← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96927

العلمانيون العرب وموقفهم من الإسلام

مصطفى باحو

Полный текст (384 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فأكد أن الله لما تحدى الكفار عن الإتيان بمثله فليس لأنه معجز بل لمصدره. لنتابع: وعندما تحدى القرآن الكافرين بأن يأتوا بعشر سور أو حتى بسورة واحدة من مثله فليس ذلك لأنه معجز ببلاغته بقدر ما هو راجع إلى مصدره إلى أصله الإلهي الذي ليس في متناول عامة البشر ... إلى آخر كلامه. ليؤكد أن كل الآثار الفنية الراقية من شعر ونثر وغيره معجز بطريقته الفريدة، ولا سبيل إلى الإتيان بمثلها (١). أي: لم يتفرد القرآن بهذه الخاصية، بل هو نص كباقي النصوص الشعرية وغيرها. والقرآن إنما تحدى الكفار لا لبنيته وتركيبه وفصاحته وبلاغته، بل لمصدره، أي: لا يستطيع أحد أن يأتي به من عند الله. ولا أحد طبعا يستطيع أن يأتي بشيء من عند الله. أي: إن الله تحداهم بما ليس في طاقتهم أصلا، وبالتالي فلا قيمة لهذا التحدي. قال عبد المجيد الشرفي: ذلك أن المسلمين آنذاك أدركوا صعوبة إثبات المصدر الإلهي للرسالة المحمدية من دون الوقوع في التجسيم أو التشبيه (٢). أي: إما بشرية الرسالة وإما التجسيم!!. والثاني مستحيل فصح الأول.

стр. 142

٢ - تاريخية القرآن (١). هذا الفرع مندرج في الذي قبله ورأيت إفراده بالبحث لأن العلمانيين يحاولون من خلال هذا المصطلح التعمية على مقصدهم بالتاريخية. وقد أفرد الدكتور أحمد الطعان هذا البحث بمؤلف ضخم، وهو كتاب جيد جدا في بابه. وما ذكرته هنا من اجتهادي الشخصي والحمد لله رب العالمين. لكن ماذا يقصدون بتاريخية القرآن أو تاريخية النصوص الدينية؟ وما هي آلياتها؟ وما الهدف منه؟ تلك هي المباحث التي سنحاول عرضها هنا إن شاء الله. المراد بتاريخية القرآن . تاريخية القرآن أو تاريخية النصوص لها بُعدان اثنان: ١ - تاريخية القرآن من حيث بِنيته، وكونه إفرازا ثقافيا لمجتمع معين أو بعبارة أوضح: كونه منتجا بشريا بعيدا عن التعالي والتقديس. ٢ - تاريخية القرآن من حيث أحكامه وتشريعاته أي: كونه استجابة لظروف وملابسات اجتماعية واقتصادية وسياسية معينة. ومع تغيرها لم تعد هناك حاجة لها. وقد أكد أركون ونصر أبو زيد وتيزيني والمؤدب على هذين البعيدين، كما سيأتي. وقد يقتصر بعضهم على الثاني كالعشماوي في تحديث العقل الإسلامي. قال أركون: التاريخية تخص بنية الحقيقة المطلقة ذاتها، كما وتخص الشروط أو الظروف السياسية والثقافية لإنتاجها ولبلورتها ولاندماجها في فكر وسلوك كل مؤمن. هذا يعني أن كل مجتمع يصوغ الوجه المتغير بالضرورة

стр. 143

لحقيقته (١). وأكد تيزيني أن البعد التاريخي في القرآن ليس تأويلا فقط ولكن تنزيلا (٢). فالقرآن تاريخي تنزيلا وتأويلا. ١ - تاريخية القرآن نفسه . يقف أركون وتلميذه هاشم صالح ونصر أبو زيد على رأس المدافعين بقوة عن هذه المسألة، بل يمكن اختزال مشاريعهم (٣) في إثبات هذه التاريخية. ولنبدأ بأركون: فقد أكد على تاريخية القرآن، وأن هذا شيء غير مفكر فيه أي: غير مسموح بالتفكير به (٤). وحسب أركون فالقرآن برع في التغطية على هذه التاريخية عن طريق ربط نفسه باستمرار بالتعالي التي يتجاوز التاريخ الأرضي كليا أو يعلو عليه (٥). وذكر في الصفحة قبلها خطأ الاعتقاد أن الوحي كما يزعم المسلمون إلهي سماوي لا علاقة له بالشؤون الأرضية، ولكن علم التاريخ الحديث كشف عن علاقة بين الكتب المقدسة وبين الحضارات التي وجدت فيها. وذكر أن هذا الاكتشاف الهام لا يقل خطورة عن اكتشافات داروين وكوبرينكوس (٦). يقصد أن للبيئة دخلا في إنشاء القرآن وإحداثه، وليس هو بالضرورة شيئا علويا مفارقا.

стр. 144

وباختزال شديد هذا الكشف العلمي الهام (!!) هو ما قاله المشركون من قبل: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ الفرقان٥. وبيَّن تلميذه ومترجمه بإشرافه أن مفهوم التاريخية يعني أن البشر هم الذين يصنعون التاريخ وليس القوى الغيبية، والتاريخ كله بشري من أقصاه إلى أقصاه، كما قال (١). وأكد أركون أنه في ظل ما سماه التاريخوية الوضعية «وحدها الأحداث أو الوقائع أو الأشخاص الذي وُجدوا حقيقة والذين دلت على وجودهم وثائق صحيحة» يمكن أن يقبلوا كمادة للتاريخ الحقيقي الفعلي (٢). يعني استبعاد الماورائيات والغيبيات، أي: استبعاد مسألة «الله» «والوحي» و «جبريل» وما إلى ذلك. وهو ما عبر عنه أركون بغير وجل بعد كلامه السابق مباشرة فقال: وهذا يعني استبعاد كل العقائد والتصورات الجماعية التي تحرك المخيال الاجتماعي أو تنشطه من ساحة علم التاريخ (٣). وهذا كلام في غاية الوضوح. لكن أركون ومع إعجابه بهذه المنهجية إلا أنه أخذ عليها إهمالها أن هذه العقائد رغم تاريخيتها فلا يمكن تجاهل دورها الحاسم في تغذية الديناميكية التاريخية، وبالتالي تجاهلت المكانة الانتربولوجية للخيال (٤). فالخيال في نظره هو مصدر كل هذه الأساطير والماورائيات والغيبيات،

