← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96918

موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق

ياسر عبد الرحمن

Полный текст (763 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

بضبعي رسول الله من ورائه وهو يقول: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر: ٢٨]. ثم انصرفوا عن النبي، فقام رسول الله ﷺ فصلي، فلما قضي صلاته مر بهم -وهم جلوس في ظل الكعبة- فقال: يا معشر قريش: "أما والذي نفس محمد بيده: ما أرسلت إليكم إلا بالذبح، وأشار بيده إلى حلقه" فقال له أبو جهل: ما كنت جهولاً، فقال رسول الله ﷺ : "أنت منهم". وتحمل الرسول الكثير من الإيذاء من أجل دعوة الناس إلى الخير، فلا تجزع من أول بلاء وتذكر تضحية الرسول ﷺ . إيذاء شديد: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "بينما رسول الله ﷺ قائم يصلي عند الكعبة وجمع من قريش في مجالسهم إذ قال قائل منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائي؟ أيكم يقوم إلى جزور آل فلان، فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها، فيجيء به ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه؟ فانبعث أشقاهم (هو عقبة بن أبي معيط)، فلما سجد رسول الله ﷺ وضعه بين كتفيه، وثبت النبي ﷺ ساجدًا، فضحكوا حتى مال بعضهم إلى بعض من الضحك، فانطلق منطلق إلى فاطمة ﵂ -وهي جويرية- فأقبلت تسعى، وثبت النبي ﷺ حتى ألقته عنه، وأقبلت تسبهم، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال: "اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش" ثم سمى: "اللهم عليك بعمرو بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشية بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط، وعمارة بن الوليد" قال ابن مسعود: فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب -قليب بدر- ثم قال رسول الله ﷺ :"وأتبع أصحاب القليب لعنة". احذر المعوقات يقول فتحي يكن: لقد اختارت القيادة مجموعة من الإخوة لحرب الإنجليز المحتلين في القناة سنة ١٩٥١ م، وعند السفر قال لهم أخ: أمهلوني يومًا واحدًا حتى أعود إلي المنزل أرتب أموري فحذروه، ولكنه استأذن، فغاب عنهم خمسة عشر يومًا، فلما لحق بهم سألوه، فقال لهم: لقد أحسَّت بي زوجتي فكانت كلما هممت بالخروج (صوَّتت) وجمعت على العائلة .. حتى تغفلتها وهربت.

стр. 597

يقول الأستاذ فتحي يكن: أعرف أخًا كان قبل زواجه مقدامًا معطاء، ولقد نكب بزوجة سيئة وضعت الموت والفقر بين عينيه، فكانت كلما رزق بغلام ذكرته بحقه (المادي) عليه، وأن عليه مضاعفة السعي من أجله .. ولما تكاثرت ذريته -وامرأته على الشاكلة- سقط في الامتحان، وأصبح عبدًا للدنيا بعد أن أصبح عبدًا للزوجة (١). ٢ - التضحية بالوقت والجهد هاجر مصعب بن عمير من مكة إلى المدينة بأمر من الرسول، فترك الوطن والأهل والمال وبذل كل وقته سعيًا بين الأوس والخزرج داعيًا إلي الله على بصيرة وبالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، فمهد لهجرة النبي ﷺ فكان خير سفير، وعاد باثنين وسبعين رجلاً وامرأتين إلى رسول الله ﷺ بعد أن آمنوا، وكذلك جعفر بن أبي طالب وإخوانه الذين هاجروا معه إلى الحبشة، والأمثلة كثيرة من أصحاب الهمم العالية. ٣ - التضحية بالمال قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥]. يأتي أبو بكر ﵁ بكل ماله في غزوة تبوك؛ أربعة آلاف درهم، ويسأله رسول الله ﷺ : هل أبقيت لأهلك شيئًا؟ فيقول: أبقيت لهم الله ورسوله. لا تبخل علي إخوانك المحتاجين. هذا لا يأخد أجرًا انتدب الأزهر الأستاذ عمر التلمساني لإلقاء بعض المحاضرات في الشريعة والقانون بالجامعة، وكان ذلك أيام الدكتور عبد الحليم محمود، فلما جاء كشف صرف المكافآت للسادة الأساتذة المحاضرين المنتدبين، إذا بالدكتور عبد الحليم محمود يجد اسم الأستاذ عمر التلمساني مدرجًا بالكشف فقال للمسئول: ارفع اسم الأستاذ عمر من الكشف، هذا لا يأخذ أجرًا (ده مش بتاع كده) ودار حوار، ولم يرفع المسئول اسم الأستاذ عمر. ولما كان وقت صرف المكافآت، ذهب المسئول بالكشف للأستاذ عمر ليوقع، فأبى.

стр. 598

فذهب المسئول للدكتور عبد الحليم محمود، فقال الدكتور عبد الحليم محمود: ألم أقل لك أن الأستاذ عمر لا يأخذ أجرًا. باع الجاموسة أيام حرب فلسطين ١٩٤٨ م سجل فلاح من الإخوان -اسمه حسن الطويل- اسمه في كتائب المتطوعين، وترك أهله وأرضه وكل شيء، بل باع (جاموسته) ليشتري بثمنها سلاحا، فقال له الحاج أحمد البس: يا حسن دع الجاموسة لأولادك وحسبك أنك تطوعت بنفسك، وعلى غيرك ممن لم يجاهد بنفسه أن يجاهد بماله، فرد عليه حسن قائلا: هل قال الله تعالى: وجاهدوا بأنفسكم فقط، أم قال: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ٤١]؟ هل اشترى منا النفس وحدها، أم النفس والمال ليعطينا الجنة؟ أم تريدون أن نتسلم (البضاعة) دون أن ندفع الثمن. ٤ - التضحية بالنفس عن أم حارثة بن سراقة ﵂ أنها أتت النبي ﷺ فقالت: يا نبي الله ألا تحدثني عن حارثة -وكان قُتل يوم بدر أصابه سهم غَرب (لا يعرف راميه) - فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء، قال: "يا أم حارثة، إنها جنان في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى" [رواه البخاري]. إن القلب ليطير فرحًا مع هذا الصحابي الذي نال الفردوس الأعلى، ألا تشتاق أن تكون معه في جنة عرضها السماوات والأرض تحت عرش الرحمن، فسارع من الآن قبل فوات الأوان. تضحية ضمرة استمع الصحابي ضمرة بن جندب ﵁ إلي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)﴾ [النساء: ٩٧ - ٩٨]. فحين استمع إلى هذه الآيات وكان بمكة لم يهاجر بعد، وكان مسنًا لا يقوي على احتمال السفر، قال لبنيه: احملوني فإني لست من المستضعفين وإني لأهتدى إلى

стр. 599

الطريق، والله لا أبيت الليلة بمكة، فحملوه على سرير متوجهًا إلى المدينة، فمات بالتنعيم، ولما أدركه الموت أخذ يصفق بيمينه على شماله ثم قال: "اللهم هذه لك، وهذه لرسولك، أبايعك علي ما بايعك عليه رسولك"، فمات حميدًا، فلما بلغ خبره أصحاب النبي ﷺ فقالوا: لو توفي بالمدينة لكان أتم أجرًا، وقال المشركون وهم يضحكون: ما أدرك هذا ما طلب، فنزلت الآية: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٠]. أنها التضحية الصادقة مع الله، فرزقه الله الشهادة، فهل أنت صادق في حبك للإسلام، وعلي استعداد للتضحية من أجل نصرته؟ وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: بعثنا رسول الله ﷺ وأمر علينا أبا عبيدة ابن الجراح ﵁ نتلقى بعيرًا لقريش، وزودنا جرابًا من تمر لم يجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة؛ نمصها كما يمص الصبي، ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل، وكنا نضرب بعصينا الخبط (ما يسقط من ورق الشجر) ثم نبله بالماء فنأكله. [رواه أبو داود]. أين التضحية ؟! عن ابن عمر قال: بلغ عمر بن الخطاب ﵁ أن يزيد بن أبي سفيان ﵄ يأكل ألوان الطعام، فقال لمولى له يقال له يرفأ: إذا علمت أنه قد حضر طعامه فأعلمني، فلما حضر غداؤه جاء فأعلمه، فأتى عمر فسلم واستأذن فأذن له، فدخل فجاء بلحم فأكل عمر معه منه، ثم قرب شواء فبسط يده وكف عمر يديه ثم قال عمر: الله يا يزيد بن أبي سفيان: أطعام بعد طعام، والذي نفس عمر بيده لئن خالفتم عن سنتهم ليخالفن بكم عن طريقهم. عليك بالتضحية بوجبة من وجباتك لإخوانك الفقراء، وليكن طعامك في هذا اليوم خشنًا، للتعود على جهاد النفس، فهو الطريق للتضحية بالنفس في سبيل الله دون تخاذل. فهم خاطيء عن أبي عمران قال: كنا بمدينة الروم فأخرجوا إلينا صفًا عظيما من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة

стр. 600

بن عبيد، فحمل رجل من المسلمين، على صف الروم حتى دخل بينهم فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقي بيده إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: أيها الناس أنتم تتأولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت فينا معشر الأنصار، لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه قال بعضنا لبعض سرًّا دون رسول الله ﷺ : إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله تعالى أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا وأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله تعالى على نبيه ما يرد علينا ما قلناه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] وكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحنا وتركنا الغزو، فما زال أبو أيوب شاخصًا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم. إن البشر إلى فناء، وإن العقيدة إلى بقاء، ومنهج الله للحياة مستقل في ذاته، فإذا كان العمر مكتوبًا، والأجل مرسومًا، فلتنظر نفس ما قدمت لغد؟ ولتنظر نفس ماذا تريد؟ أتريد أن تقعد عن تكاليف الإيمان، وأن تحصل همها كله في هذه الأرض، وأن تعيش لهذه الدنيا وحدها؟ أم تريد أن تتطلع إلى أفق أعلى، وإلى اهتمامات أرفع، فالخوف والهلع والحرص لا تطيل أجلاً، والشجاعة والثبات والإقدام لا تقصر عمرًا، فلا نامت أعين الجبناء. أريد أن أطأ بعرجتي في الجنة كان عمرو بن الجموح ﵁ أعرج شديد العرج، وكان له أربعة بنين شباب، يغزون مع رسول الله ﷺ إذا غزا، فلما توجهوا إلى أحد أراد أن يتوجه معهم، فقال له بنوه: إن الله قد جعل لك رخصة، فلو قعدت ونحن نكفيك، وقد وضع الله عنك الجهاد، فأتى عمرو بن الجموح رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن بني هؤلاء يمنعوني أن أخرج معك، والله إني لأرجو أن أستشهد، فأطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال له رسول الله ﷺ : "أما أنت فقد وضع الله عنك الجهاد، وقال لبنيه: وما عليكم أن تدعوه؟ لعل الله أن يرزقه الشهادة" فخرج مع رسول الله ﷺ فقتل يوم أحد شهيدًا. كم كان مشتاقًا إلى دخول الجنة بالعمل لا بالقول فحسب، فالتضحية بالنفس تكون بالدعاء ليل نهار أن يرزقك الله الشهادة، وتتصف بصفات المجاهدين، وتضحي بنفسك كما فعل سحرة فرعون.

