ولم يكن له أعداء.
أما الابن الآخر، فقد سلك طريق الغواية حتى أهلك ثروته في الخمر والميسر والزنا، فنفدت أمواله، حتى صار فقيرًا، لا يجد ما يقتات به، ومع ذلك كان أخوه كثير العطف عليه، يؤويه ويقدم له ما يحتاج إليه.
لكن كان هذا الشرير يحسد أخاه على ما آتاه الله من فضله، وفكر في طريقة يضيع بها ثروة أخيه حتى يسير مماثلاً له في الفقر، وبذلك يطمئن قلبه، فلا يعايره الناس بفقره، فصار يجتهد في الوصول إلى حيلة ينفذ بها غرضه الدنيء حتى اهتدى إلى رجل حسود، اشتهر بحسده، وقليل من الناس من ينجو من الحسد.
ولكن هذا الحاسد ضعيف البصر، لا يكاد يرى إلا عن قرب، فذهب الأخ الأكبر إلى هذا الرجل المشهور بحسده وطلب منه حسد أموال أخيه، مقابل أجر يدفعه عند هلاك ثروته، وأخذه إلى طريق كانت تمر به تجارة أخيه، فنبه الأخ الأكبر الرجل الحسود إليها (التجارة) قائلاً: استعد فقد قربت تجارة أخي وصارت على بعد ميل واحد منا.
فقال الرجل الحسود: يا لقوة بصرك! أتراها على هذا البعد يا ليت لي بصر قوي مثل بصرك!
فشعر الرجل بألم في رأسه وأظلمت عيناه، وعمي في الحال، ومرت تجارة أخيه سالمة لم يمسها سوء.
لا تحسد أخاك
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب" أو قال: "العشب" [رواه أبو داود].
اصبر على كيد الحسود ... فإن صبرك قاتله
النار تأكل بعضها ... إن لم تجد ما تأكله
وقال الحسن: يا ابن آدم: لا تحسد أخاك؟ فإن كان الذي أعطاه الله لكرامته عليه فلِمَ تحسد من أكرمه الله؟ وإن كان غير ذلك، فلِمَ تحسد من مصيره إلى النار؟
стр. 511
والحاسد يعتبر ساخطًا على قضاء الله تعالى في تفضيل بعض عباده على بعض.
يا حاسدًا لي على نعمتي ... أتدري على من أسأتَ الأدب
أسأتَ على الله في حكمه ... لأنك لم ترض لي بما وهب
فأخزاك ربك بأن زادني ... وسد عليك وجوه الطلب
رجل من أهل الجنة
عن الزهري قال: أخبرني أنس بن مالك ﵁ قال: كنا جلوسًا مع رسول الله ﷺ فقال: "يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة" فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه، قد علق نعليه في يده الشمال، فلما كان الغد قال النبي ﷺ مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان اليوم الثالث قال النبي ﷺ مثل مقالته أيضاً فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى. فلما قام النبي ﷺ تبعه عبد الله بن عمرو ابن العاص ﵄ فقال: إني لاحيت أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثا، فإن رأيت أن تؤوني إليك حتى تمضي فعلت، قال: نعم، قال أنس: وكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئًا غير أنه إذا تعار (استيقظ من نومه) وتقلب على فراشه ذكر الله وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر، قال عبد الله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرًا. فلما مضت الثلاث ليال وكدت أن أحتقر عمله قلت: يا عبد الله، إني لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجر ثمَّ، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول لك ثلاث مرار:"يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة" فطلعت أنت الثلاث مرار، فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك، فأقتدي به، فلم أرك تعمل كثير عمل فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله؟
فقال: ما هو إلا ما رأيت، قال: فلما وليت دعاني، فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشًا، ولا أحسد أحدًا على خير أعطاه الله إياه، فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق [رواه أحمد].
المصابون بالحسد
من أوصاف اليهود الحسد لقوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وقال تعالى:
стр. 512
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤].
وإبليس هو أول من حسد، وأول من عصى بهذا الذنب: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢].
وقابيل حسد أخاه هابيل، لما خصه الله من النعم.
وهؤلاء إخوة يوسف حسدوا أخاهم يوسف لعدم قدرتهم على أن يكون لهم ما عند أخيهم.
فرق بين الحسد والغبطة والمنافسة
قد جاء في المنافسة: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦].
وقال رسول الله ﷺ : "لا حسد (غبطة أو منافسة) إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلط على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها" [رواه البخاري].
وقال رسول الله ﷺ :"مثل هذه الأربعة كمثل أربعة نفر: رجل آتاه الله مالاً وعلمًا فهو يعمل بعلمه في ماله ينفقه في حقه، ورجل آتاه الله علمًا ولم يؤته مالاً فهو يقول لو كان لي مثل هذا عملت فيه مثل الذي يعمل"، قال رسول الله ﷺ : "فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالاً ولم يؤته علمًا فهو يخبط (يصرفه في شهوات نفسه) في ماله ينفقه في غير حقه، ورجل لم يؤته الله علمًا ولا مالاً، فهو يقول: لو كان لي مثل هذا عملت فيه مثل الذي يعمل"، قال رسول الله ﷺ : "فهما في الوزر سواء" [رواه ابن ماجه].
فالمنافسة في الخير محمودة، وهي طلب التشبه بالأفاضل من غير إدخال ضرر عليهم.
