← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96927

العلمانيون العرب وموقفهم من الإسلام

مصطفى باحو

Полный текст (384 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وأما علي حرب فيرى أن الله يمارس امبريالية واستبدادا بخلقه، فقال: أما في اللاهوت فالعنصر الغالب هو خضوع الإنسان للأمر الإلهي لكائن أعلى يمارس امبرياليته واستبداده بخلقه (١). الملائكة . الاعتقاد بوجود الملائكة والشياطين والجن والعفاريت وغيرها خرافات يجب التخلص منها كما يرى صادق جلال العظم في نقد الفكر الديني (٥٢). واستهزأ هاشم صالح بمنكر ونكير وملك الموت، ودعا إلى التخلص من هذه الكوابيس المرعبة (٢). وقال: أكاد أقول بأن العالم الإسلامي كله مقبور الآن تحت ركام من التصورات القروسطية والكوابيس العقائدية وعذاب القبر وأفكار الخوف والرعب التي تمنعه من التحرر والانطلاق، فمتى سنخرج من هذا القبر الجماعي لكي نرى النور لأول مرة ونتنفس الهواء الطلق، متى سنفهم الدين بطريقة أخرى مختلفة تماما أو حتى معاكسة؟ (٣). وسخر القمني من دعم الملائكة للمؤمنين (٤). وزعم عبد المجيد الشرفي بأن ما ورد في القرآن عن آدم وحواء وإبليس والجن والشياطين والملائكة ومعجزات الأنبياء ليست إلا تماشيا مع الذهنية الميثية الأسطورية، وأنها رموز وأمثال لا حقائق تاريخية (٥). أي: هي أشياء غير موجودة

стр. 107

في الواقع، وإنما تصورات ذهنية خرافية. إبليس: الشيطان في عرف العلمانيين شخصية أسطورية خرافية لا وجود لها. فهذا صادق جلال العظم اعتبر في كتابه نقد الفكر الديني أن إبليس كائن أسطوري غير موجود ولا حقيقي وشخصية ميثولوجية أبدعتها ملكة الإنسان الخرافية (٥٧ - ٥٨). وقال: كذلك عندما نقول «طرد الله إبليس من الجنة» يجب ألا نظن بأن مثل هذه الحادثة وقعت في تاريخ هذا الكون، لأن مغزى هذا الكلام ومعناه يكمن في كونه رمزا، لا في كونه وصفا لأحداث وقعت بالفعل (٥٩). لكن نبهنا إلى أن معالجته لقصة إبليس إنما هو في إطار التفكير الميثولوجي الأسطوري لا أنه يؤمن بهذه الخرافة، كما يدرس الباحثون أساطير اليونان والسومريين والساميين وغيرهم (٩٢). وكذا أن كلامه عن الله وإبليس والجن والملائكة والملأ الأعلى لا يفهم منه أنه يؤمن بهذه الأشياء (٥٩). ولنستمع قليلا لشيء من التهريج الفكري مع صادق جلال العظم. ولنتابع جهالات الرجل التي سطرها في كتابه المذكور: قال عن امتناع إبليس من طاعة أمر الله في السجود لآدم: نستنتج إذن أن موقف إبليس يمثل الإصرار المطلق على التوحيد في أصفى معانيه وأنقى تجلياته (٦١). واعتبر أن احتجاج إبليس بقوله: أنا خير منه. تعني من نور وخلقته من طين، بأنه تبرير منطقي واضح (٦٢). واعتبر أن هذا ليس تكبرا ولكنه حقيقة أساسية في الفرق بين الأشياء ومراتبها (٦٢). وأن النار بطبيعتها وجوهرها أفضل من الصلصال، ثم استمر مهرجنا في تحليلاته الدقيقة فقال: تنطوي مفاضلة إبليس بين جوهره وبين جوهر آدم على نظرة فلسفية معينة لنظام الكون وترتيب الطبائع وفقا لدرجات الكمال التي تتصف

стр. 108

بها، لذلك كان إبليس على حق في جوابه، لأن الخالق جعل الأشياء على ما هي عليه من درجات الكمال والسمو (٦٢). ودافع عن جده إبليس في عدم سجوده لآدم، وأنه محق في هذا (٦٢ فما بعدها). وقال: إن إبليس اجتاز التجربة التي ابتلاه الله بها بنجاح تام (٧٥). وزاد: وبما أن الله كافأ إبراهيم وأيوب على صبرهما ونجاحهما وتمسكهما بواجبهما المطلق نحوه يجوز لنا أن نستنتج بأنه سيكافئ إبليس على نجاحه وتضحيته ويعوض عليه ما تكبده من خسارة مفجعة وما عاناه من شقاء وبلاء وغربة (٧٧). هكذا بكل جرأة ووقاحة. واعتبر أن إبليس أول بطل مأساوي في الكون، وأن آدم أول انتهازي في الكون (٨٣). وجزم بأن نهاية حبيبه إبليس ستكون نهاية سعيدة ومرضية (٨٤). ودعا إلى رد الاعتبار لإبليس، وتغيير نظرتنا التقليدية له، والكف عن كيل السباب والشتائم له، بل ويجب أن نطلب منه الصفح ونوصي الناس به خيرا، بعد أن اعتبرناه زورا وبهتانا مسؤولا عن جميع القبائح والنقائص (٨٥). ليخلص المهرج إلى النتيجة التي رسمها منذ البداية، وهي: إذا ثبتت براءة إبليس، فلا حاجة ولا فائدة من وجود جنة ونار ولا دين، بل ولا إله كذلك، وبطلت العقائد الدينية جملة وتفصيلا (٨٥ - ٨٦ - ٨٧). ولقد أحسن العلماني تركي علي الربيعو في قوله عن قراءة العظم هذه لمأساة إبليس: إنه يساهم في إنتاج دين جديد، لنقل إنه دين الشيطان هذه المرة ... أو بصورة أدق: فإنه يساهم في بعث اجتهادات إحدى الفرق الباطنية في الإسلام من عبدة الشيطان إلى الواجهة من جديد (١). أما القمني فيرى في كتابه الأسطورة والتراث أن إبليس أسطورة (٣٣)

стр. 109

تحول مع مرور الزمن من إله للشر عند المصريين القدماء (٣٣) والفرس (٣٤) واليهود (٣٧) ليتحول بفضل تطور العقل البشري من تعدد الآلهة إلى التوحيد في المسيحية إلى مخلوق متمرد (٣٩). وهكذا في الإسلام (٤٠) تحول إلى مخلوق يمتلك قدرات خارقة يقترب فيها من كونه إلها (٤٣). وقال: وإذا كان إبليس في العقائد القديمة إلها للشر تحول مع التطور العقلي إلى ملاك عاص أو إلى جني (٤٢). إذن فإبليس أسطورة اخترعها الإنسان تفسيرا للخوف من الظواهر الطبيعية، تحولت وتطورت مع مرور الزمن، وليس كما يعتقد المسلمون السذج حقيقة واقعية. وأكد على هذا المعنى كذلك حسن حنفي في مداخلته آخر كتاب الأسطورة والتراث، حيث قال بعد أن تحدث عن أسطورة الشيطان في الثقافات والديانات القديمة إلى عهد الإسلام: أي: إن الأسطورة موجودة ولكنها تتشكل طبقا للثقافة وطبقا للظرف والعصر (٢٨٧). ونصَّ القمني في انتكاسته (٢٦٨) أن إبليس لما امتنع من السجود إنما مارس حريته، تمسكا منه بتوحيد الله وتنزيهه، بل هو موافق لتركيب إبليس الخلقي. وكذا أنكر عبد المجيد الشرفي وجوده، واعتبره أسطورة غير حقيقية، كما تقدم (١). وكل هذا تكذيب للقرآن والسنة وإجماع المسلمين.

