← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96918

موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق

ياسر عبد الرحمن

Полный текст (763 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

فقلت: بس كده؟!! الحمد لله رب العالمين والله يا بك إذا كنا برآء فاسمع قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج: ٣٨] وإذا كنا نخدع الناس بهذا الجهاد في سبيله وهذه الدعوة إلى دينه فإن محكمة الجنايات وجهنم قليل على الذين يخدعون الناس عن الدنيا بلباس الدين، فلا تهتم ودعها لله وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، أقسم لك أنه لن يكون إلا الخير، عن إذنك فقد مضى بعض وقت الحصة وهذه مخالفة لا أحبها، وتركت الرجل في مكانه مستغربًا هذه الردود، وانصرفت إلى الدرس وكلي ثقة وطمأنينة بأن هذا عبث أطفال ولن ينتهي إلا إلى النتيجة المحتومة لمثله: إهمال ونسيان (١). دعوتنا لكل الناس زار الإمام الشهيد البنا محافظة سوهاج، وبعد انتهاء المؤتمر دعي إلى مائدة، وجلس بجوار أحد الإخوة، وكان هذا الأخ يتمنى أن تتاح له هذه الفرصة ليهمس في أذن الإمام الشهيد بأمر مهم، فقال له: يا أستاذ، إن الدعوات لا تقاس بالكم وإنما بالكيف، فماذا لو وضعنا ضوابط للذين يريدون الانتساب، كأن نحدد لهم قدرًا من الثقافة الإسلامية يدرسونه، ويظلون زمنًا في إطار الانتساب وتحت الاختبار، ثم ينقل الصالح منهم إلى العضوية العاملة؟ فابتسم الإمام الشهيد، وقال: يا فلان، هل تريدون مني ما لم يرده الله من أنبيائه ورسله وهم صفوة خلقه؟! إننا دعوة لكل الناس وليست لفئة محدودة، يتربى فيها كل من يريد أن يخدم الإسلام مهما كانت مكانته وثقافته .. وكل ميسر لما خلق له، ومن يدري فلعل هذه الدعوة تواجه محنًا عاتية، تعدون فيها الرجال على الأصابع .. وجاءت المحن العاصفة، وثبت كثير من الذين كنا نحسبهم بسطاء في مكانتهم وثقافتهم. ولكنهم تخلقوا بمقومات الرجولة فصدقوا ما عاهدوا الله عليه، وسقط آخرون من أصحاب الثقافة الواسعة، والشخصيات اللامعة، ولله في خلقه شئون. ابحثوا عن لافتة أخرى عندما ثارت فتنة التكفير إثر محنة ١٩٦٥ م انزلق العديد من السجناء في هذا المنعطف تحت وطأة التعذيب الوحشي والاضطهاد للدعوة الإسلامية وغيرها من الأسباب.

стр. 562

حينئذ بادر الأستاذ الهضيبي وعلماء الإخوان لإخماد الفتنة، وكانت مناقشات ومحاضرات .. فرجع الكثير عن هذا الفكر، ولم يبق إلا قلة شاذة، وجددت البيعة .. فقال بعض الشواذ: نبايع على كل شيء في الجماعة ما عدا (مسألة التكفير) فتترك للاجتهاد الشخصي، فأجاب الأستاذ بحسم: بل كل شيء حتى مسألة التكفير. ومن لم يبايع فليبحث له عن لافتة أخرى غير الإخوان المسلمين (١)، الدين الحنيف لا يوجد فيه عنف ولا قسوة، ومن اختل فهمه للإسلام انحرف عن طريق الجادة. نعمة كبيرة يقول البنا: اذكروا جيدًا أن الله قد منَّ عليكم، ففهمتم الإسلام فهما نقيًا صافيًا، سهلاً شاملاً، كافيًا وافيًا، يساير العصور ويفي بحاجات الأمم، ويجلب السعادة للناس، بعيدًا عن جمود الجامدين وتحلل الإباحيين وتعقيد المتفلسفين، لا غلو فيه ولا تفريط، مستمدًا من كتاب الله وسنة رسوله وسيرة السلف الصالحين استمدادًا منطقيًا منصفًا، بقلب المؤمن الصادق، وعقل الرياضي الدقيق، وعرفتموه على وجهه: عقيدة وعبادة، ووطن وجنس، وقلب ومادة، وسماحة وقوة، وثقافة وقانون، واعتقدتموه على حقيقته: دين ودولة، وحكومة وأمة، ومصحف وسيف، وخلافة من الله للمسلمين في أمم الأرض أجمعين. ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. تربية واعية عن ابن عباس قال: أسرت الروم عبد الله بن حذافة السهمي فقال له الطاغية: تنصر وإلا ألقيتك في البقرة -لبقرة من نحماس-. قال: ما أفعل .. فدعا بالبقرة النحاس فملئت زيتًا وغليت ودعا برجل من أسرى المسلمين فعرض عليه النصرانية، فأبى فألقاه في البقرة فإذا عظامه تلوح، وقال لعبد الله: تنصر وإلا ألقيتك. قال: ما أفعل، فأمر به أن يلقى في البقرة فبكى، فقالوا: قد جزع، قد بكى. قال: ردوه، قال: لا ترى أني بكيت جزعًا مما تريد أن تصنع بي ولكني بكيت حيث

стр. 563

ليس لي إلا نفس واحدة يفعل بها هذا في الله، كنت أحب أن يكون لي من الأنفس عدد كل شعرة في، ثم تسلط علي فتفعل بي هذا. قال: فأعجب منه وأحب أن يطلقه، فقال: قبل رأسي وأطلقك. قال: ما أفعل، قال: تنصر وأزوجك بنتي وأقاسمك ملكي. قال: ما أفعل، قال: قبل رأسي وأطلقك وأطلق معك ثمانين من المسلمين. قال: أما هذه فنعم، فقبل رأسه وأطلق معه ثمانين من المسلمين، فلما قدموا على عمر بن الخطاب قام إليه عمر فقبل رأسه، قال: فكان أصحاب رسول الله يمازحون عبد الله فيقولون: قبلت رأس علج، فيقول لهم: أطلق الله بتلك القبلة ثمانين من المسلمين (١). تأخير الصلاة بعذر عند فتح مدينة تستر ببلاد الفرس حاصر صحابة رسول الله ومن معهم من جموع المسلمين المدينة أشهرًا، وشددوا الحصار، وأشرقت نذر الاقتحام والنصر، وأصبحت الفرصة مواتية للظفر قبل الفجر، إلا أنهم لو أقدموا على اقتناصها لفاتتهم صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، فكان اجتهاد الصحابة أن يقتنصوا الفرصة، واقتحموا الحصن، وفتحت تستر -بفضل الله ورحمته- لتصبح إحدى قلاع الإسلام، ومدائنه الشهيرة في آسيا، وصلى المسلمون الصبح يومها بعد أن طلعت الشمس وأشرقت الأرض بنور ربها (٢). وقد ذكر البخاري هذه الواقعة في (باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو). قال أنس: حضرت عند مناهضة حصن تستر عند إضاءة الفجر واشتد اشتعال القتال فلم يقدروا على الصلاة، فلم نصل إلا بعد ارتفاع النهار، فصلينا ونحن مع أبي موسى، ففتح لنا، وقال أنس: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها. الإسلام والأديان المعاصرة يقول الدكتور زغلول النجار: في مطلع الخمسينيات -وكنت لا أزال شابًا وقتها-

стр. 564

وكنت في بريطانيا؛ للحصول على الدكتوراه، فدعيت إلى محاضرة عن "الإسلام والأديان المعاصرة" وكانت في مقر اتحاد للطلبة هناك، كانوا يلتقون ليلة الجمعة من كل أسبوع في حوار مفتوح على أي قضية من القضايا، فسمعوا أن هناك شابًا مسلمًا قد أتى للحصول على الدكتوراه، فدعوني لهذه المحاضرة، وبعد أن تحدثت عن الإسلام وعلاقته بالأديان الأخرى، قامت رئيسة ذلك النادي، وقالت: يا سيدي، يبدو أن مستوى دراستك في الأديان أعلى من مستوانا جميعًا، لذلك فنحن لن نستطيع مناقشتك، فهل لديك مانع في تأجيل الحوار للأسبوع القادم، حتى نتمكن من دعوة أحد القساوسة الكاثوليك، الذي قد عاش في الشرق لسنوات طويلة، وله معرفة جيدة باللغة العربية، حتى يكون الحوار به شيء من التكافؤ؟ فقبلت ذلك، وتم تأجيل الحوار للأسبوع التالي، وذهبت إلى هناك في الأسبوع التالي، وقابلت ذلك الرجل، فإذا برجل قد جاوز الستين من عمره، وقد عاش فترة طويلة في مصر والعراق وليبيا وكثير من الدول العربية. وبدأ الحوار بيننا، والذي استمر أكثر من ساعة ونصف، قامت بعدها المرأة أيضًا قائلة له: يا سيدي يبدو أن هذا الشاب أكثر تمكنًا منك في قضية الأديان، لذلك فأنا أعتذر اليوم مرة أخرى، وأدعو لاستمرار الحوار في الأسبوع القادم وأقوم بدعوة "البيشوب" -وهو رئيس الكنيسة في منطقة مجاورة-. وأتى هذا الرجل في الأسبوع التالي، وقامت المدينة باحتفال كبير لاستقباله، حضره الكثير من رجال الصحافة والإذاعة والتليفزيون، ثم التقيت به في حوار طال أكثر من ساعة، قامت بعدها هذه السيدة قائلة: لقد مارست الكاثوليكية مدة خمسة وعشرين عامًا، ولكنني أعترف أمام الجميع أنني ما شعرت يومًا بمعنى الألوهية كما يشعر بها هذا الشاب، ثم تركت القاعة وخرجت، ثم علمت بعد ذلك أنها أسلمت، وحسن إسلامها، وأبلت بلاء حسنًا في الدعوة إلى الله في بريطانيا (١). هذا ما دفع بعض قياداتهم -وهو أحد العلماء الأمريكيين- يوم وقف أمام جمع من المسلمين قائلاً: يا أيها المسلمون، إنكم لن تستطيعوا أن تسايروا الغرب تقنيًا ولا علميًا ولا اقتصاديًا ولا سياسيًا ولا عسكريًا، ولكنكم تستطيعون أن تجعلوا هذا

стр. 565

الغرب المتجبر المتعالي يجثو على ركبه أمامكم في الإسلام، ثم يضيف قائلاً: أعطوني أربعين شابًا ممن يحسنون فهم هذا الدين فهمًا دقيقًا، ويحسنون تطبيقه على أنفسهم تطبيقًا دقيقًا، ويحسنون عرضه على الناس بلغة العصر، وأنا أكفل لكم أن أفتح لهم الأمريكتين. حقًا -والله الذي لا إله غيره- فهذا هو السلاح الوحيد الذي بقى بأيدينا الآن، أن نفهم الإسلام، ونطبقه على أنفسنا، ثم نقوم بعرضه على الناس (١). فهم رائع ومن المواقف الرائعة في التاريخ الإسلامي التي تبين -بما لا يدع مجالاً للشك- أهمية فهم المسلمين لدينهم فهمًا صحيحًا، وأنه قد تضطرهم الظروف فيتركون واجبًا في سبيل تحقيق واجب أهم منه، ما حدث للمسلمين في بيروت عندما أرادوا أن يستنقذوا إخوانهم المحاصرين في عكا من قبل الصليبيين فحلقوا لحاهم وتزيوا بزي الصليبيين وعلقوا الصلبان ووضعوا الخنازير على سطح السفينة التي تحمل الطعام لإخوانهم المحاصرين واستطاعوا أن يخدعوا الصليبيين وأن يمروا من بينهم دون أن يشكوا في أمرهم (٢). هكذا كان عبد الله بن المبارك خرج عبد الله بن المبارك إلى الحج، فاجتاز بعض البلاد فمات طائر معهم، فأمر بإلقائه على المزبلة، فخرجت جارية من دار قريته، فأخذت الطائر الميت، ولفته، وأسرعت به إلى الدار، فلما سألها: لم أخذت الميتة؟ قالت إنها وأخاها فقيران لا يجدان شيئًا، ولا يعلم بهما أحد. فأمر ابن المبارك برد الأحمال، وقال لوكيله: كم معك من النفقة؟ قال: ألف دينار، قال: أبق منها عشرين دينارًا، وأعط باقي الألف إلى الجارية، وعد بنا إلى مرو، فهذا أفضل من حجنا هذا العام، ورجع ولم يحج (٣).