الغبطة: يتمنى المؤمن أن يكون لديه ما لدى أخيه المسلم من خير وفضل، دون تمني زوال هذا الخير أو هذا الفضل من عند أخيه صاحب هذه النعمة.
نهاية مؤلمة
يروى أن رجلاً كان يجالس أحد الحكام ويصاحبه وينصحه، فحسده رجل شرير على ذلك المقام عند الحاكم، فذهب إلى الحاكم وقال له: إن هذا الذي يجالسك، ويقول ما يقول من كلام جميل، يزعم أنك أبخر (أي لفمك رائحة كريهة) فقال له الحاكم وهو
стр. 513
ساخط: وكيف أتأكد من ذلك؟
قال له الرجل الحاسد: تدعوه إليك، فإنه إن دنا منك وضع يده على أنفه لئلا يشم رائحة البخر منك، فقال له الحاكم: انصرف حتى أنظر، فخرج الحاسد من عند الحاكم، وذهب إلى الرجل جليس الحاكم الذي وشى به عنده ودعاه إلى منزله، فأطعمه طعامًا فيه ثوم كثير، ثم خرج ذلك الرجل وذهب كعادته إلى الحاكم وجلس بجواره لينصحه، فقال: أيها الحاكم أحسن إلى المحسن بإحسانه، أما المسيء فستكفيه إساءته، فقال له الحاكم: ادن مني. فدنا منه، فوضع الرجل يده على فمه مخافة أن يشم الحاكم منه رائحة الثوم، فقال الحاكم في نفسه: ما أرى فلانا إلا قد صدق. وكان الحاكم لا يكتب بخطه إلا صلة أو جائزة، فكتب للرجل كتابًا بخطه إلى عامل من عماله يقول فيه: إذا أتاك حامل كتابي هذا فاذبحه.
فأخذ الرجل جليس الحاكم الكتاب، وخرج به، فلقيه الرجل الواشي الذي حسده.
فقال له: ما هذا الكتاب؟
فقال: خط الحاكم لي كتابًا فيه جائزة.
فقال له: هبه لي.
قال: هو لك. فأخذه ومضى به إلى العامل، فقال له العامل: في كتابك أن أذبحك،
فقال له الرجل الحاسد بفزع: إن الكتاب ليس لي، فالله الله في أمري حتى تراجع الحاكم وتخبره بأمري.
فقال العامل: ليس لكتاب الحاكم مراجعة، فذبحه. ثم عاد الجليس الطيب إلى الحاكم كعادته، فتعجب الحاكم، وقال له: ما فعلت بالكتاب؟
فقال الرجل الطيب: لقيني فلان فاستوهبه مني فوهبته له.
قال الحاكم له: إنه ذكر لي أنك تزعم أني أبخر.
قال الرجل الطيب: ما قلت ذلك.
قال الحاكم: فلم وضعت يدك على فمك؟
قال: لأنه أطعمني طعامًا فيه ثوم فكرهت أن تشمه، عندئذ قال الحاكم لهذا الرجل
стр. 514
الطيب الحكيم: صدقت. ارجع إلى مكانك، فقد كفى المسيء إساءته.
علاج مرض الحسد
يكون العلاج بالرضا بالقضاء والقدر وأخذ النفس باللوم والمجاهدة.
روى هشام بن عروة بن أبيه أنه كان إذا رأى شيئًا يعجبه أو دخل حائطًا (بستانًا) من حيطانه، قال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله.
موقف عظيم
قال الملك العادل يومًا للعز بن عبد السلام: اجعلني في حل.
فأجابه العز قائلاً: أما محاللتك فإني كل ليلة أحالل الخلق وأبيت وليس لي عند أحد مظلمة، وأرى أن يكون أجري على الله ولا يكون على الناس (١).
مثل شائع خاطيء
امسك الخشب، خمسة في عينك، خسمة وخميسة.
مثل هذه الأقوال، لن تدفع حسدًا ولن تغير من قدر الله شيئًا، بل هو من الشرك، ولا بأس من التحرز من العين والخوف مما قد تسببه من الأذى، فإن العين حق، ولها تأثير، ولكن لا تأثير لها إلا بإذن الله، قال رسول الله ﷺ : "العين حق، ولو كان شىء سابق القدر سبقته العين" [رواه مسلم].
والتحرز من العين لا يكون إلا بالرقية الشرعية، عن عبد العزيز قال: دخلت أنا وثابت على أنس بن مالك ﵁ فقال ثابت: يا أبا حمزة اشتكيت، فقال أنس: ألا أرقيك برقية رسول الله؟ قال: بلى، قال: قال ﷺ : "اللهم رب الناس مذهب البأس، اشف أنت الشافي، لا شافي إلا أنت، شفاء لا يغادر سقمًا" [رواه البخاري].
ولا يجوز الاعتقاد بأن الخشب بذاته أو الخمسة والخميسة تدفع الضر من دون الله، فالله هو النافع والضار.
الاعتذار عند الخطأ
يقول أحد الإخوان: غاضبت الإمام الشهيد البنا مرة وانصرفت، وشعرت بخطئي
стр. 515
فعدت في اليوم التالي معتذرًا، فلم يقبل، وأمرني بالرجوع من حيث أتيت!! فعدت كاسف البال، ولكن لست ناقمًا، وما راعني إلا أني بعد عودتي إلى منزلي، أجد باب المنزل يدق، وإذا به الإمام الشهيد ومعه أحد الإخوان ويقول: جئنا نتغدى عندك! (١).
