← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96918

موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق

ياسر عبد الرحمن

Полный текст (763 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وبالفعل جلدوا المغسلة فانفصلت يدها عن جسد الميتة (١). إن ضعفت عن الخير فأمسك عن الشر، وإن لم تستطع أن تنفع الناس فأمسك شرك عنهم، وإن كنت لا تستطيع الصوم، فلا تأكل لحوم الناس. وقال كعب الأحبار: قرأت في كتب السابقين: أن من مات تائبًا من الغيبة كان آخر من يدخل الجنة، ومن مات مصرًا عليها كان أول من يدخل النار (٢). ومر عيسى مع الحواريين على جيفة كلب. فقال الحواريون: ما أنتن ريح هذا؟! فقال عيسى: ما أشد بياض أسنانه! (يعظهم وينهاهم عن الغيبة). الأعذار المرخصة في الغيبة ١ - غيبة أهل الفساد: تقص السيدة عائشة ﵂ موقفًا يدل على جواز غيبة أهل الفساد فتقول: استأذن رجل على رسول الله ﷺ : "ائذنوا له، بئس أخو العشرة أو ابن العشيرة" فلما دخل الرجل ألان له الكلام. قالت عائشة: يا رسول الله، قلت له الذي قلت، ثم ألنت له الكلام؟ فقال: "أي عائشة، إن شر الناس من تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه" [رواه البخاري]. ٢ - ذكر مساويء الزوج: تقول فاطمة بنت قيس ﵂: أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، إن أبا جهم، ومعاوية خطباني، فقال: "أما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، أنكحي أسامة بن زيد"، فكرهته، ثم قال: "أنكحي أسامة بن زيد" فنكحته، فجعل الله فيه خيرًا [رواه مسلم]. ٣ - الغيبة عند الاستفتاء والتظلم: هند بنت عتبة زوج أبي سفيان ﵁ -قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، فاحتاج أن آخذ من ماله، قال ﷺ : "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" [رواه البخاري].

стр. 527

فقد ذكرت هند صفة ذميمة في شخص زوجها في غيبته، ولم ينكر عليها الرسول ﷺ لأجل أنها في الحكم الشرعي لذلك. ٤ - موقف أهل البدع: قال الحسن البصري: ليس في أصحاب البدع غيبة. وقال سفيان بن عيينة: ثلاث ليس لهم غيبة: الإمام الجائر، الفاسق المعلن بفسقه، والمبتدع الذي يدعو الناس إلى بدعته. وجمع ابن أبي شر في هذه الستة في بيتين من الشعر: الذم ليس بغيبة في ستة ... متظلم ومعرف ومحذر والمظهر فسقًا ومستفت ومن ... طلب الإعانة في إزالة منكر كفارة الغيبة: "اللهم اغفر لنا وله". جاء أن رجلاً قال للحسن البصري: بلغني أنك تغتابني؟ فقال: ما بلغ قدرك عندي أني أحكمك في حسناتي. ٥ - إفشاء السر: قال رسول الله ﷺ : "إذا حدث الرجل بحديث ثم التفت فهي أمانة" [رواه الترمذي]. يقول ابن الجوزي: رأيت أكثر الناس لا يتمالكون من إفشاء سرهم، فإذا ظهر عاتبوا من أخبروا به، فواعجبًا كيف ضاقوا بحبسه ذرعًا ثم لاموا من أفشاه، ولعمري إن النفس يصعب عليها كتم الشيء، وترى بإفشائه راحة، خصوصًا إذا كان مرضًا أو همًا أو عشقًا، وهذه الأشياء في إفشائها قريبة، إنما اللازم كتمانه احتيال المحتال فيما يريد أن يحصل به غرضًا، فإن من سوء التدبير إفشاء ذلك قبل تمامه، فإذا ظهر بطل ما يراد أن يفعل، ولا عذر لمن أفشى هذا النوع، وقد كان النبي ﷺ إذا أراد سفرًا ورى بغيره (١). ٦ - الوعد الكاذب: قال رسول الله ﷺ :" ثلاث من كن فيه فهو منافق، وإن صام وصلى

стр. 528

وزعم أنه مسلم: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أئتمن خان" [رواه أحمد]. ٧ - الكذب: قال رسول الله ﷺ :"كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثًا هو لك به مصدق وأنت أول به كاذب" [رواه أبو داود]. فليحذر المسلم من الكذب مهما كان حتى لا يدخل في دائرة النفاق. ومن أنواع الكذب: كذب الحكام على الشعوب مثل أن يذكر بعض الحكام بأن هناك تنمية اقتصادية كبيرة، وأنه قد تم القضاء على الفقر، وسيتم توفير فرص العمل لكل الشباب و ... ثم لا يجد الشعب شيئًا من هذه الأمور وينخدعون بما يقال. الكذب في دين الله قال رسول الله ﷺ :"إن كذبًا عليّ ليس ككذب على أحد، فمن كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" [رواه البخاري]. فعلى كل مسلم أن يتأكد من صحة أحاديث النبي- ﷺ . الكذب على الأطفال لا تكذب على أولادك بحجة إسكاتهم أو ترغيبهم، فإن ذلك يعودهم على الكذب عن طريق المحاكاة والقدوة السيئة. عن عبد الله بن عامر ﵁ قال: دعتني أمي يومًا ورسول الله ﷺ قاعد في بيتنا، فقالت: ها تعال أعطك، فقال لها الرسول ﷺ : "وما أردت أن تعطيه؟ " قالت: أردت أن أعطيه تمرًا، فقال لها رسول الله ﷺ : " أما إنك لو لم تعطه شيئًا كتبت عليك كذبة" [رواه أبو داود]؛ لأن الإسلام يوصي أن نغرس فضيلة الصدق في نفوس الأطفال حتى يشبوا عليها. وعن أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : "من قال لصبي تعال هاك ثم لم يعطه فهي كذبة" [رواه أحمد]. علِّم أولادك عدم التفريق بين أنواع الكذب، فتقول: هذه كذبة بيضاء لا تؤثر، وألا

стр. 529

يضحك زملاءه بنكتة كاذبة يسخر فيها من أحد، ويتعلم الاعتراف بالخطأ فلا يكذب على المدرس مثلاً إن لم يقم بعمل الواجب ويقول: عندي واجبات كثيرة أو يقول: كنت أذاكر لإخوتي الصغار. من المقولات الخاطئة إن الله يحب عبده الفشار، ويكره عبده المكار. أو يكذب الناس ويقولون: كذبة إبريل. ومن الناس من يعود أبناءه على الكذب فيجلس في البيت وإذا سأل عليه شخص قال لابنه: اذهب فقل له: إن أبي غير موجود بالمنزل، وبهذا يتعود الطفل الكذب. الكذب في المدح المدح مدرجة إلى الكذب؛ عن أبي بكرة قال: أثنى رجل على رجل عند رسول الله فقال: "ويلك قطعت عنق صاحبك، قطعت عنق صاحبك" ثم قال: "من كان منكم مادحًا أخاه لا محالة فليقل: أحسب فلانًا والله حسيبه ولا أزكي على الله أحدًا أحسبه كذا وكذا إن كان يعلم ذلك منه" [رواه البخاري]. الكذب في الموعد كان رسول الله ﷺ يقدس الكلمة التي يقولها، وذلك إشارة إلى الرجولة الكاملة فعن عبد الله بن أبي الحمساء قال: بايعت رسول الله ﷺ ببيع قبل أن يبعث وبقيت له بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكانه، فنسيت، ثم ذكرت بعد ثلاثة، فجئت فإذا هو في مكانه فقال:"يا فتى لقد شققت عليّ!! أنا ها هنا منذ ثلاث أنتظرك" (وكان يأتي في الموعد المضروب بينهما) [رواه أبو داود]. فإذا أعطيت موعدًا فلابد أن تكون صادقًا في الالتزام به حفاظًا على أوقات الآخرين، ولا تعتذر إلا لضرورة ويكون الاعتذار مسبقًا. الكذب في البيع والشراء قال رسول الله ﷺ "إن التجار هم الفجار" فقيل: يا رسول الله، أليس الله قد أحل البيع؟ قال: "بلى ولكنهم يحدثون فيكذبون ويحلفون فيأثمون" [رواه أحمد]. وعن أبي ذر ﵁: قال رسول الله ﷺ "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة: المنان بعطيته، والمنفق سلعته بالحلف الفاجر، والمسبل إزاره" [رواه مسلم].

стр. 530

ومن مظاهر الكذب في البيع والشراء في الأسواق: الإعلانات التي تعطي معلومات غير صادقة، والأيمان المغلظة بأن السلعة ممتازة ولا يوجد أفضل منها أو بعدم وجود عيوب بها. الكذب عند الضحك كان رسول الله ﷺ يمزح مع أصحابه ولا يقول إلا صدقًا، جاء رجل يسأله أن يحمله على بعير، فقال له الرسول: "إني حاملك إلا على ولد الناقة" فقال: يا رسول الله، وماذا أصنع بولد الناقة؟! انصرف ذهنه إلى الصغير، فقال: "وهل تلد الإبل إلا النوق؟ " [رواه الترمذي]. الكذب في الشهادة من ينتخب شخصًا في الانتخابات وهو لا يستحق فقد كذب في الشهادة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، والحيف في الشهادة من أشنع الكذب. قال رسول الله ﷺ : "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثًا، قلنا: بلى، قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وكان متكئًا فجلس وقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور، ألا وقول الزور وشهادة الزور"، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت [رواه البخاري]. لأن شهادة الزور تؤدي إلى الفساد الاجتماعي والاقتصادي، ولقد انتشرت شهادة الزور في الواقع المعاصر، حتى أصبحت تجارة أمام المحاكم، يأتي الظالم برجلين من عملاء الزور، ويقول لهما: اشهدا بكذا وأنا أعطيكما كذا وكذا، ويذهب الرجلان ويقفان أمام القاضي ويقسمان بأنهما سيقولان الحق، ثم يشهدان زورًا، ومن نماذج شهادة الزور في عصرنا: شهادات توثيق الميلاد أو الخبرة المزورة، وشهادات التوصية للعمل أو الترقية المزورة، والتزوير في الانتخابات وفواتير البيع والشراء المزورة. جواز الكذب يقول ميمون بن مهران: الكذب في بعض المواضع خير من الصدق. وعن أم كلثوم ﵂ قالت: ما سمعت رسول الله ﷺ يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث:"الرجل يقول القول يريد به الإصلاح، والرجل يقول القول في الحرب، والرجل يحدث امرأته والمرأة تحدث زوجها" [رواه أحمد].

