الله ﷺ ، ولو كان في الدين كما يزعمه المبتدع لكان مبوبا له في كتب الحديث والفقه (١).
وقال العلامة الونشريسي المالكي في المعيار المعرب (١/ ١٦٠) وسئل القاضي أبو عمرو بن منظور عن إمام قرية يؤم الناس وهو يحب طريقة الفقراء، وفي القرية زاوية يجتمعون فيها بعض من أصحاب القرية ليلة الجمعة وليلة الاثنين والإمام المذكور معهم، يستفتحون بعشر من القرآن ويبدؤون بالذكر الموصوف لهم، فإذا فرغوا منه يستفتح المداح وأصحابه دائرون عليه يضربون الكف ويقولون معه، والإمام المذكور يمدح مع المداحين، ويضرب الكف معهم ويرقص مع الذي رقص منهم، فإذا كان ليلة مولد النبي ﷺ يمشي الإمام معهم إلى قرية أخرى بنحو عشرين ميلا من قريتهم ويبقى المسجد بلا خطبة ولا إمام ولا آذان حتى يرجعون، وتكون غيبتهم أربعة أيام أو ثلاثة أيام. فقيل: إن الإمام الذي يعمل هذا لا تجوز إمامته، والذي يسمع العريف خير من الفقراء، والإمام المذكور يعلم أن طريقة الفقراء بدعة لم تكن في عهد رسول الله ﷺ ولا في عهد التابعين بعده، ويعلم أن أفضل الذكر ما خفي، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. لكن حمله على هذا محبته في الذكر وفي مدح رسول الله ﷺ ومحبته في مجامعة الإخوان، هل يلزم من اغتاب هذه الطريقة شيء أم لا؟
стр. 72
فأجاب: تأملت السؤال بمحوله، وقد سئل عن مثله العلماء الفقهاء الذين يقتدى بهم ويعمل على قولهم، والكل منعوا تلك الطريقة وقالوا: بتبديع مرتكبها، والسنة بخلاف ذلك، والرقص لا يجوز، وهو تلاعب بالدين، وليس من أفعال عباد الله المهتدين. وإمامة من يرى هذا المذهب ويسلك طريقهم لا تجوز، لا سيما وقد انضاف إليه مع عمله هذا تعطيل المسجد وتركه دون مؤذن ولا إمام.
ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها.
وهذا يدخل تحت الوعيد.
وقول من قال أن من يسمع العريف خير من الفقراء فهذا يظهر أنه صحيح، ووجه أن الذي يسمع العريف عاص ويعلم أنه على غير شيء. وهذا الذي يشطح ويرقص يعتقد أنه على شيء، وهو على غير شيء أو متلاعب، وما خلقنا للعب، وهو بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ويكون للإمام حظه من هذه الطريقة حضوره كاف في منع إمامته، لأنه مكثر سوادهم، ومن كثر سواد نوع عد منهم. وأما محبة الرسول والصحابة فيتوصل إليها بغير هذا، وهي ساكنة في القلب، والإكثار من الصلاة والسلام عليه والرضى عن أصحابه في نفسه وفي بيته هو وجه العبادة.
والطاعن في هذا الإمام وإن كان من قرية أخرى قام على وجه الحسبة وتغيير المنكر، فلا عتاب عليه إن شاء الله تعالى.
فهذا وجه الجواب عن السؤال بمحوله.
стр. 73
وأجاب الشيخ أبو الحسن العامري: الاجتماع على الذكر إذا كان يذكر كل واحد وحده، وأما على صوت واحد فكرهه مالك.
وأما القيام والشطح فمن ظن أنه عبادة فهو جاهل تجب عليه التوبة من ذلك، فإن ناظر على ذلك وقال إنه عبادة فقد خالف الإجماع، ومخالفة الإجماع كفر فيستتاب، فإن تاب وإلا قتل. وكيف يعتقد أن يعبد الله بشطح وهو لهو ولعب؟
وأجاب سيدي أبو عبد الله السرقسطي عن نظيرتها بما نصه: جواب السؤال بمحوله أن طريقة الفقراء في الذكر الجهري على صوت واحد والرقص والغناء بدعة محدثة لم تكن في أصحاب رسول الله ﷺ ، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، فمن أراد اتباع السنة واجتناب البدعة في ذكر الله والصلاة على رسوله فليفعل ذلك منفردا بنفسه غير قارن ذكره بذكر غيره، وليخف ذكره فهو أفضل له، وخير الذكر الخفي، وعمل السر يفضل عمل العلانية في النوافل بسبعين ضعفا. انتهى.
ولو أن هذه الفتاوى جردت من أسماء قائليها لظن من يقرؤها أنها لأحد علماء الدعوة الوهابية في هذا الزمان، وأنت ترى أنها في كتاب مالكي قديم قبل ظهور الوهابية بأزمان.
أمَا آن للقوم أن يصحوا من غفوتهم، وأن يفيقوا من غفلتهم، لماذا إذا أفتى بعض حملة السنة في زماننا بمثل هذه الفتوى قيل: إنه وهابي، جاء بمذهب غريب عن بلدنا؟ وأنت ترى أن الفتاوى المتقدمة لعلماء مغاربة مالكية.
стр. 74
ومن أشد علماء المغرب على الصوفية وعلى عقائدهم وأباطيلهم: الشيخ العلامة عبد الرحمان محمد النتيفي الجعفري الزياني (المتوفى سنة ١٣٨٥هـ) الذي كان يحضر المجالس العلمية للسلطان محمد الخامس ﵀، فقد ألف كتبا عديدة في إنكار بدع الصوفية.
منها: كتاب حكم السنة والكتاب في وجوب هدم الزوايا والقباب.
وتنبيه الرجال في نفي القطب والغوث والأبدال.
والذكر الملحوظ في نفي قراءة اللوح المحفوظ.
والإرشاد والسداد في فضل ليلة القدر على ليلة الميلاد.
والقول الفائز في عدم التهليل وراء الجنائز.
والقول الجلي في عدم تطور الولي.
الميزان العزيز في الرد على كتاب الإبريز.
تحفة الأماني في الرد على أصحاب التيجاني.
الزهرة في الرد على غلو البردة.
الحجج العلمية في رد غلو الهمزية.
أصفى الموارد في الرد على غلو المطربين المادحين لرسول الله وأهل الموائد.
الدلائل البينات في البحث في دلائل الخيرات وشرحه مطالع المسرات.
كل هذه الكتب وغيرها كثير جدا لازالت مخطوطة عند أحد طلبته بمدينة تارودانت.
стр. 75
وكذلك من أشد علماء المغرب على الصوفية الشيخ تقي الدين الهلالي.
وله كتاب: الهدية الهادية للطائفة التيجانية.
في رد أباطيل التيجانيين وغيرهم من المتصوفين. وكان ﵀ مشهورا بمعادات المتصوفة، معروفا بانحرافه عنهم.
وممن ألف في الرد على التيجانيين كذلك: السلطان العلوي المولى عبد الحفيظ، له كتاب: "كشف القناع عن اعتقاد طوائف الابتداع المتقولين الذين حادوا عن منهاج السنة وأحدثوا اعتقادات لم ترد عمن شرح الدين والسنة".
طبع على الحجر بفاس سنة ١٩٠٩.
ومما ألف في الرد على التجانيين كذلك: فتوى لعلماء القرويين بإدانة كتاب صلاة الفاتح لمحمد الفاطمي التيجاني.
فقد قام العلامة مولاي العربي العلوي برفع طلب لمجلس من علماء القرويين حول الكتاب المذكور، فصدرت فتوى بتاريخ ٢٤ - فبراير- ١٩٢٥ بإدانة مؤلفه وإحراق كتابه. راجع "الطريقة التيجانية بين التقليد والتجديد" لعبد الملك الرياحي (٣٢٩ - مرقون).
وممن ألف في الرد على التجانيين كذلك: العلامة محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي له: "معضلات العصر"، وهو مقال له في الرد على التيجانيين، وقد طبع بتعليقات علامة الجزائر ابن باديس، وسماه الجواب
стр. 76
الصريح في بيان مضادة الطريقة التيجانية للإسلام الصحيح. مجلة الشهاب الجزائرية (الجزء ٧ من المجلد٤ - رجب ١٣٥٧).