стр. 601

قال تعالى على لسان السحرة: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣)﴾ [طه: ٧٢ - ٧٣]. فلتعذب الأجساد ولتزهق الأرواح، وتقطع الأيدي والأرجل من خلاف، ولتصلبنا في جذوع النخل، فافعل ما تشاء. وهكذا أصحاب العقيدة يضحون بكل ما يملكون؛ لا يذلون ولا يهنون، ولا يضعفون مهما لاقوا من وسائل التعذيب، بل يظلون أوفياء للفداء، شرفاء عند الابتلاء، أقوياء يتحدون جبروت الأعداء، ومهما تكرر الوعيد أمامهم فإنهم يعتصمون بحبل الله القوي المتين قائلين: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦]. تضحية علباء بن جحش في موقعة القادسية برز رجل من المجوس أمام صفوف بكر بن وائل فنادى: من يبارز؟ فخرج له علباء بن جحش العجلي فضربه علباء في صدره، وشق رئتيه، وضربه الآخر فأصاب علباء في بطنه وانتثرت أمعاؤه، وسقطا معًا على الأرض، أما المجوسي فمات من ساعته، وأما علباء فلم يستطع القيام، وحاول أن يعيد أمعاءه إلى مكانها فلم يتأت له، ومر به رجل من المسلمين فقال له علباء: يا هذا أعني على بطني، فأدخل له أمعاءه، ثم زحف نحو صف العجم دون أن يتلفت إلى المسلمين وراءه، فأدركه الموت على ثلاثين ذراعًا من مصرعه وهو يقول: أرجو بها من ربنا ثوابا ... قد كنت ممن أحسن الضرابا من منا يستطيع أن يثبت في هذا الموقف، ويضحي بنفسه في سبيل الله؟! وفاة خالد بن الوليد لما حضرته الوفاة وأدرك ذلك، بكى وقال: ما من عمل أرجي عندي بعد "لا إله إلا الله" من ليلة شديدة الجليد في سرية من المهاجرين، بتها وأنا متترس، والسماء تنهل عليَّ، وأنا أنتظر الصبح حتى أغير على الكفار، فعليكم بالجهاد، لقد شهدت كذا وكذا زحفًا، وها أنذا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء، لقد

стр. 602

طلبت القتل في مظانه فلم يقدر لي إلا أن أموت على فراشي. أخي الحبيب، احرص على الموت توهب لك الحياة، ولا تجزع عند ملاقاة الأعداء. في وقعة البويب قال مسعود بن حارثة قائد مشاة المسلمين لجنده: إن رأيتمونا أصبنا فلا تدعوا ما أنتم فيه، فإن الجيش ينكشف ثم ينصرف، الزموا مصافكم وأغنوا غناء من يليكم، وأصيب مسعود وقواد من المسلمين، ورأي مسعود تضعضع من معه لإصابته، وهو ضعيف قد ثقل من الجراح فقال: يا معسكر بكر بن وائل ارفعوا راياتكم رفعكم الله، لا يهولنكم مصرع أخي فإن مصارع خياركم هكذا، وقاتل أنس بن هلال النميري حتى أصيب، فحمله المثني وحمل أخاه مسعودًا وضمهما إليه، والقتال محتدم على طول الجبهة، ولكن القلب بدأ ينبعج في غير صالح الفرس، وأوجع قلب المسلمين في قلب المجوس. لا تفعل عن أبي هريرة ﵁ قال: مر رجل من أصحاب النبي ﷺ بشعب -فيه عيينة- تصغير عين من ماء عذبة فأعجبته لطيبها، فقال: لو اعتزلت الناس فأقمت في هذا الشعب، ولن أفعل حتى أستأذن رسول الله، فذكر ذلك لرسول الله فقال ﷺ : "لا تفعل فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عامًا، ألا تحبون أن يغفر الله لكم، ويدخلكم الجنة؟ اغزوا في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله فواق ناقة -هو ما بين الحلبتين من الوقت- وجبت له الجنة" [الترمذي]. احذر النكوص عن الجهاد في سبيل الله بحجة العبادة، فالتضحية بالنفس عبادة ثوابها الجنة. أستاذ جديد في فن التضحية إنه خبيب بن عدي ﵁ صلبه المشركون وبدأت الرماح تنوشه والسيوف تنهش لحمه، واقترب منه أحد زعماء قريش، وقال له: أتحب أن محمدًا مكانك، وأنت سليم معافى في أهلك؟ وهنا انتفض خبيب وقال: والله ما أحب أني في أهلي وولدي، معي عافية الدنيا ونعيمها، ويصاب رسول الله بشوكة. وكانت كلماته هذه إيذانًا للرماح أن تبلغ من جسد البطل غايتها، وكان خبيب قد يمم وجهه شطر السماء وابتهل إلى ربه العظيم قائلا: اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسلك فبلغه الغداة ما يصنع بنا. ونزل جثمان خبيب حيث كانت بقعة طاهرة من الأرض في انتظاره لتضمه تحت ثراها الطيب.

стр. 603

عز الدين القسام هو المجاهد عز الدين عبد القادر القسام نشأ في بيئة إسلامية بعد مولده في سوريا عام ١٨٧١ م، وكان والده شيخًا لزاوية في مدينته، ثم درس بالأزهر حيث كانت مصر تموج بروح الثورة والتغير، وبذلك تتلمذ على أيدي علماء أفذاذ منهم الشيخ محمد عبده، ثم عاد إلى موطنه يحمل رسالة التعليم والثورة فكان معلمًا حاذقًا وخطيبًا مفوهًا، وواعظًا ومأذونًا للأنكحة ومجاهدًا حيث جاهد الفرنسيين الذين احتلوا سوريا حتى حكم عليه بالإعدام في اللاذقية، وواصل كفاحه في فلسطين وقام بإنزال ضربات موجعة بالإنجليز واليهود. حتى جعلوا مكافأة خمسمائة جنيه لمن يدل عليه، واستشهد في أولي عمليات الثورة ١٩٣٥ م بعد أن حاصرته قوات الاحتلال هو وأصحابه. ومن مقولته التاريخية: "إنه جهاد نصر أو استشهاد" فكتب للدنيا وثيقة وعهدًا وأبى أن يوقع إلا بالدم. الشيخ أحمد ياسين وهو الشيخ أحمد إسماعيل ياسين، نشأ على حب الجهاد في الجنوب من قطاع غزة عام ١٩٣٨ م، أصابه شلل بجميع أطرافه، وكان خطيباً ومدرسًا بمسجد غزة، أصبح رئيسًا للمجمع الإسلامي بغزة، وقد اعتقل عام ١٩٨٥ ثم أنشأ حماس "حركة المقاومة الإسلامية" عام ١٩٨٧؛ مما أسخط عليه قوات الاحتلال فاعتقلته عام ١٩٨٩م وتم تقديمه للمحاكمة العسكرية وحكم عليه بالسجن مدى الحياة، إضافة إلى خمسة عشر عامًا أخرى، ولكنه أفرج عنه عام ١٩٩٧ م لأسباب صحية وقد أدت ظروف الاعتقال السيئة من تعذيب وتنكيل إلى فقدانه لبصره في العين اليمني وضعف باليسرى والتهاب مزمن بالأذن وحساسية في الرئتين، وانتقل للمستشفى أكثر من مرة. يحيى عياش هو يحيى عبد اللطيف عياش ولد في مارس ١٩٦٦ م غرب مدينة نابلس درس في مجال الهندسة الكهربائية بعد حصوله على درجة البكالويوس من جامعة بيروت بالضفة، وجعلته الأحداث التي تمر في فلسطين رجلاً من رجال الحركة الإسلامية حيث التحق بصفوفها عام ١٩٨٧م، وانضم لكتائب عز الدين القسام، وفي فجر يوم الجمعة ١٥/ ١/ ١٩٩٦ م استشهد رمز الجهاد وشيع جنازته نحو نصف مليون في غزة وحدها، وترك لنا صفحات من النضال قبل أن يتجاوز الثلاثين من عمره.

стр. 604

إن فلسطين ثغر الأمة ورباط الحراسة المستمرة، إنها جراح تنزف، وتحتل منزلة خاصة فهي قبلة المسلمين الأولى وثالث الحرمين الشريفين ومسرى الرسول الكريم. صلي رسول الله ﷺ إمامًا بالأنبياء بالمسجد الأقصى. إن رسول الله سيسألك ماذا قدمت لإخوانك؟ ماذا فعلت لتنقذ المسجد الأقصى؟ ماذا فعلت لدماء الشهداء وآهات اليتامى وبكاء الثكالى ودموع الأرامل؟ إن التعاطف وحده لا يكفي، وإن ذرف الدموع لا يشفع لك عند ربك حتى تترجم هذا التعاطف والإحساس إلى عمل جاد، وإنجاز فعال. لقد أثبتت الأحداث الأخيرة أنه لا سبيل لتحرير فلسطين واسترداد المسجد الأقصى وعودة اللاجئين إلا بالجهاد والتضحية، وهو علامة حب لله ولرسوله. ***

стр. 605

الثبات قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣]. يقول سيد قطب: الثبات أحد تكاليف الإيمان، والإيمان ليس كلمة تقال، إنما هي حقيقة ذات تكاليف وأمانة ذات أعباء، وجهاد يحتاج إلى صبر واحتمال، فلا يكفي أن يقول الناس: آمنا، وهم لا يتركون لهذه الدعوى حتى يتعرضوا للفتن، فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صفية عناصرهم وخالصة قلوبهم. صور الثبات ١ - الثبات أمام الشبهات: الشبهات سلاح قديم يشهره الباطل في وجه الحق لبلبلة الفكر وإثارة الشك واهتزاز الثقة، وقد رأينا قذائف الشبهات على مر التاريخ تطلق في كل اتجاه وتسقط في كل ميدان. فالتشكيك في العقيدة مثلاً: رأينا أبي بن خلف يأخذ عظامًا نخرة فيفتها ويذروها في الهواء قائلاً لرسول الله ﷺ : أتزعم أن الله يبعث هذا؟ فيرد عليه بلسان الواثق الموقن: "نعم يميتك ثم يبعثك ثم يدخلك النار" ونزل قول الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩] وذلك تأكيدًا على حرص القرآن على رصد الشبهات ودحضها. وللتشكيك في مصدر القرآن قال المشركون: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] قاصدين بذلك غلامًا أعجميًا كان رسول الله ﷺ ربما يجلس إليه يكلمه فنزل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]. وللتشكيك في الرسول ﷺ قالوا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧] فنزل قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ

стр. 606

الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٠]. وللتشكيك في الأحكام قالوا عن الذبائح: ما قتلتم أنتم بأيديكم تحلونه وما قتله الله تحرمونه؟! فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]. ٢ - الثبات في وجه المغريات: وهي كذلك من أسلحة الباطل المعروفة التي لا تؤثر في رجال باعوا أنفسهم وأموالهم لله، ووقفوا حياتهم لنصرة دينه ومنهجه، وأحبوا الحق وذابوا فيه فصغرت الدنيا في أعينهم بمناصبها وأموالها، وهذا رسول الله ﷺ يرد على قومه وقد أغروه بالمال والجاه لترك دعوته: "والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه". خالد بن سعيد بمجرد أن أسلم خالد بن سعيد ﵁ تعرض للبلاء الشديد، فلما علم أبوه بإسلامه أرسل إليه مولاه رافعًا أخويه أبان وعمرًا، فرأوه يصلي فامتلأت قلوبهم نورًا لهذا المشهد المهيب الذي رأوه، وعاد معهم خالد إلى أبيه فلما علم بإسلامه أمره أن يترك هذا الدين العظيم فأبى خالد بكل عزة. فقال له أبوه: إذن أحرمك من رزقي، فقال له خالد: الله خير الرازقين. فطفق والده يضربه ضربًا شديدًا حتى سالت الدماء الشريفة من هذا الجسد الطيب المبارك ثم أوثقه وزج به في غرفة مظلمة ومنع عنه الطعام والشراب ثلاثة أيام. ثم جاءه في اليوم الرابع نفر من أهله وقالوا: كيف أنت يا خالد؟ فقال: إني أتقلب في نعم الله . فقالوا: أما آن لك أن تثوب إلى رشدك، وتطيع أباك؟! فقال: أما رشدي فما فارقني وما فارقته، وأما أبي فلا أطيعه فيما يعصى الله به ، فقالوا: قل لأبيك كلمة ترضيه في اللات والعزى يفرج عنك، فقال: إن اللات والعزى حجران أصمان أبكمان، وإني لا أقول فيهما إلا ما يرضي الله ورسوله، وليفعل بي ما يشاء. شد "أبو أُحيحة" وثاق خالد، وأمر أتباعه أن يخرجوا به كل يوم عند الهاجرة إلى بطحاء مكة وأن يلقوه بين الحجارة حتى تصهره الشمس، فكان كلما أخرجوه وألقوه في

стр. 607

الهاجرة يقول: الحمد لله الذي أكرمني بالإيمان، وأعزني بالإسلام، إن ذلك أهون علي من لحظة عذاب في جهنم التي أراد أن يلقيني فيها "أبو أحيحة". ثم حانت لخالد فرصة، فتفلت من سجن أبيه، ومضى إلى نبيه، ثم ما لبث أن لحقه أخواه عمرو وأبان، وانضما معه إلى موكب الخير والنور، عند ذلك أُسقط في يدي "أبي أحيحة". وقال: واللات والعزى لأعتزلن بمالي بعيدًا عن مكة، فذلك خير لي، ولأهجرن أولئك الصباة الذين يعيبون آلهتي أربابي، ثم انتقل إلى قرية قريبة من الطائف، وظل فيها حتى مات كمدًا على الشرك. ولما أذن الرسول ﷺ -لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة نجا إليها خالد بن سعيد بن العاص ومعه زوجته أمينة بنت خلف الخزاعية .. وقد أقام فيها بضع عشرة سنة داعيًا إلى الله، ولم يغادرها إلى المدينة إلا بعد أن فتح الله على المسلمين خيبر فسر الرسول بمقدمه أبلغ السرور، وقسم له من غنائم خيبر كما قسم للمحاربين، ثم ولاه اليمن فظل واليًا عليها إلى أن لحق الرسول الكريم بجوار ربه (١). ٣ - الثبات أمام بطش الظالمين: أسلوب البطش من حيل المجرمين المفلسين حين لا تجدي الوسائل السالفة فيفقدون صوابهم ويثورون على أهل الحق لتمزيق أجسادهم إن استطاعوا حتى تغيب عن أعينهم رموز الصلابة، ويعتبر أسلوب البطش من أكثر أساليب الباطل شيوعًا وتكرارًا على مر التاريخ. فهذا بلال بن رباح ﵁ يجرد من ثيابه ويلقى على نار البطحاء ويثبت مستخفًا بالظالمين، متحديًا لهم، مصرًا على مبدئه، معتزًا به مهما لاقى في سبيله. وهذا خباب بن الأرت ﷺ كانوا يلقونه على فحم ملتهب ويضعون الصخرة عليه حتى لا يستطيع فكاكًا من حريقه. وهذا أفلح -مولى لبني عبد الدار- كانوا يربطونه من رجليه ويجرونه على الأرض. وهذا عثمان بن عفان ﵁ يلفه عمه في حصير ثم يدخن عليه ليختنق بداخله.

стр. 608

الإمام أحمد بن حنبل عندما امتحن بالفتنة المشهورة في عهد المأمون والمعتصم والواثق، وهي القول بخلق القرآن الذي تزعمه المعتزلة، ثبت على موقفه الحق وأصر على رأيه الصريح، ولم يغير من جوابه الذي يردده كلما أفاق من إغماءة التعذيب والتنكيل، يقول: هو كلام الله غير مخلوق، ولبث في السجن عامين ونصف العام، ولما يئسوا من إخضاعه لما يريدون، ودالت دولة الباطل، أخرج من السجن واهي القوة مريضًا مثخنًا بالآلام، ولقد كان باستطاعته أن يتجنب هذا كله لو وافقهم على ما قالوا بلسانه فقط كما فعل كثير من العلماء في عصره لينجو بنفسه، ولكن بنظرته الثاقبة وأفقه الواسع وتأييد الله له رأى الناس من حول ينتظرون إجابته، ففضل المصلحة العامة -وهي الثبات على الحق والجهر به كي لا يفق الناس- على مصلحته الخاصة، وإن أدى ذلك إلى موته .. قال له أحد تلامذته: يا إمام، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. فقال: اخرج فانظر أي شيء ترى. فقال: فخرجت إلى رحبة دار الخلاقة فرأيت خلقًا من الناس لا يحصى عددهم إلا الله، والصحف في أيديهم والأقلام والمحابر في أذرعتهم، فقال الغلام: مكانكم، فدخل إلى الإمام أحمد، فقال: رأيت أقوامًا بأيديهم الصحف والأقلام ينتظرون ما تقول فيكتبون. فقال: أفأضل هؤلاء كلهم؟ أقتل نفسي ولا أضل هؤلاء. يقول سيد قطب: آمن أنت أولاً بفكرتك، آمن بها إلى حد الاعتقاد الجاد! عندئذ فقط يؤمن بها الآخرون!! وإلا فستبقى مجرد صياغة لفظية خالية من الروح والحياة! لا حياة لفكرة لم تتقمص روح إنسان، ولم تصبح كائنًا حيًا يدب على وجه الأرض في صورة بشر! كذلك لا وجود لشخص -في هذا المجال- لا تعمر قلبه فكرة يؤمن بها في حرارة وإخلاص (١). ثبات في محنة سيق الأخ الشيخ "عبد المقصود حجر" إلى السجن الحربي عام ١٩٦٥ م فاستقبله العقيد شمس بدران -مع زفة من الضرب بالكرابيج والإهانات- وسأله شمس بدران:

стр. 609

أنتم عاوزين تلبسوا النسوان طرح؟ قال الشيخ عبد المقصود: نعم وهذا واجب شرعي. قال شمس بدران: هي النسوان بتوعكم أحسن من كل النسوان؟ قال الشيخ عبد المقصود: نعم. قال شمس بدران: وما الفرق؟ قال الشيخ عبد المقصود: لأن نسوانا حاجة ثانية! فثار شمس بدران وأمر العسكري أن ينتف ذقن الشيخ بالكماشة!! وبعد هذا خلعوا ملابس الشيخ وأمروه أن يغطس في باكبورت المياه القذرة!! وكلما حاول الامتناع أشبعوه ضربًا حتى كرر عملية الغطس أكثر من مرة، وبعد ذلك نظر الشيخ إلى شمس بدران -عتل السجن الحربي- وقال له: وآدي غطسة كمان عشان خاطرك يا سعادة البيه. وبعد ذلك أخرجوه من الباكبورت وألقوه على الأرض وسلطوا عليه الكلاب المتوحشة .. يقول الشيخ عبد المقصود: إن الكلاب لم تقرب منه لشدة قذارته وفظاعة رائحته، وتذكر الشيخ عبد المقصود المثل الذي يقول عند عامة الناس (دا تقرف منه الكلاب)!! (١). رد بكل قوة المجاهد عز الدين القسام، قام بتوعية الجيل والأمة بمخاطر هجرة اليهود إلى فلسطين، وقام بتأليف القلوب، ونشر المحبة، وإزالة الخصومات، ونبذ الأحقاد، وتعميق الوازع الديني، وكان على يقين بالنصر أو الشهادة في سبيل الله، وأرسل إليه حاكم حيفا يقول له: يا شيخ، إنك متحرك، وذو نشاط مناويء لنا، فرد عليه الشيخ بكل يقين وقد أخرج المصحف من جيبه: "هذا الكتاب العظيم يأمرنا بالجهاد ولا نخالفه". واستجابت جموع الشباب لصحبة الشيخ الجليل، وابتدأت المنطقة تشهد أعمالاً بطولية عظيمة، وهوجمت معسكرات البريطانيين، وحاصرت قوات الاحتلال عرين البطل يوم ٢٧ من نوفمبر عام ١٩٣٥ م، وانتهت المعركة باستشهاده وهو فرح مسرور على يقين

стр. 610

بدخول الجنة، وذهب القسام إلى ربه شهيدًا يزفه عرس الشهداء، فجدد في النفوس معنى اليقين، وقوى من عزائم شعب فلسطين برغم قلة العتاد وضآلة الزاد. فكتب للدنيا وثيقة صحوة، وأبى إلا أن يوقع بالدم. فسلام على القسام مع الشهداء في الخالدين. ونحن على يقين بأن تحرير المسجد الأقصى قريب، ولكن علينا بالعمل الجاد المخلص. الشيخ أحمد ياسين يقول الشيخ أحمد ياسين: كنت في بيت، وكان منع التجول مفروضًا من الساعة التاسعة إلى الفجر حيث كان يخرج العمال إلى العمل، فميعاد منع التجول كان يبدأ بالساعة التاسعة -بالضبط- بيتي قبلها كان ممتلئًا بالناس، فشاء الله أن ينطلقوا ويعودوا إلى بيوتهم، فوجدت الساعة خمس دقائق بعد التاسعة، وإذا بقوات الجيش الإسرائيلي تحيط بالبيت، منهم من تسلق الأسوار، ومنهم من بقى في السيارة -يعني ربما كتيبة كاملة جاءت للقبض على الشيخ أحمد ورجال المخابرات دخلوا علي -فدخلت أرتدي ملابسي، وطبعًا أنا كنت أجلس على الكرسي المتحرك وكنت جاهزًا، فقالوا لي: أين ابنك؟ قلت لهم: ها هو، قالوا: دعه يأتي معك حتى يساعدك، ثم أخذوني. كان ابني عبد الحميد هو الذي يرافقني، كان في ذلك الوقت عمره ستة عشر عامًا، وكان لم يحصل على هويته بعد، فأخذوه وأوصلوني إلى السجن، وأجلسوني ثم بدأوا مباشرة سبًا وشتائم، بصق في الوجه وضرب على الوجه. يعني بدأوا بالإهانة والتعذيب بشكل لا تتصوره، بصق في الوجه .. يحضرون صينية ويدقون بها فوق رأسي، كنوع من الإزعاج، يمسكون بعروق الرقبة ويجذبونها إلى أعلى بشكل سيئ ولم يكتفوا وأنا كما ترى، والضرب على صدري حتى صار صدري أزرق من شدة الضرب والتعذيب، ولم يكتفوا بذلك وإنما قاموا بإحضار الولد الذي أحضروه لخدمتي، وبطحوه أمامي في الغرفة، وركبوا عليه أربعة أخذوا يخنقونه ويضربونه، والولد يصرخ تحتهم، أعطوا له أمامي علقة ساخنة من الضرب والتعذيب، ثم أصبحوا يقولون لي: حرام عليك، ارحم ابنك، اعترف، خلاص القضية انتهت، حركة حماس انتهت، وأنت ليس هناك فائدة من إنكارك، اعترف وقل ما عندك حتى ترحم ابنك من الضرب والتعذيب، قلت لهم: أنا ليس عندي شئ لأقوله، فغابوا