стр. 566

فهم علم من أعلام السلف جاء رجل إلى بشر بن الحارث الزاهد -المعروف ببشر الحافي- وقال له: عزمت على الحج (تطوعًا) أفتأمرني بشيء؟ قال له: كم أعددت للنفقة؟ قال له: أعددت ألفي درهم، فقال له بشر: فماذا تريد بحجك هذا: تزهدًا أو اشتياقًا إلى البيت الحرام، أو ابتغاء مرضاة الله؟ قال: بل ابتغاء مرضاة الله، قال له بشر: فإن أصبت مرضاة الله تعالى وأنت في منزلك، وتنفق ألفي درهم، وتكون على يقين من مرضاة الله تعالى، أتفعل ذلك؟ قال: نعم، قال: فاذهب فأعط هذا المال لعشرة أنفس: مدينًا يقضي دينه، وفقيرًا ترم شعثه، ومعيلاً (صاحب عيال) يغني عياله، ومُربي يتيم يفرحه، وإن قوي قلبك تعطيها واحدًا فافعل، فإن إدخال السرور على قلب المسلم، وإغاثة اللهفان وكشف الضر، وإعانة الضعيف أفضل من مائة حجة بعد حجة الفريضة، قم فأخرجها كما أمرناك (١). إمكانيات أعدائك ماذا أعددت لها كشفت النشرة الدولية لأبحاث التنصير في العالم أن المبالغ التي تلقتها المنظمات التنصيرية كمعونات عام ١٩٩٦، بلغت ١٩٣ مليار دولار، والجدير بالذكر أن عدد هذه المنظمات ٢٢ ألفا و ٣٥٠ منظمة تمتلك ٣٢٠٠ محطة إذاعة وتلفاز خاصة بها .. إلى غير ذلك من الإمكانات. فأين أعمال المسلمين لنجدة إخوانهم وتقديم النفع لهم؟ يقول البنا: من ظن أن الدين -أو بعبارة أدق الإسلام- لا يعرض للسياسة، أو أن السياسة ليست من مباحثه، فقد ظلم نفسه، وظلم علمه بهذا الإسلام، ولا أقول ظلم الإسلام فإن الإسلام شريعة الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .. وجميل قول الإمام الغزالي: اعلم أن الشريعة أصل وأن الملك حارس، وما لا أصل له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع .. فلا تقوم الدولة الإسلامية إلا على أساس الدعوة، حتى تكون دولة رسالة لا تشكيل إدارة، ولا حكومة مادة جامدة صماء لا روح فيها، كما لا تقوم الدعوة إلا في حماية تحفظها وتنشرها وتبغلها وتقويها (٢).

стр. 567

لا أنقد حكومتي خارج وطني يقول الأستاذ عمر التلمساني: كان مراسلو الصحف والإذاعات يأتون إليَّ لإجراء أحاديث، والظاهرة العجيبة في كل تلك الأحاديث، أن المراسلين كانوا يحاصرونني بأسئلة دقيقة رغبة منهم في أن يحصلوا مني على انتقاد أو هجوم على الحكومات القائمة، وكنت أفسد عليهم هذه المحاولات، حتى قال لي أحد المراسلين في لندن: إنك تتهرب من الإجابات عن أسئلة واضحة، فكان جوابي: إن التهرب ليس من خلقي، ولكن طباعي تأبى علي أن أنقد حكومتي خارج وطني، ولا أشنع عليها في الخارج، بل أوجه مآخذي إليها مباشرة داخل مصر، وهو مبدأ وليس سياسة (١). ...

стр. 568

العمل للإسلام العودة إلى الإسلام أمنية عظيمة لا نصل إليها بالكلام والدعاوي، وإنما لابد من العمل، فأعداء الإسلام يعملون ليل نهار لنشر باطلهم، فالأولى بأهل الحق أن يعملوا لنشر دعوتهم وتبليغها للناس، وليحتسبوا أجرهم عند الله، وهذه قصص من المخلصين في العمل للإسلام، قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣]. الأعداء يعلمون لإنجاح مخططهم يقول الشيخ أحمد القطان عن توبته: إن في الحياة تجارب وعبرًا ودورسًا، لقد مررت في مرحلة الدراسة بنفسية متقلبة حائرة، لقد درست التربية الإسلامية في مدارس التربية ولا تربية -ثمانية عشر عامًا وتخرجت بلا دين-، وأخذت ألتفت يمينًا وشمالاً: أين الطريق؟ هل خلقت هكذا الحياة عبثًا؟ أحس فراغًا في نفسي وظلامًا وكآبة، وحدي في الظلام لعلي أجد هناك العزاء، ولكني أعود حزينًا كئيبًا وتخرجت في معهد المعلمين سنة ١٩٦٩ م، وفي هذه السنة والتي قبلها حدث في حياتي حدث غريب تراكمت فيه الظلمات والغيوم، إذ قام الحزب الشيوعي باحتوائي ونشر قصائدي في مجلاتهم وجرائدهم، والنفخ فيها، وأخذوا يفسرون العبارات والكلمات بزخرف من القول يوحي بعضهم إلى بعض .. حتى نفخوا فيَّ نفخة ظننت أنني أنا الإمام المنتظر، وما قلت كلمة إلا وطبلوا وزمروا حولها .. وهي حيلة من حيلهم، إذا أرادوا أن يقتنصوا ويفترسوا فردًا، ينظرون إلى هويته وهوايته، ماذا يرغب؟ ثم يدخلون عليه من هذا المدخل. رأوني أميل إلى الشعر والأدب فتعهدوا بطبع ديواني ونشر قصائدي، وعقدوا لي الجلسات واللقاءات الأدبية الساهرة .. ثم أخذوا يدسون السم في الدسم، يذهبون بي إلى مكتبات خاصة ثم يقولون: اختر ما شئت من الكتب بلا ثمن فأحمل كتبًا فاخرة .. أوراقًا مصقولة .. طباعة أنيقة عناوينها "أصول الفلسفة الماركسية" "المباديء الشيوعية" وهكذا بدأوا بالتدريج يذهبون بي إلى المقاهي الشعبية، فإذا جلست معهم على طاولة قديمة تهتز .. أشرب الشاي بكوب قديم وحول العمال .. فإذا مر رجل بسيارته الأمريكية الفاخرة قالوا: انظر،

стр. 569

هذا يركب السيارة من دماء آبائك وأجدادك .. وسيأتي عليك اليوم الذي تأخذها منه بالثورة الكبرى التي بدأت وستستمر .. إننا الآن نهيئها في "فارط" ونعمل لها، وإننا نهيئها في الكويت ونعمل لها، وستكون قائدًا من قوادها، وبينما أنا أسمع هذا الكلام أحس أن الفراغ في قلبي بدأ يمتليء بشيء .. لأنك إن لم تشغل قلبك بالرحمن أشغله الشيطان، فالقلب كالرحى .. يدور .. فإن وضعت به دقيقًا مباركًا أخرج لك الطحين الطيب .. وإن وضعت فيه الحصى أخرج لك الحصى، ويقدر الله بعد ثلاثة شهور أن نلتقي برئيس الخلية الذي ذهب إلى مصر وغاب شهرًا ثم عاد. وفي تلك الليلة أخذوا يستهزئون بأذان الفجر .. كانت الجلسة تمتد من العشاء على الفجر .. يتكلمون بكلام لا أفهمه مثل "التفسير المادي للتاريخ" "والاشتراكيون والشيوعية في الجنس والمال"، ثم يقولون كلامًا أمرره على فطرتي السليمة التي لا تزال .. فلا يمر .. أحس أنه يصطدم ويصك .. ولكن الحياء يمنعني أن أناقش فأسكت، ثم بلغت الحالة أن أذن المؤذن لصلاة الفجر .. فلما قال "الله أكبر" أخذوا ينكتون على رسول الله، وهنا بدأ الانفعال الداخلي والبركان الإيماني الفطري يغلي، وإذا أراد الله خيرًا بعبده بعد أن أراه الظلمات يسر له أسباب ذلك .. إذ قال رئيس الخلية: لقد رأيت الشيوعية الحقيقية في لقائي مع ( ... ) بمصر هو الوحيد الذي يطبقها تطبيقًا كاملاً، فقلت: عجبًا .. ما علامة ذلك؟!! قال: إذا خرجنا في الصباح الباكر عند الباب فكما أن زوجته تقبله تقبلني معه أيضًا، وإذا نمنا في الفراش فإنها تنام بيني وبينه .. وهكذا يقول .. والله يحاسبه يوم القيامة .. فلما قال ذلك نزلت ظلمة على عيني وانقباض في قلبي، وقلت في نفسي: أهذا فكر؟!! أهذه حرية؟!! أهذه ثورة؟!! لا ورب الكعبة إن هذا كلام شيطاني إبليسي!! ومن هنا تجرأ أحد الجالسين فقال له: يا أستاذ ما دمت أنت ترى ذلك، فلماذا لا تدع زوجتك تدخل علينا نشاركك فيها؟ قال: إنني ما أزال أعاني من مخلفات البرجوازية وبقايا الرجعية وسيأتي اليوم الذي نتخلص فيه منها جميعًا .. ومن هذه الحادثة بدأ التحول الكبير في حياتي إذ خرجت أبحث عن رفقاء غير أولئك الرفقاء .. فقدر الله أن ألتقي بإخوة في "ديوانية" كانوا يحافظون على الصلاة .. وبعد صلاة العصر يذهبون إلى ساحل البحر ثم يعودون .. وأقصى ما يفعلونه أنهم يلعبون "الورقة"، ويقدر الله أن يأتي أحدهم إليَّ ويقول: يا أخ أحمد، يذكرون أن شيخًا من مصر اسمه "حسن أيوب" جاء إلى الكويت ويمدحون جرأته وخطبته، ألا تأتي معي؟ قالها من باب حب