стр. 110

اليوم الآخر: لا تؤمن العلمانية إلا بالحياة الدنيا، واليوم الآخر أو الآخرة مجرد معتقدات دينية أسطورية. وهي تهدف إلى استبدال الخلاص الديني الأخروي بالخلاص الأرضي الوضعي، ويريد العلمانيون تحقيق جنتهم وفردوسهم في هذه الدنيا بدل الآخرة. قال أركون في القرآن من التفسير الموروث (٧٤): في نظام الحداثة لا توجد إلا حياة واحدة هي التي نعيشها. وفي كتاب تاريخية الفكر العربي (٨١) جعل قبول العقل المؤمن بوعود الحياة الأبدية في الآخرة قبولا ساذجا. وكان شلبي شميل ينكر الخلق والمعاد. آراء الدكتور شلبي شميل (٦٤ - ٦٩). وقال شاكر النابلسي عن العلمانية: ولا تعير انتباها كثيرا للحياة الآخرة الغائبة والمجهولة، وتطلب من الناس ألا يشغلوا بالهم بها (١). وعند خليل عبد الكريم استبدلت العلمانية خلاص الآخرة بخلاص الأرض (٢). وقال القمني في رب الثورة أوزيريس (١٠): كما أن العالم الآخر عالم غيبي لا دليل عليه سوى ما ورد عنه في بعض السطور في بعض الصحائف المقدسة، دون بعضها في ديانات أخرى، فأصبح موضوعا مختلفا عليه وعلى ماهيته ومواصفاته، بل وعلى وجوده أصلا بين الغيبيين أنفسهم، مما يجعله موضوع تصديق وتكذيب ليستمر قلقا بين الوجود والعدم.

стр. 111

هكذا يقول من يزعم أنه مسلم، يكذب باليوم الآخر ويزعم أنه ورد في بعض السطور في بعض الصحف المقدسة دون بعضها. ثم هو مختلف فيه. هكذا يقول دكتور الأساطير. وفي كتابه «الأسطورة والتراث» اعتبر أن الإنسان هو الذي اخترع فكرة اليوم الآخر، قال القمني: وفي هذا الزمان البعيد (عهد السومريين) لم يكن الإنسان قد وصل بعد إلى اختراع فكرة عالم آخر فيه بعث ثم ثواب أو عقاب، ترغيبا وترهيبا (٥٧). وعَدَّ من الأساطير في الإسلام التي انتقلت إليه من المصريين القدماء: فكرة البعث والحساب والجنة والنار والصراط والميزان وشهادة الجوارح على الميت (١). وعند مراد وهبة نشأ الاعتقاد باليوم الآخر مع عبادة الشمس عند المصريين القدامى ونشأت فكرة الخلود مع الدين الرسمي أو دين الدولة (٢). لهذا الاعتبار لما عرفت دائرة المعارف البريطانية (٩/ ١٩) العلمانية تحت مادة ( Secularism) قالت: هي حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها. وذلك أنه كان لدى الناس في العصور الوسطى رغبة شديدة في العزوف عن الدنيا والتأمل في الله واليوم الآخر، وفي مقاومة هذه الرغبة طفقت ( Secularism) تعرض نفسها من خلال تنمية النزعة الإنسانية، حيث بدأ الناس في عصر النهضة يظهرون تعلقهم الشديد بالإنجازات الثقافية والبشرية، وبإمكانية تحقيق مطامعهم في هذه الدنيا القريبة، وظل هذا الاتجاه يتطور باستمرار خلال التاريخ الحديث كله، باعتبارها

стр. 112

حركة مضادة للدين ومضادة للمسيحية (١). وأما حسن حنفي فيقول: فقد لا يكون البعث واقعة مادية تتحرك فيها الجبال وتموج فيها البحار وتخرج لها الأجساد، بل يكون البعث هو بعث الحزب وبعث الأمة وبعث الروح، فهو واقعة شعورية تمثل لحظة اليقظة في الحياة لحظة الموت والسكون (٢). فالبعث في هذه الدنيا لا في دنيا أخرى مفارقة. ولا خلود عند حسن حنفي إلا في الأرض، قال في فقرة الخلود في الأرض: والحقيقة أن أمور المعاد كلها خطأ في تفسير النصوص وتحويل للصور الفنية إلى وقائع حادثة، فأمور المعاد لا تشير إلى وقائع مادية وحوادث فعلية وعوالم موجودة بالفعل في مكان ما يعيشها الإنسان في زمان ما، بل هي بواعث سلوكية ودوافع للفعل للتأثير على السلوك، والحث على الطاعة ترغيبا تارة وترهيبا تارة أخرى (٣). فلا وجود لعالم آخر يحاسب الناس فيه وتوزن أعمالهم حسب حسن حنفي، بل هو انعكاس لحالة العجز والظلم والقهر، فيتمنى العاجز والمظلوم والمقهور أو يتصور وجود يوم ينعم فيه ويُنتقم من ظالميه. قال: إن أمور المعاد في نهاية الأمر ما هي إلا تعبير عن عالم بالتمني عندما يعجز الإنسان عن عيشه بالفعل في عالم يحكمه القانون ويسوده العدل. لذلك تظهر باستمرار في فترات الاضطهاد وفي لحظات العجز وحين يسود الظلم ويعم القهر كتعويض عن عالم مثالي يأخذ فيه الإنسان حقه، ويرفع الظلم عنه، أمور المعاد في أحسن الأحوال تصوير فني يقوم به الخيال تعويضا عن حرمان في الخبز أو الحرية، في القوت أو الكرامة، في الرزق أو الحق في عالم يحكمه القانون

стр. 113

ويتحقق فيه العدل (١). وأمور المعاد عند حسن حنفي إنما تعبر على طريقتها الخاصة وبالأسلوب الفني الذي يعتمد على الصور والخيال عن أماني الإنسان في عالم يسوده العدل والقانون ... إنها تعبير عن مستقبل الإنسان في عالم أفضل (٢). ولا تعدو الجنة الموعودة عنده أن تكون عبارة عن نعيم الدنيا، والنار ما يصيب الإنسان من شر فيها. قال: فهناك دنيا واحدة وآخرة واحدة هي نفسها الدنيا، فالجنة والنار هما النعيم والعذاب في هذه الدنيا وليس في عالم آخر يحشر فيه الإنسان بعد الموت، الدنيا هي الأرض، والعالم الآخر هو الأرض، الجنة ما يصيب الإنسان من خير في الدنيا، والنار ما يصيب الإنسان من شر فيها (٣). وزاد مؤكدا أن أمور المعاد هي الدراسات المستقبلية بلغة العصر والكشف عن نتائج المستقبل ابتداءا من حسابات الحاضر (٤). أما صادق النيهوم فالعالم الآخر عنده عالم مجهول من ابتداع الكهنة (٥). وعند العروي: فكرة الرب الديان الذي يحاسب خلقه ويجازي المحسن ويعاقب المسيء إنما عادت للواجهة تحت ضغط واقع إنشاء الدولة الجديدة في المدينة (٦).

стр. 114

فعقيدة اليوم الآخر ليست إلا فكرة تم استثمارها في إبانها لتحقيق أهداف سياسية. وحسب عزيز العظمة فالحور العين من صنع أشخاص ذوي عقلية اغتصابية لا غير، قال: «إن أخبار الحور العين في الجنة إنما هي بنات أفكار وتصور مخيلة اغتصابية، تزيح عن صاحبها الرغبة لتضع مكانها الشهوة» (١). الصراط ونعيم الجنة . أنكر القمني الصراط واعتبره شأنا فسيفسائيا مجهولا (٢). واعتبر أن ذكر الحور والخمور في الجنة: الرشوة المقدمة في عالم الأبدية (٣). وعَدَّ من الأساطير في الإسلام التي انتقلت إليه من المصريين القدماء: فكرة البعث والحساب والجنة والنار والصراط والميزان وشهادة الجوارح على الميت (٤). أما نصر حامد أبو زيد الذي حكمت بردته محكمة القاهرة، فكل الغيب عنده بما في ذلك اليوم الآخر تصورات أسطورية، وليست حقائق في نفس الأمر: فقد تعجب كيف أن المسلمين ما زالوا يؤمنون باللوح المحفوظ والله بعرشه وكرسيه وجنوده الملائكة، وبالإيمان بالشياطين والجن والسجلات التي تدون فيها الأعمال. قال: والأخطر من ذلك تمسكه بحرفية صور العقاب والثواب وعذاب القبر ونعيمه ومشاهد القيامة والسير على الصراط ... إلى آخر ذلك كله من

