← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96927

العلمانيون العرب وموقفهم من الإسلام

مصطفى باحو

Полный текст (384 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وبالتالي: فالتراث الإسلامي ذو منشأ تاريخي ولا علاقة له بسلطة متعالية أي: الله أو الوحي في نظر مؤرخ الفكر الإسلامي (!!). قال: وعلى الرغم من أن تراثا كهذا هو ذو منشأ تاريخي واضح ويمكن تحديده بدقة، فإنه يدعي صفة التعالي على التاريخ أو تخطي التاريخ لأنه منغرس (متجذر) داخل الوعي ويعبر عن تعاليه وتنزيهه. لكن الواقع التاريخي يناقض هذا الزعم التيولوجي (اللاهوتي) (١). وهكذا مسألة وجود الله، فإن البشر هم الذين أوجدوه، وليس العكس في نظر سيادة المؤرخ، ولذلك فالله هو بحاجة دائما إلى وساطة بشرية ليحصل تصوره (٢). وعلماء الدين هم الذين كانوا يبلورون تصورا عن الله ويفرضونه فرضا على المجتمع، وبالتالي فلا يمكن الوصول إلى الله إلا عن طريقهم هم (٣). وتوهم البشر طيلة أجيال وأجيال سواء المسلمون أو المسيحيون أن الله حاضر بينهم (٤). وفي نظر أركون إن الوسطاء (الأنبياء وأتباعهم) هم الذين فرضوا وجود الله وهم الذين حكوا ذلك بلغة معينة قابلة للتأويل والتفسير. ثم شرح لنا أركون كيف أنه إذا رددنا مسألة وجود الله إلى أصلها ظهرت تاريخيته، قال: فلكي تتحرر من شيء ما ينبغي أن تكشف عن أصله أو جذره الأول (أي: كيف تشكل وانبنى لأول مرة). ومن المعلوم أن الشيء يخفي سره أو أصله بكل الوسائل، وذلك لكي يقدم نفسه بشكل طبيعي بدهي، لا يقبل النقاش، ثم لكي يقدم نفسه وكأنه كان دائما

стр. 72

موجودا هكذا منذ الأزل، وسوف يظل موجودا هكذا إلى الأبد، بمعنى آخر فإنه يفعل كل شيء لكي يغطي على لحظة انبثاقه التاريخية، لكي يخفي تاريخيته. هذا ما تفعله كافة العقائد والتصورات الدوغمائية في جميع الأديان (١). ثم تحدث أركون عن كيف ولدت فكرة الإيمان بالله وكيف صنع العرب إلههم الواحد لأول مرة (٢). ولذلك فمسألة «موت الله» التي تحدث عنها نيتشه ورغم كونها عبارة قاسية وصادمة للحساسية الجماعية لجماهير المؤمنين، إلا أنها كما قال أركون: ينبغي ألا تخيفنا كثيرا، وإنما تعني موت طريقة معينة للتعبير عن وجود الله، ولهذا فلا بد من البحث عن إله رحيم بدل إله الأديان الذي يقمعنا والذي اتفقنا أنه قد مات. من هو إذن إله أركون الجديد؟ إنه الأمل، لنترك أستاذ تاريخ الفكر الإسلامي (!!) يحدثنا عن إلهه الجديد، قال (٢٨٢): إن التصور القروسطي المظلم والقمعي عن الله والتأله قد مات، أو ينبغي أن يموت، لماذا؟ لكي يفسح المجال لتصور آخر أكثر رحابة ومحبة وغفرانا ... وهكذا محل التصور الذي يقمعنا ويسحقنا يحل التصور الآخر الذي يسامحنا ويحررنا. ويمكن القول بأن التصور الحديث لله يتجلى في الأمل، في الانفتاح على أفق الأمل: الأمل بالخلود، الأمل بالحرية، الأمل بالعدالة، الأمل بتصالح الإنسان مع ذاته. هذا هو الله بالنسبة للعالم الحديث والتصور الحديث. انتهى. هكذا يقول، وقد مات أركون ودفن في مقبرة الشهداء، إنه شهيد العلمانية، لقد عاش حياته كلها مسفها للأديان ساخرا من خالقه كافرا به وبرسله وبدينه، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 73

ولنصبر قليلا ولنتابع مع أركون مزاعمه، فقد قال في نفس الكتاب (١٣٢ - ١٣٣): ينبغي أن نعلم أن الدوائر الخاصة بما هو خارق للطبيعة، وبالتعالي الإلهي أو الميتافيزيقي، وبالآلهة الناشطة والمهيمنة، أو بالإله الواحد الحي، ولكن البعيد، وبالعقائد السحرية أو الأسطورية أو الشعبية أو الخرافية أو الدينية، هذه العقائد المرتبطة جميعها بالمتخيل ... أقول: إن ذلك كله هو أيضا من صنع الفاعلين الاجتماعيين (أي: البشر) فلو لم يخلق البشر هذه التصورات أو لو لم يؤمنوا بها لما وُجدت. وهذا كلام في غاية الوضوح والظهور، فالدين والله والآخرة والملائكة والشياطين كلها تخيلات بشرية وهمية من صنع البشر. إذا كانت كل هذه العقائد خيالات وهمية ماذا عن الرسول ﷺ ؟ وهل وجد يوما ما رجل اسمه محمد دعا قومه لعبادة الله وحده؟ عند أركون ببساطة وبتحليله السيميائي هناك فئة اجتماعية اجتمعت حول النبي في الحجاز ذات أهداف إيديولوجية سياسية انتصرت ورسخت مفاهيم جديدة أو حورتها مثل النبي رسول الله وهكذا، وحولتها إلى مثال أعلى متعال، أو قامت بما يسميه أركون الأسطرة والتقديس والتعالي (١). هناك عوامل تاريخية اجتماعية في نظر أركون هي التي شكلت ما يسمى عندنا نحن المسلمين السذج الغافلين عن التحليل السيميائي الدلالي، هذه المفاهيم: الله، دين، رسول، ملائكة ... أو بعبارة أركون: حولت أو صورت هذه المفاهيم الدينية الموروثة عن ديانات أخرى إلى مفاهيم جديدة ذات رمزية جديدة. وحسب

стр. 74

التحليل التاريخي عند أركون لا يعدو الأمر أن يكون صراعا على السلطة بين فئة تسمى «المؤمنون»، وقوى تقليدية حُط من قدرها اسمها «الكفار والمنافقون والمشركون» (١). في ظل التحليل التاريخي الأركوني لابد أن نعيد الاعتبار للمشركين والكفار، وهذه عبارته في صدد حديثه عن قيام فئة المؤمنين بقيادة النبي بالسيطرة على السلطة التي كانت عند المشركين والكفار: نجد من الناحية التاريخية أنه ينبغي أن نعيد للعصبية الثانية التي حُوربت وقلص من شأنها من قبل الدولة الرسمية أبعادها الواقعية والحقيقية. لقد حصل تهميش هذه العصبة القبلية أو البدوية، إما عن طريق الخطاب المسيطر، وإما عن طريق التصفية الجسدية لركائزها الاجتماعية والثقافية (٢). فليس هناك غير السلطة والصراع على السلطة عند أركون من قبل النبي ومعارضيه، ويجب عنده رد الاعتبار للمعارضين. ولا نجد تفسيرا لهذا الانحياز لكفة أبي جهل إلا في المثال العربي الذي يقول: وكل إناء بما فيه ينضح. أما نصر حامد أبو زيد الذي حكمت بردته محكمة القاهرة: فالله والملائكة والشياطين والجن واللوح المحفوظ كلها تصورات أسطورية مجازية، وليست حقائق في نفس الأمر. فقد تعجب كيف أن المسلمين ما زالوا يؤمنون باللوح المحفوظ والله بعرشه وكرسيه وجنوده الملائكة، وبالإيمان بالشياطين والجن والسجلات التي تدون فيها الأعمال. قال: والأخطر من ذلك تمسكه بحرفية صور العقاب والثواب