стр. 570

الاستطلاع .. فقلت: هيا بنا .. وذهبت معه .. توضأت .. ودخلت المسجد .. وجلست .. وصليت المغرب .. ثم بدأ يتكلم .. وكان يتكلم واقفًا لا يرضى أن يجلس على كرسي .. وكان شيخًا كبيرًا شاب شعر رأسه ولحيته، ولكن القوة الإيمانية البركانية تتفجر من خلال كلماته؛ لأنه كان يتكلم بأرواح المدافع لا بسيف من خشب، وبعد أن فرغ من خطبته أحسست أني خرجت من عالم إلى عالم آخر .. من ظلمات إلى نور .. ولأول مرة أعرف طريقي الصحيح .. وأعرف هدفي في الحياة .. ولماذا خُلقت، وماذا يراد مني، وإلى أين مصيري. وبدأت لا أستطيع أن أقدم أو أؤخر إلا أن أعانق هذا الشيخ وأسلم عليه، ثم عاد هذا الأخ يسألني عن انطباعي؟ فقلت له: اسكت وسترى انطباعي بعد أيام .. عدت في الليلة نفسها واشتريت جميع الأشرطة لهذا الشيخ .. وأخذت أسمعها إلى أن طلعت الشمس .. ووالدتي تقدم لي طعام الإفطار فأرده .. ثم طعام الغداء .. وأنا أسمع وأبكي بكاء حارًا .. وأحس أني قد ولدت من جديد .. ودخلت عالما آخر .. وأحببت الرسول ﷺ ، وصار هو مثلي الأعلى وقدوتي .. وبدأت أنكب على سيرته قراءة وسماعًا .. حتى حفظتها من مولده إلى وفاته، فأحسست أنني إنسان لأول مرة في حياتي .. وبدأت أعود فاقرأ القرآن، فأرى كل آية فيه تخاطبني أو تتحدث عني ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]. نعم .. لقد كنت ميتًا فأحياني الله .. ولله الفضل والمنة .. ومن هنا انطلقت مرة ثانية إلى أولئك الرفقاء الضالين المضلين .. وبدأت أدعوهم واحدًا واحدًا .. ولكن ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦] أما أحدهم فقد تاب بإذن الله وفضله، ثم ذهب إلى العمرة .. فانقلبت به السيارة ومات وأجره على الله. وأما رئيس الخلية فقابلني بابتسامة صفراء وقال: يا أستاذ أحمد .. إنني أحسدك لأنك عرفت الطريق الآن .. أما أنا فاتركني .. فإن لي طريقي ولك طريقك .. ثم صافحني وانصرف .. وظل هو كما هو حتى الآن، وأما البقية فمنهم من أصبح ممثلاً، ومنهم من أصبح شاعرًا يكتب الأغاني وله أشرطة "فيديو" يلقي الشعر وهو سكران .. وسبحان الذي يخرج الحي من الميت .. من تلك اللحظة بدأت أدعو إلى الله رب العالمين (١). هكذا الأعداء يعملون ليل نهار لنشر دعوتهم الباطلة، فأين أنت منهم؟

стр. 571

احرص على العمل عرفت الإسماعيلية صغيرها وكبيرها حسن البنا والإخوان المسلمون، فلما انتقلت الدعوة إلى القاهرة حدث الإمام الشهيد بهذه الطرفة فقال: جاء أحد إخوان الإسماعيلية لزيارتي .. فلما نزل من القطار في محطة مصر سأل أول من قابلهم من أهل القاهرة عن المركز العام للإخوان المسلمين، وهو يظن أنه يسأل عن أحد معالم القاهرة، فاعتقدوا أنه شخص ساذج .. وقالوا له: اتجه من هذا الطريق .. ثم اسأل هناك، فاتجه ثم سأله .. وهكذا، حتى قابل الإمام الشهيد قدرًا وقد جاوز المركز العام بمسافة، فأخذه الأستاذ ورجع به المسافة، وقص على الأستاذ القصة وقال: كل من سألته صدقني إلا صاحب هذا المحل (وأشار على محل على بعد أمتار لا تتجاوز الخمسين مترًا) إذ قال لي: امش إلى نهاية هذا الشارع (شارع الناصرية) فستجد ميدان السيدة زينب فاسأل هناك، ضحك الأستاذ المرشد، وفهم أن الدعوة حتى بعد انتقالها إلى القاهرة بثلاث سنوات ما زالت مجهولة حتى أن الجيران لا يعرفونها (١). قال طبيب ألماني -قبل أن يسلم- لزميله المسلم: إذا سُئلت غدًا -كما تقول- عن سؤال القبر وحساب يوم القيامة سأقول: إن رسالة محمد لم تصلني تفصيلاً، ولم أطلع عليها بحثًا، إن أتباع محمد لم يبلغوني رسالته، ولم يدلوني على الطريق القويم، فهم يشاركونني في التقصير. ماذا ستقول لربك غدًا إذا سُئلت عن تبليغ الإسلام؟ من الذين هدى الله الشاب النصراني إبراهيم يوسف الذي صار من دعاة الإسلام المخلصين، أخذ يدعو الدعاة إلى عدم الاكتفاء بالدعوة من فوق المنابر فقط، حيث لا ينبغي أن تحصر على المنابر والمساجد، وإنما على الداعية أن ينزل إلى التجمعات البشرية حيثما وجدت بعد أن يلم بظروفها ومعتقداتها؛ كي يمكنه الرد على أي استفسار يوجه إليه، كما يدعو المسلم إلى ممارسة الدعوة إلى الله حيث إن الدعوة مسئولية المسلمين جميعًا، عامتهم وخاصتهم (٢).

стр. 572

يقول الدكتور زغلول النجار: هذه طبيبة في جيش القوات الأمريكية برتبة رائد، أسلمت، ثم علمت بعد قراءتها أنها لا يحل لها أن تحيا مع زوجها غير المسلم، فأتت وقالت: أنا متزوجة وعندي أطفال، وأنا حريصة على أسرتي، فماذا أفعل؟! فنصحها الإخوة بالاتصال بزوجها، عن طريق إرسال بعض الكتيبات والأشرطة عن الإسلام، ففعلت، ولكنه لم يسلم، فجاءت تشكو، فقالوا لها: ناقشيه على الهاتف. وبالفعل بدأت تحاوره على الهاتف، لكنه لم يسلم أيضًا، فقالت: ماذا أفعل؟! فقالوا لها: ناقشيه، ونحن بجوارك نجيب عن تساؤلاته، وتمت المناقشة على الهاتف، حتى نطق الرجل بالشهادتين على الهاتف. ثم بعد أن عادت إلى بلادها، أرسلت خطابًا لأحد الإخوة الذين كانوا يقومون بالدعوة هنا تقول له فيه: والله لقد أصبح هذا الرجل زوجًا مثاليًا ومحبًا وأكثر حرصًا على بيته آلاف المرات منه قبل أن يسلم. هذه بعض القيادات التي أتت إلى هنا لتنصير المسلمين فعادت بالإسلام .. وهذا هو الإسلام، وهذا هو واجبنا تجاهه. إسلام المغول كان بركة خان أول من أسلم من أمراء المغول، وكان رئيسًا للقبيلة الذهبية في روسيا، وقيل في سبب إسلامه: إنه تلاقى يومًا مع عير للتجار آتية من بخارى، ولما خلا بتاجرين منهما سألهما عن عقائد الإسلام، فشرحاها له شرحًا مقنعًا انتهى إلى اعتناقه هذا الدين والإخلاص له. وقيل: إن إسلام (تغلق تيمور خان) ملك كاشغر كان على يد رجل من أهل بخارى، يقال له: الشيخ جمال الدين، وكان معه جماعة من التجار، وكانوا قد اعتدوا على الأراضي التي خصصها ذلك الأمير للصيد، فأمر بأن توثق أيديهم وأرجلهم، وأن يمثلوا بين يديه، ثم سألهم في غضب: كيف جرؤوا على دخول هذه الأرض؟ فأجاب الشيخ بأنهم غرباء، ولا يعلمون أنهم يجوسون أرضًا محرمة، ولما علم أنهم من الفرس قال: إن الكلب أغلى من أي فارسي، فأجاب الشيخ: نعم قد كنا أخس من الكلب وأبخس ثمنا منه لو أننا لم ندن بالدين الحق. وراع الأمير ذلك الجواب، وأمر بأن يقدم إليه ذلك الفارسي الجسور عند عودته من

стр. 573

الصيد، ولما خلا به سأله: ماذا يعني بهذه الكلمات؟ وما ذلك الدين؟ فعرض عليه الشيخ قواعد الإسلام في غيرة وحماس، انفطر لها قلب الأمير، حتى كاد يذوب كما يذوب الشمع. قال: ولكني اعتنقت الإسلام الآن، فلن يكون من السهل أن أهدي رعاياي إلى الصراط المستقيم .. فلتمهلني قليلا، فإذا ما آلت إلي مملكة أجدادي فعد إليَّ، وقد كان، ودخل التتار في الإسلام (١). كن متفائلاً ونشيطًا في دعوة الناس، والعمل لدين الله. إخلاص وعمل يقول عمر التلمساني: كنت يومًا أجلس في حديقة السلاملك الصغيرة، ومعي زوجي وأطفالي والكتاكيت تقفز من حولنا، وجاء خفير العزبة يقول: اثنان أفندية يريدان مقابلتك، قلت: من أنبأهما أنني هنا؟ قال: كنت جالسًا وبعض فلاحي العزبة فمرا علينا وألقيا علينا السلام، وقال أحدهما: هل يقيم في هذه العزبة أحد من أصحابها؟ قلنا: نعم. قالا: وفيم يعمل؟ قلنا: محاميًا أهليًا. قالا: هل يصلي؟ قلنا: نعم، قالا: فاستأذن لنا عليه. قلت: أحضرهما. وحضرا وسلما وجلسا، وعرفاني بنفسيهما، ورغم تجردهما من المؤهلات الدراسية، فقد كان مستوى حديثهما يفوق مستوى كثير من ذوي المؤهلات العلمية، ولم يضيعا وقتًا، ولكنهما بدءا الحديث عما جاءا من أجله. سألني أحدهما: ماذا تفعل خارج مهنتك؟ وبدا السؤال في نظري بعيدًا عن مألوف اللياقة. فقلت ساخرًا: أربي كتاكيب كما ترى. فاستمر في أسلوبه بعد أن كساه شيئًا من الجدية. قال: وهل مسلم مثلك يضيع أوقاته في تربية الكتاكيت، وهناك من هو أولى باهتمامك؟ قلت مستفسرًا: ومن هو ذلك الأولى؟