стр. 115

تصورات أسطورية (١). وتعجب من الإيمان بحرفية الدلالات التي وردت في النصوص الدينية عن الله كالعرش والكرسي والملائكة، وما ورد عن الآخرة كالصراط والحوض وعذاب القبر وناكر ونكير، وما ورد عن المسيح الدجال وغير ذلك من أشراط الساعة. في حين هي لا تعدو في نظره مجازا وليس حقائق موجودة (٢). وكل العقائد الإسلامية ومصطلحاتها يجب تجاوزها في نظر حسن حنفي، فأكد أن ألفاظا مثل: الله والجنة والنار والآخرة والحساب والعقاب والصراط والميزان والحوض كلها ألفاظ يجب تجاوزها وزاد: فألفاظ الجن والملائكة والشياطين، بل والخلق والبعث والقيامة كلها ألفاظ تُجاوز الحس والمشاهدة، ولا يمكن استعمالها لأنها لا تشير إلى واقع، ولا يقبلها كل الناس، ولا تؤدي دور الإيصال (٣). الطعن في الأنبياء . أكد فالح مهدي في البحث عن منقذ (١٥٠ - ١٦٢) على أن الولادة لا يمكن أن تتم إلا من خلال اتحاد بويضة بحيوان منوي، وبالتالي فالمسيح ابن زنا ومريم زانية (٤). وجعل تركي علي الربيعو أن مريم مارست البغاء المقدس (٥)، وأن جبريل أو الله نفسه هو القائم بالعملية مستندا إلى ورود ثلاث عبارات في المصادر الإسلامية

стр. 116

تؤكد ذلك: وهي «النفخ» وهو الجماع، و «ولج» و «الفرج» (١). وهو يندرج حسب الربيعو في ممارسة الآلهة للجنس المقدس، وهو تراث قديم يجد أصداء له في كافة الحضارات القديمة. وهذا كفر بالله العظيم بإجماع علماء الأمة. وتزخر المصادر الإسلامية بألوان من الجنس المقدس حسب الربيعو، منها قصة آدم وحواء، وقصة لوط، وقصة مريم، وقصة هابيل وقابيل، والحور العين في الجنة وغيرها. بل إن الجنس المقدس في الميثولوجيا الإسلامية هو صيغة العلاقة بين الخلود والألوهية (٢). وذكر هاشم صالح أن موسى قام بمجزرة حقيقية (٣). وهذا سب واتهام لنبي كريم. واعتبر القمني أن الاعتقاد بوجود نبي اسمه إبراهيم أسطورة خرافية. فقد نقل عن بعض الباحثين ساكتا أنه اعتبر قصة إبراهيم بأكملها قصة خرافية أسطورية، لأننا لم نعثر من الناحية التاريخية ما يؤكد ذلك (٤). وأنها أصل الأسطورة (براما) كانت واسعة الانتشار قبل ظهور العبريين، وعرفت في بلاد إيران والهند وما حولها، وأنها أصل عقيدة (براهما) الهندية (٥). ثم نقل كلام «فلهلم رودلف» وكلام «طه حسين» المشكك في وجود هذه الشخصية وأن النبي محمدا إنما مال إليه وذكره ليتألف قلوب يهود المدينة مع القوة الإسلامية الطالعة. يقول طه حسين: للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا أيضا، لكن ورود هذين الاسمين في التوراة لا يكفي لإثبات وجودهما

стр. 117

التاريخي ونحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة نوعا من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهودية والقرآن والتوراة من جهة أخرى (١). أي أن محمدا ﷺ اخترع هذه القصة أو بالأحرى نقلها من التوراة والإنجيل من باب الحيلة فقط، أو المناورة السياسية. ثم يسفر القمني عن وجهه ويعلنها مدوية تأسيسا كما قال على عدم وجود أية مصادر تاريخية تشير إلى إبراهيم سواء في مصر أوالرافدين، من ثم ستكون أية محاولات هي مجرد تخمينات وافتراضات، تنتهي بدعم أولئك أو هؤلاء، حقيقة نحن مضطرون هنا إلى الاعتراف بعدم وجود الأدلة المباشرة (٢). وذكر عبد الوهاب المؤدب العلماني التونسي وتابعه عشيقه هاشم صالح أن إبراهيم الخليل ليس شخصية تاريخية موجودة، وإنما حقيقة ذهنية أسطورية (٣). ولا يفتأ القمني من الاستهزاء بعفاريت سليمان في كتبه (٤). كما استهزأ من اعتقاد أن إبراهيم تحدى النمرود بتحويل مسار الشمس (٥). وكل هذا تكذيب للقرآن الكريم. وقال في صدد بيانه لقوله ﷺ : أنا ابن الذبيحين: وإسماعيل جده (أي: جد النبي محمد ﷺ ) البعيد الذي كاد يكون ضحية للإله (إيل)، والذي انتسب إليه إسماعيل باسمه: (سمع-إيل)! (٦).

стр. 118

وذكر قبل أن جبريل وبقية الملائكة تنسب إليه: جبر-إيل، وهكذا. وذهب إلى أن آمين التي يختم بها المسلمون الصلوات أصلها آمين أو أمون، أشهر الآلهة المصريين القديمة. قال: ولا تختم الصلوات في أيّ ديانة شرقية حتى اليوم دون التأمين عليها باسم الواحد الخفي (آمين) (١). فالمسلمون في نظر سيد القمامة عندما يقولون آمين فهم يشيرون وربما يحيون الإله المصري القديم «أمون». وأما مكة فبيت الإله إيل، حسب حفريات أجراها سيد القمامة في أعماق أعماق القمامة. كيف ذلك؟ لنتابع: (المقة) إله القمر عند اليمن، أصله: إل مقة، أي: رب مقة. وبعض اليمنيين يقلبون القاف كافا، فيكون رب مكة. أي: رب البيت، أو بيت الرب (٢). فحقيقة مكة ماهي إلا معبد لإله اسمه إل. إذن فالمقة الإله اليمني هي مكة البيت الإلهي الحجازي (٣). ونقل عن المسعودي أن البيت الإلهي الحجازي خطط أصلا لعبادة الكواكب السيارة (٤). علما أن الآيات القرآنية حسب القمني جاءت بتقديس واضح للكواكب الخمسة السيارة، في قولها: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ التكوير١٥ - ١٦ (٥). وهكذا تكتمل المسرحية. لكن كيف انتقل تقديس الإله إيل إلى مكة؟. يجيب القمامي بأن خزاعة قبيلة يمنية، انتقلت إلى الحجاز حاملة معها معتقداتها. بهذه السهولة؟ نعم بهذه السهولة. وماذا عن آيات القرآن التي تحدثنا عن بناء إبراهيم وإسماعيل للبيت لعبادة الله وحده؟ دعنا من هذا. وما دخل الدين في الأبحاث التاريخية؟

стр. 119

عقائد مختلفة: يجب قلب العقائد الدينية رأسا على عقب: قال هاشم صالح: مفهوم كافر وزنديق وهرطقة مفاهيم قروسطية ينبغي تفكيكها أو قلبها رأسا على عقب، بل ينبغي تفكيك لاهوت القرون الوسطى كليا، وإلا يستحيل التعايش بين أناس ينتمون إلى أديان ومذاهب مختلفة (١). وهذا إلغاء للدين كليا وهدم له. الوحي ليس حقيقة بل مجاز فقط . اعتبر أركون أن الوحي ونزوله مجاز فقط (٢). وعده رمزا فقط سماه الرمزانية المتعالية (٣). بل يرى أن الله وكُلُّ الوحي تركيب مجازي فسيح واسع في القرآن (٤). وأن هدف مشروعه التاريخي هو: زحزحة إشكالية الوحي من النظام الفكري والموقع الابستمولوجي الخاص بالروح الدوغمائية إلى فضاءات التحليل والتأويل (٥). وعند حسن حنفي لا يفهم من الوحي وجود إله أوحى بشيء ما، وإنما هو وسيلة لتطوير الواقع. قال: ليس المقصود من الوحي إثبات موجود مطلق غني لا يحتاج إلى الغير،