وممن ألف مناهضا لبدع المتصوفة أحد علماء المغرب المشهورين، وأحد أشهر المفسرين في هذا العصر، وهو الشيخ محمد المكي الناصري المفسر المعروف ووزير الأوقاف سابقا، له رسالة قيمة في الرد على الصوفية، طبعت قديما سنة: ١٣٤٣/ ١٩٢٥، سماها: إظهار الحقيقة وعلاج الخليقة، وقد حققتها، وستصدر قريبا إن شاء الله.
ومما قال في كتابه (٢١): ومنهم جماعات اتخذوا دين الله لهوا ولعبا، فجعلوا منه القيام والرقص حالة الذكر الجهري، ظانين أن ما يفعلونه من الرقص حالة الذكر عبادة، مع أن من ظن ذلك تجب عليه التوبة، فإن ظل على ذلك، وقال: إنه عبادة يتقرب بها إلى الله تعالى يخالف الإجماع فيكون عاصيا آثما إن لم يكن كافرا، بناءا على القول بتكفير مخالف الإجماع.
وكيف يعتقد من أودع الله فيه نور العقل أن الشطح وما شابهه مما يعبد الله به، مع تيقنه أن ذلك مجرد لهو ولعب ...
إلى أن قال: ومما يزيد الطين بلة، والطنبور نغمة أنهم يخللون ذكر الله وقتئذ بإنشاد مدائح أهون ما فيها الإطراء الذي نهانا عنه سيد المتواضعين حتى لنفسه الشريفة فقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ولكن قولوا عبد الله ورسوله» (١).
стр. 77
ولا تسأل عن تغاليهم في الاستغاثة بشيوخهم والاستمداد منهم بصيغ لو سمعها مشركو قريش لنسبوهم إلى الكفر والزندقة والمروق من الدين، لأن أبلغ صيغة تلبية كانت لمشركي قريش هي قولهم: لبيك لاشريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك (١).
وهي كما ترى أخف شركا من المقامات الشيوخية التي يهدرون بها إنشادا بأصوات عالية مجتمعة، وقلوب محترقة خاشعة.
ومنهم أقوام كثيرون اصطلحوا على جعل يوم من السنة مخصوصا بفضيلة أكل اللحوم النيئة والطواف في الأسواق، ودق الطبول والنفخ في الأبواق، وتلطيخ الثياب بالدماء المسفوحة طول يومهم الذي يكونون فيه قرناء الشيطان، مع أكل الزجاج والشوك والحيات والعقارب وشرب القطران.
ويزيدهم قبحا وبشاعة وتمكنا من الهمجية ما يتمثلون به من الحيوانات البهيمية، ويتشبهون به من الوحوش الضارية، فيشخصون للإنسان كل ما امتازت به تلك الحيوانات بغاية البراعة والإتقان، ويستميلون نفوس الرائين ويسترعون أسماعهم بما يحسنون به تلك الأدوار من أنواع المهايتات والصياح.
ويجوزون الشوارع الواسعة ذات الأطراف الشاسعة على هذه الحالة البشيعة المنظر، مختلطين بالنساء حاملين الرايات الشيطانية، جاعلين أبناء شيوخهم وسطهم، راكبين على عتاق الخيل، لابسين أحسن ما عندهم من
стр. 78
الثياب محفوفين بالعز والتأييد والمهابة والإقبال، منظورين بعين التعظيم والإجلال.
وذلك ليستمطروا بهم سحائب فضلات الجهال، من النساء والرجال، الذين يأتون من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم (حسب زعمهم) في ذلك اليوم المشهود عند الشياطين، المحبوب عند أعداء الأمة والدين، ولينالوا بركة أولئك الأوباش الطغام الذين ينزل عليهم من الإعانات الشيطانية والإمدادات الجارية لحق الأهواء النفسانية ما لا يحصى بعَدٍّ ولا يقف عند حَد.
ومثل هؤلاء الرعاع قوم آخرون أبشع منهم منظرا وأقبح حالة، يطوفون بالأسواق ويضربون الطبول وينفخون في الأبواق مثل سابقيهم، إلا أن هؤلاء يشدخون رؤوسهم أثناء تطوفهم ويضربونها ويسيلون دماءها بالأسلحة والفؤوس والقلال وغيرها من أنواع الآلات المحددة التي لا أقدر على وصفها مما يتخذونه قصدا للقيام بهذا الأمر الفظيع.
ويستعينون على كل ما ذكر بشرب المسكرات، واستعمال المرقدات والمخدرات، وهم سواء مع ما ذكرناهم سابقا وقدمنا وصفهم في هذا الفعل القبيح والعمل السمج.
ولكن مع هذا كله فقد حصلوا على مراكز عظمى في القلوب ... إلى آخر كلامه.
وقال بعد أن ذكر ما كان عليه الصوفية الأوائل من التزام السنة ومجانبة البدع:
стр. 79
إذا عرفت الطريق التي كان عليها الصوفية الصادقون، وما عليه متصوفة العصر المبطلون، وتحققت أن كل ما أصابنا من أنواع الانحطاط والجمود والفشل والافتراق، والتنازع والتباغض والتحاسد والشقاق، إنما هو من نتائج بدع المتصوفة المبطلين التي اتبعناهم فيها واعتكفنا معهم على إقامتها وسرت في نفوسنا سريان الدم في العروق، فلا شك أن النفس الحية الثائرة على الأكاذيب والأباطيل، تشمئز من ذلك وتسعى بجد واجتهاد في مقاومته وتستعمل جميع الوسائل لحسم مادته وإزالته، وتميل كل الميل إلى معرفة العلاج الناجع والدواء النافع.
وقال بعد هذا:
فعلينا معشر الناطقين بالضاد أن نعتني بتهذيب الأخلاق وتطهيرها من شوائب النقائص والتعجيل برتق فتقنا وعلاج ضرنا.
وليس ذلك إلا باتباع الكتاب والسنة وعدم الخروج عنهما والحذر من الوقوع في مهاوي البدع، والقبض على الشريعة بيد من حديد، والعض عليها بالنواجذ، والمحافظة على قوميتنا وجنسيتنا، والاهتمام بشأن جامعتنا، والاعتناء بحفظ هيأتنا، والتعاون على إصلاح ما أفسده الدخلاء الخراصون القصاصون القناصون من ديننا.
وتبيين حقيقته لإخواننا، ونشر المقالات العلمية في بين محاسنه التي لا تخفى إلا على من عجنت طينته بوابل الوبال. وصار محبولا بحبال الخذلان والخبال.
стр. 80
واستعمال الخطب الحية في محاربة البدع والمنكرات، ودفع ما يتوجه على الدين بسببها من الانتقادات والاعتراضات لنبرهن على أننا خير أمة أخرجت للناس، وأن ديننا خير الأديان.
وبهذا تخالط بشاشة الدين الإسلامي القلوب، وتحل الحقائق محل الخرافات، وتقوم المحاسن مقام المساوي، وتنطبع صور الأخلاق الجميلة في مرآة الناشئة الصقيلة.
وكذلك من أشد علماء المغرب على الصوفية العلامة الأديب أبو عبد الله محمد بن اليمني الناصري الجعفري الرباطي، (المتوفى سنة: ١٣٩١هـ) (١) له: "ضرب نطاق الحصار على أصحاب نهاية الانكسار".
ذكرت في تحقيقي لإظهار الحقيقة وعلاج الخليقة للشيخ محمد المكي الناصري أن بعض المتصوفة رد على الناصري، فتولى الرد عليه أخوه العلامة أبو عبد الله محمد بن اليمني الناصري في كتابه هذا.
وقد طبع في حياته، وقرظه له (١٥) عالما وكاتبا وشاعرا، وقدم له العلامة عبد الكبير الفاسي، وأثنى عليه، وعندي منه نسخة مصورة.