كيف تصلحان غيركما ؟
يقول الأستاذ عمر التلمساني: كان الأستاذ الهضيبي ﵀ صارمًا يحملك على ترك الجدال في حضرته، فإذا تخاصم لديه أخوان، بادرهما بعبارته المعروفة عنه: إذا كنتما عاجزين عن إصلاح ذات بينكما فكيف تصلحان ذات بين الآخرين (٢).
إذا كنت تغضب من أخيك فكيف ستصلح بين الناس؟!
الصلح بين عائلتين
انتُدب الأستاذ التلمساني لإجراء صلح بين عائلتين كبيرتين، ببلدة دمهوج بمركز قويسنا - منوفية. وكانت إحدى العائلتين من الإخوان، والأخرى غير إخوانية، وبعد استعراض مسببات الخصام وأحداثه، تبين بشكل قاطع أن الحق إلى جانب العائلة الإخوانية، وحسب توجيهات فضيلة المرشد ضرب مثلاً عمليًا لأخلاق الإسلام التي يعيشها الإخوان، فطلب من العائلة الإخوانية التنازل عن كل حقوقها، وأن يذهب رؤوس العائلة الإخوانية لزيارة العائلة الأخرى في منازلهم، ليتعلم الناس كيف يعالج الإسلام الخصومات بين الناس، ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] (٣).
ما أراد إلا الحسد
قال الشعبي: أنفذني عبد الملك إلى ملك الروم، فلما وصلت إليه جعل لا يسألني عن شيء إلا أجبته، وكانت الرسل لا تطيل الإقامة عنده، فحبسني أيامًا كثيرة حتى استحببت خروجي، فلما أردت الانصراف قال لي: من أهل بيت المملكة أنت؟
قلت: لا، ولكني رجل من العرب، فهمس بشيء، فدُفعت إليّ رقعة، وقيل لي: إذا أديت الرسائل عند وصولك إلى صاحبك أوصل إليه هذه الرقعة.
стр. 516
قال: فأديت الرسائل عند وصولي إلى عبد الملك، ونسيت الرقعة، فلما صرت في بعض الدار، إذ بدأت بالخروج تذكرتها فرجعت فأوصلتها إليه، فلما قرأها قال لي: أقال لك شيئًا قبل أن يدفعها إليك؟
قلت: نعم، قال لي: من أهل بيت المملكة أنت؟ قلت: لا، ولكني رجل من العرب في الجملة، ثم خرجت من عنده، فلما بلغت الباب رددت، فلما مثلت بين يديه قال لي: أتدري ما في الرقعة؟
قلت: لا.
قال: اقرأها، فقرأتها فإذا فيها: عجبت من قوم فيهم مثل هذا كيف ملكوا غيره؟ فقلت له: والله لو علمت ما فيها ما حملتها، وإنما قال ذلك لأنه لم يَرَك.
قال: أفتدري لِمَ كتبها؟
قلت: لا، قال: حسدني عليك، وأراد أن يغريني بقتلك.
قال: فبلغ ذلك ملك الروم، فقال: ما أردت إلا ما قال (١).
تذكر أخي الحبيب أن أعداء الإسلام يبذلون كل ما في وسعهم من أجل التفريق بين المؤمنين.
لفتة طيبة
يقول الأستاذ عمر التلمساني: كان الإمام الشهيد إذا آخذ يؤاخذك في رفق، يشعرك بالخطأ دون أن يحرجك، في ساعات الرضا كان يناديني باسمي المجرد يا عمر، فإذا كان هناك ما يستدعي المؤاخذة ناداني: يا أستاذ عمر، فأشعر على الفور بأن هناك ما لا يرضيه فأسرع قائلاً: ليه هو حصل حاجة؟ ما هو أنا عمر برضه، فتنفرج شفتاه عن البسمة التي تسترضي كل غاضب، ثم يبدأ في المؤاخذة بعتاب محبب إلى النفوس (٢).
اجعل عتابك لإخوانك برفق وبحب، وكن سليم الصدر، فهدفك توحيد الجهود وتجميع الأمة ونشر الإسلام.
стр. 517
أمثلة رائعة
صعد معاوية المنبر وشرع في خطبته، وكان قد حبس عن الناس عطاياهم شهرين، فناداه أبو مسلم وقال: يا معاوية، إن هذا المال ليس بمالك ولا مال أبيك وأمك، فبأي حق تحبسه عن الناس؟! فبدا الغضب على وجه معاوية وجعل الناس يترقبون ما عسى أن يكون منه، فما كان منه إلا أن أشار إلى الناس: أن امكثوا في أماكنكم ولا تبرحوها، ثم نزل عن المنبر وتوضأ، وأراق على نفسه شيئًا من الماء ثم صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وقال: إن أبا مسلم قد ذكر أن هذا المال ليس بمالي ولا مال أبي وأمي، وقد صدق أبو مسلم فيما قال، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ" [رواه أبو داود] أيها الناس: اغدوا علي أعطياتكم على بركة الله .
جزى الله أبا مسلم الخولاني خير الجزاء، فقد كان مثلاً فذًا في الصدع بكلمة الحق، ورضي الله عن معاوية بن أبي سفيان أجزل الرضا، فقد كان نموذجًا رائعًا في الانصياع لكلمة الحق.