стр. 75

وعذاب القبر ونعيمه ومشاهد القيامة والسير على الصراط ... إلى آخر ذلك كله من تصورات أسطورية (١). وفي صفحات لاحقة عند حديثه عن المجاز تعجب من الإيمان بحرفية الدلالات التي وردت في النصوص الدينية عن الله كالعرش والكرسي والملائكة، وما ورد عن الآخرة كالصراط والحوض وعذاب القبر وناكر ونكير، وما ورد عن المسيح الدجال وغير ذلك من أشراط الساعة. في حين هي لا تعدو في نظره مجازا وليس حقائق موجودة (٢). وبالجملة فالأمر كما قال حسن حنفي: إن النصوص الدينية التي تظن أنها -ستقول ذلك مجازا- هابطة من السماء، إنما هي في الحقيقة نابتة في الأرض (٣). الإسلام ليس إلا عقائد يهودية ومسيحية وجاهلية وإغريقية، ألفها محمد وجمع بينها في إخراج من نوع خاص . تلك هي حصيلة افتراءات العلمانيين حول أصل الإسلام أو الإسلام المحمدي كما يعبر طيب تيزيني. وكما قال نصر حامد أبو زيد: فالإسلام نفسه لم ينبثق من فراغ، بل له جذور (٤). وإن الكثير مما هو إسلامي أصله غير إسلامي، كما يرى عبد المجيد الشرفي (٥). وعند أركون «إن الإسلام جزء من التراث الإغريقي السامي وليس من أيّ

стр. 76

تراث معرفي آخر» (١). وإن القرآن أعاد صياغة الميتافزيق التوراتي على حد تعبيره (٢)، والقصص القرآني مأخوذ من التراث اليهودي والمسيحي (٣). إن القرآن كما الأناجيل ليس إلا مجازات عالية تتكلم عن الوضع البشري، إن هذه المجازات لا يمكن أن تكون قانونا واضحا (٤). وذكر أركون أن القرآن استعار قصصه من غيره، ووظفها ضمن منظوره وغيَّر وجهتها وغائيتها لكي تتطابق مع وجهته هو (٥). هذا هو القرآن الكريم في نظر مؤرخ الفكر الإسلامي (!!): توظيف وتغيير وجهة قصص من غيره. وزاد مؤكدا أن القرآن دمج في الدين الجديد بعض شعائر الدين العربي الجاهلي السابق عليه كشعيرة الحج مثلا، أو قانون العِرض والشرف، كما يأخذ العديد من التعاليم والوصايا والحكايات عن التوراة والإنجيل على الرغم من أنه يتهم أصحابهما بممارسة التحريف. إذن هو قرآن ملفق حسب أركون. والقيم المدعوة إسلامية ليست سوى قيم جاهلية تم توظيفها ودمجها في الدين الجديد.

стр. 77

وحسب عزيز العظمة: «الواقع التاريخي أن الإسلام لم يولد جاهزا، بل الأصح أن أكثر عناصره تسربت إليه، وطوعت معاني القرآن، وعملت على تشكل الحديث بموجب الأوضاع السائدة في الشام والجزيرة والعراق وفارس وخراسان» (١). أو كما قال سيد القمامة: فالمعلوم لكل باحث في الإسلام أنه قد استمد معظم شرائعه إن لم يكن كلها من شرائع العرب قبل الإسلام بعد أن هذب بعضها القليل جدا وشذبه (٢). أو كما قال هاشم صالح: إن القرآن متأثر أيضا بالإنجيل وليس فقط بالتوراة على عكس ما يظن البعض (٣). وقال محمود إسماعيل: بل إن الإسلام نفسه اعتمد الكثير من التقاليد والنظم الجاهلية في صياغة شريعته (٤). أو كما قال طيب تيزيني: بحيث يمكن القول بأن الإسلام أخذ الكثير من الأعراف العربية الوثنية والمسيحية والنصرانية واليهودية إلخ ... التي كانت سائدة في المرحلة السابقة عليه (٥). وقال عن الموروث الإغريقي والهليني والفارسي والهندي والصيني وغيره: بل يمكن القول إن النص القرآني نفسه كان قد تأثر بذلك الموروث (٦).

стр. 78

وأكد أن القرآن وإن نفى تعلم النبي ﷺ من قوم أجانب فلم ينف الاتصال معهم، ليخلص من بعدها إلى ما يلي: كما أن تعبير (قوم آخرون) والذي يتبادر إلى الذهن أن الكفار لم يكونوا ليقولوا ما قالوه مما حكته الآية، لو لم يروا أو يعرفوا أنه كان للنبي ﷺ حلقة أو رفاق يجتمعون إليه ويجتمع إليهم، ويتحدثون في الأمور الدينية، وليس من المستبعد إن لم نقل من المرجح أن هذا كان قبل البعثة ثم امتد إلى ما بعدها .... إلى أن قال: ما أتى به محمد، ما هو إلا استنساخ لما قدم سابقوه ومعاصروه: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الجاثية ٢٩ (١). وزاد مؤكدا أن الإسلام المحمدي تبنى الألفاظ والأفكار التي كانت في الجاهلية، ومثل لذلك بـ: القرآن والسورة والآية، والتيمم والفسق وتحريم الخمر وقطع يد السارق وتحريم القمار والحج والاغتسال والصلاة إلى القبلة (مكة والقدس) وصوم عاشورا والدعاء والإيمان بالله الواحد والختان وحف الشارب مع ترك اللحية، والإيمان بالشياطين والجان والإيمان باليوم الآخر والحساب ... إلى آخر كلامه (٢). وزاد في مكان آخر: تقبيل الحجر الأسود والاهتمام به، والطواف حول الكعبة وصوم عاشوراء وذبح الأضاحي والعمرة (٣). إذا فالإسلام نسخة كربونية للجاهلية في نظر طيب تيزيني. ليس هذا فقط، فقد ذكر أن الإسلام خرج من اليهودية والمسيحية (٤).

стр. 79

ويتحاشى ذكر أية علاقة لهذا الدين بقوى غيبية أو بالله والوحي ونحو ذلك. إنه حركة سياسية ذات منزع ديني، استوعبت الحركات الدينية المعاصرة لها والأفكار والمعتقدات السائدة في بيئتها، بل بتخطيط وتدبير وإشراف نصراني كما سيأتي عن طيب تيزيني وآخرين. يريد العلمانيون من هذا كله إثبات تاريخية الإسلام، وكونه نبع من الأرض لا نزل من السماء، أي: هو بشري المنشأ والمصدر، ابن بيئته الحجازية، نشأ فيها وتأثر بأوضاعها وبمحيطها، بل هي ولدته، ومن رحمها خرج. ونصل بعد كل هذا إلى متولي كبر هذه الفرية: إنه مفتي الماركسية الشيخ الأحمر خليل عبد الكريم، فقد ألف كتابا خاصا لبيان الاستنساخ الإسلامي للجاهلية وباقي الديانات، سماه: الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية. قال: إن الإسلام ورث الكثير من عرب الجزيرة واستعار العديد من الأنظمة التي كانت سائدة بينهم في شتى المجالات: الأخلاقية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية (= الحقوقية) والسياسية واللسانية. وزاد: فالكثير من القراء قد يدهش عندما يعرف أن الإسلام قد أخذ من الجاهلية كثيرا من الشؤون الدينية أو التعبدية (١). وذكر منها الحج والعمرة وتعظيم الكعبة وتقديس شهر رمضان وحرمة الأشهر الحرام وثلاثة حدود الزنا والزنا وشرب الخمر والقصاص والدية والقسامة والعاقلة (٢). وزاد: وتعظيم إبراهيم وإسماعيل والاجتماع العام يوم الجمعة (٣). ثم قال: هذه بعض الشعائر الدينية أو التعبدية التي استعارها الإسلام من القبائل

стр. 80

العربية (١). وقال: .. يدل دلالة أكيدة على أن التقاليد العربية التي كانت سائدة في الفترة السابقة على البعثة المحمدية تركت آثارا واضحة لا على النصوص المقدسة فحسب، بل سلوكيات المسلمين من ذوي السابقة (٢). وذكر أن الإسلام ورث كذلك من ديانة الحنيفية: النفور من عبادة الأصنام، وتحريم ما ذبح عليها، وتحريم شرب الخمر وحد شاربها، وتحريم الزنا، وحد مرتكبيه، والاعتكاف في غار حراء، وقطع يد السارق، وتحريم أكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، والنهي عن وأد البنات، والصوم، والاختتان، والغسل من الجنابة، والإيمان بالبعث والنشور، والحساب، والإيمان بالله وحده والدعوة إلى عبادته (٢ - ٢٥ - ٢٦) ومنها صلاة الخوف وصلاة الكسوف والخوف (١٩٤)، والعتق والولاء (١٩٤). وأما تقاليد العرب القديمة، فقال الشيخ الأحمر مفتي الماركسية: يمكننا أن نؤكد ونحن على ثقة شديدة بأن الإسلام ورث من العرب الشيء الوفير، بل البالغ الوفرة في المناحي كافة التعبدية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والحقوقية .... الخ (٣). فأما الشعائر الاجتماعية فمنها الرقى والتعاويذ (٢٩)، والعناية بالإبل والأنعام (٣٢)، وتعدد الزوجات (٣٤)، والتفرقة بين العرب والعجم (٤٣) والتمييز بين العرب والأعراب (٤٦)، والنظرة إلى الزراعة وأهلها (٤٩) والجزية (٥٠)، وأكل العشور أي: الزكاة (٥٣)، والاستجارة والجوار (٥٦)، وحرمة