وهو كتاب صاعقة على المتصوفة، والأهم فيه أنه قرظه (١٥) عالما وأديبا وشاعرا مغربيا وأثنوا عليه غاية الثناء، وقدم له العلامة الشيخ عبد الكبير الفاسي، وأثنى على مؤلفه وتأليفه ثناء عطرا.
стр. 81
فهذا مما يؤكد أن أكثر علماء المغرب كان موقفهم واضحا من البدع والتصوف، فليخسأ الخراصون.
وهذه بعض النقول التي انتقيتها من الكتاب:
قال ﵀ (ص٦٦ - ٦٧ - ٦٨) متحدثا عن فرق المعتزلة والخوارج وغيرهم مقارنا بينها وبين فرق الصوفية: على أن تلك الفرق الضالة قد ذهب جلها، إن لم نقل كلها بما له وما عليه، ولم تكن في نظري ونظر ذوي النظر الصائب ممن مارس التاريخ وزاوله، إلا أتقى وأنقى بكثير وأبعد نظرا، وأبهى مخبرا ومنظرا من بعض الفرق الموجودة الآن، إذ ليس منهم من كان يفضل كلام المخلوق العاجز الضعيف الحادث على كلام الخالق القادر القوي القديم سبحانه، ولا من يتخذ ضرائح الأولياء والصلحاء ملجأ وكعبة وقبلة يتوجهون إليها، كما يتوجهون إلى الله تعالى، ويتطوفون بها، ويتمسحون بجدرانها، ويقبلون درابيزها وكساها كما يقبلون الحجر الأسود، ويركعون أمامها بجوارحهم وجوانحهم، ويسجدون لها بكيفية أرقى من السجود لله، معفرين خدودهم على ترابها، بل لم يكن فيهم من يتلبس بالمنكرات وهو يعتقد أنها عبادة تقربه من الله زلفى، ولا من يبيع دينه بدنيا غيره مؤخرا الصلاة عن وقتها لخدمة شيخ من المشايخ أو حضور حضرته، ولا من يتخذ طبلا ولا مزمارا ولا آلة لهو وطرب في المعابد التي أمر الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه.
стр. 82
ولا ... ولا ... من المنكرات التي يتلبس بها كثير من هذه الفرق المسماة بالطوائف التي في تسميتها بالطوائف ولو كانت متبصرة، ولآداب دينها حافظة مستحضرة، نهاية الاعتبار وغاية الحجة.
كيف لا، والله سبحانه علمنا في فاتحة كتابه، التي أوجب علينا قراءتها وتدبرها في كل ركعة من الركعات، أن نسأله الهداية إلى صراط واحد، هو الصراط المستقيم الذي كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، حتى لا نميل عنه يمنة أو يسرة بقوله: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾.
ولو كان المجال واسعا للمقايسة بين أعمال المعتزلة ومن في معناهم وأعمال هذه الفرق والمقابلة بينها لشفينا الغليل، ولأبرأنا بحول الله وقوته كل عليل، ولأَبَنَّا لكل متعصب البون الشاسع والفرق الواضح كالفرق بين هذه الفرق وتلك، حتى تتجلى لكل منصف على منصة البيان حقائق تجعل كثيرا من فرقنا اليوم أضل سبيلا، وأكذب قيلا.
بالله عليك أتقدر بعد هذا أن تقر ما أنكره صاحب الإظهار من أعمال العيساويين والحمدوشيين ومن في معناهم من الشطاحين النطاحين الرقاصين القصاصين القناصين الخراصين، وتأتي ولو بدليل واحد من ظاهر كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ على جواز أعمالهم وإباحتها وموافقتها لروح ديننا الطاهر.
стр. 83
مالك ملت إلى الإجمال، ولم تفصل في التدليل والاستدلال، ولم تحسن المنافحة عن الفرق المغمورة بالجهل والضلال.
إننا نقترح عليك بمقتضى كوننا جهلاء بالحقيقة في نظرك: أن تجرد أقلامك وترهفها للكتابة في الموضوع ثانيا، وتفصل وتفصل من غير همهمة ولا إجمال، فإن نهاية الانكسار الذي ما أفادنا إلا انكسار قلمك في تحرير اللغة العربية، وتحبير القواعد العلمية والأدبية، لم يبرد لنا غليلا، ولم يبر منا عليلا، ولم يهدنا سواء السبيل، وهل إلى ذلك من سبيل؟ ... ياأيها المؤلف النزيه النبيه النبيل، المنتسب إلى خير قبيل.
وقال (ص١٠٠) فانظروا يا إخواننا العوام إلى قوله في هذا الحديث «ستكون فتن» (١) وتأملوه فإنكم إن أمعنتم النظر استنتجتم أنه لا فتنة أضر عليكم في دينكم من فتن الطرق، فإنها حولتكم عن الوجهة التي وجه الشارع إليها وجوهكم ونبهكم إلى طلب الهداية إليها بقوله: اهدنا الصراط المستقيم. وبقوله: ﴿وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران:١٠١]. وهو أدرى بمصالحكم منكم وإن كان هناك فتن أخرى فإنها في نظر ذي الفهم الصحيح أدون وأهون من تلك الفتنة التي تسلب الإنسان المسلم من أعز عزيز لديه، وهو إخلاص التوحيد لله وتخصيصه بالإعطاء والمنع والضر والنفع ونذر النذور واليمين والسجود ونحوها من خواص الربوبية، وتبث في نفسه الخضوع والاستكانة والتذلل والاستخذاء.
стр. 84
وقال (ص٧٥): وها نحن عباد الله أرشدناكم وحذرناكم وأنذرناكم فمن ذهب بعد لهذه المواسم، أو أحدث بدعة في شريعة نبيه أبي القاسم، فقد سعى في هلاك نفسه، وجر الوبال عليه وعلى أبناء جنسه، وتله الشيطان للجبين، وخسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقال (ص٧٦) عن قيام المولى سليمان بإصدار مرسومه ضد الطرق والمواسم: لا غرو ولا عجب في قيام هذا الأمير الجليل بهذا الأمر الجلل، وحمله رعيته على نبذ الطرق وبدع المواسم وزخرفة المساجد وبناء القباب على صالحي هذه الأمة المحمدية، وغير ذلك من المناكر، التي تأباها أصول ديننا الحنيف وقواعده المتينة، فإنه فرع تلك الدوحة النبوية، التي تفيأ ظلال أمانها الأنام، وهو الذي يقدر العمل بسنة جده صاحب الشريعة الإسلامية حق قدره، ويرى أن قيامه بالحض على ذلك غاية مجده وفخره.
ويتحقق أنه لا حياة لرعيته إلا بالرجوع إلى الكتاب والسنة، لأن لكل أمة من الأمم روحا تجتمع عليها، وتستمد منها قوة نهوضها وأنوار حياتها المقرونة بالسعادة الحقيقية. وإن روح حياة هذه الأمة المحمدية هو التمسك بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فالله يجزيه عن انتصاره لشريعة جده ﵊ خير الجزاء، ويمده من مدد رضاه بأوفى وأوفر الإجزاء في دار الجزاء. آمين.
стр. 85
وقال (ص١٠١): فهل كتاب الإبريز وكتاب جواهر المعاني أو كتاب المقصد الأحمد وما في معناها من كتب المناقب، التي ترجعون إليها، وتتشبعون بما فيها تقوم مقام كتاب الله سبحانه؟
وهل بقي لقائل أن يقول: إن هذه الطرق ليست بفتن، وهي تصرفنا عن الاشتغال بكتاب الله ودراسته وتدبره بمناقب وأذكار وأوراد ملفقة، لم تأت عن الشارع، ذات خواص ومزايا وفتوحات وبركات وشفاعات، وتتركنا نتخبط في ليل أليل من الجهل بما أنزله الله وأمرنا بالاعتصام به. بالله عليكم، تأملوا في قوله في هذا الحديث: «ومن ابتغى الهدى في غيره أضله
الله» (١) أنبتغي الهدى في كتاب من كتب مناقب الطرقيين المحشوة بالخرافات والأكاذيب وغيرها.