стр. 145

وأحيانا يسميه المخيال. والفرق بين المدرستين أن الوضعية تعتبر الخيالات والتصورات والعقائد أشياء وهمية لا تستحق الاهتمام، بينما يرى الآخرون أن لها أهمية في مسار التاريخ مع اتفاقهما جميعا على خرافيتها. وقال عن القرآن بعد أن سماه الموديل النموذجي: يمكننا الكلام عن إنتاج هذا الموديل النموذجي وليس عن إنتاجيته، أقصد يمكننا التحدث عن توليده واللحظة التي ولد فيها. باختصار يمكننا التحدث عن تاريخيته (١). وقال هاشم صالح: لقد آن الأوان للكشف عن تاريخية النص القرآني وإنزاله من تعاليه الفوقي إلى الواقع الأرضي المحسوس، آن الآوان للكشف عن علاقته بظروف محددة تماما في شبه الجزيرة العربية وفي القرن السابع الميلادي (٢). ونقل عن هانز كونغ (٧٨ - ووافقه هو مؤكدا ص ٨٠) تشكيكه في نزول القرآن من عند الله، وأن تأتير اليهودي والمسيحي واضح فيه، وأن النبي ﷺ لم يكن أميا. قال هاشم معلقا: هذا في حين أن القرآن مفعم بأصداء اليهودية والمسيحية وقصص عيسى وموسى ومريم وزكريا ويوسف وداوود ويعقوب والأسباط ... إلخ. يريدون تنظيف التراث من الإسرائيليات والقرآن نفسه مليء بالإسرائيليات (٧٨). وأكد تبعا للمستشرق هانز كونغ أن أخبار أنبياء اليهود والمسيحيين المذكورة في القرآن تلقاها النبي ﷺ شفاهيا في مكة، وأن هذا ما يؤكد تاريخية القرآن طبقا لمنهج النقد التاريخي وإن صدمت الوعي الإسلامي.

стр. 146

هكذا يصطف المرعوب طول حياته -كما قال عن نفسه- في صف أعداء الإسلام وملاحدة الغرب طاعنا في دينه وقرآنه. أما أبو زيد فطرحه قريب من طرح أركون. يقول: الواقع إذن هو الأصل ولا سبيل لإهداره، من الواقع تكوَّن النص، ومن لغته وثقافته صيغت مفاهيمه، ومن خلال حركته بفعالية البشر تتجدد دلالته، فالواقع أولا والواقع ثانيا والواقع أخيرا (١). وبإهمال الواقع الذي تكَوَّن منه النص القرآني سنكون أمام كارثة حقيقية كما يقول أبو زيد، قال: إهدار الواقع لحساب نص جامد ثابت المعنى والدلالة يحول كليهما إلى أسطورة، يتحول النص إلى أسطورة عن طريق إهدار بعده الإنساني والتركيز على بعده الغيبي (٢). فالقرآن حسب نصر أبي زيد تشكل من الواقع وخرج منه، لا أنه نزل من السماء. وقد غفل علماء الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وعلماء القرآن وآلاف العلماء في شتى التخصصات عن كل هذا حتى أنقذنا الله بمن حكمت محكمة القاهرة بردته من هذا الضلال المبين!!. وإذا كان القرآن خرج من الواقع الثقافي المعرفي للوعي العربي في القرن السابع، ما هي أهم المؤثرات التي كانت خلف تشكله؟. يجيبنا أبو زيد بأن الحنيفية كدين سائد وشعر شعراء الصعاليك لا يمكن

стр. 147

التغافل عن مدى تأثيرها في النص القرآني (١). وكذا نصوص الكهانة والسحر، فقد وظف آليات تعبيرية وأسلوبية تنتمي لها (٢). وأما القصص الشفاهية فقد قام القرآن باستيعابها، وإعادة توظيفها وتأويلها تأويلا ناطقا بإيديولوجية النص. وأما النصوص الدينية الأخرى فقد اعتمد القرآن والسنة الانتقائية وإعادة التوظيف والتأويل (٣). إذن فالقرآن حسب أبي زيد تتداخل فيه مؤثرات معاصرة له كثيرة: الدين القرشي السائد، وشعر الصعاليك، وثقافة الكهانة والسحر، والحكايات الأسطورية، ونصوص الديانات الأخرى كالتوراة والإنجيل. فالقرآن خليط من كل هذا. ولا حديث عند نصر أبي زيد عن الله والوحي وجبريل. فكل هذه المفاهيم تنتمي إلى الخطاب الميثي الأسطوري يتَرَفع الناقد الحديث عن التعريج عليها أو الحديث عنها كقوى غيبية متعالية تقف خلف القرآن. وإذا كنا نحن المسلمون نعتقد أن الإسلام جاء ليحارب الكهانة ويقطع معها أية صلة، فإن نصرا أبا زيد له رأي آخر، قال بعد أن ذكر أن العرب كانوا يعتقدون بالكهانة والاتصال بالجن: ظاهرة الوحي -القرآن- لم تكن ظاهرة مفارقة للواقع أو تمثل وثبا عليه وتجاوزا لقوانينه، بل كانت جزءا من مفاهيم الثقافة ونابعة من مواضعاتها وتصوراتها (٤).

стр. 148

ويستنتج أبو زيد أن الإسلام لم يلغ الكهانة، بل استند إليها لسببين: الأول: إن إلغاء الكهانة يستلزم إلغاء أساس النبوة الوجودي، ومن ثم تصبح ظاهرة النبوة ذاتها في حاجة إلى تفسير جديد. والثاني: إن الكهانة والعرافة كانتا معيارا لدى العرب ما قبل الإسلام لإثبات حقيقة النبوة من جهة، وكانت وسيلة للتنبؤ بالنبي الجديد المرتقب من جهة أخرى (١). وهكذا تقلب الحقائق رأسا على عقب، وكل هذا لا يهم في نظر أبي زيد ما دام يحقق الهدف المطلوب، إنه ما سماه بعض العلمانيين بإرادة الإيديولوجيا، بدل إرادة المعرفة. لكن لا بأس أن نقف على شهادات لثلاثة علمانيين في أطروحة نصر أبي زيد هذه، لنؤكد من خلالها مذهب الرجل الذي ناضل طول حياته لنصره والذوذ عنه، وهو بشرية القرآن الكريم. الأولى: يبين لنا إلياس قويسم في النص التالي كيف حاول أبو زيد رفع الصبغة الإلهية عن الوحي وربطها بأنساق مادية تاريخية، قال: نجد أن نصر حامد من خلال السيميوطيقا ينظر إلى البعد الأول «الوحي» على أنه تجربة إنسانية، وأنه مجموعة من العناصر تتآلف وتتسق طبقا لقوانين منضبطة، فلا بد من تحليل تلك العناصر الكامنة وراء ظاهرة الوحي، وهذا التحليل يؤدي إلى استخلاص العلاقات التي تربط هذه العناصر ببعضها، ومن ثم معرفة النظام الكامن وراء الوحي، ونعني به الثقافة: الكهانة والعرافة والشعر