стр. 574

قال: وقد ازداد حماسة وجدية: إخوانك في العقيدة. قلت: أولئك يتولى الأزهر أمرهم والحكومة معه. قال: وهل تقوم الحكومة والأزهر بتحقيق ما تقول؟ فسكت. ولكنه ألح علي في شيء من الخشونة .. مالك لا تجيب؟ فراوغ قائلاً: ماذا تريدان مني؟ دعوني وشأني. فقال الآخر متلطفًا: إنك محق في ظاهر الأمر، فلتطلب منا أن ندعك وشأنك، ولكن هل ترضى لنفسك وقد منحك الله علمًا وإقبالاً عليه .. هل ترضى لنفسك ألا تهتم بشأن المسلمين؟ قلت: وقد أحسست بشيء من التجاوب: عندي الرغبة، ولكني غير متبين معالم الطريق. قال: لا عليك في هذا .. ضع يدك في أيدينا ندلك على الطريق. قلت: بلا روية ولا استعداد ولا تفكير. قال: وهل حال المسلمين اليوم يرى تريثًا بعد ما ترى من سوء حالهم؟ قلت جانحًا للتعاون معهما: من أنتما؟ وما طريقة عملكما؟ وما دعوتكما؟ قالا معًا: نحن جماعة الإخوان المسلمين. قلت: لم أسمع عن هذه الجماعة من قبل. قالا: ما أنت قد سمعت، فما عساك فاعل؟ قلت: أعرف المنهاج. قالا: كتاب الله وسنة رسوله. قلت: وكيف أتصل بهذه الجماعة؟ قالا: سنزورك غدًا إن شاء الله. وفي الغد جاءا إلى المكتب وكأنهما قد أمسكا بصيد. وقال أحدهما: ما قرارك؟

стр. 575

قلت: خيرًا .. إني لمست في كلامكما جدية ما لي بها من عهد، ورأيت فيما تدعوانني إليه خيرًا كثيرًا لي أولاً وللمسلمين ثانيًا. قال: إذن سأحدد لك موعدًا تلقى فيه فضيلة المرشد العام. وأفاض فضيلته في شرح أهداف الدعوة ووسائلها المشروعة، وكان يتكلم في صدق المخلصين وأسى المحزونين على ما يصيب المسلمين في أنحاء الأرض. ولما أنهى حديثه سألني: هل اقتنعت؟ وقبل أن أجيب قال في حزم: لا تجب الآن .. وأمامك أسبوع تراود فيه نفسك، فإني لا أدعوك لنزهة، ولكني أعرضك لمشقات، فإن شرح الله صدرك فتعال الأسبوع القادم للبيعة، وإن تحرجت فيكفعني منك أن تكون صديقًا للإخوان المسلمين. وعدت في الموعد .. وبايعت .. وتوكلت على الله (١). يقول فتحي يكن: إن الداعية الحق هو الذي يعيش لسواه لا لنفسه، ويكون ديدنه الدوران حول مجتمعه وحول المسلمين وليس حول ذاته، وهو الذي يعمل على توفير الراحة للآخرين، ولو على حساب راحته .. فإذا قامت الوشائج بين الداعية والناس تحقق الوصال والاتصال، وتحقق التأثر والأثر، ونجحت المهمة، وآتت الدعوة أكلها بإذن ربها، وإن كان غير ذلك لم تكن دعوة ولا داعية (٢). الفهم الجيد للإسلام عبد الله بن المبارك كان يرابط في سبيل الله بثغر من ثغور المسلمين يُبعث برسالة إلى أخيه الفضيل بن عياض يعاتبه فيها لأنه ترك الرباط في سبيل الله، وانقطع لعبادة الله في المسجد الحرام يقول له: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا ... لعلمت أنك بالعبادة تلعب من كان يخضب خده بدموعه ... فنحورنا بدمائنا تتخضب أو كان يتعب خيله في باطل ... فخيولنا يوم الصبيحة تتعب ريح العبير لكم ونحن عبيرنا ... رهج السنابك والغبار الطيب

стр. 576

يقول الأستاذ البهي الخولي في "تذكرة الدعاة": ولقد كتب ابن المبارك هذا الكلام لصديقه في وقت لم يكن فيه الجهاد فرض عين، ومع هذا وصف عبادته بأنها لعب، وهي عبادة تقع في أشرف بقعة على ظهر الأرض، ترى ماذا كان يقول ابن المبارك لصديقه لو أن الجهاد فرض عين؟ وماذا كان يقول عن العبادة لو أنها كانت في غير المسجد الحرام؟! العزيمة القوية حدث أكثر من مرة أن قاد صلاح الدين وهو مريض، وأخذ ينظم جيوشه ويقاتل أعداءه، وهو يعاني آلام المرض، وابن شداد يتعجب من ذلك فيرد عليه صلاح الدين قائلاً: إذا ركبت يزول عني ألمها. يقول فتحي يكن: "الداعية لا تكون دعوته بحمل الأفكار والنظريات المجردة إلى من حوله .. قبلوها أم رفضوها، وإنما أن يعيش هذه الأفكار معهم، ويترجمها لهم على أرض الواقع أفعالاً وأخلاقًا وممارسات، والداعية لا تكون دعوته بمفاصلة الناس وإقامة الحجة عليهم، وإنما بأخذ كل الأسباب التي تؤدي إلى هدايتهم. فهو من موقع الحب لهم، والغيرة عليهم، والرحمة بهم يكابد من أجل استنقاذهم من حمأة الجاهلية وشقوتها إلى نعيم الإسلام، ولذلك فهو لا يسارع إلى مدابرتهم ومقاطعتهم ومفاصلتهم، وهذا كله يحتاج منه إلى حلم ورفق. إن على الداعية أن يعتبر نفسه مربيًا للناس ومعلمًا لهم، وإن عليه ليكون ناجحًا في تربيته وتعليمه ألا يعاملهم كأنداد، وألا يتعامل معهم كند، وهو إن فعل ذلك أصبح مثلهم، وفقد عنصر القوامة عليهم، يقول الراشد: ولا يكون داعية اليوم إلا من يفتش عن الناس ويبحث عنهم، ويسأل عن أخبارهم، ويرحل للقائهم، ويزورهم في مجالسهم ومنتدياتهم، ومن انتظر مجئ الناس إليه في مسجده أو بيته فإن الأيام تبقيه وحده، ويتعلم فن التثاؤب (١).

стр. 577

لو خرجنا بواحد لكفى يقول الأستاذ عمر التلمساني ﵀: ذهبت مع الإمام الشهيد مرة إلى مدينة طوخ بالقليوبية، وكان الحفل حاشدًا، والهتافات عالية، وفي الطريق سألني فضيلته: ما رأيك في الحفل؟ قلت: إن الصخب شديد، والأصوات العالية لا تطمئنني كالطبل الأجوف، قال: اسمع، نحن على قدم رسول الله، كان يعرض نفسه على الناس في الأسواق، فلا يلقى إلا السخرية والإيذاء، فهلا نصبر على بطء الاستجابة، إننا لو خرجنا من هذه الآلاف بواحد فقط، فذلك خير من الدنيا وما فيها (١). ...

стр. 578

الجهاد معنى الجهاد لغة: هو استفراغ ما في الوسع والطاقة من قول أو فعل. وفي الاصطلاح: بذل المسلم طاقته وجهده في نصرة الإسلام ابتغاء مرضاة الله. ويقول الاستاذ سعيد البوطي: الجهاد هو بذل الجهد في سبيل إعلاء كلمة الله. والقتال نوع من أنواعه، وأما غايته فهي إقامة المجتمع الإسلامي وتكوين الدولة الإسلامية الصحيحة. الجهاد في كتاب الله يقول تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨]. ويقول سبحانه: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١]. ويقول : ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٥ - ٩٦]. ويقول تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)﴾ [النساء: ٩٥]. وبقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾ [الصف: ١٠ - ١٣]. وآيات الجهاد كثيرة.

стр. 579

ومن أحاديث النبي ﷺ نذكر منها: عن أبي هريرة ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله" قيل: ثم ماذا؟ قال: "الجهاد في سبيل الله" قيل: ثم ماذا؟ قال: "حج مبرور" [متفق عليه]. وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها" [متفق عليه]. وقال ﷺ : "رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات أُجرى عليه عمله الذي كان يعمل، وأُجري عليه رزقه، وأمن الفتان" [رواه مسلم]. وقال ﷺ : "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض" [رواه البخاري]. وقال ﷺ : "عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله [رواه الترمذي]. وقال ﷺ :"الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والمغنم" [متفق عليه]. جهاد النفس كان الأحنف بن قيس يجيء إلى المصباح فيضع إصبعه فيه حتى يحس بالنار ثم يقول لنفسه: يا حنيف، ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ومر حسان بن أبي سنان بغرفة فقال: متى بنيت هذه؟ ثم أقبل على نفسه، فقال: تسألين عما لا يعنيك؟ لأعاقبنك بصيام سنة فصامها. وقال محمد بن المنكدر إنني خلفت زياد بن أبي زياد وهو يخاطب نفسه في المسجد، يقول: اجلسي، أين تريدين أن تذهبي؟ أتخرجين إلى أحسن من هذا المسجد؟ انظري إلى ما فيه، تريدين أن تبصري دار فلان، ودار فلان؟ قال: وكان يقول لنفسه: مالك من الطعام يا نفسي إلا هذا الخبز والزيت، ومالك من الثياب إلا هذان الثوبان، ومالك من النساء إلا هذه العجوز، أفتحبين أن تموتي؟

стр. 580

فقالت: أنا أصبر على هذا العيش. هل تحرص على تدريب نفسك على تناول أطعمة لا تحبها، وتقلل من المشروبات المفضلة لديك؟ الجهاد بالمال دعم أبو بكر الدعوة بالمال والرجال والأفراد، فراح يشري العبيد والإماء المملوكين من المؤمنين والمؤمنات، فقد أعتق النهدية وبنتها، وكانتا لامرأة من بني عبد الدار، مر بهما وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها وهي تقول: والله لا أعتقكما أبدًا، فقال أبو بكر: كل يا أم فلان، فقالت: حل أنت، أفسدتهما فأعتقهما، قال: فبكم هما؟ قالت: بكذا وكذا. وقال: قد أخذتهما وهما حرتان أرجعا إليها طحينها. قالتا: أو نفرغ منه يا أبا بكر ثم نرده إليها؟ قال: وذلك إن شئتما. وهنا وقفة تأمل ترينا كيف سوى الإسلام بين الصديق والجاريتين حتى خاطبتاه خطاب الند للند، لا خطاب المسود للسيد، وتقبل الصديق على شرفه وجلالته في الجاهلية والإسلام منهما ذلك، مع أن له يد عليهما يد بالعتق، وكيف صقل الإسلام الجاريتين حتى تخلقتا بهذا الخلق الكريم، وكان يمكنهما وقد أعتقتا وتحررتا من الظلم أن تدعا لها طحينها يذهب أدراج الرياح، أو يأكله الحيوان والطير، ولكنهما أبتا تفضلاً، إلا أن تفرغا منه، وترداه إليها. ومر الصديق بجارية بني مؤمل -حي من بني عدي بن كعب- وكانت مسلمة، وعمر ابن الخطاب يعذبها لتترك الإسلام، وهو يومئذ مشرك يضربها، حتى إذا مل قال: إني أعتذر إليك إني لم أتركك إلا عن ملال فتقول: فعل الله بك. فابتاعها أبو بكر فأعتقها (١). تحويل شيك للمجاهدين أرسلت وزارة الثقافة بدولة الإمارات دعوة للأستاذ عمر التلمساني عام ١٩٨٢ م فلبى الدعوة، وألقى محاضرة في النادي الثقافي بأبي ظبي حيث جاء جمع غفير ملأ القاعة لم يأت قبله مثله. وعقد التليفزيون عدة ندوات مع الأستاذ المرشد وكذلك جريدة الاتحاد.