وقال (ص٨٣): إننا اجتمعنا بكثير من متصوفة العصر وداخلناهم وخالطناهم، مخالطة مستطلع باحث عن أسرارهم وخصائصهم ومميزاتهم، فوجدناهم يقدس بعضهم بعضا، ويركع بعضهم أمام بعض، متجاوزين في ذلك الحد الذي يجب الوقوف عنده، قاصدين بذلك نشر دعاويهم الكاذبة وتأييدها لإغراق الدهماء، في أوهام وأضاليل أبعد عمقا من الداماء. حتى لا يفتضح أمرهم، ولا يخمد جمرهم، ولا يترك شطحهم وزمرهم ...
стр. 86
فما هم إلا كالشعراء المبتلين بداء الانحطاط النفسي، المتجاوزين قدر الممدوح فوق ما يستحقه، حتى أفضى ذلك بكثير منهم إلى الكفر والزندقة، والاقتصار على البرقشة والشقشقة.
والداعي الوحيد الذي دعاهم إلى ذلك هو خوف الافتضاح والوقوف على ما هم عليه من الخوض في ظلمات التضليل. ونصب حبائل الشيطنة والتدجيل، لإيقاع الجهلة فيها.
ففضحهم حملة السنة وخَدَمتها وأوسعوهم تقريعا وتسفيها، ولم يبق ينفعهم ما اصطلحوا عليه من المصطلحات، التي تقضي ببقاء أمرهم مستورا في غياهب البطون ودياجير الكتمان. من بناء طريقهم على الصفح والتجاوز وعدم إقامة الميزان، حتى أفضى بهم توقع ذلك إلى نهي أتباعهم عن مطالعة مثل المدخل لابن الحاج وفتاوي ابن تيمية وتآليف ابن القيم وكتب الحافظ ابن حجر وكتب أبي إسحاق الشاطبي وكتب أبي بكر بن العربي وتلبيس إبليس للحافظ أبي الفرج بن الجوزي وأمثالهم من أكابر علماء الإسلام وأعاظم المصلحين والمجددين.
وممن اشتهر من علماء المغرب بمعاداة المتصوفة: العلامة الفقيه عبد الله بن إدريس السنوسي الفاسي (ت ١٣٥٠هـ).
قال عبد الحفيظ الفاسي في رياض الجنة في ترجمته (٢/ ٨١): نزيل طنجة الآن العالم العلامة المحدث الأثري السلفي الرحالة المعمر أبو سالم.
стр. 87
وقال كذلك (٢/ ٨٢): سلفي العقيدة أثري المذهب عاملا بظاهر الكتاب والسنة، نابذا لما سواهما من الآراء والفروع المستنبطة، منفرا من التقليد، متظاهرا بمذهبه قائما بنصرته داعيا إليه، مجاهرا بذلك على الرؤوس، لا يهاب فيه ذا سلطة، شديدا على خصمائه من العلماء الجامدين، وعلى المبتدعة والمتصوفة الكاذبين، مقرعا لهم، مسفها أحلامهم، مبطلا آراءهم، مبالغا في تقريعهم، ولم يرجع عن ذلك منذ اعتقده، ولا قَلَّ من عزمه كثرة معاداتهم له، وتلك عادة من ذاق حلاوة العمل بظاهر الكتاب والسنة.
وقال كذلك في ترجمته (٢/ ٩٥): ولازمته مدة إقامته بفاس وتمكنت الرابطة بيني وبينه وأدركت عنده منزلة عظيمة لما كان يرى من حرصي على سماع الحديث وروايته ...
وبسبب هذا الاتصال أمكن لي أن أحقق كل ما نسب إليه من الاعتزال والبدع والأهواء، فوجدته مباينا للمعتزلة في كل شيء وبريئا من كل ما نسب إليه، بل عقيدته سالمة، على أن ما خالف فيه الفقهاء من الرجوع للكتاب والسنة، ونبذ التأويل في آيات الصفات شيء لم يبتكره، ولا اختص به من دون سائر الناس، بل ذلك هو مذهب السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين ومن بعدهم من الهداة المهتدين، وأما اتهامه بإنكار الولاية والكرامات، فمعاذ الله أن يصدر منه ذلك، وإنما هو من مفترياتهم إلا أنه ينكر على المدعين الذين جعلوا التصوف حبالا وشباكا يصطادون بها أموال الناس
стр. 88
ويدعون المقامات العالية كذبا وزورا، ويبشرون من أخذ عنهم بفضائل وأجور تغنيهم عن تحمل أعباء العبادات والعزائم الشرعية. اهـ.
ومنهم العلامة عبد الحفيظ بن محمد الفاسي الفهري (المتوفى سنة ١٣٨٣هـ)، وقد أكثر من التشنيع في كتابه رياض الجنة على تقي الدين النبهاني أحد أقطاب الصوفية.
ومما قال عن كتب النبهاني في رياض الجنة (٢/ ١٦٣): وهي وإن كانت له فيها حسنات، فهي لا تقابل ماله فيها من السيئات، وذلك لما خلط بها من الخرافات، ونسبة المقامات العظيمة لمن لا قدم له فيها من الطغام، وادعاء الكرامات حتى لمن عرفوا بعدم التمسك بالتقوى, ولا مستند له فيها, إلا مجرد التقول والدعوى أو نقل فلان عن فلان, ولو كان هيان بن بيان, أو الاغترار بظواهر الأحوال وعدم البحث عن حقائق الرجال، وبعكس ذلك عمد إلى علماء الإسلام الذي خدموا السنة والدين خدمة لم يشاركهم فيها غيرهم في عصرهم بشهادة الموافق والمخالف لهم كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم, فحمل عليهما حملة شعواء في كتابه شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق ,كما حمل بعد ذلك في رائيته الصغرى في ذم البدعة وأهلها ومدح السنة الغراء على الإمام الألوسي المفسر الكبير وأبنائه الأعلام ... ثم ذكر حمله على الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا.
إلى أن قال: وليقابل بينهما وبين مؤلفات النبهاني ليتضح له البعد الشاسع بينهما فقد ملأها النبهاني بتأييد البدع, ورصعها بخرافات وأوهام,
стр. 89
دنس بها صحيفته ووجه الدين الإسلامي النقي الطاهر, وأبقاها حجة ووسيلة يتذرع ويحتج بها الطاعنون في الإسلام والثالبون لتعاليمه الصحيحة الحقة, على أن الإمام المصلح الشهير السيد محمود شكري الألوسي البغدادي قد ألف كتابه غاية الأماني في الرد النبهاني, وكتابه الآية الكبرى على ضلاله في رائيته الصغرى رادا في الأول ما جاء في كتابه شواهد الحق من الجهالات والنقول الكاذبة والآراء السخيفة والدلائل المقلوبة، وما تعدى به طوره من سب أئمة العلم وأنصار السنة، ورادا في الثاني على ما في رائيته الصغرى، كما ألف غيره الداهية الكبرى على الرائية الصغرى.
وسيناقش الحساب على كل ذلك يوم تبلى السرائر. اهـ
ومن إنكاره على المتصوفة قوله في أواخر كتابه الآيات البينات (١٨٦): ... فما عسى أن يقال فيما يشيعه أرباب الزوايا من أن من قرأ صلاة الشيخ الفلاني تغفر له سائر الذنوب أو تقوم مقام عبادة السنين العديدة، فذلك من باب أولى وأحرى، لكون ذلك يجر إلى تعطيل الكلف الشرعية ومشاق العبادات، وقد كان الصوفية الصادقون ﵃ متباعدين عن أمثال هذا، وما كان التصوف إلا تمسكا بالسنة وحمل النفس على المجاهدة والتقرب إلى الله تعالى بأداء الفرائض قبل النوافل والتخلي عن الرذائل والهوى، وغير هذا إنما هو زندقة وإلحاد في الدين وتغرير للعوام الجاهلين وشبكة لاصطياد أموال الغافلين وأكل للسحت باسم الدين.
стр. 90
ومن أقدم المصنفات المغربية في الرد على الصوفية: رسالة لأبي الحسن الصُّغَيِّر المكناسي السوسي، وقد حققتها على أربع نسخ خطية.