стр. 531

٨ - النميمة قال بعض الحكماء: النميمة تهدي إلى القلوب البغضاء، ومن واجهك فقد شتمك، ومن نقل إليك، فقد نقل عنك، والساعي بالنميمة كاذب لمن يسعى إليه، وخائن لمن يسعى به. وقال الشاعر: احفظ لسانك لا تؤذ به أحدًا ... من قال في الناس عيب قيل فيه بمثله يقول ابن الجوزي: اتق الله، واشتغل بعيوبك عن عيوب الناس، ولا تكن كمثل الذباب الذي لا يعرج على المواضع السليمة من الجسد، ولا ينزل عليها، وإنما يقع على القروح فيدميها. فمن بحث عن مساويء الناس، واتبع عوراتهم، واشتغل بعيب غيره، وترك عيبه، سلط الله تعالى عليه من يبحث في عيبه، ومساوئه ليشهرها، ويتبع عوراته ويبديها وينشرها. عن أبي برزة السلمي قال: قال رسول الله ﷺ : "يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته" [رواه أحد]. الصمت نفع والكلام مضرة ... فلرب صمت في الكلام شفاء فإذا أردت من الكلام شفاء ... لسقام قلبك فالقرآن دواء يقول صاحب الإحياء: كل من حُملت إليه نميمة وقيل له: إن فلانًا قال فيك كذا وكذا فعليه ستة أمور: الأول: أن لا يصدقه؛ لأن النمام كذاب وفاسق، وهو مردود الشهادة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦]. الثاني: أن ينهاه عن ذلك وينصحه ويقبحه؛ لقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [لقمان: ١٧].

стр. 532

الثالث: أن يبغضه في الله لأنه بغيض عند الله ويجب بغض من يبغضه الله تعالى. الرابع: ألا تظن بأخيك الغائب سوءًا لقوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]. الخامس: أن لا يحملك ما حكى لك على التجسس والبحث للتحقق، اتباعًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢]. السادس: لا ترضى لنفسك ما نهيت الناس عنه، ولا تحك نميمته فتقول: فلان قد حكى لي كذا وكذا، فتكون به نمامًا ومغتابًا، وتكون قد أتيت لما عنه نهيت. وقد جاء عن عمر بن عبد العزيز أنه دخل عليه رجل فذكر له عن رجل شيئًا، فقال له عمر: إن شئت نظرنا في أمرك، فإن كنت كاذبًا فأنت من أهل هذه الآية: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] وإن كنت صادقًا فأنت من أهل هذه الآية: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١]، وإن شئت عفونا عنك، فقال: العفو يا أمير المؤمنين لا أعود إليه أبدًا. ومر رسول الله ﷺ بقبرين فقال: "إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، بلى، إنه كبير أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة" [رواه البخاري]. قال قتادة: كما يمتنع أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا كذلك يجب أن يمتنع عن غيبته حيًا. وقال أحد الحكماء: لا تأمن من كذاب لك، أن يكذب عليك، ومن اغتاب عندك غيرك، أن يغتابك عند غيرك. وقال عبد الرحمن بن عوف: من سمع بفاحشة فأفشاها فهو كالذي أتاها. وقال الحسن: من نم لك نم عليك، وهذه إشارة إلى أن النمام يجب أن يبغض ولا يوثق بقوله ولا بصداقته، وكيف لا يبغض وهو لا ينفك عن الكذب والغيبة والغدر والخيانة والحسد والنفاق والإفساد بين الناس والخديعة؟ وهو ممن يسعون في قطع ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى: ٤٢]. وجاء عن علي أن رجلاً سعى إليه برجل فقال له: يا هذا نحن نسأل عما قلت، فإن

стр. 533

كنت صادقًا مقتناك، وإن كنت كاذبًا عاقبناك، وإن شئت أن نقيلك أقلناك. فقال: أقلنا يا أمير المؤمنين. وقال رجل لعمرو بن عبيد: إن الأسواري ما يزال يذكرك في قصصه بشر، فقال عمرو: يا هذا ما رعيت حق مجالسة الرجل حيث نقلت إلينا حديثه، ولا أديت حقي أعلمتني عن أخي ما أكره، ولكن أعلمه أن الموت يعمنا، والقبر يضمنا، والقيامة تجمعنا، والله تعالى يحكم بيننا وهو خير الحاكمين. شر النمام عظيم وعلى الجملة فشر النمام عظيم ينبغي أن يتوقى. قال حماد بن سلمة: باع رجل عبدًا وقال للمشتري: ما فيه عيب إلا النميمة. قال: رضيت، فاشتراه، فمكث الغلام أيامًا ثم قال لزوجة مولاه: إن سيدي لا يحبك وهو يريد أن يتزوج عليك، فخذي الموسى واحلقي من شعر قفاه عند نومه شعرات حتى أسحره عليها فيحبك، ثم قال للزوج: إن امرأتك اتخذت خليلاً وترى أن تقتلك، فتناوم لها حتى تعرف ذلك، فتناوم لها فجاءت المرأة بالموسى فظن أنها تريد قتله فقام إليها فقتلها، فجاء أهل المرأة فقتلوا الزوج، ووقع القتال بين القبيلتين. ***

стр. 534

الدعوة إلى الله أول داع إلى الله هو الرسول ﷺ ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦]. جميع الرسل دعوا إلى الله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، هذه الآية الكريمة أفادت أمرين: أولا: خيرية هذه الأمة. ثانيا: أنها حازت هذه الخيرية لقيامها بوظيفة الأمر بالمعروف بخلاف المنافقين: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ [التوبة: ٦٧]. المكلف بالدعوة كل مسلم ومسلمة: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨]. وتؤدى الدعوة بصورة فردية وبصورة جماعية، قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: "المقصود أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن وإن كان ذلك واجبا على كل فرد من الأمة بحسبه". وأشار أبو حنيفة إلى ضرورة التجمع على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتوجيه الجهود الجماعية لتحقيق هذا المقصود. مهمة المسلم يقول البنا: إن مهمة المسلم الحق لخصها الله ﵎ في آية واحدة في كتابه، ورددها القرآن الكريم بعد ذلك في عدة آيات، فأما تلك الآية التي اشتملت على مهمة المسلم في الحياة فهي قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ

стр. 535

فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ [الحج: ٧٧ - ٧٨]. هذا كلام لا لبس فيه ولا غموض، والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإنه لواضح كالصبح ظاهر كالنور، يملأ الآذان، ويدخل على القلوب بغير استئذان، أفلم يسمعه المسلمون قبل الآن؟ أم سمعوه ولكن على قلوبهم أقفالاً لا تعي ولا تتدبر؟ يأمر الله المسلمين أن يركعوا ويسجدوا وأن يقيموا الصلاة التي هي لب العبادة وعمود الإسلام وأظهر مظاهره، وأن يعبدوا الله لا يشركون به شيئا، وأن يفعلوا الخير ما استطاعوا، وهو حين يأمرهم بفعل الخير ينهاهم بذلك عن الشر، وإن من أول الخير أن تترك الشر، فما أوجز وما أبلغ! ورتب لهم على ذلك النجاح والفلاح والفوز وتلك هي المهمة الفردية لكل مسلم التي يجب أن يقوم بها بنفسه في خلوة أو جماعة (١). نصيحة يقول البهي الخولي: اعلم أن مثل الداعية القوي المؤمن كمثل السيل المنحدر من شواهق الجبال .. فيه منه قوة الاندفاع، وفيه منه للناس سر الانتفاع، ولكن السيل لا يعجل إلى العقبات أو الهضاب فيمزقها، بل يدور حولها ويحيط بأطرافها، ويمضي إلى ما خلفها، ويتركها معزولة عما عداها، ثم يعلو ماؤه ويغزر فيضه، فيرتفع على جوانبها بالتدريج حتى يغطي قممها، ويخضع لسلطانه برءوسها الشامخة. فرسالتك أيها الداعية قد نزلت من الماء لا من الجبل، وأنت سر اندفاعها وانتفاع قلبها، وأنت الذي يجب أن تسبح بدعوتك في كل مكان، فإذا صادفتك عقبة من قانون عتيد، أو شخصية طاغية، فلا تعرض لها بغير ما يعرض لها السيل، ادعها بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا تقف عندها فذلك خرق وجهل، بل افعل ما يفعل السيل؛ در حولها، وامض في سبيلك إلى ما وراءها، وادع الناس إلى جانبك حتى تغدو منعزلة عما عداها، ويقنعها الواقع بقوة أمر الله، أو يغيبها الله عن النظار (٢).

стр. 536

الأعداء يخططون يقول المبشر تكلي: يجب أن نشجع إنشاء المدارس على النمط الغربي العلماني، لأن كثيرا من المسلمين قد زعزع اعتقادهم بالإسلام والقرآن حينما درسوا الكتب المدرسية الغربية، وتعلم اللغات الأجنبية. ويقول زويمر زعيم المبشرين النصارى: ما دام المسلمون ينفرون من المدارس المسيحية فلابد أن ننشيء لهم المدارس العلمانية، ونسهل التحاقهم بها، هذه المدارس التي تساعدنا على القضاء على الروح الإسلامية عند الطلاب (١). الفعل قبل القول يقول سيد قطب: الدعوة إلى البر والمخالفة عنه في سلوك الداعين إليه هي الآفة التي تصيب النفوس بالشك، لا في الدعاة وحدهم ولكن في الدعوات ذاتها، فهي التي تبلبل قلوب الناس وأفكارهم، لأنهم يسمعون قولا جميلا، ويشاهدون فعلا قبيحا، فتملكهم الحيرة بين القول والفعل، وتخبو في أرواحهم الشعلة التي توقدها العقيدة، وينطفيء في قلوبهم النور الذي يشعله الإيمان، ولا يعودون يثقون في الدين بعدما فقدوا ثقتهم برجال الدين (٢). يقول أبو العتاهية: يا واعظ الناس قد أصبحت متهما ... إذا عبت منهم أمورا أنت تأتيها تعيب دنيا وناسا راغبين لها ... وأنت أشد منهم رغبة فيها كالملبس الثوب من عري وعورته ... للناس بادية ما إن يواريها (٣) الرسول قدوة في الدعوة روى ابن إسحاق أن علي بن أبي طالب ﵁ جاء إلى النبي ﷺ بعد إسلام خديجة ﵂، فوجدهما يصليان، فقال علي: ما هذا يا محمد؟ فقال النبي: "دين الله الذي