стр. 81

النسب (٥٩) والاسترقاق (٦٤) وأن الإسلام تأثر بتقاليد العرب وأنه ورث منهم هذا التقليد أو العرف (٦٥). وأما الشعائر الجزائية: فالعاقلة (٦٩) والقسامة (٧٢). وأما الشعائر الحربية: خمس الغنائم (٧٧) والسلب (٧٩) والخمس (٨٠). وأما الشعائر السياسية: الخلافة (٨٣)، ولهذا لم يعين النبي ﷺ خليفة لأنه متبع للتقاليد العربية القديمة، والشورى (٩٤)، نسخها الإسلام ونقلها بنفس الصورة والملامح، وقال: هل بعد ذلك شك في أن الشورى هي ميراث من القبائل العربية السابقة على الإسلام (٩٨). بل زاد وأكد أن الجاهلية المسودة للأنظمة الإسلامية (١). وما عليك إذا أردت أن تفهم عبارة في المبيضة (أي: الإسلام) إلا أن ترجع للمسودة (٢). وكرر هذه التهم في كتابه الآخر الإسلام بين الدولة الدينية والدولة المدنية، فذكر أن الإسلام ورث مجموعة من الطقوس والشعائر من الجاهلية، مثل الحج والعمرة، وتقبيل الحجر الأسود، وصلاة الاستسقاء (١٨٥). وبيّن أن صلاة الاستسقاء تعلمها النبي ﷺ من جده عبد المطلب لما أقامت قريش طقوسا تشبه صلاة الاستسقاء، وهو غلام (١٨٢ - ١٨٣). وطبعا لا يهم العلمانيين هذه القصة صحيحة أم لا، لأن المهم هو تأديتها للغرض، وإذا ما احتججت بأحاديث البخاري ومسلم والمجمع على صحتها قالوا آحاد وربما شككوا فيها جملة وتفصيلا. وزاد كذلك أن صلاة الكسوف والخسوف طقوس وشعائر ورثها النبي من عصره، قال: إذا راقبنا أثر كسوف

стр. 82

الشمس وخسوف القمر على محمد صاحب الشريعة (١) وما يلم به أو يعتريه خلالهما، وما كان يقوم به من طقوس وشعائر لانجلائهما يتوثق لدينا أنه ابن مجتمعه الذي تربى فيه وعاش في تلافيفه أربعين عاما قبل البعثة واثني عشر بعدها (١٨٦). يريد أن يقول لنا: إن الإسلام ليس إلا نسخة معدلة من الجاهلية. فلماذا كل هذا الضجيج والشغب أيها المسلمون؟ ها هو أبو جهل القرن العشرين التقدمي قد بين لنا أننا نسخة كربونية لأبي جهل القرن السابع. ولا بأس أن نجيب هنا ولو باختصار شديد عن هذه الشبهة التافهة: كان دين إبراهيم ﵇ الذي هو الإسلام نفسه عقيدة وشريعة مع اختلافات بين شرائع الأنبياء، لكنها متفقة في أصول العقيدة والأخلاق الفاضلة وكثير من العبادات والفضائل. كانت موجودة في الجزيرة العربية. وكانت تنتشر اليهودية والمسيحية فيها وفي أطرافها، والتي تشترك مع الإسلام في عدة أمور. تركت هذه الأديان آثارا واضحة على سكان الجزيرة، وبقيت كثير من دين إبراهيم باقيا حتى بعثة النبي ﷺ كالحج والعمرة وتعظيم الكعبة والأضحية والختان وغيرها كثير. ولهذا كان يقال لمن اتبع النبي ﷺ في بداية الدعوة: صابئ، أي: صبأ وعاد لدين إبراهيم. ودين إبراهيم وكافة الأنبياء هو الإسلام كما قرر القرآن الكريم: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ آل عمران٦٧. وبالتالي فلما بعث الله نبيه محمدا ﷺ أرسله بتجديد الدين الذي كانت بعض بقاياه

стр. 83

موجودة في جزيرة العرب وغيرها كالشام واليمن. فطبيعي جدا أن يتفق الشرع الجديد مع الشرائع السابقة التي بقيت موجودة في المجتمعات. ومفتي الماركسية يعرف بعض هذا لكنه يتجاهل فقد نقل بنفسه (١٩) عن ابن الكلبي قوله في كتاب الأصنام: كان العرب يعظمون الكعبة ويسيرون على إرث أبيهم إسماعيل من تعظيم الكعبة والحج والاعتمار. فالإسلام لم يرث من الأديان السابقة بل من الوثنيات القديمة أو غيرها شيئا (١). ولم يخرج العروي عن السياج العلماني فقد قرر أن النبي جاء العرب بما عهدوه وألفوه مثل الختان والتضحية وتقديس البيت والتبرك بزمزم، ولو أقدم على تجاهلها لكذبوه (٢). فمحمد في نظر العلمانيين ليس صاحب رسالة يبلغها عن الله، وإنما هو زعيم سياسي يستثمر التناقضات المختلفة لتأسيس مشروعه العربي. وسيأتي معنا مزيد بسط لهذه المسألة في المبحث الخاص بموقف العلمانيين من النبوة، فقرة: «الإسلام ليس إلا نسخة معدلة من اليهودية والنصرانية، خطط لها مسيحيون وحنفاء». الإسلام حزب هاشمي أسسه جد النبي عبد المطلب وأكمله محمد . الإسلام في نظر العلمانيين ليس إلا وحدة سياسية عربية، تحت غطاء ديني، وهو مركب من الأديان السابقة، وقف خلفها مجموعة من المسيحيين، أو حسب

стр. 84

تعبير القمني الإسلام حزب هاشمي. والحزب الهاشمي عنوان كتاب للقمني بين فيه أن هذا الحزب الوحدوي العربي أسسه عبد المطلب، وأكمله النبي ﷺ . وسيأتي معنا الحديث عنه عند حديثنا عن الأنبياء في نظر العلمانيين. وقال حسن حنفي: وبيَّن (أي: القمني) أن هناك محاولات عديدة قبل الرسول ﷺ ، ولكن الرسول ربما هو آخر صياغة ناجحة لتأسيس وحدة العرب بعد شعراء الصعاليك وقصي بن كلاب الذي وضع له فصلا خاصا، ومثل كثير من المتنبئين ومن الذين خاطبوا السماء، لذلك فإنه في بعض النصوص التي يأتي بها نص لعبد المطلب وهو يخاطب السماء، يسجعه ويشبه نصوص القرآن الكريم، ونجد بالفعل أن الخلاف بين ما أتى به الرسول وبين ما كان سابقا عليه كان خلافا في الدرجة وليس في النوع. وهذا فتح وكشف كبير (١). ولم يكن -في نظر نصر أبي زيد- ظهور الإسلام إلا تجاوبا مع واقع عربي يبحث عن إيديولوجيا لتوحيد العرب (٢). والنبي محمد شخصية تجسدت فيها أحلام العرب (٣). واعتبر طيب تيزيني أن شخصيات كبرى نصرانية أثَّرت فيه عن كثب مثل ورقة بن نوفل (٤). وأكد على أن زواج النبي ﷺ بخديجة كان زواجا سياسيا خطط له على نحو محكم أكثر من عشرين سنة (٥).

стр. 85

وبيّن أن بحيرى الراهب من الشخصيات التي أثرت في تكوين خديجة ومحمد (١). ينثر الجابري سموما بطرق بالغة في الغور، فلنقرأ مثلا عند حديثه عن فرقة الأبيونية النصرانية المناهضة للتثليث: بعد هذا التحديد الذي كان لا بد منه (خصوصا وقد ذهب بعض الكتاب العرب المعاصرين إلى حد القول بأن هذه الفرقة هي التي حضرت لظهور محمد ﵇ في صورة نبي بتخطيط وتدبير من القس ورقة بن نوفل عم خديجة زوج الرسول، الشيء الذي يضعنا إزاء نظرية المؤامرة مرة أخرى!) (٢). ثم تحدث عن عبد الله أريوس وفرقته الأريوسية، وهي فرقة نصرانية حسب زعمه مناهضة لألوهية المسيح، ثم قال: ونحن إذا كنا هنا نولي أهمية كبرى لهذا الرجل وفرقته فلأننا نجد في السيرة النبوية ما يدل بالقطع على أن الرسول ﵇ كان مهتما بأتباع هذه الفرقة كما سنرى لاحقا (٣). وكل هذه أباطيل ومغالطات وتحميل للنصوص ما لا تحتمل. ومن سمومه التي نفثها أن تبشير بعض الرهبان بالنبي ﷺ والحديث عن العودة إلى دين إبراهيم ليست إلا دعاية سياسية ضد الإمبراطوريتين المتحاربتين، والتبشير بقرب سقوطهما موظفة الدين (٤). ولفرط عشق العلمانيين للسلطة صاروا لا يرون في أيّ نشاط يقوم به غيرهم إلا أنه يندرج في الصراع عليها.