وهي تحت الطبع بتحقيقي.
وقد رد عليه أبو عبد الله محمد بن يوسف السنوسي صاحب العقائد المشهورة بكتاب سماه: "نُصرة الفُقَيِّر في الرد على أبي الحسن الصغير" طبعته وزارة الأوقاف المغربية، بتحقيق حسن حافظي علوي.
والرسالة في أغلبها إبطال للبدع التي أحدثها المتصوفة كالذكر جماعة والشطح واتخاذ الشيخ في التربية والتسابيح وإحداث الطرق الصوفية.
وقد قسم المصنف رسالته إلى بابين تتقدمهما مقدمة في بيان سبب التأليف.
الباب الأول في ضابط البدعة وخطرها والنصوص الشرعية والآثار السلفية الدالة على ذلك.
الباب الثاني في الرد على أهل البدع وذكر صفاتهم.
ومما قال ﵀ في هذه الرسالة: فإن قيل: لم أنكرتم التوبة بالاجتماع والوليمة عليها وحلق الرأس واتخاذ الشيخ في ذلك.
فالجواب أن تقول: إنما أنكرنا ذلك على تلك الصفة لأنها من المحدثات التي نهى عنها النبي ﷺ ، إذ لم يرو عنه ولا عن أحد من الصحابة والتابعين ولا العلماء الذين يجب الاقتداء بهم.
стр. 91
قال أبو حامد الغزالي ﵀: كل ما أحدث بعد الصحابة مما جاوز القدر والضرورة والحاجة فهو من اللعب واللهو.
فإن قيل: لأي شيء لا تنكر المعصية من المعاصي والمبتدع تنكرون عليه.
فالجواب أن تقول: العلماء اتفقوا على أن العاصي أحسن حالا من المبتدع، لأن العاصي يزعم أنه عاص ويرجو من الله التوبة، والمبتدع يزعم أنه على الحق حتى يموت على بدعته، ومن مات مبتدعا وجد قبره حفرة من النار.
فإن قيل: هذه بدعة مستحسنة.
فالجواب أن تقول: بل تلك بدعة مستخشنة، وإنما البدعة المستحسنة ما استحسنه الصحابة وعلماء الأمة جميعا.
وقال: فإن قيل: فالشطح والاهتزاز مما يحرك الخشوع ويهيج الوجد أيضا فلم أنكرتموه؟
فالجواب أن تقول: الرقص والتواجد أول من أحدثه أصحاب السامري لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار قاموا يرقصون حوله ويغنون وهو دين الكفار وعبدة العجل، وقد تقدم حديث العرباض بن سارية عن النبي ﷺ أنه وعظ موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، ولم يقل صرخنا ولا زعقنا ولا ضربنا على رؤوسنا ولا رقصنا، كما يفعل الكثير من الجهال يصرخون عند المصيبة ويزعقون ويتعانقون، هذا كله من الشيطان لعنه الله
стр. 92
يلعب بهم، وهذا كله بدعة، يقال لِمَ لَمْ يفعل هذا النبي ﷺ أصدق الناس موعظة، وأنصح الناس لأمته وأرق قلبا، وأصحابه أرق الناس قلوبا وخيار الناس ممن جاء بعدهم ما صرخوا عند موعظته وما رقصوا ولا زعقوا ولو كان هذا صحيحا لكانوا أحق الناس أن يفعلوه بين يدي رسول الله ﷺ لكنه بدعة وباطل ومنكر.
وقال: فإن قيل: وكيف ذلك وهم يرون الكرامات والفراسة ويرون بنور الله وتظهر لهم بركات وإشارات يقينا بلا شك ولا ريب، ولا يكون هذا إلا لأهل الاستقامة ومن هو على الصراط المستقيم والمنهج القويم.
فالجواب أن تقول: ظهور الأشياء لا تخلو من أمرين إما أن تظهر على يد متبع فلا شك في صحتها وصحة استقامتها وإخلاصها إن شاء الله، لأن ما يقع من النبي ﷺ من المعجزات جائز للولي من الكرامات.
وإن ظهرت على يد مبتدع فلا شك أنها مكر من الله واستدراج وفتنة لمن علم الله شقاوته وضلالته. قال الله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٨٢]. ولا يغتر عاقل بذلك ولو رأيتهم يطيرون في الهواء ويمشون على الماء.
وممن اشتد نكيرهم لسماع الصوفية العلامة محمد كنوني المذكوري مفتي رابطة علماء المغرب.
وهذه الفتوى من العيار الثقيل لأنها من أعلى هيئة علمية بالمغرب، فقال ﵀: الجواب عن السؤال الأول: وهو الوجد والسماع الخ.
стр. 93
الكلام على هذا يستدعي الكلام على التصوف نفسه، الذي هو نابع من مقام الإحسان الذي قال فيه ﷺ للسائل: «أن تعبد الله كأنك تراه» (١).
والكلام على التصوف يستدعي الكلام على أصوله وطريقته وأدلته، وقد تكلم الناس في ذلك كثيرا، ولنقتصر نحن هنا على أدلته التي يستمد منها، فهذا في نظرنا أهم عناصره، ولنستدل على ذلك بكلام رجال هذا الفن المتفق على صلاحهم وولايتهم، ليكون ذلك أوقع في نفوس من يحب الاقتداء بهم فنقول:
قال الشيخ أبو القاسم الجنيد ﵀: " الطرق كلها مسدودة على الخلق، إلا من اقتفى أثر رسول الله ﷺ ، واتبع سنته ولزم طريقته، فإن طرق الخير كلها مفتوحة عليه" اهـ (٢).
وقال أيضا: " علمنا هذا مبني على الكتاب والسنة"، فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث، لا يقتدى به في هذا الشأن" اهـ.
وقال الشيخ أبو سعيد الخراز: "كل باطن يخالف الظاهر فهو باطل".
وقال بعض أئمة الصوفية: " أصولنا ستة: التمسك بكتاب الله تعالى والاقتداء بسنة رسول الله ﷺ وأكل الحلال، وكف الأذى، واجتناب الآثام، وأداء الحقوق".
стр. 94
والكلام في هذا المقام طويل.
فحينئذ، التصوف الصحيح، موافق لشريعة الإسلام ولا يناقضها، ولا يبتدع في الإسلام مبادئ ليست منه.
وعليه، فما يفعله بعض الناس مما يخالف هذا، يجب رفضه، وما دخل في إطار تعاليم الإسلام قبل.
وليس من المقبول ما وصف السائل به هذا الوجد، والسماع من الغناء والرقص الفظيع، والنطق بتلك الكلمة مع كونهم لا يفقهون معنى لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فهذا خروج عن آداب الصوفية أنفسهم، فخير لهؤلاء الناس، إن أرادوا عبادة الله والتقرب إليه، سبحانه، أن يلجوه من بابه، وبواسطة تعاليم كتابه، فيجتمعون لدراسته، والاستفادة من الاستماع إلى آياته، ففي صحيح مسلم عن أبي أمامة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه» (١) اهـ.
وفي صحيح مسلم أيضا، عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين» (٢) اهـ.
стр. 95
وحديث: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة» الحديث. (١)
وبعد الاجتماع يكون القارئ للقرآن مرتلا ومجودا وهم ساكتون متأملون، حتى يجد الخشوع إلى قلوبهم سبيلا، فبذلك يحصل السكون والخشوع والخضوع إليه سبحانه والخنوع، ويحسن التفكر في المحبوب، ألا بذكر الله تطمئن القلوب.
أما ما ذكره السائل من ذلك الرقص الفظيع والتلفظ بقولهم "هي الله" فذلك شيء شنيع، فتبا له من تعبير، وتعالى الله عن فحش ذلك الضمير، أفلا يخشى الإنسان من هذا، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَاسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام:٦٥] وقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢] الخ.