стр. 120

بل المقصود منه تطوير الواقع في اللحظة التاريخية التي نمر بها والتي تحتاج إلى من يساعدها على التطور (١). وحوَّل حسن حنفي الوحي إلى الطبيعة والميتافيزيقي إلى الفيزيقي، وكل إنجاز بشري في مجال معرفة الطبيعة والواقع إضافة للوحي واستمرار له، بل قال أبو زيد: وفي هذا الفهم لا يكون الوحي مجرد واقعة حدثت في الماضي عدة مرات ثم توقفت، تاركا شأن البشرية سدى، بل الوحي اسم يطلق على النشاط الذهني للإنسان في كل زمان ومكان (٢). هكذا يقول صديقه أبو زيد، وهذه عبارة حنفي في كتابه من العقيدة إلى الثورة (٤/ ١٥٢ - ١٥٣): فالطبيعة هي الوحي، والوحي هو الطبيعة، وكل ما يميل الإنسان إليه بطبعه هو الوحي، وكل ما يتوجه به الوحي هو اتجاه في الطبيعة، الوحي والطبيعة شيء واحد، ولما كانت الطبيعة مستمرة فالوحي بهذا المعنى مستمر، والنبوة دائمة ولكنا أنبياء يوحى إلينا من الطبيعة، وصوت الطبيعة هو صوت الله. ينكر حسن حنفي الوحي، ويحوله إلى ما تجود به الطبيعة لنا، والطبيعة عنده تحل محل الله. فهي إله حسن حنفي الذي يعبد وبنعمه يسبح. وكل العيب في نظر حسن حنفي في جعل الوحي مطلقا خارج الزمان والمكان أو حرفا في نص مدون (٣). يقصد جعله إلهيا، فالوحي أرضي لا سماوي. وقال إلياس قويسم: لذلك يغدو الوحي ظاهرة ثقافية خاضعة لقوانين الواقع

стр. 121

باعتبارها أصبحت متخارجة منه لا مفارقة له. إن هذا التفسير لظاهرة الوحي هو تفسير ظهوراتي، بمعنى أنه يقف على أرضية الإمبيريقية وهذا يفضي به إلى الالتحام بالمنهج الديالكتيكي الماركسي، فنصر حامد قد استثمر هذه المقولات لأجل تفسير ظاهرة كانت تعتبر في الفكر السلفي/المحافظ ظاهرة ميتافيزيقية، تفسيرا ماديا في حركتها وتحولاتها وتغيراتها وفي علاقاتها المتميزة (١). والوحي في نظر أبي زيد شكل من أشكال الكهانة والسحر التي كانت شائعة في عصر النبي. يقول صديق دربه إلياس قويسم: إن أولى المسوغات التي توسل بها نصر حامد لأجل إثبات واقعية الوحي وتاريخيته، هي الأوضاع والمؤثرات الفكرية والعقدية التي كانت سائدة في مكة قبل الإسلام، من هذه المؤثرات شيوع ظاهرة الكهانة والإيمان بالجن. فهذا القول بوجود جدليّة بين آلهة العرب وآلهة القرآن -لو استعملنا مصطلح خليل أحمد خليل- قد اتخذ شكل سيرورة في خط تصاعدي، فليس التالي بناف للسابق، بل على النقيض من ذلك، فهو يرى وجود ترابط وجدلية على مستوى المفاهيم، فلولا وجود تصور سابق في الذهنية العربية عن إمكانية الاتصال بين البشر والجن، لاستحال الإيمان بإمكانية وقوع الوحي، هكذا نعود إلى المقولة الرئيسية في فكر نصر حامد وهي أولوية الواقع، فالواقع أولا والواقع ثانيا والواقع أخيرا-كما يصرح هو في كتبه-. هنا يكمن المعنى الحقيقي في منظومة نصر حامد حول الوحي، فهو يطالب بالتخلي عن أيّ افتراض متعال مسبق، ومن ثم يدفع بتحليلاته نحو إيقاع تصور مناقض للسائد حول النص

стр. 122

القرآني، أي: القول بدنيوته بدل مفارقته (١). وقال: وفي الوقت ذاته يريد إبانة هذا المنظور الدنيوي-الدهري الذي يصدر عنه مفهوم الوحي ومن ثم يحرر النص القرآني من إهابه القديم «التعالي» قصد دفعه إلى الظهور في صفته الجديدة وهي النص الدنيوي-الواقعي (٢). الإسلام دين عربي ومحمد لم يبعث للناس كافة: كتب محمد أحمد خلف الله مقالا في جريدة الأهرام يوم ١٦/ ٠٩/١٩٨٧ تحت عنوان الإسلام هو البدائل الإلهية للمتغيرات العربية، أنكر فيه عالمية الإسلام وجعله خاصا بالعرب (٣). وقال في ندوة العروبة والإسلام، علاقة جدلية، المنعقدة في بيروت سنة ١٩٧٨: إن الإسلام قد جرب أولا في جزيرة العرب، وحين نجحت التجربة خرج به الذين جربوه إلى أمم أخرى غير العرب. إذن تجربة نجحت، فلما نجحت صُدرت. وفات الجهول أن آيات عالمية الإسلام أغلبها نزل في مكة، وهي: الأنبياء (١٠٧) والأنعام (١٩ - ٩٠) وسبأ (٢٨) والفرقان (١) ويوسف (١٠٤) وص (٨٧) والتكوير (٢٧) والقلم (٥٢) وعاشرة في الأعراف (١٥٨) وهي مدنية (٤). فالقول بعروبة الإسلام تكذيب للقرآن ولله وللرسول ﷺ وللصحابة والتابعين وعلماء المسلمين على مر التاريخ. فخلفُ اللهِ خالفَ اللهَ.

стр. 123

وقال في نفس الندوة (ص ٢٤٢ كتاب الندوة): الله معبود عربي، وأول بيت له بني بأرض العرب، من قبل أن يكون الإسلام ....... وهكذا نستطيع أن نذهب إلى عروبة المرسل للرسالة، التي تعرف باسم الإسلام (!) (١). يقصد بالمرسل للرسالة: الله تعالى، فهو عربي كذلك. وهو لا يقصد طبعا الإيمان بوجود إله، يتكلم العربية، لا، يقصد أن العرب هم الذين اخترعوا لهم إلها عربيا، وجعلوا له صفات معينة. وقال في محاضرة في رابطة الأدباء بالكويت حول العروبة والإسلام: إن الإسلام ليس إلا النظام الديني للأمة العربية أولا وقبل كل شيء. وقال: إن العروبة هي الأصل وإن الإسلام هو الفرع (ص ٤٧). وقال: إن العروبة هي القاعدة والأساس وإن الإسلام هو بعض أجزاء المقام على هذه القاعدة (ص ٦٦). وخلف الله الذي خالف الله ليس هو هنا إلا بوقا لحزب البعث القومي، الذي هو بدوره قِمْع لأفكار المستشرقين (٢). وكذا اعتبر عبد المجيد الشرفي في الرسالة والتاريخ (٨٩) أن النبي محمدا ﷺ رسول العرب.

стр. 124

اعتقاد أن الإسلام هو الصحيح وباقي الأديان محرفة فكرة عنصرية: هكذا قال أحمد عصيد، فقد اعتبر أن اعتبار دين الشخص مثلا هو الصحيح، وباقي الأديان محرفة: فكرة عنصرية تغذي العنف والكراهية (١). إذن الكل صحيح، فعزير ابن الله صحيح، والله ثالث ثلاثة صحيح، وقل هو الله أحد ... صحيح. جميع هذه المتناقضات في سلة واحدة، يسمى ما يشبه هذا عندنا في المغرب: (العصيدة). فهذه (عصيدة) عصيد. وهو يعرف من يغذي العنصرية والطائفية في المغرب. ويقرب هذا المنزع في الدفاع عن اليهود والنصارى ما قال أركون: لقد رموا (أي: المشركين) كليا ونهائيا وبشكل عنيف في ساحة الشر والسلب والموت دون أن يقدم النص القرآني أيّ تفسير أو تعليل لهذا الرفض والطرد (٢). ما هو يا ترى سر دفاعه عن هذا الصنف من البشر؟ وأما المسلمون عنده فدوغمائيون متطرفون. وقال: فقد جرى رميهم جميعا وبكل قسوة في ساحة الشر والسلب والموت من دون تقديم أيّ تبرير لهذه الإدانة في السياق المباشر على الأقل (٣). وذكر أن الخطاب القرآني يمارس دوره بصفته ديكتاتورية النهاية (٤).