стр. 581

وفي نهاية الزيارة قدمت الوزارة تحية لضيفها الكبير شيكًا بخمسة وثلاثين ألف درهم، فشكر الأستاذ عمر لهم هذا الصنيع الكريم. ثم قال للأستاذ جابر رزق في الحال: حوِّل هذا الشيك إلى المجاهدين الأفغان (١). هل أنت على استعداد أن تصرف حافزًا من حوافز عملك لإخوانك في فلسطين؟ الجهاد التعليمي قال البخاري: لما طَعَنت في ثمان عشرة، جعلت أصنف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وصنفت كتاب التاريخ إذ ذاك عند قبر رسول الله ﷺ في الليالي المقمرة، وقل اسم في التاريخ إلا وله قصة إلا أني كرهت تطويل الكتاب. وقال: وما وضعت في كتابي الصحيح حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين. وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت البخاري يقول: خرجت إلى آدم بن أبي إياس، فتخلفت عني نفقتي، حتى جعلت أتناول الحشيش، ولا أخبر بذلك أحدًا، فلما كان اليوم الثالث، أتاني آت لم أعرفه، فناولني صرة دنانير، وقال: أنفق على نفسك. وقال البخاري: احفظ مائة ألف حديث صحيح، وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح. وقال الفريري: أملى البخاري يومًا عليَّ حديثًا كثيرًا، فخاف ملالي، فقال: طب نفسًا، فإن أهل الملاهي في ملاهيهم، وأهل الصناعات في صناعاتهم، والتجار في تجارتهم، وأنت مع النبي وأصحابه. وقال حاشد بن إسماعيل وآخر: كان أبو عبد الله البخاري يختلف معنا إلى مشايخ البصرة، وهو غلام، حتى أتى على ذلك أيام، فكنا نقول له: إنك تختلف معنا ولا تكتب، فما تصنع؟ فقال لنا يومًا بعد ستة عشر يومًا: إنما أكثرتما علي وألححتما، فأعرضا عليَّ ما كتبتما، فأخرجنا إليه ما كان عندنا، فزاد على خمسة عشر ألف حديث، فقرأها كلها عن ظهر قلب، حتى جعلنا نحكم كتبنا من حفظه، ثم قال: أترون أني أختلف هدرًا، وأضيع عمري؟! فعرفنا أنه لا يتقدمه أحد.

стр. 582

احرص على طلب العلم ونشره ابتغاء وجه الله. الجهاد السياسي عالم أزهري والخديو إسماعيل لما وقعت الحرب بين مصر والحبشة، وتوالت الهزائم على مصر، لوقوع الخلاف بين قوادها وجيوشها، ضاق صدر الخديو لذلك، فركب يومًا مع شريف باشا، وهو محرج فأراد أن يفرج عن نفسه فقال لشريف باشا: ماذا تصنع حينما تلم لك مُلمة تريد أن تدفعها؟ فقال: يا أفندينا، إن الله عودني إذا حاق بي شيء من ذلك أن ألجأ إلى صحيح البخاري، يقرؤه لي علماء أطهار الأنفاس، فيفرج الله عني. قال: فكلم الخديو شيخ الأزهر -وكان الشيخ العروسي- فجمع له صلحاء العلماء يتلون صحيح البخاري أمام القبة القديمة في الأزهر. قال: ومع ذلك ظلت الهزائم تتوالى، فذهب الخديو ومعه شريف إلى العلماء، وقال محنقًا: إما إن هذا الذي تقرأونه ليس صحيح البخاري، أو أنكم لستم العلماء الذين نعهدهم من رجال السلف الصالح، فإن الله لم يدفع بكم ولا بتلاوتكم شيئًا. فوجم العلماء، وابتدره شيخ من آخر الصف يقول له: منك يا إسماعيل، فإنا روينا عن النبي أنه قال: "لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعو خياركم، فلا يستجاب لهم" فزاد وجم الشيوخ، وانصرف الخديو ومعه شريف، ولم ينبسا بكلمة، وأخذ العلماء يلومون القائل ويؤنبونه، فبينما هم كذلك إذا بشريف باشا قد عاد يسأل: أين الشيخ القائل للخديو ما قال؟ فقال الشيخ: أنا، فأخذه وقام، وانقلب العلماء بعد أن كانوا يلومون الشيخ يودعونه وداع من لا يأمل أن يرجع، وسار شريف بالشيخ إلى أن دخلا على الخديو في قصره، قاعد في البهو، وأمامه كرسي أجلس الشيخ عليه، قال له: يا أستاذ ما قلته لي في الأزهر؟ فأعاد عليه الشيخ كلمته، وردد الحديث وشرحه، فقال له الخديو: وماذا صنعنا حتى ينزل بنا البلاء. قال له: يا أفندينا أليست المحاكم المختلطة فتحت بقانون يبيح الربا؟ أليس الزنا

стр. 583

برخصة؟ أليس الخمر مباحًا؟ أليس؟ أليس؟ وعدد له منكرات تجري بلا إنكار، وقال: كيف تنتظر النصر من السماء؟ فقال الخديو: وماذا نصنع وقد عاشرنا الأجانب وهذه هي مدنيتهم؟ قال الشيخ: إذن ما ذنب البخاري؟ وما حيلة العلماء؟ ففكر الخديو مليًّا، وأطرق طويلاً ثم قال له: صدقت، صدقت (١). هل تجهر بكلمة الحق لإعلاء دين الله، وتصحيح المفاهيم الخاطئة؟ جهاد الأعداء عن ابن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب: حدثنا عن ساعة العسرة. فقال عمر: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلاً، وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان أحدنا ليذهب فيلتمس الرحل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرثه فيشربه، ثم يجعل ما بقى على كبده. (الطبراني). وعن أبي السائب: أن رجلاً من بني عبد الأشهل قال: شهدت أحدًا أنا وأخ لي فرجعنا جريحين، فلما أذن مؤذن رسول الله بالخروج في طلب العدو قلت لأخي -أو قال لي-: أتفوتنا غزوة مع رسول الله؟ والله! ما لنا من دابة نركبها، وما أنا إلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله، وكنت أيسر جرحًا منه، فكان إذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون. وعن ابن عمر قال: أمَّر رسول الله في غزوة مؤتة زيد بن حارثة، فقال رسول الله ﷺ : "إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة" قال عبد الله: كنت فيهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى، ووجدنا في جسده بضعًا وتسعين من ضربة ورمية، ليس منها شيء في دبره. ستار القدرة يقول سيد قطب: إن المؤمنين ستار القدرة، يفعل الله بهم ما يريد، وينفذ بهم ما

стр. 584

يختاره بإذنه، ليس لهم من الأمر شيء، ولا حول ولا قوة، ولكن الله يختارهم لتنفيذ مشيئته، فيكون منهم ما يريده بإذنه، وهي حقيقة خليقة بأن تملأ قلب المؤمن بالسلام والطمأنينة واليقين (١). وقفة قال البنا: إن الأمة التي تحسن صناعة الموت، وتعرف كيف تموت الموتة الشريفة، يهب لها الله الحياة العزيزة في الدنيا، والنعيم الخالد في الآخرة، وما الوهم الذي أذلنا إلا حب الدنيا وكراهية الموت، فأعدوا أنفسكم لعمل عظيم واحرصوا على الموت توهب لكم الحياة. واعلموا أن الموت لابد منه، وأنه لا يكن إلا مرة واحدة، فإن جعلتموها في سبيل الله كان ذلك ربح الدنيا وثواب الآخرة، وما يصيبكم إلا ما كتب الله لكم، وتدبروا جيدًا قول الله ﵎: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]. فاعملوا للموتة الكبرى تظفروا بالسعادة الكاملة. عزاء والد الشهيد يقول الأستاذ عمر التلمساني: لقد أحيا الإمام الشهيد البنا روح الجهاد في نفوس أبناء هذا الجيل، وتأثر الإمام، وتأثر الشباب، وتأثر آباؤهم وكانت مواقف رائعة. استشهد أحد أبناء الإخوان في فلسطين، فذهب الإمام إلى والد الشهيد ليعزيه، فسمع الناس ورأوا درسًا باهرًا، وقال الوالد للإمام: إن كنت جئت معزيًا فارجع أنت ومن معك. وأما إن كنت جئت لتهمئني فمرحبًا بك وبمن معك، لقد علمتنا الجهاد وبينت لنا ما فيه من عزة ورفعة في الدنيا، وأجر كريم في الآخرة فجزاك الله خيرًا، وإني لحريص على

стр. 585

مضاعفة الأجر، فها هو ولدي الثاني، أقسمت عليك لتصحبنه إلى ميادين الجهاد، فانهمرت الدموع، وعلا النشيج، وتصاعدت الزفرات (١). الرحمة في الجهاد الإسلامي لما كانت الغاية في الجهاد الإسلامي أنبل الغايات، كانت وسيلته كذلك أفضل الوسائل، فقد حرم الله العدوان، قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠] وأمر بالعدل حتى مع الأعداء والخصوم، قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]. وأرشد المسلمين إلى منتهى الرحمة. فهم حينما يقاتلون لا يعتدون ولا يفجرون، ولا يمثلون ولا يسرقون، ولا ينتهبون الأموال، ولا ينتهكون الحرمات ولا يتقدمون بالأذى، فهم في حربهم غير محاربين كما أنهم في سلمهم أفضل مسالمين. عن بريدة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمرَّ الأمير على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله تعالى، ومن معه من المسلمين خيرًا ثم قال:"اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا" [رواه مسلم]. كما ورد النهي عن قتل النساء والصبيان والشيوخ والإجهاز على الجرحى، وإهانة الرهبان ومن لا يقاتل من الآمنين، فأين هذه الرحمة من غارات المتمدينين الخانقة وفظائعهم الشنيعة؟ وأين قانونهم الدولي من هذا العدل الرباني الشامل؟ اللهم فقَّه المسلمين في دينهم، وأنقذ العالم من هذه الظلمات بأنوار الإسلام. من جهاد الأبطال لقد اعتقل يوسف طلعت وإخوانه عام ١٩٤٩م وهم في ميدان الجهاد في فلسطين، وأقيم له معسكر اعتقال بإشراف الجيش المصري، ثم نقلوا إلى معتقل الطور، وحين خرج من المعتقل لم يهدأ، بل ظل يهاجم الإنجليز في المعسكرات بقناة السويس مع أخيه محمد فرغلي والإخوان المجاهدين، حتى إن الانجليز وضعوا جائزة قيمة لمن يعثر عليه أو على أخيه الشيخ فرغلي حيًّا أو ميتًا، فما كان منه إلا أن خرج أمامهم متنكرًا في هيئة شيخ كبير السن يحمل طفلاً رضيعًا، فلم يتعرضوا له لما يتمتع به من هدوء الأعصاب، والقدرة

