وحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرّهط الّذين كانوا يرحلون لي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الّذي كنت ركبت وهم يحسبون أنّي فيه، وكان النّساء إذ ذاك خفافًا لم يثقلهنّ اللّحم، إنّما يأكلن العلقة من الطّعام، فلم يستنكر القوم خفّة الهودج حين رفعوه، وكنت جاريةً حديثة السّنّ، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعدما استمرّ الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، فأممت منْزلي الّذي كنت به، وظننت أنّهم سيفقدوني فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسة في منْزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطّل السّلميّ ثمّ الذّكوانيّ من وراء الجيش، فأدلج فأصبح عند منْزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يرآني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمّرت وجهي بجلبابي، والله ما كلّمني كلمةً، ولا سمعت منه كلمةً غير استرجاعه، حتّى أناخ راحلته فوطئ على يديها فركبتها، فانطلق يقود بي الرّاحلة، حتّى أتينا الجيش بعدما نزلوا موغرين في نحر الظّهيرة، فهلك من هلك، وكان الّذي تولّى الإفك عبد الله بن أبيّ بن سلول.
فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهرًا، والنّاس يفيضون في قول أصحاب الإفك لا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أنّي لا أعرف من رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- اللّطف الّذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنّما يدخل عليّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فيسلّم ثمّ يقول: ((كيف تيكم)) ثمّ ينصرف، فذاك الّذي يريبني ولا أشعر بالشّرّ، حتّى خرجت بعدما نقهت فخرجت معي أمّ مسطح قبل المناصع، وهو متبرّزنا، وكنّا لا نخرج إلاّ ليلاً إلى ليل، وذلك قبل أن نتّخذ الكنف قريبًا من بيوتنا، وأمْرنا أمْر العرب
стр. 212
الأول في التّبرّز قبل الغائط، فكنّا نتأذّى بالكنف أن نتّخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأمّ مسطح وهي ابنة أبي رهم بن عبدمناف وأمّها بنت صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصّدّيق، وابنها مسطح بن أثاثة، فأقبلت أنا وأمّ مسطح قبل بيتي وقد فرغنا من شأننا، فعثرت أمّ مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح. فقلت لها: بئس ما قلت أتسبّين رجلاً شهد بدرًا. قالت: أي هنتاه أولم تسمعي ما قال؟ قالت: قلت: وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضًا على مرضي، فلمّا رجعت إلى بيتي ودخل عليّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تعني سلّم ثمّ قال: ((كيف تيكم؟)) فقلت: أتأذن لي أن آتي أبويّ. قالت: وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما. قالت: فأذن لي رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فجئت أبويّ فقلت لأمّي: يا أمّتاه ما يتحدّث النّاس؟ قالت: يا بنيّة هوّني عليك، فوالله لقلّما كانت امرأة قطّ وضيئة عند رجل يحبّها ولها ضرائر إلاّ كثّرن عليها، قالت: فقلت: سبحان الله أو لقد تحدّث النّاس بهذا. قالت: فبكيت تلك اللّيلة حتّى أصبحت لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، حتّى أصبحت أبكي.
فدعا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عليّ بن أبي طالب، وأسامة بن زيد ﵄ حين استلبث الوحي، يستأمرهما في فراق أهله. قالت: فأمّا أسامة بن زيد فأشار على رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالّذي يعلم من براءة أهله وبالّذي يعلم لهم في نفسه من الودّ. فقال: يا رسول الله أهلك ولا نعلم إلاّ خيرًا، وأمّا عليّ بن أبي طالب فقال: يا رسول الله لم يضيّق الله عليك والنّساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك. قالت: فدعا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بريرة فقال: ((أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك))؟ قالت بريرة: لا، والّذي بعثك بالحقّ
стр. 213
إن رأيت عليها أمرًا أغمصه عليها أكثر من أنّها جارية حديثة السّنّ تنام عن عجين أهلها، فتأتي الدّاجن فتأكله.
فقام رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فاستعذر يومئذ من عبد الله بن أبيّ بن سلول قالت: فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهو على المنبر: ((يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت على أهلي إلاّ خيرًا، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلاّ خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلاّ معي))، فقام سعد بن معاذ الأنصاريّ فقال: يا رسول الله أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سيّد الخزرج وكان قبل ذلك رجلاً صالحًا ولكن احتملته الحميّة، فقال لسعد: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله. فقام أسيد بن حضير وهو ابن عمّ سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنّه، فإنّك منافق تجادل عن المنافقين. فتساور الحيّان الأوس والخزرج حتّى همّوا أن يقتتلوا ورسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قائم على المنبر فلم يزل رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يخفّضهم حتّى سكتوا وسكت.
قالت: فمكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم. قالت: فأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويومًا لا أكتحل بنوم ولا يرقأ لي دمع يظنّان أنّ البكاء فالق كبدي. قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت عليّ امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي. قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فسلّم ثمّ جلس
стр. 214
قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني. قالت: فتشهّد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حين جلس ثمّ قال: ((أمّا بعد: يا عائشة فإنّه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئةً فسيبرّئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإنّ العبد إذا اعترف بذنبه ثمّ تاب إلى الله تاب الله عليه))، قالت: فلمّا قضى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مقالته قلص دمعي حتّى ما أحسّ منه قطرةً. فقلت لأبي: أجب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فيما قال. قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-! فقلت لأمّي: أجيبي رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. قالت: ما أدري ما أقول لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. قالت: فقلت وأنا جارية حديثة السّنّ لا أقرأ كثيرًا من القرآن: إنّي والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتّى استقرّ في أنفسكم وصدّقتم به، فلئن قلت لكم إنّي بريئة والله يعلم أنّي بريئة لا تصدّقونني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أنّي منه بريئة لتصدّقنّي، والله ما أجد لكم مثلاً إلاّ قول أبي يوسف قال: ﴿فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون (١)﴾ قالت: ثمّ تحوّلت فاضطجعت على فراشي، قالت: وأنا حينئذ أعلم أنّي بريئة، وأنّ الله مبرّئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظنّ أنّ الله منْزل في شأني وحيًا يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلّم الله فيّ بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في النّوم رؤيا يبرّئني الله بها.
قالت: فوالله ما رام رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ولا خرج أحد من أهل البيت حتّى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتّى إنّه ليتحدّر
стр. 215
منه مثل الجمان من العرق وهو في يوم شات من ثقل القول الّذي ينْزل عليه. قالت: فلمّا سرّي عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سرّي عنه وهو يضحك فكانت أوّل كلمة تكلّم بها: ((يا عائشة أمّا الله فقد برّأك)) فقالت أمّي: قومي إليه، قالت: فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلاّ الله ، وأنزل الله : ﴿إنّ الّذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه (١)﴾ العشر الآيات كلّها. فلمّا أنزل الله في براءتي قال أبوبكر الصّدّيق ﵁ وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد الّذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله: ﴿ولا يأتل أولو الفضل منكم والسّعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبّون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم (٢)﴾ قال أبوبكر: بلى والله إنّي أحبّ أن يغفر الله لي، فرجع إلى النّفقة الّتي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا. قالت عائشة: وكان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يسأل زينب بنت جحش عن أمري فقال: ((يا زينب ماذا علمت أو رأيت))؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، ما علمت إلاّ خيرًا. قالت: وهي الّتي كانت تساميني من أزواج رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فعصمها الله بالورع، وطفقت أختها حمنة تحارب لها، فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك. اهـ
آمنا بالله، وبكتاب الله، وبسنة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وكفرنا بقول الرافضة الزائغين الضالين.