سلامة الصدر عند قبول النصيحة
قال قتادة: خرج عمر بن الخطاب ﵁ من المسجد ومعه الجارود، فإذا امرأة بارزة على الطريق، فسلم عليها، فردت عليه -أو سلمت عليه- فرد عليها.
فقالت: هيه يا عمر، عهدتك وأنت تسمى عميرًا في سوق عكاظ تصارع الصبيان فلم تذهب الأيام حتى سميت عمر، ثم لم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين، فاتق الله في الرعية، واعلم أنه من خاف الموت خشي الفوت.
فبكى عمر، فقال الجارود: هيه، لقد تجرأت على أمير المؤمنين وأبكيتيه.
فقال عمر: دعها، أما تعرف هذه؟ هذه خولت بنت حكيم التي سمع الله قولها من فوق سماواته، فعمر والله أحرى أن يسمع كلامها (١).
هل تقبل النصيحة من إخوانك بصدر رحب، وإن كانت ممن هو أقل منك وأصغر؟
стр. 518
حتى مع الخصوم
كان صلاح الدين الأيوبي يقف بجوار خصمه أمام القضاء دون أن يرى في ذلك حرجًا أو غضاضة؛ لأن الحق في نظره أحق أن يتبع، وقد حدث أن ادعى تاجر يدعى (عمر الخلاطي) على صلاح الدين أنه أخذ منه أحد مماليكه ويدعى (سنقر)، واستولى على ما كان لهذا المملوك من ثروة طائلة بدون وجه حق، وعندما تقدم التاجر المدعي بظلامته إلى القاضي ابن شداد، أظهر صلاح الدين حلمًا كبيرًا ورضى أن يقف موقف الخصم من صاحب الدعوى، وأحضر كل من الطرفين من لديه من شهود، وما لديه من أدلة يثبت بها رأيه، حتى اتضح في النهاية -عند القاضي- كذب الرجل وادعاؤه الباطل على صلاح الدين، ومع كل هذا رفض صلاح الدين أن يترك المدعي يخرج من عنده خائنًا فأمر له بخلعة ومبلغ من المال، ليدلل على كرمه في موضع المؤاخذة مع القدرة (١).
احرص على قلوب إخوانك قبل حصولك على حقك.
من شيم الكرام
أوقع أعداء الإسلام بين ابن تيمية وسلطان مصر والشام، فنُقل إلى مصر وتمت محاكمته بحضور القضاة وكبار رجال الدولة، فحكموا عليه بالحبس سنة ونصفًا في القلعة، ثم أخرجوه من السجن، وعقدوا جلسة مناظرة بينه وبين منافسيه وخصومه، فكسب ابن تيمية المناظرة، ورغم ذلك لم يتركه الخصوم، فنفي إلى الشام، ثم عاد مرة أخرى إلى مصر وحُبس، ثم نقل إلى الإسكندرية حيث حبس هناك ثمانية أشهر، واستمرت محنة "ابن تيمية" واضطهاده إلى أن عاد إلى القاهرة حيث قرر السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون براءته من التهم الموجهة إليه، وأعطاه الحق في عقاب خصومه الذين كانوا السبب في عذابه واضطهاده، لكن الإمام ابن تيمية فضل أن يعفو عنهم!! وهكذا تكون شيم الكرام (٢).
стр. 519
خلق رفيع
يقول الحاج أحمد أبو شادي: حدث أن كنت عائدًا من دورة المياه بعد أن قضيت حاجتي، فلمحت الأستاذ عمر متجهًا إلى الدورة وهو يسرع الخطى، فألقيت عليه التحية فلم أتلق منه ردًا، وفسرت الأمر بأنه لم يسمعني بالتأكيد، ولما عدت إلى العنبر بعد أكثر من ساعة أخبرني رفاقي أن الأستاذ عمر جاء يسأل عني أكثر من مرة، وأنه كان يبدو قلقًا، وأكد عليهم إبلاغي في أول فرصة، وما أن علمت برغبته حتى سارعت إلى لقائه، وأشد ما كانت دهشتي حين رآني وكان جالسًا فنهض واقفًا يضمني إلى صدره ويعتذر في حياء جم دونه حياء العذارى، مؤكدًا لي أنه لم يتمكن من رد التحية بسبب هجمة البول التي كانت كثيرًا ما تهاجمه، ورحت بدوري أهون عليه الأمر ذاكرًا أنني والله ما ظننت به إلا خيرًا، ولا أتصور أن مثله تفوته هذه البديهة، أو أنه قطعًا لم يسمعني، ولكن الرجل ظل ولفترة طويلة كلما لقيني يبادرني معتذرًا (١).
...
стр. 520
حفظ اللسان
عن عقبة بن عامر ﵁ قلت: يا رسول الله: ما النجاة؟ قال: "أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك" [رواه الترمذي].
عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من يتكفل بي بما بين لحييه ورجليه أتكفل له الجنة" [رواه الترمذي].
وعن عبد الله الثقفي ﵁ قلت: يا رسول الله حدثني بأمر أعتصم به، فقال: "قل ربي الله ثم استقم" قلت: يا رسول الله، ما أخوف ما تخاف على فأخذ بلسان نفسه ثم قال: "هذا" [رواه الترمذي].
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ -قال: "إذا أصبح ابن آدم أصبحت الأعضاء كلها تكفر اللسان فتقول: اتق الله فينا، فإنك إن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا" [رواه الترمذي].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت" [رواه البخاري].