стр. 537

اصطفاه لنفسه، وبعث به رسله، فأدعوك إلى الله وحده وإلى عبادته، وتكفر باللات والعزى". فقال له علي: هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم، فلست بقاض أمرا حتى أحدث أبا طالب، فكره رسول الله أن يفشي عليه سره، قبل أن يستعلن أمره، فقال له: "يا علي، إذا لم تسلم فاكتم"، فمكث عليّ تلك الليلة، ثم إن الله أوقع في قلب علي الإسلام، فأصبح غاديا إلى رسول الله، حتى جاءه فقال: ما عرضت علي يا محمد؟ فقال له رسول الله: "تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وتكفر باللات والعزى، وتبرأ من الأنداد"، ففعل علي وأسلم، ومكث علي يأتيه على خوف من أبي طالب، وكتم إسلامه، ولم يظهر به. وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة، وخرج معه علي بن أبي طالب، مستخفيا من أبيه أبي طالب، ومن جميع أعمامه وسائر قومه، يصليان الصلوات فيها، فإذا أمسيا رجعا، فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا، ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوما وهما يصليان، فقال لرسول الله: يا ابن أخي، ما هذا الدين الذي أراك تدين به؟ فقال: "أي عم، هذا دين الله ودين ملائكته ودين رسله ودين أبينا إبراهيم، بعثني الله رسولا إلى العباد وأنت يا عم أحق من بذلت له النصيحة، ودعوته إلى الهدى وأحق من أجابني وأعانني عليه"، فقال أبو طالب: يا ابن أخي، إني لا أستطيع أن أفارق دين آبائي وما كانوا عليه، ولكن والله لا يخلص إليك بشيء تكرهه ما بقيت (١). حب الخير للناس يقول الحاج أحمد أبو شادي: لعب الأخ إبراهيم دورا غاية في الذكاء .. دور المسلم الذي يتمنى الخير للناس جميعا، كيف وقد ذاق حلاوة الإيمان في ظل الجماعة أن يبخل على رفيق عمره بهذه المحنة؟ إنه يعلم مدى إتقاني لتلاوة القرآن الكريم وانتهزها فرصة ليصعد بي إلى المنصة، فأسر إلى الأخ المشرف على تنظيم الحفل بشيء، وبعدها انبعث صوت الميكروفون: القرآن الكريم من الأخ أحمد أبو شادي .. أخ .. وكانت مفاجأة .. إيه الورطة دي يا عم إبراهيم؟ فكلمة أخ كانت إذ ذاك ثقيلة على نفسي وسبحان الله بعد أن من الله علي بهذه الدعوة صارت هذه الكلمة وساما أفخر به ولا أود أن لي بها ألقاب سلاطين الدنيا .. ولم أر مفرا من الإذعان، وقمت متثاقلا واعتليت المنصة وشرعت في

стр. 538

تلاوة صدر سورة الأنفال وفيها ذكر غزوة بدر، حتى أتيت قول الله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦)﴾ [الأنفال: ٥ - ٦] وأحسست أنني من الفريق الكاره الذين ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الأنفال: ٦] (١). بائع أشرطة الفيديو: قصة يرويها صاحبها فيقول: أنا شاب أردني، قدمت إلى السعودية (تبوك) بحثا عن عمل، ولم أكن آنذاك مسلما حقيقيا، وإنما كنت مسلما بالوراثة كحال كثير من المسلمين في هذا الزمن العصيب. في البداية عملت في أحد المطاعم، ثم طلب مني صاحب المطعم أن أعمل في محل له لبيع أشرطة الفيديو، وما أدراك ما أشرطة الفيديو! وما فيها من الخلاعة والمجون، وفي إحدى الليالي، دخل علي شاب مشرق الوجه، بهي الطلعة، تبدو عليه علامات الصلاح والالتزام. وعجبا، ماذا يريد هذا الشاب؟ قلتها في نفسي. مد هذا الشاب يده وصافحني بحرارة، وقد علت محياه ابتسامة رائعة، تأسر القلب، وتزيل الوحشة، وتحطم الحواجز النفسية التي كثيرا ما تقف حائلا تمنع وصول الخير إلى من هم في أمس الحاجة إليه، ثم نصحني نصيحة موجزة، وحذرني من عاقبة مثل هذا العمل، وما يترتب عليه من إفساد للمجتمع، ونشر للرذيلة بين أفراده، وأن الله سيحاسبني على ذلك يوم القيامة، وبعد أن فرغ من حديثه، أهدى إلي شريطا عن "كرامات المجاهدين" .. كنت أسكن بمفردي، وأعاني من وحدة قاتلة، وقد مللت سماع الأغاني ومشاهدة الأفلام، فدفعني الفضول للاستماع لذلك الشريط .. وما إن انتهيت من سماعه حتى انتابني شعور بالخوف والندم، واكتشفت حقيقة حالي وغفلتي عن الله، وتقصيري تجاه خالقي سبحانه فانخرطت في البكاء، بكيت بكاء مرا كما يبكي الطفل الصغير من شدة الندم، لقد تحدث الشيخ عن كرامات المجاهدين وبطولاتهم وقد باعوا أنفسهم لله، وحملوا أرواحهم على أكفهم ليقدموها رخيصة في سبيل الله، فعقدت مقارنة بينهم وبين من ينشر الرذيلة والفساد، ويعيش كما تعيش البهائم لا هم له إلا إشباع شهواته البهيمية، الأدهى من ذلك أنني لم أركع لله ركعة واحدة منذ اثني عشر عاما مضت من عمري الحافل بالضياع

стр. 539

والمجون، لقد ولدت تلك الليلة من جديد، وأصبحت مخلوقا آخر لا صلة له بالمخلوق السابق، وأول شيء فكرت فيه: التخلص من العمل في ذلك المحل، والبحث عن عمل شريف يرضي الله ، ولكن، أأنجو بنفسي وأدع الناس في غيهم وضلالهم؟ فرأيت أن أعمل في محل الفيديو سنة أخرى ولكنها ليست كالسنوات السابقة، لقد كنت في تلك السنة أنصح كل من يرتاد المحل بخطورة هذه الأفلام، وأبين لهم حكم الله فيها، راجيا أن يغفر الله لي، ولم تمض الأيام حتى جاء شهر رمضان .. هذا الشهر الذي لم أشعر بحلاوته إلا في هذه السنة؛ فقد أقبلت على قراءة القرآن، أما العمل فقد كان بجوار محل الفيديو الذي كنت أعمل فيه، تلك تسجيلات لبيع الأشرطة الإسلامية وما إن مضت السنة الخامسة حتى انتقلت إلى تلك التسجيلات الإسلامية .. وشتان بين العملين .. أما صاحب المحل السابق محل الفيديو فقد قمنا بنصحه وتذكيره بالله ونحمد الله أنه استجاب وترك المحل لوجه الله (١). تفسير آية جلس الحسن البصري ذات يوم في مسجد البصرة الكبير يفسر قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] ثم وعظ الناس وعظا بليغا حتى أَبكاهم وكان من بينهم شاب يقال له عتبة، فقام وقال: أيها الشيخ، أيقبل الله تعالى الفاسق الفاجر مثلي إذا تاب؟ فقال الحسن: نعم يقبل توبتك عن فسقك وفجورك، فلما سمع الشاب ذلك صاح صيحة وخر مغشيا عليه، فلما أفاق دنا الحسن البصري منه وقال له: أيا شاب لرب العرش عاص ... أتدري ما جزاء ذوي المعاصي سعير للعصاة لها زفير ... وغيظ يوم يؤخذ بالنواصي فإن تصبر على النيران فاعصه ... وإلا كن عن العصيان قاصي وفيم قد كسبت من الخطايا ... رهنت النفس فاجهر في الخلاص

стр. 540

فخر الشاب مغشيا عليه، ثم أفاق، فسأله الحسن: هل يقبل الرب الرحيم توبة لئيم مثلي؟ فقال الحسن: هل يقبل توبة العبد الجافي إلا الرب المعافي؟ ثم رفع رأسه، ودعا له، فأصلح الله حال الشاب (١). أليس لها ثمن ؟ ذات يوم كان يسير عبد البديع صقر مع حسن البنا في سكة راتب باشا، فمال الإمام حسن البنا على تاجر البطيخ، وطلب واحدة وقال: كم تريد؟ فقال: خمسة عشر قرشا، فدفعها على الفور. فقال له: يا فضيلة الأستاذ .. هذا الرجل غشاش، إنها بعشرة قروش فقط. فنظر إليه مبتسما وقال: والدعوة .. أليس لها ثمن (٢). يقول عبد البديع صقر: إنه عندما كان يعمل معاونا في الدار، كانوا يدعون الناس لحفلة شاي، فيجتمع ما لا يقل عن مائة من الناس، ويقدمون لهم الشاي، ويقوم أحد الإخوان، مبينا أهمية الترابط والتآخي، فيخرج الجمع وقد تأثر بالدعوة عدد لا بأس به، والحفلة لم تتكلف أكثر من جنيه واحد، بفضل جهود وتعاون الإخوان (٣). تعرف على الآخرين قدم إلى الأستاذ البنا أكثر من مائة كارنيه بأسماء شباب الجوالة في إحدى المحافظات لتوقيعها، فراح يمعن النظر في صورة كل جوال ويحفظ اسمه، ولما توجه بعد أكثر من سنة لزيارة بعض قرى هذه المحافظة، كان يلتقي بالإخوان ويناديهم بأسمائهم، ولم يكن قد التقى بهم من قبل، فكان ذلك مثار دهشة الجميع (٤). هل تتعرف على كل من تلقاه حتى وإن لم يطلب منك ذلك؟ رجل الدعوة جاء أحد كبار ضباط السلطة يشكو للناظر من هذا المدرس (أحمد ياسين عندما كان

