ويؤكد ذلك أن الغلام الذي ظهر منهم بالبحرين والأحساء بعد سليمان ابن الحسين القرمطي سنّ لأتباعه اللواط، وأوجب قتل الغلام الذي يمتنع على من يريد الفجور به، وأمر بقطع يد من يريد إطفاء نار بيده، أو بقطع لسان من أطفأها بنفخه، وهذا الغلام هو المعروف بابن أبي زكرياء الطامي، وكان ظهوره في سنة تسع عشرة وثلاثمائة، وطالت فتنته إلى أن سلط الله عليه من ذبحه على فراشه.
ويؤكد ما قلناه من ميل الباطنية إلى دين المجوس أنّا لا نجد على ظهر الأرض مجوسيًّا إلا وهو موادّ لهم، منتظر لظهورهم على الديار، يظنون أن الملك يعود إليهم بذلك، وربما استدل أغمارهم على ذلك بما يرويه المجوس عن (زرادشت) أنه قال لـ (كتتاسب): (إن الملك يزول عن الفرس إلى الروم واليونانية، ثم يعود إلى الفرس، ثم يزول عن الفرس إلى العرب، ثم يعود إلى الفرس) وساعده (جاماسب) المنجم على ذلك وزعم أن الملك يعود إلى العجم لتمام ألف وخمسمائة سنة من وقت ظهور (زرادشت).
وكان في الباطنية رجل يعرف بأبي عبد الله العردي يدعي علم النجوم (١) ويتعصب للمجوس، وصنف كتابًا وذكر فيه أن القرن الثامن عشر من مولد محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يوافق الألف العاشر، وهو نوبة المشتري والقوس. وقال: عند ذلك يخرج إنسان يعيد الدولة المجوسية ويستولي على الأرض كلها، وزعم أنه يملك مدة سبع قرانات. وقالوا: قد تحقق حكم (زرادشت وجاماسب) في زوال ملك العجم إلى الروم واليونانية في أيام الإسكندر،
стр. 142
ثم عاد إلى العجم بعد ثلاثمائة سنة، ثم زال بعد ذلك ملك العجم إلى العرب، وسيعود إلى العجم لتمام المدة التي ذكرها جاماسب. وقد وافق الوقت الذي ذكروه أيام المكتفي والمقتدر وأخلف موعودهم، وما رجع الملك فيه إلى المجوس.
وكانت القرامطة قبل هذا الميقات يتواعدون فيما بينهم ظهور المنتظر في القرن السابع في المثلثة النارية. وخرج منهم سليمان بن حسين من الأحساء على هذه الدعوى، وتعرض للحجيج وأسرف في القتل منهم، ثم دخل مكة وقتل من كان في الطواف، وأغار على أستار الكعبة، وطرح القتلى في بئر زمزم، وكسر عساكر كثيرة من عساكر المسلمين وانْهزم في بعض حروبه إلى هجر.
إلى أن قال عبد القاهر ﵀: ثم خرج منهم المعروف بأبي سعيد الحسين بن بهرام على أهل الأحساء والقطيف والبحرين فأتى بأتباعه على أعدائه، وسبى نساءهم وذراريهم، وأحرق المصاحف والمساجد، ثم استولى على هجر، وقتل رجالها، واستعبد ذراريهم ونساءهم.
ثم ظهر المعروف بابن الصناديقي باليمن وقتل الكثير من أهلها، حتى قتل الأطفال والنساء، وانضم إليه المعروف منهم بابن الفضل في أتباعه، ثم إن الله تعالى سلط عليهما وعلى أتباعهما الأكلة والطاعون فماتوا بها.
ثم ذكر عبد القاهر ﵀ اختلاف المتكلمين في الباطنية وأنه يرى أنّهم دهرية زنادقة، وذكر أن عبيد الله بن الحسن القيرواني أرسل إلى سليمان بن الحسن بن سعيد الجنابي رسالة وفيها: وذكر في هذا الكتاب إبطال القول
стр. 143
بالمعاد والعقاب، وذكر فيها أن الجنة نعيم في الدنيا، وأن العذاب إنما هو اشتغال أصحاب الشرائع بالصلاة والصيام والحج والجهاد. وقال أيضًا في هذه الرسالة: إن أهل الشرائع يعبدون إلهًا لا يعرفونه ولا يحصلون منه إلا على اسم بلا جسم. وقال أيضًا: أكرم الدهرية فإنّهم منا ونحن منهم. وفي هذا تحقيق نسبة الباطنية إلى الدهرية.
إلى أن قال عبد القاهر ﵀: والباطنية يرفضون المعجزات وينكرون نزول الملائكة من السماء بالوحي والأمر والنهي، بل ينكرون أن يكون في السماء ملك، وإنما يتأولون الملائكة على دعاتهم إلى بدعتهم، ويتأولون الشياطين على مخالفيهم، ويزعمون أن الأنبياء قوم أحبوا الزعامة فساسوا العامة بالنواميس والحيل، طلبًا للزعامة بدعوى النبوة والإمامة.
إلى أن قال عبد القاهر ﵀: ثم تأولوا لكل ركن من أركان الشريعة تأويلاً يورث تضليلاً، فزعموا أن معنى الصلاة موالاة إمامهم، والحج زيارته، وإدمان خدمته، والمراد بالصوم الإمساك عن إفشاء سر الإمام دون الإمساك عن الطعام، والزنى عندهم إفشاء سرهم بغير عهد وميثاق، وزعموا أن من عرف معنى العبادة سقط عنه فرضها، وتأولوا في ذلك قوله تعالى: ﴿واعبد ربّك حتىّ يأتيك اليقين (١)﴾، وحملوا اليقين على معرفة التأويل.
وقد قال القيرواني في رسالته إلى سليمان بن الحسن: إني أوصيك بتشكيك الناس في القرآن، والتوراة، والزبور، والإنجيل، وبدعوتهم إلى
стр. 144
إبطال الشرائع وإلى إبطال المعاد والنشور من القبور، وإبطال الملائكة في السماء وإبطال الجن في الأرض، وأوصيك بأن تدعوهم إلى القول بأنه قد كان قبل آدم بشر كثير فإن ذلك عون لك على القول بقدم العالم.
قال عبد القادر ﵀: وفي هذا تحقيق دعوانا على الباطنية أنّهم دهرية يقولون بقدم العالم ويجحدون الصانع (١) ويدل على دعوانا عليهم القول بإبطال الشرائع أن القيرواني قال أيضًا في رسالته إلى سليمان بن الحسن: وينبغي أن تحيط علمًا بمخاريق الأنبياء ومناقضاتهم في أقوالهم كعيسى بن مريم قال لليهود: (لا أرفع شريعة موسى) ثم رفعها بتحريم الأحد بدلاً من السبت، وأباح العمل في السبت، وأبدل قبلة موسى بخلاف جهتها، ولهذا قتلته البلاد لما اختلفت كلمته.
ثم قال له: ولا تكن كصاحب الأمة المنكوسة حين سألوه عن الروح فقال: الروح من أمر ربي، لما لم يحضره جواب المسألة، ولا تكن كموسى في دعواه التي لم يكن له عليها برهان سوى المخرقة بحسن الحيلة والشعبذة، ولما لم يجد المحق في زمانه عنده برهانًا قال له: لئن اتخذت إلهًا غيري، وقال لقومه: أنا ربكم الأعلى، لأنه كان صاحب الزمان في وقته.
ثم قال في آخر رسالته: وما العجب من شيء كالعجب من رجل يدعي العقل ثم يكون له أخت أو بنت حسناء وليست له زوجة في حسنها فيحرّمها على نفسه، وينكحها من أجنبي، ولو عقل الجاهل لعلم أنه أحق بأخته وبنته من الأجنبي، وما وجه ذلك إلا أن صاحبهم حرّم عليهم
стр. 145
الطيبات، وخوّفهم بغائب لا يعقل، وهو الإله الذي يزعمونه، وأخبرهم بكون ما لا يرونه أبدًا من البعث من القبور والحساب، والجنة والنار، حتى استعبدهم بذلك عاجلاً، وجعلهم له في حياته ولذريته بعد وفاته خولاً، واستباح بذلك أموالهم بقوله: ﴿لا أسألكم عليه أجرًا إلاّ المودّة في القربى (١)﴾ فكان أمره معهم نقدًا، وأمرهم معه نسيئة، وقد استعجل منهم بذل أرواحهم وأموالهم على انتظار موعود لا يكون، وهل الجنة إلا هذه الدنيا ونعيمها؟ وهل النار وعذابها إلا ما فيه أصحاب الشرائع من التعب والنصب في الصلاة والصيام والجهاد والحج.
ثم قال لسليمان بن الحسن في هذه الرسالة: وأنت وإخوانك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس، وفي هذه الدنيا ورثتم نعيمها ولذاتها المحرمة على الجاهلين المتمسكين بشرائع أصحاب النواميس، فهنيئًا لكم ما نلتم من الراحة من أمرهم.
ثم قال عبد القادر ﵀: وفي هذا الذي ذكرنا دلالة على أن غرض الباطنية القول بمذاهب الدهرية واستباحة المحرمات وترك العبادات.