стр. 216
مشابهتهم اليهود في تأخير الإفطار في الصوم
قال الإمام البخاري ﵀ (ج٤ ص١٩٦): حدّثنا الحميديّ، حدّثنا سفيان، حدّثنا هشام بن عروة، قال: سمعت أبي يقول: سمعت عاصم بن عمر بن الخطّاب، عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((إذا أقبل اللّيل من ههنا، وأدبر النّهار من ههنا، وغربت الشّمس، فقد أفطر الصّائم)).
حدّثنا إسحاق الواسطيّ، حدّثنا خالد، عن الشّيبانيّ، عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: كنّا مع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في سفر وهو صائم، فلمّا غربت الشّمس قال لبعض القوم: ((يا فلان قم فاجدح لنا)) فقال: يا رسول الله لو أمسيت، قال: ((انزل فاجدح لنا)). قال: يا رسول الله فلو أمسيت. قال: ((انزل فاجدح لنا)). قال: إنّ عليك نهارًا. قال: ((انزل فاجدح لنا)) فنزل فجدح لهم، فشرب النّبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ثمّ قال: ((إذا رأيتم اللّيل قد أقبل من ههنا فقد أفطر الصّائم)).
وقال البخاري ﵀ ص (١٩٨): باب تعجيل الإفطار.
حدّثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، أنّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: ((لا يزال النّاس بخير ما عجّلوا الفطر)).اهـ
قال الحافظ في ((الفتح)): قال ابن دقيق العيد: في هذا الحديث ردّ على الشيعة في تأخيرهم الفطر إلى ظهور النجوم، ولعل هذا هو السبب في وجود الخير بتعجيل الفطر، لأن الذي يؤخره يدخل في فعل خلاف السنة. اهـ
стр. 217
وقال أبواود ﵀ (ج٦ ص٤٨٠): حدّثنا وهب بن بقيّة، عن خالد، عن محمّد يعني ابن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النّبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: ((لا يزال الدّين ظاهرًا ما عجّل النّاس الفطر، لأنّ اليهود والنّصارى يؤخّرون)). اهـ
هذا حديث حسن.
وكما أن التأخير تشبّه باليهود، فهو تنطّع أيضًا.
قال الإمام مسلم ﵀ (ج٤ ص٢٠٥٥): حدّثنا أبوبكر بن أبي شيبة، حدّثنا حفص بن غياث، ويحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن سليمان بن عتيق، عن طلق بن حبيب، عن الأحنف بن قيس، عن عبد الله قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((هلك المتنطّعون)) قالها ثلاثًا.
стр. 218
مشابهتهم اليهود في استحلال أموال غيرهم
قال الله : ﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤدّه إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤدّه إليك إلا ما دمت عليه قائمًا ذلك بأنّهم قالوا ليس علينا في الأمّيّين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون (١)﴾. قال الحافظ ابن كثير: وقوله: ﴿ذلك بأنّهم قالوا ليس علينا في الأمّيّين سبيل﴾ أي: إنما حملهم على جحود الحق أنّهم يقولون: ليس علينا في ديننا حرج في أكل أموال الأميين وهم العرب، فإن الله قد أحلها لنا. قال الله تعالى: ﴿ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون﴾ أي: وقد اختلقوا هذه المقالة وائتفكوها بهذه الضلالة، فإن الله حرم عليهم أكل الأموال إلا بحقها، وإنما هم قوم بهت. اهـ المراد من ((تفسير الحافظ ابن كثير)).
وأنت إذا نظرت في سيرة هؤلاء المخذولين وجدتهم يستحلون مال القبيلي بالرشوة وفي الحروز والعزائم، وربما بكتابة الزور، وقد كان المهدي صاحب ((المواهب)) يرى أن اليمن إقطاع له فيما يزعم، لأنه طهّره من الأتراك وهم كفار، وقد أخبرت عن هاشميّ كان حاكمًا في (الصفراء) (٢) هو من بيت القاسم أنه كان يقول: مال القبيلي حلال. هكذا لا ورع ولا دين ولا خلق، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
стр. 219
مشابهتهم اليهود في التحريف
قال الله : ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثمّ يحرّفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون (١)﴾.
وقال : ﴿ومن الّذين هادوا سمّاعون للكذب سمّاعون لقوم ءاخرين لم يأتوك يحرّفون الكلم من بعد مواضعه (٢)﴾.
وتحريف الرافضة للقرآن ليس له حصر، وأذكر ما تيسر: ﴿إنّ الله يأمركم أن تذبحوا بقرةً﴾. قالوا: عائشة. (الجبت والطاغوت): أبوبكر وعمر. قرأت هذا في كتاب من كتب الإسماعيلية. قال الشوكاني في ((الفوائد المجموعة)): (ص٣١٧) وفي تفسيرهم: ﴿مرج البحرين﴾ بعلي وفاطمة ﴿اللؤلؤ والمرجان﴾ الحسنان. اهـ
وقد ذكر الرافضي الأثيم عبد الحسين في كتابه ((المراجعات المظلمة)) شيئًا من هذه التحريفات. فما أكثر جنايات الرافضة على شرع الله، وما أكثر خزعبلاتهم طهر الله بلاد المسلمين من تحريفاتهم الزائغة. آمين.
هذا، ومما ينبغي أن يعلم أن المشابهة لا تقتضي أن حكمهم حكم من شابهوه، ولكن تقتضي الذم إذا كانت مشابهة في الباطل، وربما وصل المتشبه إلى درجة المشتبه به، فقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال: ((من تشبّه
стр. 220
بقوم فهو منهم)). هذا إذا كان يرى أن التشبه أحسن من الإسلام أو مماثل له. وإما إذا كان يتشبه بأعداء الإسلام وهو جاهل فهذا الفعل محرم، والله أعلم وإني أنصح بقراءة كتاب ((اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم)) لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
هذا، ومن ظن أننا تجاوزنا الحد فليسأل الخميني: أجعفريّ أنت؟ فإن قال: نعم. رجع إلى كتب الملل والنحل ((كالفرق بين الفرق)) و ((الملل والنحل)) للشهرستاني، ولينظر في عقيدة الجعفرية، ويسأله: أإمامي أنت؟ فإذا قال: نعم. رجع إلى كتب الملل والنحل حتى ينظر عقيدة الإمامية. ويسأله: أاثنا عشري أنت؟ فإن قال: نعم، فليرجع إلى عقيدة الاثني عشرية، وليسأله عن زنادقة تحت ستار التشيع مثل عبد الله بن سبأ، ونصير الدين الطوسي، بل يسأله عن أبي لؤلؤة المجوسي الذي قتل عمر بن الخطاب ﵁ ولعن قاتله، وليسأله عن كتبهم التي تقول إن قرآننا ناقص، أيعتقد أنّها كتب إسلامية وليسأله ما عنى بقوله: إن لأئمتنا منْزلة لا يبلغها نبيّ مرسل، ولا ملك مقرب، ويطلب منه الجواب من إذاعة طهران باللغة العربية وباللغة الفارسية، فإنه سيبقى في حيرة، إن قال يستعمل تقيتهم التي هي النفاق فسيغضب عليه الروافض، وإن صرح بما عنده علمت عقيدته الخبيثة.