стр. 611

ساعتين ثم أحضروا الولد مرة أخرى وبدأوا بتعذيبه أمامي، فبطحوه أرضًا، وركبوا فوقه وخنقوه، ومن شدة التعذيب على الولد الضعيف الصغير فوجئت به يثور ويقفز فجأة ويطرح الرجال الأربعة على الأرض -وهذا من شدة التعذيب يعني حرارة الروح- كان الولد يموت تحتهم، كان يختنق، بعدها أخذوه مرة أخرى من عندي (١). ثبات ووفاء ظل الأخ محمد الصوابي الديب متخفيًا عن أعين الظالمين بعد أن أزهقت أرواح المجاهدين منهم تحت التعذيب حتى شهر ديسمبر عام ١٩٥٤ م حين ذهب الساعة الثالثة ظهرًا، وطرق باب منزل العلامة الشيخ حسنين مخلوف -مفتي الديار المصرية- الذي يقع في شارع نجيب بكوبري القبة بالقاهرة. وحين فتح الخادم الباب عاد إلى الشيخ؛ ليخبره عن الطارق فيقول: إنه شاب طليق اللحية، رث الثياب، ويريد مقابلتك. يقول الشيخ مخلوف: تعجبت من ذلك وظننت أنه عابر سبيل .. دخل الشاب المنزل، ولم أقابله في البداية، بل أعد له الخادم طعام الغداء فأكله بشهية كأنه لم يأكل منذ مدة طويلة .. بعد الغداء ظننت أنه سينصرف، إلا أنه أصر على مقابلتي وألح في ذلك، فذهبت إليه وما إن رأيته حتى ظننت أنه سيطلب صدقة، فقد كان رث الثياب تبدو عليه شدة التعب، بدأ حديثه بأن عرفني على نفسه: محمد الصوابي الديب طالب بكلية الشريعة بجامعة الأزهر .. ولقد اهتز بدني وأصبت برعشة عندما قال لي: "إنه كان من متطوعي الإخوان المسلمين في حرب فلسطين والقناة" فقد كان الإخوان المسلمون في ذلك الوقت -عام ١٩٥٤ م- في أوج محنتهم، وكانت كلمة الإخوان المسلمين تترادف معها كلمات الاعتقال، السجن، التعذيب، المحاكمات .. إلخ. نظر الشاب إليَّ في هدوء -والحديث للشيخ مخلوف- وقال بصوت منخفض ولكنه قوي: أنا في محنة وأحتاج إليك، فأنا مطلوب القبض عليّ، وقد مكثت أكثر من شهر هاربًا متخفيًا في المقابر نهارًا، ثم أخرج في الليل لأقتات الطعام، لقد كرهت الحياة بين الموتى وأريد أن أعيش بين الأحياء فهل تقبلني؟

стр. 612

يقول الشيخ مخلوف: سيطر الذهول على نفسي تمامًا، ولم أفق إلا عندما قال الشاب: ما رأيك؟ استأذنت منه وذهبت إلى ابني الدكتور علي وابنتي زينب، والذهول ما زال مسيطرًا على نفسي .. لاحظ ولداي ذلك على الفور فسألاني: ما لك يا أبي؟ حصل إيه؟ أخبرتهما بالقصة، وفجأة وجدت نفسي أردد قائلاً: إنه صادق، إنه صادق، إنه صادق. قلت لولديَّ: إنني متأكد أن هذا الشاب ليس من الشرطة أو من المباحث جاء ليختبرنا، بل إنني موقن أنه يقول الصدق فهو صادق .. وأضفت: إنني لا أستطيع أن أرد مستجيرًا في هذه المحنة، وأنا موقن أنه مظلوم، وقد قررت قبوله، ولكن الذي يقلقني هو ما ستفعله بكم أجهزة المباحث والدولة كلها إذا اكتشفوا وجوده بيننا، حيث هناك قانون أو فرمان جمهوري صدر في ذلك الوقت، يعاقب كل من يتستر على أي من الإخوان المطلوب القبض عليهم بالأشغال الشاقة لمدة خمس عشرة سنة، قال ابني علي -بعد فترة صمت-: افعل ما تراه من الناحية الإسلامية والله يتولانا جميعًا، ويضيف الشيخ مخلوف فيقول: خرجت مع ابني علي إلى الشهيد الصوابي، وعرفته بابني علي، وأخبرته بأننا قررنا قبوله عندنا، وأنه يشرفني. ذلك ارتسمت أمارات الراحة والطمأنينة على وجه الشهيد. وسيطرت الدهشة على وجه الشهيد عندما قال له ابني الدكتور علي: لابد من أن تولد من الآن بشخصية جديدة وتدفن شخصيتك الحالية، ويضيف الدكتور علي مخلوف الذي يعمل رئيس قسم أمراض النساء والولادة بطب عين شمس: كان في اعتقادي أنه لا يمكن إخفاء الشهيد محمد الصوابي الديب، وبخاصة في منطقتنا التي كانت تشتهر بكثرة ضباط البوليس الذين يسكنونها فكان الحل أنه لابد أن يولد الشهيد الديب بشخصية جديدة تمامًا وأن أحسن طريقة لإخفاء أي شخصية هي أن تظهرها بشخصية جديدة، وتكون جميع تصرفاته طبيعية، أما الهروب والإخفاء عن أعين الشرطة والناس، فإنها طريقة فاشلة ينكشف أمرها دائمًا، عاجلاً أو آجلاً. اتفقنا على أن يعمل الشهيد سكرتيرًا لوالدي الذي كان فعلاً في حاجة إلى سكرتير؛ فقد كان مفتيًا للديار المصرية في ذلك الوقت، وكانت ترد إليه استفسارات دينية كثيرة، بالإضافة إلى أنه يكثر من تأليف الكتب، واحترنا في الاسم الذي نطلقه عليه، وأخيرًا قال والدي للشهيد: أنت صادق في جميع تصرفاتك وأفعالك، فاسمك منذ الآن صادق

стр. 613

أفندي. وضحكنا جميعًا. وفي اليوم التالي كان الشهيد محمد الصوابي الديب شخصًا آخر تمامًا، نظيف المظهر، حليق الذقن، وهو أبيض اللون، واسع العينين، متوسط الطول، نحيف الجسم. ويقول الشيخ مخلوف: إن الخطة التي تم وضعها لإخفاء الشهيد نجحت تمامًا، فقد أعلنا على كل أفراد الأسرة أنه جاء لي سكرتير جديد اسمه صادق أفندي، ولم يعرف بالسر سوى أربعة أشخاص: أنا وابني الدكتور علي وابنتي الدكتورة زينت، وزوجة ابني الدكتورة سعاد الهضيبي، التي لم تتردد في الترحيب بالشهيد رغم أن والدها المرشد العام للإخوان المسلمين حسن الهضيبي وجميع إخوتها في السجن. ويضيف الشيخ مخلوف: إن الشهيد محمد الصوابي الديب، أو صادق أفندي، كان فعلاً سكرتيرًا ممتازًا، وعاونني كثيرًا في عملي، وبخاصة في الكتب التي أخرجتها في ذلك الوقت، وكان الشهيد يصحبني دائمًا في كل مكان أذهب إليه، وقد اعتبرته فعلاً سكرتيري الخاص. عاش صادق أفندي لمدة ثمانية أشهر مع أفراد أسرة الشيخ حسنين مخلوف كأنه واحد منهم، يأكل معهم ويعيش معهم، حيث كان الشيخ يطلب منه دائمًا الإجابة عن الاستفسارات الدينية الكثيرة التي ترد إليه باعتباره مفتيًا للديار المصرية، وكان الشهيد يسكن في حجرة منفصلة بحديقة المنزل بها صالون ومكتبة كبيرة وغرفة نوم وحمام خاص، تم تخصيصها لصادق أفندي. يقول الشيخ حسنين مخلوف: وفي أحد أيام صيف ١٩٥٥م، جاءني صادق أفندي وقال لي إنه يريد السفر إلى السعودية ليعمل هناك، وحاولت أن أثنيه عن ذلك، ولكنه أصر وأخبرني أن هناك شخصًا قد أعد له الرحلة بالباخرة عن طريق السويس إلى جدة. إن قلبي لم يطمئن واستعنت بابني الدكتور علي لإقناعه بعدم السفر، ولكن دون جدوى، وقال: إنه يريد أن يكون نفيه هناك، ويستريح من القلق الذي يعانيه كهارب، رغم إجادته لشخصية صادق أفندي، وغادرنا الشهيد البطل بعد أن وعدنا بأن يرسل لنا برقية فور وصوله إلى السعودية لكي نطمئن، وأرسلت إلى المرحوم محمد سرور الصبان مستشار الملك سعود ليهيئ له عملاً عند وصوله إلى هناك، ولقد مضى على سفر الشهيد حوالي الشهر، ولم تصل أي برقية تفيد بوصوله هناك.

стр. 614

يقول الدكتور علي حسنين مخلوف: كانت الأسرة كلها قلقة، وربما أنني أكثرهم هدوءًا، فقد حاولت دائمًا أن أطمئنهم، ولكن دون جدوى، وضاع هدوء أعصابي في أحد الأيام عندما أخبرتني زوجتي الدكتورة سعاد الهضيبي أنها سمعت من إذاعة لندن أنه تم القبض على اثنين من الإخوان المسلمين في باخرة السويس، وهما في طريقهما إلى جدة، ولم تذكر الإذاعة أسماء، ولكننا شعرنا أن الشهيد محمد الصوابي الديب كان أحدهما. ويروي الأخ وهبي الفيشاوي الذي عمل مديرًا لمطبعة مصر أن الشهيد محمد الصوابي الديب سجن معنا بعد القبض عليه في السجن رقم ٤ بالسجن الحربي، وكان زبانية السجن الحربي يعذبون الشهيد تعذيبًا وحشيًا، حيث وضعوه في زنزانة تسمى "زنزانة الركن" وهي مخصصة للتعذيب الشديد، وكانوا لا يتركونه ينام أبدًا، وكان الشهيد أشدنا تعذيبًا، لا يرحمه مجرمو السجن حتى في أوقات الراحة. وتقول الدكتورة سعاد الهضيبي: ذهبت يومًا إلى السجن الحربي لكي أسلم والدي بعض الحاجات، وعقب خروجي من مكتب مدير السجن الحربي حمزة البسيوني، شاهدت الشهيد محمد الصوابي الديب وهم يقومون بتصويره لعمل بطاقة اتهام، وكتمت صرخة كادت تنطلق منى، وأسرعت إلى المنزل وأخبرت زوجي بما شاهدته، فصاح قائلا: رحنا في داهية، وأعد زوجي د. علي حقيبته التي سيأخذها معه إلى السجن، فقد كنا نتوقع في كل لحظة أن تأتي الشرطة العسكرية والمباحث العامة للقبض علينا. ويقول الدكتور علي: كنت خائفًا على والدي الشيخ حسنين مخلوف، فهو قد تجاوز الستين من عمره، ولا يستطيع أن يتحمل أهوال السجن الحربي، ولذلك كنت أنا وزوجتي لا نفارقه ليلاً أو نهارًا، متوقعين في أي لحظة مداهمة الشرطة لمنزلنا. يقول الشيخ مخلوف: لم ممن أتوقع أبدًا أن يتحمل الشهيد محمد الصوابي الديب هذا التعذيب الذي لا يصدقه عقل من أجلي، لم أكن أتوقع أن يضحي بحياته من أجلي، حقًّا هذه هي تربية الإسلام الحق. وتقول الدكتورة سعاد الهضيبي: تعجبنا جميعًا عندما مرت الأيام ولم تداهم الشرطة منزلنا كما كنا نتوقع، وفي أحد الأيام ذهبت لزيارة أبي بالسجن الحربي، وسألته عن محمد الصوابي الديب -الذي كان يعرفه لأنه من الإخوان المسلمين، بالإضافة إلى أن بلدته "شبين