стр. 541

مدرسا للغة العربية والتربية الدينية) لأنه يجمع الأولاد في المسجد، وهو ما لم يتعود الناس عليه، فقال له الناظر: أنا سعيد جدا بهذا المدرس وسأقدم له كتاب شكر على ذلك، فأين لنا المدرس الذي يدرس الدين عمليا في المسجد؟ وحبذا لو كان في كل مدرسة في القطاع مدرس مثله! ولقد جاء طبيب للناظر وقال: يا عمي قبلنا أن يصلي الولد، وقبلنا أن يذهب للمسجد، أما أن يصوم اثنين وخميس من كل أسبوع فهذا أمر صعب ولا نقبل به. وكانت إجابة الناظر نفس الإجابة الأولى في الموقف السابق (١). وصايا غالية يقول البنا: آمنوا بالله واعتزوا بمعرفته والاعتماد عليه، والاستناد إليه، فلا تخافوا غيره ولا ترهبوا سواه، وأدوا فرائضه واجتنبوا نواهيه، وتخلقوا بالفضائل وتمسكوا بالكمالات، وكونوا أقوياء بأخلاقكم، أعزاء بما وهب الله لكم من عزة المؤمنين وكرامة الأتقياء الصالحين. وأقبلوا على القرآن تتدارسونه، وعلى السيرة المطهرة تتذاكرونها، وكونوا عمليين لا جدليين، فإذا هدى الله قوما ألهمهم العمل، وما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، وتحابوا فيما بينكم، واحرصوا كل الحرص على رابطتكم فهي سر قوتكم وعماد نجاحكم، واثبتوا حتى يفتح الله بينكم وبين قومكم بالحق وهو خير الفاتحين. واسمعوا وأطيعوا لقيادتكم في العسر واليسر والمنشط والمكره فهي رمز فكرتكم وحلقة الاتصال فيما بينكم، وترقبوا بعد ذلك نصر الله وتأييده، والفرصة آتية لا ريب فيها ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)﴾ [الروم: ٤ - ٥] (٢). فن الدعوة إلى الله ١ - البعد عن مواضع الخلافات: يتحدث المسلم إلى الناس في الأمور المتفق عليها حتى لا يتعرض للدخول في جدال

стр. 542

لا طائل تحته، واحذر فضول الكلام، حدث محمد بن سوقة جماعة من زواره قال: ألا أسمعكم حديثا لعله ينفعكم كما نفعني؟ قالوا: بلى، قال: نصحني عطاء بن أبي رباح ذات يوم قال: يا ابن أخي: إن الذين من قبلنا كانوا يكرهون فضول الكلام، فقلت: وما فضول الكلام عندهم؟ فقال: كانوا يعدون كل كلام فضولا ما عدا كتاب الله أن يقرأ ويفهم، وحديث رسول الله أن يروى، أو أمرا بمعروف ونهيا عن منكر، أو علما يتقرب به إلى الله، أو أن تتكلم بحاجتك ومعيشتك التي لابد لك منها، ثم حدق إلى وجهي وقال: أتنكرون ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١١] وأن مع كل منكم ملكين ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٧ - ١٨] ثم قال: أما يستحي أحدنا لو نشرت عليه صحيفته التي أملاها صدر نهاره، فوجد أكثر ما فيها ليس من أمر دينه، ولا أمر دنياه؟! (١) ٢ - البدء بالأهم: بعث النبي ﷺ معاذ بن جبل ﵁ إلى أهل اليمن، فقال له: إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عادة الله ، فإذا عرفوا الله، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم وتوقَّ كرائم أموالهم" (لا تأخذ أفضلها عندما تجمع زكاة أموالهم). [مسلم]. ٣ - الرفق: قال رسول الله ﷺ : "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يترع منه إلا شانه" [مسلم]. وروى عن عروة بن الزبير أنه رأى رجلا يصلي صلاة خفيفة، فلما فرغ من صلاته دعاه إليه وقال له: يا ابن أخي، أما كانت لك عند ربك جل وعز حاجة؟ والله إني لأسأل ربي في صلاتي كل شيء حتى الملح (٢).

стр. 543

٤ - مخاطبة الناس على قدر عقولهم: قال علي بن أبي طالب ﵁ حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذَّب الله ورسوله. علمني الحلاق: نفع الله بعلم عطاء بن أبي رباح طوائف كثيرة من الناس، منهم أهل العلم المتخصصون، ومنهم أرباب الصناعات المحترفون، ومنهم غير ذلك، حدث الإمام أبو حنيفة النعمان عن نفسه قال: أخطأت في خمسة أبواب من المناسك بمكة فعلمنيها حلاق؛ وذلك أني أردت أن أحلق لأخرج من الإحرام، فأتيت حلاقا، وقلت: بكم تحلق لي رأسي، فقال: هداك الله، النسك لا يشارط فيه، اجلس وأعط ما تيسر لك، فخجلت وجلست، غير أني جلست منحرفا عن القبلة، فأومأ إلي بأن أستقبل القبلة، ففعلت، وازددت خجلا على خجلي، ثم أعطيته رأسي من الجانب الأيسر ليحلقه، فقال: أدر شقك الأيمن، فأدرته، وجعل يحلق رأسي وأنا ساكت أنظر إليه وأعجب منه، فقال لي: ما لي أراك ساكتا؟ كبر، فجعلت أكبر حتى قمت لأذهب، فقال: أين تريد؟ فقلت: أريد أن أمضي إلى رحلي، فقال: صل ركعتين، ثم امض حيث تشاء، فصليت ركعتين، وقلت في نفسي: ما ينبغي أن يقع مثل هذا من حجام إلا إذا كان ذا علم. فقلت له: من أين لك ما أمرتني به من المناسك؟ فقال: لله أنت، لقد رأيت عطاء بن أبي رباح يفعله، فأخذته عنه، ووجه إليه الناس (١). ٥ - عدم اليأس: قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦]، روى أحمد عن رجل من بني مالك بن كنانة، قال: رأيت رسول الله بسوق المجاز يتخللها ولقول: "أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا"، قال: وأبو جهل يحثي عليه التراب، ويقول: لا يغوينكم هذا عن دينكم، فإنما يريد لتتركوا آلهتكم وتتركوا اللات والعزى، وما يلتفت إلى رسول الله.

стр. 544

حرص الرسول ﷺ على هداية عمه: روى البخاري عن سعيد بن المسيب، عن أبيه أنه أخبره: لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله، فوجد عنده أبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، قال رسول الله ﷺ لأبي طالب: "يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك عند الله"، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله يعرضها عليه، ويعودان بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله، فقال رسول الله: "أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك"، فأنزل الله فيه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]. [البخاري]. دعوة على فراش الموت: روى البخاري عن عمر بن ميمون قال: جاء شاب إلى عمر بعدما طعن، وعرف الناس أنه ميت، فقال له رجل: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك من صحبة رسول الله، وقدم في الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت ثم شهادة، فقال عمر: وددت أن ذلك كفاف، لا عليَّ ولا لي، فلما أدبر فإذا إزاره يمس الأرض، فقال: ردوا على الغلام، فقال: يا ابن أخي، ارفع ثوبك فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك. (البخاري). ٦ - التدرج: الدعوة تحتاج إلى تدرج، حتى يتمكن الآخرون من الاستجابة لها، فلا تكون الدعوة مباشرة وجامدة حتى لا تكون ثقيلة على القلوب فينفر منها، وقد تدرجت الشريعة الإسلامية في الدعوة إلى تحريم الخمر .. وقد نزل القرآن مفرقا، ولم ينزل جملة واحدة قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦]. ٧ - القدوة الحسنة: قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤].

стр. 545

وقال الشاعر يا أيها الرجل المعلم غيره ... هلاَّ لنفسك كان ذا التعليم ٨ - ابدأ بأهلك: حدث ميمون بن مهران وزير عمر بن عبد العزيز وقاضيه ومستشاره قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز، فوجدته يكتب رسالة إلى ابنه عبد الملك يعظه فيها وينصحه، ويبصره ويحذره، وينذره ويبشره، وكان مما جاء فيها قوله: أما بعد، فإن أحق من وعى عني وفهم قولي لأنت، وإن الله قد أحسن إلينا في صغير الأمور وكبيرها، فاذكر يا بني فضل الله عليك وعلى والديك، وإياك والكبر والعظمة، فإنها من عمل الشيطان، وهو للمؤمنين عدو مبين، واعلم أني لم أبعث إليك بكتابي هذا لأمر بلغني عنك، فما عرفت من أمرك إلا خيرا، غير أني بلغني عنك شيء من إعجابك بنفسك، ولو أن هذا الإعجاب خرج بك إلى ما أكره، لرأيت مني ما تكره. قال ميمون: ثم التفت إليَّ عمر وقال: يا ميمون، إن ابني عبد الملك قد زين في عيني، وإني أتهم نفسي في ذلك، وأخاف أن يكون حي له قد غلب علي علمي به وأدركني ما يدرك الآباء من العمى عن عيوب أولادهم، فسر إليه، وانظر هل ترى ما يشبه الكبر والفخر، فإنه غلام حدث، ولا آمن عليه الشيطان. قال ميمون: فشددت الرحال إلى عبد الملك حتى قدمت عليه فاستأذنت فدخلت، فإذا غلام في مقتبل العمر .. فرحب بي، ثم قال: لقد سمعت أبي يذكرك بما أنت أهل له من الخير، إني لأرجو أن ينفع الله بك. فقلت له: كيف تجد نفسك؟ فقال: بخير من الله ونعمة غير أني أخشى أن يكون قد غرني حسن ظن والدي بي، وأنا لم أبلغ من الفضائل كل ما يظن، وإني لأخاف أن يكون حبه لي قد غلبه على معرفته بي، فأكون آفة عليه. فعجبت من اتفاقهما، ثم قلت له: أعلمني من أين معيشتك؟ فقال: من غلة أرض اشتريتها ممن ورثها عن أبيه، ودفعت ثمنها من مال لا شبهة

стр. 546

فيه، فاستغنيت بذلك عن فيء المسلمين. قلت: فما طعامك؟ فقال: ليلة لحم، وليل عدس وزيت، وليلة خل وزيت، وفي هذا بلاغ. فقلت له: أفما تعجبك نفسك؟ فقال: قد كان في شيء من ذلك، فلما وعظني أبي بصرني بحقيقة نفسي، وصغرها عندي، وحط من قدرها في عيني، فنفعني الله بذلك، فجزاه الله من والد خيرا .. فقعدت ساعة أحدثه، وأستمتع بمنطقه، فلم أر فتى أجمل منه (١). ٩ - الإخلاص: لما بايع أهل العقبة رسول الله ﷺ ورجعوا إلى قومهم، فدعوهم إلى الإسلام سرا، وتلوا عليهم القرآن، وبعثوا إلى رسول الله معاذ بن عفراء ورافع بن مالك: أن ابعث إلينا رجلا من قبلك فليدع الناس بكتاب الله، فإنه قَمِنٌ أن يتبع، فبعث إليهم رسول الله مصعب بن عمير، فلم يزل يدعو آمنا ويهدي الله تعالى الناس على يديه، حتى قل دار من دور الأنصار إلا قد أسلم أشرافهم، فأسلم عمرو بن الجموح وكسرت أصنامهم، وكان المسلمون أعز أهل المدينة، فرجع مصعب إلى رسول الله وكان يدعي المقرئ. أمنية هذا أخ مؤذن يأسف ويحزن حزنا شديدا، إذ بلغه أن برج ساعة بيج بن الشهيرة في لندن قد مال وأنه مهدد بالانهيار، فلما سئل عن سر أسفه وحزنه قال: ما زلت أؤمل أن يعز الله المسلمين، ويفتحوا بريطانيا، وأصعد على هذا البرج كي أؤذن فوقه (٢). دعوة صادقة خرجت أخت مسلمة من بيتها وليس لها هم سوى أن يجعلها الله سببا لهداية من حولها، وفجأة وجدت فتاة تلبس "الاسترتش" فأشفقت عليها من النار، فتقدمت وقالت