стр. 586

على تجاوز الصعاب دون أدنى خوف أو وجل (١). يقول نجل الشهيد عبد العزيز الرنتيسي -قبيل وفاة أبيه-: أستيقظ أبي واغتسل وتعطر، وأخذ ينشد -على غير عادته- نشيدًا إسلاميًا مطلعه: أن تدخلني رب الجنة هذا أقصى ما أتمنى، وأضاف: التفت إلى والدتي وقال لها: إنها أفضل الكلمات التي أحبها في حياتي، وحينها شعرت بالقلق (٢). المسلمون = جهاد كلمة المسلمين "معرفة ونكرة" وردت في القرآن ٤١ مرة، وكذلك كلمة الجهاد بمشتقاتها وردت ٤١ مرة في القرآن الكريم، وفي هذا إشارة إلى أن المسلمين = جهاد، أي لا مسلمون بلا جهاد ولا جهاد بلا مسلمين، فكأن الجهاد المقدس لا يصدر إلا من مسلم، وليس هناك مسلم إلا ويجاهد لرفعة دينه (٣). حب الشهادة في إحدى معارك ١٩٤٨ م بفلسطين يقول أحمد عيد: كانت ذراع أحدهم تنزف بغزارة، تقدمت منه وحاولت أن أثنيه عن عزمه بجذبه أو هزه؛ لعله في غيبوبة فيفيق منها فنظر إليَّ بعينين براقتين، وقال: ليتها كانت القاضية يا أخي، إنني أشم رائحة الجنة فكيف تحرمني من هذا النعيم؟ دعني أمضي في سبيلي، فلم أر مناصًا من موافقته على ما أراد، وأذعن لمشيئته، ومضينا صعودًا والنيران تنهمر كأفواه القرب، غزارة ثم طيشًا، إلى غير هدف كأن أيدي خفية تصدها عنا، وتحمينا من لظاها، وكنا كلما اقتربنا من خط العدو انفرجت أساريرنا وزاد حماسنا. فجأة ظهرنا بمجموعاتنا كاملة، وفي أيدينا خناجر، تلمح وتضيء، فتمزق أستار الليل، وتمزق جنود العدو الهارب. ورحنا نتنادى ونتعارف، الله أكبر ولله الحمد، والمواقع تنهار، وكأنها الهشيم، وسكن

стр. 587

الكون إلا عن صدى النداء المعظم "الله أكبر"، بحثت عن الأخ الجريح، فوجدت مشهدًا مؤثرًا بالغ الروعة، وجدته مرتميًا فوق جثة أحد الصهاينة ويداه مطبقتان على عنقه والصهيوني جاحظ عيناه، قد فارق الحياة. جذبت الأخ برفق فإذا خنجره في صدره، لقد صمم على الشهادة فنالها، وأراد سبيل الله فمضى فيها. وبصعوبة بالغة استطعت أن أنزع يديه عن عنق الصهيوني، وكأنهما أصبحا قطعة واحدة (١). نموذج المجاهد يقول البنا: أستطيع أن أتصور المجاهد شخصًا قد أعد عدته وأخذ أهبته، وقلَّب عليه الفكر فيما هو فيه نواصي نفسه وجوانب قلبه، فهو دائم التفكير، عظيم الاهتمام على قدم الاستعداد أبدًا، إن دُعي أجاب، أو نودي لبى، غدوه ورواحه وحديثه وكلامه وجده ولعبه، لا يتعدى الميدان الذي أعد نفسه له، ولا يتناول سوى المهمة التي وقف عليها حياته وإرادته، يجاهد في سبيلها، تقرأ في قسمات وجهه، وترى في بريق عينيه، وتسمع من فلتات لسانه ما يدلك على ما يضطرم في قلبه من جوى لاصق وسر دفين، وما تفيض به نفسه من عزم صادق وهمة عالية وغاية بعيدة. أما المجاهد الذي ينام ملء جفنيه، ويأكل ملء ماضغيه، ويضحك ملء شدقيه، يقضي وقته لاهيًا عابثًا ماجنًا، فهيهات أن يكون من الفائزين أو يكتب في عداد المجاهدين. خطبة ثورية خطب الشيخ الشهيد أحمد ياسين ذات مرة، وكان يبدو منفعلاً فجاءت كلماته رصاصًا في قلب الأعداء، بردًا وسلامًا على قلوب الأحباب والإخوان، قال ﵀: والآن وقد بدأت الصحوة الإسلامية في الشرق وفي الغرب، وفي كل مكان فلابد لكل مسلم أن يسأل نفسه: ما هو دوري في هذه الصحوة؟ وما هو دوري في معركة الإسلام؟ أين أقف الآن؟ وما هو موقفي؟ إنه ليس من الحكمة أن نقف -فقط- ونلعن الظلام، بل لابد أن نضيء الشموع لنطرد الظلام ونبدد الحلكة. إن دعوة الله أمانة وهي بين أيدينا، فعلينا أن نبلغها للناس

стр. 588

بالسلوك الحميد واللمحة الطيبة والمعاملة الحسنة، علينا أن نبلغها بالدفاع عنها بالفكر والجهاد والقلم واليد واللسان، حتى تصل إلى الناس جميعًا، وحتى نؤدي واجب هذه الدعوة (١). حزن عميق والله إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا لما حل بأمة الإسلام لمحزونون!! أهذه هي الأمة التي زكاها ربها، وكرمها في قرآنه حين قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. أهذه هي الأمة التي زكاها ربها بالاعتدال والوسطية، فقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. أهذه هي الأمة التي زكاها الله في القرآن بالألفة والوحدة، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢]. ألا يا نفس ويحك ساعديني ... بسعي منك في ظلم الليالي لعلك في القيامة أن تفوزي ... بطيب العيش في تلك الفلالي الخوف من الله دفعه للشهادة ثابت بن قيس رآه رسول الله ﷺ ذات يوم هلعًا جزعًا ترتعد فرائصه خوفًا وخشية، فقال له: "ما بك يا أبا محمد؟! " فقال: أخشى أن أكون قد هلكت يا رسول الله. قال: "ولم؟! " قال: لقد نهانا الله عن أن نحب أن نحمد بما لم نفعل، وأجدني أحب الحمد، ونهانا عن الخيلاء، وأجدني أحب الزهو، فما زال الرسول صلوات الله وسلامه عليه يهديء من روعه حتى قال: "يا ثابت، ألا ترضى أن تعيش حميدًا وتقتل شهيدًا وتدخل الجنة؟ " فأشرق وجه ثابت بهذه البشرى، وقال: بلى يا رسول الله، بلى يا رسول الله، فقال الرسول: "إن لك ذلك". فأقبل ثابت على الجهاد، لطلب الشهادة ودخول الجنة، ومضى به الأجل إلى حروب الردة ضد مسيلمة الكذاب ومدعي النبوة، وفيها تحنط ثابت وتكفن ووقف على رءوس

стр. 589

الأشهاد وقال: يا معشر المسلمين، ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله؛ بئس ما عودتم أعداءكم من الجرأة عليكم، وبئس ما عودتم أنفسكم من الانخذال لهم، ثم رفع طرفه على السماء وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء من الشرك -يعني مسيلمة وقومه-، وأبرأ إليك مما يصنع هؤلاء -يعني المسلمين-. ثم هب هبة الأسد الضاري كتفًا لكتف مع الغر الميامين: البراء بن مالك الأنصاري، وزيد بن الخطاب أخو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وسالم مولى أبي حذيفة وغيرهم وغيرهم من المؤمنين السابقين، وأبلى بلاء عظيمًا ملأ قلوب السلمين حمية وعزمًا، وشحن أفئدة الشركين وهنًا ورعبًا. وما زال يجالد في كل اتجاه، ويضارب بكل سلاح حتى أثخنته الجراح، فخر صريعًا على أرض المعركة، قرير العين بما كتب الله له من الشهادة التي بشره بها حبيبه رسول الله ﷺ مثلوج الصدر بما حقق الله على يديه للمسلمين من النصر. ولم يقف بهم الشوق إلى الشهادة لنيل الجنة إلى هذا الحد، ولكنهم وجدوا ريح الجنة في مكان نيلها، وهم أحياء قبل الشهادة (١). يا فلسطين كيف أبدي بأحرف ما أريد ... وبماذا تراه يحكي القصيد كل يوم تدق بابي عظات ... ويهز الفؤاد خطب جديد لك الله يا شعب فلسطين، صراخ وعويل وأنين، وقتل وتشريد للمدنيين، هتك عرض، ونهب أرض، وهدم بيوت، وأنفس تقتل وتموت، وآلاف المعتقلين بالسجون، وجرحى ومصابون، وآخرون مشوهون ومعاقون، فإنا لله وإنا إليه راجعون (٢). كيف ننام ملء جفوننا، ونحن نرى صور الأمهات الثكالى، وهن ينتحبن بجوار جثث أبنائهن وأزواجهن. نساء ضعيفات عجائز كبيرات يرمقن الجنائز بعين الأسى والحسرة. إلى متى تلك المجازر يا بني ... قومي أما اهتزت لكم أعراق أوليس من قُتلوا ومن صُلبوا ... لنا أهلاً فأين البر والإشفاق

стр. 590

إن لم يكن دين فكل فضيلة ... هدر وليس لكافر ميثاق واضيعة الإسلام في أوطانه ... ضاقت به وبأهله الآفاق في كل ناحية أنين ثواكل ... وأرامل تغلي بها الأعماق أرثي لأوطاني ومن باتوا ... على غفلاتهم والغافلون أفاقوا فمتى سينقشع الظلام ويرتقي ... علم الجهاد الظافر الخفاق البطل الليبي البطل الليبي "عمر المختار" الذي حارب الاستعمار الإيطالي، وجيوشه المجهزة بأحدث أسلحة عصره، بالقلة المؤمنة العزلاء، أو شبه العزلاء من جنده؛ وقف يحارب الطائرة بالحصان، والمدفع بالسيف، واستطاع أن ينزل بأعدائه ضربات موجعة، ولم يرض بالتسليم ساعة ما، رغم نفاد قوته المادية كلها، ولكنه ظل يقول للطليان: لئن كسر المدفع سيفي، فلن يكسر الباطل حقي. وكان مريضًا بالحمى، تهز رعدتها جسده، وترتعد بها فرائصه، ورغم هذا قال لجنوده: اربطوني على ظهر جوادي بالحبال حتى لا أتخلف عن القتال معكم. وحين ظفر به الجيش المستعمر وحكموا عليه بالإعدام تقبل الحكم برحابة صدر، وابتسامة سخرية، وقال له بعضهم -قبل تنفيذ الحكم-: اطلب العفو ونحن نطلق سراحك، فأجابهم بكل إباء وشمم: لو أطلقتم سراحي لعدت لمحاربتكم من جديد (١). اللهم احشرني من حواصل الطير عن أبي قدامة الشامي قال: كنت أميرًا على الجيش في بعض الغزوات فدخلت بعض البلدان فدعوت الناس إلى الغزو ورغبتهم في الثواب، وذكرت فضل الشهادة وما لأهلها، ثم تفرق الناس وركبت فرسي وسرت إلى منزلي فإذا أنا بامرأة من أحسن الناس تُنادي: يا أبا قدامة، فقلت: هذه مكيدة من الشيطان. فمضيت ولم أجب. فقالت: ما هكذا كان الصالحون، فوقفت، فجاءت ودفعت إلى رقعة وخرقة مشدودة وانصرفت باكية. فنظرت إلى الرقعة فإذا فيها مكتوب: إنك دعوتنا إلى الجهاد ورغبتنا في الثواب، ولا