ثم ذكر عبد القادر ﵀ أساليب دعائهم: ومنها ومن رآه من غلاة الرافضة كالسبأية والبيانية والمغيرية والمنصورية والخطابية لم يحتج معه إلى تأويل الآيات والأخبار، لأنّهم يتأولونها معهم على وفق ضلالتهم، ومن رآه من الرافضة زيديًّا أو إماميًّا مائلاً إلى الطعن في أخبار الصحابة دخل عليه من جهة شتم الصحابة، وزيّن له بغض بني تيم لأن أبا بكر
стр. 146
منهم، وبغض بني عدي لأن عمر بن الخطاب كان منهم، وحثّه على بغض بني أمية لأنه كان منهم عثمان ومعاوية، وربما استروح الباطني في عصرنا هذا إلى قول إسماعيل بن عباد: (١)
دخول النار في حب الوصيّ ... وفي تفضيل أولاد النبيّ
أحب إليّ من جنات عدن ... أخلدها بتيم أو عديّ
اهـ المراد من ((الفرق بين الفرق)).
وقد أطلت الكلام على الباطنية، لأنه قد نبغ أقوام في عصرنا لا خلاق لهم يهابون أن يدعو الناس إلى أفكار ماركس ولينين، فيتسترون بإثارة العصبيات الجاهلية، ويدعونهم إلى من يماثل ماركس ولينين، فتارةً يقولون: إن الأسود العنسي المتنبي ثائر، وأخرى يقولون: إن علي بن الفضل ثائر، وعلي بن الفضل هو قرمطي باطني من أولئك، وأخرى يرفعون من شأن أروى بنت أحمد وهي صليحية تنتسب إلى المذهب الإسماعيلي الباطني الملحد، فنعوذ بالله من الضلال والجهل.
وقد ذكر القاضي حسين بن أحمد العرشي في أول كتابه ((بلوغ المرام)) أن الحامل له على تأليف كتابه ((بلوغ المرام)) أنه بلغه أن أناسًا يترحمون على الصليحيين لما قاموا به من المساجد والصدقات، جهلاً أنّهم دعاة الباطنية وأصحاب الطائفة العبيدية. اهـ بالمعنى.
стр. 147
وإني لأتعجب من أناس أعمى الله بصائرهم، يرفعون من شأن علي بن الفضل، وقد أظهر ما أظهر من الكفر البواح، وقتل اليمنيين قتلاً ذريعًا، وإني ذاكر لك بعض ما ذكره بعض المؤرخين اليمنيين، قال القاضي حسين بن أحمد العرشي في كتابه ((بلوغ المرام)) ص (٢١): اعلم أن الباطنية أخزاهم الله تعالى أضر على الإسلام من عبدة الأوثان، وسموا بها لأنّهم يبطنون الكفر ويتظاهرون بالإسلام، ويختفون حتى تمكنهم الوثبة وإظهار الكفر وهم ملاحدة بالإجماع ويسمون بالإسماعيلية لأنّهم ينسبون أئمتهم المستورين فيما يزعمون إلى إسماعيل بن جعفر الصادق، وبالعبيدية لدعائهم إلى عبيد الله بن ميمون القداح الذي نسبته الباطنية إلى ما يزعمون من الأئمة المستورين، والعبيديون من أولاد عبيد الله ولاة مصر ذلك الزمن، والآن يسمون شيعة لكونهم مظهرين أن أئمتهم من أولاد الرسول حين عرفوا أنه لا يستقيم لهم إمالة الحق والدخول إلى دهليز الكفر إلا بإظهار المحبة والتشيع.
ولهم قضايا شنيعة، وأعمال فظيعة، كالإباحية وغيرها، وقد تابعهم على ذلك من ذهب عنه النور الإيماني، واستولى على قلبه الهوى الشيطاني، وهم مع ذلك ينكرون القرآن والنبوة، والجنة والنار، ولولا أن حياتهم معلومة عندهم مرتبة بينهم لأنكروها، وعلى الجملة فدينهم بالنجوم، وظواهرهم التخوم، ولا يكاد يظهر مذهبهم لأتباعهم إلا لمن رسخ دينهم في قلبه، وتراهم إذا وجدوا لأنفسهم قوة أظهروا أمرهم، وأعلنوا كفرهم، فإن غلبوا ولم تساعدهم الأيمان كمنوا كما تكمن الحية في جحرها، وهم مع ذلك يؤملون الهجوم والوثبة، وأن ينهشوا عباد الله، وقد أفصح السيد الدامغاني عن أطراف من أحوالهم في رسالته بعد اختلاطه بهم وتردده عليهم، ولا ينبغي
стр. 148
لذي معرفة وقوة أن يعرف منهم أحدًا يقتدر عليه فيتركه وشأنه، فإنّهم أهلكهم الله شياطين الأرض.
وابتدأ أمرهم في سنة (٢٧٧) وذلك بأن علي بن الفضل رجل من خنفر ابن سبأ بن صيفي بن زرعة، وهو حمير بن سبأ الأصغر، حج وزار قبر الحسين ابن علي فوجد عنده ميمون القداح وكان مجوسيًّا ادعى أنه من ولد إسماعيل ابن جعفر، وأنه أحد الأئمة المستورين على الصيغة التي قد دبرها فتبطن أمر علي بن الفضل فوجده رجلا شهمًا ذا فهم ودراية، وبه إلى مذهبه اقتراب، فاستماله فمال، فأخبره أن ابنه عبيد هو المهدي وأنه الذي يملك البلاد، وأما ميمون فلا حظّ له في الملك، وعرف من جهة النجوم تملك الذكور، ثم استدعى له رجلاً آخر يسمى منصور بن حسن بن جيوشب (بالجيم) بن باذان قيل: من ولد عقيل بن أبي طالب وكان ذا مكر ودهاء، وأمرهما أن يخرجا إلى اليمن، وقال لهما: إن لليمانية نصيبًا في هذا.
فأما منصور بن حسن فقصد عدن لاعة، وكان كما قدّمت داهيةً فملك نواحي مسور، ثم ملكه وحبس عامل أسعد بن أبي يعفر وأطبق مذهبه.
وأما علي بن الفضل فقصد (يافع) فوجدهم رعاعًا فأقام يتعبد بينهم حتى اعتقدوه ديّنًا، ثم قصد بهم ابن أبي العلا الأضايحي وهو يومئذ سلطان (لحج) فهزمه ابن أبي العلا فلما رجع من هزيمته تلك قال لأصحابه: قد وجدت شيئًا فيه النجاح فتعاودوا إليه حالاً فأخذ (لحج) وصاحبها وكان صاحب (لحج) ذا مال فاستقوى به علي بن الفضل، واستفحل أمره فقصد جعفر بن أحمد المناخي إلى (المذيخرة)، فهزم المناخي ثم عاوده فأخذها
стр. 149
وقتل جعفر بن أحمد، وجعل (المذيخرة) محطة ملكه، وفتح البلاد وقصد صنعاء وأخرب (منكث) وملك صنعاء في سنة (٢٩٩) فأظهر مذهبه ثم لم يكفه حتى ادعى النبوة، وأحل البنات مع الأمهات وفي ذلك يقول القائل:
خذي العود يا هذه واضربي تقضى نبيّ بني هاشم ... نقيم شرائع هذا النبي
فحط الصلاة وحط الزكاة ... وهذا نبيّ بني يعرب
وحل البنات مع الأمهات ... وحط الصيام ولم يتعب
ومن فضله زاد حل الصبي
وقصد زبيد وبها أبوالحسن إسحاق بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن زياد، فكان ما قدمناه من سبي النساء، وقتل الرجال، وقويت شوكته، فدعا إلى نفسه، وترك الدعوى لعبيد الله بن المهدي وخالفه منصور بن حسن فتحصن منه بمسور. فلم يزل حاطًا عليه حتى اصطلحا وعاد إلى المذيخرة، واستعمل أسعد بن أبي يعفر على صنعاء.
وكان أسعد ينفر منه ومن مذهبه ويخاف من وثبته عليه، ولم يزل علي بن الفضل يعلو أمره حتى قتله الشريف الواصل من العراق، وأنه بلغ إلى أسعد بن أبي يعفر فأسر إليه بما يريد، وأنه خرج من العراق واهبًا نفسه، فزاده أسعد بن أبي يعفر إن هو قتله وعاد إليه شاطره ماله، فتوجه إلى المذيخرة ولم يزل يتردد حتى استدعاه ابن الفضل ليفصد له عرقًا، وقد عرف بالطب فجعل على مبضعه سمًّا وفصده، وخرج من تلك البلدة في سرعة فالتهب ابن الفضل ومات، وطلب الشريف فأدركه في أعلى الطريق فقتل، فبلغ أسعد بن أبي يعفر فقصد المذيخرة فلم يزل حاطًا عليها سنة كاملة
стр. 150
حتى قتل ابن علي بن الفضل وأخذ بنات ابن فضل سبيًا وكنّ ثلاثًا وملك المذيخرة عنوة، وزالت الباطنية عن مخلاف يعفر.