стр. 86

هكذا يرون النبي ﷺ ، كما تقدم قريبا وسيأتي قريبا كذلك عن أركون ونصر أبي زيد، وسيأتي عنهم وعن غيرهم في الفصل الذي خصصته لطعنهم في النبي ﷺ والصحابة. وزعم الجابري أن النجاشي كان على مذهب الأريوسية، وأن النبي ﷺ قد علم ذلك ولذلك أرسلهم إلى هناك (١). وهكذا يتم نسج شبكة بتلفيقات من هنا وهناك، ثم يزعمون أن هذا هو البحث العلمي. بل ذهب أبعد من هذا فجعل أنه كان لأجداد النبي ﷺ علاقة بملوك الحبشة (٢). وأن النبي ﷺ كان أخواله من اليمن (٣). وأنه كانت هناك مراسلات بين النبي ﷺ والنجاشي (٤). وذكر قبل هذا حركة الحنفاء الذين يبحثون عن دين إبراهيم كزيد بن عمرو بن نفيل وغيره. ليخلص من كل هذا إلى أن الأمر ليس تبشيرا بالنبي محمد ﷺ ، «بل إن المسألة كانت تتعلق في الواقع بوجود تيار ديني توحيدي قام في وجه نظرية التثليث التي رسمته المجامع الكنسية برعاية أعلى السلطات في الامبراطورية البيزنطية، تيار توحيدي اكتسى طابع المعارضة الفكرية والسياسية، وبالتالي الدينية لدولة الاحتلال البيزنطي ومذهبها الديني، من طرف شعوب الضفة الجنوبية والشرقية للبحر الأبيض المتوسط» (٥). هذا هو المصرح به، والمسكوت عنه في خطاب الجابري هو أن النبي ﷺ وما جاء به من قرآن وإسلام هو امتداد لهذا التيار المعارض لا أقل ولا أكثر.

стр. 87

إنها معارضة سياسية تتقمص الدين كغطاء، إنه التفسير الماركسي الطبقي الكامن في لاشعور الجابري، وقد كان يوما ما من أبرز دعاته في المغرب. ونختم هذه التحليلات العلمانية التي تصب في نفس الاتجاه بقول نصر حامد أبي زيد وقول أركون. أما نصر أبو زيد فقال: إن العقائد الدينية ليست في الحقيقة سوى صياغة إيديولوجية للصراع الاجتماعي الذي يخوضه البشر على الأرض (١). فالنبي ﷺ خاض صراعات إيديولوجية مع خصومه فولدت هذه الصراعات عقائدَ دينية معينة. وواضح أن هذا الطرح يندرج في الإطار الماركسي كذلك. يقصد الماركسيون أن الطرح الديني بأن إلها بعث نبيا، وهذا النبي دعا قومه فعارضوه، من تفاهات القرون الوسطى، وأن الأمر لا يعدو دعوات سياسية إيديولوجية تتقمص الدين غطاء. وأما أركون فقال: كان الشيعة والسنة قد تنافسوا في صراعهم المتبادل على الإخراج المسرحي للتراث الذي خلفه محمد، وذلك من أجل تحديد وإيجاد سلطة مقبولة من قبل كل المسلمين، ثم ممارسة هذه السلطة. إن دراسة تركيباتهم الإيديولوجية وألاعيبهم واعتبارها بمثابة إخراج سينمائي أو مسرحي، وليس نقلا أمينا وصحيحا للحقائق المؤسسة هو شيء أساسي جدا من أجل القيام بنقد فلسفي وبالتالي تاريخي لمفهوم السلطة في الإسلام (٢). إنها السلطة وليس هناك غير السلطة، وما التراث الإسلامي إلا ألاعيب ومسرحية بإخراج سينمائي بامتياز!!

стр. 88

ثم بين أركون كيف أن ظهور النبي ﷺ وإنشاءه للدولة ليس إلا تجسيدا للصراع على السلطة بين عائلته (بنو هاشم) وعائلة بني سفيان، ثم تعقد الصراع أكثر لظهور طرف ثالث هم الأنصار ولهم طموحاتهم السلطوية أيضا حسب تعبير أركون (١). والصراع بين السنة والشيعة حسب أركون ليس دينيا، وإنما صراع على السلطة بين هذين العائلتين المتصارعتين: عائلة النبي وعائلة أبي سفيان، لتحسمه عائلة بني سفيان لصالحها (الدولة الأموية) لتعود عائلة النبي مرة أخرى في عهد العباسيين (٢).

стр. 89

العقائد الإسلامية نبدأ أولا بجملة من النصوص التي تكذب أو تسخر من العقائد الإسلامية المجمع عليها، ثم نخص بالذكر مجموعة من العقائد القطعية الثابتة كوجود الله والملائكة ورسله واليوم الآخر وغير ذلك مما سيأتي إن شاء الله. قال محمد أركون: ولا نريد أن نحمي بأي ثمن تلك القيم أو العقائد الموروثة عن الماضي كما يفعل بعض المحافظين الذين يحنون رجعيا إلى الوراء، لا نريد أن نحمي من سلاح النقد تراثا قدسته الأزمنة المتطاولة، كما ولا نريد أن نحمي الهوية الدينية أو القومية ونضعها بمنأى عن كل تفحص نقدي (١). وأكد على ضرورة إعادة النظر في كل المسلمات والعقائد الدينية حول القرآن والوحي والتحريف وكون الله حكما في قضايا البشر (٢). القيم والعقائد والهوية الدينية تحت رحمة مطرقة محمد أركون. في حين اعتبر صادق جلال العظيم في نقد الفكر الديني (٥٠) أن المعتقدات الدينية كالإيمان بالقضاء والقدر والثواب والعقاب والإيمان بعدل الله فيها تناقضات عقلية صريحة لا يسعنا إلا رفضها.

стр. 90

أما عبد المجيد الشرفي فيرى أن كثيرا من عقائد المسلمين ما هي إلا أساطير فقط، لا أنها حقائق واقعية، قال: واعتبارا للغاية الكامنة وراء حديث القرآن عن آدم وحواء وعن إبليس والجن والشياطين والملائكة وعن معجزات الأنبياء لا يضير المؤمن أن يرى في كل هذا الذي ينتمي إلى الذهنية الميثية رموزا وأمثالا، لا حقائق تاريخية (١). الذهنية الميثية أي: الأسطورية. فلم يوجد في الواقع آدم وحواء وإبليس والملائكة والأنبياء، إنما هي أساطير محكية ترمز إلى أشياء معينة، وهي لضرب المثل فقط. وهكذا يُكذِّب القرآن والسنة والإجماع بأتفه الشبهات، ويبدو أن الشرفي خُدر إلى درجة رهيبة. وفي مكان آخر يحدثنا أن هذه العقائد الموروثة ليست معلومة من الدين بالضرورة، لكنها أشياء ارتأتها الفئة الغالبة. فقد أكد على أنه لا يجب على المسلم التسليم بأن العقائد الموروثة المتعلقة بعدم خلق القرآن والإيمان بالقدر خيره وشره ورؤية الله وعذاب القبر ومنكر ونكير وعصمة الصحابة وغيرها معلومة من الدين بالضرورة، وإنما هي أشياء ارتأتها الفئة الغالبة تاريخيا (٢). وكذا اعتبر صادق العظم في نقد الفكر الديني (٢٥) أن كلام القرآن عن خلق آدم وسجود الملائكة له وامتناع إبليس وطرده من الجنة أسطورة تناقض تناقضا صريحا المعارف العلمية. واعتبر (٢٦) الجن والملائكة وإبليس وغيرها مجرد كائنات أسطورية خرافية لا أساس لها من الصحة. ولا مكان عنده للإيمان بآدم

стр. 91

وحواء والجحيم والنعيم وأن موسى شق البحر الأحمر بعصاه (٢٠). واعتبر القمني الجن والعفاريت مجرد خرافات (١). بينما صرح حسن حنفي في تجديده (٦١) أنه ليس للعقائد صدق داخلي في ذاتها، بل صدقها هو مدى أثرها في الحياة وتغيير للواقع. وكل العقائد الإسلامية ومصطلحاتها يجب تجاوزها في دين «التراث والتجديد» فأكد أن ألفاظا مثل: الله والجنة والنار والآخرة والحساب والعقاب والصراط والميزان والحوض كلها ألفاظ يجب تجاوزها وزاد: فألفاظ الجن والملائكة والشياطين، بل والخلق والبعث والقيامة كلها ألفاظ تُجاوز الحس والمشاهدة، ولا يمكن استعمالها لأنها لا تشير إلى واقع، ولا يقبلها كل الناس، ولا تؤدي دور الإيصال (٢). وذكر قبل (١١٩) أن ألفاظا مثل الإيديولوجية والتقدم والحركة والتغير والتحرر والجماهير والعدالة ألفاظ معبرة لها رصيد عند الجماهير خلافا للألفاظ الدينية. وسيتحول علم أصول الدين إلى علم الإنسان، فبدل الحديث عن الله والشياطين والملائكة، سنتحدث عن الإنسان (٣).