стр. 149

والسحر ... ومن ثمّ لم تعد غاية نصر حامد البحث في ظاهرة الوحي ذاتها بل أصبحت له غاية أعمق، وهي الكشف عن النظام المادي الذي يحكم الظاهرة، إنه سعي وراء التجريد، وراء البحث عن النظم الخفية التي تسير الظواهر والتي يعتقد العامي أو الفقيه السلفي أنها ظواهر عُلوية مفارقة (١). وقال: ممّا ورد ندرك أن نصر حامد بتشبثه بمقولة الواقع وتقديمها على مقولة المتعالي المفارق يبتغي تسطيح تعالي الوحي، وهذا نقيض النظرية المتداولة، وهذا الهجوم على النظرية التقليدية في نظره أساسي لتحرير الفكر الديني من التعالي الزائف والوهمي والرجوع به إلى أرض الواقع، أرض الحقيقة (٢). والثانية: يشرح لنا فيها العلماني اللبناني علي حرب مقصد أركون بتاريخية القرآن، وأنه يريد أنه نص بشري لا إلهي. قال عنه: وذلك بتعامله مع النص القرآني على أنه نتاج ثقافي، أنتجه الواقع الذي تشكل فيه، أي: واقع العرب اللغوي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي في زمن النبوة (٣). وقال عن ترديده عبارات قد يفهم منه اعترافه بألوهية مصدره: بيد أن هذا التصريح هو ضرب من التقية، أي: آلية دفاعية يلجأ إليها أبو زيد بوعي أو بغير وعي، لكي يدرأ عنه تهمة الإنكار (٤).

стр. 150

وقال: فالباحث المصري يتعامل في النهاية مع النص القرآني كنتاج ثقافي مرتبط بالثقافة التي تشكل من خلالها، تماما كما يتم التعامل مع أيّ خطاب بشري (١). وقال: يعتبر أبو زيد أن القرآن نتاج ثقافي لا يفارق قوانين الواقع ولا يسبق بوجوده وجود هذا الواقع، أي: لا يوجد على نحو مسبق ذلك الوجود الغيبي الماورائي في اللوح المحفوظ (٢). والثالثة: لتركي علي الربيعو فقد رد على نصر أبي زيد ادعاءاته حول القرآن (٣). ومما استدل به أن الأبحاث الحديثة في علم الإناسة التي طالت النصوص المقدسة أنه نص مقدس وليس نصا أدبيا يماثل النصوص الشعرية، إنه أكثر من نص حسب تعبير كلود ليفي ستروس (٤). وليس القرآن انعكاسا لواقع أو أنه ثمرة تفاعل جدلي بين اللغة والواقع، كما يحلو للدكتور أبو زيد الركض وراء هذا الصنم الفكري (٥). وقال عن ادعاءات أبي زيد أن النص القرآني ثمرة لتفاعل جدلي بين النص والواقع: تفضح الخلفية المرجعية للباحث، وتثبت بالمقابل هيمنة قَبْليات المعرفة وغياب كل شروط وإمكانيات انبعاث الفكر. إن اتكاء أبو زيد على الدراسات

стр. 151

الألسنية عند جاكبسون وسوسير مع إعادة توظيفها لصالح ماركسوية هرمة وشائخة تظهر بصورة مضمرة في خطاب أبو زيد مرة، وعلنية مرات عديدة، عندما يتحدث عن جدلية العلاقة بين النص والواقع التي هي بمثابة صنم فكري لما يمل الفكر العربي المعاصر من عبادته. وهذا ما قاده إلى الابتعاد عن المفاهيم الحديثة وأقصد المنظومات الجمالية في عصر ما بعد الحداثة تحت وطأة إرادة الإيديولوجيا ببعدها السياسي المكشوف الحاضر بكل عريه في خطاب أبو زيد (١).

стр. 152

٢ - تاريخية الأحكام . المراد بتاريخية أحكام القرآن أن أحكام القرآن كانت استجابة لواقع معين، وبالتالي فهي صالحة لذلك العصر بشروطه التاريخية والمعرفية والثقافية، لكن التطور التاريخي نسخ هذه الصلاحية، ولم تعد أحكام القرآن صالحة لهذا الزمان ويتعين تجاوزها وإهمالها. بل عمم العلمانيون هذه التاريخية لتشمل العقيدة ومنظومة القيم ودلالات القصص القرآني (١). وهذه التاريخية مبنية على التاريخية الأولى، لأن القرآن لما كان منتجا ثقافيا للواقع، والواقع متغير دائما وأبدا، فإن أحكام القرآن العقدية والتشريعية والأخلاقية متغيرة ومتبدلة (٢). فسر أركون مرة التاريخية بقوله: بمعنى أن كل شيء يتغير أو يتطور مع التاريخ أو مع مرور الزمن، ولا شيء ثابتا أو معطى بشكل جاهز مرة واحدة وإلى الأبد كما يتوهم المؤمن التقليدي (٣). وقال هاشم صالح: تعني كلمة التاريخية دراسة التغير من خلال الزمن، أي: التغير الذي يصيب الأفكار والأخلاق والمؤسسات بحسب اختلاف العصور والمجتمعات (٤). أغلب العلمانيين يصفون الشريعة الإسلامية بشريعة البداوة، إشارة

стр. 153

لتاريخيتها، أي: تجاوزها التطور التاريخي الذي تجاوز مجتمعات البداوة (١). وواضح أن كل هذه التفاهات تتساقط إذا أكدنا على البعد الإلهي للقرآن وللنصوص الدينية، لأنه ما دام أن الله هو مشرعها ومنشؤها فهو أعلم بما يصلح لعباده، وهو أعرف بالثوابت والمتغيرات، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير. لكن لما كانت هذه المقاربة تكر على الطرح العلماني بالإبطال وتجتثه من أصله تسارع العلمانيون إلى التأكيد على بشرية القرآن وكونه ابن بيئته، ووليد ثقافة عصره. ولهذا فأنا أقول: إن العلمانية تدور على الإلحاد لا غير، ويستحيل وجود مؤمن علماني، إلا إذا كانت تجتمع فيه المتناقضات، وإلا فإن من يكون علمانيا يستحيل أن يكون مؤمنا. لأن الإيمان ذو مرجعية غيبية ما ورائية، أو لنقل لا عقلانية (٢)، والعلمانية تناقض هذه المبادئ مناقضة تامة لا وساطة بينهما، فإما الإيمان وإما الإلحاد. وأغلب العلمانيين ملاحدة، وبعض العلمانيين الذين قد يصرحون بإسلامهم وإيمانهم لا يخرجون عندي عن أحد أمور: أولا: أن يكون ذلك من باب التقية فقط، لكي لا يصدم الجماهير المؤمنة وبالتالي يكون لذلك آثار سلبية عليه أو على دعوته. فالحاجة للتواصل مع الجماهير تكون مقدمة على الاصطدام معها، وبالتالي الإضرار بالعلمانية. وقد صرح القمني وأركون وغيرهما بهذا.