وقال عمر بن علي بن سمرة الجعدي في ((طبقات فقهاء اليمن)) ص (٧٥): ثم لحق اليمن كله في آخر المائة الثالثة وأكثر المائة الرابعة فتنتان عظيمتان:
فتنة القرامطة: وقد عمت العراق والشام والحجاز وإن اختلف تأثيرها في البلدان فملك هذا المخلاف اليمني علي بن الفضل لعنه الله، وأظهر فيه ما هو منسوب إليه ومشهور عنه على منبر جامع الجند بقوله:
خذي الدف يا هذه والعبي ... وغني هزاريك ثم اطربي
تولى نبيّ بني هاشم ... وهذا نبيّ بني يعرب
لكل نبي مضى شرعة ... وهذي شرائع هذا النبي
فقد حط عنا فروض الصلاة ... وحطّ الصيام ولم يتعب
وحط الذنوب على قاتل ... ولو كان من قبل قاتل نبي
أحل البنات مع الأمهات ... ومن فضله زاد حل الصبي
إذا الناس صلوا فلا تنهضي ... وإن صوّموا فكلي واشربي
ولا تطلبي السعي عند الصفا ... ولا زورة القبر في يثرب
ولا تمنعي نفسك المعرسين ... من الأقربين ومن أجنبي
فكيف تحلي لهذا الغريب ... وصرت محرمةً للأب
أليس الغراس لمن ربّه ... وسقّاه في الزمن المجدب
стр. 151
وما الخمر إلا كماء السماء ... حلالاً فقدّست من مذهب
والشعر طويل وكله تحليل محرمات الشرع والاستهانة به، فقتل أهل اليمن قتلاً ذريعًا قبل هذا وملك الحصون والأموال العظيمة، وكانت المذيخرة هي أنفس مدائن اليمن في ذلك الوقت، وسلطانها جعفر بن إبراهيم المناخي جد السلطان سبأ بن حسين بن بكيل بن قيس الأشعري، فقتله القرمطي علي بن الفضل الجدني وملكها وملك هو وحليف له يسمى الحسن بن سعيد بن زاذان النجار صنعاء على بني الحوالي، وهربوا منهم إلى الجوف ومنهم ذرية الحوالي أسعد بن عبد الصمد، وعلي بن أسعد بن يعفر الشريف الحوالي وأصحابهما ممن سكن ظبا وبعدان والعرافة. وحضر في هذا الزمان وطرد الناصر بن الهادي من صعدة، وملكت القرامطة زبيد وعدن مع أن الحج لم ينقطع إلا في عامين أو ثلاثة بعد دخول أبي سعيد الجنابي (١) من القرامطة مكة سنة سبع عشرة وثلاث مائة فقتل الحجاج قتلاً ذريعًا قيل قتل ثلاث عشر ألفًا واقتلع الركن الشريف وراح به إلى الحسا وقال في ذلك شعرًا:
فلو كان هذا البيت لله ربنا ... لصبّ علينا النار من فوقنا صبًّا
لأنا حججنا حجة جاهلية ... مجللة لم تبق شرقا ولا غربًا
وإنا تركنا بين زمزم والصفا ... جنائز لم تبغي سوى ربّها ربًّا
وشعره مشهور في كتب التواريخ لعنه الله، وفي رسالة محمد بن مالك الحمادي من ذلك جملة وفي كشف الأسرار للقاضي الأجل أبي بكر
стр. 152
الباقلاني طرف منه. اهـ
ولا تظنن أن هذه العقيدة الخبيثة قد انقرضت، ذلك ظن الذين لا يعلمون، فهؤلاء المكارمة الذين هم أخبث من اليهود والنصارى بنجران، والنخاولة بالمدينة ولا تزال الأحساء والقطيف والبحرين مملوءة من هذا الجنس الخبيث وهاهم بحراز وعراس، بل قد عمّر بعضهم بيوتًا بجوار نقم بصنعاء، ولو تمكنوا لا مكنهم الله لفعلوا بالمسلمين ما فعله علي بن الفضل الملحد.
وهذه الأبيات التي ذكرها الجعدي وغيره ليس لدينا السند المتصل الصحيح أنه قالها، ولايضرنا أقالها هو أم بعض أصحابه أم قالها بعض خصومه أم قال بعضها ونسج على منوالها بعض خصومه فهي تحكي الواقع الذي لا محيص عنه ولا يدافع عنه إلا ملحد يتستر بالوطنية، وهو يبطن الكفر والحقد على الإسلام والمسلمين.
ولا تظنن أن فتنة عبد الله بن سبأ وعلي بن الفضل قد انقطعتا فهذه الرافضة بإيران آلة لأعداء الإسلام أزعجوا المسلمين حتى في تلك الأيام المباركة والمشاعر المحترمة في أيام الحج وفي مكة ومنى وعرفة، الناس يتقربون إلى الله بذكره وأولئك الحمقى أشباه الأنعام يدندنون بذكر إمام الضلالة الخميني ويهتفون بهتافات كاذبة (تسقط أمريكا وروسيا) نعم تسقطان ولكنهما لا يسقطان على أيدي من يحارب الإسلام والمسلمين لا يسقطان إلا على أيدي أمة موحدة تجاهد لله. وأما الرافضة في اليمن فقد عبر على لسانهم الشاعر أنّهم لا يريدون إلا الكرسي ليس إلا فلقد أحسن إذ يقول:
стр. 153
قل لفهد وللقصور العوانس ... إننا سادة أباة أشاوس
سنعيد الحكم للإمام إما وإذا ... بثوب النبي وإما بأثواب
خابت الحجاز ونجد ... ماركس فلنا إخوة كرام بفارس
وقال ابن كثير ﵀ في حوادث سنة ثمان وسبعين ومائتين (ج١١
ص٦١) نقلاً عن ابن الجوزي: وفيها تحركت القرامطة وهم فرقة من الزنادقة الملاحدة أتباع الفلاسفة من الفرس الذين يعتقدون نبوة زاردشت ومزدك، وكانا يبيحان المحرمات ثم هم بعد ذلك أتباع كل ناعق إلى باطل، وأكثر ما يفسدون من جهة الرافضة ويدخلون إلى الباطل من جهتهم لأنّهم أقل الناس عقولاً، ويقال لهم: الإسماعيلية لانتسابهم إلى إسماعيل الأعرج بن جعفر الصادق، ويقال لهم: القرامطة قيل: نسبة إلى قرمط بن الأشعث البقار.
وقيل: إن رئيسهم، كان في أول دعوته يأمر من اتبعه بخمسين صلاة في كل يوم وليلة، ليشغلهم بذلك عما يريد تدبيره من المكيدة، ثم اتخذ نقباء اثني عشر وأسس لأتباعه دعوة ومسلكًا يسلكونه ودعا إلى إمام أهل البيت.
ويقال لهم: الباطنية لأنّهم يظهرون الرفض ويبطنون الكفر المحض، والخرمية والبابكية نسبة إلى بابك الخرمي الذي ظهر في أيام المعتصم وقتل كما تقدم. ويقال لهم: المحمرة نسبة إلى صبغ الحمرة شعارًا مضاهاة لبني العباس ومخالفة لهم لأن بني العباس يلبسون السواد. ويقال لهم: التعليمية نسبة إلى التعلم من الإمام المعصوم وترك الرأي ومقتضى العقل. ويقال لهم: السبعية نسبة إلى القول بأن الكواكب السبعة المتحيزة السائرة مدبرة لهذا
стр. 154
العالم فيما يزعمون، لعنهم الله وهي القمر في الأولى، وعطارد في الثانية، والزهرة في الثالثة، والشمس في الرابعة، والمريخ في الخامسة، والمشتري في السادسة، وزحل في السابعة.
قال ابن الجوزي: وقد بقي من البابكية جماعة، يقال إنّهم يجتمعون في كل سنة ليلة هم ونساؤهم ثم يطفئون المصباح وينتهبون النساء، فمن وقعت يده في امرأة حلت له، ويقولون: هذا اصطياد مباح، لعنهم الله.