стр. 96
فكيف إذن يحصل الخشوع الذي يظنه السائل، وهم على الحالة الموصوفة، بل ذلك شيء آخر أصون القلم عن تسطيره، وخير لهم كذلك أن يجتمعوا على ذكر الله تعالى، ولاسيما بالأذكار الواردة عن الرسول ﵇، ذكرا يستحضرون فيه قلوبهم، وأرواحهم ليسري فيهم سر الذكر، أما بدون استحضار المعنى ما يتلفظ به كسبحان الله، أو لا إله إلا الله، بحيث كان غافلا مثلا ...
إلى أن قال في بيان بدعية السماع الصوفي: وعلى أي حال، فلم يكن الوجد والسماع المسؤول عنهما في هذا السؤال بالصفة المذكورة والرقص الفظيع وتأنيث الضمير المسند إلى الله تعالى وتنزه، هو مثل الوجد والسماع الذي هو محل الخلاف بين العلماء، بل هذا لا يظهر أن أحدا يجوزه على الصفة المذكورة، فهذا الرقص، وهذا الصياح الفظيعان منهي عنهما بحديث في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري جاء عنه ﷺ ، أنه لما سمع أصوات الصحابة يجهرون بالتكبير قال لهم: «أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم». (١)
هذا والله تعالى يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥].
стр. 97
قال صاحب المنار: أي أدعوا ربكم ومدبر أموركم متضرعين ومبتهلين إليه تارة ومسرين مستخفين تارة أخرى، أي دعاء تضرع وتذلل وابتهال، ودعاء مناجاة وأسرار ووقار الخ.
وقال: إنه لا يحب المعتدين في الدعاء، كما لا يحب ذلك في سائر الأشياء والاعتداء تجاوز الحد فيها، وقد نهى عنه مطلقا ومقيدا، إلا ماكان انتصافا من معتد ظالم بمثل ظلمه، والعفو عنه أفضل الخ، ومنه فقد نص بعض العلماء على أن من بالغ في رفع صوته ربما بطلت صلاته، ومن تعمد المبالغة في الصياح في دعائه أو الصلاة على نبيه كان إلى عبادة الشيطان أقرب منه إلى عبادة الرحمن، ذكره صاحب المنار لدى تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦].
ونحن وإن كنا لا نذهب في التشديد إلى هذا الحد، فإننا ننبه من فعل ذلك لما يقال في شأنه ليعدل عن هذه المبالغة وليرجع إلى قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:١١٠].
كما أبطل العلامة محمد كنوني المذكوري (١١٦) سماع الصوفيين المعاصرين والوجد والرقص.
وقال الإمام أبو عبد الله المازري: الاجتماع بالذكر بالتطريب والتحنين ورفع الأصوات قد نهى عنه العلماء وأنكروه وعدوه بدعة. المعيار المعرب (١٢/ ٣٦٢).
стр. 98
علماء المغرب والقبورية
أعني بالقبورية: المبالغة في تعظيم القبور والتمسح بها وبناء القباب عليها، وقد اشتهر في العصر الحديث أن الدعوة الوهابية- كما يحلو للبعض أن يسميها- من أعظم الدعوات محاربة لها، لكن ليس هذا الموقف خاصا بدعوة محمد بن عبد الوهاب، بل درج علماء المغرب على الإفتاء بذلك قبل ظهور الدعوة الوهابية بأزمان.
بل هذا إمام المذهب مالك بن أنس ﵀ قد صح عنه من وجوه النهي عن تشييد القبور والبناء عليها وتجصيصها وغير ذلك، وبالغ في النهي عن المبالغة في تعظيم قبر النبي ﷺ والتمسح به، وحذر من تتبع الآثار والمشاهد، ونهى عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، ونهى عن التوسل بغير الله.
وقد فصلت الكلام حول هذا في رسالتي: "عقيدة الإمام مالك". وأكتفي هنا بنقل واحد عن الإمام مالك وأتبعه بأقوال بعض أئمة المذهب.
قال مالك: أكره تجصيص القبر والبناء عليه، وهذه الحجارة التي يبنى عليها. المدونة (١/ ١٧٠).
قال سحنون معلقا: فهذه آثار في تسويتها فكيف بمن يريد أن يبني عليها. انتهى.
стр. 99
فهذا نهي صريح من إمام المذهب عن البناء على القبور وتجصيصها، كما يفعل أهل الجهالة والصوفية في بلدنا.
وأنصح بالرجوع إلى الرسالة المذكورة ففيها من النقول عن الإمام مالك ما يشفي العليل، ويروي الغليل.
وقد تابعه على هذا كثير من أتباع مذهبه، فمن ذلك:
قال محمد العتبي (المتوفى سنة ٢٥٥هـ) في المستخرجة (٢/ ٢٥٤ - شرحها البيان والتحصيل): وسئل ابن القاسم عن قول عمر عند موته: ولا تجعلوا علي حجرا؟ قال: ما أظن معناه إلا من فوق على وجه ما يبنى على القبر بالحجارة. وقد سألت مالكا عن القبر يجعل عليه الحجارة يرصص بها عليه بالطين؟ وكره ذلك، وقال لا خير فيه، وقال: لا يجير ولا يبنى عليه بطوب ولا حجارة.
وقال ابن أبي زيد القيرواني في الرسالة (٧٠): ويكره البناء على القبور وتجصيصها.
وقال النفراوي في الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (١/ ٤٢٧): وكما يكره البناء على القبور على الوجه المذكور يكره تجصيصها، أي: تبييضها.
وقال العدوي في حاشيته على شرح كفاية الطالب الرباني (١/ ٤٢٢): قوله: "ويكره البناء على القبور" أي: كقبة أو بيت أو سقف، وكذا حواليه لما فيه من التفضيل على الناس.
стр. 100
وقال ابن أبي زيد القيرواني في النوادر (١/ ٦٥٢): من العتبية (١) من سماع ابن القاسم: وكره مالك أن يرصص على القبور بالحجارة والطين، أو يبنى عليها بطوب، أو حجارة، قال: وكره هذه المساجد المتخذة على القبور، فأما مقبرة داثرة يبنى فيها مسجد يصلى فيه لم أر به بأسا، وكره ابن القاسم أن يجعل على القبر بلاطة ويكتب فيها، ولم ير بالحجر والعود والخشبة بأسا، يعرف الرجل به قبر وليه، ما لم يكتب فيه، ولا أرى قول عمر: ولا تجعلوا على قبري حجرا، إلا أنه أراد من فوقه على معنى البناء. ومن كتاب ابن حبيب: ونهي عن البناء عليها والكتاب والتجصيص وروى جابر أن النبي ﷺ نهى أن ترفع القبور، أو يبنى عليها، أو يكتب فيها، أو تقصص. وروي تجصص، وأمر بهدمها وتسويتها بالأرض، وفعله عمر، قال ابن حبيب: تقصص، أو تجصص يعني تبيض بالجير، أو بالتراب الأبيض، والقَصَّة الجير وهو الجص ... انتهى.
وقال محمد العتبي في البيان والتحصيل (٢/ ٢٥٤): وسئل ابن القاسم عن قول عمر عند موته ولا تجعلوا علي حجرا قال: ما أظن معناه إلا من فوق على وجه ما يبنى على القبر بالحجارة، وقد سألت مالكا عن القبر يجعل عليه الحجارة يرصص بها عليه بالطين وكره ذلك، وقال: لا خير فيه. وقال: لا يجير ولا يبنى عليه بطوب ولا بحجارة.
стр. 101
وقال خليل في المختصر (٥٥): وتطيين قبر أوتبييضه وبناء عليه، أو تحويز وإن بوهي به حرم وجاز للتمييز كحجر، أو خشبة بلا نقش.
وقال أبو العباس القرطبي في المفهم (٢/ ٦٢٦) معلقا على حديث جابر ﵁: نهى أن يجصص القبر ويبنى عليه، وبظاهر هذا الحديث قال مالك، وكره البناء والجص على القبور، وقد أجازه غيره وهذا الحديث حجة عليه.