стр. 547

لها بكل عطف ورحمة: إنني أستأذنك أن تأتي معي إلى الجنة، فاستجابت الفتاة وقالت: وأين هي الجنة؟ قالت: في بيت من بيوت الله، فاستجابت لها الفتاة ودخلت معها المسجد فوجدت أن الكل ينظر إليها نظرة عجيبة، فأشفقت عليها (هدى) وأسرعت إلى خارج المسجد واشترت لها حجابا، وقالت لها: البسي هذا الحجاب حتى لا ينظر إليك أحد، وبعد المحاضرة انزعيه إن شئت .. فقامت الفتاة وارتدت الحجاب لأول مرة، بل وأزالت المساحيق من على وجهها وتوضأت لأول مرة، وصلت المغرب واستمعت إلى الدرس (وكان عن وصف الجنة والنار) ثم صلت العشاء، ولما كان وقت الانصراف قالت لها هدى: الآن تستطيعين أن تنزعي الحجاب إن شئت، فقالت لها الفتاة: والله لقد ذقت حلاوة الإيمان فلن أخلع الحجاب أبدا ولن أترك الصلاة، بل سكون داعية إلى الله وسأجعل حياتي وقفا لله . وما هي إلا لحظات حتى خرجت من المسجد فصدمتها سيارة فماتت، وسالت الدماء الشريفة التي تحركت لدين الله واحترقت شوقا للقاء الله فرزقها الله حسن الخاتمة بعد أن كانت منذ ساعة واحدة ممن قال فيهن رسول الله: "صنفان من أهل النار لم أرهما ... "، وذكر منهما "ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها". [مسلم] (١). ١٠ - حب الدعوة: راحتي في الدعوة إلى الله تعالى: يقول الشيخ محمد إسماعيل حفظه الله: أعرف أخا يعيش في ألمانيا، أحسبه -والله حسيبه- مجتهدا في الدعوة إلى الله غاية الاجتهاد، حتى لا يكاد يذوق طعاما لراحة، وقد استحوذت الدعوة على كل كيانه، حتى أرهق نفسه، وشغل عن بيته وأهله وولده، فرأى إخوانه أن يمنح عطلة إجبارية، وذهبوا به بصحبة أسرته إلى منتجع ناء لا يعرفه فيه أحد، ولا يعرف فيه أحدا، كي يهنأ ببعض الراحة، وواعدوه أن يعودوا لإرجاعه بعد أيام، ولما رجعوا إليه وجدوه قد أسس جمعية إسلامية في هذا المكان قوامها بعض العمال المغاربة وغيرهم ممن انقطعت صلتهم بالدين،

стр. 548

ففتش عنهم في مظان وجودهم، ودعاهم إلى طاعة الله سبحانه، وألف بينهم، وأقاموا مسجدا كان فيما بعد منطلقا للدعوة إلى الله في تلك البلدة. إنها الحركة سر شيوع دعوة الإسلام المباركة في أرجاء الدنيا، ينطلق بها جنود لا يعلمهم إلا الله ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] (١). طرفة غالية ويلفتنا الأستاذ محمد أحمد الراشد إلى ميزان غريب نقيس به تلك الحركة الحياتية فيقول: وقد كنت في الأيام الخوالي ألاطف إخواني فأفتش عن أحذيتهم ليس على نظافتها، وصبغها، ورونقها، كالتفتيش العسكري، بل على استهلاكها، وتقطعها، والغبار الذي عليها، وأقلبها فأرى النعل، فمن كان أسفل حذائه متهرئا تالفا فهو الناجح، وأقول له: شاهدك معك، حذاؤك يشهد لك أنك تعمل، وتغدو في مصالح الدعوة وتروح، وتطبق قاعدة: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠] وبكثرة حركتك تلف حذاؤك، فأنت المجتاز المرضي عندي. قال صباح أحد زملائه: قد -والله- بعد عشرين سنة يأخذني تأنيب الضمير كلما رأيت حذائي لا غبار عليه، وأتذكر ذاك التفتيش. كلمتان خفيفتان على اللسان وها هو رجل بسيط لم يتعلم العلم الشرعي، ولكن قلبه قد امتلأ بحب الله والرغبة في نصرة دين الله، فحضر يوما درسًا لأحد الدعاة وفي أثناء الدرس قال الشيخ: قال رسول الله: "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم". [البخاري]. فتحرك قلب هذا الرجل البسيط لهذه الكلمات وخرج بعد انتهاء الدرس وقد عزم على أن يدعو إلى الله بهذا الحديث فبدأ يدخل على البقال ويقول له: "كلمتان خفيفتان على اللسان .. " ثم يدخل على الجزار .. إلى أن أصبح همه كله أن يعلم الناس جميعا هذا الحديث.

стр. 549

وفي يوم من الأيام يصاب هذا الرجل بمرض خطير .. ويدخل غرفة العمليات ليجري له الدكتور عملية جراحية خطيرة، وكان هذا الدكتور لا يصلي ولا يعرف طريق المسجد. وفجأة قام الرجل بعد إجراء العملية ولم يفق بعد من المخدر فقال: يا دكتور، فقال له الدكتور: هل تريد شيئا؟ فقال له الرجل: "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم" ثم مات الرجل. فتعجب الدكتور من هذا الرجل الذي قام وهو تحت تأثير المخدر ليقول له هذا الحديث العظيم. فتاب هذا الدكتور بسبب تلك الحادثة، وذهب ليطلب العلم الشرعي حتى أصبح الآن من الدعاة، وكل ذلك في ميزان هذا الرجل البسيط الذي لم يتعلم العلم الشرعي ولكنه أخلص في الدعوة إلى الله بحديث واحد تعلمه وذهب يدعو به الناس إلى الله تعالى. فيا ليت أهل العلم يتحركون لنصرة دين الله بدلا من أن يكون هذا العلم حجة عليهم يوم القيامة بين يدي الله تعالى (١). أكبر همه كانت الدعوة إلى الله أكبر هم الشيخ أحمد ياسين وشغله الشاغل، يقول أحد تلامذته: شاهدته مرة يودع أحد الطلاب الذين يدرسون في جامعات مصر، فبعد أن سلم عليه سأله الطالب إن كان يحتاج شيئا من مصر فيرسله له، شكره الشيخ وأوصاه بتقوى الله وقال له: نريد عملا جادا للإسلام، ونريد حركة دائبة لتغيير هذا الواقع المؤسف للأمة الإسلامية (٢). يدعو وهو مريض يقول أحمد عيد: دخلت عليَّ إحدى الممرضات، وأنا أصلي، وقد كنت في اللحظات الحرجة، أصلي نائما فوق السرير، فقالت بأعلى صوتها: أووه إنت موش

стр. 550

مسلم!! ولما فرغت من صلاتي، وقد كانت واقفة تتأملني وكان الوقت فجرا، وهي تنتظر حتى تقيس ضغط الدم وخلافه، فسألتها: لماذا قلت إنني لست مسلما؟ قالت: لأنك تصلي صلاة على غير ما تعودناه من المسلمين، فأفهمتها أن صلاتي الآن تقبل بهذه الكيفية، لأنني لا أستطيع الوقوف، فقالت: وغير ذلك فهناك أسباب أخرى كثيرة، فقد تعودنا منك أحسن المعاملة، وأجمل المشاعر، فكنت حديثنا دائما ونحن في سكننا، أما كنت ترى الكثير من الممرضات، اللاتي كن تحضرن لرؤيتك، وكنت تدعوهن جميعا إلى الدخول، وتصر على ذلك وتحرص على إعطائهن الحلوى والهدايا والورود، مما كان لديك، كنا دائما نتحدث كثيرا عنك حين نعود من عملنا. فعرفتها أنني مسلم، وأن أخلاق المسلمين هي أن أكون معكن، كما تذكرين. فقالت: ولكن الجميع معاملتهم ليست على طريقتك، وعلى كل حال، أريد أن تعرفني إسلامك، فسألتها ما ديانتك؟ فقالت: بوذية، ومنذ فترة أبحث عن الحقيقة وأريد الوصول إليها، حتى رأيتك، وكنت في انتظار أن تتحسن حالتك، وأتحدث معك فيما أريد، والآن حانت الفرصة وأطلب أن تحدثني عن الإسلام، وطلبت من زوجتي أن تحضر كتاب "مبادئ الإسلام بالإنجليزية للمودودي"، فأحضرت نسختين فأعطيتهما إياها وقبل أن تفرغ من قراءتها وتعرف شيئا عن الإسلام، طلبت من الأخ الفاضل الأستاذ كامل الهلباوي أن يحضر بعض المطبوعات عن الإسلام بالكورية، فأحضر لي مجموعات متكاملة بالكورية والإنجليزية وخلافه، من الندوة العالمية للشباب الإسلامي، فنظمت منها مجموعة وناولتها إلى الممرضة. وبعد أيام جاءتني وقالت: أريد أن أسلم، فماذا أفعل؟ ومعي تسع ممرضات كلهن قرأن ويردن الإسلام، وأطلب لهن كتابا من الكتب التي أعطيتني إياها، فكونت تسع مجموعات، وطلبت مجموعة عاشرة لترسلها إلى والدها في كوريا، فأحضرت لها ما أرادت، وكانت تحضر للتدارس معي بعض الأمور في كيفية الطهارة والصلاة، وكان مما قالت: الصلاة يقرأ فيها القرآن فما هو القرآن؟ فأشرت لها إلى المصحف، ثم أحضرت لها نسخة مترجمة بالإنجليزية، فأخذتها، وبعد عدة أيام قالت: لقد نسيت كل شيء حولي وانتقلت إلى عوالم أخرى لم أكن أدري عنها شيئا وأنا الآن أعيش فقط، مع القرآن، وطلبت نسخا منه للممرضات اللاتي أخذت مني لهن مجموعات الكتب، فأخبرتها بتعذر ذلك، فعادت