وقد ذكر ابن الجوزي تفصيل قولهم وبسطه وقد سبقه إلى ذلك أبوبكر الباقلاني المتكلم المشهور في كتابه ((هتك الأستار وكشف الأسرار)) في الرد على الباطنية، ورد على كتابهم الذي جمعه بعض قضاتهم بديار مصر في أيام الفاطميين الذي سماه ((البلاغ الأعظم والناموس الأكبر)) وجعله ست عشرة درجة: أول درجة أن يدعو من يجتمع به أولاً إن كان من أهل السنة إلى القول بتفضيل عليّ على عثمان بن عفان، ثم ينتقل به إذا وافقه على ذلك إلى تفضيله على الشيخين أبي بكر وعمر، ثم يترقي به إلى سبهما لأنّهما ظلما عليًّا وأهل البيت، ثم يترقي به إلى تجهيل الأمة وتخطئتها في موافقة أكثرهم على ذلك، ثم يشرع في القدح في دين الإسلام من حيث هو، وقد ذكر لمخاطبته لمن يريد أن يخاطبه بذلك شبهًا وضلالات لا تروج إلا على كل غبي جاهل شقي كما قال تعالى: ﴿والسّماء ذات الحبك إنّكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك (١)﴾ أي: يضل به من هو ضال. وقال: ﴿فإنّكمْ وما تعْبدون ? ما أنْتمْ عليْه بفاتنين ? إلاّ منْ هو صال الْجحيم (٢)﴾ وقال: ﴿وكذلك جعلْنا
стр. 155
لكلّ نبيّ عدوًّا شياطين الْإنْس والْجنّ يوحي بعْضهمْ إلى بعْض زخْرف الْقوْل غرورًا ولوْ شاء ربّك ما فعلوه فذرْهمْ وما يفْترون ? ولتصْغى إليْه أفْئدة الّذين لا يؤْمنون بالْآخرة وليرْضوْه وليقْترفوا ما همْ مقْترفون (١)﴾ إلى غير ذلك من الأيات التي تتضمن أن الباطل والجهل والضلال والمعاصي لا ينقاد لها إلا شرار الناس كما قال بعض الشعراء:
إن هو مستحوذ على أحد ... إلا على أضعف المجانين
ثم بعد هذا كله لهم مقامات في الكفر والزندقة والسخافة، مما ينبغي لضعيف العقل والدين أن ينزّه نفسه عنه إذا تصوره، وهو مما فتحه إبليس عليهم من أنواع الكفر وأنواع الجهالات، وربما أفاد إبليس بعضهم أشياء لم يكن يعرفها كما قال بعض الشعراء:
وكنت امرأً من جند إبليس برهةً ... من الدهر حتى صار إبليس من جندي
والمقصود أن هذه الطائفة تحركت في هذه السنة ثم استفحل أمرهم وتفاقم الحال بهم كما سنذكره، حتى آل بهم الحال إلى أن دخلوا المسجد الحرام فسفكوا دم الحجيج في وسط المسجد حول الكعبة وكسروا الحجر الأسود واقتلعوه من موضعه، وذهبوا به إلى بلادهم في سنة سبع عشرة وثلاثمائة، ثم لم يزل عندهم إلى سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، فمكث غائبًا عن موضعه من البيت ثنتين وعشرين سنة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. اهـ
стр. 156
وقال الحافظ ابن كثير في ((البداية والنهاية)) (ج١١ ص١٤٩) في حوادث سنة ٣١٢: في المحرم منها اعترض القرمطي أبوطاهر الحسين بن أبي سعيد الجنابي لعنه الله ولعن أباه للحجيج وهم راجعون من بيت الله الحرام قد أدوا فرض الله عليهم، فقطع عليهم الطريق فقاتلوه دفعًا عن أموالهم وأنفسهم وحريمهم، فقتل منهم خلقًا كثيًرا لا يعلمهم إلا الله، وأسر من نسائهم وأبنائهم ما اختاره، واصطفى من أموالهم ما أراد، فكان مبلغ ما أخذه من الأموال ما يقاوم ألف ألف دينار، ومن الأمتعة والمتاجر نحو ذلك، وترك بقية الناس بعد ما أخذ جمالهم وزادهم وأموالهم ونساءهم وأبناءهم على بعد الديار في تلك الفيافي والبرية بلا ماء ولا زاد ولا محمل.
وقال الحافظ ابن كثير في حوادث سنة سبع عشرة وثلاثمائة (ج١١ ص١٦٠): ذكر أخذ القرامطة الحجر الأسود إلى بلادهم.
فيها خرج ركب العراق وأميرهم منصور الديلمي، فوصلوا إلى مكة سالمين وتوافت الركوب هناك من كل مكان وجانب وفج، فما شعروا إلا بالقرمطي قد خرج عليهم في جماعته يوم التروية، فانتهب أموالهم واستباح قتالهم، فقتل في رحاب مكة وشعابها وفي المسجد الحرام في الشهر الحرام وفي جوف الكعبة من الحجاج خلقًا كثيرًا وجلس أميرهم أبوطاهر لعنه الله على باب الكعبة والرجال تصرع حوله، والسيوف تعمل في الناس في المسجد الحرام في يوم التروية الذي هو من أشرف الأيام، وهو يقول:
أنا والله وبالله أنا ... أنا أخلق الخلق وأفنيهم أنا
стр. 157
فكان الناس يفرون منهم فيتعلقون بأستار الكعبة، فلا يجدي ذلك عنهم شيئًا، بل يقتلون وهم كذلك ويطوفون فيقتلون في الطواف، وقد كان بعض أهل الحديث يومئذ يطوف فلما قضى طوافه أخذته السيوف فلما وجب أنشد وهو كذلك:
ترى المحبين صرعى في ديارهم ... كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا
فلما قضى القرمطي لعنه الله أمره، وفعل ما فعل بالحجيج من الأفاعيل القبيحة أمر أن تدفن القتلى في بئر زمزم ودفن كثيرًا منهم في أماكنهم من الحرم وفي المسجد الحرام ويا حبذا تلك القتلة وتلك الضجعة وذلك المدفن والمكان، ومع هذا لم يغسلوا ولم يكفنوا ولم يصل عليهم لأنّهم محرمون شهداء في نفس الأمر وهدم قبة زمزم، وأمر بقلع باب الكعبة، ونزع كسوتها عنها وشققها بين أصحابه، وأمر رجلاً أن يصعد إلى ميزاب الكعبة فيقتلعه فسقط على أم رأسه فمات إلى النار، فعند ذلك انكفّ الخبيث عن الميزاب.
ثم أمر بأن يقلع الحجر الأسود فجاءه رجل فضربه بمثقل في يده وقال: أين الطير الأبابيل؟؟! أين الحجارة من سجيل؟؟! ثم قلع الحجر الأسود وأخذوه حين راحوا معهم إلى بلادهم، فمكث عندهم ثنتين وعشرين سنة حتى ردوه كما سنذكره في سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ولما رجع القرمطي إلى بلاده ومعه الحجر الأسود وتبعه أمير مكة هو وأهل بيته وجنده وسأله وتشفع إليه أن يرد الحجر الأسود ليوضع في مكانه وبذل له جميع ما عنده من الأموال فلم يلتفت إليه فقاتله أمير
стр. 158
مكة، فقتله القرمطي وقتل أكثر أهل بيته، وأهل مكة وجنده واستمر ذاهبًا إلى بلاده ومعه الحجر وأموال الحجيج.
وقد ألحد هذا اللعين في المسجد الحرام إلحادًا لم يسبقه إليه أحد ولا يلحقه فيه، وسيجازيه على ذلك الذي لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد، وإنما حمل هؤلاء على هذا الصنيع أنّهم كفار زنادقة، وقد كانوا ممالئين للفاطميين الذين نبغوا في هذه السنة ببلاد إفريقية من أرض المغرب، ويلقب أميرهم بالمهدي وهو أبومحمد عبيد الله بن ميمون القداح وقد كان صبّاغًا بسلمية، وكان يهوديًّا فادعى أنه أسلم، ثم سافر من سلمية فدخل بلاد إفريقية، فادعى أنه شريف فاطمي فصدقه على ذلك طائفة كثيرة من البربر وغيرهم من الجهلة، وصارت له دولة فملك مدنية سجلماسة، ثم ابتنى مدينة وسماها المهدية وكان قرار ملكه بها، وكان هؤلاء القرامطة يراسلونه ويدعون إليه ويترامون عليه، ويقال: إنّهم إنما كانوا يفعلون ذلك سياسة ودولة لا حقيقة له.
وذكر ابن الأثير أن المهدي هذا كتب إلى أبي طاهر يلومه على ما فعل بمكة، حيث سلط الناس على الكلام فيهم، وانكشفت أسرارهم التي كانوا يبطنونها بما ظهر من صنيعهم هذا القبيح، وأمره برد ما أخذه منها وعوده إليها، فكتب إليه بالسمع والطاعة، وأنه قد قبل ما أشار إليه من ذلك.
وقد أسر بعض أهل الحديث في أيدي القرامطة فمكث في أيديهم مدة ثم فرج الله عنه، وكان يحكي عنهم عجائب من قلة عقولهم، وعدم دينهم، وأن الذي أسره كان يستخدمه في أشق الخدمة وأشدها، وكان
стр. 159
يعربد عليه إذا سكر فقال لي ذات ليلة وهو سكران: ما تقول في محمدكم؟ فقلت: لا أدري. فقال: كان سائسًا. ثم قال: ما تقول في أبي بكر؟ فقلت: لا أدري. فقال: كان ضعيفًا مهينًا، وكان عمر فظًّا غليظًا، وكان عثمان جاهلاً أحمق، وكان علي ممخرقًا ليس كان عنده أحد يعلمه ما ادعى أنه في صدره من العلم، أما كان يمكنه أن يعلّم هذا كلمة، وهذا كلمة، ثم قال: هذا كله مخرقة، فلما كان من الغد قال: لا تخبر بهذا الذي قلت لك أحدًا، ذكره ابن الجوزي في ((منتظمه)).
وروى عن بعضهم أنه قال: كنت في المسجد الحرام يوم التروية في مكان الطواف فحمل على رجل كان إلى جانبي فقتله القرمطي، ثم قال: يا حمير ورفع صوته بذلك أليس قلتم في بيتكم هذا ﴿ومنْ دخله كان ءامنًا (١)﴾، فأين الأمن؟ قال: فقلت له: اسمع جوابك. قال: نعم. قلت: إنما أراد الله فأمّنوه. قال: فثنى رأس فرسه وانصرف.