стр. 125

وقال: فإن تلك الآية (أي: آية السيف) تشكل ذروة العنف الموظف في خدمة حقوق الله، والله ذاته يقدم نفسه هنا كحليف أعظم للجماعة المختارة (١). الشهيد يذهب للجنة والكافر للنار ليس حقيقيا، بل رمز فقط. اعتبر هاشم صالح أن القول بأن الشهيد في المعركة يذهب إلى الجنة وأن الكافر يذهب إلى النار وأن الله يعين المسلمين في معركتهم ضد الكفار مجرد إضفاء ترميز على المعركة والشهداء (٢). ونظرة الإسلام إلى كون الأديان السابقة محرفة وخاطئة ليست عنصرا مرحبا به عند أركون لسبب بسيط أن المنهج النقدي التفكيكي الموضوعي التاريخي الغربي لم يقل كلمته في هذه المسألة، فهو دين أركون الجديد (٣).

стр. 126

القرآن الكريم تدور أطروحة العلمانيين حول القرآن على ما يلي: ١ - القرآن ليس إلهي المنشأ، بل هو بشري المصدر. ٢ - كل الدلائل تدل على تاريخية القرآن، أي: كونه إفرازا ثقافيا لمرحلة معينة انتهت وانقضت. ٣ - يقدم القرآن خطابا أسطوريا خرافيا. ٤ - المعلومات التاريخية القرآنية غير دقيقة ويجب مناقشتها على ضوء المعارف التاريخية الأخرى، وكثير منها وخصوصا قصص الأنبياء ليست وقائع تاريخية حدثت، بل كلها مجاز وضرب أمثلة. ٥ - وقع في القرآن زيادة ونقص من قبل جماعات لها مصالح معينة، بل هناك شك في ثبوت القرآن. هذا فضلا عن طعون أخرى كثيرة وجهها العلمانيون العرب لكتاب الله تعالى، كما سنقف على ذلك مفصلا بإذن الله. ونظرا لخطورة المسألة ودقتها وجوهريتها فسأعمد إلى تكثير الشواهد والنصوص العلمانية الدالة على كل هذه الأمور. وما على القارئ إلا أن يتحلى معنا بصبر إن حدث تكرار ما. لأن قصدنا بذلك واضح وظاهر.

стр. 127

١ - بشرية القرآن . أغلب العلمانيين العرب على أن القرآن بشري المصدر، تشكَّل في الواقع وخرج من الواقع، وليس نصا مفارقا نزل من السماء. فالعلماني التونسي عبد الوهاب المؤدب اعتبر أن كون القرآن يحتوي على الكلام الإلهي الذي لا يتغير ولا يتبدل أسطورة سيتم تحطيمها (١). وأكد عبد الوهاب كذلك أنه ينبغي الخروج من القفص الدوغمائي الذي يجبره على الاعتقاد بأن القرآن هو من تأليف الله ذاته، ولم يتدخل البشر أو المسلمون الأوائل في عملية التأليف وتشكيل النص على الإطلاق (٢). وأكد على بشرية القرآن قائلا: ونفهم كيف أن اليد البشرية تدخلت في فبركته وصنعه (٣). وهذا الكلام في غاية الصراحة والوضوح. وقال هاشم صالح: هذا في حين أن المسلمين يعتبرون القرآن كلام الله الحرفي الأزلي غير المخلوق. هذا هو التابو. أي: المحرم الأعظم الذي ينبغي كسره وتحطيمه (٤). وذكر أركون أن القراءة التاريخية للقرآن أو التفسير التاريخي لآياته يؤدي إلى التشكيك في كونه منزلا من عند الله على النبي ﷺ (٥).

стр. 128

ونقل هاشم صالح محتجا عن «هانز كونغ» الذي نقل بدوره عن المسيحيين ومؤرخي الغرب العلمانيين وعلماء الأديان أن القرآن ليس كلام الله كما يعتقده المسلمين، وإنما كلام محمد (١). ولا أظن أنه يوجد علماني عربي على وجه الأرض يجرأ على مخالفة أسياده الغربيين وعلماء الأديان في هذا. كيف وقد صرحوا هم أيضا بما صرح به أولئك. واعتبر هاشم صالح أن القرآن قد شاخ وتراكمت عليه الشروحات وشروحات الشروحات، وأنه للخروج من هذه الأزمة لا بد من إجراء عملية جراحية خطيرة للتراث برمته، وطبعا ومنه القرآن (٢). وأكد على ضرورة تطبيق المنهج التاريخي النقدي على القرآن كما طبق على التوراة والإنجيل وبان تهافتهما. وزاد: لقد ابتدأت الشكوك تظهر حول أطروحة الكتاب الهابط من السماء بقضه وقضيضه (٣). وأكد أبو زيد على بشرية النصوص الدينية فقال: وإذا كنا هنا نتبنى القول ببشرية النصوص الدينية، فإن هذا التبني لا يقوم على أساس نفعي إيديولوجي، يواجه الفكر الديني السائد والمسيطر بل يقوم على أساس موضوعي يستند إلى حقائق التاريخ وإلى حقائق النصوص ذاتها (٤). والنصوص الدينية عند أبي زيد هي القرآن والسنة. ثم استمر أبو زيد مؤكدا هذه الحقيقة رابطا بين كونها بشرية وكونها تاريخية، فقال: وإذا كانت النصوص الدينية نصوصا بشرية بحكم انتمائها للغة والثقافة في فترة تاريخية محددة، هي

стр. 129

فترة تشكلها وإنتاجها، فهي بالضرورة نصوص تاريخية، بمعنى أن دلالتها لا تنفك عن النظام اللغوي الثقافي الذي تعد جزءا منه (١). ولا تظنن أن هذه التحليلات من رحم أبي زيد، لا طبعا، فالفضل راجع لسيده دي سوسير الذي فرق بين اللغة والكلام، كما بين قبل هذا (٢٠٤). أما كيف ستتم عملية القراءة هذه، فقد تفضل علينا أبو زيد بمثال موضح فذكر أن القرآن تحدث عن الله بوصفه ملكا له عرش، وكرسي وجنود، وتحدث عن القلم واللوح، وتحدث الحديث النبوي عن القلم والروح والكرسي والعرش، وكلها تساهم إذا فهمت فهما حرفيا في تشكيل صورة أسطورية عن الله وعالم الملكوت (٢). إذن فما الحل يا أبا زيد، وخصوصا وأن معك ترسانة سوسيرية ضخمة؟. الحل كما يلي: ذكر أن المعاصرين لهذه النصوص أي: الصحابة كانوا يفهمون هذه النصوص فهما حرفيا كما يقول أبو زيد، ثم يزيد قائلا: ولعل الصور التي تطرحها النصوص كانت تنطلق من التصورات الثقافية للجماعة في تلك المرحلة (٣). ثم يردف مستنكرا التشبث بهذه المفاهيم الأسطورية لله: لكن من غير الطبيعي أن يصر الخطاب الديني في بعض اتجاهاته على تثبيت المعنى الديني عند العصر الأول، رغم تجاوز الواقع والثقافة في حركتها لتلك التصورات ذات الطابع الأسطوري (٤).

стр. 130

إذن هذا الفهم القديم: «ملك له عرش وكرسي وجنود» أصبح في عصر أبي زيد يعتبر أسطوريا لا يتناسب مع فهمنا المعاصر وعلوم العصر. والفهم الذي فهمه الصحابة كان انعكاسا لتصورات ثقافية تاريخية معينة كما وضح بعد ذلك (٢١١). ثم يضيف: والتمسك بالدلالة الحرفية للصورة- التي تجاوزتها الثقافة وانتفت من الواقع- يعد بمثابة نفي للتطور وتثبيت صورة الواقع الذي تجاوزه التاريخ، وعلى النقيض من الموقف التثبيتي يكون التأويل المجازي نفيا للصورة الأسطورية وتأسيسا لمفاهيم عقلية تحقيقا لواقع إنساني أفضل (١). ومن هذا المنطلق أخذ أبو زيد على الأشاعرة تمسكهم بصورة الملك المتسلط الذي يعذب ولا يبالي، والذي ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ الأنبياء٢٣. هذه عبارة أبي زيد (٢). وفي كتابه النص والسلطة والحقيقة (١٠٣) ذكر أبو زيد أن النص القرآني نص مجزأ، أي: نص تكون في فترة زمنية تربو على العشرين عاما. وذكر أن النص القرآني يمثل انحيازا لنصوص الصعاليك حيث تمثل المرأة الزوجة مخاطبا في بعض نماذجه. (١٠٣). ما دام القرآن خاطب المرأة الزوجة، إذن فقد انحاز لنصوص صعاليك الجاهلية الشعراء!!! ولا شك أن هذا التحليل هو أشبه بأسلوب الصعاليك في زماننا منه بدكتور متخصص.