стр. 551

وطلبت نسخة لوالدها على الأقل، فأعطيتها إياها وأسلمت "كيم" وحسن إسلامها وانتظمت في الصلاة، وتلاوة القرآن وأخبرتني بإسلام زميلاتها كذلك وانتظامهن أيضا في الصلاة، وسط دهشة باقي الممرضات في سكنهن أيضا، فعرفتها بالانتظام وعدم المبالاة بما يلقين حتى يمكن الله لدينه (١). حال الجامعة كانت الجامعة في بداية عهدها خالية من الإعلان بمظاهر الإسلام، حتى الصلوات كانت تؤدي تحت الأرض وفي أماكن بالية وعلى استحياء، فقال الإمام لأحد الطلاب: أذن للظهر في مكان مرئي بأعلى صوتك، واصبر، ففعل الطالب، فدهش الطلاب والفراشون، والموظفون، وكانت إحدى العجائب، فصلى السنة، ثم أقام الصلاة وصلى وحده، والجموع حوله تتعجب، وفعل في اليوم التالي مثل ما فعل بالأمس، وبعد أيام قلائل زاد العدد واحدا بعد الآخر، وهكذا لما جاء الحق وصمد زهق الباطل وفر (٢). شبهات وردود ١ - أنه غير مكلف لأنها وظيفة العلماء فقصد: يقول الرازي في قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٠٤] أن "من" ها هنا ليست للتبعيض لدليلين: الأول أن الله أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل الأمة. والثاني أنه لا مكلف إلا ويجب عليه الأمر بقول الرسول: "من رأى منكم منكرا فليغيره" وأنها للتبيين كقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠]. ٢ - من شروط الدعوة العلم: ولكن العلم يتجزأ، فالإنسان عالم بشيء وجاهل بشيء آخر؛ ولذا يتوافر شرط وجوب الدعوة إلى ما علمه. ٣ - فهم خاطيء: وهم تسرب إلى البعض في زمن الصديق فخطب فيهم: يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ

стр. 552

ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه يوشك أن يعمهم بعقاب". ٤ - انتشار الباطل: وقد حصلت هذه الشبهة لأقوام سالفين قص الله لنا من أخبارهم: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥)﴾ [الأعراف: ١٦٤ - ١٦٥]. والآية الكريمة تشير إلى أن أهل القرية صاروا ثلاث فرق: فرقة ارتكبت المعاصي، وفرقة أنكرت عليهم ووعظتهم، وفرقة سكتت عنهم فلم تفعل ولم تنته. ٥ - لا يكلف الله نفسا إلا وسعها: يتعلل البعض بأن الدعوة إلى الله تسبب له تعبا لا يستطيع تحمله، وهذه حجة الضعفاء رقيقي الدين، فالتعب ينال العبد في حصوله على ربح مادي، فأولى بهم أن يتحملوا شيئا من التعب في الدعوة إلى الله ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤] وقد جاء أن أبا سفيان ومن معه من المشركين عزموا على الخروج إلى المدينة من غزوة أحد، فأمر الرسول ﷺ بلالا أن ينادي أن رسول الله يأمركم بطلب عدوكم ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال أمس. فخرج سعد بن معاذ من داره يأمر قومه بالمسير وكلهم جرحى. وخرج أسيد بن حضير وبه سبع جراحات، وقال: سمعا وطاعة لرسول الله ﷺ . وخرج من بني سلمة أربعون جريحا، وخرج الطفيل بن عمرو وبه ثلاثة عشر جرحا، وبالحارث بن الصمة عشر جراحات، فقال الرسول: "اللهم ارحم بني سلمة". ٦ - ليس عندي وقت: الدعوة ليس لها وقت محدد بل في كل الأوقات كقول نوح: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥)﴾ [نوح: ٥]. وكما فعل النبي ﷺ في طريق الهجرة؛ إذ لقى في الطريق بريدة بن الحصيب الأسلمي في ركب من قومه فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا .. ويوسف عندما دخل السجن لم يشغله سجنه عن الدعوة إلى الله: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩].

стр. 553

٧ - البعض يترك الدعوة لعدم استجابة الناس: المطلوب الدعوة وليس الاستجابة ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [العنكبوت: ١٨] يمدح الله نبيه إسماعيل بقوله: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ﴾ [مريم: ٥٥] وهو غير مكلف باستجابة الآخرين. يجب استمرار الدعوة وإن لم يستجب أحد .. نوح لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما. يقول الإمام النووي: لا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه، بل يجب عليه فعله فإن الذكرى تنفع المؤمنين. ويقول السيوطي: وجوب الاستمرار على الدعوة إلى الله وحرمة اليأس، واحتمال الإجابة، لأن الأمور بيد الله وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فلا يستطيع الداعي أن يقطع بعدم إجابة فيجب عليه الاستمرار بالدعوة والوعظ في الإرشاد حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا. أجر الداعي على الله لا على العباد، قال رسول الله ﷺ :" الدال على الخير كفاعله". مسلم. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢]. وقال رسول الله ﷺ : "لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم". [البخاري]. وقال أيضا: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجوره شيئا". [مسلم] (١). وقال أيضا:"من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا". [مسلم]. لما أسري برسول الله ﷺ جعل يمر بالنبي والنبيين ومعهم القوم، والنبي والنبيين ومعهم الرهط، والنبي والنبيين وليس معهم أحد.

стр. 554

يقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]. ويقول سيد قطب: إن أمر القلوب وهداها وضلالها ليس من شأن أحد من خلق الله، ولو كان هو رسول الله ﷺ إنه من أمر الله وحده. فهذه القلوب من صنعه، ولا يحكمها غيره، ولا يصرفها سواه، ولا سلطان لأحد عليها إلا الله، وما على الرسول إلا البلاغ. فأما الهدي فهو بيد الله، يعطيه من يشاء ممن يعلم سبحانه أنه يستحق الهدى، ويسعى إليه، وإخراج هذا الأمر من اختصاص البشر يقرر الحقيقة التي لابد أن تستقر في حس المسلم ليتوجه في طلب الهدى إلى الله وحده، وليتلقى دلائل الهدى من الله وحده، ثم هي تفسح في احتمال صاحب الدعوة لعناد الضالين، فلا يضيق صدره بهم وهو يدعوهم، وبعطف عليهم، ويرتقب إذن الله لقلوبهم في الهدى وتوفيقهم إليه بمعرفته حين يريد (١). ويقول الراشد: يا من اعتزل بزهده مع جهله، تقدم واسمع ما أقول، يا زهاد الأرض تقدموا، خربوا صوامعكم، واقربوا مني، قد قعدتم في خلوتكم من غير أصل، ما وقعتم بشيء، تقدموا، خرب صومعتك أيها الهارب الذي ترزح تحت نير الأفكار الأرضية وآراء طواغيت القرن العشرين، وخذ مكانك في صفوف دعاة دعوة الإسلام (٢). ...

стр. 555

الفهم الإسلام دين شامل ولا يحبذ عزل الجانب الاجتماعي عن الأخلاقي عن التعبدي، فالمجتمع الذي تجد فيه تضخم الجانب التعبدي على الجانب الأخلاقي فتلك آفة العصر لا آفة الدين، إن الدين الإسلامي ليس بعقيدة فحسب ولكنه برنامج تفصيلي لحياة الإنسان كلها، فإن بترت الرجلين واليدين من جسم رجل وقلعت عينيه وقطعت أذنيه ولسانه واستخرجت معدته وكليته ونزعت رئتيه، وأخرجت المخ وأبقيت على القلب فهل سيمكن لهذا الجزء الباقي من الجسم أن يحيا وينبض؟! وهكذا الحال مع الإسلام فالعقيدة منه بمنزلة القلب، والعبادات أعضاؤه وجوارحه، ونظم الإسلام الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بمنزلة المعدة والكلية. الحرب على الإسلام والمسلمين مستمرة، وباتت ثمرتهم قريبة المنال بعد أن أغرقوا الشعوب الإسلامية في مستنقع الجهل، وتفسخت الأخلاق، وتلاشت القيم، ونسي الله، وهم يعملون ليل نهار على تشويه صورة الإسلام، وتقديم مفاهيم خاطئة عن الإسلام والمسلمين، مما أثر على بعض المسلمين في فهمهم لدينهم، فأخذوا يعبدون الله على جهل أو خطأ؛ ومن هنا كانت أهمية فهم الإسلام فهمًا شاملاً لكل نواحي الحياة، وأهمية فهم فقه الأولويات وترتيب الأعمال في الإسلام، حتى لا نهتم بالسنن على حساب الواجبات، ولا بالنوافل مع إهمال الفروض. صحابة رسول الله ﷺ يتركون دفن الرسول ﷺ -وكلنا يعرف مكانته في قلوبهم- من أجل اختيار خليفة للمسلمين؛ لأنهم تربوا في مدرسة النبوة على كيفية ترتيب أولوياتهم، فوجود المسلمين بدون خليفة أخطر على الإسلام من تأخير دفن الرسول، فلما انتهوا من اختيار أبي بكر خليفة للمسلمين سارعوا بدفن الرسول دون أن يخرج من بينهم صوت يندد بفعلتهم، فالكل يفهم الإسلام جيدًا، ويعرف سلم الأولويات وترتيب الدرجات معرفة صحيحة (١).