стр. 92

وقال: وبالتالي يمكن نقل عصرنا من مرحلة التمركز حول الله، وهي المرحلة القديمة إلى مرحلة التمركز حول الإنسان، وهي المرحلة الحالية (١). ويمكن في شريعة «التراث والتجديد» تبديل اسم الله بالإنسان الكامل مثلا (١٢٤). وقال: فكل ما وصفوه (أي علماء التوحيد) على أنه الله إن هو إنسان مكبر إلى أقصى حدوده. وماذا عن أسماء الله وصفاته؟ أجاب صاحب «التراث والتجديد» على الفور: فكل صفات الله مثل العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر والكلام والإرادة كلها هي صفات الإنسان الكامل، وكل أسماء الله الحسنى تعني آمال الإنسان وغاياته التي يصبو إليها (١٢٤). ثم قال بكل خفة وطيش: فالإنسان الكامل أكثر تعبيرا عن المضمون من لفظ الله (١٢٤). فحسن حنفي يريد أنسنة كل ما هو إلهي، وهذا هو جوهر العلمانية. وعلى ضوء ما تقدم فالإيمان والإلحاد لا مكان لهما في دين «التراث والتجديد»، قال: إن مقولتي الإلحاد والإيمان مقولتان نظريتان لا تعبران عن شيء واقعي لأن ما يظنه البعض على أنه إلحاد قد يكون جوهر الإيمان، وما يظنه البعض الآخر على أنه إيمان قد يكون هو الإلحاد بعينه (٦١). وقال: فالإلحاد هو المعنى الأصلي للإيمان لا المعنى المضاد (٦٢). وقال: الإيمان هو الحفاظ على الموروث والإبقاء على الوضع الراهن والدفاع عن التقليد وحماية مصالح الطبقة ... ويكون الإلحاد هو كشف القناع وفضح النفاق وتعرية الواقع وعود

стр. 93

إلى المعنى الأصلي ورفض للتواطئ وقبول للشهادة (٦٢). وهكذا في أشياء كثيرة من هذا العبث والتلاعب الدال على المراهقة الفكرية، والموقف العدائي المتشنج من كل ما هو موروث. لا يكتفي حسن حنفي بإحداث قطيعة معرفية ابستمولوجية مع مفاهيم العقيدة الإسلامية (الله، النبي، الجنة، النار، الثواب، العقاب ... )، بل يتعدى ذلك إلى حذف هذه المصطلحات من التداول العلمي والشعبي واستبدالها بمفاهيم أخرى ذات حمولة تقدمية ماركسية. إذن نحن أمام طمس للتراث وتجديد للغنوصية، لقد جرت عادة العرب بحذف المضاف وإبقاء المضاف إليه مقامه، والعكس، لدلالة السياق أو الحال عليه. وهذا ما فعل صاحب التراث والتجديد. فهو يقصد بالتراث: طمس التراث والإجهاز عليه، ويقصد بالتجديد: تجديد الغنوصية. من هنا -حسب إلياس قويسم- تحولت العقائد التي هي جوهر النص القرآني إلى مجرد تصورات ذهنية موجهة للسلوك بعد أن كانت دليلا على وجود إله مفارق رقيب ... (١) فالعقل هو الذي يتصور وجود هذه العقائد، لا أنها موجودة في الواقع. وقال إلياس قويسم كذلك: اعتبار أن كل المفاهيم ذات البعد الماورائي ليست

стр. 94

إلا محض خيال تغذّت بها الذاكرة القروسطية ذات النزعة التقليدية (١). الله سبحانه . تقدم معنا دعوة حسن حنفي إلى تجاوز هذا المصطلح بمفهومه إلى مفهوم الإنسان الكامل. وقد استند حسن حنفي إلى مجموعة من الأسباب في دعوته لتغيير اللغة التقليدية إلى لغة تقدمية، منها: إنها لغة إلهية تدور الألفاظ فيها حول الله (٢). وهذا يغضبه ويزعجه. ومنها أن لفظ «الله» يحتوي على تناقض داخلي في استعماله (٣). وهذا لا يمكن قبوله. ثم استمر في تحقير لفظ الجلالة والاستهزاء به، فالله حسب شريعة «التراث والتجديد» عند الجائع هو الرغيف، وعند المستعبد هو الحرية، وعند المظلوم هو العدل، وعند المحروم عاطفيا هو الحب، وعند المكبوت هو الإشباع ... فإذا كان الله هو أعز ما لدينا وأغلى ما لدينا فهو الأرض والتحرر والتنمية والعدل، وإذا كان الله هو ما يقيم أوَدَنا وأساس وجودنا ويحفظنا فهو الخبز والرزق والقوت والإرادة والحرية، وإذا كان الله ما نلجأ إليه حين الضرر. وما نستعيذ به من الشر فهو القوة والعتاد والاستعداد (٤).

стр. 95

ولسان حال حسن حنفي يقول كما قال مشركو قريش: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ص٥. ومن أدلته كذلك قوله: ولا يمكن إيصال أيّ معنى بلفظ «الله» لأن اللفظ حوى كثرة من المعاني لدرجة أنه يدل على معاني متعارضة (١). وقال: فإذا كان لفظ «الله» يحتوي على تناقض داخلي في الإيصال، بالإضافة إلى تضارب معانيه (٢). وكما أثار غضبه واشمئزازه لفظ الله، كذلك لفظ «دين» فزعم أن له معاني متناقضة (٣). ولفظ إيديولوجيا أولى منه، لأن الأول يشير إلى مقدس وما وراء الطبيعة، وهذا ما لا يحب حسن حنفي، بينما الثاني يشير إلى أفكار بشرية لا عقائد سماوية (٤). وهكذا لفظ «الإسلام» نفسه فلفظ «السلام» خير منه. وفي الحقيقة فحسن حنفي عنده أزمة حقيقية اتجاه الإسلام، لا مجرد محاولة تجديد. فهو يكره كل ما يمت إلى الإسلام بصلة ولو كان مجرد ألفاظ، ويريد أن يقطع مع الماضي ولو كان لغة معبرة. ومشيئة الله وإرادته عند حسن حنفي ليست إلا نظام الطبيعة لا ما يظنه العامة (٥). وعنده كذلك لم يعد الإنسان الحديث في حاجة إلى الإيمان بقوى علوية تتحكم فيه وتحميه، فلا يحميه إلا الوعي الفردي وتجنيد الجماهير، والجماهير

стр. 96

هي الدرع الواقي لا قوى سماوية (١). واعتبر أن أكبر آفاتنا هو انتظار العطاء والمن من الله. وأننا لسنا في حاجة إلى حمد الله على نعمه، بل نحن في حاجة للتضجر والغضب (٢). وعوض بسم الله الرحمن الرحيم سيبدلها حسن حنفي إلى: بسم الأمة. وعوض الدفاع عن الله كما عند القدماء، سيدافع حسن حنفي عن الأرض (٣). وإذا كان القدماء يريدون ثوابا في الجنة أو إنقاذا من النار فهو يريد صلاح الأمة وتحرير أراضيها وإعادة توزيع ثرواتها (٤). والحديث عن الله اغتراب لا ينبغي وتعمية تدل على نقص، بل الواجب هو الحديث عن المجتمع والعالم (٥). واعتبر أن إثبات إله موجود قبل الأجسام مصادرة على المطلوب. ولا معنى في نظره للسؤال عن النشأة والمصدر والأصل (٦)، وتساءل: لماذا لا نتعبر الإنسان علة كل شيء؟ وأن يكون غيره أقدر منه على الفعل؟ (٧) ووصف حجج الفلاسفة حول إنكار حدوث العالم بكونها حججا منطقية

стр. 97

وواضحة وقوية يسهل اقتناع الإنسان بها (١). ودافع عن الدهريين الملاحدة، واعتبر أن تصور الفلاسفة والطبائعيين أقرب إلى التصور العلمي من تصور المتكلمين (٢). وهكذا ينتصر حسن حنفي للمنكرين لوجود الله تحت ستار التجديد. واعتبر أن إثبات صُنعِ الله للكون وخلقه له له مخاطر وآثار سلبية عظيمة على الحياة الاجتماعية والسياسية، إذ يتم تصوير العالم فيه في حالة ضياع وأن الله هو الماسك له (٣). وأننا لم نعد بحاجة إلى الدفاع عن عقيدة خلق الله للكون، وأن عقيدة قدم العالم لم تعد تشكل خطرا على الأمة، بل الخطر الذي يهددها هو الاعتقاد بخلق العالم من عدم (٤). بل تؤدي عقيدة الخلق من عدم في نظره إلى تدمير العالم (٥). والواجب والقديم والموجود بذاته ليس هو الله، بل الواجب هو الواجب الأخلاقي، والقديم هو العمق التاريخي للإنسان، والموجود بذاته هو الشعور بالاستقلال، ويكشف أي دليل على إثبات وجود الله على وعي مزيف (٦). وبراهين وجود الله ليست فقط افتراضات ذهنية، وتعبير إنشائي لا حقائق علمية (٧).