стр. 131

على كل حال لنتابع لنفهم ماذا يريد أن يقول لنا أبو زيد: قال: هذه التعدية النصية في بنية النص القرآني تعد في جانب منها نتيجة للسياق الثقافي المنتج للنص (١٠٥). كما لاحظ أبو زيد أن القرآن يتشابه مع نصوص الثقافة السائدة آنذاك التي أنتجت النص، ولم يَرَ وجها للمغايرة بينهما إلا من جهتين فقط: من حيث الحجم أو من حيث المدى الزمني الذي استغرقه النص في تشكله النهائي (١٠٥). وفي كتابه مفهوم النص تكلم بلغة أوضح، حيث قال (٢٤): إن النص في حقيقته وجوهره منتج ثقافي، والمقصود بذلك أنه تشكل في الواقع والثقافة خلال فترة تزيد على العشرين عاما. وقال (٢٥): وحين نقول تشكلت فإننا نقصد وجودها المتعين في الواقع والثقافة بقطع النظر عن أيّ وجود سابق لهما في العلم الإلهي أو في اللوح المحفوظ. انتهى. وهذا علماني معجب بنصر أبي زيد اسمه إلياس قويسم يقرر بكلام لا لبس فيه أن هدف أبي زيد هو أَنْسَنَة النص القرآني وأنه نص دنيوي وليس ظاهرة غيبية مفارقة، أي: بيان بشريته، يقول: بهذا نقول إنّ نصر حامد قد اتّجه صوب أَنْسَنَة النص القرآني من خلال الفصل في مجال البداية، بحيث يغدو نمط التعامل معه على أساس أنه نص لغوي أو منتج ثقافي تماما كما فهمه أدونيس (١). وقال: من ثم يغدو النص القرآني نصا دنيويا وليس ظاهرة غيبية مفارقة أو خارقة، بل بصفته ظاهرة مشروطة محايثة، بمعنى جعله ممارسة خطابية هي في المنتهى فعالية بشرية تاريخية دنيوية دهرية تحمل شروط إمكانها الثقافية

стр. 132

والاجتماعية والمعرفية، بهذا الاستبدال يتسنى نقل النص من حقل التوجيه الإيديولوجي إلى حقل الوعي العلمي به، بعد أن تبددت كل مفاهيم التعالي التي تشوش على هذا الوعي (١). وقال: وهذا المبدأ لو طبقناه على الإلهي لتحول إلى إنساني، ولما عاد هناك إله، هذا ما يريده نصر حامد بالضبط، نظرا لأنه مرتَكَز المنظومة السلفية، وهو يريد نسخها وإغفالها، وذلك من خلال تحويل الإلهي إلى إنساني، وجعل الأحكام والعقائد الإلهية تعبر عن تصورات ذهنية تسيّر الإنسان وتوجه السلوك أكثر من كونها تعبر عن وجود مفارق (٢). هذا، وقد عرف تاريخ الإسلام أصنافا من الزنادقة أغلبهم من دعاة المانوية والمذاهب الفارسية القديمة، ومع هذا لم يشكك زنديق في نص القرآن، ولم يزعم ملحد ولا مرتد بوجود أخطاء في آياته الكريمة (٣). مع محمد أركون . يظهر من خلال تتبع كتب أركون أن الرجل يرى أن القرآن صنفه محمد ﷺ ولا علاقة له بالسماء، بل الله نفسه خرافة وأسطورة في نظر أركون. يسوق أركون كل هذا مرة بالتصريح ومرة بالتلويح. ولنبدأ بهذا النص الواضح: قال: ودون أن نعتبر القرآن كلاما آتيا من فوق، وإنما فقط كحدث واقعي تماما كوقائع الفيزياء والبيولوجيا التي يتكلم عنها العلماء، إن القرآن يتجلى

стр. 133

لنا كخطاب خاص له ماديته وبنيته (١). من عادة أركون أن يتحدث عن القرآن بمفردات خاصة لها أبعادها وأهدافها، فيقول: الحدث القرآني (٢)، والظاهرة القرآنية (٣). لا حديث عنده عن الله ووحي وإنزال قرآن، فهذه مفاهيم قروسطية (٤)، الأمر لا يعدو أن يكون حدثا وظاهرة. وبيَّن ما يعني بالظاهرة القرآنية بقوله: ظهور القرآن كحدث في لحظة محددة تماما من لحظات التاريخ (٥). وقال: أي: القرآن كحدث يحصل لأول مرة (٦). ويعبر أحيانا بـ: لحظة ظهور القرآن (٧). وبيّن صديق أركون ومترجمه بإشرافه قصد أركون فقال: يستخدم أركون مصطلح الظاهرة القرآنية أو الحدث القرآني، وليس القرآن للدلالة على تاريخية هذا الحدث، المقصود أنه حدث لغوي وثقافي وديني يستخدم مرجعيات تعود إلى القرن السابع الميلادي في الجزيرة العربية ... والحدث القرآني هو انبجاس لغوي رائع وأخاذ ومفتوح على العديد من المعاني والدلالات لأنه يستخدم لغة رمزية مجازية في معظم الأحيان (٨).

стр. 134

وأحيانا يعبر أركون بلُفِظَت فيه الآيات (١). وقال: فإنني أفضل التحدث عن الدين المنبثق الصاعد في لحظة الخطاب القرآني الذي كان في طور التلفظ والتشكل والبلورة (٢). لا وحي ولا هم يحزنون، كما يقال: تلفُظٌ وتشكُلٌ وتبلوُرٌ، ولهذا عبر مرة بـ: ما يدعى بالوحي (٣). وتحدث في مكان آخر عن التجسد اللغوي (٤). وأحيانا عبر بانبثاق القرآن (٥). وقال: فهذا الخطاب الشفهي أولا تلفظ به متكلم ما، بلغة ما هي هنا اللغة العربية، في بيئة ما هي الجزيرة العربية، ثم استقبله لأول مرة في التاريخ جمهور ما هو الجمهور العربي القرشي في مكة (٦). وللقرآن عند أركون مراحل: ١ - تلفظ النبي ﷺ به. ولا حديث عنده عن وحي، أو إبلاغ جبريل، فكل هذه من خرافات القرون الوسطى يستحيل على الناقد التاريخي الحديث عنها. ويزعم أن الكيفية التي تلفظ بها النبي ﷺ مجهولة له. قال: ونحن لا يمكن

стр. 135

أن نتوصل إلى معرفة هذه الحالة الأولية والطازجة للخطاب مهما حاولنا، فقد انتهت بوفاة أصحابها، لقد ضاعت إلى الأبد (١). ٢ - انتقاله من المرحلة الشفاهية إلى المرحلة المكتوبة، وحصل أثناء الانتقال حسب أركون تلاعبات وحذف في النص. وهذه عبارته: إن الانتقال من مرحلة الخطاب الشفهي إلى مرحلة المدونة النصية الرسمية المغلقة (أي: إلى مرحلة المصحف)، لم يتم إلا بعد حصول الكثير من عمليات الحذف والانتخاب والتلاعبات (٢) اللغوية التي تحصل دائما في مثل هذه الحالات. فليس كل الخطاب الشفهي يُدَون، وإنما هناك أشياء تُفقد أثناء الطريق. نقول ذلك ونحن نعلم أن بعض المخطوطات قد أتلفت كمصحف ابن مسعود مثلا، وذلك لأن عملية الجمع تمت في ظروف حامية من الصراع السياسي على السلطة والمشروعية، وهذا ما أثبته النقد الفيلولوجي الاستشراقي، وهنا تكمن ميزته الأساسية. فليس هدفي أن أنكر ميزات الاستشراق الجاد والخدمات العلمية التي قدمها للتراث الإسلامي (٣). جعل المفلسُ الطعنَ في القرآن والتشكيك فيه من مميزات الاستشراق الجاد، بل من الخدمات العلمية التي قدمها للتراث الإسلامي. وقال: إن عملية الانتقال من مرحلة النص الشفهي إلى مرحلة النص المكتوب تصحب حتما بضياع جزء من المعنى (٤).