стр. 591

قدرة لي على ذلك فقطعت أحسن ما في، وهما ضفيرتاي وأنفذتهما إليك لتجعلهما قيد فرسك، لعل الله يرى شعري قيد فرسك في سبيله فيغفر لي. فلما كانت صبيحة القتال فإذا بغلام بين يدي الصفوف يقاتل فتقدمت إليه وقلت: يا فتى أنت غلام غر راجل ولا أمن أن تجول الخيل فتطأك بأرجلها فارجع عن موضعك هذا. فقال: أتأمرني بالرجوع؟ وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ [الأنفال: ١٥ - ١٦]. فحملته على هجين كان معي فقال: يا أبا قدامة ثلاثة أسهم. فقلت: أهذا وقت قرض؟ فما زال يلح علي حتى قلت بشرط: إن من الله عليك بالشهادة أكون في شفاعتك. قال: نعم. فأعطيته ثلاثة أسهم فوضع سهمًا في قوسه وقال: السلام عليك يا أبا قدامة. ورمى به فقتل روميًا. ثم رمى بالآخر وقال: السلام عليك يا أبا قُدامة فقتل روميًا. ثم رمى بالآخر وقال: السلام عليك سلام مودع. فجاءه سهم فوقع بين عينيه فوضع رأسه على قربوس (١) سرجه. فتقدمت إليه وقلت: لا تنسها. فقال: نعم ولكن لي إليك حاجة: إذا دخلت المدينة فأت والدتي وسلم خرجي إليها وأخبرها فهي التي أعطتك شعرها لتقيد به فرسك، وسلم عليها فإنها العام الأول أصيبت بوالدي، وفي هذا العام بي ثم مات. فحفرت له ودفنته. فلما هممنا بالانصراف عن قبره قذفته الأرض فألقته على ظهرها. فقال أصحابي: إنه غلام غر ولعله خرج بغير إذن أمه. فقلت: إن الأرض لتقبل من هو شر من هذا. فقمت وصليت ركعتين ودعوت الله فسمعت صوتًا يقول: يا أبا قدامة أنزل ولي الله.

стр. 592

فما برحت حتى نزلت عليه طيور فأكلته، فلما أتيت المدينة ذهبت إلى دار والدته فلما قرعت الباب خرجت أخته إلي فلما رأتني عادت وقالت: يا أماه هذا أبو قدامة ليس معه أخي، فقد أُصبنا في العام الأول بأبي، وفي هذا العام بأخي. فخرجت أمه إلي فقالت: أمعزيًا أم مهنئًا؟ فقلت: ما معنى هذا؟ فقالت: إن كان مات فعزني، وإن كان استُشهد فهنئني. فقلت: لا بل مات شهيدًا. فقالت: له علامة فهل رأيتها. قلت: نعم لم تقبله الأرض ونزلت الطيور فأكلت لحمه وتركت عظامه فدفنتها. فقالت: الحمد لله. فسلمت إليها الخرج ففتحته فأخرجت منه مسحًا وغلاً من حديد. وقالت: إنه كان إذا جنه الليل لبس هذا المسح وغل نفسه بهذا الغُل وناجى مولاه، وقال في مناجاته: اللهم احشرني من حواصل الطيور. فقد استجاب الله دعاءه. صور أخرى وذكر البنا ﵀ صورًا وألوانًا أخرى للجهاد فقال: ١ - من الجهاد في الإسلام أيها الحبيب: عاطفة حية قوية تفيض حنانًا إلى عز الإسلام ومجده، وتهفو شوقًا إلى سلطانه، وتبكي حزنًا على ما وصل إليه المسلمون من ضعف، وما وقعوا فيه من مهانة، وتشتعل ألمًا على هذه الحال التي لا ترضي الله ولا ترضي الرسول ﷺ . لمثل هذا يذوب القلب من كمد ... إن كان في القلب إسلام وإيمان ٢ - من الجهاد في سبيل الله أيها الحبيب: أن يحملك هذا الهم الدائم والجوى اللاحق على التفكير الجيد في طريق النجاة، وتلمس سبيل الخلاص، وقضاء وقت طويل في فكرة عميقة تمحص بها سبل العمل وتتلمس فيها أوجه الحيل لعلك تجد لأمتك منفذًا أو تصادف منقذًا، ونية المرء خير من عمله، والله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. ٣ - ومن الجهاد في سبيل الله أيها الحبيب: أن تنزل عن بعض وقتك وبعض مالك، وبعض مطالب نفسك لخير الإسلام والمسلمين، فإن كنت قائدًا ففي مطالب القيادة تنفق،

стр. 593

وإن كنت تابعًا ففي مساعدة الداعين تفعل، وفي كل خير قال تعالى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥]. ٤ - ومن الجهاد في سبيل الله أيها الحبيب: أن تأمر بالعروف وتنهى عن المنكر وأن تنصح لله ورسوله وكتابه ولأئمة السلمين وعامتهم، وأن تدعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وما ترك قوم التناصح إلا ذلوا، وما أهملوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا خذلوا، قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩] [المائدة: ٧٨]. ٥ - ومن الجهاد في سبيل الله: أن تتنكر لمن تنكر لدينه، وأن تقاطع من يعادي الله ورسوله، فلا يكون بينك وبينه صلة، ولا مؤاكلة ولا مشاربة .. وفي الحديث: "إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض" [رواه أبو داود]. ٦ - ومن الجهاد في سبيل الله أيها الحبيب: أن تكون جنديًا لله تقف له نفسك ومالك لا تبقى على ذلك من شيء، فإذا هدد مجد الإسلام وديست كرامته ودوى نفير النهضة لاستعادة مجد الإسلام كنت أول مجيب للنداء، وأول متقدم للجهاد. وبذلك يتحقق ما يريد الله من نشر الإسلام حتى يعم الأرض جميعًا. ٧ - ومن الجهاد في سبيل الله أيها الحبيب: أن تعمل على إقامة ميزان العدل وإصلاح شئون الخلق، وإنصاف الظلوم والضرب على يد الظالم، مهما كان مركزه وسلطانه، جاء في الحديث: "أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان أو أمير جائر" الترمذي، وجاء أيضًا: "سيد الشهداء حمزة بن عبد الطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله" الطبراني. ٨ - ومن الجهاد في سبيل الله ﵎: إن لم توفق إلى شيء من ذلك كله أن تحب المجاهدين من كل قلبك، وتنصح لهم بمحض رأيك، وقد كتب الله لك بذلك الأجر وأخلاك من التبعة، ولا تكن غير ذلك فيطبع الله على قلبك ويؤاخذك أشد المؤاخذة. ***

стр. 594

التضحية لا جهاد بلا تضحية، فمن ظن أنه يستطيع أن يجاهد في سبيل الله وينتصر دون تضحية فقد خاب ظنه، والتضحية ألوان متعددة: بالمال، والوقت، والجهد، والأهل، والعشيرة، بل والنفس في سبيل نشر الدعوة، وإقامة الدين وحفظه، وهكذا أقيم المجتمع المسلم الأول على أكتاف رجال ضحوا بكل شيء. إن أهل الباطل يتفانون في الدفاع عن باطلهم، ويغتنمون الفرص المناسبة للهجوم علي المعتقدات التي يرون أنها تهدد وجود باطلهم الذي يتوقف وجودهم عليه، قال تعالى: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨)﴾ [ص: ٥ - ٨] فأين أهل الحق من التضحية من أجل دينهم؟! من أنواع التضحية ١ - تضحية بالعلاقات الاجتماعية قال ابن إسحاق: قال عمر بن الخطاب ﵁: لما قدمنا المدينة نزلت مع عياش بن أبي ربيعة في بني عمرو بن عوف بقباء، وخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام إلى عياش بن أبي بيعة، وكان ابن عمهما وأخاها لأمهما، حتى قدما علينا المدينة ورسول الله بمكة، فكلماه وقالا له: إن أمك قد نذرت أن لا يمس رأسها مشط حتى تراك ولا تستظل من شمس حتى تراك، فرقَّ لها. وهكذا ندرك كيف يبذل دعاة الضلال من وقتهم وجهدهم وأموالهم في سبيل نصرة باطلهم، ومحاولة إخماد دعوة الحق، حيث خرج أبو جهل وأخوه من مكة إلى المدينة وتحملا عناء السفر من أجل محاولة فتنة فرد واحد عن دينه، أفلا يتحمل المسلمون مثل هذا الجهد أو أفضل منه من أجل دعوة الناس إلى الرشد واتباع الحق؟!

стр. 595

لقد حاول أبو جهل أن يدخل على عياش من الجانب المؤثر عليه، حيث ذكر وضع أمه ليكسب موافقته على العودة، وهو يعلم أن عياش من أهل البر والصلة. قال عمر: يا عياش، إنه والله إن يريد القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم فوالله لو آذي أمك القمل لامتشطت، ولو اشتد عليها حر مكة لاستظلت. فقال عياش: أبر قسم أمي، ولي هناك مال فآخذه، وهنا وقع عياش في شباك عاطفة القرابة، فقال عمر: والله إنك لتعلم أني لمن أكثر قريش مالاً فلك نصف مالي ولا تذهب معهما، قال: فأبي عليَّ إلا أن يخرج معهما، فلما أبي إلا ذلك قال: قلت له: أما إذ قد فعلت فخذ ناقتي هذه، فإنها ناقة نجيبة ذلول، فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم ريب فانجُ عليها. وهذه تضحية كبيرة من عمر حيث تنازل لعياش عن نصف ماله وعن ناقته، والمال من أعز المحبوبات لدي الإنسان. قال عمر: فخرج عليها -يعني علي ناقة عمر- معهما حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: يا ابن أخي، والله لقد استغلظ عليَّ بعيري هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه؟ قال: بلي، قال: فأناخ، وأناخا ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه رباطًا، ثم دخلا به مكة، وفتناه فافتتن. قالا: يا أهل مكة هكذا فافعلوا بسفهائكم كما فعلنا بسفيهنا هذا. وفي ذلك عبرة للمسلمين حتى لا يأمنوا الكفار، وإن أظهروا لهم المودة وقدموا لهم المعونة، إن ذلك نوع من الطعم الذي يصطادون به المسلمين، قال تعالى: ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨]. محاولة اغتيال فاشلة روي ابن أبي شيبة عن عمرو بن العاص ﵁ قال: ما رأيت قريشا أرادوا قتل النبي ﷺ إلا يومًا، ائتمروا به وهم جلوس في ظل الكعبة، ورسول الله ﷺ يصلي عند المقام فقام إليه عقبة بن أبي معيط فجعل رداءه في عنقه ثم جذبه حتى وجب لركبتيه ساقطًا، وتصايح الناس حتى ظنوا أنه مقتول، فأقبل أبو بكر يشتد، حتى أخذ