стр. 154

وثانيا: إطلاق لفظ الإسلام أو الإيمان على غير المعنى الذي نفهمه نحن، بمعنى مسلم باعتبار البلدة والنشأة لا اعتقادا. وهذا قد يفعله أركون أحيانا وعلي حرب. وثالثا: من باب الجهل إما بالعلمانية أو بالإسلام أو كليهما. فيتعامل مع الأمر تعاملا ساذجا بغير قصد. وهذا حال كثير من العلمانيين البسطاء وبعض السياسيين والصحفيين الذين لا يفهمون من العلمانية غير فصل الدين عن الدولة. الهدف من التاريخية . لا يخفي معظم العلمانيين أن هدفهم من التأكيد على تاريخية القرآن هو تجاوز المفاهيم والتشريعات والأحكام التي يدل عليها القرآن من جهة ومن جهة أخرى نزع القداسة عنه حتى يعامل كباقي النصوص نقدا ونقضا. أو لنقل بعبارة أوضح: إنهم يريدون وضع القرآن في خانة الفلكلور أو كجزء من الحفريات التي يدرسها المختصون بعلم الآثار، لا أنه كتاب يقود ويسود ويحكم. قال علي حرب مبينا مقصد أركون بتاريخية الفكر الإسلامي: فالتعامل مع الفكر الإسلامي بوصفه نتاجا تاريخيا معناه نزع هالة القداسة عن ذلك الفكر، أي: تمزيق الحجاب وهتك السر، هذا هو صلب القضية، كيف نقرأ التراث والقرآن تحديدا (١). يقصد بتمزيق الحجاب وهتك السر، نزع صفة الألولهية عنه، وإحلال البشرية عليه. وشرح هاشم صالح ذلك بقوله: أي: وضعها ضمن سياقها التاريخي،

стр. 155

وربطها بظروف قديمة مضت وانقضت ولم تعد هي ظروفنا. وبالتالي فهذه الآيات لم تعد ملزمة في العصر الحالي (١). وقال: فالشيء ما إن تنكشف تاريخيته حتى يصبح من السهل تجاوزه (٢). وبيّن أن معنى أرخنة القرآن هو موضعته ضمن سياقه التاريخي ليبطل مفعوله بالنسبة لعصرنا، لأن الظروف اختلفت (٣). وقال أركون: عملي يقوم على إخضاع القرآن لمحك النقد التاريخي المقارن (٤). وبيّن علي حرب أن أركون يهدف إلى الكشف عن تاريخية القرآن الأكثر مادية ودنيوية وأكثر يومية وعادية، بل الأكثر شيوعا (٥). وزاد أن هدفه من قراءة القرآن ليس تقويم المعنى ولا إعادة الاعتبار إلى الظاهرة المعجزة التي يمثلها الوحي القرآني، وإنما هدفه تفكيك المعنى بالبحث عن أصوله وتبيان كيفية إنتاجه (٦). أي: بلغة واضحة بينة: يريد أركون بيان بشريته وأنه منتج بشري أرضي في ظل شروط تاريخية. وليس هدف العلمانيين من إعادة القراءة هو فهم أكثر للنص أو رد الاعتبار له إن الهدف بكل بساطة هو التحرر من النص نفسه بغية تجاوزه، يقول نصر أبو زيد: ولا خلاص من تلك الوضعية إلا بتحرير العقل من سلطة النصوص الدينية

стр. 156

وإطلاقه حرا يتجادل مع الطبيعة والواقع الاجتماعي والإنساني، فينتج المعرفة التي يصل بها إلى مزيد من التحرر فيصقل أدواته ويطور آلياته (١). فالهدف مرسوم وواضح، لكنهم أحيانا ومن باب التكتيك الهجومي يقولون إنهم يريدون من إعادة القراءة فهما أعمق للنص، وأكثر تعبيرا عن روح الشريعة، أو يقولون إنهم ليسوا ضد النص ولكن ضد فهم العلماء للنص. وبيَّن نصر أبو زيد هدفه من التأكيد على تاريخية النص فقال: نزع قناع القداسة عن وجهه، وهو ما يؤدي في نهاية الشوط إلى طرح كل الأسئلة الممكنة بلا خوف ولا تردد ولا تواطئية تبريرية. وزاد: إن ممارسة هذه الحرية في نقد التراث تعد شرطا ضروريا في مشروع النهضة سعيا لتغيير بنية العقل من حالة الإذعان والتقبل السلبي إلى حالة التساؤل وإنتاج المعرفة (٢). يعني التعامل مع القرآن كنص بشري لا يحظى بأي احترام أو تقديس، وعدم التعامل معه كنص له حرمة ما أو قداسة ما. وليس المقصود بتاريخية النصوص أو البعد التاريخي للنصوص: أسباب النزول وعلم الناسخ والمنسوخ وتغير الأحكام لتغير الظروف والملابسات كما أكد أبو زيد بنفسه (٣). ثم استطرد مبينا المراد بها بقوله: فإن البعد التاريخي الذي نتعرض له هنا يتعلق بتاريخية المفاهيم التي تطرحها النصوص من خلال منطوقها وذلك نتيجة طبيعية لتاريخية اللغة التي

стр. 157

صيغت بها النصوص (١). ثم يزيد: ولا خلاف في أن تاريخية اللغة تتضمن اجتماعيتها الأمر الذي يؤكد أن للمفاهيم بعدها الاجتماعي الذي يؤدي إهداره إلى إهدار دلالات النصوص ذاتها (٢). وهدفه طبعا من كل هذه التعقيدات واضح جدا، وهو ما يؤكده لنا بقوله: وليس ثمة عناصر جوهرية ثابتة في النصوص، بل، لكل قراءة- بالمعنى التاريخي الاجتماعي- جوهرها الذي تكشفه في النص (٣). بمعنى أن النص يصبح نصا مطاطا يتشكل فيه كل ما يريده القارئ. فالشيوعي سيقرؤه قراءة ماركسية، والليبرالي كذلك، بل والمسيحي واليهودي. ليس هناك شيء ثابت في النصوص، وليس هناك ثوابت، الكل متحرك ومتغير كالحديد المنصهر، يمتد حسب الرغبة والطلب. هذه هي أهداف تاريخية النصوص، أو بعبارة أوضح: نصوص القرآن والسنة كانت استجابة لبيئة بدوية صحراوية ذات خصائص معينة، ذات بعد تاريخي واجتماعي معين. أما في عصرنا فلم تعد تلك الأحكام تناسب عصر الصواريخ وعلم الجينات والطاقة النووية. فلا بد من تجاوزها وإلغائها. ولا يقتصر أبو زيد على النصوص التشريعية، بل يتعداها إلى العقائد والقصص القرآني، كما صرح بنفسه (٤). بل اعتبر الجانب التشريعي شريحة رقيقة من