وقد سأل بعضهم ههنا سؤالاً فقال: قد أحل الله سبحانه بأصحاب الفيل وكانوا نصارى ما ذكره في كتابه ولم يفعلوا بمكة شيئًا مما فعله هؤلاء ومعلوم أن القرامطة شر من اليهود والنصارى والمجوس، بل ومن عبدة الأصنام، وأنّهم فعلوا بمكة ما لم يفعله أحد، فهلا عوجلوا بالعذاب والعقوبة، كما عوجل أصحاب الفيل؟
وقد أجيب عن ذلك بأن أصحاب الفيل إنما عوقبوا إظهارًا لشرف البيت، ولما يراد به من التشريف العظيم بإرسال النبي الكريم من البلد
стр. 160
الذي فيه البيت الحرام، فلما أرادوا إهانة هذه البقعة التي يراد تشريفها وإرسال الرسول منها أهلكهم سريعًا عاجلاً، ولم يكن شرائع مقررة تدل على فضله فلو دخلوه وأخربوه لأنكرت القلوب فضله، وأما هؤلاء القرامطة فإنما فعلوا ما فعلوا بعد تقرير الشرائع وتمهيد القواعد والعلم بالضرورة من دين الله بشرف مكة والكعبة، وكل مؤمن يعلم أن هؤلاء قد ألحدوا في الحرم إلحادًا بالغًا عظيمًا، وأنّهم من أعظم الملحدين الكافرين بما تبين من كتاب الله وسنة رسوله، فلهذا لم يحتج الحال إلى معاجلتهم بالعقوبة، بل أخرهم الرب تعالى ليوم تشخص فيه الأبصار، والله سبحانه يمهل ويملي ويستدرج، ثم يأخذ أخذ عزيز مقتدر، كما قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((إنّ الله ليملي للظّالم حتّى إذا أخذه لم يفلتْه، ثمّ قرأ قوله تعالى: ﴿ولا تحسبنّ الله غافلاً عمّا يعمل الظّالمون إنّما يؤخّرهم ليوم تشخص فيه الأبصار)) (١)﴾، وقال: ﴿لا يغرّنّك تقلّب الّذين كفروا في البلاد? متاع قليل ثمّ مأواهم جهنّم وبئس المهاد (٢)﴾، وقال: ﴿نمتّعهم قليلاً ثمّ نضطرّهم إلى عذاب غليظ (٣)﴾، وقال: ﴿متاع في الدّنيا ثمّ إلينا مرجعهم ثمّ نذيقهم العذاب الشّديد بما كانوا يكفرون (٤)﴾.
وذكر الحافظ ابن كثير في حوادث سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، أن القرامطة ردت الحجر الأسود.
стр. 161
الحاكم الفاطمي
قال الحافظ ابن كثير ﵀ (ج١٢ ص٩): ثم دخلت سنة إحدى عشرة وأربعمائة.
فيها عدم الحاكم بمصر، وذلك أنه لما كان ليلة الثلاثاء لليلتين بقيتا من شوال فقد الحاكم ابن المعز الفاطمي صاحب مصر، فاستبشر المؤمنون والمسلمون بذلك، وذلك لأنه كان جبارًا عنيدًا وشيطانًا مريدًا.
ولنذكر شيئًا من صفاته القبيحة وسيرته الملعونة أخزاه الله: كان كثير التلون في أفعاله، وأحكامه، وأقواله، جائرًا، وقد كان يروم أن يدّعي الألوهية كما ادعاها فرعون، فكان قد أمر الرعية إذا ذكر الخطيب على المنبر اسمه أن يقوم الناس على أقدامهم صفوفًا إعظامًا لذكره، واحترامًا لاسمه، فعل ذلك في سائر ممالكه حتى في الحرمين الشريفين، وكان قد أمر أهل مصر على الخصوص إذا قاموا عند ذكره خروا سجدًا له، حتى إنه ليسجد بسجودهم من في الأسواق من الرعاع وغيرهم ممن كان لا يصلي الجمعة، وكانوا يتركون السجود لله في يوم الجمعة وغيره ويسجدون للحاكم، وأمر في وقت لأهل الكتابين بالدخول في دين الإسلام كرهًا، ثم أذن لهم في العودة إلى دينهم، وخرب كنائسهم، ثم عمرها، وخرب القمامة ثم أعادها، وابتنى المدارس وجعل فيها الفقهاء والمشايخ، ثم قتلهم وأخربها، وألزم الناس بغلق الأسواق نهارًا وفتحها ليلاً، فامتثلوا ذلك دهرًا طويلاً حتى اجتاز مرة برجل يعمل النجارة في أثناء النهار، فوقف عليه فقال: ألم أنْهكم؟ فقال:
стр. 162
يا سيدي لما كان الناس يتعيشون بالنهار كانوا يسهرون بالليل، ولما كانوا يتعيشون بالليل سهروا بالنهار، فهذا من جملة السهر، فتبسم وتركه، وأعاد الناس إلى أمرهم الأول.
وكل هذا تغيير للرسوم واختبار لطاعة العامة له ليرقى في ذلك إلى ما هو أشر وأعظم منه، وقد كان يعمل الحسبة بنفسه، فكان يدور بنفسه في الأسواق على حمار له، وكان لا يركب إلا حمارًا فمن وجده قد غش في معيشة أمر عبدًا أسود معه يقال له مسعود أن يفعل به الفاحشة العظمى، وهذا أمر منكر ملعون لم يسبق إليه.
وكان قد منع النساء من الخروج من منازلهن، وقطع شجر الأعناب حتى لا يتخذ الناس منها خمرًا، ومنعهم من طبخ الملوخية وأشياء من الرعونات التي من أحسنها منع النساء من الخروج، وكراهة الخمر.
وكانت العامة تبغضه كثيرًا ويكتبون له الأوراق بالشتيمة البالغة له ولأسلافه في صورة قصص، فإذا قرأها ازداد غيظًا وحنقًا عليهم، حتى إن أهل مصر عملوا له صورة امرأة من ورق بخفيها وإزارها وفي يدها قصة فيها من الشتم واللعن والمخالفة شيء كثير، فلما رآها ظنها امرأة فذهب من ناحيتها وأخذ القصة من يدها فقرأها فرأى ما فيها فأغضبه ذلك جدًا فأمر بقتل المرأة فلما تحققها من ورق ازداد غيظًا إلى غيظه، ثم لما وصل إلى القاهرة أمر السودان أن يذهبوا إلى مصر فيحرقوها وينهبوا ما فيها من الأموال والمتاع والحريم، فذهبوا فامتثلوا ما أمرهم به، فقاتلهم أهل مصر قتالاً شديدًا ثلاثة أيام، والنار تعمل في الدور والحريم، وهو في كل يوم
стр. 163
قبحه الله يخرج فيقف من بعيد وينظر ويبكي ويقول: من أمر هؤلاء العبيد بهذا؟ ثم اجتمع الناس في الجوامع ورفعوا المصاحف وصاروا إلى الله واستغاثوا به فرّق لهم الترك والمشارقة، وانحازوا إليهم وقاتلوا معهم عن حريمهم ودورهم، وتفاقم الحال جدًا ثم ركب الحاكم لعنه الله ففصل بين الفريقين، وكف العبيد عنهم، وكان يظهر التنصل مما فعله العبيد وأنّهم ارتكبوا ذلك من غير علمه وإذنه، وكان ينفذ إليهم السلاح ويحثهم على ذلك في الباطن، وما انجلى الأمر حتى احترق من مصر نحو ثلثها، ونهب قريب من نصفها، وسبيت نساء وبنات كثيرة وفعل معهن الفواحش والمنكرات، حتى أن منهن من قتلت نفسها خوفًا من العار والفضيحة، واشترى الرجال منهم من سبى لهم من النساء والحريم.
قال ابن الجوزي: ثم ازداد ظلم الحاكم حتى عنّ له أن يدّعي الربوبية، فصار قوم من الجهال إذا رأوه يقولون: يا واحد يا أحد، يا محيي يا مميت، قبحهم الله جميعًا.
صفة مقتله لعنه الله:
كان قد تعدى شره إلى الناس كلهم حتى إلى أخته، وكان يتهمها بالفاحشة، ويسمعها أغلظ الكلام، فتبرمت منه وعملت على قتله، فراسلت أكبر الأمراء أميرًا يقال له: ابن دواس، فتوافقت هي وهو على قتله ودماره وتواطآ على ذلك، فجهز من عنده عبدين أسودين شهمين وقال لهما: إذا كانت الليلة الفلانية فكونا في جبل المقطم، ففي تلك الليلة يكون الحاكم هناك في الليل لينظر في النجوم وليس معه أحد إلا ركابي
стр. 164
وصبي، فاقتلاه واقتلاهما معه.