стр. 615

القناطر" مجاورة لبلدة أبي وهي عرب الصوالحة بالقليوبية- فهز والدي رأسه بطريقة تدل على الأسى، وأخبرني أنه من الشهداء، وأضاف أبي قائلاً: لقد تعجبنا له لأن الذين كانوا يقومون بتعذيبه لا يسألونه إلا سؤالأ واحدًا فقط وهو: أنت كنت فين؟ فلا يجيب إلا بآيات من القرآن الكريم، حتى كسروا عموده الفقري وبرزت عظامه وضلوعه، وكان ممرض السجن "التمرجي" يخرج من مكان تعذيبه في يده (صفيحة) مليئة بالدم. ويقول الأخ وهبي الفيشاوي: إن بعض الإخوة المسجونين الذين كانوا يقومون بتوزيع الطعام علينا كانوا يخبروننا بأحوال السجن والمعذبين فيه، وفي أحد الأيام أخبرني أحدهم أن جراح الأخ محمد الصوابي الديب فادحة جدًا ومتقيحة، وأن حالته ساءت لدرجة أن الحشرات تسري بين جروحه، وأنه قد امتنع عن الطعام بعد أن منع عنه الماء، ولم تمض سوى أيام قليلة على هذا الحديث حتى أطفئت أنوار السجن الحربي كلها في إحدى الليالي، وشاهدت من ثقب زنزانتي حراس السجن الحربي يحملون شخصًا ملفوفًا داخل بطانية ويضعونه داخل سيارة جيب مغلقة. وعرفت أنه الشهيد محمد الصوابي الديب، وقلت في نفسي: استرحت وفزت بالجنة إن شاء الله. ويختم الشيخ مخلوف حديثه عن الشهيد البطل قائلاً: إذا كانت تربية الشهيد من تربية الإخوان المسلمين، فأنا أضم صوتي بقوة إلى علماء الأزهر في المطالبة بعودة الإخوان المسلمين فتربيتهم هي خير تربية (١). ٤ - الثبات مع كر الزمان: فقد يفرط المرء في مبدئه وتسترخي قبضته على الحق الذي معه لا لشيء إلا لتوالي الأيام والليالي، وقد حذرنا ربنا ﵎ فقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦]. ويعتبر كر الزمان من أخطر الأسباب الصارفة عن الطريق حيث لا يوجد عدو ماثل أمامك يريد استلاب دينك وعقيدتك فيفجر فيك طاقة التصدي والتحدي، ومن ثم اعتبر القرآن من يتصفون بهذه الصورة من صور الثبات صفوة المؤمنين فقال تعالى: ﴿مِنَ

стр. 616

الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣]. ويقول البنا عن ركن الثبات: وأريد بالثبات أن يظل الأخ عاملاً مجاهدًا في سبيل غايته مهما بعدت المدة وتطاولت السنون والأعوام حتى يلقى الله على ذلك، وقد فاز بإحدى الحسنيين: إما الغاية أو الشهادة في النهاية، والوقت عندنا جزء من العلاج والطريق طويلة المدى متعددة المراحل كثيرة العقبات ولكنها وحدها التي تؤدي إلى المقصود مع عظيم الأجر والمثوبة. ٥ - الثبات أمام الضغوط والتقلبات الحياتية: فهناك الهواتف الشاغلة من قبل النفس والأهل والمال والولد. وقد يؤدي الاسترسال معها والاستغراق فيها إلى التخفف من أعباء الدعوة أولاً، ثم الانصراف عنها كلية بعد ذلك، ونسأل الله العافية والثبات، وفي هذا الهلاك المبين قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] لقد نزلت هذه الآية فيمن حدثتهم أنفسهم بالقعود في أموالهم لإصلاحها بعد ضياع، وذلك بعد أن مكن الله لدينه .. وهذا الأمر هو السبب في اعتبار الأزواج والأولاد أعداء -وهم أقرب الناس منا وأحبهم إلينا- وذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤]. هل تثبت على دعوتك وعقيدتك مهما كانت التقلبات والظروف الحياتية؟ ٦ - الثبات عند تأخر النصر: فقد يتسلل اليأس إلى بعض النفوس حين يتأخر النصر فينصرفون عن الطريق أو يتشككون فيه، وغاب عن هؤلاء أننا نحاسب على العمل ولن نحاسب على النتائج، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥]. ثبات على المبدأ قدم أبو بصير بن أسيد الثقفي مسلمًا مهاجرًا فاستأجر الأخنس بن شريق رجلاً

стр. 617

كافراً من بني عامر بن لؤي ومولى معه وكتب معهما إلى رسول الله ﷺ يسأله الوفاء -أي أن يرد إليهم من جاءه مسلمًا- فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا للنبي: العهد الذي جعلت لنا فيه، فدفعه رسول الله إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغا به ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك يا فلان هذا جيدًا، فاستله الآخر فقال: أجل والله إنه لجيد، لقد جربت به ثم جربت، فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه فأمكنه منه فضربه حتى برد وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو فقال رسول الله: "لقد رأى هذا ذعراً" فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول، فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله قد -والله- أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم [رواه أحمد]. ٧ - الثبات عند الزحف: حين تتقابل الصفوف والرايات في ساحة من الساحات يكون الثبات أول ما يطلب من جند الحق امتثالاً لأمر الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥]. ومن هنا نرى ثبات جعفر بن أبي طالب ﵁ في مؤتة فلم تسمح نفسه الأبية بتنكيس الراية حتى بعد قطع كلتا يديه، فما كان منه إلا أن احتضنها بعضديه فكان جزاؤه من مثل عمله حين أبدله الكريم عوضًا عنهما جناحين في الجنة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٦]. الجهاد قاد يوسف طلعت معركة "دير البلح" التي استشهد فيها اثنا عشر من مجاهدي الإخوان المسلمين، وحين عقدت الهدنة لتسليم الجثث وحضرها قائد إنجليزي تفقد الجثث، فوقف مذهولاً لأنه لاحظ أن جميع الإخوان مصابون في صدورهم، ودار نقاش علم منه الإنجليزي أن من صفات المؤمنين أن يقبلوا في المعارك ولا يولوا الأدبار، فقال القائد الإنجليزي: "لو أن عندي ثلاثة آلاف من هؤلاء لفتحت بهم الدنيا" (١).

стр. 618

٨ - الثبات عند توافر أسباب النصر: فقد تتوافر أسباب النصر المادية الظاهرة بزيادة العدد أو قوة العتاد، وهنا قد يركن هؤلاء إلى هذه الأسباب بل قد يداخلهم الشعور بالخيلاء والغرور ويترجم هذا الشعور عبارة (لن نغلب اليوم من قلة) كما حدث في غزوة حنين فأتي الناس من هذا الباب وكان درسًا قاسيًا أفاقهم من غشاوتهم وردهم إلى جميل التوكل على الله، وعندئذ انقلبت الموازين وتحقق النصر المبين، وقد عبر القرآن الكريم عن هذا الموقف في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٢٥]. وفي سورة الأنفال مع عظمة مناسبة يوم الفرقان ولكن الله افتتح السورة بالمعاتبة على هذه الزلة وإقالة هذه العثرة وذلك قبل سرد روائع الغزوة فقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]. يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]. يقول سيد قطب: إن الظن يذهب لأول وهلة أن تثبيت الأقدام يسبق النصر، ويكون سببًا فيه، وهذا صحيح، ولكن تأخير ذكره في العبارة يوحي بأن المقصود معنى آخر من معاني التثبيت، معنى التثبيت على النصر وتكاليفه، فالنصر ليس نهاية المعركة بين الكفر والإيمان، وبين الحق والضلال. فللنصر تكاليفه في ذات النفس وفي واقع الحياة، للنصر تكاليفه في عدم الزهو به والبطر، وفي عدم التراخي بعده والتهاون، وكثير من النفوس يثبت على المحنة والبلاء، ولكن القليل هو الذي يثبت على النصر والنعماء، فصلاح القلوب وثباتها على الحق بعد النصر منزلة أخرى وراء النصر (١). ٩ - الثبات أمام أساليب مواجهة الدعوة: من هذه الأساليب: أ- السخرية: قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١].

стр. 619

إن المشركين يواجهون الرسول ﷺ ويخاطبونه باستهزاء وتهكم، فيخبره الله بما كان مع الرسل من قبله، قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: ١٠]. ويقال في سبب نزول الآية إن رسول الله ﷺ بالوليد بن المغيرة وأمية بن خلف وأبي جهل بن هشام، فهمزوه واستهزأوا به، فغاظه ذلك، فأنزل الله تعالى عليه في ذلك من أمرهم، ولما ذكر الله شجرة الزقوم تخويفًا لقريش قال أبو جهل متهكمًا ساخرًا: يا معشر قريش، هل تدرون ما شجرة الزقوم التي يخوفكم بها محمد؟ قالوا: لا، قال: عجوة يثرب بالزبد! والله لئن استمكنا منها لنتزقمنها تزقمًا (أي نبتلعها) فأنزل الله قوله: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٦]. وهذا أسلوب مستمر بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن. وعلى المسلم ألا يهتم بنقيق الضفادع، وعواء الكلاب، وخوار البقر، ورغاء الجمال، وُيعار التيوس. ب- الاتهام بالكذب: قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] وما زلنا نسمع تهمًا تكال للدعاة إلى الله. ج- الاتهام بالجنون: قال تعالى: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] ويجتمع الطغاة جميعًا على مر العصور على وصف الدعاة بالجنون. د- الاتهام بالسفاهة والضلالة: قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٣] هذا هو منطق الفراعنة في كل زمان ومكان، منطق الطواغيت مع الرسل وأتباع الرسل. هل الذي ينادي بتحكيم شرع الله يتهم بالسفاهة؟ هل الذي يدافع عن أرضه في فلسطين يتهم بالضلال؟ هـ- الاتهام بالسحر: قال تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [ص: ٤]. و- التهديد بالضرب والرجم: قال تعالى: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ

стр. 620

الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] وهذا أبو جهل يحذر النبي ﷺ من السجود عند الكعبة وقال له: ألم أنهك عن هذا؟ ز- التهديد بالسجن: إن أولياء الشيطان من ذوي الجاه والسلطان تدفعهم قوتهم لتهديد أولياء الرحمن وتخويفهم بالسجن، مثل تهديد فرعون لموسى: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] ولقد أجمعت قبائل قريش على محاصرة المؤمنين في شعب أبي طالب ومعهم بنو هاشم، ثلاث سنوات، لا يتواصلون معهم، ولا يبيعونهم ولا يشترون منهم حتى أدرك المؤمنين عناء شديد، كما سجن يوسف ﵇ ظلمًا. ح- التهديد بالنفي: فهؤلاء قوم قوم شعيب قالوا له: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ [الأعراف: ٨٨] ويقف لوط ينهى قومه عن الفاحشة: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦]. ط- التهديد بالقتل: قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦]، لقد اجتمعت قريش لقتل الرسول ليلة الهجرة. ى- التهديد في الرزق: قال تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص: ٥٧] وهذا الأسلوب يظهر في عصرنا واضحًا. ك- الإغراء بالمال والجاه والسلطان. حاول ملك الروم إغراء عبد الله بن حذافة بالملك، فقال له وهو أسير عنده: تنصَّر أشركك في ملكي، فأبى ﵁. ولقد حاول اليهود إغراء السلطان عبد الحميد بمبالغ طائلة للدولة العثمانية وتسديد الديون مقابل التخلي عن فلسطين فرفض. ل- إلحاق الأذى الجسماني، مثل: التعذيب بالنار: وكان خباب بن الأرت يلقى في النار ليرتد عن دينه. التعذيب بالخنق: فقد خنق الرسول خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر حيث أخذ بمنكبه

стр. 621

وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨]. إلقاء القاذورات: كان الرسول ﷺ يسجد ويلقي المشركون عليه القاذورات. الضرب: فعند ذهاب الرسول ﷺ إلى الطائف استقبله أهلها بالحجارة حتى أدموا جسمه الشريف. نزع اللحم عن العطم والنشر بالمنشار فقد قال رسول الله ﷺ : "كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له حفرة في الأرض، فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسر الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون" [رواه البخاري]. التغطيس في الماء: فقد لقى النبي ﷺ عماراً وهو يبكي، فجعل يمسح عينيه ويقول: أخذك الكفار، فغطوك في الماء، فقلت كذا وكذا، فإن عادوا فقل ذاك لهم. البصق في الوجه: طلب أبي بن خلف من عقبة بن أبي معيط -وكان قد أعلن كلمة التوحيد تأثرًا بالرسول ﷺ أن يبصق في وجه الرسول ﷺ وقال له: وجهي من وجهك حرام إن لم تكفر به وتتفل في وجهه. الربط بالحبال: كان أمية بن خلف يربط برجْل أبي فكيهة حبلاً ويجره في الرمضاء. م- مصادرة الأموال: استغل المشركون رغبة صهيب الرومي ﷺ في الهجرة إلى الرسول ﷺ وأخذوا منه المال فنزل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] وكم من شاب حُرِمَ حق العمل في الوظائف الحكومية وغيرها لأنه يدعو إلى الله (١). سنة الدعوات يقول الله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦].

стр. 622

يقول سيد قطب: إنها سنة العقائد والدعوات، لابد من بلاء ولابد من أذى في الأموال والأنفس، ولابد من صبر ومقاومة واعتزام. إنه الطريق إلى الجنة، وقد حفت الجنة بالمكاره. بينما حفت النار بالشهوات. ثم إنه هو الطريق الذي لا طريق غيره، لإنشاء الجماعة التي تحمل هذه الدعوة، وتنهض بتكاليفها. طريق التربية لهذه الجماعة، وإخراج مكنوناتها من الخير والقوة والاحتمال. وهو طريق المزاولة العملية للتكاليف، والمعرفة الواقعية لحقيقة الناس وحقيقة الحياة. ذلك ليثبت على هذه الدعوة أصلب أصحابها عودًا فهؤلاء هم الذين يصلحون لحملها إذن والصبر عليها، فهم عليها مؤتمنون. وذلك لكي تعز هذه الدعوة عليهم وتغلو، بقدر ما يصيبهم في سبيلها من عنت وبلاء، وبقدر ما يضحون في سبيلها من عزيز وغال. فلا يفرطوا فيها بعد ذلك، مهما تكن الأحوال. وذلك لكي يصلب عود الدعوة والدعاة، فالمقاومة هي التي تستثير القوى الكامنة، وتنميها وتجمعها وتوجهها، والدعوة الجديدة في حاجة إلى استثارة هذة القوى، لتتأصل جذورها وتتعمق، وتتصل بالتربة الخصبة الغنية في أعماق الفطرة. وذلك لكي يعرف أصحاب الدعوة حقيقتهم هم أنفسهم، وهم يزاولون الحياة والجهاد مزاولة عملية واقعية ويعرفوا حقيقة النفس البشرية وخباياها، وحقيقة الجماعات والمجتمعات، وهم يرون كيف تصطرع مباديء دعوتهم، مع الشهوات في أنفسهم وفي أنفس الناس، ويعرفون مداخل الشيطان إلى هذه النفوس، ومزالق الطريق، ومسارب الضلال! ثم لكي يشعر المعارضون لها في النهاية أنه لابد فيها من خير، ولابد فيها من سر، يجعل أصحابها يلاقون في سبيلها ما يلاقون وهم صامدون، فعندئذ قد ينقلب المعارضون لها إليها أفواجًا في نهاية المطاف! إنها سنة الدعوات، وما يصبر على ما فيها من مشقة، ويحافظ في ثنايا الصراع المرير على تقوى الله، فلا يشط فيعتدي وهو يرد الاعتداء، ولا ييأس من رحمة الله ويقطع أمله في نصره وهو يعاني الشدائد .. ما يصبر على ذلك كله إلا أولو العزم الأقوياء.

стр. 623

يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦]. وهكذا علمت الجماعة المسلمة في المدينة ما ينتظرها من تضحيات وآلام وما ينتظرها من أذى وبلاء في الأنفس والأموال، من أهل الكتاب من حولها، ومن المشركين أعدائها .. ولكنها سارت في الطريق، لم تتخاذل ولم تتراجع، ولم تنكص على أعقابها .. لقد كانت تستيقن أن كل نفس ذائقة الموت، وأن توفية الأجور يوم القيامة، وأنه من زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، وأن الحياة الدنيا ما هي إلا متاع الغرور. على هذه الأرض الصلبة المكشوفة كانت تقف، وفي هذا الطريق القاصد الواصل كانت تخطو، والأرض الصلبة المكشوفة باقية لأصحاب هذه الدعوة في كل زمان، والطريق القاصد الواصل مفتوح يراه كل إنسان، وأعداء هذه الدعوة هم أعداؤها، وتتوالى القرون والأجيال، وهم ماضون في الكيد لها من وراء القرون والأجيال .. والقرآن هو القرآن (١). ننتصر على الغرب بثباتنا يقول الشهيد الرنتيسي -عندما كان في مرج الزهور-: في خيمة جلس صحفي محبب إلى قلوبنا وعقد معي لقاء صحفيًا، ولقد أذهلني عندما توجه إليّ في نهاية اللقاء متسائلاً: هل أنت نبي؟ فقلت: لا، فقال: هي يتنزل عليكم وحي من السماء؟ فقلت: لا، ثم أنهى اللقاء. وتوجهت اليه متسائلاً بعد نهاية اللقاء: لماذا سألتني هذه الأسئلة الغريبة؟ فقال: أنا أخاطب المجتمع الأمريكي، وهناك خواء روحي عجيب، وكثير منهم يعتقد أن ثباتكم بين الصخور والثلوج لا يمكن أن يكون إلا بوحي، ويعتقدون أنك نبي جديد، ولذا أردت أن أبين لهم الحقيقة. وقال لي: لو قلت إنك نبي لوجدت أعدادًا كبيرة دخلوا في هذا الدين الجديد (٢). ...

стр. 624

الأخوة في الله هي منحة قدسية، ونعمة إلهية يقذفها الله في قلوب المخلصين من عباده، والأصفياء من أوليائه، والأتقياء من خلقه، فالله تعالى يقول: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٣] وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. لا أخوة بدون إيمان ولا إيمان بدون أخوة لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]. وعن أبي هريرة ﵁ بحديث يرفعه قال: "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، والأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف" [رواه مسلم]. وقال النبي ﷺ : "إن من عباد الله لأناسًا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله تعالى"، قالوا: يا رسول الله تخبرنا من هم؟ قال: "هم قوم تحابوا بروح الله بينهم على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، والله إن وجوههم لنور، وإنهم على نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس" [رواه أبو داود]. الأخوة طريق الجنة قال ابن السماك عند موته: اللهم إنك تعلم أني إذا كنت أعصيك كنت أحب من يطيعك، فاجعل ذلك قربة لي إليك. وقال الفضيل في بعض كلامه: هاه تريد أن تسكن الفردوس وتجاور الرحمن في داره مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين؟ بأي عمل عملته؟ بأي شهوة تركتها؟ بأي غيظ كتمته؟ بأي رحم قُطعت وصلتها؟ بأي زلة لأخيك غفرتها؟ بأي قريب باعدته في الله؟ بأي بعيد قاربته في الله؟. وقال عبد الله بن سهل: سمعت يحيى بن معاذ يقول: ليكن حظ المؤمن منك ثلاثًا:

стр. 625

إن لم تنفعه فلا تضره، وإن لم تفرحه فلا تغمه، وإن لم تمدحه فلا تذمه. وقال أبو سليمان الداراني: كنت أنظر إلى الأخ من إخواني بالعراق فأعمل على رؤيته شهرًا، ويقال: إنما الأخ الذي تعظك رؤيته قبل أن يعظك بكلامه. ويقول البنا: إن ذلك المهاجر الذي كان يترك أهله، ويفارق أرضه في مكة، ويفر بدينه، كان يجد أمامه أبناء الإسلام من فتيان يثرب ينتظرون، وكلهم شوق إليه وحب له وسرور بمقدمه، وما كان لهم سابق معرفة ولا قديم حيلة، وما ربطهم به وشيجة من صهر أو عمومة، وما دفعتهم إليه غاية أو منفعة. وإنما هي عقيدة الإسلام جعلتهم يحنون إليه ويتصلون به، ويعدونه جزءًا من أنفسهم، وشقيقًا لأرواحهم، وما هو إلا أن يصل المسجد حتى يلتف حوله الغر الميامين من الأوس والخزرج، كلهم يدعوه إلى بيته ويؤثره على نفسه، ويفديه بروحه وعياله، ويتشبث بمطلبه هذا حتى يؤول الأمر إلى الاقتراع، حتى روى الإمام البخاري: "ما نزل مهاجري على أنصاري إلا بقرعة". وحتى خلد القرآن للأنصار ذلك الفضل أبد الدهر، فما زال يبدو غرة مشرقة في جبين السنين في قول الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]. أمر إلهي يقول تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. يقول سيد قطب: "هذه الأخوة المعتصمة بحبل الله نعمة يمتن الله بها على الجماعة المسلمة الأولى، وهي نعمة يهبها الله لمن يحبهم من عباده دائمًا .. وهو هنا يذكرهم بهذه النعمة، يذكرهم كيف كانوا في الجاهلية أعداء، وما كان أعدى من الأوس والخزرج في المدينة أحد، وهما الحيان العربيان في يثرب، يجاورهما اليهود الذين كانوا يوقدون حول هذه العداوة وينفخون في نارها حتى تأكل روابط الحيين جميعًا، ومن ثم تجد يهود مجالها الصالح الذي لا تعمل إلا فيه، ولا تعيش إلا معه، فألف الله بين قلوب الحيين من العرب بالإسلام، وما كان إلا الإسلام وحده يجمع هذه القلوب المتنافرة، وما كان إلا