стр. 136

وقال: وفي أثناء عملية الانتقال من التراث الشفهي إلى التراث الكتابي تضيع أشياء، أوتحور أشياء، أو تضاف بعض الأشياء (١). وقال: إنه لمن الصعب تاريخيا إن لم يكن من المستحيل التأكيد على القول بأن كل ناقل قد سمع بالفعل ورأى الشيء الذي نقله على الرغم من هذه الحقيقة فالنظرية التيولوجية المزعومة قد فرضت بالقوة فكرة إن كل الصحابة معصومون في شهاداتهم ورواياتهم (٢). وقال: وهذا انتقال معقد وذو أهمية قصوى بالنسبة لفهم موضوعنا، فهو يشكل تلك اللحظة الحاسمة التي تشكل فيها مصحف ما وأُعلن بأنه المصحف الوحيد الصحيح الذي ينبغي أن يرجع إليه منذ الآن فصاعدا كل المسلمين (٣). وكل هذه نصوص واضحة في وقوع التحريف والتزوير في القرآن حسب أركون، لا تحتاج إلى أدنى تعليق. فالقرآن حسب كاتبنا كتاب ثقافي وعادي وليس متعاليا وإلهيا، تلفظ به النبي أي: قاله ونقل عنه. ولا شك أنه في هذا ليس سوى صدى للمشركين الأوائل، كما قال تعالى عنهم: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ الأنفال٣١. ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّى إِذَا جَآؤُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ الأنعام٢٥. ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ الفرقان٥.

стр. 137

﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ القلم١٥. وقال أركون: لأني أهدف إلى هدم النصوص الثانوية (أي: السنة) والتفاسير والشروحات اللامتناهية التي تحول النصوص الأولى (أي: القرآن) إلى سجن للعقل البشري. هذه النصوص التي قرر الفاعلون الاجتماعيون أن قِدَمها التاريخي سبيل إلى اعتبارها لحظة تدشين نظام جديد للإنتاج وبسط النفوذ وفرض حقيقة دون أخرى وإدارة واحدة للقانون والمشروعيات (١). فالفاعلون الاجتماعيون أي: النبي ﷺ وصحابته حولوا القرآن إلى سجن للعقل البشري من أجل بسط النفوذ والسيطرة. رغم أن أركون يغلف مشروعه النقدي للقرآن بستار القراءة السيميائية الألسنية وغيرها إلا أنه رسم هدفا مسبقا مبينا لمشروعه، يبرز هذا الهدف في تأسفه لعدم وجود وثائق علمية تثبت مشروعه التشكيكي، لنقرأ النص معا: وإنما أيضا محاولة البحث عن وثائق أخرى ممكنة الوجود كوثائق البحر الميت التي اكتشفت مؤخرا. يفيدنا في ذلك أيضا سبر المكتبات الخاصة عند دروز سوريا أو إسماعيلية الهند أو زيدية اليمن أو علوية المغرب، يوجد هناك في تلك المكتبات القصية وثائق نائمة متمنعة، مقفل عليها بالرتاج، الشيء الوحيد الذي يعزينا في عدم إمكانية الوصول إليها الآن هو معرفتنا بأنها محروسة جيدا! (٢). وثائق البحر الميت!!!، وثائق نائمة ممتنعة مقفل عليها ومحروسة جيدا!!!. نسيج من الأوهام التي يخجل الطالب المبتدئ التفوه بها، لكن ابن السربون

стр. 138

لا يهمه تفاهتها ما دامت تحقق هدف الطعن في القرآن والتشكيك فيه. وأنكر أركون على المسلمين تكرارهم إلى حد الهوس أن القرآن كلام الله (١). وقال علي حرب المعجب بأركون وبمشروعه: ذلك أن هاجس أركون الأصلي هو تفكيك النص القرآني لتعرية آلياته في الحجب والتحوير والتحويل .. هاجسه هو خرق الممنوعات وانتهاك المحرمات التي سادت فيما مضى وتسود اليوم والتي أقصت كل الأسئلة التي كانت قد طرحت في المرحلة الأولية والبدائية للإسلام ثم سكرت وأغلق عليها (٢). ثم يزيدنا حرب المسألة وضوحا قائلا: فمطمح أركون هو نبش تلك الأسئلة والاعتراضات والمواقف التي جرى قمعها أو طمسها في عهد البنوة. وفي هذا إعادة اعتبار للذين أسكتهم خطاب الوحي من المشككين والمنكرين (٣). إذن فأركون يريد رد الاعتبار للمشركين المشككين في القرآن: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ الأنفال٣١. ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ الفرقان٥. وفي كتاب آخر بيَّن علي حرب أن مشروع أركون هو نزع الهالة الأسطورية وتعرية الهيبة القدسية عما في التراث من التعالى (٤).

стр. 139

نزع الهالة الأسطورية وتعرية الهيبة القدسية أي: إسقاط الصبغة الإلهية عنه وبيان بشريته. وبعبارة أخرى لحرب دائما: تبيان تاريخية المتعالي ودنيوية المقدس (١). تاريخية المتعالي أي: تحويل الإلهي والمقدس إلى حدث تاريخي أرضي دنيوي بشري. عبد المجيد الشرفي . يعزف الشرفي نفس ما يعزفه إخوانه، وكرر كلام أركون كأنه مُحْدِثه. فقد أكد على اشتمال القرآن على عناصر ثقافة القرن السابع الميلادي كالجن والهبوط من الجنة ودور إبليس والشياطين والملائكة والطوفان وعمر نوح وغير ذلك من الظواهر الميثية حسب تعبيره (٢). الظواهر الميثية أي: الأسطورية الخرافية. وانطلق كالمسعور في حملة تشكيكية في القرآن، فذكر أننا لا نعرف الظروف الدقيقة الحافة بالخطاب القرآني أول مرة قبل تحوله إلى نص مكتوب، وأما أسباب النزول فلم تجمع إلا بعد جيلين أو ثلاثة مع ما دخلها من وضع واضطراب. وكذلك افتقدنا كما يقول النبرة التي استعملت فيه والدالة على الرضا أو الغضب على النصح أو التنبيه أو التقريع، على رفع الصوت أو خفضه، وما يصاحبه من قسمات الوجه مما لا تدل عليه الألفاظ وحدها. ومثل لنا بأن المرء قد يقول صباح الخير وهو منشرح، وقد يقولها وهو متبرم وغاضب (٣).

стр. 140

ليستنتج لنا- وهذا هو الهدف المقصود- أن لفظ القرآن لا يصح أن يطلق حقيقة إلا على الرسالة الشفوية التي بلغها الرسول إلى الجماعة التي عاصرته، أما ما جمع بعد وفاته فالنبي ﷺ لم يأمر بهذا الجمع ولم يتفق عليه الصحابة، وترددوا حتى في الاسم الذي سيطلقونه على هذه الظاهرة حسب تعبيره (١). ليؤكد في النهاية أن توحيد رواية هذه المدونة جاء بقرار سياسي في عهد عثمان (٢). إذن فالمسألة سياسة بامتياز، وهذا المصحف الموجود بين أيدينا نتاج سياسي لسلطة سياسية يخدم مشروعا سياسيا معينا. وهذا يلتقي مع كلام أركون تماما في تشكيكه في نص المصحف وأنه زِيد ونقص منه حسب رغبات الفاعلين الاجتماعيين. لكن ماذا عن تكفل الله بحفظ القرآن الكريم؟ ما رأي علامة تونس الشرفي؟ يجيب على الفور: إن الذكر الذي وعد الله بحفظه هو المحتوى وليس الظرف، هو مضمون الدعوة بما انطوت عليه من تبشير وإنذار ومن توجيه وإرشاد، وليس الألفاظ والتعابير التي صيغت فيها تلك الدعوة والتي دونت في ظرف معين وتنتسب إلى قوم بأعيانهم ولها نحوها وصرفها وقواعدها ولا تختلف في هذا المستوى عن أية لغة أخرى (٣). يريد الشرفي أن يقول إن الله لم يحفظ القرآن من التغيير والتبديل، بل حفظ مضمون الشريعة فقط، ثم زادنا من تحليلاته الباهرة المبهرة التي سرقها من كتب المستشرقين،