стр. 98

وذكر أبو زيد في إطار إظهار إيجابيات مشروع حسن حنفي أن العقائد الإسلامية مجرد تصورات ذهنية، أكثر من كونها عقائد دالة على وجود مفارق، وأن الله ليس ذات موجودة مفارقة للوعي الإنساني، بل هو مبدأ معرفي خالص (١). فالله ليس إلا مجرد افتراض ذهني محض ومبدأ معرفي خالص. وتقدم عن عبد المجيد الشرفي وصادق جلال العظم أن الله مفهوم أسطوري فقط لا دليل على وجوده حقا. والله سبحانه في نظر إلياس قويسم تبعا لنصر أبي زيد مجرد مجاز وأسطورة يتوهم الإنسان الخرافي وجوده. قال: بمعنى أيّ العالميْن «عالم الإله» أو «عالم الإنسان-الهنا» يمثّل الحقيقة والآخر يمثّل المجاز ... وقال: واعتبار العالم الفوقي الكامن في الوعي عالما مجازيا ... وقال: هذا يؤكد التصور الجديد القاضي بإقرار الوجود في الـ «هنا» لا في عالم آخر غير عالمنا هذا، فـ «أسطورة» العالم الفوقي وجب تجاوزها،) فحركة التشخصن ... تخوّلنا من التفكير في تعال، دون التجاء إلى عالم الغيبيات ... (٢). وحسب إلياس قويسم دائما تهدف العلمانية إلى تحويل الإلهيات إلى إنسانيات واللاهوت إلى أنثروبولجيا والانخراط في نسق تأويل العقائد على أساس أنها جهد من الإنسان لتجاوز اغترابه في هذا العالم فيخلق في شعوره كائنا من داخله لا آتيا من الخارج المتعالي، ويضفي عليه صفات الكمال التي يفتقر إليها، ومن ثم يحوّل الإله من ذات مشخصة لها وجود مفارق للوعي إلى مجرد حضور

стр. 99

معرفي يجسد جهد الإنسان للوصول إلى النموذج أو المثال الذي يطمح إليه (١). فالله صنع بشري محض يهدف به لتجاوز اغترابه في هذا العالم فيخلق في شعوره كائنا من داخله لا آتيا من الخارج المتعالي. بمعنى كما يقول العلماني إلياس قويسم عن صديق دربه نصر أبي زيد أن الأشياء المؤلهة ذات أصول واقعية-طبيعية، والناس بوهمهم «يُغدقون» عليها صفة التعالي والقداسة (٢). فلا وجود لإله مفارق، وإنما الإنسان هو الذي يخلق الإله ويصبغ عليه رداء التعالي والتقديس. لا يمل أبو زيد من ترديد مقالات سيده ماركس في كون الأفكار والتصورات والاعتقادات مجرد انعكاس للأوضاع الاقتصادية. فالحرمان والعجز والقهر والخوف هو الذي ولّد عند الإنسان البدائي فكرة الله والتدين عموما، والذي تطور عبر الزمن من الخرافة إلى تعدد الآلهة إلى التوحيد. وقال: وبهذا نصل إلى نتيجة أخرى، وهي أن نصر حامد يريد الكشف عن زيف التعالي الذي أضيف إلى الظواهر المادية ... (٣) وقال صادق جلال العظم في نقد الفكر الديني (١٩): فهل من عجب إذن أن نسمع نيتشه يعلن في القرن الماضي أن الله قد مات، وهل باستطاعتنا أن ننكر أن الإله الذي مات في أوروبا بدأ يحتضر في كل مكان. فهل بعد هذا يقول لنا علماني كعصيد ولكحل إن العلمانيين مسلمون

стр. 100

يؤمنون بالله ولا يتعرضون للدين بشيء وأنهم يكنون له كل الاحترام والتقدير، وأنهم إنما ينتقدون التوظيف السياسي للدين؟ وزاد العظم قائلا: إن الاشتراكي الحقيقي لن يكون مسرورا عندما يكتشف أن أهم مبدأ في عقيدته هو الإيمان بالله (٣٢). وذكر أن وجود الله وعدمه بالنسبة له سيان (٤٩). وأنه لا توجد أدلة وبينات ترجح وجود الله من عدمه (٥٣). واعتبر أن الله ناقض نفسه بصورة مباشرة ومفضوحة عندما أمر إبليس بالسجود لآدم مع أمره بتوحيده (٦٩). وأكد أركون أننا لم نعد في حاجة إلى الله، وأصبح فرضية لا جدوى منها. قال في نحو نقد العقل الإسلامي (٢٦٧): ينبغي العلم بأنه فيما يخص الحداثة فإن الخيار لم يعد بين القبول بالدين أو رفضه، وإنما الله نفسه أصبح فرضية لا جدوى منها أو لا حاجة إليها. وقال (٢٦٧): وبعد انتصار الحداثة فلم يعد هذا الشيء ضروريا لأننا وكما قلنا أصبحنا قادرين على الاستغناء عن الله إذا شئنا من دون أن يجبرنا أحد على ذلك بالطبع. فالإنسان في عصر الحداثة أصبح يتحمل مسؤولية نفسه وقدره ومصيره بنفسه، أصبح مستقلا بذاته عن القدرة الفوقية. وذلك بعد أن أحل مخيال التقدم بواسطة العلم محل مخيال النجاة الأبدية في الدار الآخرة بواسطة الدين. ونعى أركون (٢٦٩) على المسلمين كيف أنهم لا زالوا يعتقدون بوجود إله أو ما سماه المشروعية الإلهية أو الحاكمية التي تتحكم بالبشر على الأرض. وذكر أنهم يستندون إلى القرآن والسنة، ثم قال: أما المؤرخ الحديث أو علماء الاجتماع والانتربولوجيا والألسنيات فإنهم يتحدثون عن الموضوع بطريقة أخرى إنهم يعتقدون على العكس بوجود قطيعة ثقافية وروحانية وعقلية مع ذلك الخيار المقدم للإنسان في معاهدة الميثاق المعقود بين الله والإنسان.

стр. 101

ولهذا فالفاعل الحقيقي في الإسلام هو محمد وليس الله. قال في الفكر الإسلامي (١٠٥): ذلك الفاعل المعقد الذي دعوناه سابقا بالبطل المغير أو بطل التغيير (أي الله بحسب المؤمنين ومحمد بحسب المؤرخ النقدي). وذكر في الفكر الإسلامي (١٠٢) أن مفهوم الله لا ينجو من ضغط التاريخية وتأثيرها، وزاد شارحا: أقصد أنه خاضع للتحول والتغير بتغير العصور والأزمان. أي: لكل زمان إلهه، وهذا يلتقي مع كلامه السابق عن أن إله العصر هو الأمل. فالإله الموصوف في الأديان تجاوزه الزمن. ويستطيع الإنسان خلق كائنات حية في أنبوب الاختبار، وبالتالي هُجر عندئذ الفضاء الساحر والخلاب الذي ولدت فيه الآيات القرآنية المتعلقة بقضية خلق الوجود، كما أكد أركون كذلك (١). ولذلك سيكون من المضحك كما يقول أشرف عبد القادر أن نأخذ بنظرية خلق الكون التوراتية التي تبنتها آيات القرآن الكريم، بينما العلم يقدم لنا نظرية الانفجار الكبير الذي لم يدم سبعة أيام، كما تقول الأسطورة التراثية، نقلا عن الأسطورة البابلية، بل دام أقل من ثانية (٢). ثم سخر من كون آدم وحواء هما أصل البشرية، بل الصواب أن الحياة تكونت من بكتريا وحيدة الخلية (٣). وكل هذا تكذيب للقرآن والسنة ثم يزعمون أن العلمانية هي فقط عدم إقحام الدين في السياسة؟