стр. 626

حبل الله الذي يعتصم به الجميع فيصبحون بنعمة الله إخوانًا (١). حقوق الأخوة الخاصة ١ - في المال يقول أبو حامد الغزالي في الإحياء: والحقوق في المال على ثلاث مراتب: أدناها: أن تنزله منزلة خادمك فتقوم بحاجته من فضل مالك، فإذا سنحت له حاجة وعندك فضل عن حاجتك أعطيته ابتداء ولم تحوجه إلى السؤال، فإن أحوجته إلى السؤال فهو غاية التقصير في حق الأخوة. الثانية: أن تنزله بمنزلة نفسك وترضى بمشاركته إياك في مالك وتسمح له بمشاطرته في المال. الثالثة: وهي العليا أن تؤثره على نفسك وتقدم حاجته على حاجتك، وهذه مرتبة الصديقين ومنتهى درجات المتحابين، ومن ثمار هذه الرتبة الإيثار بالنفس أيضًا. وجاء رجل إلى أبي هريرة ﵁ وقال: إني أريد أن أؤاخيك في الله. فقال: أتدري ما حق الإخاء؟ قال: لا. قال: أن لا تكون أحق بدينارك ودراهمك مني. قال: لم أبلغ هذه المنزلة بعد. قال: فاذهب عني. وقال علي بن الحسين للرجل: هل يدخل أحدكم يده في كم أخيه وكيسه فيأخذ منه ما يريد بغير إذنه؟ قال: لا، قال: فلستم بإخوان. وقال أبو سليمان الداراني: لو أن الدنيا كلها لي فجعلتها في فم أخ من إخواني لاستقللتها له، وقال أيضًا: إني لألقم اللقمة أخًا من إخواني فأجد طعمها في حلقي.

стр. 627

ولله در علقمة العطاردي في وصيته لابنه حين الوفاة قال: يا بني! إذا عرضت لك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا خدمته صانك، وإن صحبته زانك، وإن قعدت بك مؤنة عانك، واصحب من إذا مددت يدك بخير مدها، وإن رأى منك حسنة عدها، وإن رأى سيئة سدها، صاحب من إذا سألته أعطاك، وإن سكت ابتداك، وإن نزلت بك نازلة واساك، اصحب من إن قلت صدق قولك، وإن حاولتما أمرًا أمرك، وإن تنازعتما آثرك. وقال عبد الله بن عمر ﵄: أتى علينا زمان وما يرى أحد منا أحق بالدينار والدرهم من أخيه المسلم، وإنا في زمان الدينار والدرهم أحب إلينا من أخينا المسلم. وقال يزيد بن عبد الملك: إني لأستحي من الله أن أسأل الجنة لأخ من إخواني وأبخل عليه بدينار أو درهم. وقال أحد الصالحين: وددت أن جميع إخواني أتوني فشاركوني في معيشتي حتى يكون عيشنا عيشًا واحدًا، ولوددت أن جميع إخواني أتوني في حوائجهم، وإني لأستحي من الله أن ألقى الأخ من إخواني فأدعو له بالجنة وأبخل عليه بالدنيا، والدنيا أصغر وأحقر من أن يقال لي يوم القيامة: كنت كذابًا، لو كانت الدنيا بيدك كنت بها أبخل. وقال علي بن أبي طالب ﵁: لعشرون درهمًا أعطيها أخي في الله أحب إليّ من أن أتصدق بمائة درهم على المساكين. وجاء فتح الموصلي إلى صديق له يقال له: عيسى التمار فلم يجده في المنزل، فقال للخادمة: أخرجي إليّ كيس أخي، فأخرجته له فأخذ درهمين، وجاء عيسى إلى بيته فأخبرته الخادمة بمجيء فتح وأخذه الدرهمين، فقال: إن كنت صادقة فأنت حرة، فنظر فإذا هي صادقة فعتقت. وعن الأعمش: أن خيثمة بن عبد الرحمن ورث مائتي ألف فأنفقها على إخوانه. موقف مؤثر بيعت عيادة الدكتور عبد العزيز الرنتيسي في المزاد العلني؛ لأنه رفض دفع ضرائب للاحتلال، وهذا من شجاعته لرفضه مبدأ الاحتلال، وقدر الله سبحانه أن يشتري محتويات العيادة رجل فاضل وهو ابن الداعية والمحسن الكبير الحاج "صادق الزيني"، فلما علم أنها له اتصل به ورد محتويات العيادة إليه، وأقسم أيمانًا مغلظة ألا يأخذ البلغ الذي دفعه للمزاد،

стр. 628

وفعلاً لم يأخذ شيئًا رغم الإلحاح الشديد من الدكتور (١). هل تؤثر إخوانك على نفسك؟ ٢ - الإعانة بالنفس في قضاء الحاجات وقضى ابن شبرمة حاجة لبعض إخوانه فجاء بهدية فقال: ما هذا؟ قال: لما أسديته لي. فقال: خذ مالك عافاك الله، إذا سألت أخاك حاجة فلم يجهد نفسه في قضائها فتوضأ للصلاة وكبر عليه أربع تكبيرات وعده في الموتى. وكان في السلف من يتفقد عيال أخيه وأولاده بعد موته أربعين سنة يقوم بحاجتهم، ويتردد كل يوم إليهم ويمونهم من ماله، فكانوا ما يفقدون من أبيهم إلا عينه، بل كانوا يرون منه ما لم يروا من أبيهم في حياته، وكان الواحد منهم يتردد إلى باب دار أخيه ويسأل ويقول: هل لكم زيت؟ هل لكم ملح؟ هل لكم حاجة؟ وكان يقوم بها حيث لا يعرفه أخوه، وبهذا تظهر الشفقة والأخوة، فإذا لم تثمر الشفقة حتى يشفق على أخيه كما يشفق على نفسه فلا خير فيها (٢). عن بسطام التيمي قال: رأيت طلحة بن مصرف يخرج من زقاق ضيق في التيم، فقلت: من أين يجيء طلحة؟ قالوا: يأتي أم عمارة بن عمير يبرها بالنفقة والكسوة والصلة، قال: وذلك بعد موت عمارة ببضع عشرة سنة. وبالجملة فينبغي أن تكون حاجة أخيك مثل حاجتك، أو أهم من حاجتك، وأن تكون متفقدًا لأوقات الحاجة غير غافل عن أحواله كما لا تغفل عن أحوال نفسك، وتغنيه عن السؤال وإظهار الحاجة إلى الاستعانة، بل تقوم بحاجته كأنك لا تدري أنك قمت بها، ولا ترى لنفسك حقًا بسبب قيامك بها. وعن الحسن بن كثير قال: شكوت إلى محمد بن علي الحاجة وجفاء إخواني.

стр. 629

فقال: بئس الأخ أخ يرعاك غنيًا ويقطعك فقيرًا، ثم أمر غلامه فخرج كيسًا فيه سبعمائة درهم فقال: استنفق هذه فإذا نفدت فأعلمني. وكان ﵀ يدخل عليه إخوانه فلا يخرجون من عنده حتى يطعمهم الطعام الطيب، ويكسوهم الثياب الحسنة، ويهب لهم الدراهم، فتقول له مولاته سلمى: ما تصنع؟ فيقول لها: يا سلمى ما يؤمل في الدنيا بعد المعارف والإخوان؟ ولقى حكيم بن حزام عبد الله بن الزبير ﵄ -بعدما قتل الزبير- فقال: كم ترك أخي عليه من الدين؟ قال: ألفي ألف. قال: عليّ منها ألف ألف. قال الحسن: كنا نعد البخيل الذي يقرض أخاه!! وقال: ليس من المروءة أن يربح الرجل على صديقه. وجاء رجل من السلف الصالح إلى بيت صديق له، فخرج إليه فقال: ما جاء بك؟ قال: علي أربعمائة درهم، فدخل الدار فوزنها، ثم خرج فأعطاه، ثم عاد إلى الدار باكيًا، فقالت زوجته: هلا تعللت عليه، إذا كان إعطاؤه يشق عليك؟ فقال: إنما أبكي لأني لم أتفقد حاله، فاحتاج أن يقول ذلك. وقال علي: لئن أجمع نفرًا من أصحابي على صاع أو صاعين من طعام أحب إلي من أن أخرج إلى سوقكم فأعتق نسمة (١). ولله در أبي سليمان الداراني حين يقول، لو أن الدنيا كلها لي في لقمة، ثم جاءني أخ لأحببت أن أضعها في فيه. ودخل مالك بن دينار ومحمد بن واسع منزل الحسن وكان غائبًا، فأخرج محمد بن واسع سلة فيها طعام من تحت سرير الحسن فجعل يأكل، فقال له مالك: كُفْ يدك حتى يجيء صاحب البيت، فلم يلتفت محمد إلى قوله وأقبل على الأكل، وكان مالك أبسط منه وأحسن خلقًا، فدخل الحسن وقال: هكذا كنا لا يحتشم بعضنا بعضًا حتى ظهرت أنت

стр. 630

وأصحابك، وأشار بهذا إلى أن الانبساط في بيوت الإخوان من الصفاء في الأخوة، كيف وقد قال تعالى: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١] وقال: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ إذ كان الأخ يدفع مفاتيح بيته إلى أخيه ويفوض له التصرف كما يريد. وكان أبو جعفر محمد بن علي يدعو نفرًا من إخوانه كل جمعة فيطعمهم الطعام الطيب، ويطيبهم، ويبخرهم، ويروحون إلى المسجد من منزله. ولله در الإمام أحمد بن حنبل حين يقول: لو أن الدنيا جمعت في مقدار لقمة، ثم أخذها المرء المسلم فوضعها في فم أخيه المسلم لما كان مسرفًا. وقال عبد الله بن عثمان شيخ البخاري: ما سألني أحد حاجة إلا قمت له بنفسي، فإن تمت وإلا قمت له بمالي، فإن تمت وإلا استعنا له بالإخوان، فإن تمت وإلا استعنا له بالسلطان. ودخل علي بن زين العابدين بن الحسين على محمد بن أسامة بن زيد يعوده، فبكى ابن أسامة، فقال له: ما يبكيك؟ قال: عليّ دين. قال: وكم هو؟ قال: خمسة عشر ألف دينار. فقال: هي عليّ. وقال الهيثم بن جميل: جاء فضيل بن مرزوق إلى الحسن بن حسين فأخبره أنه ليس عنده شيء، فقام الحسن فأخرج ستة دراهم، وأخبره أنه ليس عنده غيرها. فقال: سبحان الله ليس عندك غيرها وأنا آخذها، فأخذ ثلاثة وترك ثلاثة. قال ابن رجب في لطائف المعارف: كان كثير من السلف يشترط على أصحابه في السفر أن يخدمهم، اغتنامًا لأجر ذلك: منهم: عامر بن عبد قيس، وعمرو بن عتبة بن فرقد، مع اجتهادهما في العبادة في أنفسهما، وكذلك كان إبراهيم بن أدهم يشترط على أصحابه في السفر الخدمة والأذان.