ومن الآثار:
كان أبو بكر الصديق يضع حصاة في فيه يمنع بها نفسه عن الكلام.
ويقول عبد الله بن مسعود ﵁: والله الذي لا إله إلا هو ما شيء أحوج إلى طول سجن من لسان، وقال طاووس: لساني سبع إن أرسلته أكلني.
وقال سفيان الثوري: لأن ترمي إنسانًا بسهم أهون من أن ترميه بلسانك، فإن السهم قد يخطئه، واللسان لا يخطئه.
وقال أبو الدرداء ﵁: أنصف أذنيك من فيك، فإنما جعل لك أذنان وفم واحد، لتسمع أكثر مما تتكلم.
стр. 521
ويقول الحسن البصري: إن لسان المؤمن من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم بشيء تدبره بقلبه ثم أمضاه، وإن لسان المنافق أمام قلبه، فإذا هم بشيء أمضاه بلسانه، ولم يتدبره بقلبه.
وقيل لبكر بن عبد الله المزني: إنك لتطيل الصمت؟
فقال: إن لساني سبع، إن تركته أكلني.
قد أفلح الساكت الصموت ... كلامه قد يعد قوت
ما كل نطق له جواب ... جواب ما يكره السكوت
آفات اللسان
١ - الكلام فيما لا يعنيك:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيها [رواه الترمذي].
من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، قل خيرًا تغنم أو اسكت عن سوء تسلم، إن من شأن الساعي إلى الكمال على الطريق أن يقبل على كل أمر ينفعه، فالسبل المفضية إلى ما رامه وأمله، يجتنب كل أمر يعوقه ويقطع سيره، ويتأبى بنفسه عن كل ما من شأنه أن ينزل قدره، ويقضي على وقته وحياته ورأس ماله، فتراه مترفعًا عن اللهو واللغو، قد شغل نفسه بما يفيدها في حياته؛ إن رأى أمرًا من اللغو أعرض عنه وأكرم نفسه عنه، إذ زمنه عنده ثمين، فلا متسع عنده للهو أو للغو مهين.
ورحم الله بشار يوم قال متحدثًا بنعمة الله عليه: منذ ثلاثين سنة ما تكلمت بكلمة أحتاج أن أعتذر عنها.
مجالسهم مثل الرياض أنيقة ... لقد طاب منها اللون والريح والطعم
وقال مالك بن ضيغم: جاء رياح القيسي يسأل عن أبي بعد العصر، فقلنا: هو نائم، فقال: أنوم في هذه الساعة؟ أهذا وقت نوم، ثم ولى منصرفًا، فاتبعناه رسولاً، فقلنا: قل له: ألا نوقظه لك؟ قال: فأبطأ علينا الرسول، ثم جاء وقد غربت الشمس، فقلنا: أبطأت جدًا، فهل قلت له؟ قال: هو كان أشغل من أن يفهم عني شيئًا، أدركته وهو يدخل
стр. 522
المقابر، وهو يعاتب نفسه، ويقول: قلت: نوم هذه الساعة؟ أفكان هذا عليك؟ ينام الرجل متى شاء، وقلت: هذا وقت نوم؟ وما يدريك أن هذا ليس بوقت نوم؟ تسألين عما لا يعنيك، وتتكلمين بما لا يعنيك، أما إن لله عليَّ عهدًا لا أنقضه أبدًا ألا أوسدك الأرض لنوم حولاً، إلا لمرض حائل أو لذهاب عقل زائل، سوءة لك، أما تستحيين؟ كم توبخين؟ وعن غيك لا تنتهين؟
قال: وجعل يبكي وهو لا يشعر بمكاني، فلما رأيت ذلك انصرفت وتركته (١).
٢ - فضول الكلام من فتنة العالم أن يكون الكلام أحب إليه من الاستماع.
قال مجاهد: سمعت ابن عباس ﵁ يقول: خمس لهن أحب إلي من الدُّهُم الموقوفة: لا تتكلم فيما لا يعنيك فإنه فضل ولا آمن عليك الوزر.
- ولا تتكلم فيما يعنيك حتى تجد له موضعًا.
- ولا تمار حليمًا ولا سفيهًا.
- واذكر أخاك إذا غاب عنك بما تحب أن يذكرك به.
- واعمل عمل رجل يعلم أنه مجازى بالإحسان مأخوذ بالإساءة.
٣ - التفحش وبذاءة اللسان
عن عبد الله بن عمرو ﵄: قال رسول الله ﷺ : "إياكم والفحش فإن الله تعالى لا يحب الفحش ولا التفحش" [رواه أحمد].
قال رسول الله ﷺ : "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" [رواه البخاري].
عن عبد الله بن عمرو ﵄: قال رسول الله ﷺ : "إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه" قيل: يا رسول الله كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: "يلعن الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه" [رواه البخاري].
قال أبو الدرداء: إن ناقدت الناس ناقدوك، وإن تركتهم لم يتركوك، وإن هربت منهم أدركوك، فالعاقل من وهب نفسه وعرضه ليوم فقره، وما تجرع مؤمن جرعة أحب إلى الله
стр. 523
عز وجل من غيظ كظمه، فاعفوا يعزكم الله، وإياكم ودمعة اليتيم، ودعوة المظلوم، فإنها تسري بالليل والناس نيام.
وقال عبد الله بن مسعود: أعظم الخطايا الكذب، وسب المؤمن فسوق، وقتاله كفر، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يعف يعف الله عنه، ومن يكظم الغيظ يأجره الله، ومن يغفر يغفر الله له، ومن صبر على الرزية يعقبه الله خيرًا منها (١).