стр. 596

بضبعي رسول الله من ورائه وهو يقول: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر: ٢٨]. ثم انصرفوا عن النبي، فقام رسول الله ﷺ فصلي، فلما قضي صلاته مر بهم -وهم جلوس في ظل الكعبة- فقال: يا معشر قريش: "أما والذي نفس محمد بيده: ما أرسلت إليكم إلا بالذبح، وأشار بيده إلى حلقه" فقال له أبو جهل: ما كنت جهولاً، فقال رسول الله ﷺ : "أنت منهم". وتحمل الرسول الكثير من الإيذاء من أجل دعوة الناس إلى الخير، فلا تجزع من أول بلاء وتذكر تضحية الرسول ﷺ . إيذاء شديد: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "بينما رسول الله ﷺ قائم يصلي عند الكعبة وجمع من قريش في مجالسهم إذ قال قائل منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائي؟ أيكم يقوم إلى جزور آل فلان، فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها، فيجيء به ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه؟ فانبعث أشقاهم (هو عقبة بن أبي معيط)، فلما سجد رسول الله ﷺ وضعه بين كتفيه، وثبت النبي ﷺ ساجدًا، فضحكوا حتى مال بعضهم إلى بعض من الضحك، فانطلق منطلق إلى فاطمة ﵂ -وهي جويرية- فأقبلت تسعى، وثبت النبي ﷺ حتى ألقته عنه، وأقبلت تسبهم، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال: "اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش" ثم سمى: "اللهم عليك بعمرو بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشية بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط، وعمارة بن الوليد" قال ابن مسعود: فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب -قليب بدر- ثم قال رسول الله ﷺ :"وأتبع أصحاب القليب لعنة". احذر المعوقات يقول فتحي يكن: لقد اختارت القيادة مجموعة من الإخوة لحرب الإنجليز المحتلين في القناة سنة ١٩٥١ م، وعند السفر قال لهم أخ: أمهلوني يومًا واحدًا حتى أعود إلي المنزل أرتب أموري فحذروه، ولكنه استأذن، فغاب عنهم خمسة عشر يومًا، فلما لحق بهم سألوه، فقال لهم: لقد أحسَّت بي زوجتي فكانت كلما هممت بالخروج (صوَّتت) وجمعت على العائلة .. حتى تغفلتها وهربت.

стр. 597

يقول الأستاذ فتحي يكن: أعرف أخًا كان قبل زواجه مقدامًا معطاء، ولقد نكب بزوجة سيئة وضعت الموت والفقر بين عينيه، فكانت كلما رزق بغلام ذكرته بحقه (المادي) عليه، وأن عليه مضاعفة السعي من أجله .. ولما تكاثرت ذريته -وامرأته على الشاكلة- سقط في الامتحان، وأصبح عبدًا للدنيا بعد أن أصبح عبدًا للزوجة (١). ٢ - التضحية بالوقت والجهد هاجر مصعب بن عمير من مكة إلى المدينة بأمر من الرسول، فترك الوطن والأهل والمال وبذل كل وقته سعيًا بين الأوس والخزرج داعيًا إلي الله على بصيرة وبالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، فمهد لهجرة النبي ﷺ فكان خير سفير، وعاد باثنين وسبعين رجلاً وامرأتين إلى رسول الله ﷺ بعد أن آمنوا، وكذلك جعفر بن أبي طالب وإخوانه الذين هاجروا معه إلى الحبشة، والأمثلة كثيرة من أصحاب الهمم العالية. ٣ - التضحية بالمال قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥]. يأتي أبو بكر ﵁ بكل ماله في غزوة تبوك؛ أربعة آلاف درهم، ويسأله رسول الله ﷺ : هل أبقيت لأهلك شيئًا؟ فيقول: أبقيت لهم الله ورسوله. لا تبخل علي إخوانك المحتاجين. هذا لا يأخد أجرًا انتدب الأزهر الأستاذ عمر التلمساني لإلقاء بعض المحاضرات في الشريعة والقانون بالجامعة، وكان ذلك أيام الدكتور عبد الحليم محمود، فلما جاء كشف صرف المكافآت للسادة الأساتذة المحاضرين المنتدبين، إذا بالدكتور عبد الحليم محمود يجد اسم الأستاذ عمر التلمساني مدرجًا بالكشف فقال للمسئول: ارفع اسم الأستاذ عمر من الكشف، هذا لا يأخذ أجرًا (ده مش بتاع كده) ودار حوار، ولم يرفع المسئول اسم الأستاذ عمر. ولما كان وقت صرف المكافآت، ذهب المسئول بالكشف للأستاذ عمر ليوقع، فأبى.

стр. 598

فذهب المسئول للدكتور عبد الحليم محمود، فقال الدكتور عبد الحليم محمود: ألم أقل لك أن الأستاذ عمر لا يأخذ أجرًا. باع الجاموسة أيام حرب فلسطين ١٩٤٨ م سجل فلاح من الإخوان -اسمه حسن الطويل- اسمه في كتائب المتطوعين، وترك أهله وأرضه وكل شيء، بل باع (جاموسته) ليشتري بثمنها سلاحا، فقال له الحاج أحمد البس: يا حسن دع الجاموسة لأولادك وحسبك أنك تطوعت بنفسك، وعلى غيرك ممن لم يجاهد بنفسه أن يجاهد بماله، فرد عليه حسن قائلا: هل قال الله تعالى: وجاهدوا بأنفسكم فقط، أم قال: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ٤١]؟ هل اشترى منا النفس وحدها، أم النفس والمال ليعطينا الجنة؟ أم تريدون أن نتسلم (البضاعة) دون أن ندفع الثمن. ٤ - التضحية بالنفس عن أم حارثة بن سراقة ﵂ أنها أتت النبي ﷺ فقالت: يا نبي الله ألا تحدثني عن حارثة -وكان قُتل يوم بدر أصابه سهم غَرب (لا يعرف راميه) - فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء، قال: "يا أم حارثة، إنها جنان في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى" [رواه البخاري]. إن القلب ليطير فرحًا مع هذا الصحابي الذي نال الفردوس الأعلى، ألا تشتاق أن تكون معه في جنة عرضها السماوات والأرض تحت عرش الرحمن، فسارع من الآن قبل فوات الأوان. تضحية ضمرة استمع الصحابي ضمرة بن جندب ﵁ إلي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)﴾ [النساء: ٩٧ - ٩٨]. فحين استمع إلى هذه الآيات وكان بمكة لم يهاجر بعد، وكان مسنًا لا يقوي على احتمال السفر، قال لبنيه: احملوني فإني لست من المستضعفين وإني لأهتدى إلى

стр. 599

الطريق، والله لا أبيت الليلة بمكة، فحملوه على سرير متوجهًا إلى المدينة، فمات بالتنعيم، ولما أدركه الموت أخذ يصفق بيمينه على شماله ثم قال: "اللهم هذه لك، وهذه لرسولك، أبايعك علي ما بايعك عليه رسولك"، فمات حميدًا، فلما بلغ خبره أصحاب النبي ﷺ فقالوا: لو توفي بالمدينة لكان أتم أجرًا، وقال المشركون وهم يضحكون: ما أدرك هذا ما طلب، فنزلت الآية: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٠]. أنها التضحية الصادقة مع الله، فرزقه الله الشهادة، فهل أنت صادق في حبك للإسلام، وعلي استعداد للتضحية من أجل نصرته؟ وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: بعثنا رسول الله ﷺ وأمر علينا أبا عبيدة ابن الجراح ﵁ نتلقى بعيرًا لقريش، وزودنا جرابًا من تمر لم يجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة؛ نمصها كما يمص الصبي، ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل، وكنا نضرب بعصينا الخبط (ما يسقط من ورق الشجر) ثم نبله بالماء فنأكله. [رواه أبو داود]. أين التضحية ؟! عن ابن عمر قال: بلغ عمر بن الخطاب ﵁ أن يزيد بن أبي سفيان ﵄ يأكل ألوان الطعام، فقال لمولى له يقال له يرفأ: إذا علمت أنه قد حضر طعامه فأعلمني، فلما حضر غداؤه جاء فأعلمه، فأتى عمر فسلم واستأذن فأذن له، فدخل فجاء بلحم فأكل عمر معه منه، ثم قرب شواء فبسط يده وكف عمر يديه ثم قال عمر: الله يا يزيد بن أبي سفيان: أطعام بعد طعام، والذي نفس عمر بيده لئن خالفتم عن سنتهم ليخالفن بكم عن طريقهم. عليك بالتضحية بوجبة من وجباتك لإخوانك الفقراء، وليكن طعامك في هذا اليوم خشنًا، للتعود على جهاد النفس، فهو الطريق للتضحية بالنفس في سبيل الله دون تخاذل. فهم خاطيء عن أبي عمران قال: كنا بمدينة الروم فأخرجوا إلينا صفًا عظيما من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة

стр. 600

بن عبيد، فحمل رجل من المسلمين، على صف الروم حتى دخل بينهم فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقي بيده إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: أيها الناس أنتم تتأولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت فينا معشر الأنصار، لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه قال بعضنا لبعض سرًّا دون رسول الله ﷺ : إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله تعالى أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا وأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله تعالى على نبيه ما يرد علينا ما قلناه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] وكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحنا وتركنا الغزو، فما زال أبو أيوب شاخصًا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم. إن البشر إلى فناء، وإن العقيدة إلى بقاء، ومنهج الله للحياة مستقل في ذاته، فإذا كان العمر مكتوبًا، والأجل مرسومًا، فلتنظر نفس ما قدمت لغد؟ ولتنظر نفس ماذا تريد؟ أتريد أن تقعد عن تكاليف الإيمان، وأن تحصل همها كله في هذه الأرض، وأن تعيش لهذه الدنيا وحدها؟ أم تريد أن تتطلع إلى أفق أعلى، وإلى اهتمامات أرفع، فالخوف والهلع والحرص لا تطيل أجلاً، والشجاعة والثبات والإقدام لا تقصر عمرًا، فلا نامت أعين الجبناء. أريد أن أطأ بعرجتي في الجنة كان عمرو بن الجموح ﵁ أعرج شديد العرج، وكان له أربعة بنين شباب، يغزون مع رسول الله ﷺ إذا غزا، فلما توجهوا إلى أحد أراد أن يتوجه معهم، فقال له بنوه: إن الله قد جعل لك رخصة، فلو قعدت ونحن نكفيك، وقد وضع الله عنك الجهاد، فأتى عمرو بن الجموح رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن بني هؤلاء يمنعوني أن أخرج معك، والله إني لأرجو أن أستشهد، فأطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال له رسول الله ﷺ : "أما أنت فقد وضع الله عنك الجهاد، وقال لبنيه: وما عليكم أن تدعوه؟ لعل الله أن يرزقه الشهادة" فخرج مع رسول الله ﷺ فقتل يوم أحد شهيدًا. كم كان مشتاقًا إلى دخول الجنة بالعمل لا بالقول فحسب، فالتضحية بالنفس تكون بالدعاء ليل نهار أن يرزقك الله الشهادة، وتتصف بصفات المجاهدين، وتضحي بنفسك كما فعل سحرة فرعون.
следующие страницы →