стр. 102

ثم نقول لهذا المكذب: إن نظرية الخلق لا تعارض نظرية الانفجار الكبير، فالخلق له أسباب طبيعية وقد يكون منها الانفجار الكبير، ألا ترى أن الطفل تلده أمه وفق أسباب بيولوجية معروفة، مع أن الله هو الذي خلقه، لأنه هو الذي هيأ له أسباب الوجود. ثم الانفجار الكبير وإن وقع في لحظة فتكوُّن الكواكب وتخلقها مر بأزمنة أطول. ثم وبعد هذا كله، ما رأيك فيما يقوله علماء الإعجاز العلمي في القرآن والسنة أن الانفجار الكبير أشار الله إليه في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ الأنبياء٣٠. فالسماوات بما فيها من كواكب ونجوم ومجرات كانت مجتمعة مع الأرض، ففتق الرتق، أي: انفصل كل جزء منها بمفرده. وهذا هو الانفجار الكبير. أم أن أسلوب السخرية والاستهزاء بالإعجاز العلمي هو الأسلوب الأمثل للتهرب من الجواب؟. وليكن في علم جهلكم أن مؤتمرات هذا العلم يحضرها عدد من كبار العلماء الغربيين الذين تدينون لهم بالولاء. أما طيب تيزيني فالله تطور هو الآخر من آلهة أخرى وله جذور وثنية. لنتابع جهالات تيزيني التي حسبها تحليلات علمية، قال: وجدير بالتبصر أن الله إذ أخذ يحقق حضورا كثيفا متزايدا في مكة وغيرها من مناطق الجزيرة العربية فإنه كان في الوقت نفسه يحصد ثمار تطور آلهة أخرى لصالحه ... والهام أن نشير إلى أن الله حيث كان سائرا باتجاه الهيمنة، لم يُزل الآلهة الأخرى من طريقه بصيغة إقصائها كلا وجزءا من الساحة وإنما بمعنى تمثلها وظيفيا (١). أي قام بأدوارها،

стр. 103

كأنك تقرأ مسلسلا كارتونيا للأطفال، على كل حال لنتابع تحليلات تيزني الماركسية: ولقد استمدت الإلهات الإناث ألوهيتهن من أنهن كن بنات الله والشفيعات عنده. ولكنهن يبدأن بفقد تلك الصفة إطلاقا بعد هيمنة الله، بمثابة الإله الذكري الأعظم. ولنلاحظ أن تصورات البنوة والأبوة والأمومة التي هيمنت طويلا ضمن مراحل الاختلاط القرابي الجنسي في مجتمع يجعل من الخصب الزراعي والطبيعي عموما على ضحالته خصبا جنسيا، تنحل لصالح تصور واحد، هو الألوهية الذكرية الأحادية، وإن لم يصف نهائيا. وهذا ما سنلاحظه ضمنا في النص القرآني الذي يتحدث عن روح الله وكلمة الله. لقد كان على الآلهة الأنثوية أن تخلي- مع الآلهة الأخرى- الساحة أمام الله الأعظم، ولكن بعد عملية استبدال بنيوي ووظيفي، تطرأ على هؤلاء جميعا. فحفاظا على التوحيد الإلهي الجديد نلاحظ أن قسما كبيرا من الآلهة السابقة يتحول إلى ملائكة، خاضعة لهيمنة الرب- السيد الجديد .. (١). إلى أن قال: وعلى هذا يمكن القول إن الله الإسلامي اللاحق لم يفقد جذوره الوثنية المكية بصورة تامة (٢). وصور لنا محمد الشرفي الله والنبي والإسلام تصويرا بأسلوب تهكمي فقال: ولقد خضع الأصوليون لعمليات تمذهب مارسها عليهم منظروهم ومرشدوهم بحيث حُشيت أدمغتهم بتاريخ مشوه غاية التشويه ومثالي موغل في المثالية، فالله في زعمهم قد خلق الإنسانية لأجل أن تطيعه، واختار النبي محمدا، وهو رجل كامل ليبلغ أوامره إلى هذه الإنسانية، وقد تبعته قلة قليلة من المخلصين، وجميعهم

стр. 104

خيرون كرماء متفانون وقد حارب النبي جيشا عرمرما من الأشرار الكافرين الذين كانوا جميعا متعاظمين كذابين مفسدين جشعين ... ولكن تغلبت بعون الله قوى الخير رغم قتلها على قوى الشر رغم عددها وعتادها. وبهذه الصورة يتحول التاريخ الإسلامي إلى ملحمة مانوية (١). ولا تدري ما الذي يثير شكوك السيد الوزير في حكومة الديكتاتور الطاغية شين العابدين بن علي. وحسب عبد الله العروي فهناك علاقة وثيقة بين التوحيد الإسلامي وبين الاستبداد: فالله في نظره يجلس على عرشه يحيط به أعوان وموال حسب ترتيب محكم ومراسيم دقيقة (٢). فالله في نظره حاكم مستبد!!. أما القمني فقد اعتبر في انتكاسته (١٥٨) أن القول بإله غيبي ميتافيزيقي تصور وهمي وأنه لما جاء العلم الإنساني الحديث «خرج الرب وأنبياؤه وكهنته من الموضوع. وحل العلماء (٣) محل الأرباب بعد أن أثبتوا بالآيات البينات الواضحات مساندتهم الحقيقية لبني الإنسان في مواجهة الطبيعة القاسية التي ظلوا رهن نزواتها وكوارثها وجوائحها وأوبئتها طول الأزمنة الخوالي». وخَلْق الله للكون ليس إلا أسطورة في نظر دكتور الأساطير (٤). قال مستهزئا بخالقه: دون تفسير واضح لعدم تدخل الله لصالح أمته التقية، رغم تدخله من قبل في أمور أهون مثل دفاعه بالطير الأبابيل عن مكة ... ومع ذلك

стр. 105

فإن الله لم يتدخل حتى تاريخه لحماية أولى القبلتين ومسرى النبي وثالث الحرمين، ولم يدافع عن عاصمة الرشيد أمام الأمريكان (١). بهذه اللغة الاستهزائية يتهكم على خالقه ولكن ماذا نفعل مع من لا مبدأ له إلا افتراس القمامة. وقريب منه خليل عبد الكريم، فقد قال آخذا على الكتب الإسلامية: ... والاعتماد على الغيبيات والماورائيات واللامحسوسات. وضرورة ربط كل ما يدور على الأرض إن على المستوى الفردي أو المجتمعي وفي كل الشؤون بدون تفرقة، ربطها على بكرة أبيها بقوى غير منظورة وأنه لن ينصلح أيّ معوج إلا إذا كانت العلاقة مع هذه القوى الجبارة على أحسن ما يرام ولتصبح القوى في ذروة الرضا!! (٢). وعلامات التعجب منه. وزاد بعدها مباشرة: فإذا سألت أحدهم وفيهم أكاديميون وأساتذة جامعات وحاملو إجازة الدكتوراه من أرقى جامعات أوروبا وأمريكا، ما بال أمم أخرى علاقتها مع هذه القوى (٣) بالغة السوء، بل وبعضها ينكر وجودها ويسخر ممن يؤمن بها. ومع ذلك فهي في القمة؟ رد عليك بثقة تغبطه عليها: هذه الأمم لا تدخل في حساب القوى ولا تعبأ بها، فلذا تتركها تستوفي حظها الآن، ولكن فيما بعد ستوفيها ما تستحقه من جزاء!! مع أن المنطق يحتم أن تكون الأمة التي ترعاها القوى وتكلأها بعنايتها وتفضلها على غيرها من الأمم هي الأقوى والأرقى (٤).