واتفق الحال على ذلك فلما كانت تلك الليلة قال الحاكم لأمه: عليّ في هذه الليلة قطع عظيم، فإن نجوت منه عمّرت نحوًا من ثمانين سنة، ومع هذا فانقلي حواصلى إليك، فإن أخوف ما أخاف عليك من أختي، وأخوف ما أخاف على نفسي منها، فنقل حواصله إلى أمه، وكان له في صناديق قريب من ثلاثمائة ألف دينار وجواهر أخر. فقالت له أمه: يا مولانا إذا كان الأمر كما تقول فارحمني ولا تركب في ليلتك هذه إلى موضع. وكان يحبها فقال: أفعل.
وكان من عادته أن يدور حول القصر كل ليلة، فدار ثم عاد إلى القصر فنام إلى قريب من ثلث الليل الأخير فاستيقظ. وقال: إن لم أركب الليلة فاضت نفسي، فثار فركب فرسًا وصحبه صبي وركابي، وصعد الجبل المقطم فاستقبله ذانك العبدان فأنزلاه عن مركوبه، وقطعا يديه ورجليه، وبقرا بطنه، فأتيا به مولاهما ابن دواس، فحمله إلى أخته فدفنته في مجلس دارها، واستدعت الأمراء والأكابر والوزير، وقد أطلعته على الجلية، فبايعوا لولد الحاكم أبي الحسن علي ولقب بالظاهر لإعزاز دين الله، وكان بدمشق فاستدعت به وجعلت تقول للناس: إن الحاكم قال لي: إنه يغيب عنكم سبعة أيام ثم يعود، فاطمأن الناس وجعلت ترسل ركابيين إلى الجبل فيصعدونه ثم يرجعون فيقولون: تركناه في الموضع الفلاني، ويقول الذين بعدهم لأمه: تركناه في موضع كذا وكذا، حتى اطمأن الناس، وقدم ابن أخيها واستصحب معه من دمشق ألف ألف دينار، وألفي ألف درهم،
стр. 165
فحين وصل ألبسته تاج جد أبيه المعز، وحلة عظيمة وأجلسته على السرير وبايعه الأمراء والرؤساء، وأطلق لهم الأموال وخلعت على ابن دواس خلعة سنية هائلة، وعملت عزاء أخيها الحاكم ثلاثة أيام، ثم أرسلت إلى ابن دواس طائفة من الجند ليكونوا بين يديه بسيوفهم وقوفًا في خدمته، ثم يقولوا له في بعض الأيام: أنت قاتل مولانا، ثم يهبرونه بسيوفهم، ففعلوا ذلك وقتلت كل من اطلع على سرها في قتل أخيها، فعظمت هيبتها، وقويت حرمتها، وثبتت دولتها، وقد كان عمر الحاكم يوم قتل سبعًا وثلاثين سنة، ومدة ملكه من ذلك خمسًا وعشرين سنة. اهـ
قال ابن القيم ﵀ في ((إغاثة اللهفان)) (ج٢ ص٢٦٢): وكان ابن سيناء كما أخبر عن نفسه قال: أنا وأبي من أهل دعوة الحاكم فكان من القرامطة الباطنية الذين لا يؤمنون بمبدأ ولا معاد، ولا رب خالق، ولا رسول مبعوث جاء من عند الله، وكان هؤلاء زنادقة يتسترون بالرفض ويبطنون الإلحاد المحض، وينتسبون إلى أهل بيت الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهو وأهل بيته براء منهم، نسبًا ودينًا، وكانوا يقتلون أهل العلم والإيمان، ويدعون أهل الإلحاد والشرك والكفران، لا يحرمون حرامًا ولا يحلون حلالاً، وفي زمنهم ولخواصهم وضعت رسائل إخوان الصفا. اهـ
قال ابن كثير ﵀ (ج١٢ ص٢٣): ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وأربعمائة. فيها جرت كائنة غريبة عظيمة، ومصيبة عامة، وهي أن رجلاً من المصريين من أصحاب الحاكم اتفق مع جماعة من الحجاج المصريين على
стр. 166
أمر سوء، وذلك أنه لما كان يوم النفر الأول طاف هذا الرجل بالبيت، فلما انتهى إلى الحجر الأسود جاء ليقبله فضربه بدبوس كان معه ثلاث ضربات متواليات. وقال: إلى متى نعبد هذا الحجر، ولا محمد ولا علي يمنعني مما أفعله، فإني أهدم اليوم هذا البيت، وجعل يرتعد فاتقاه أكثر الحاضرين وتأخروا عنه، وذلك لأنه كان رجلاً طوالاً جسيمًا أحمر اللون أشقر الشعر، وعلى باب الجامع جماعة من الفرسان وقوف ليمنعوه ممن يريد منعه من هذا الفعل وأراده بسوء، فتقدم إليه رجل من أهل اليمن معه خنجر فوجأه بها، وتكاثر الناس عليه فقتلوه وقطعوه قطعًا، وحرقوه بالنار، وتتبعوا أصحابه فقتلوا منهم جماعة، ونهبت أهل مكة الركب المصري وتعدى النهب إلى غيرهم، وجرت خبطة عظيمة وفتنة كبيرة جدًا، ثم سكن الحال بعد أن تتبع أولئك النفر الذين تمالؤوا على الإلحاد في أشرف البلاد، غير أنه قد سقط من الحجر ثلاث فلق مثل الأظفار، وبدا ما تحتها أسمر يضرب إلى صفرة محببًا مثل الخشخاش، فأخذ بنوشيبة تلك الفلق فعجنوها بالمسك واللك وحشوا بها تلك الشقوق التي بدت، فاستمسك الحجر، واستمر على ما هو عليه الآن، وهو ظاهر لمن تأمله. اهـ
стр. 167
ابن العلقمي الخائن الذي كان سببًا في سقوط الخلافة العباسية
قال الحافظ ابن كثير ﵀ (ج١٣ ص٢١٢): الوزير ابن العلقمي الرافضي قبحه الله: محمد بن أحمد بن محمد بن علي بن أبي طالب، الوزير مؤيد الدين أبوطالب ابن العلقمي وزير المستعصم البغدادي، وخدمه في زمان المستنصر أستاذ دار الخلافة مدة طويلة، ثم صار وزير المستعصم وزير سوء على نفسه وعلى الخليفة وعلى المسلمين، مع أنه من الفضلاء في الإنشاء والأدب، وكان رافضيًّا خبيثًا رديء الطوية على الإسلام وأهله، وقد حصل له من التعظيم والوجاهة في أيام المستعصم ما لم يحصل لغيره من الوزراء، ثم مالأ على الإسلام وأهله الكافر (هولاكوخان) حتى فعل ما فعل بالإسلام وأهله مما تقدم ذكره، ثم حصل له بعد ذلك من الإهانة والذل على أيدي التتار الذين مالأهم وزال عنه ستر الله وذاق الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الاخرة أشد وأبقى، وقد رأته امرأة وهو في الذل والهوان وهو راكب في أيام التتار برذونًا وهو مرسم عليه وسائق يسوق به ويضرب فرسه، فوقفت إلى جانبه وقالت له: يا ابن العلقمي هكذا كان بنوالعباس يعاملونك؟ فوقعت كلمتها في قلبه، وانقطع في داره إلى أن مات كمدًا وغبينةً وضيقًا وقلةً وذلة في مستهل جمادى الآخرة من هذه السنة، وله من العمر ثلاث وستون سنة، ودفن في قبور الروافض وقد سمع بأذنيه ورأى بعينيه من الإهانة من التتار والمسلمين ما لا يحدّ ولا
стр. 168
يوصف، وتولى بعده ولده الخبيث الوزارة ثم أخذه الله أخذ القرى وهي ظالمة سريعًا، وقد هجاه بعض الشعراء فقال فيه:
يا فرقة الإسلام نوحوا واندبوا ... أسفًا على ما حل بالمستعصم
دست الوزارة كان قبل زمانه ... لابن الفرات فصار لابن العلقمي
стр. 169
نصير الدين الطوسي
قال ابن القيم ﵀ في ((إغاثة اللهفان)) (ج٢ ص٢٦٣): ولما انتهت النوبة إلى نصير الشرك والكفر الملحد وزير الملاحدة النصير الطوسي وزير هولاكو شفا نفسه من أتباع الرسول وأهل دينه، فعرضهم على السيف حتى شفا إخوانه من الملاحدة واشتفى هو فقتل الخليفة والقضاة والفقهاء والمحدثين، واستبقى الفلاسفة والمنجمين، والطبائعيين والسحرة، ونقل أوقاف المدارس والمساجد والربط إليهم وجعلهم خاصته وأولياءه، ونصر في كتبه قدم العالم وبطلان المعاد، وإنكار صفة الرب ﷻ من علمه وقدرته، وحياته وسمعه وبصره، وأنه لا داخل العالم ولا خارجه، وليس فوق العرش إله يعبد البتة.
واتخذ للملاحدة مدارس ورام جعل إشارات إمام الملحدين ابن سينا مكان القرآن فلم يقدر على ذلك، فقال: هي قرآن الخواص، وذاك قرآن العوام، ورام تغيير الصلاة وجعلها صلاتين فلم يتم له الأمر، وتعلم السحر في آخر الأمر، فكان ساحرًا يعبد الأصنام.