ولك حق أيها السني أن تسأل، فهذا الأعرابي يأتي رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فيقول: يا محمد إني سائلك فمشدد عليك في المسألة فلا تجد عليّ في نفسك، فيقول له الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((سل عمّا بدا لك)). رواه البخاري.
стр. 221
فصل في فضائل الصحابة
ولما كان القوم يطعنون في صحابة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بل يكفرونهم إلا النادر منهم، رأيت أن أعقد فصلاً في فضل الصحابة رضوان الله عليهم لبيان منْزلتهم الرفيعة عند الله، ومالهم من المواقف الحسنة، والصبر على الشدائد، والاستسلام لشرع الله ﵏، وقد كنت كتبت في ((إرشاد ذوي الفطن لإبعاد غلاة الروافض من اليمن)) كتابة أوسع من هذا، ولكني رأيت أن لا أخلي هذا الكتاب عن الدفاع عن الصحابة الكرام ﵃، إذ هم نقلة الدين وحملته، والطعن فيهم طعن في الدين، ومما ينبغي أن يعلم أن أحسن كتاب ألف في فضائل الصحابة ﵃ هو ((الإصابة في معرفة الصحابة)) للحافظ ابن حجر، وأما ((حياة الصحابة)) و ((ذخائر العقبى في فضائل ذوى القربى)) و ((الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة)) و ((در السحابة في فضل القرابة والصحابة)) و ((رجال حول الرسول)) فإنّها جمعت الصحيح والضعيف والموضوع، والأحاديث الموضوعة في فضل الصحابة على العموم والتفصيل، وكذا في فضل أهل البيت ليس لها حد، لذلك رأيت إن مد الله في العمر أن أكتب في الصحيح المسند (١)، والله الموفق وإليه المرجع والمآب.
стр. 222
١) قال الله : ﴿وكذلك جعلناكم أمّةً وسطًا لتكونوا شهداء على النّاس ويكون الرّسول عليكم شهيدًا (١)﴾.
ومعنى وسطًا: عدولاً، كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الذي في الصحيح.
٢) وقال تعالى: ﴿كنتم خير أمّة أخرجت للنّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله (٢)﴾.
هاتان الآيتان وإن كانتا تشملان الأمة كلها، فإن الصحابة داخلون في هذا دخولاً أوليًّا لأنّهم المخاطبون بهذا.
قال الإمام أبو بكر بن أبي شيبة (ج١٢ ص١٥٥): حدّثنا عبد الرّحيم بن سليمان، عن إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس: ﴿كنتم خير أمّة أخرجت للنّاس﴾ قال الّذين هاجروا مع محمّد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى المدينة.
وسنده حسن.
٣) وقال تعالى: ﴿والسّابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار والّذين اتّبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعدّ لهم جنّات تجري تحتها الأنْهار خالدين فيها أبدًا ذلك الفوز العظيم (٣)﴾.
٤) وقال تعالى: ﴿لقد تاب الله على النّبيّ والمهاجرين والأنصار
стр. 223
الّذين اتّبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثمّ تاب عليهم إنّه بهم رءوف رحيم (١)﴾.
٥) وقال تعالى: ﴿محمّد رسول الله والّذين معه أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم تراهم ركّعًا سجّدًا يبتغون فضلاً من الله ورضوانًا سيماهم في وجوههم من أثر السّجود ذلك مثلهم في التّوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزّرّاع ليغيظ بهم الكفّار وعد الله الّذين ءامنوا وعملوا الصّالحات منهم مغفرةً وأجرًا عظيمًا (٢)﴾.
٦) وقال تعالى: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجةً من الّذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاًّ وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير (٣)﴾. فقوله: ﴿وكلاًّ وعد الله الحسنى﴾ يشمل جميع صحابة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ورضي عنهم أجمعين.
٧) وقال تعالى: ﴿والّذين ءامنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والّذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقًّا لهم مغفرة ورزق كريم (٤)﴾.
٨) وقال تعالى: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلاً (٥)﴾.
٩) وقال : ﴿للفقراء المهاجرين الّذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضوانًا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصّادقون
стр. 224
والّذين تبوّءوا الدّار والإيمان من قبلهم يحبّون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجةً ممّا أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون ? والّذين جاءوا من بعدهم يقولون ربّنا اغفر لنا ولإخواننا الّذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاًّ للّذين ءامنوا ربّنا إنّك رءوف رحيم (١)﴾.
قال الإمام الشوكاني ﵀ في تفسيره ((فتح القدير)) (ج٥ ص٢٠٢) في الكلام على قوله تعالى: ﴿ولا تجعل في قلوبنا غلاًّ للّذين ءامنوا﴾: أي غشًّا وبغضًا وحسدًا، أمرهم الله سبحانه بعد الاستغفار للمهاجرين والأنصار أن يطلبوا من الله سبحانه أن ينْزع من قلوبهم الغل للذين آمنوا على الإطلاق فيدخل في ذلك الصحابة دخولاً أوليًّا لكونهم أشرف المؤمنين، ولكن السياق فيهم فمن لم يستغفر للصحابة على العموم ويطلب رضوان الله لهم، فقد خالف ما أمره الله به في هذه الآية، فإن وجد في قلبه غلاً لهم فقد أصابه نزغ من الشيطان، وحل به نصيب وافر من عصيان الله بعداوة أوليائه، وخير أمة نبيه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وانفتح له باب من الخذلان يفد به على نار جهنم إن لم يتدارك نفسه باللجوء إلى الله سبحانه، والاستغاثة به بأن ينْزع عن قلبه ما طرقه من الغل لخير القرون، وأشرف هذه الأمة، فإن جاوز ما يجده من الغل إلى شتم أحد منهم فقد انقاد للشيطان بزمام، ووقع في غضب الله وسخطه، وهذا الداء العضال إنما يصاب به من ابتلي بمعلم من الرافضة، أو صاحب من أعداء خير الأمة الذين تلاعب بهم الشيطان
стр. 225
وزين لهم الأكاذيب المختلقة والأقاصيص المفتراه، والخرافات الموضوعة، وصرفهم عن كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وعن سنة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- المنقولة إلينا بروايات الأئمة الأكابر في كل عصر من العصور، فاشتروا الضلالة بالهدى واستبدلوا الخسران العظيم بالربح الوافر، وما زال الشيطان الرجيم ينقلهم من منْزلة إلى منْزلة، ومن رتبة إلى رتبة، حتى صاروا أعداء كتاب الله، وسنة رسوله وخير أمته وصالحي عباده وسائر المؤمنين، وأهملوا فرائض الله، وهجروا شعائر الدين، وسعوا في كيد الإسلام وأهله بكل حجر ومدر، والله من ورائهم محيط. اهـ
وقال الحافظ ابن كثير ﵀ في ((تفسيره)) بعد هؤلاء الآيات: وما أحسن ما استنبط الإمام مالك ﵀ من هذه الآية الكريمة أن الرافضي الذى يسب الصحابة ليس له في مال الفيء نصيب لعدم اتصافه بما مدح الله به هؤلاء في قولهم: ﴿ربّنا اغفر لنا ولإخواننا الّذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاًّ للّذين ءامنوا ربّنا إنّك رءوف رحيم﴾.