стр. 106

وأما علي حرب فيرى أن الله يمارس امبريالية واستبدادا بخلقه، فقال: أما في اللاهوت فالعنصر الغالب هو خضوع الإنسان للأمر الإلهي لكائن أعلى يمارس امبرياليته واستبداده بخلقه (١). الملائكة . الاعتقاد بوجود الملائكة والشياطين والجن والعفاريت وغيرها خرافات يجب التخلص منها كما يرى صادق جلال العظم في نقد الفكر الديني (٥٢). واستهزأ هاشم صالح بمنكر ونكير وملك الموت، ودعا إلى التخلص من هذه الكوابيس المرعبة (٢). وقال: أكاد أقول بأن العالم الإسلامي كله مقبور الآن تحت ركام من التصورات القروسطية والكوابيس العقائدية وعذاب القبر وأفكار الخوف والرعب التي تمنعه من التحرر والانطلاق، فمتى سنخرج من هذا القبر الجماعي لكي نرى النور لأول مرة ونتنفس الهواء الطلق، متى سنفهم الدين بطريقة أخرى مختلفة تماما أو حتى معاكسة؟ (٣). وسخر القمني من دعم الملائكة للمؤمنين (٤). وزعم عبد المجيد الشرفي بأن ما ورد في القرآن عن آدم وحواء وإبليس والجن والشياطين والملائكة ومعجزات الأنبياء ليست إلا تماشيا مع الذهنية الميثية الأسطورية، وأنها رموز وأمثال لا حقائق تاريخية (٥). أي: هي أشياء غير موجودة

стр. 107

في الواقع، وإنما تصورات ذهنية خرافية. إبليس: الشيطان في عرف العلمانيين شخصية أسطورية خرافية لا وجود لها. فهذا صادق جلال العظم اعتبر في كتابه نقد الفكر الديني أن إبليس كائن أسطوري غير موجود ولا حقيقي وشخصية ميثولوجية أبدعتها ملكة الإنسان الخرافية (٥٧ - ٥٨). وقال: كذلك عندما نقول «طرد الله إبليس من الجنة» يجب ألا نظن بأن مثل هذه الحادثة وقعت في تاريخ هذا الكون، لأن مغزى هذا الكلام ومعناه يكمن في كونه رمزا، لا في كونه وصفا لأحداث وقعت بالفعل (٥٩). لكن نبهنا إلى أن معالجته لقصة إبليس إنما هو في إطار التفكير الميثولوجي الأسطوري لا أنه يؤمن بهذه الخرافة، كما يدرس الباحثون أساطير اليونان والسومريين والساميين وغيرهم (٩٢). وكذا أن كلامه عن الله وإبليس والجن والملائكة والملأ الأعلى لا يفهم منه أنه يؤمن بهذه الأشياء (٥٩). ولنستمع قليلا لشيء من التهريج الفكري مع صادق جلال العظم. ولنتابع جهالات الرجل التي سطرها في كتابه المذكور: قال عن امتناع إبليس من طاعة أمر الله في السجود لآدم: نستنتج إذن أن موقف إبليس يمثل الإصرار المطلق على التوحيد في أصفى معانيه وأنقى تجلياته (٦١). واعتبر أن احتجاج إبليس بقوله: أنا خير منه. تعني من نور وخلقته من طين، بأنه تبرير منطقي واضح (٦٢). واعتبر أن هذا ليس تكبرا ولكنه حقيقة أساسية في الفرق بين الأشياء ومراتبها (٦٢). وأن النار بطبيعتها وجوهرها أفضل من الصلصال، ثم استمر مهرجنا في تحليلاته الدقيقة فقال: تنطوي مفاضلة إبليس بين جوهره وبين جوهر آدم على نظرة فلسفية معينة لنظام الكون وترتيب الطبائع وفقا لدرجات الكمال التي تتصف

стр. 108

بها، لذلك كان إبليس على حق في جوابه، لأن الخالق جعل الأشياء على ما هي عليه من درجات الكمال والسمو (٦٢). ودافع عن جده إبليس في عدم سجوده لآدم، وأنه محق في هذا (٦٢ فما بعدها). وقال: إن إبليس اجتاز التجربة التي ابتلاه الله بها بنجاح تام (٧٥). وزاد: وبما أن الله كافأ إبراهيم وأيوب على صبرهما ونجاحهما وتمسكهما بواجبهما المطلق نحوه يجوز لنا أن نستنتج بأنه سيكافئ إبليس على نجاحه وتضحيته ويعوض عليه ما تكبده من خسارة مفجعة وما عاناه من شقاء وبلاء وغربة (٧٧). هكذا بكل جرأة ووقاحة. واعتبر أن إبليس أول بطل مأساوي في الكون، وأن آدم أول انتهازي في الكون (٨٣). وجزم بأن نهاية حبيبه إبليس ستكون نهاية سعيدة ومرضية (٨٤). ودعا إلى رد الاعتبار لإبليس، وتغيير نظرتنا التقليدية له، والكف عن كيل السباب والشتائم له، بل ويجب أن نطلب منه الصفح ونوصي الناس به خيرا، بعد أن اعتبرناه زورا وبهتانا مسؤولا عن جميع القبائح والنقائص (٨٥). ليخلص المهرج إلى النتيجة التي رسمها منذ البداية، وهي: إذا ثبتت براءة إبليس، فلا حاجة ولا فائدة من وجود جنة ونار ولا دين، بل ولا إله كذلك، وبطلت العقائد الدينية جملة وتفصيلا (٨٥ - ٨٦ - ٨٧). ولقد أحسن العلماني تركي علي الربيعو في قوله عن قراءة العظم هذه لمأساة إبليس: إنه يساهم في إنتاج دين جديد، لنقل إنه دين الشيطان هذه المرة ... أو بصورة أدق: فإنه يساهم في بعث اجتهادات إحدى الفرق الباطنية في الإسلام من عبدة الشيطان إلى الواجهة من جديد (١). أما القمني فيرى في كتابه الأسطورة والتراث أن إبليس أسطورة (٣٣)

стр. 109

تحول مع مرور الزمن من إله للشر عند المصريين القدماء (٣٣) والفرس (٣٤) واليهود (٣٧) ليتحول بفضل تطور العقل البشري من تعدد الآلهة إلى التوحيد في المسيحية إلى مخلوق متمرد (٣٩). وهكذا في الإسلام (٤٠) تحول إلى مخلوق يمتلك قدرات خارقة يقترب فيها من كونه إلها (٤٣). وقال: وإذا كان إبليس في العقائد القديمة إلها للشر تحول مع التطور العقلي إلى ملاك عاص أو إلى جني (٤٢). إذن فإبليس أسطورة اخترعها الإنسان تفسيرا للخوف من الظواهر الطبيعية، تحولت وتطورت مع مرور الزمن، وليس كما يعتقد المسلمون السذج حقيقة واقعية. وأكد على هذا المعنى كذلك حسن حنفي في مداخلته آخر كتاب الأسطورة والتراث، حيث قال بعد أن تحدث عن أسطورة الشيطان في الثقافات والديانات القديمة إلى عهد الإسلام: أي: إن الأسطورة موجودة ولكنها تتشكل طبقا للثقافة وطبقا للظرف والعصر (٢٨٧). ونصَّ القمني في انتكاسته (٢٦٨) أن إبليس لما امتنع من السجود إنما مارس حريته، تمسكا منه بتوحيد الله وتنزيهه، بل هو موافق لتركيب إبليس الخلقي. وكذا أنكر عبد المجيد الشرفي وجوده، واعتبره أسطورة غير حقيقية، كما تقدم (١). وكل هذا تكذيب للقرآن والسنة وإجماع المسلمين.

стр. 110

اليوم الآخر: لا تؤمن العلمانية إلا بالحياة الدنيا، واليوم الآخر أو الآخرة مجرد معتقدات دينية أسطورية. وهي تهدف إلى استبدال الخلاص الديني الأخروي بالخلاص الأرضي الوضعي، ويريد العلمانيون تحقيق جنتهم وفردوسهم في هذه الدنيا بدل الآخرة. قال أركون في القرآن من التفسير الموروث (٧٤): في نظام الحداثة لا توجد إلا حياة واحدة هي التي نعيشها. وفي كتاب تاريخية الفكر العربي (٨١) جعل قبول العقل المؤمن بوعود الحياة الأبدية في الآخرة قبولا ساذجا. وكان شلبي شميل ينكر الخلق والمعاد. آراء الدكتور شلبي شميل (٦٤ - ٦٩). وقال شاكر النابلسي عن العلمانية: ولا تعير انتباها كثيرا للحياة الآخرة الغائبة والمجهولة، وتطلب من الناس ألا يشغلوا بالهم بها (١). وعند خليل عبد الكريم استبدلت العلمانية خلاص الآخرة بخلاص الأرض (٢). وقال القمني في رب الثورة أوزيريس (١٠): كما أن العالم الآخر عالم غيبي لا دليل عليه سوى ما ورد عنه في بعض السطور في بعض الصحائف المقدسة، دون بعضها في ديانات أخرى، فأصبح موضوعا مختلفا عليه وعلى ماهيته ومواصفاته، بل وعلى وجوده أصلا بين الغيبيين أنفسهم، مما يجعله موضوع تصديق وتكذيب ليستمر قلقا بين الوجود والعدم.
следующие страницы →