стр. 158

النصوص (١). أي: الشريحة الأغلظ التي ستطالها ترسانة أبي زيد النقدية ليتم تجاوزها وتحويلها إلى متحف التاريخ هي العقائد والغيبيات والقصص القرآني. وهذا علماني آخر يقول: نحن نؤمن بتاريخية النصوص وبربطها بأسباب ورودها وبالفترة الزمنية التي ظهرت فيها وبالبيئة التي انبعثت منها وبالمجتمع الذي ولدت فيه، بل وبالظروف الجغرافية التي واكبتها وبالدرجة الحضارية للمخاطبين بها وبمداهم المعرفي وأفقهم الثقافي (٢). هكذا يقول الشيوعي الملتحي أو الشيخ الأحمر خليل عبد الكريم. وهو يقصد بالدرجة الحضارية والمدى المعرفي والأفق الثقافي أن جيل الصحابة الذين ظهر فيهم القرآن كان له مستوى حضاري وثقافي ومعرفي معين، يؤمن بالخرافة والأساطير والغيبيات بل والكهانة كما تقدم عن أبي زيد، وبالتالي يجب تجاوز مسألة الله والوحي والملائكة والجن والشياطين، بل والجنة والنار، لأن هذه المفاهيم تتناسب مع الفكر الميثي الأسطوري الذي كان غالبا في ذلك العصر. أما في عصر الطاقة الذرية والانترنيت فلا حاجة للحديث عن هذه المفاهيم لأنها لا تناسب الدرجة الحضارية لمجتمعنا. بل حديثنا سيكون عن المساواة بين الجنسين وحقوق الإنسان والديمقراطية وحقوق الشواذ والدعارة والتنمية والمنفعة. أما القيم والأخلاق فضلا عن العقائد والأديان فلم تعد مناسبة لدرجة الوعي الحضاري لمجتمعنا.

стр. 159

وطبعا يتسلح كل من أبي زيد وخليل عبد الكريم بالسلاح الماركسي العتيق فيما طارحاه من تاريخية. فالأديان والأفكار والمعتقدات هي انعكاس للأوضاع الاقتصادية. فلما كانت البيئة صحراوية بدوية لها نمط إنتاج بدائي يعتمد على الرعي، جاء الدين الإسلامي بعقائده وتشريعاته انعكاسا لهذه الأوضاع. ومع تغير وسائل الإنتاج من الزراعة إلى الصناعة ومن الإنتاج البدائي إلى الإنتاج اللآلي المتطور ومن المجتمع القبلي إلى المجتمع المدني الحديث، فلم يعد الدين ولا أحكامه مناسبة لهذه الأوضاع. وهذه هي التاريخية. وقد ضرب لنا الشيخ الأحمر مثالا لاعتماد التاريخية في نقض الأحكام الشرعية، باعتماد ما سماه: المغزى من الأحكام، واعتبره هو الجوهر واللب والعصارة (١). فالحجاب مثلا في نظر الشيوعي الملتحي مفتى الماركسية شُرِع للفصل بين الحرائر والإماء لكي لا يتعرض لهن الفساق. أما وقد تحررنا من الرق، فلم يعد لهذا الحجاب من معنى. وزاد مؤكدا: فإذا انتهى هذا التمايز وأصبحت النسوان كلهن حرات، ليست بينهن عبدات غدا التمسك بالحجاب فهما مغلوطا للنصوص يتعين المسارعة إلى تصحيحه حرصا على النصوص ذاتها، لأن عافيتها لن تستمر إلا بمعرفة المغزى الذي جاءت به (٢).

стр. 160

٣ - الطعن في ثبوت القرآن والزيادة والنقص فيه . عند أركون حصل أثناء انتقال القرآن من المرحلة الشفاهية إلى المرحلة المكتوبة تلاعبات وحذف في النص. وهذه عبارته: إن الانتقال من مرحلة الخطاب الشفهي إلى مرحلة المدونة النصية الرسمية المغلقة (أي: إلى مرحلة المصحف)، لم يتم إلا بعد حصول الكثير من عمليات الحذف والانتخاب والتلاعبات (١) اللغوية التي تحصل دائما في مثل هذه الحالات. فليس كل الخطاب الشفهي يدون، وإنما هناك أشياء تُفقد أثناء الطريق. نقول ذلك ونحن نعلم أن بعض المخطوطات قد أتلفت كمصحف ابن مسعود مثلا، وذلك لأن عملية الجمع تمت في ظروف حامية من الصراع السياسي على السلطة والمشروعية، وهذا ما أثبته النقد الفيلولوجي الاستشراقي وهنا تكمن ميزته الأساسية. فليس هدفي أن أنكر ميزات الاستشراق الجاد والخدمات العلمية التي قدمها للتراث الإسلامي (٢). جعل الطعن في القرآن والتشكيك فيه من مميزات الاستشراق الجاد، بل من الخدمات العلمية التي قدمها للتراث الإسلامي. وقال: إن عملية الانتقال من مرحلة النص الشفهي إلى مرحلة النص المكتوب تصحب حتما بضياع جزء من المعنى (٣). وقال: وفي أثناء عملية الانتقال من التراث الشفهي إلى التراث الكتابي تضيع