وأما الأحاديث في فضائلهم:
- قال الإمام البخاري ﵀ (ج٧ ص٣): حدّثنا عليّ بن عبد الله، حدّثنا سفيان، عن عمرو. قال: سمعت جابر بن عبد الله ﵄ يقول: حدّثنا أبوسعيد الخدريّ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((يأتي على النّاس زمان فيغزو فئام من النّاس فيقولون: فيكم من صاحب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثمّ يأتي على النّاس زمان فيغزو فئام من النّاس فيقال: هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؟ فيقولون: نعم.
стр. 226
فيفتح لهم، ثمّ يأتي على النّاس زمان فيغزو فئام من النّاس. فيقال: هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم)).
أخرجه مسلم (ج١٦ ص٨٣).
- وقال الإمام مسلم ﵀ (ج١٦ ص٨٤): حدّثني سعيد بن يحيى ابن سعيد الأمويّ، حدّثنا أبي، حدّثنا ابن جريج، عن أبي الزّبير، عن جابر. قال: زعم أبوسعيد الخدريّ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((يأتي على النّاس زمان يبعث منهم البعث فيقولون: انظروا هل تجدون فيكم أحدًا من أصحاب النّبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فيوجد الرّجل فيفتح لهم به، ثمّ يبعث البعث الثّاني فيقولون: هل فيهم من رأى أصحاب النّبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؟ فيفتح لهم به، ثمّ يبعث البعث الثّالث فيقال: انظروا هل ترون فيهم من رأى من رأى أصحاب النّبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؟ ثمّ يكون البعث الرّابع فيقال: انظروا هل ترون فيهم أحدًا رأى من رأى أحدًا رأى أصحاب النّبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؟ فيوجد الرّجل، فيفتح لهم به)).
قال البخاري ﵀ (ج٨ ص٣): حدّثني إسحاق، حدّثنا النّضر، أخبرنا شعبة، عن أبي جمرة، سمعت زهدم بن مضرّب، سمعت عمران بن حصين ﵄ يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((خير أمّتي قرني، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ الّذين يلونهم)) قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثًا ((ثمّ إنّ بعدكم قومًا يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السّمن)). اهـ
стр. 227
أخرجه مسلم (ج١٦ ص٨٧). وأبوداود (ج١٢ ص٤٠٩).
- قال البخاري ﵀ (ج٧ ص٣): حدّثنا محمّد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله ﵁، عن النّبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: ((خير النّاس قرني، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته)). قال إبراهيم: وكانوا يضربوننا على الشّهادة والعهد ونحن صغار. اهـ
أخرجه مسلم (ج١٦ ص٨٤ و٨٥) والترمذي (ج١٠ ص٣٦١)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
- قال الإمام مسلم ﵀ (ج١٦ ص٨٦): حدّثني يعقوب بن إبراهيم، حدّثنا هشيم، عن أبي بشر (ح) وحدّثني إسماعيل بن سالم، أخبرنا هشيم، أخبرنا أبوبشر، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((خير أمّتي القرن الّذين بعثت فيهم، ثمّ الّذين يلونهم))، والله أعلم أذكر الثّالث أم لا؟ قال: ((ثمّ يخلف قوم يحبّون السّمانة، يشهدون قبل أن يستشهدوا)).
- قال الإمام مسلم ﵀ (ج١٦ ص٨٩): حدّثنا أبوبكر بن أبي شيبة، وشجاع بن مخلد، واللّفظ لأبي بكر. قالا: حدّثنا حسين وهو ابن عليّ الجعفيّ، عن زائدة، عن السّدّيّ، عن عبد الله البهيّ، عن عائشة قالت: سأل رجل النّبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أيّ النّاس خير؟ قال: ((القرن الّذي أنا فيه، ثمّ الثّاني، ثمّ الثّالث)). اهـ
انتقد الدارقطني هذا الحديث على مسلم وقال: والبهي إنما روى عن عروة عن
стр. 228
عائشة، والله أعلم.
ولكن البخاري قد أثبت سماعه، والمثبت مقدم على النافي.
قال الإمام أحمد ﵀ (ج٤ ص٢٦٧): حدّثنا هاشم. قال: حدّثنا شيبان، عن عاصم، عن خيثمة والشّعبيّ، عن النّعمان بن بشير قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((خير النّاس قرني، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ يأتي قوم تسبق أيمانهم شهادتهم، وشهادتهم أيمانهم)).
حدّثنا حسن ويونس، قالا: حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن خيثمة بن عبد الرّحمن، عن النّعمان بن بشير، أنّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: ((خير هذه الأمّة القرن الّذين بعثت فيهم، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ الّذين يلونهم)). قال حسن: ((ثمّ ينشأ أقوام تسبق أيمانهم شهادتهم، وشهادتهم أيمانهم)).
وأخرجه ص (٢٧٧) من حديث أبي بكر بن عياش عن عاصم به.
هذا حديث حسن، وأخرجه ابن أبي شيبة (ج١٢ ص١٧٧) من حديث حسين بن علي، عن زائدة، عن عاصم، عن خيثمة به.
وقال البزار كما في ((كشف الأستار)) (ج٣ ص٢٩٠): لا نعلم أحدًا جمع بين الشعبي وخيثمة إلا شيبان. وقد ذكره البزار من حديث زائدة، ومن حديث ورقاء، كلاهما عن عاصم، فعلى هذا يكون شيبان قد خالف حماد بن سلمة وأبا بكر بن عياش عند أحمد كما تقدم، وزائدة وورقاء عند البزار، فيكون ذكر الشعبي شاذًا، والله أعلم.
- قال الإمام مسلم ﵀ (ج١٦ ص٨٢): حدّثنا أبوبكر بن أبي شيبة، وإسحق بن إبراهيم، وعبد الله بن عمر بن أبان، كلّهم عن حسين.
стр. 229
قال أبوبكر: حدّثنا حسين بن عليّ الجعفيّ، عن مجمّع بن يحيى، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبي بردة، عن أبيه، قال: صلّينا المغرب مع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ثمّ قلنا: لو جلسنا حتّى نصلّي معه العشاء. قال: فجلسنا فخرج علينا، فقال: ((ما زلتم ههنا))؟ قلنا: يا رسول الله صلّينا معك المغرب ثمّ قلنا: نجلس حتّى نصلّي معك العشاء. قال: ((أحسنتم، أو أصبتم)). قال: فرفع رأسه إلى السّماء وكان كثيرًا ممّا يرفع رأسه إلى السّماء فقال: ((النّجوم أمنة للسّماء، فإذا ذهبت النّجوم أتى السّماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمّتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمّتي ما يوعدون)).
قال الإمام أبو بكر بن أبي شيبة ﵀ (ج١٢ ص١٧٨): حدّثنا زيد بن الحباب. قال: ثنا عبد الله بن العلاء أبوزبر (١) الدّمشقيّ. قال: ثنا عبد الله ابن عامر، عن واثلة بن الأسقع. قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((لا تزالون بخير ما دام فيكم من رآني وصاحبني، والله لا تزالون بخير ما دام فيكم من رأى من رآني وصاحب من صاحبني)).
هذا حديث حسن رجاله رجال الصحيح.
قال الإمام أحمد ﵀ (ج١ ص٣٧٩): حدّثنا أبوبكر، حدّثنا عاصم، عن زرّ بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود قال: إنّ الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمّد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته، ثمّ نظر في قلوب العباد بعد قلب محمّد، فوجد قلوب
стр. 230
أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيّه، يقاتلون على دينه، فما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوه سيّئًا فهو عند الله سيّئ.