стр. 556

القرآن يصحح المفاهيم قال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾ [التوبة: ١٩ - ٢٢]. وعن النعمان بن بشير الأنصاري ﵁ قال: كنت عند منبر رسول الله ﷺ مع نفر من أصحابه فقال رجل منهم: ما أبالي ألا أعمل لله عملاً بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج. وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام. وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم، فزجرهم عمر بن الخطاب ﵁، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله، وذلك يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله فاستفتيته فيما اختلفتم فيه، قال: ففعل فأنزل الله : ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ ... ﴾ [التوبة: ١٩] الآية. فهم خاطيء يقول ابن كثير: حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى فرقه فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب الأنصاري: نحن أعلم بهذه الآية إنما نزلت فينا؛ صحبنا رسول الله وشهدنا معه المشاهد، ونصرناه، فلما فشا الإسلام وظهر اجتمعنا معشر الأنصار تحببًا فقلنا: قد أكرمنا الله بصحبة نبيه ونصره حتى فشا الإسلام وكثر أهله وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقيم فيهما فنزل فينا: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، فكانت الهلكة في الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد. [رواه الترمذي]. فهم الرسول يوم أن بعث الرسول ﷺ كانت مئات الأصنام صفوفًا داخل الكعبة وحولها، لم

стр. 557

يهدمها الرسول إلا في العام الحادي والعشرين من البعثة أي قبل وفاته بعامين، فلقد حرص الرسول أن يهدم الأصنام الموجودة داخل النفس البشرية قبل تحطيم الأصنام التي كانت في جوف الكعبة وعلى سطحها، بل إنه ﷺ طاف وأصحابه حول الكعبة في عمرة القضاء والأصنام لا تزال موجودة داخل وحول الكعبة (١). صلاة الجمعة فرضت في العهد المكي ولكن الرسول لم يجمع بالمسلمين في مكة وذلك مخافة بطش المشركين بهم، وفي الوقت نفسه جمع أسعد بن زرارة بالمسلمين في المدينة قبل قدومه. يقول الإمام القرطبي: قال ابن سيرين: جمع أهل المدينة من قبل أن يقدم النبي المدينة، وقبل أن تنزل الجمعة وهم الذين سموها الجمعة .. فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم فسموه يوم الجمعة حين اجتمعوا فذبح لهم أسعد شاة فتعشوا وتغدوا منها لقلتهم، فهذه أول جمعة في الإسلام (٢). فهم الأولويات في صلح الحديبية أرسل المشركون سهيل بن عمرو ممثلاً عنهم ليكتب بينهم وبين المسلمين كتابًا بالصلح، فلما جلس إلى رسول الله ﷺ قال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابًا، فدعا النبي الكاتب وكان الكاتب عليًا ﵁ فيما رواه مسلم فقال النبي ﷺ : "اكتب: باسمك اللهم"، ثم قال: "هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله"، فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد ابن عبد الله، فقال رسول الله: "والله إني لرسول الله وإن كذبتموني. اكتب: محمد بن عبد الله"، وفي رواية لمسلم فأمر عليًا أن يمحوها، فقال علي: لا والله لا أمحوها، فقال رسول الله: "أرني مكانها" فمحاها، فقال له النبي: "على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف فيه"، فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة ولكن ذلك من العام القادم. وليس مع المسلمين إلا السيوف في قرابها فقال سهيل: وعلى ألا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، ومن جاء منكم لم نرده عليكم، فقال المسلمون: سبحان الله! كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟ والتفتوا إلى رسول الله يسألونه:

стр. 558

أنكتب هذا يا رسول الله؟ قال: "نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله ومن جاءنا منهم فسيجعل الله له فرجًا وخرجًا" رواه مسلم. وفي الصحيحين أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: فأتيت النبي ﷺ فقلت: ألست نبي الله حقًا؟ قال: "بلى"، قلت: ألست على حق وعدونا على باطل؟ قال: "بلى"، قلت: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: "بلى"، قلت: ففيم نعطي الدنية في ديننا إذن؟! قال: "إني رسول الله ولست، أعصيه وهو ناصري"، قلت: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف فيه؟ قال: "بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟ " قلت: لا. قال: "فإنك آتيه ومطوف به"، فلم يصبر عمر بن الخطاب حتى أتى أبا بكر فسأله مثل ما سأل النبي فقال له: يا ابن الخطاب، إنه رسول الله ولن يعصي ربه ولن يضيعه الله أبدًا .. فما هو إلا أن نزلت سورة الفتح على رسول الله فأرسل إلى عمر فأقرأه إياها، فقال: يا رسول الله أوفتح هو؟ قال: "نعم"، فطابت نفسه [البخاري ومسلم]. لقد كانت بنود الصلح في ظاهرها، وكما ينظر الإنسان بعقله القاصر كأنها في مصلحة المشركين، ولا تحقق مصلحة للمسلمين، ولكنها في حقيقتها وآثارها كانت في مصلحة المسلمين، يقول سيد قطب: كان فتحًا في الدعوة، يقول الزهري: فما فتحٌ في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة، ووضعت الحرب، وأمن الناس بعضهم بعضًا، والتقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة، ولم يكلم أحد في الاسلام يعقل شيئًا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تلك السنين (بين صلح الحديبية وفتح مكة)، مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر. قال ابن هشام: والدليل على قول الزهري أن رسول الله خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة في قول جابر بن عبد الله، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف، وكان ممن أسلم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص. وكان فتحًا في الأرض، فقد أمن المسلمون شر قريش، فاتجه رسول الله إلى تخليص الجزيرة من بقايا الخطر اليهودي بعد التخلص من بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة وكان هذا الخطر يتمثل في حصون خيبر القوية التي تهدد طريق الشام، وقد فتحها الله على المسلمين، وغنموا منها غنائم ضخمة جعلها الرسول فيمن حضر الحديبية دون سواهم. وكان فتحًا في الموقف بين المسلمين في المدينة وقريش في مكة وسائر المشركين حولها،

стр. 559

فلقد اعترفت قريش بالنبي والإسلام وقوتهما وكيانهما، واعتبرت النبي والمسلمين أندادًا لها، بل دفعتهم عنها بالتي هي أحسن (١). أولوية الأعمال قد يكون العمل المعين أفضل منه في حق غيره. فالغنى الذي بلغ له مال كثير ونفسه لا تسمح ببذل شيء منه فصدقته وإيثاره أفضل له من قيام الليل وصيام النهار نافلة. والشجاع الشديد الذي يهاب العدو سطوته، وقوفه في الصف ساعة وجهاده أعداء الله أفضل من الحج والصوم والصدقة والتطوع. والعالم الذي قد عرف السنة والحلال والحرام وطرق الخير والشر مخالطته للناس وتعليمهم ونصحهم في دينهم أفضل من اعتزاله وتفريغ وقته للصلاة وقراءة القرآن والتسبيح. وولي الأمر الذي قد نصبه الله للحكم بين عباده جلوسه ساعة للنظر في المظالم وإنصاف المظلوم من الظالم وإقامة الحدود ونصر المحق وقمع المبطل، أفضل من عبادة سنين من غيره. ومن غلبت عليه شهوة النساء فصومه أنفع وأفضل من ذكر غيره وصدقته. وتأمل تولية النبي لعمرو بن العاص وخالد بن الوليد وغيرهما من أمرائه وعماله وترك تولية أبي ذر بل قال له: "إني أراك ضعيفًا وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تؤمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم" وأمره وغيره بالصيام وقال: "عليك بالصوم فإنه لا عدل له" رواه أحمد، وأمر آخر بأن "لا تغضب" وأمر ثالثًا "بأن لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله". ومتى أراد الله بالعبد كمالاً وفقه لاستفراغ وسعه فيما هو مستعد له كالمريض الذي يشكو وجع البطن مثلاً إذا استعمل دواء ذلك الداء انتفع به وإذا استعمل دواء وجع الرأس لم يصادف داءه، فالشح المطاع مثلاً من المهلكات ولا يزيله صيام مائة عام ولا قيام ليلها وكذلك داء اتباع الهوى والإعجاب بالنفس لا يلائمه كثرة قراءة القرآن واستفراغ الوسع

стр. 560

في العلم والذكر والزهد وإنما يزيله إخراجه من القلب بضده، ولو قيل أيهما أفضل: الخبز أم الماء؟ لكان الجواب: أن هذا في موضعه أفضل، وهذا في موضعه أفضل (١). رجل يفهم رسالته سأل صحفي الإمام الشهيد حسن البنا عن نفسه، وطلب منه أن يوضح بنفسه عن شخصيته للناس فقال ﵀: أنا سائح يطلب الحقيقة، وإنسان يبحث عن مدلول الإنسانية بين الناس، ومواطن ينشد لوطنه الكرامة والحرية والاستقرار والحياة الطيبة في ظل الإسلام الحنيف. أنا متجرد أدرك سر وجوده، فنادى: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، هذا أنا فمن أنت؟ (٢). فهم مشقات الطريق يقول حسن البنا: في صباح يوم من الأيام وأنا في طريقي إلى الفصل لإلقاء الدرس الأول أو الثاني رأيت ناظر المدرسة -وكان إذ ذاك "الأستاذ أحمد عبد الهادي سابق"- على باب حجرته ينظر إليَّ نظرات فيها غرابة فدلفت إليه وقلت: السلام عليكم ورحمة الله. فابتسم وقال: وعليكم السلام، في لهجة فهمت أن وراءها شيئًا فقلت: خيرًا إن شاء الله. فقال: خير خير. فقلت: إيه الحكاية؟ لازم فيه حاجة. فقال: حاجة!! محكمة الجنايات يا أستاذ حسن .. محكمة الجنايات يا حبيبي وكلنا كده إن شاء الله بربطة المعلم. فقلت: .. لماذا؟ فقال: عريضة من رئيس الوزراء إلى وزير المعارف تقول إنك شيوعي ضد النظام القائم وضد الملك وضد الدنيا كلها.

стр. 561

فقلت: بس كده؟!! الحمد لله رب العالمين والله يا بك إذا كنا برآء فاسمع قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج: ٣٨] وإذا كنا نخدع الناس بهذا الجهاد في سبيله وهذه الدعوة إلى دينه فإن محكمة الجنايات وجهنم قليل على الذين يخدعون الناس عن الدنيا بلباس الدين، فلا تهتم ودعها لله وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، أقسم لك أنه لن يكون إلا الخير، عن إذنك فقد مضى بعض وقت الحصة وهذه مخالفة لا أحبها، وتركت الرجل في مكانه مستغربًا هذه الردود، وانصرفت إلى الدرس وكلي ثقة وطمأنينة بأن هذا عبث أطفال ولن ينتهي إلا إلى النتيجة المحتومة لمثله: إهمال ونسيان (١). دعوتنا لكل الناس زار الإمام الشهيد البنا محافظة سوهاج، وبعد انتهاء المؤتمر دعي إلى مائدة، وجلس بجوار أحد الإخوة، وكان هذا الأخ يتمنى أن تتاح له هذه الفرصة ليهمس في أذن الإمام الشهيد بأمر مهم، فقال له: يا أستاذ، إن الدعوات لا تقاس بالكم وإنما بالكيف، فماذا لو وضعنا ضوابط للذين يريدون الانتساب، كأن نحدد لهم قدرًا من الثقافة الإسلامية يدرسونه، ويظلون زمنًا في إطار الانتساب وتحت الاختبار، ثم ينقل الصالح منهم إلى العضوية العاملة؟ فابتسم الإمام الشهيد، وقال: يا فلان، هل تريدون مني ما لم يرده الله من أنبيائه ورسله وهم صفوة خلقه؟! إننا دعوة لكل الناس وليست لفئة محدودة، يتربى فيها كل من يريد أن يخدم الإسلام مهما كانت مكانته وثقافته .. وكل ميسر لما خلق له، ومن يدري فلعل هذه الدعوة تواجه محنًا عاتية، تعدون فيها الرجال على الأصابع .. وجاءت المحن العاصفة، وثبت كثير من الذين كنا نحسبهم بسطاء في مكانتهم وثقافتهم. ولكنهم تخلقوا بمقومات الرجولة فصدقوا ما عاهدوا الله عليه، وسقط آخرون من أصحاب الثقافة الواسعة، والشخصيات اللامعة، ولله في خلقه شئون. ابحثوا عن لافتة أخرى عندما ثارت فتنة التكفير إثر محنة ١٩٦٥ م انزلق العديد من السجناء في هذا المنعطف تحت وطأة التعذيب الوحشي والاضطهاد للدعوة الإسلامية وغيرها من الأسباب.