٤ - اللعن
عن سمرة بن جندب ﵁: قال رسول الله:"لا تلاعنوا بلعنة الله ولا بغضبه ولا بجهنم" [رواه الترمذي].
وعن عمران بن حصين قال: بينما رسول الله في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة فضجرت فلعنتها، فسمع ذلك ﷺ فقال: "خذوا ما عليها ودعوها فإنها ملعونة" قال عمران: فكأني أراها تمشي في الناس وما يعرض لها أحد [رواه مسلم].
وعن أبي الدرداء ﵁: قال رسول الله ﷺ :"إن اللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة" [رواه مسلم].
واللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله تعالى. واللعن ثلاث مراتب:
الأولى: اللعن بالوصف العام، قولك: لعنة الله على الكافرين والفاسقين.
الثانية: اللعن بأوصاف أخص، قولك: لعنة الله على اليهود والنصارى والمجوس والظلمة وآكلي الربا.
الثالثة: اللعن للشخص المعين وفيه خطر كبير كقولك: لعنة الله على زيد أو هو كافر إلا ما ثبتت لعنته شرعًا كفرعون وأبي جهل.
قال رسول الله ﷺ : "لا يرمي رجل رجلاً بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك" [رواه البخاري].
стр. 524
عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ "لا تسبوا الأموات فإنهم أفضوا إلى ما قدموا" [رواه البخاري].
٥ - الغيبة
عن أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ "كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه" [رواه مسلم].
وقال ابن عباس ﵁: إذا أردت أن تذكر عيوب أخيك فاذكر عيوبك.
وقال أبو هريرة ﵁: تبصر القذى في عين أخيك ولا تبصر الجذع في عين نفسك.
الغيبة هى ذكرك أخاك بما يكرهه لو بلغه.
عن أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ " أتدرون ما الغيبة؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "ذكرك أخاك بما يكره" قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول، قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته" [رواه مسلم].
الغيبة لا تقتصر على اللسان
عن أبي حذيفة أن عائشة ﵂ حكت امرأة عند النبي ﷺ ذكرت قصتها فقال النبي ﷺ "قد اغتبتيها" [رواه أحمد].
ومن ذلك المحاكاة يمشي متعرجًا فهو أشد من الغيبة.
جاء في صحف إبراهيم ﵇: على العاقل أن يكون بصيرًا بزمانه، مقبلاً على شأنه، حافظًا للسانه.
وعن مالك بن دينار ﵀ أنه قال: إذا رأيت قساوة في قلبك، أو وهنًا في بدنك، أو حرمانًا في رزقك، فأعلم أنك تكلمت بما لا يعنيك.
وقال لقمان لابنه: يا بني من رحم يُرحم، ومن يصمت يسلم، ومن يفعل الخير يغنم، ومن فعل الشر يأثم، ومن لم يملك لسانه يندم (١).
ويروى أن رجلاً اغتاب الحسن البصري، فما كان منه إلا أن أرسل إليه بطبق من
стр. 525
الحلوى قائلاً له: بلغني أنك نقلت حسناتك إلى ديواني وهذه مكافأتك (١).
احذروا الغيبة
كان الأستاذ الهضيبي لا يصرح برأيه في جمال عبد الناصر، وكان يحسب للغيبة ألف حساب، وكان يحذر من الخوض في أعراض الناس ويقول: هل نسيتم أن الغيبة من الكبائر؟ (٢).
ومر عمرو بن العاص ﵁ على بغل ميت قد انتفخ، فوقف عليه وقال: والله لأن يأكل أحدكم من هذا حتى يملأ جوفه خير من أن يغتاب أخاه.
ويقول أبو هريرة ﵁: من أكل لحم أخيه في الدنيا، قُرب إليه لحمه في الآخرة، فقيل له: كله ميتًا، كما أكلته حيًا، فيأكله وينضج ويصيح ويكلح.
وقال سفيان الثوري: إياك والغيبة، إياك والوقوع في الناس، فيهلك دينك.
قصة مؤثرة
في عهد الإمام مالك بن أنس ﵀ كانت امرأة مغسلة تغسل امرأة ميتة، وبينما هي تصب الماء عليها إذا بها وهي تمرر يدها عليها تقول: كثيرًا ما زنى هذا الفرج، فماذا حدث؟ لقد التصقت يد المغسلة بجسد المرأة الميتة، وكان بينه وبين يد تلك المرأة مغناطيسية شديدة الجذب.
فماذا تفعل المرأة المغسلة؟ وماذا يفعل من حولها؟ إنهم يريدون أن يدفنوا الميتة، فما كان منهم إلا قاموا باستشارة العلماء، فمن قائل: تقطع يد المغسلة؛ لأن حرمة الميت كحرمة الحي، ومن قائل: نقطع شيئًا من جسد الميتة فالحي أولى من الميت، واضطربت الآراء، لكنهم قالوا: كيف نفتي وإمامنا مالك بين أظهرنا؟!
ثم ذهبوا إلى الإمام مالك، فقال لهم: قولوا للمغسلة: ماذا قلت في حق الميتة؟
فقالت المغسلة: قلت: كثيرًا ما زنى هذا الفرج.