وهذا موقوف على عبد الله بن مسعود، وسنده حسن، وليس فيه حجة للمبتدعة الذين يجعلون بعض البدع حسنة لأمرين، الأول: أنه موقوف على عبد الله والموقوف ليس بحجة، الأمر الثاني: أن مراد عبد الله المسلمون الكمّل وهم لا يستحسنون تشريعًا من قبلهم، لعلمهم أن الله قد أكمل الدين كما قال تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا (١)﴾. وقوله تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدّين ما لم يأذن به الله (٢)﴾. وفتح باب الاستحسان أدى إلى التنافر والاختلاف والفرقة، فهذا يستحسن ما ينكره هذا، ولو كان الاستحسان شرعًا لأتى به كتاب أو سنة: ﴿وما كان ربّك نسيًّا (٣)﴾.
стр. 231
فضل من شهد بدرًا
قال الله : ﴿إذ تستغيثون ربّكم فاستجاب لكم أنّي ممدّكم بألف من الملائكة مردفين ? وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئنّ به قلوبكم وما النّصر إلا من عند الله إنّ الله عزيز حكيم ? إذ يغشّيكم النّعاس أمنةً منه وينزّل عليكم من السّماء ماءً ليطهّركم به ويذهب عنكم رجز الشّيطان وليربط على قلوبكم ويثبّت به الأقدام ? إذ يوحي ربّك إلى الملائكة أنّي معكم فثبّتوا الّذين ءامنوا سألقي في قلوب الّذين كفروا الرّعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كلّ بنان ? ذلك بأنّهم شاقّوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإنّ الله شديد العقاب﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فلم تقتلوهم ولكنّ الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكنّ الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاءً حسنًا إنّ الله سميع عليم ? ذلكم وأنّ الله موهن كيد الكافرين (١)﴾.
قال البخاري ﵀ (ج٧ ص٣٠٤): حدّثني إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الله بن إدريس. قال: سمعت حصين بن عبد الرّحمن، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرّحمن السّلميّ، عن عليّ ﵁ قال: بعثني رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأبا مرثد والزّبير، وكلّنا فارس، قال انطلقوا حتّى تأتوا روضة
стр. 232
خاخ، فإنّ بها امرأةً من المشركين، معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين، فأدركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فقلنا: الكتاب؟ فقالت: ما معنا كتاب. فأنخناها فالتمسنا فلم نر كتابًا. فقلنا: ما كذب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لتخرجنّ الكتاب أو لنجرّدنّك، فلمّا رأت الجدّ أهوت إلى حجزتها وهي محتجزة بكساء، فأخرجته، فانطلقنا بها إلى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. فقال عمر: يا رسول الله قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه. فقال النّبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((ما حملك على ما صنعت))؟ قال حاطب: والله ما بي أن لا أكون مؤمنًا بالله ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أردت أن تكون لي عند القوم يد، يدفع الله بها عن أهلي ومالي، وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله. فقال النّبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((صدق، ولا تقولوا له إلا خيرًا)). فقال عمر: إنّه قد خان الله والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه؟ فقال: ((أليس من أهل بدر، فقال: لعلّ الله اطّلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنّة، أو فقد غفرت لكم)) فدمعت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم.
قال الإمام أبوبكر بن أبي شيبة ﵀ (ج٢ ص١٥٥): حدّثنا يزيد بن هارون، عن حمّاد بن سلمة، عن عاصم بن أبي النّجود، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((إنّ الله ﵎ اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)).
هذا حديث حسن، وأخرجه الإمام أحمد (ج٢ ص٢٩٥) من حديث يزيد بن هارون به، وأبوداود (ج٥ ص٤٢) طبعة حمص.
стр. 233
قال البخاري ﵀ (ج٧ ص٣١١): حدّثني إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جرير، عن يحيى بن سعيد، عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزّرقيّ، عن أبيه وكان أبوه من أهل بدر. قال: جاء جبريل إلى النّبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فقال: ما تعدّون أهل بدر فيكم؟ قال: ((من أفضل المسلمين)) -أو كلمةً نحوها- قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة.
حدّثنا سليمان بن حرب، حدّثنا حمّاد، عن يحيى، عن معاذ بن رفاعة ابن رافع، وكان رفاعة من أهل بدر، وكان رافع من أهل العقبة، فكان يقول لابنه: ما يسرّني أنّي شهدت بدرًا بالعقبة. قال: سأل جبريل النّبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بهذا.
حدّثنا إسحاق بن منصور، أخبرنا يزيد، أخبرنا يحيى، سمع معاذ بن رفاعة، أنّ ملكًا سأل النّبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نحوه.
وعن يحيى أنّ يزيد بن الهاد أخبره أنّه كان معه يوم حدّثه معاذ هذا الحديث. فقال يزيد: فقال معاذ: إنّ السّائل هو جبريل ﵇.
هذا الحديث من الأحاديث التي انتقدها الحافظ الدارقطني وتم الانتقاد كما في ((التتبع)) ص (٢٦٧ و٢٦٨) ولكن له شاهد. قال الإمام أحمد ﵀ (ج٣ ص ٤٦٥): حدّثنا وكيع، حدّثنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن عباية ابن رفاعة، عن جدّه رافع بن خديج. قال: إنّ جبريل أو ملكًا جاء إلى النّبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فقال: ما تعدّون من شهد بدرًا فيكم؟ قالوا: ((خيارنا)) قال: كذلك هم عندنا خيارنا من الملائكة.
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.
وأخرجه ابن ماجة (ج١ ص٥٦).
стр. 234
فضل أهل بيعة الشجرة
قال الله : ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشّجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السّكينة عليهم وأثابهم فتحًا قريبًا? ومغانم كثيرةً يأخذونها وكان الله عزيزًا حكيمًا (١)﴾.
قال الإمام مسلم ﵀ (ج١٦ ص٥٧): حدّثني هارون بن عبد الله، حدّثنا حجّاج بن محمّد. قال: قال ابن جريج: أخبرني أبوالزّبير، أنّه سمع جابر بن عبد الله يقول: أخبرتني أمّ مبشّر أنّها سمعت النّبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول عند حفصة: ((لا يدخل النّار إن شاء الله من أصحاب الشّجرة أحد، الّذين بايعوا تحتها)) قالت: بلى يا رسول الله، فانتهرها. فقالت حفصة: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ فقال النّبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد قال الله : ﴿ثمّ ننجّي الّذين اتّقوا ونذر الظّالمين فيها جثيًّا﴾.
قال الإمام مسلم ﵀ (ج١٦ ص٥٧): حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا ليث (ح) وحدّثنا محمّد بن رمح، أخبرنا اللّيث، عن أبي الزّبير، عن جابر، أنّ عبدًا لحاطب جاء رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يشكو حاطبًا فقال: يا رسول الله ليدخلنّ حاطب النّار. فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((كذبت لا يدخلها،
стр. 235
فإنّه شهد بدرًا والحديبية)).
قال الإمام مسلم ﵀ (ج٣ ص٤٨٤): حدّثنا سعيد بن عمرو الأشعثيّ، وسويد بن سعيد، وإسحق بن إبراهيم، وأحمد بن عبدة، واللّفظ لسعيد. قال سعيد وإسحق: أخبرنا. وقال الآخران: حدّثنا سفيان، عن عمرو، عن جابر. قال: كنّا يوم الحديبية ألفًا وأربع مائة فقال لنا النّبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((أنتم اليوم خير أهل الأرض)).