стр. 161

أشياء، أوتحور أشياء، أو تضاف بعض الأشياء (١). والحاصل كما يقول الطعان في العلمانيون والقرآن (٧٩٣) عن مسألة تحريف القرآن عند أركون: حتى لكأنه وُظف لهذا الغرض بالذات، فهي القضية المحورية والجوهرية، بل الوحيدة التي يذهب ويعود إليها في كل مؤلفاته، وهو يجتر كل ما تفوه به المستشرقون القدماء والمحدثون بالإضافة إلى التخرصات التي يعثر عليها في كتابات المؤرخين والباحثين الوضعيين لتاريخ الأديان. وهذا علماني كبير مثل علي حرب يؤكد أن صادق جلال العظم ونصر حامد أبا زيد يشككان بمصداقية الخطاب النبوي أو ينقضان ظاهرة الوحي الإلهي (٢). وذكر أن ممن ينتقد الأصل أي: الله والنبوة والوحي، ويشكك في مصداقية النص: إسماعيل مظهر وطه حسين ونصر حامد أبو زيد (٣). وأما أركون فهو يقوم بنفس الدور وله نفس الهدف لكن بطرق ملتوية. قال علي حرب: أما أركون فإنه يحاول متسلحا بمنهجيته ذات القدرة الهائلة على الحفر والسبر أن يلج إلى القلعة، لكي يقوم بتلغيمها أو تفكيكها من الداخل. وزاد أن محاولته هي الأكثر خطورة وأهمية، أي: الأكثر فاعلية ومردودية (٤). وشهد شاهد من أهلها. نقل هاشم صالح في الإسلام والانغلاق اللاهوتي (٧٨) عن هانز كونغ

стр. 162

ووافقه مؤكدا (٨٠) تشكيكه في نزول القرآن من عند الله. واعتبر نصر أبو زيد أن اعتبار (القرآن نزل به الوحي الأمين على محمد ﷺ من عند الله تعالى وأنه نص قديم أزلي) من أخطر الأفكار الراسخة والمهيمنة (١). بل اعتبرها ليست جزءا من العقيدة، وأن القرآن ليس محفوظا في السماء في اللوح المحفوظ، وما ورد في القرآن من ذلك يجب فهمه مجازيا (٢). وأن قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ لا يعني أن الله يتدخل بحفظ كتابه كما يظن المسلمون جميعا، بل هو تدخل بالإنسان المؤمن بالبشارة والحض والحث والترغيب على أهمية هذا الحفظ. بل اعتبر أن الظن بأن الله يتولى حفظ كتابه وعي يضاد الإسلام ذاته (٣). ولا يهم أبو زيد تفاهة هذا الطرح وتهافته، بل همه كما قال تعالى عن أمثاله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ فصلت٢٦. فالمهم هو اللغو والمهاترة والمغالطة، بغض النظر عن حظ ذلك من المصداقية والعقل. ثم بيَّن علامة الزمان أبو زيد أن اللوح المحفوظ والأمر الإلهي ما هي إلا مجازات فقط وليس حقيقة واقعة موجودة (٤). ويرى سيد القمامة القمني أن القرآن سقطت منه آيات كثيرة، بل وسورا مثل سور الحفد والخلع والرجم ورضاع الكبير (٥).

стр. 163

وشكك تيزيني في صحة القرآن، مؤكدا أنه سيأتي «في الجزء الثاني من هذا المشروع من شأنه أن يضع يدنا على أن بعض التغييرات التي لم تكن ضئيلة أو التي لا يجوز إهمالها، من حيث المبدأ البحثي التاريخي، طرأت على البنية المتنية للقرآن» (١). ثم مضى مشككا في كون القرآن مصدرا موثوقا به تاريخيا في التأريخ لحياة البني، وأن الحماسة الدينية مع الجهل بتحقيق النصوص وبقواعد البحث العلمي التاريخي والتراثي هي السبب وراء تلك الإطلاقات (٢). وفي كتابه النص القرآني (٥٢ - ٥٥) ذكر أن القرآن خضع لعملية تحول من لفظ شفاهي إلى لفظ مكتوب، وأثناء العملية فُقدت أشياء وأضيفت أشياء وتصحفت أشياء. وأنه وقعت تغييرات في القرآن عند كتابته (٦٣). وأنه بتأثير من المصالح السياسية المتصارعة أدت لعمليات اختراق متنه زيادة ونقصانا (٦٥). وكثير من السور والآيات زيدت أو أنقصت أو أبعدت (٢٥٣). ولهذا لاحظ غياب الاتساق التاريخي والبنيوي المنطقي في ترتيب سوره وآياته وموضوعاته (٢٥٣). وشكك عادل ضاهر في صحة النصوص المنقولة عن الأنبياء والمنسوبة لله، وقال: فلا توجد ضمانات مطلقة في أنها غير محرفة أو غير منحولة (٣). وتقدم كلام أركون المشكك في نقل القرآن من الحالة الشفهية إلى الحالة

стр. 164

المكتوبة، ونزيد هنا قوله عن هذا الانتقال مشككا في نزاهته: فإنه سيحصل بالضرورة نوع من التبعثر للقداسة بسبب التكرار. هذا إن لم يحصل نوع من الابتذال والانحطاط لها (١). وذكر رشيد الخيون أن القرآن -ولأنه ينسخ باليد- لم يسلم من التحريف (٢). وزعم الجابري أن من تلقوا القرآن من القبائل الأخرى كانوا يقرأونه حسب لهجاتهم ولغاتهم فيقولون مثلا بدل «قال» «كال» بالقاف المعقوفة (الجيم المصرية) أو «غال» بالغين أو «آل» بالهمزة إلخ كما تفعل شرائح اجتماعية كثيرة في جميع الأقطار العربية تقريبا. وقس على هذا نطق أهل الخليج بالكاف شينا، خصوصا أهل العراق والكويت، ونطق المصريين بالذال زايا الخ. ليس هذا فحسب، بل من الممكن أن يترجم أهل قبيلة معينة بعض ألفاظ القرآن المنطوقة بلغة قريش إلى ما يرادفها في لغتها الخاصة، فيقولون مثلا: «هلم» بدل «تعال» أو «أقبل» بدل «إئت» (٣). فالقرآن حسب الجابرى حَوَّرت فيه القبائل وزادت ونقصت.

стр. 165

٤ - تكذيب نصوص القرآن . تكذيب خلق الله للكون: قال القمني: الطالب يدخل إلى حصة الفيزياء أو حصة البيولوجي فيدرس أن الخلية الأولى والسائل المنوي والنواة تكونت خلال ملايين السنين بكذا وتتفاعل كذا إلخ، يخرج من هذه الحصة يدخل إلى حصة التربية الإسلامية أو المسيحية ليقال له: إن الدنيا قد تكونت في ستة أيام ثم استوى الله على العرش كما في القرآن أو استراح في اليوم السابع، كما في العهد القديم أو في المسيحية واليهودية، هذه الشيزو فرينيا تجاوزها العالم (١). وخلق الله للكون ليس إلا أسطورة في نظر دكتور الأساطير (٢). قال مستهزئا بخالقه: دون تفسير واضح لعدم تدخل الله لصالح أمته التقية، رغم تدخله من قبل في أمور أهون مثل دفاعه بالطير الأبابيل عن مكة ... ومع ذلك فإن الله لم يتدخل حتى تاريخه لحماية أولى القبلتين ومسرى النبي وثالث الحرمين، ولم يدافع عن عاصمة الرشيد أمام الأمريكان (٣). بهذه اللغة الاستهزائية يتهكم القمني على خالقه ولكن ماذا نفعل مع من لا مبدأ له إلا افتراس القمامة. والوجود البشري عند حسن قبيسي في «رودنسون ونبي الإسلام» (ص٢١٥) في ماضيه وحاضره يظهر في إطار الفكر التاريخي على أنه وجود زمني دنيوي