فقال الإمام: هذا قذف، وأرى أن تجلد المرأة المغسلة ثمانين جلدة من وراء حجاب،
стр. 526
وبالفعل جلدوا المغسلة فانفصلت يدها عن جسد الميتة (١).
إن ضعفت عن الخير فأمسك عن الشر، وإن لم تستطع أن تنفع الناس فأمسك شرك عنهم، وإن كنت لا تستطيع الصوم، فلا تأكل لحوم الناس.
وقال كعب الأحبار: قرأت في كتب السابقين: أن من مات تائبًا من الغيبة كان آخر من يدخل الجنة، ومن مات مصرًا عليها كان أول من يدخل النار (٢).
ومر عيسى مع الحواريين على جيفة كلب. فقال الحواريون: ما أنتن ريح هذا؟!
فقال عيسى: ما أشد بياض أسنانه! (يعظهم وينهاهم عن الغيبة).
الأعذار المرخصة في الغيبة
١ - غيبة أهل الفساد:
تقص السيدة عائشة ﵂ موقفًا يدل على جواز غيبة أهل الفساد فتقول: استأذن رجل على رسول الله ﷺ : "ائذنوا له، بئس أخو العشرة أو ابن العشيرة" فلما دخل الرجل ألان له الكلام. قالت عائشة: يا رسول الله، قلت له الذي قلت، ثم ألنت له الكلام؟ فقال: "أي عائشة، إن شر الناس من تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه" [رواه البخاري].
٢ - ذكر مساويء الزوج:
تقول فاطمة بنت قيس ﵂: أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، إن أبا جهم، ومعاوية خطباني، فقال: "أما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، أنكحي أسامة بن زيد"، فكرهته، ثم قال: "أنكحي أسامة بن زيد" فنكحته، فجعل الله فيه خيرًا [رواه مسلم].
٣ - الغيبة عند الاستفتاء والتظلم:
هند بنت عتبة زوج أبي سفيان ﵁ -قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، فاحتاج أن آخذ من ماله، قال ﷺ : "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" [رواه البخاري].
стр. 527
فقد ذكرت هند صفة ذميمة في شخص زوجها في غيبته، ولم ينكر عليها الرسول ﷺ لأجل أنها في الحكم الشرعي لذلك.
٤ - موقف أهل البدع:
قال الحسن البصري: ليس في أصحاب البدع غيبة.
وقال سفيان بن عيينة: ثلاث ليس لهم غيبة: الإمام الجائر، الفاسق المعلن بفسقه، والمبتدع الذي يدعو الناس إلى بدعته.
وجمع ابن أبي شر في هذه الستة في بيتين من الشعر:
الذم ليس بغيبة في ستة ... متظلم ومعرف ومحذر
والمظهر فسقًا ومستفت ومن ... طلب الإعانة في إزالة منكر
كفارة الغيبة: "اللهم اغفر لنا وله".
جاء أن رجلاً قال للحسن البصري: بلغني أنك تغتابني؟
فقال: ما بلغ قدرك عندي أني أحكمك في حسناتي.
٥ - إفشاء السر:
قال رسول الله ﷺ :
"إذا حدث الرجل بحديث ثم التفت فهي أمانة" [رواه الترمذي].
يقول ابن الجوزي: رأيت أكثر الناس لا يتمالكون من إفشاء سرهم، فإذا ظهر عاتبوا من أخبروا به، فواعجبًا كيف ضاقوا بحبسه ذرعًا ثم لاموا من أفشاه، ولعمري إن النفس يصعب عليها كتم الشيء، وترى بإفشائه راحة، خصوصًا إذا كان مرضًا أو همًا أو عشقًا، وهذه الأشياء في إفشائها قريبة، إنما اللازم كتمانه احتيال المحتال فيما يريد أن يحصل به غرضًا، فإن من سوء التدبير إفشاء ذلك قبل تمامه، فإذا ظهر بطل ما يراد أن يفعل، ولا عذر لمن أفشى هذا النوع، وقد كان النبي ﷺ إذا أراد سفرًا ورى بغيره (١).
٦ - الوعد الكاذب: قال رسول الله ﷺ :" ثلاث من كن فيه فهو منافق، وإن صام وصلى
стр. 528
وزعم أنه مسلم: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أئتمن خان" [رواه أحمد].
٧ - الكذب:
قال رسول الله ﷺ :"كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثًا هو لك به مصدق وأنت أول به كاذب" [رواه أبو داود].
فليحذر المسلم من الكذب مهما كان حتى لا يدخل في دائرة النفاق. ومن أنواع الكذب:
كذب الحكام على الشعوب
مثل أن يذكر بعض الحكام بأن هناك تنمية اقتصادية كبيرة، وأنه قد تم القضاء على الفقر، وسيتم توفير فرص العمل لكل الشباب و ... ثم لا يجد الشعب شيئًا من هذه الأمور وينخدعون بما يقال.
الكذب في دين الله
قال رسول الله ﷺ :"إن كذبًا عليّ ليس ككذب على أحد، فمن كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" [رواه البخاري].
فعلى كل مسلم أن يتأكد من صحة أحاديث النبي- ﷺ .
الكذب على الأطفال
لا تكذب على أولادك بحجة إسكاتهم أو ترغيبهم، فإن ذلك يعودهم على الكذب عن طريق المحاكاة والقدوة السيئة.