وقال جابر: لو كنت أبصر لأريتكم موضع الشّجرة. اهـ
стр. 236
فضل المهاجرين ﵃
قد ذكرت آيات قبل، وكان المهاجرون ﵃ هم المقدمين، وهذا دليل على علو منْزلتهم ﵃، وقال الله : ﴿ثمّ إنّ ربّك للّذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثمّ جاهدوا وصبروا إنّ ربّك من بعدها لغفور رحيم (١)﴾.
وقال : ﴿أذن للّذين يقاتلون بأنّهم ظلموا وإنّ الله على نصرهم لقدير? الّذين أخرجوا من ديارهم بغير حقّ إلا أن يقولوا ربّنا الله ولولا دفع الله النّاس بعضهم ببعض لهدّمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا ولينصرنّ الله من ينصره إنّ الله لقويّ عزيز (٢)﴾.
وقال : ﴿والّذين هاجروا في سبيل الله ثمّ قتلوا أو ماتوا ليرزقنّهم الله رزقًا حسنًا وإنّ الله لهو خير الرّازقين? ليدخلنّهم مدخلاً يرضونه وإنّ الله لعليم حليم? ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثمّ بغي عليه لينصرنّه الله إنّ الله لعفوّ غفور (٣)﴾.
وقال : ﴿فاستجاب لهم ربّهم أنّي لا أضيع عمل عامل
стр. 237
منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالّذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفّرنّ عنهم سيّئاتهم ولأدخلنّهم جنّات تجري من تحتها الأنْهار ثوابًا من عند الله والله عنده حسن الثّواب (١)﴾.
وقال تعالى: ﴿إنّ الّذين ءامنوا والّذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم (٢)﴾.
ويدخل في هذا الباب الحديث الذي رواه مسلم من حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو: ((يؤمّ القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً فأعلمهم بالسّنّة، فإن كانوا في السّنّة سواءً فأقدمهم هجرةً)) الحديث.
стр. 238
فضل الأنصار ﵃
قال البخاري ﵀ (ج٧ ص١١٤): حدّثنا يعقوب بن إبراهيم بن كثير، حدّثنا بهز بن أسد، حدّثنا شعبة. قال: أخبرني هشام بن زيد. قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ قال: جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ومعها صبيّ لها فكلّمها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فقال: ((والّذي نفسي بيده إنّكم أحبّ النّاس إليّ)) مرّتين.
قال البخاري ﵀ (ج٧ ص١١٣): حدّثنا أبومعمر، حدّثنا عبد الوارث، حدّثنا عبد العزيز، عن أنس ﵁ قال: رأى النّبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- النّساء والصّبيان مقبلين قال: حسبت أنّه قال من عرس فقام النّبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ممثلاً فقال: ((اللهمّ أنتم من أحبّ النّاس إليّ)) قالها ثلاث مرار.
قال البخاري ﵀ (ج٧ ص١١٨): حدّثنا آدم، حدّثنا شعبة، حدّثنا أبوإياس معاوية بن قرّة، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((لا عيش إلا عيش الآخرة، فأصلح الأنصار والمهاجرة)).
وعن قتادة، عن أنس، عن النّبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مثله، وقال: ((فاغفر للأنصار)).
حدّثنا آدم، حدّثنا شعبة، عن حميد الطّويل، سمعت أنس بن مالك ﵁ قال: كانت الأنصار يوم الخندق تقول:
стр. 239
نحن الّذين بايعوا محمّدا ... على الجهاد ما حيينا أبدا
فأجابهم:
اللهمّ لا عيش إلا عيش الآخرة ... فأكرم الأنصار والمهاجرة
قال الإمام البخاري ﵀ (ج٧ ص١١٠): حدّثنا أبوالوليد، حدّثنا شعبة، عن أبي التّيّاح. قال: سمعت أنسًا ﵁ يقول: قالت الأنصار يوم فتح مكّة -وأعطى قريشًا-: والله إنّ هذا لهو العجب، إنّ سيوفنا تقطر من دماء قريش، وغنائمنا تردّ عليهم. فبلغ ذلك النّبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فدعا الأنصار قال: فقال: ((ما الّذي بلغني عنكم))؟ وكانوا لا يكذبون. فقالوا: هو الّذي بلغك. قال: ((أولا ترضون أن يرجع النّاس بالغنائم إلى بيوتهم، وترجعون برسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى بيوتكم، لو سلكت الأنصار واديًا أو شعبًا لسلكت وادي الأنصار أو شعبهم)).
قال البخاري ﵀ (ج٧ ص١١٣): حدّثنا مسلم بن إبراهيم، حدّثنا شعبة، عن عبد الله بن عبد الله بن جبر، عن أنس بن مالك ﵁، عن النّبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: ((آية الإيمان حبّ الأنصار، وآية النّفاق بغض الأنصار)).
قال الإمام أحمد ﵀ (ج٣ ص٧٠): حدّثنا حسن بن موسى، حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن أفلح الأنصاريّ، عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((حبّ الأنصار إيمان، وبغضهم نفاق)).
هذا حديث صحيح ورجاله رجال الصحيح، إلا أفلح مولى أبي أيوب،
стр. 240
وقد وثقه ابن سعد.
قال الإمام أحمد ﵀ (ج١ ص٣٠٩): حدّثنا عبد الرّحمن، عن سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، عن النّبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله ورسوله، أو إلا أبغضه الله ورسوله)).
الحديث أخرجه الترمذي (ج١٠ ص٤٠٨) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
قال الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ (ج١ ص٨٦): حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا يعقوب يعني ابن عبد الرّحمن القاريّ، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: ((لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر)).
وحدّثنا عثمان بن محمّد بن أبي شيبة، حدّثنا جرير (ح) وحدّثنا أبوبكر ابن أبي شيبة، حدّثنا أبوأسامة، كلاهما عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر)).
قال الإمام أحمد ﵀ (ج٣ ص٥٠٠): حدّثنا أبواليمان. قال: أخبرنا شعيب، عن الزّهريّ. قال: أخبرني عبد الله بن كعب بن مالك وهو أحد الثّلاثة الّذين تيب عليهم أنّه أخبره بعض أصحاب النّبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنّ النّبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خرج يومًا عاصبًا رأسه فقال في خطبته: ((أمّا بعد: يا معشر المهاجرين فإنّكم قد أصبحتم تزيدون، وأصبحت الأنصار لا تزيد على هيئتها الّتي هي عليها اليوم، وإنّ الأنصار عيبتي الّتي أويت إليها، فأكرموا كريمهم، وتجاوزوا عن مسيئهم)).
стр. 241
هذا حديث صحيح رجاله رجال الصحيح.
قال الإمام أحمد ﵀ (ج٤ ص٩٦): حدّثنا يزيد بن هارون. قال: حدّثنا يحيى بن سعيد، أنّ سعد بن إبراهيم أخبره عن الحكم بن ميناء أنّ يزيد ابن جارية الأنصاريّ أخبره أنّه كان جالسًا في نفر من الأنصار فخرج عليهم معاوية فسألهم عن حديثهم فقالوا: كنّا في حديث من حديث الأنصار فقال معاوية: ألا أزيدكم حديثًا سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين. قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: ((من أحبّ الأنصار، أحبّه الله ، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله ).
هذا حديث صحيح رجاله رجال الصحيح، إلا يزيد بن جارية، وقد قال الدارقطني: له صحبة، ووثقه النسائي بناءً على أنه تابعي، والله أعلم.