وصارع محمد الشهرستاني ابن سيناء في كتاب سماه ((المصارعة)) أبطل فيه قوله بقدم العالم وإنكار المعاد، ونفي علم الرب وقدرته وخلقه العالم، فقام له نصير الإلحاد وقعد، ونقضه بكتاب سماه ((مصارعة المصارعة)) ووقفنا على الكتابين نصر فيه: أن الله تعالى لم يخلق السموات والأرض في ستة أيام، وأنه لا يعلم شيئًا، وأنه لم يفعل شيئًا بقدرته واختياره، ولا يبعث من في
стр. 170
القبور. وبالجملة فكان هذا الملحد هو وأتباعه من الملحدين الكافرين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
قال الحافظ ابن كثير ﵀ (ج١٤ ص٨٣): صفة خروج المهدي الضال بأرض جبلة.
وفي هذه السنة خرجت النصيرية عن الطاعة، وكان من بينهم رجل سموه محمد بن الحسن المهدي القائم بأمر الله، وتارة يدعى علي بن أبي طالب فاطر السموات والأرض، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، وتارةً يدعي أنه محمد ابن عبد الله صاحب البلاد وخرج يكفر المسلمين وأن النصيرية على الحق، واحتوى هذا الرجل على عقول كثير من كبار النصيرية الضلال وعيّن لكل إنسان منهم تقدمه ألف وبلادًا كثيرة ونيابات، وحملوا على مدينة جبلة فدخلوها وقتلوا خلقًا من أهلها، وخرجوا منها يقولون: لا إله إلا علي، ولا حجاب إلا محمد، ولا باب إلا سلمان، وسبوا الشيخين وصاح أهل البلد: واإسلاماه، واسلطاناه، واأميراه، فلم يكن لهم يومئذ ناصر ولا منجد، وجعلوا يبكون ويتضرعون إلى الله فجمع هذا الضال تلك الأموال فقسمها على أصحابه وأتباعه قبحهم الله أجمعين، وقال لهم: لم يبق للمسلمين ذكر ولا دولة، ولو لم يبق معي سوى عشرة نفر لملكنا البلاد كلها، ونادى في تلك البلاد: أن المقاسمة بالعشر لا غير، ليرغب فيه وأمر أصحابه بخراب المساجد واتخاذها خمارات، وكانوا يقولون لمن أسره من المسلمين: قل لا إله إلا علي
стр. 171
واسجد لإلهك المهدي الذي يحيي ويميت حتى يحقن دمك ويكتب لك فرمان، وتجهزوا وعملوا أمرًا عظيمًا جدًا فجردت إليهم العساكر فهزموهم، وقتلوا منهم خلقًا كثيرًا وجمًّا غفيرًا، وقتل المهدي أضلهم وهو يكون يوم القيامة مقدمهم إلى عذاب السعير كما قال تعالى: ﴿ومن النّاس من يجادل في الله بغير علم ويتّبع كلّ شيطان مريد? كتب عليه أنّه من تولاّه فأنّه يضلّه ويهديه إلى عذاب السّعير (١)﴾ الآية. اهـ
وهذه هي عقيدة النصيرية الذين غيروا نسبتهم في هذا الزمن إلى العلوية كذبًا وتلبيسًا على الناس، ولقد انتشرت هذه العقيدة الخبيثة الإلحادية في دولة الملحد حافظ أسد النصيري المتستر بالعلوية، نسأل الله أن يوفق علماء المسلمين لكشف أستار إلحاد هذه الطائفة، ونسأله سبحانه أن ينْزل بهذه الطائفة الملعونة بأسه الذي لا يرد، إنه على كل شيء قدير.
ذكر الحافظ ابن كثير ﵀ في حوادث سنة أربع وأربعين وسبعمائة (ج١٤ ص٢١١):
وفي صبيحة يوم الإثنين الحادي والعشرين منه قتل بسوق الخيل حسن بن الشيخ السكاكيني على ما ظهر منه من الرفض الدال على الكفر المحض، شهد عليه عند القاضي شرف الدين المالكي بشهادات كثيرة تدل على كفره وأنه رافضي جلد، فمن ذلك تكفير الشيخين ﵄، وقذفه أم المؤمنين عائشة وحفصة ﵄، وزعم أن جبريل غلط فأوحى إلى محمد وإنما كان مرسلاً إلى علي وغير ذلك من الأقوال الباطلة القبيحة قبحه
стр. 172
الله. وقد فعل وكان والده الشيخ محمد السكاكيني يعرف مذهب الرافضة والشيعة جيدًا، وكانت له أسئلة على مذهب أهل الخير، ونظم في ذلك قصيدة أجابه فيها شيخنا الإمام العلامة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وذكر غير واحد من أصحاب الشيخ أن السكاكيني ما مات حتى رجع عن مذهبه وصار إلى قول أهل السنة فالله أعلم. وأخبرت أن ولده حسنًا هذا القبيح كان قد أراد قتل أبيه لما أظهر السنة. اهـ
стр. 173
سلف الخميني وأئمته
قال أبومحمد بن حزم ﵀ في ((الفصل)) (ج٤ ص١٧٩): ذكر شنع الشيعة:
قال أبومحمد: أهل الشنع من هذه الفرقة ثلاث طوائف: أولها الجارودية من الزيدية، ثم الإمامية من الرافضة، ثم الغالية.
فأما الجارودية فإن طائفة منهم قالت: إن محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب القائم بالمدينة على أبي جعفر المنصور فوجه إليه المنصور عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس فقتل محمد ابن عبد الله بن الحسن ﵀ فقالت هذه الطائفة: إن محمدًا المذكور حي لم يقتل، ولا مات، ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جورًا.
وقالت طائفة أخرى منهم: إنه يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب القائم بالكوفة أيام المستعين، فوجه إليه محمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين بأمر المستعين ابن عمه الحسن بن إسماعيل بن الحسين، وهو ابن أخي طاهر بن الحسين فقتل يحيى بن عمر ﵀. فقالت الطائفة المذكورة: إن يحيى بن عمر هذا حي لم يقتل ولا مات ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جورًا.
стр. 174
وقالت طائفة منهم: إن محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب القائم بالطالقان أيام المعتصم حي لم يمت ولا قتل ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جورًا.
وقالت الكيسانية وهم أصحاب المختار بن أبي عبيد وهم عندنا شعبة من الزيدية في سبيلهم: إن محمد بن علي بن أبي طالب وهو ابن الحنفية حي بجبال رضوي عن يمينه أسد وعن يساره نمر تحدثه الملائكة يأتيه رزقه غدوًا وعشيًّا لم يمت ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جورًا.
وقال بعض الروافض الإمامية وهي الفرقة التي تدعى الممطورة: إن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب حي لم يمت ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جورًا.
وقالت طائفة منهم وهم الناووسية أصحاب ناوس المصري مثل ذلك في أبيه جعفر بن محمد. وقالت طائفة منهم مثل ذلك في أخيه إسماعيل بن جعفر. وقالت السبأية أصحاب عبد الله بن سبأ الحميري اليهودي مثل ذلك في علي ابن أبي طالب ﵁ وزادوا: إنه في السحاب، فليت شعري في أي سحابة هو من السحاب، والسحاب كثير في أقطار الهواء مسخر بين السماء والأرض كما قال الله تعالى. وقال عبد الله بن سبأ إذ بلغه قتل علي ﵁: لو أتيتمونا بدماغه سبعين مرة ما صدقنا موته ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جورًا.
وقال بعض الكيسانية: بأن أبا مسلم السراج حي لم يمت وسيظهر ولا بد. وقال بعض الكيسانية بأن عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن
стр. 175
أبي طالب حي بجبال أصبهان إلى اليوم ولا بد له من أن يظهر، وعبد الله هذا هو القائم بفارس أيام مروان بن محمد وقتله أبومسلم بعد أن سجنه دهرًا، وكان عبد الله هذا رديء الدين معطلاً مستصحبًا للدهرية.
قال أبومحمد: فصار هؤلاء في سبيل اليهود القائلين بأن ملكصيدق بن عامر بن أرفخشد بن سام بن نوح، والعبد الذي وجهه إبراهيم ﵇ ليخطب ريقا بنت بنؤال بن ناخور بن تارخ على إسحاق ابنه ﵇ وإلياس ﵇ وفنحاس بن العازار بن هارون ﵇ أحياء إلى اليوم وسلك هذا السبيل بعض تركي الصوفية فزعموا أن الخضر وإلياس ﵉ حيان إلى اليوم، وادعى بعضهم أنه يلقى إلياس في الفلوات والخضر في المروج والرياض وأنه متى ذكر حضر علي ذاكره.
قال أبومحمد: فإن ذكر في شرق الأرض وغربها وشمالها وجنوبها وفي ألف موضع في دقيقة واحدة كيف يصنع ولقد لقينا من يذهب إلى هذا خلقًا وكلمناهم منهم المعروف بابن شق الليل المحدث بطلبيرة وهو مع ذلك من أهل العناية وسعة الرواية، ومنهم محمد بن عبد الله الكاتب وأخبرني أنه جالس الخضر وكلمه مرارًا وغيره كثير، هذا مع سماعهم قول الله تعالى: ﴿ولكن رسول الله وخاتم النّبيّين (١)﴾، وقول رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((لا نبيّ بعدي)) فكيف يستجيز مسلم أن يثبت بعده ﵇ نبيًّا في الأرض حاشا ما استثناه رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الآثار المسندة الثابتة في نزول عيسى بن مريم ﵇ في آخر الزمان.