стр. 631

وكان رجل من الصالحين يصحب إخوانه في سفر الجهاد وغيره، فيشترط عليهم أن يخدمهم، فكان إذا رأى رجلاً يريد أن يغسل ثوبه، قال له: هذا من شرطي، فيغسله. وروى أن جيشًا من المسلمين كان بينه وبين عدوه نهر، فأمرهم القائد أن يخوضوه فلبوا الأمر وخاضوا النهر، والعدو يشهدهم من بعيد، وفي وسط النهر سقط إناء أحدهم فصاح: قعبي قعبي، فقال الذي عن يمينه: قعبي قعبي، وقال الذي عن شماله: قعبي قعبي، حتى أخذ الجيش كله يردد: قعبي قعبي، فخاضوا جميعًا في جوف النهر ليبحثوا عن إناء أخيهم، فعرف العدو ذلك، فألقى الله الرعب في قلوبهم وقالوا: إذا كانوا يفعلون ذلك من أجل إناء سقط من أحدهم، فماذا يفعلون لو قتلنا منهم نفسًا. ٣ - في اللسان قال ابن المبارك: المؤمن يطلب المعاذير، والمنافق يطلب العثرات. وقال عيسى ﵇ للحواريين: كيف تصنعون إذا رأيتم أخاكم نائمًا وقد كشف الريح ثوبه عنه؟ قالوا: نستره ونغطيه. قال: بل تكشفون عورته! قالوا: سبحان الله من يفعل هذا؟ فقال: أحدكم يسمع بالكلمة في أخيه فيزيد عليها ويشيعها بأعظم منها. وقال عمر بن الخطاب ﵁: ثلاث يصفين لك ود أخيك: أن تسلم عليه إذا لقيته أولاً، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب أسمائه إليه. الدعاء للأخ في حياته وبعد مماته كان أبو الدرداء ﵁ يقول: إني لأدعو لسبعين من إخواني في سجودي أسميهم بأسمائهم. ويقول أحمد بن حنبل: ما صليت صلاة منذ أربعين سنة إلا وأنا أدعو للشافعي رحمه الله تعالى.

стр. 632

فقال له ابنه عبيد الله: أي رجل كان الشافعي حتى تدعو له كل هذا الدعاء؟ فقال الإمام أحمد: يا بني، كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من خلف؟ وعن أبي عبد الله بن الخطيب قال: كان لأبي حمدون (أحد القراء المشهورين) صحيفة مكتوب فيها ثلاثمائة من أصدقائه، قال: وكان يدعو لهم كل ليلة، فتركه ليلة فنام، فقيل له في نومه: يا أبا حمدون! لِمَ لم تسرج مصابيحك الليلة؟ قال: فقعد وأسرج وأخذ الصحيفة، فدعا لواحد واحد حتى فرغ. وقال القاضي محمد بن محمد بن إدريس الشافعي: قال لي أحمد بن حنبل: أبوك أحد الستة الذين أدعو لهم سحرًا. وكان محمد بن يوسف الأصفهاني يقول: وأين مثل الأخ الصالح أهلك يقتسمون ميراثك، ويتنعمون مما خلفت، وهو منفرد بحزنك، مهتم بما قدمت وما صرت إليه، يدعو لك في ظلمة الليل وأنت تحت أطباق الثرى. ٤ - الوفاء والإخلاص ومعنى الوفاء الثبات على الحب وإدامته إلى الموت، وبعد الموت مع أولاده وأصدقائه، فإن الحب إنما يراد للآخرة. يقال: ما تآخى اثنان في الله فتفرق بينهما إلا بذنب يرتكبه أحدهما. وكان بشر يقول: إذا قصر العبد في طاعة الله سلبه الله من يؤنسه. واعلم أنه ليس من الوفاء موافقة الأخ فيما يخالف الحق في أمر يتعلق بالدين، بل الوفاء له المخالفة. فقد كان الشافعي آخى محمد بن عبد الحكم وكان يقربه ويقبل عليه، ويقول: ما يقيمني بمصر غيره، فاعتل محمد فعاده الشافعي رحمه الله تعالى فقال: مرض الحبيب فعدته ... فمرضت من جزعي عليه وأتى الحبيب يعودني ... فبرئت من نظري إليه وظن الناس من فرط محبته أنه يفوض أمر حلقته إليه بعد وفاته، فقيل للشافعي في

стр. 633

علته التي مات فيها: إلى من نجلس بعدك يا أبا عبد الله؟ فاستشرف له محمد بن عبد الحكم، وهو عند رأسه ليوميء إليه، فقال الشافعي: سبحان الله أيشك في هذا، أبو يعقوب البويطي؟ فانكسر لها محمد، ومال أصحابه إلى البويطي مع أن محمدًا كان قد حمل عنه مذهبه كله، لكن البويطي كان أفضل وأقرب إلى الزهد والورع، فنصح الشافعي لله وللمسلمين وترك المداهنة. يفول ابن عباس: أكرم الناس عليَّ جليسي الذي يتخطى رقاب الناس إليّ، لو استطعت ألا يقع الذباب عليه لفعلت، وفي رواية: "إن الذباب ليقع عليه فيؤذيني" (١). ٥ - التخفيف وترك التكلف قال علي: شر الأصدقاء من تكلف لك، ومن أحوجك إلى مداراة، وألجأك إلى اعتذار. وقال الفضيل: إنما تقاطع الناس بالتكلف، يزور أحدهما أخاه فيتكلف له فيقطعه ذلك عنه. وقالوا: من سقطت كلفته دامت ألفته، ومن خفت مؤنته دامت مودته. وقال جعفر الصادق: أثقل إخواني علي من يتكلف لي وأتحفظ منه، وأخفهم عليَّ قلبي من أكون معه كما أكون وحدي. وقال آخر: لا تصحب إلا من يتوب عندك إذا أذنبت، ويعتذر إليك إذا أسأت، ويحمل مؤنة نفسك ويكفيك مؤنة نفسه، وهذا منتهى الكمال وهو نادر وقليل. وقال رجل للجنيد: قد عز الإخوان في هذا الزمان، أين أخ لي في الله؟ فأعرض الجنيد حتى أعاده ثلاثًا فلما أكثر قال له الجنيد: إن أردت أخًا يكفيك مؤنتك ويتحمل أذاك فهذا لعمري قليل، وإن أردت أخًا في الله تحمل أنت مؤنته وتصبر على أذاه، فعندي جماعة أعرفهم لك فسكت الرجل. وقال بعضهم: إذا عمل الرجل في بيت أخيه أربع خصال فقد تم أنسه به: أكله عنده، ودخول الخلاء، والصلاة، والنوم.

стр. 634

هل تحرص على عدم التكلف مع إخوانك؟ ٦ - أخبره بحبك عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلاً كان عند النبي ﷺ فمر رجل به، فقال: يا رسول الله، إني لأحب هذا، فقال له النبي ﷺ : "أعلمته؟ " قال: لا، قال ﷺ :" أعلمه" فلحقه، فقال: إني أحبك في الله، فقال: أحبك الذي أحببتني له [رواه أبو داود]. وعن أبي إدريس الخولاني قال: دخلت مسجد دمشق فإذا فتى براق الثنايا (يلمع بياضًا في مقدمة أسنانه) إذ الناس معه إذا اختلفوا في شيء أسندوه إليه، وصدروا عن قوله، فسألت عنه فقيل: هذا معاذ بن جبل، فلما كان من الغد هجَّرت (بكرت) فسبقني بالتهجير، ووجدته يصلي فانتظرته حتى قضى صلاته ثم جئته من قبل وجهه فسلمت عليه ثم قلت: والله إني لأحبك فقال: ألله؟ فقلت: الله: فقال: ألله؟، فقلت: الله، فقال: ألله؟، فقلت: الله، فأخذ بحبوة ردائي فجذبني إليه (ملتقى طرفيه من الصدر) فقال: أبشر، فإنني سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال ﵎: "وجبت محبتي للمتحابين فيَّ، والمتجالسين فيَّ، والمتزاورين فيَّ، والمتباذلين فيَّ" [موطأ مالك]. ٧ - إذا لقى الأخ أخاه فليبادر إلى مصافحته قال رسول الله ﷺ : "ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا" [أبو داود]. إذا لقى الأخ أخاه فليطلق وجهه عند اللقاء: عن أبي ذر ﵁ قال رسول الله ﷺ : "لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق" [رواه مسلم]. ٨ - إذا فارق الأخ أخاه فليطلب منه الدعاء في ظهر الغيب عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: أنه استأذن النبي ﷺ في العمرة فقال: "أي أخي أشركنا في دعائك ولا تنسنا" [رواه الترمذي]. ٩ - أن يكثر من زيارة أخيه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ -قال: "إن رجلاً زار أخًا له في الله، فأرصد الله على مدرتجه (طريقه) ملكًا، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية، قال: هل

стр. 635

لك من نعمة تربُّها، قال: لا، غير أني أحببته في الله ، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه" [رواه مسلم]. وقال محارب بن دثار سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: لقد أحببت في الله ألف أخ كلهم أعرف اسمه، واسم أبيه، واسم قبيلته، وأعرف مكان داره. وقال أبو سليمان الداراني: قد يعملون بطاعة الله ، ويعاونون على أمره، ولا يكونون إخوانًا حتى يتزاوروا ويتباذلوا. وكان الإمام أحمد بن حنبل إذا بلغه عن شخص صلاح أو زهد، أو قيام بحق، أو اتباع للأمر، سأل عنه، وأحب أن يجري بينه وبينه معرفة، وأحب أن يعرف أحواله. وروى الخطيب البغدادي أنه قال: بلغني أن بعض أصحاب محمد بن غالب أبي جعفر المقرئ جاء في يوم وحل وطين، فقال له: كيف أشكر هاتين الرجلين اللتين تعبتا إليَّ في مثل هذا اليوم لتكسباني الثواب؟ ثم قام بنفسه فاستقى له الماء، وغسل رجليه!. ١٠ - أن يبدي له اهتمامًا في قضاء حوائجه عن أبي هريرة ﵁ -قال: قال رسول الله ﷺ : "من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" [رواه مسلم]. وكان مالك بن دينار يقول: لا يتفق اثنان في عِشرة إلا وفي أحدهما صفة من الآخر، فإن أجناس الناس كأجناس الطير .. ولا يتفق نوعان من الطير إلا لمناسبة، وفي ذات يوم رأى غرابًا مع حمامة فعجب من ذلك وقال: اتفقا وليسا من شكل واحد ثم طارا فإذا هما أعرجان، فقال: من هنا اتفقا. عن مجاهد قال: صحبت ابن عمر وأنا أريد أن أخدمه فكان يخدمني. ١١ - حفظ السر أفشى بعضهم سرًا له إلى أخيه ثم قال له: حفظت؟ فقال: بل نسيت. وقال أبو سعيد الثوري: إذا أردتَ أن تؤاخي رجلاً فأغضبه، ثم دس عليه من يسأله عنك، وعن أسرارك، فإن قال خيرًا وكتم سرك فاصحب.
следующие страницы →