قال البخاري ﵀ (ج٧ ص١١٢): حدّثني محمّد بن بشّار، حدّثنا غندر، حدّثنا شعبة، عن محمّد بن زياد، عن أبي هريرة ﵁، عن النّبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أو قال أبوالقاسم -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((لو أنّ الأنصار سلكوا واديًا أو شعبًا، لسلكت في وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار)) فقال أبوهريرة: ما ظلم بأبي وأمّي، آووه ونصروه، أو كلمةً أخرى.
قال البخاري ﵀ (ج٧ ص١١٣): حدّثنا حجّاج بن منهال، حدّثنا شعبة. قال: أخبرني عديّ بن ثابت. قال: سمعت البراء ﵁ قال: سمعت النّبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. أو قال: قال النّبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((الأنصار لا يحبّهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبّهم أحبّه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله)).
стр. 242
قال البخاري ﵀ (ج٧ ص١١٨): حدّثني محمّد بن عبيد الله، حدّثنا ابن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل. قال: جاءنا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ونحن نحفر الخندق وننقل التّراب على أكتادنا (١). فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((اللهمّ لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للمهاجرين والأنصار)).
قال مسلم ﵀ (ج٢ ص٧٣٨): حدّثنا سريج بن يونس، حدّثنا إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن يحيى بن عمارة، عن عبّاد بن تميم، عن عبد الله بن زيد، أنّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لمّا فتح حنينًا قسم الغنائم فأعطى المؤلّفة قلوبهم، فبلغه أنّ الأنصار يحبّون أن يصيبوا ما أصاب النّاس، فقام رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فخطبهم فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: ((يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي؟ وعالةً فأغناكم الله بي؟ ومتفرّقين فجمعكم الله بي))؟ ويقولون: الله ورسوله أمنّ. فقال: ((ألا تجيبوني))؟ فقالوا: الله ورسوله أمنّ. فقال: ((أما إنّكم لو شئتم أن تقولوا كذا وكذا، وكان من الأمر كذا وكذا)) لأشياء عدّدها، زعم عمرو أن لا يحفظها. فقال: ((ألا ترضون أن يذهب النّاس بالشّاء والإبل، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم، الأنصار شعار، والنّاس دثار، ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك النّاس واديًا وشعبًا لسلكت وادي الأنصار وشعبهم، إنّكم ستلقون بعدي أثرةً فاصبروا حتّى تلقوني على الحوض)).
قال البخاري ﵀ (ج٧ ص١٢١): حدّثنا أحمد بن يعقوب، حدّثنا ابن الغسيل، سمعت عكرمة يقول: سمعت ابن عبّاس ﵄ يقول:
стр. 243
خرج رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وعليه ملحفة متعطّفًا بها على منكبيه، وعليه عصابة دسماء، حتّى جلس على المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: ((أمّا بعد: أيّها النّاس فإنّ النّاس يكثرون، وتقلّ الأنصار حتّى يكونوا كالملح في الطّعام، فمن ولي منكم أمرًا يضرّ فيه أحدًا أو ينفعه فليقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم)).
قال الإمام أحمد ﵀ (ج٢ ص٥٢٧): حدّثنا محمّد بن عبيد، عن محمّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((من أحبّ الأنصار أحبّه الله، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله)).
هذا حديث حسن.
стр. 244
فصل في فضائل مشتركة وخاصة بين الصحابة (١)
تنافسهم في الخير
قال الإمام البخاري ﵀ (ج٦ ص٢٤٦): حدّثنا مسدّد، حدّثنا يوسف بن الماجشون، عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرّحمن بن عوف، عن أبيه، عن جدّه. قال: بينا أنا واقف في الصّفّ يوم بدر فنظرت عن يميني وشمالي، فإذا أنا بغلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، تمنّيت أن أكون بين أضلع منهما فغمزني أحدهما فقال: يا عمّ هل تعرف أبا جهل. قلت: نعم ما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أخبرت أنّه يسبّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- والّذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتّى يموت الأعجل منّا، فتعجّبت لذلك فغمزني الآخر. فقال لي مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في النّاس. فقلت: ألا إنّ هذا صاحبكما الّذي سألتماني، فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتّى قتلاه، ثمّ انصرفا إلى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-فأخبراه، فقال: ((أيّكما قتله))؟ قال كلّ واحد منهما: أنا قتلته. فقال: ((هل مسحتما سيفيكما))؟ قالا: لا، فنظر في السّيفين فقال: ((كلاكما قتله، سلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح))، وكانا معاذ بن عفراء ومعاذ بن عمرو بن الجموح.
стр. 245
قال الإمام البخاري ﵀ (ج٧ ص٧٠): حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا عبد العزيز، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد ﵁، أنّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-قال: ((لأعطينّ الرّاية غدًا رجلاً يفتح الله على يديه)) قال: فبات النّاس يدوكون ليلتهم أيّهم يعطاها، فلمّا أصبح النّاس غدوا على رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-كلّهم يرجو أن يعطاها. فقال: ((أين عليّ بن أبي طالب))؟ فقالوا: يشتكي عينيه يا رسول الله. قال: ((فأرسلوا إليه فأتوني به)) فلمّا جاء بصق في عينيه ودعا له فبرأ، حتّى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الرّاية. فقال عليّ: يا رسول الله أقاتلهم حتّى يكونوا مثلنا؟ فقال: ((انفذ على رسلك حتّى تنْزل بساحتهم، ثمّ ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حقّ الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من أن يكون لك حمر النّعم)).
قال أبوداود ﵀ (ج٥ ص٩٤): حدّثنا أحمد بن صالح، وعثمان بن أبي شيبة، وهذا حديثه قالا: حدّثنا الفضل بن دكين، حدّثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه. قال: سمعت عمر بن الخطّاب ﵁ يقول: أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يومًا أن نتصدّق فوافق ذلك مالا عندي. فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا، فجئته بنصف مالي، فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((ما أبقيت لأهلك))؟ فقلت: مثله. قال: وأتى أبوبكر ﵁ بكلّ ما عنده، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((ما أبقيت لأهلك))؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله. قلت: لا أسابقك إلى شيء أبدًا.
стр. 246
صبرهم على مواجهة الأعداء
قال البخاري ﵀ (ج٧ ص٣٥٤): حدّثنا عبد الله بن محمّد، حدّثنا سفيان، عن عمرو، سمع جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رجل للنّبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يوم أحد: أرأيت إن قتلت، فأين أنا؟ قال: ((في الجنّة)) فألقى تمرات في يده، ثمّ قاتل حتّى قتل.
قال البخاري ﵀ (ج٧ ص٤١٧): حدّثنا محمّد بن العلاء، حدّثنا أبوأسامة، عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة، عن أبي بردة، عن أبي موسى ﵁ قال: خرجنا مع النّبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في غزاة ونحن ستّة نفر، بيننا بعير نعتقبه، فنقبت أقدامنا ونقبت قدماي وسقطت أظفاري، فكنّا نلفّ على أرجلنا الخرق، فسمّيت غزوة ذات الرّقاع، لما كنّا نعصب من الخرق على أرجلنا، وحدّث أبوموسى بهذا الحديث ثمّ كره ذاك قال: ما كنت أصنع بأن أذكره كأنّه كره أن يكون شيء من عمله أفشاه.
قال البخاري ﵀ (ج٦ ص٢١): باب قول الله تعالى: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلاً﴾.