وتكلم الإمام أبو عبد الله القرطبي عن مسألة اتخاذ القبور مساجد وشدد في المنع، وحرم المبالغة في تشييد القبور وتعلية بنائها. قال ﵀ في تفسيره (١٠/ ٢٤٧ - ٢٤٨): فاتخاذ المساجد على القبور والصلاة فيها والبناء عليها إلى غير ذلك مما تضمنته السنة من النهي عنه، ممنوع لا يجوز ... قال علماؤنا: وهذا يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء مساجد.
وقال بعد أن أورد حديث الأمر بتسوية القبور: قال علماؤنا: ظاهره منع تسنيم القبور ورفعها وأن تكون لاطئة، وقد قال به بعض أهل العلم وذهب الجمهور إلى أن هذا الارتفاع المأمور بإزالته هو ما زاد على التسنيم ويبقى للقبر ما يعرف به ويحترم ... وأما تعلية البناء الكثير على نحو ما كانت الجاهلية تفعله تفخيما وتعظيما فذلك يهدم ويزال فإن فيه استعمال زينة الدنيا في أول منازل الآخرة، وتشبها بمن كان يعظم القبور ويعبدها. وباعتبار هذه المعاني وظاهر النهي ينبغي أن يقال هو حرام. انتهى.
فليتأمل القارئ هذا الكلام ما أصرحه في إبطال القبورية وصورها، وما أشده على القبوريين والخرافيين.
стр. 102
وقال ابن عبد البر في التمهيد (١/ ١٦٨) معلقا على حديث قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد: هذا يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء والصالحين مساجد.
وكلام المالكية في هذا الباب كثير جدا يتعذر استقصاؤه، وفي ما ذكرت كفاية، ويراجع له شروح مختصر خليل وشروح الرسالة.
وهذا الإمام أبو الوليد ابن رشد (المتوفى سنة: ٥٢٠ هـ)، وهو أحد أشهر علماء المالكية وفقهائها الكبار.
قال ابن فرحون في الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب (٢/ ٢٣٨) في ترجمته: زعيم فقهاء وقته بأقطار الأندلس والمغرب، ومقدمهم، المعترف له بصحة النظر، وجودة التأليف، ودقة الفقه. وكان إليه المفزع في المشكلات بصيراً بالأصول والفروع، والفرائض، والتفنن في العلوم. وكان الدراية أغلب عليه من الرواية، كثير التصانيف مطبوعها. انتهى.
هذا الإمام يرى وجوب هدم القباب والسقائف المبنية على القبور كما هو رأي علماء الدعوة الوهابية:
قال الونشريسي في المعيار المعرب (١/ ٣١٨): وأفتى ابن رشد بوجوب هدم ما بني في مقابر المسلمين من السقائف والقبب والروضات.
وقال الونشريسي في المعيار كذلك (٧/ ٤٦٨): وسئل - أي الإمام ابن رشد- عما ابتدع من بناء السقائف والقبب والروضات على مقابر الموتى، وخولفت فيه السنة، فقام بعض من بيده أمر فهدمها وغيرها وحط
стр. 103
سقفها وما علا من حيطانها إلى حد جذورها، هل يلزم أن يترك من جداراتها ما يدفع دخول الدواب فيها أم لا؟ قطعا للذريعة، ولا يترك منها إلا ما أباحه أهل العلم من الجدار اليسير ليتميز به قبور الأهل والعشائر للدفن، وكيف إن قال بعضهم: لبقاء جداري منفعة لصيانة ميتي لئلا يتطرق إليه بالحدث عليه، لا سيما ما كان منها بقرب العمران؟ وهل عذر يوجب أن يترك عليها من الجدرات أقل ما يمنع هذا أم لا؟ لأن الضرر العام بظهور البدعة في بنائها وتعليتها أعظم وأشد، مع أنه لا يؤمن من استتار أهل الشر والفساد فيها في بعض الأحيان، وذلك أضر بالحي والميت من الحدث عليه، ومراعاة أشد الضررين وأخفهما مشروع. بينه وجاوب عليه مأجورا إن شاء الله.
فأجاب: تصفحت السؤال الواقع فوق هذا ووقفت عليه.
وما بني من السقائف والقبب والروضات في مقابر المسلمين هدمها واجب، ولا يجب أن يترك من حيطانها إلا قدر ما يمتاز به الرجل قبور قرابته وعشيرته من قبور سواه لئلا يأتي من يريد الدفن في ذلك الموضع فينبش قبور أوليائه، والحد في ذلك ما يمكن دخوله من كل ناحية ولا يفتقر فيه إلى باب، وبالله التوفيق. انتهى.
وقال السلطان العلوي المولى سليمان بن محمد (المتوفى سنة ١٢٣٨هـ) في كتابه "حسن المقالة في تطهير النفس مما يشين الحج ويسلب كماله" لما ذكر آداب زيارة القبر النبوي (ص١٢ب) من النسخة الملكية: ولا يلمس المقام ولا يقبله، بل يتباعد عنه قليلا، أربعة أذرع أو ما هو قدرها، ولا
стр. 104
يطوف بالقبر الشريف، أو يلقي المنادل والثياب عليه، كما يفعله بعض الجهلة (١).
فهذا سلطان علوي وأحد العلماء المشهورين بالعلم يفتي بعدم جواز المبالغة في تعظيم القبر النبوي، فما بالك بما دونه.
ولأبي بكر الطرطوشي كلام جيد في الموضوع موافق لما تقدم، قال في الحوادث والبدع (١١٣): ولا يتمسح بقبر النبي ﷺ ولا يمس، وكذلك المنبر، ولكن يدنو من القبر فيسلم على النبي ﷺ ثم يدعو مستقبل القبلة يوليه ظهره. وقيل: لا يوليه ظهره ويصلي ركعتين قبل السلام عليه. وقيل: واسع أن يسلم عليه قبل أن يركع. انتهى.
وبعض صوفية زماننا ينعتون من منع من التمسح بالقبر بالوهابية، فما رأيهم في كلام أبي بكر الطرطوشي هذا. أهو وهابي كذلك؟
وممن عرف من علماء المغرب أبطل القبورية العلامة المكي الناصري، حيث قال في إظهار الحقيقة وعلاج الخليقة (١٩ - ٢٠): فمنهم الذين اتخذوا القبور حرمات ومعابد، فبنوا عليها المساجد والمشاهد وزخرفوها بما يجاوز حد السرف بمراتب، واصطلحوا فيها على بناء النواويس واتخاذ الدرابيز والكسا المذهبة وتعليق الستور والأثاث النفيسة وتزويق الحيطان وتنميقها، وإيقاد السرج فوق تلك القبور ككنائس النصارى، وسوق الذبائح إليها،
стр. 105
وإراقة الدماء على جدرانها، والتمسح بها، وحمل ترابها تبركا والسجود لها وتقبيلها، واستلام أركانها، والطواف حولها، والنذر لأهلها، وتعليق الآمال بهم، والتوسل إليهم بالله ليقضوا لسائليهم الحوائج، كما يزعمون، فيقولون عند زيارتهم: (قدمت لك وجه الله يا سيدي فلان، إلا ما قضيت لي حاجتي)، جاعلين الحق وسيلة تقدم إلى أولئك المقبورين للتوصل إلى نيل أغراضهم.
مع أن الميت قد انقطع عمله، ولا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فكيف لمن استغاث به أو سأله قضاء حاجته أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها، فإن الله تعالى لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، واستعانة ذلك الميت وسؤاله لم يجعلهما سبحانه سببا لإذنه، وإنما السبب في إذنه كمال التوحيد فجاء هذا بسبب يمنع الإذن، وهو بمنزلة من استعان في حاجته بما يمنع حصولها، على أن الميت محتاج إلى من يدعو له ويترحم عليه ويستغفر له، كما أوصانا النبي ﷺ إذا زرنا قبور المسلمين أن نترحم عليهم ونسأل لهم العافية والمغفرة، فعكس أولئك القبوريون هذا وزاروهم زيارة العبادة لقضاء الحوائج والاستعانة بهم، وجعلوا قبورهم قريبة من أن تصير أوثانا تعبد، وقد شاع هذا بين المسلمين وذاع، وعم كل ما يستوطنون به من البقاع.