стр. 176
وكفار برغواطة إلى اليوم ينتظرون صالح بن طريف الذي شرع لهم دينهم، وقالت القطيعية من الإمامية الرافضة كلهم وهم جمهور الشيعة ومنهم المتكلمون والنظارون والعدد العظيم بأن محمد بن الحسن بن علي بن محمد ابن علي بن موسى بن جعفر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب حي لم يمت ولا يموت حتى يخرج فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جورًا، وهو عندهم المهدي المنتظر، ويقول طائفة منهم إن مولد هذا الذي لم يخلق قط في سنة ستين ومائتين سنة موت أبيه، وقالت طائفة منهم: بل بعد موت أبيه بمدة، وقالت طائفة منهم: بل في حياة أبيه، ورووا ذلك عن حكيمة بنت محمد بن علي بن موسى وأنّها شهدت ولادته وسمعته يتكلم حين سقط من بطن أمه ويقرأ القرآن، وأن أمه نرجس وأنّها كانت هي القابلة. وقال جمهور: بل أمه صقيل، وقالت طائفة منهم: بل أمه سوسن.
وكل هذا هوس ولم يعقّب الحسن المذكور لا ذكرًا ولا أنثى، فهذا أول نوك الشيعة ومفتاح عظيماتهم وأخفها، وإن كانت مهلكة، ثم قالوا كلهم إذ سئلوا عن الحجة فيما يقولون: حجتنا الإلهام وأن من خالفنا ليس لرشدة، فكان هذا طريفًا جدًا ليت شعري ما الفرق بينهم وبين عيار مثلهم يدعي في إبطال قولهم الإلهام وأن الشيعة ليسوا لرشدة أو أنّهم نوكة أو أنّهم جملة ذوو شعبة من جنون في رءوسهم، وما قولهم فيمن كان منهم ثم صار في غيرهم أو من كان في غيرهم فصار فيهم أتراه ينتقل من ولادة الغيّة إلى ولادة الرشدة، ومن ولادة الرشدة إلى
стр. 177
ولادة الغية، فإن قالوا: حكمه لما يموت عليه. قيل لهم: فلعلكم أولاد غية إذ لا يؤمن رجوع الواحد فالواحد منكم إلى خلاف ما هو عليه اليوم، والقوم بالجملة ذوو أديان فاسدة، وعقول مدخولة، وعديمو حياء، ونعوذ بالله من الضلال.
وذكر عمرو بن بحر الجاحظ وهو وإن كان أحد المجّان ومن غلب عليه الهزل وأحد الضلال المضلين فإننا ما رأينا له في كتبه تعمد كذبة يوردها مثبتًا لها، وإن كان كثيرًا لا يرد كذب غيره، قال: أخبرني أبوإسحاق إبراهيم النظام وبشر بن خالد أنّهما قالا لمحمد بن جعفر الرافضي المعروف بشيطان الطاق: ويحك أما استحييت من الله أن تقول في كتابك في الإمامة: إن الله تعالى لم يقل قط في القرآن: ﴿ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إنّ الله معنا (١)﴾ قالا: فضحك والله شيطان الطاق ضحكًا طويلاً حتى كأنا نحن الذين أذنبنا، قال النظام: وكنا نكلم علي بن ميتم الصابوني وكان من شيوخ الرافضة ومتكلميهم فنسأله: أرأي أم سماع عن الأئمة؟! فينكر أن يقوله برأي فتخبره بقوله فيها قبل ذلك، قال: فوالله ما رأيته خجل من ذلك ولا استحيا لفعله هذا قط، ومن قول الإمامية كلها قديمًا وحديثًا: إن القرآن مبدل زيد فيه ما ليس منه، ونقص منه كثير وبدل منه كثير، حاشا علي بن الحسن بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وكان إماميًّا يظاهر بالاعتزال، مع
стр. 178
ذلك فإنه كان ينكر هذا القول ويكفر من قاله، وكذلك صاحباه أبويعلى ميلاد الطوسي وأبوالقاسم الرازي.
قال أبومحمد: القول بأن بين اللوحين تبديلاً كفر صحيح وتكذيب لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
وقالت طائفة من الكيسانية بتناسخ الأرواح، وبهذا يقول السيد الحميري الشاعر لعنه الله ويبلغ الأمر بمن يذهب إلى هذا إلى أن يأخذ أحدهم البغل أو الحمار فيعذبه ويضربه ويعطشه ويجيعه على أن روح أبي بكر وعمر ﵄ فيه، فاعجبوا لهذا الحمق الذي لا نظير له، وما الذي خص هذا البغل الشقي أو الحمار المسكين بنقله الروح إليه دون سائر البغال والحمير، وكذلك يفعلون بالعنْز على أن روح أم المؤمنين ﵂ فيها.
وجمهور متكلميهم كهشام بن الحكم الكوفي وتلميذه أبي علي الصكاك وغيرهما يقول: إنّ علم الله تعالى محدث وإنه لم يكن يعلم شيئًا حتى أحدث لنفسه علمًا وهذا كفر صحيح، وقد قال هشام هذا في حين مناظرته لأبي الهذيل العلاف: إن ربه سبعة أشبار بشبر نفسه، وهذا كفر صحيح، وكان داود الجوازي (١) من كبار متكلميهم يزعم أن ربه لحم ودم على صورة الانسان. ولا يختلفون في أن الشمس ردت على علي بن أبي طالب مرتين أفيكون في صفاقة الوجه وصلابة الخد وعدم الحياء والجرأة على الكذب
стр. 179
أكثر من هذا، على قرب العهد وكثرة الخلق، وطائفة منهم تقول: إن الله تعالى يريد الشيء ويعزم عليه ثم يبدو له فلا يفعله، وهذا مشهور للكيسانية.
ومن الإمامية من يجيز نكاح تسع نسوة، ومنهم من يحرم الكرنب لأنه إنما نبت على دم الحسين ولم يكن قبل ذلك، وهذا في قلة الحياء قريب مما قبله وكما يزعم كثير منهم أن عليًّا لم يكن له سمي قبله، وهذا جهل عظيم بل كان في العرب كثير يسمون هذا الاسم كعلي بن بكر بن وائل، إليه يرجع كل بكري في العالم في نسبه، وفي الأزد علي، وفي بجيلة علي وغيرها، كل ذلك في الجاهلية مشهور وأقرب من ذلك عامر بن الطفيل يكنى أبا علي ومجاهراتهم أكثر مما ذكرنا، ومنهم طائفة تقول بفناء الجنة والنار، وفي الكيسانية من يقول: إن الدنيا لا تفنى أبدًا.
ومنهم طائفة تسمى النحلية نسبوا إلى الحسن بن علي بن ورصند النحلي كان من أهل نفطة من عمل قفصة وقسطيلية من كور إفريقية ثم نهض هذا الكافر إلى السوس في أقاصي بلاد المصامدة فأضلهم وأضل أمير السوس أحمد بن إدريس بن يحيى بن عبد الله بن الحسين بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فهم هنالك كثير سكان في ربض مدينة السوس معلنون بكفرهم وصلاتهم خلاف صلاة المسلمين، لا يأكلون شيئًا من الثمار زبل
стр. 180
أصله ويقولون: إن الأمامة في ولد الحسن دون ولد الحسين، ومنهم أصحاب أبي كامل ومن قولهم إن جميع الصحابة ﵃ كفروا بعد موت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إذ جحدوا إمامة علي وإن عليًّا كفر إذ سلم الأمر إلى أبي بكر ثم عمر ثم عثمان، ثم قال جمهورهم: إن عليًّا ومن اتبعه رجعوا إلى الاسلام إذ دعا إلى نفسه بعد قتل عثمان، وإذ كشف وجهه وسل سيفه وإنه وإياهم كانوا قبل ذلك مرتدين عن الإسلام كفارًا مشركين، ومنهم من يرد الذنب في ذلك إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إذ لم يبين الأمر بيانًا رافعًا للاشكال.
قال أبومحمد: وكل هذا كفر صريح لا خفاء به، فهذه مذاهب الإمامية وهي المتوسطة في الغلو من فرق الشيعة.
وأما الغالية من الشيعة فهم قسمان: قسم أوجبت النبوة بعد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لغيره، والقسم الثاني: أوجبوا الإلهية لغير الله ، فلحقوا بالنصارى واليهود، وكفروا أشنع الكفر.
فالطائفة التي أوجبت النبوة بعد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فرق فمنهم الغرابية وقولهم: إن محمدًا -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان أشبه بعلي من الغراب بالغراب، وإن الله بعث جبريل ﵇ بالوحي إلى علي فغلط جبريل بمحمد، ولا لوم على جبريل في ذلك لأنه غلط، وقالت طائفة منهم: بل تعمد ذلك جبريل وكفروه ولعنوه لعنهم الله.