حدّثنا محمّد بن سعيد الخزاعيّ، حدّثنا عبد الأعلى، عن حميد. قال: سألت أنسًا. قال: (ح) وحدّثنا عمرو بن زرارة، حدّثنا زياد. قال: حدّثني حميد الطّويل، عن أنس ﵁ قال: غاب عمّي أنس بن النّضر عن قتال بدر فقال: يا رسول الله غبت عن أوّل قتال قاتلت المشركين لئن الله
стр. 247
أشهدني قتال المشركين ليرينّ الله ما أصنع، فلمّا كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال: اللهمّ إنّي أعتذر إليك ممّا صنع هؤلاء يعني أصحابه، وأبرأ إليك ممّا صنع هؤلاء، يعني المشركين، ثمّ تقدّم فاستقبله سعد بن معاذ. فقال: يا سعد بن معاذ الجنّة وربّ النّضر، إنّي أجد ريحها من دون أحد. قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع. قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربةً بالسّيف، أو طعنةً برمح، أو رميةً بسهم، ووجدناه قد قتل وقد مثّل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه. قال أنس: كنّا نرى أو نظنّ أنّ هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ إلى آخر الآية.
وقال: إنّ أخته وهي تسمّى الرّبيّع كسرت ثنيّة امرأة، فأمر رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-بالقصاص. فقال أنس: يا رسول الله والّذي بعثك بالحقّ لا تكسر ثنيّتها، فرضوا بالأرش وتركوا القصاص. فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((إنّ من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرّه)).
قال الإمام البخاري ﵀ (ج٧ ص١٧٣): حدّثني عمرو بن عبّاس، حدّثنا عبد الرّحمن بن مهديّ، حدّثنا المثنّى، عن أبي جمرة، عن ابن عبّاس ﵄. قال: لمّا بلغ أبا ذرّ مبعث النّبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي فاعلم لي علم هذا الرّجل الّذي يزعم أنّه نبيّ يأتيه الخبر من السّماء، واسمع من قوله، ثمّ ائتني، فانطلق الأخ حتّى قدمه وسمع من قوله ثمّ رجع إلى أبي ذرّ فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وكلامًا ما هو بالشّعر. فقال: ما شفيتني ممّا أردت، فتزوّد وحمل شنّةً له فيها ماء حتّى قدم
стр. 248
مكّة فأتى المسجد فالتمس النّبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ولا يعرفه، وكره أن يسأل عنه حتّى أدركه بعض اللّيل فاضطجع، فرآه عليّ فعرف أنّه غريب فلمّا رآه تبعه فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتّى أصبح ثمّ احتمل قربته وزاده إلى المسجد وظلّ ذلك اليوم ولا يراه النّبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حتّى أمسى، فعاد إلى مضجعه فمرّ به عليّ فقال: أما نال للرّجل أن يعلم منْزله، فأقامه فذهب به معه لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتّى إذا كان يوم الثّالث فعاد عليّ على مثل ذلك فأقام معه ثمّ قال: ألا تحدّثني ما الّذي أقدمك. قال: إن أعطيتني عهدًا وميثاقًا لترشدنّي فعلت، ففعل فأخبره قال: فإنّه حقّ وهو رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فإذا أصبحت فاتبعني فإنّي إن رأيت شيئًا أخاف عليك قمت كأنّي أريق الماء، فإن مضيت فاتبعني حتّى تدخل مدخلي، ففعل فانطلق يقفوه حتّى دخل على النّبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ودخل معه، فسمع من قوله وأسلم مكانه. فقال له النّبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((ارجع إلى قومك فأخبرهم حتّى يأتيك أمري)) قال: والّذي نفسي بيده لأصرخنّ بها بين ظهرانيهم، فخرج حتّى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمّدًا رسول الله، ثمّ قام القوم فضربوه حتّى أوجعوه، وأتى العبّاس فأكبّ عليه قال: ويلكم ألستم تعلمون أنّه من غفار وأنّ طريق تجاركم إلى الشّأم، فأنقذه منهم، ثمّ عاد من الغد لمثلها فضربوه وثاروا إليه، فأكبّ العبّاس عليه.
стр. 249
صبرهم على الاستضعاف بمكة
قال الله : ﴿إلا المستضعفين من الرّجال والنّساء والولدان لا يستطيعون حيلةً ولا يهتدون سبيلاً? فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوًّا غفورًا (١)﴾.
وقال الله : ﴿والمستضعفين من الرّجال والنّساء والولدان الّذين يقولون ربّنا أخرجنا من هذه القرية الظّالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليًّا واجعل لنا من لدنك نصيرًا (٢)﴾.
قال البخاري ﵀ (ج١٢ ص٣١١): حدّثنا يحيى بن بكير، حدّثنا اللّيث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن هلال بن أسامة، أنّ أبا سلمة بن عبد الرّحمن أخبره عن أبي هريرة، أنّ النّبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يدعو في الصّلاة: ((اللهمّ أنج عيّاش بن أبي ربيعة، وسلمة بن هشام، والوليد بن الوليد، اللهمّ أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهمّ اشدد وطأتك على مضر، وابعث عليهم سنين كسني يوسف)).
وقال البخاري ﵀ (ج٢ ص٤٩٢): حدّثنا قتيبة، حدّثنا مغيرة بن عبد الرّحمن، عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنّ النّبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان إذا رفع رأسه من الرّكعة الآخرة يقول: ((اللهمّ أنج عيّاش بن أبي ربيعة، اللهمّ أنج سلمة بن هشام، اللهمّ أنج الوليد بن الوليد، اللهمّ
стр. 250
أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهمّ اشدد وطأتك على مضر، اللهمّ اجعلها سنين كسني يوسف)). وأنّ النّبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: ((غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله)).
قال البخاري ﵀ (ج٨ ص٤٣٠): حدّثنا محمّد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضّحى، عن مسروق، عن خبّاب. قال: كنت قينًا بمكّة فعملت للعاص بن وائل السّهميّ سيفًا، فجئت أتقاضاه فقال: لا أعطيك حتّى تكفر بمحمّد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. قلت: لا أكفر بمحمّد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حتّى يميتك الله، ثمّ يحييك. قال: إذا أماتني الله ثمّ بعثني ولي مال وولد، فأنزل الله: ﴿أفرأيت الّذي كفر بآياتنا وقال لأوتينّ مالاً وولدًا أطّلع الغيب أم اتّخذ عند الرّحمن عهدًا﴾ قال: موثقًا، لم يقل الأشجعيّ عن سفيان: سيفًا ولا موثقًا.
قال البخاري ﵀ (ج٧ ص١٧٦): حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا سفيان، عن إسماعيل، عن قيس. قال: سمعت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل في مسجد الكوفة يقول: والله لقد رأيتني وإنّ عمر لموثقي على الإسلام قبل أن يسلم عمر، ولو أنّ أحدًا ارفضّ للّذي صنعتم بعثمان لكان محقوقًا أن يرفضّ.
وقال ص (١٧٨): حدّثني محمّد بن المثنّى، حدّثنا يحيى، حدّثنا إسماعيل، حدّثنا قيس. قال: سمعت سعيد بن زيد يقول للقوم: لو رأيتني موثقي عمر على الإسلام أنا وأخته، وما أسلم، ولو أنّ أحدًا انقضّ لما صنعتم بعثمان لكان محقوقًا أن ينقضّ.