стр. 562

حينئذ بادر الأستاذ الهضيبي وعلماء الإخوان لإخماد الفتنة، وكانت مناقشات ومحاضرات .. فرجع الكثير عن هذا الفكر، ولم يبق إلا قلة شاذة، وجددت البيعة .. فقال بعض الشواذ: نبايع على كل شيء في الجماعة ما عدا (مسألة التكفير) فتترك للاجتهاد الشخصي، فأجاب الأستاذ بحسم: بل كل شيء حتى مسألة التكفير. ومن لم يبايع فليبحث له عن لافتة أخرى غير الإخوان المسلمين (١)، الدين الحنيف لا يوجد فيه عنف ولا قسوة، ومن اختل فهمه للإسلام انحرف عن طريق الجادة. نعمة كبيرة يقول البنا: اذكروا جيدًا أن الله قد منَّ عليكم، ففهمتم الإسلام فهما نقيًا صافيًا، سهلاً شاملاً، كافيًا وافيًا، يساير العصور ويفي بحاجات الأمم، ويجلب السعادة للناس، بعيدًا عن جمود الجامدين وتحلل الإباحيين وتعقيد المتفلسفين، لا غلو فيه ولا تفريط، مستمدًا من كتاب الله وسنة رسوله وسيرة السلف الصالحين استمدادًا منطقيًا منصفًا، بقلب المؤمن الصادق، وعقل الرياضي الدقيق، وعرفتموه على وجهه: عقيدة وعبادة، ووطن وجنس، وقلب ومادة، وسماحة وقوة، وثقافة وقانون، واعتقدتموه على حقيقته: دين ودولة، وحكومة وأمة، ومصحف وسيف، وخلافة من الله للمسلمين في أمم الأرض أجمعين. ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. تربية واعية عن ابن عباس قال: أسرت الروم عبد الله بن حذافة السهمي فقال له الطاغية: تنصر وإلا ألقيتك في البقرة -لبقرة من نحماس-. قال: ما أفعل .. فدعا بالبقرة النحاس فملئت زيتًا وغليت ودعا برجل من أسرى المسلمين فعرض عليه النصرانية، فأبى فألقاه في البقرة فإذا عظامه تلوح، وقال لعبد الله: تنصر وإلا ألقيتك. قال: ما أفعل، فأمر به أن يلقى في البقرة فبكى، فقالوا: قد جزع، قد بكى. قال: ردوه، قال: لا ترى أني بكيت جزعًا مما تريد أن تصنع بي ولكني بكيت حيث

стр. 563

ليس لي إلا نفس واحدة يفعل بها هذا في الله، كنت أحب أن يكون لي من الأنفس عدد كل شعرة في، ثم تسلط علي فتفعل بي هذا. قال: فأعجب منه وأحب أن يطلقه، فقال: قبل رأسي وأطلقك. قال: ما أفعل، قال: تنصر وأزوجك بنتي وأقاسمك ملكي. قال: ما أفعل، قال: قبل رأسي وأطلقك وأطلق معك ثمانين من المسلمين. قال: أما هذه فنعم، فقبل رأسه وأطلق معه ثمانين من المسلمين، فلما قدموا على عمر بن الخطاب قام إليه عمر فقبل رأسه، قال: فكان أصحاب رسول الله يمازحون عبد الله فيقولون: قبلت رأس علج، فيقول لهم: أطلق الله بتلك القبلة ثمانين من المسلمين (١). تأخير الصلاة بعذر عند فتح مدينة تستر ببلاد الفرس حاصر صحابة رسول الله ومن معهم من جموع المسلمين المدينة أشهرًا، وشددوا الحصار، وأشرقت نذر الاقتحام والنصر، وأصبحت الفرصة مواتية للظفر قبل الفجر، إلا أنهم لو أقدموا على اقتناصها لفاتتهم صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، فكان اجتهاد الصحابة أن يقتنصوا الفرصة، واقتحموا الحصن، وفتحت تستر -بفضل الله ورحمته- لتصبح إحدى قلاع الإسلام، ومدائنه الشهيرة في آسيا، وصلى المسلمون الصبح يومها بعد أن طلعت الشمس وأشرقت الأرض بنور ربها (٢). وقد ذكر البخاري هذه الواقعة في (باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو). قال أنس: حضرت عند مناهضة حصن تستر عند إضاءة الفجر واشتد اشتعال القتال فلم يقدروا على الصلاة، فلم نصل إلا بعد ارتفاع النهار، فصلينا ونحن مع أبي موسى، ففتح لنا، وقال أنس: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها. الإسلام والأديان المعاصرة يقول الدكتور زغلول النجار: في مطلع الخمسينيات -وكنت لا أزال شابًا وقتها-

стр. 564

وكنت في بريطانيا؛ للحصول على الدكتوراه، فدعيت إلى محاضرة عن "الإسلام والأديان المعاصرة" وكانت في مقر اتحاد للطلبة هناك، كانوا يلتقون ليلة الجمعة من كل أسبوع في حوار مفتوح على أي قضية من القضايا، فسمعوا أن هناك شابًا مسلمًا قد أتى للحصول على الدكتوراه، فدعوني لهذه المحاضرة، وبعد أن تحدثت عن الإسلام وعلاقته بالأديان الأخرى، قامت رئيسة ذلك النادي، وقالت: يا سيدي، يبدو أن مستوى دراستك في الأديان أعلى من مستوانا جميعًا، لذلك فنحن لن نستطيع مناقشتك، فهل لديك مانع في تأجيل الحوار للأسبوع القادم، حتى نتمكن من دعوة أحد القساوسة الكاثوليك، الذي قد عاش في الشرق لسنوات طويلة، وله معرفة جيدة باللغة العربية، حتى يكون الحوار به شيء من التكافؤ؟ فقبلت ذلك، وتم تأجيل الحوار للأسبوع التالي، وذهبت إلى هناك في الأسبوع التالي، وقابلت ذلك الرجل، فإذا برجل قد جاوز الستين من عمره، وقد عاش فترة طويلة في مصر والعراق وليبيا وكثير من الدول العربية. وبدأ الحوار بيننا، والذي استمر أكثر من ساعة ونصف، قامت بعدها المرأة أيضًا قائلة له: يا سيدي يبدو أن هذا الشاب أكثر تمكنًا منك في قضية الأديان، لذلك فأنا أعتذر اليوم مرة أخرى، وأدعو لاستمرار الحوار في الأسبوع القادم وأقوم بدعوة "البيشوب" -وهو رئيس الكنيسة في منطقة مجاورة-. وأتى هذا الرجل في الأسبوع التالي، وقامت المدينة باحتفال كبير لاستقباله، حضره الكثير من رجال الصحافة والإذاعة والتليفزيون، ثم التقيت به في حوار طال أكثر من ساعة، قامت بعدها هذه السيدة قائلة: لقد مارست الكاثوليكية مدة خمسة وعشرين عامًا، ولكنني أعترف أمام الجميع أنني ما شعرت يومًا بمعنى الألوهية كما يشعر بها هذا الشاب، ثم تركت القاعة وخرجت، ثم علمت بعد ذلك أنها أسلمت، وحسن إسلامها، وأبلت بلاء حسنًا في الدعوة إلى الله في بريطانيا (١). هذا ما دفع بعض قياداتهم -وهو أحد العلماء الأمريكيين- يوم وقف أمام جمع من المسلمين قائلاً: يا أيها المسلمون، إنكم لن تستطيعوا أن تسايروا الغرب تقنيًا ولا علميًا ولا اقتصاديًا ولا سياسيًا ولا عسكريًا، ولكنكم تستطيعون أن تجعلوا هذا

стр. 565

الغرب المتجبر المتعالي يجثو على ركبه أمامكم في الإسلام، ثم يضيف قائلاً: أعطوني أربعين شابًا ممن يحسنون فهم هذا الدين فهمًا دقيقًا، ويحسنون تطبيقه على أنفسهم تطبيقًا دقيقًا، ويحسنون عرضه على الناس بلغة العصر، وأنا أكفل لكم أن أفتح لهم الأمريكتين. حقًا -والله الذي لا إله غيره- فهذا هو السلاح الوحيد الذي بقى بأيدينا الآن، أن نفهم الإسلام، ونطبقه على أنفسنا، ثم نقوم بعرضه على الناس (١). فهم رائع ومن المواقف الرائعة في التاريخ الإسلامي التي تبين -بما لا يدع مجالاً للشك- أهمية فهم المسلمين لدينهم فهمًا صحيحًا، وأنه قد تضطرهم الظروف فيتركون واجبًا في سبيل تحقيق واجب أهم منه، ما حدث للمسلمين في بيروت عندما أرادوا أن يستنقذوا إخوانهم المحاصرين في عكا من قبل الصليبيين فحلقوا لحاهم وتزيوا بزي الصليبيين وعلقوا الصلبان ووضعوا الخنازير على سطح السفينة التي تحمل الطعام لإخوانهم المحاصرين واستطاعوا أن يخدعوا الصليبيين وأن يمروا من بينهم دون أن يشكوا في أمرهم (٢). هكذا كان عبد الله بن المبارك خرج عبد الله بن المبارك إلى الحج، فاجتاز بعض البلاد فمات طائر معهم، فأمر بإلقائه على المزبلة، فخرجت جارية من دار قريته، فأخذت الطائر الميت، ولفته، وأسرعت به إلى الدار، فلما سألها: لم أخذت الميتة؟ قالت إنها وأخاها فقيران لا يجدان شيئًا، ولا يعلم بهما أحد. فأمر ابن المبارك برد الأحمال، وقال لوكيله: كم معك من النفقة؟ قال: ألف دينار، قال: أبق منها عشرين دينارًا، وأعط باقي الألف إلى الجارية، وعد بنا إلى مرو، فهذا أفضل من حجنا هذا العام، ورجع ولم يحج (٣).
следующие страницы →