عن عبد الله بن عامر ﵁ قال: دعتني أمي يومًا ورسول الله ﷺ قاعد في بيتنا، فقالت: ها تعال أعطك، فقال لها الرسول ﷺ : "وما أردت أن تعطيه؟ " قالت: أردت أن أعطيه تمرًا، فقال لها رسول الله ﷺ : " أما إنك لو لم تعطه شيئًا كتبت عليك كذبة" [رواه أبو داود]؛ لأن الإسلام يوصي أن نغرس فضيلة الصدق في نفوس الأطفال حتى يشبوا عليها.
وعن أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : "من قال لصبي تعال هاك ثم لم يعطه فهي كذبة" [رواه أحمد].
علِّم أولادك عدم التفريق بين أنواع الكذب، فتقول: هذه كذبة بيضاء لا تؤثر، وألا
стр. 529
يضحك زملاءه بنكتة كاذبة يسخر فيها من أحد، ويتعلم الاعتراف بالخطأ فلا يكذب على المدرس مثلاً إن لم يقم بعمل الواجب ويقول: عندي واجبات كثيرة أو يقول: كنت أذاكر لإخوتي الصغار.
من المقولات الخاطئة
إن الله يحب عبده الفشار، ويكره عبده المكار. أو يكذب الناس ويقولون: كذبة إبريل.
ومن الناس من يعود أبناءه على الكذب فيجلس في البيت وإذا سأل عليه شخص قال لابنه: اذهب فقل له: إن أبي غير موجود بالمنزل، وبهذا يتعود الطفل الكذب.
الكذب في المدح
المدح مدرجة إلى الكذب؛ عن أبي بكرة قال: أثنى رجل على رجل عند رسول الله فقال: "ويلك قطعت عنق صاحبك، قطعت عنق صاحبك" ثم قال: "من كان منكم مادحًا أخاه لا محالة فليقل: أحسب فلانًا والله حسيبه ولا أزكي على الله أحدًا أحسبه كذا وكذا إن كان يعلم ذلك منه" [رواه البخاري].
الكذب في الموعد
كان رسول الله ﷺ يقدس الكلمة التي يقولها، وذلك إشارة إلى الرجولة الكاملة فعن عبد الله بن أبي الحمساء قال: بايعت رسول الله ﷺ ببيع قبل أن يبعث وبقيت له بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكانه، فنسيت، ثم ذكرت بعد ثلاثة، فجئت فإذا هو في مكانه فقال:"يا فتى لقد شققت عليّ!! أنا ها هنا منذ ثلاث أنتظرك" (وكان يأتي في الموعد المضروب بينهما) [رواه أبو داود].
فإذا أعطيت موعدًا فلابد أن تكون صادقًا في الالتزام به حفاظًا على أوقات الآخرين، ولا تعتذر إلا لضرورة ويكون الاعتذار مسبقًا.
الكذب في البيع والشراء
قال رسول الله ﷺ "إن التجار هم الفجار" فقيل: يا رسول الله، أليس الله قد أحل البيع؟ قال: "بلى ولكنهم يحدثون فيكذبون ويحلفون فيأثمون" [رواه أحمد].
وعن أبي ذر ﵁: قال رسول الله ﷺ "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة: المنان بعطيته، والمنفق سلعته بالحلف الفاجر، والمسبل إزاره" [رواه مسلم].
стр. 530
ومن مظاهر الكذب في البيع والشراء في الأسواق: الإعلانات التي تعطي معلومات غير صادقة، والأيمان المغلظة بأن السلعة ممتازة ولا يوجد أفضل منها أو بعدم وجود عيوب بها.
الكذب عند الضحك
كان رسول الله ﷺ يمزح مع أصحابه ولا يقول إلا صدقًا، جاء رجل يسأله أن يحمله على بعير، فقال له الرسول: "إني حاملك إلا على ولد الناقة" فقال: يا رسول الله، وماذا أصنع بولد الناقة؟! انصرف ذهنه إلى الصغير، فقال: "وهل تلد الإبل إلا النوق؟ " [رواه الترمذي].
الكذب في الشهادة
من ينتخب شخصًا في الانتخابات وهو لا يستحق فقد كذب في الشهادة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، والحيف في الشهادة من أشنع الكذب.
قال رسول الله ﷺ : "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثًا، قلنا: بلى، قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وكان متكئًا فجلس وقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور، ألا وقول الزور وشهادة الزور"، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت [رواه البخاري].
لأن شهادة الزور تؤدي إلى الفساد الاجتماعي والاقتصادي، ولقد انتشرت شهادة الزور في الواقع المعاصر، حتى أصبحت تجارة أمام المحاكم، يأتي الظالم برجلين من عملاء الزور، ويقول لهما: اشهدا بكذا وأنا أعطيكما كذا وكذا، ويذهب الرجلان ويقفان أمام القاضي ويقسمان بأنهما سيقولان الحق، ثم يشهدان زورًا، ومن نماذج شهادة الزور في عصرنا: شهادات توثيق الميلاد أو الخبرة المزورة، وشهادات التوصية للعمل أو الترقية المزورة، والتزوير في الانتخابات وفواتير البيع والشراء المزورة.
جواز الكذب
يقول ميمون بن مهران: الكذب في بعض المواضع خير من الصدق.
وعن أم كلثوم ﵂ قالت: ما سمعت رسول الله ﷺ يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث:"الرجل يقول القول يريد به الإصلاح، والرجل يقول القول في الحرب، والرجل يحدث امرأته والمرأة تحدث زوجها" [رواه أحمد].