стр. 166

أرضي، لا شأن للآلهة والأنبياء والأبطال وأرواح الأجداد الأولين بابتداعه (١). وهذا تكذيب صريح للقرآن. ووصف عبد المجيد الشرفي الخلق بالأسطورة (٢). وكذا جعلها تركي علي الربيعو أسطورة في كتابه «الإسلام وملحمة الخلق والأسطورة» وكتابه «العنف والمقدس والجنس» (٢٨). وهي -أي: أسطورة الخلق الإسلامية- تشبه باقي الأساطير القديمة للخلق، مثل ملحمة الخليقة البابلية وملحمة أتراحاسيس (٣). واستهزأ صادق جلال العظم في نقد الفكر الديني (١٧ - ١٨) بما ذكره القرآن من قصة خلق الكون وخلق آدم. واعتبر (٢٥) أن كلام القرآن عن خلق آدم وسجود الملائكة له وامتناع إبليس وطرده من الجنة أسطورة تناقض تناقضا صريحا المعارف العلمية. وكان شلبي شميل ينكر الخلق والمعاد. آراء الدكتور شلبي شميل (٦٤ - ٦٩). ولذلك سيكون من المضحك كما يقول أشرف عبد القادر أن نأخذ بنظرية خلق الكون التوراتية التي تبنتها آيات القرآن الكريم، بينما العلم يقدم لنا نظرية الانفجار الكبير الذي لم يدم سبعة أيام، كما تقول الأسطورة التراثية، نقلا عن الأسطورة البابلية، بل دام أقل من ثانية (٤). وخلق آدم من صلصال -عند العفيف الأخضر- أصلها أسطورة سومرية ترجمها أحبار اليهود في القرن السادس قبل الميلاد خلال الأسر البابلي في سفر التكوين، وكذلك أسطورة خلق العالم في سبعة أيام، وأسطورة طوفان نوح،

стр. 167

وأسطورة لوط، ترجموها من ملحمة جلجامش (١). التكذيب بقصص القرآن . تولى كبر هذه المسألة محمد أحمد خلف الله، في كتابه الفن القصصي في القرآن الكريم. وخلاصة ما ذهب إليه أن القصص القرآني «أنساق من السرد الموظف توظيفا دينيا، وليست حقائق تاريخية»، كما قال نصر أبو زيد (٢). أي: القصص القرآني مجموعة من الحكايات الشعبية أو لنَقُل: الأساطير الخرافية، وليست حقائق تاريخية، فلم يوجد نبي اسمه نوح أو إبراهيم أو أصحاب الكهف، وإنما هي حكايات سردية للعبرة والموعظة. وتابع محمد أحمد خلف الله في افتراءاته هذه واحد ممن يوصف بالعلماني المعتدل، وهو محمد عابد الجابري. قال الجابري بعد أن بين أن القصص القرآني لضرب المثل والعبرة، لا للرواية التاريخية: وهكذا فكما أننا لا نسأل عن صحة القصة التي وراء الأمثال التي تضرب لموقف أو حال إلخ، لأن المقصود بالمثل ليس أشخاصه بل مغزاه، فكذلك القصص القرآني في نظرنا. والصدق في هذا المجال سواء تعلق الأمر بالمثل أو بالقصة لا يلتمس في مطابقة أو عدم مطابقة شخصيات القصة والمثل للواقع التاريخي، بل الصدق فيه مرجعه مخيال المستمع ومعهوده، فإذا كنا نعجب بمثل وننفعل له فهو صادق بالنسبة لنا، أما صدقه في نفسه فلا يكون موضوع سؤال ما دام يثير فينا ذلك الانفعال المعبر عن الإعجاب والتصديق (٣).

стр. 168

وهذا كلام موافق لخلف الله في غاية الوضوح والصراحة. فقصة يوسف مثلا ليست واقعية حقيقية، وصدقها هو فيما تحدثه فينا من انفعال وإعجاب، لا أنها صادقة في نفس الأمر. ثم يزيد مؤكدا: وبما أن الهدف من القصص القرآني هو ضرب المثل واستخلاص العبرة فلا معنى لطرح مسألة الحقيقة التاريخية (١). ثم يبدي مراوغة ذكية لكنها مكشوفة فيقول: نعم إن القصص القرآني ليس قصصا خياليا، بل هو قصص يتحدث عن وقائع «تاريخية» تدخل ضمن معهود العرب (٢). ثم ذكر أن العرب كانت لهم خبرة بأخبار الأمم وقصص الماضين. ووضع «تاريخية» بين مزدوجتين ليبين أنها ليست تاريخية حقيقية، وأكد ذلك بتقييده ذلك بمعهود العرب. أي: القصص القرآني في نظره لا يدل على وقائع تاريخية حقيقية، ولكنه حسب ما كان شائعا ومعهودا في الحكايات الشعبية لدى العرب، فهي ليست خيالا محضا، ولكنها حكاية لما كان شائعا في الأوساط العربية. وهذا ليس استنتاجا مني، بل هو منطوق كلامه. وزاده تأكيدا بقوله: من الذين كتبوا في هذا الموضوع وأثارت آراؤهم جدلا في الخمسينات من القرن الماضي كتاب المرحوم محمد خلف الله: الفن القصصي في القرآن. وقد انتهى فيه إلى أن القصة القرآنية لم يكن هدفها التاريخ بل العظة والاعتبار. وأن هناك أقوالا جاءت على لسان بعض الشخصيات في القصة أنطقها القرآن على لسانهم. وأن مضمون القصة القرآنية هو ما يعرفه المعاصرون للنبي من تاريخ، ومع أننا لا نختلف كثيرا حول هذه النتائج إلا أن طريقنا إليها يختلف عن طريق خلف