وقال أخوه العلامة الأديب أبو عبد الله محمد بن اليمني الناصري الجعفري الرباطي، (المتوفى سنة: ١٣٩١هـ) في "ضرب نطاق الحصار على أصحاب نهاية الانكسار" (ص٦٦ - ٦٧ - ٦٨) متحدثا عن فرق المعتزلة
стр. 106
والخوارج وغيرهم: على أن تلك الفرق الضالة قد ذهب جلها، إن لم نقل كلها بما له وما عليه، ولم تكن في نظري ونظر ذوي النظر الصائب ممن مارس التاريخ وزاوله، إلا أتقى وأنقى بكثير وأبعد نظرا، وأبهى مخبرا ومنظرا من بعض الفرق الموجودة الآن، إذ ليس منهم من كان يفضل كلام المخلوق العاجز الضعيف الحادث على كلام الخالق القادر القوي القديم سبحانه، ولا من يتخذ ضرائح الأولياء والصلحاء ملجأ وكعبة وقبلة يتوجهون إليها، كما يتوجهون إلى الله تعالى، ويتطوفون بها، ويتمسحون بجدرانها، ويقبلون درابيزها وكساها كما يقبلون الحجر الأسود، ويركعون أمامها بجوارحهم وجوانحهم، ويسجدون لها بكيفية أرقى من السجود لله، معفرين خدودهم على ترابها، بل لم يكن فيهم من يتلبس بالمنكرات وهو يعتقد أنها عبادة تقربه من الله زلفى، ولا من يبيع دينه بدنيا غيره مؤخرا الصلاة عن وقتها لخدمة شيخ من المشايخ أو حضور حضرته، ولا من يتخذ طبلا ولا مزمارا ولا آلة لهو وطرب في المعابد التي أمر الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه.
بل ذهب بعض علماء المغرب أبعد من هذا بكثير فهذا العلامة أحمد بن محمد بن تاويت التطواني ألف رسالة سماها: إخراج الخبايا في تحريم البناء على القبور والصلاة بالزوايا.
حرم فيه البناء على القبور والصلاة في المقابر والزوايا.
والرسالة بتقريظ وتأييد العلامة محمد كنون المذكوري.
стр. 107
ومما قال العلامة محمد كنون المذكوري في تقريظه: فقد راجعت ما كتبه وحرره فضيلة الفقيه العلامة سيدي أحمد بن محمد ابن تاويت التطواني في رسالته المسماة: " بإخراج الخبايا في تحريم البناء على القبور والصلاة بالزوايا". رادا فيها على من أجاز ذلك معتمدا على قول الشيخ خليل والمدونة أولا. وسكوت علماء فاس على تنبيه الناس على صحة صلاتهم بضريح المولى إدريس وغيره ثانيا.
ولقد أجاد حفظه الله وأتى بالنصوص المستمدة من الينبوع الصافي السلسبيل كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ بما يشفي الغليل ويبرئ العليل، وأسمع لو نادى حيا، ولكن لا حياة لمن ينادي. ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم.
إذ التقليد الأعمى سرى في أمزجتهم وعقولهم، وامتزج بدمهم ولحمهم، فلا تنفع فيهم أدلة الكتاب الكريم ولا سنة رسوله، ولا أقوال وأفعال الخلفاء الراشدين، ولا العشرة المبشرين بالجنة، ولا سائر الصحابة والتابعين وأتباعهم الذين هم خير القرون بشهادته ﷺ .
هذا، وإنني كنت سئلت عن مثل ما جاء في الرسالة المذكورة من بعض النواحي، فأجبت بمثل ما أتى في هاته الرسالة، كما أنني كنت أقرر ذلك غيرما مرة سواء في الدروس أو في المجتمعات ..
إلى أن قال: أما البناء على القبور سنقول فيه ما قلنا في شأن الصلاة، إذ كل ذلك مخالف للشرع. كما قاله وبينه رسول الله ﷺ وكما هو مبين
стр. 108
كذلك في الرسالة المشار إليها فلا داعية للتطويل بجلب الأولى على ذلك والاستدلال، "فماذا بعد الحق إلا الضلال".
ومن الكتب المصنفة في ذلك أيضا: كتاب "حكم السنة والكتاب في وجوب هدم الزوايا والقباب" للشيخ العلامة عبد الرحمان محمد النتيفي الجعفري الزياني (المتوفى سنة ١٣٨٥هـ) الذي كان يحضر المجالس العلمية للسلطان محمد الخامس ﵀.
وقد حققته قديما، ولا زال لم يطبع.
ذهب فيه ﵀ إلى وجوب هدم كل ما بني على القبور والزوايا.
وممن تعرض لهذه المسألة كذلك وأفتى بعدم جواز بناء الأضرحة وعدم جواز تعظيم القبور والمبالغة في تشييدها ونحوها العلامة محمد كنوني المذكوري مفتي رابطة علماء المغرب، وأيده في ذلك أمينها العام العلامة عبد الله كنون.
قال ﵀: الجواب عن السؤال الثالث حول القبة التي تبنى على أضرحة الأولياء والصالحين، فذلك حرام وبدعة لم تكن في عهده ﷺ ، ولا في عهد خلفائه الراشدين ولا في عهد الصحابة والتابعين، فقد نص العلامة الشوكاني ﵀ أن بناء القبب والمساجد على القبور أمر محدث في الإسلام من قريب. اهـ.
ومعلوم أن وفاته كانت سنة ١٢٥٠هـ. لما في ذلك من الإسراف وتضييع الأموال والزينة مما لا يرجع على الميت بنفع، وهذا المقام مقام خشوع
стр. 109
وخضوع، لا مقام زينة وفخر، ومما قاله الشيخ الشوكاني أيضا في رسالته المسماة (شرح الصدور في تحريم رفع القبور) ما نصه:
اعلم أنه قد اتفق الناس سابقهم ولاحقهم، وأولهم وآخرهم من لدن الصحابة ﵃ إلى هذا الوقت أن رفع القبور والبناء عليها، بدعة من البدع التي ثبت النهي عنها، واشتد وعيد رسول الله ﷺ لفاعلها ولم يخالف في ذلك أحد من المسلمين أجمعين لكنه وقع للإمام يحيي بن حمزة (١) مقالة تدل على أنه لا بأس بالقباب والمشاهد على قبور الفضلاء، ولم يقل بذلك أحد غيره، ولا روي عن أحد سواه، إلى أن قال: فقد عرفت من هذا أنه لم يقل بذلك إلا الإمام يحيى، وعرفت دليله الذي استدل به، وهو استعمال المسلمين من غير نكير، ثم قال: فإذا عرفت هذا تقرر أن هذا خلاف واقع بين الإمام يحيي وبين سائر العلماء من الصحابة والتابعين ومن المتقدمين من أهل البيت ومن المتأخرين، ومن أهل المذاهب الأربعة وغيرها ومن جميع المجتهدين، أولهم وآخرهم الخ، ثم استشهد بآيات قرآنية كقوله سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر:٧] وكقوله: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران:٣١] الخ.
стр. 110
كما استدل بحديث الصحيحين عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١) ...
وذكر نصوصا أخرى في النهي عن تعظيم القبور.
وقال: السؤال السادس: حول الاستسقاء عند ضريح ولي كل عام في موعد محدد مع حفلة يسمونها الصدقة.
الجواب عنه: أن الاستسقاء جعلت له الشريعة الإسلامية صلاة تخصه، فقد روى الأئمة أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي، ورواه مسلم ولم يذكر الجهر بالقراءة عن عبد الله بن زيد ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ يوم خرج يستسقي، قال: فحول إلى الناس ظهره واستقبل القبلة يدعو، ثم حول رداءه ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة (٢) اهـ.
هذه هي الصلاة المشروعة في الاستسقاء، لا أن يذهب الأحياء إلى الأموات ويقيمون عندهم الحفلات في أوقات مألوفة وأماكن معروفة، فأين الصلاة وأين الدعاء إلى الله، والالتجاء والتضرع إليه، كما وصف لنا ابن عباس في حديثه الذي رواه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه، أن