стр. 141

فأكد أن الله لما تحدى الكفار عن الإتيان بمثله فليس لأنه معجز بل لمصدره. لنتابع: وعندما تحدى القرآن الكافرين بأن يأتوا بعشر سور أو حتى بسورة واحدة من مثله فليس ذلك لأنه معجز ببلاغته بقدر ما هو راجع إلى مصدره إلى أصله الإلهي الذي ليس في متناول عامة البشر ... إلى آخر كلامه. ليؤكد أن كل الآثار الفنية الراقية من شعر ونثر وغيره معجز بطريقته الفريدة، ولا سبيل إلى الإتيان بمثلها (١). أي: لم يتفرد القرآن بهذه الخاصية، بل هو نص كباقي النصوص الشعرية وغيرها. والقرآن إنما تحدى الكفار لا لبنيته وتركيبه وفصاحته وبلاغته، بل لمصدره، أي: لا يستطيع أحد أن يأتي به من عند الله. ولا أحد طبعا يستطيع أن يأتي بشيء من عند الله. أي: إن الله تحداهم بما ليس في طاقتهم أصلا، وبالتالي فلا قيمة لهذا التحدي. قال عبد المجيد الشرفي: ذلك أن المسلمين آنذاك أدركوا صعوبة إثبات المصدر الإلهي للرسالة المحمدية من دون الوقوع في التجسيم أو التشبيه (٢). أي: إما بشرية الرسالة وإما التجسيم!!. والثاني مستحيل فصح الأول.

стр. 142

٢ - تاريخية القرآن (١). هذا الفرع مندرج في الذي قبله ورأيت إفراده بالبحث لأن العلمانيين يحاولون من خلال هذا المصطلح التعمية على مقصدهم بالتاريخية. وقد أفرد الدكتور أحمد الطعان هذا البحث بمؤلف ضخم، وهو كتاب جيد جدا في بابه. وما ذكرته هنا من اجتهادي الشخصي والحمد لله رب العالمين. لكن ماذا يقصدون بتاريخية القرآن أو تاريخية النصوص الدينية؟ وما هي آلياتها؟ وما الهدف منه؟ تلك هي المباحث التي سنحاول عرضها هنا إن شاء الله. المراد بتاريخية القرآن . تاريخية القرآن أو تاريخية النصوص لها بُعدان اثنان: ١ - تاريخية القرآن من حيث بِنيته، وكونه إفرازا ثقافيا لمجتمع معين أو بعبارة أوضح: كونه منتجا بشريا بعيدا عن التعالي والتقديس. ٢ - تاريخية القرآن من حيث أحكامه وتشريعاته أي: كونه استجابة لظروف وملابسات اجتماعية واقتصادية وسياسية معينة. ومع تغيرها لم تعد هناك حاجة لها. وقد أكد أركون ونصر أبو زيد وتيزيني والمؤدب على هذين البعيدين، كما سيأتي. وقد يقتصر بعضهم على الثاني كالعشماوي في تحديث العقل الإسلامي. قال أركون: التاريخية تخص بنية الحقيقة المطلقة ذاتها، كما وتخص الشروط أو الظروف السياسية والثقافية لإنتاجها ولبلورتها ولاندماجها في فكر وسلوك كل مؤمن. هذا يعني أن كل مجتمع يصوغ الوجه المتغير بالضرورة

стр. 143

لحقيقته (١). وأكد تيزيني أن البعد التاريخي في القرآن ليس تأويلا فقط ولكن تنزيلا (٢). فالقرآن تاريخي تنزيلا وتأويلا. ١ - تاريخية القرآن نفسه . يقف أركون وتلميذه هاشم صالح ونصر أبو زيد على رأس المدافعين بقوة عن هذه المسألة، بل يمكن اختزال مشاريعهم (٣) في إثبات هذه التاريخية. ولنبدأ بأركون: فقد أكد على تاريخية القرآن، وأن هذا شيء غير مفكر فيه أي: غير مسموح بالتفكير به (٤). وحسب أركون فالقرآن برع في التغطية على هذه التاريخية عن طريق ربط نفسه باستمرار بالتعالي التي يتجاوز التاريخ الأرضي كليا أو يعلو عليه (٥). وذكر في الصفحة قبلها خطأ الاعتقاد أن الوحي كما يزعم المسلمون إلهي سماوي لا علاقة له بالشؤون الأرضية، ولكن علم التاريخ الحديث كشف عن علاقة بين الكتب المقدسة وبين الحضارات التي وجدت فيها. وذكر أن هذا الاكتشاف الهام لا يقل خطورة عن اكتشافات داروين وكوبرينكوس (٦). يقصد أن للبيئة دخلا في إنشاء القرآن وإحداثه، وليس هو بالضرورة شيئا علويا مفارقا.

стр. 144

وباختزال شديد هذا الكشف العلمي الهام (!!) هو ما قاله المشركون من قبل: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ الفرقان٥. وبيَّن تلميذه ومترجمه بإشرافه أن مفهوم التاريخية يعني أن البشر هم الذين يصنعون التاريخ وليس القوى الغيبية، والتاريخ كله بشري من أقصاه إلى أقصاه، كما قال (١). وأكد أركون أنه في ظل ما سماه التاريخوية الوضعية «وحدها الأحداث أو الوقائع أو الأشخاص الذي وُجدوا حقيقة والذين دلت على وجودهم وثائق صحيحة» يمكن أن يقبلوا كمادة للتاريخ الحقيقي الفعلي (٢). يعني استبعاد الماورائيات والغيبيات، أي: استبعاد مسألة «الله» «والوحي» و «جبريل» وما إلى ذلك. وهو ما عبر عنه أركون بغير وجل بعد كلامه السابق مباشرة فقال: وهذا يعني استبعاد كل العقائد والتصورات الجماعية التي تحرك المخيال الاجتماعي أو تنشطه من ساحة علم التاريخ (٣). وهذا كلام في غاية الوضوح. لكن أركون ومع إعجابه بهذه المنهجية إلا أنه أخذ عليها إهمالها أن هذه العقائد رغم تاريخيتها فلا يمكن تجاهل دورها الحاسم في تغذية الديناميكية التاريخية، وبالتالي تجاهلت المكانة الانتربولوجية للخيال (٤). فالخيال في نظره هو مصدر كل هذه الأساطير والماورائيات والغيبيات،

стр. 145

وأحيانا يسميه المخيال. والفرق بين المدرستين أن الوضعية تعتبر الخيالات والتصورات والعقائد أشياء وهمية لا تستحق الاهتمام، بينما يرى الآخرون أن لها أهمية في مسار التاريخ مع اتفاقهما جميعا على خرافيتها. وقال عن القرآن بعد أن سماه الموديل النموذجي: يمكننا الكلام عن إنتاج هذا الموديل النموذجي وليس عن إنتاجيته، أقصد يمكننا التحدث عن توليده واللحظة التي ولد فيها. باختصار يمكننا التحدث عن تاريخيته (١). وقال هاشم صالح: لقد آن الأوان للكشف عن تاريخية النص القرآني وإنزاله من تعاليه الفوقي إلى الواقع الأرضي المحسوس، آن الآوان للكشف عن علاقته بظروف محددة تماما في شبه الجزيرة العربية وفي القرن السابع الميلادي (٢). ونقل عن هانز كونغ (٧٨ - ووافقه هو مؤكدا ص ٨٠) تشكيكه في نزول القرآن من عند الله، وأن تأتير اليهودي والمسيحي واضح فيه، وأن النبي ﷺ لم يكن أميا. قال هاشم معلقا: هذا في حين أن القرآن مفعم بأصداء اليهودية والمسيحية وقصص عيسى وموسى ومريم وزكريا ويوسف وداوود ويعقوب والأسباط ... إلخ. يريدون تنظيف التراث من الإسرائيليات والقرآن نفسه مليء بالإسرائيليات (٧٨). وأكد تبعا للمستشرق هانز كونغ أن أخبار أنبياء اليهود والمسيحيين المذكورة في القرآن تلقاها النبي ﷺ شفاهيا في مكة، وأن هذا ما يؤكد تاريخية القرآن طبقا لمنهج النقد التاريخي وإن صدمت الوعي الإسلامي.
следующие страницы →