стр. 169

الله (١). فالخلاف هو في طريقة العرض لا النتائج نفسها. وقال في مكان آخر بعد سرده لعدد من القصص القرآني: أما مسألة ما إذا كان محتوى هذه القصص يحكي وقائع تاريخية فهي مسألة لا معنى لها في نظرنا (٢). وممن يميل إلى هذا عبد المجيد الشرفي، فقد أكثر في كتبه من الحديث عن بنية القرآن والسنة الأسطورية وقال: كما يحسن بنا أن لا نغتر بخصائص الخطاب الميثي (٣) فنأخذها على أنها تنتمي إلى الخطاب المفهومي وتتماهى معه تماهيا كاملا، على غرار ما دأب عليه مفسرو النص القرآني حين سعوا إلى تفصيل ما هو مجمل، وتعيين المشار إليه، وترجمة الرمز عموما إلى وقائع تاريخية حسية (٤). وهذا نص واضح عند من يفهم الخطاب العلماني وتمرس به. فالشرفي يقول لنا: إن القصص الأسطورية المذكورة في القرآن ما هي إلا رموز تهدف إلى إيصال مفاهيم معينة، لا أنها وجدت فعلا في التاريخ. واعتبر صادق جلال العظم أن قصص القرآن مثلها مثل أية أساطير خرافية في عالم الأدب (٥). وقال القمني مشككا ومستهزءا بناقة صالح وقصة الطوفان: ثم لاشك أن أيّ مؤمن وأي شاك ستطيب نفسه إن تمكن من تفسير الحكمة الإلهية في إهلاك شعب مقابل ناقة تلدها صخرة!! كما لا جدال أن إيجاد تفسير معقول لإفناء قوم نوح في

стр. 170

ضوء المعقول الآني يفرض حرية الاعتقاد (١). ووصف أركون القصص القرآني بالأسطرة الساذجة (٢). وذكر أن القصص القرآني مأخوذ من التراث اليهودي والمسيحي (٣). وأن القرآن استعار قصصه من غيره، ووظفها ضمن منظوره وغيَّر وجهتها وغائيتها لكي تتطابق مع وجهته هو (٤). وينحو هذا المنحى كذلك: تركي علي الربيعو، فالقصص القرآني ينتمي إلى الفكر الأسطوري الميثي (٥)، والواجب على الباحث «القيام بنقد تاريخي لتحديد أنواع الخلط والحذف والإضافة والمغالطات التاريخية التي أحدثتها الرواية القرآنية بالقياس إلى معطيات التاريخ الواقعي المحسوس» كما قال (٦). وزاد الربيعو أن الرواية القرآنية هي الإطار المرجعي لتاريخ قديم تحل فيه الأسطورة محل التاريخ (٧). أي: القصص القرآني ذو بنية أسطورية خرافية لا تاريخية وغير واقعية. وقصة آدم وحواء (٨) وقصة صالح (٩) وغيرها قصص أسطورية.

стр. 171

تكذيب قصة الطوفان والسخرية منها . قصة الطوفان كباقي القصص القرآني تندرج عند العلمانيين في القصص الأسطوري الخرافي. قال عصام الدين حفني ناصف في اليهودية بين الأسطورة والحقيقة (١١١) عن قصة الطوفان: لا يسلم بصحتها في الوقت الحاضر إلا رجل يفكر في القرن العشرين بعد الميلاد تفكير الذين كانوا يعيشون في القرن العشرين قبل الميلاد، رجل يتمتع بعقل كعقول الأطفال وتصديق ساذج كتصديق العجائز (١). وسخر (١٠٤ - ١٠٥) من قصة الطوفان، وتساءل كيف استطاع نوح أن يميز بين الذكر والأنثى عند الحشرات مع أنه لم يكن مزودا بمجهر، وكيف قفزت تلك الحيوانات التي لا تحسن السباحة من قارة إلى أخرى وجاءت إلى السفينة؟ وكم سنة أمضاها الحيوان الكسلان من أمريكا الجنوبية إلى العراق، وهو لا يستطيع أن يقطع أكثر من خمسة عشر مترا في اليوم (٢). وهذا تكذيب للقرآن. التكذيب بقصة أصحاب الكهف . اعتبر صادق النيهوم العلماني الليبي أن قصة أصحاب الكهف حادثة رمزية (٣). أي: ليست قصة حقيقية، بل هي رمز فقط لأشياء معينة. وهي مليئة بالرموز، فالرقيم رمز واضح محدد للنشاط التجاري الذي تميزت به الأمم المسيحية في العصور الحديثة، والكهف رمز آخر محدد للنشاط

стр. 172

الكهنوتي في الأديرة المتوحدة وبقاع النساك في الجبال. وترتيب وضع الكلمتين في النص (الكهف والرقيم) يبدو بمثابة تلخيص مذهل لتاريخ المسيحية بأسرها التي بدأت في كهوف الرهبان وانتهت في بورصات المدن الكبيرة والبنوك (١). ويستمر مفسرنا العبقري قائلا: وهنا تصبح الآية: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ﴾، رمزا لحال الركود المعروفة في تاريخ المسيحية بين ميلاد عيسى المسيح وبين عصر الإمبراطور قسطنطين، وهي فترة تميزت بحالة حادة من الخمود الكلي في جميع مناطق الدين الجديد. وتصبح الآية ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ رمزا لحالة التيه التي عاشها أتباع المسيحية في تلك الفترة ملتمسين طريقهم لنشر تعاليم المسيح بين أوروبا وبين أثيوبيا ... وتصبح آية ﴿وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ إشارة أكثر وضوحا إلى أن الدين الجديد كان يواصل انتشاره في مناطق مأهولة بالشعوب التي تحترف الرعي (٢). قادت مفسرنا العبقري حماقاته إلى شيء أخطر وأخطر، فزعم أن عيسى له أب واسمه يوسف النجار. والعجيب أنه استدل بالقرآن على ذلك، لقوله تعالى: ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ أي: يتزوجها (٣). وحماقات هذا الرجل شبيهة بحماقات قائده الملهم القذافي، الذي طار بحماقاته وطرائفه الركبان، والناس على دين ملوكها، فلا عجب. منها مثلا ما زعمه أن معجزات عيسى ليست حقيقية ولكنها رمز فقط، كيف؟

стр. 173

شفاء الأكمة والأبرص معناها: الأعمى هو الذي لا يستطيع أن يرى آيات الله. وأما الموتى فهم العاجزون كلية عن الارتباط (١). والحروف المقطعة في القرآن هي علامات في مذهب صوفي عند اليهود يعرف بالقبّالة، وهو عبارة عن نظام تدريبي تربوي يتبعه المريدون في مسالكهم نحو المقامات التي يسعون إلى بلوغها، وكل حرف منها يشير إلى مسلك من تلك المسالك (٢). وللتذكير فأهم مراجع النيهوم هو تفسير باللغة الإنجليزية لمحمد علي الهندي القادياني (٣). علما أن أول من أحدث فرضية الرمز في القرآن هو المستشرق الإنجليزي المتحامل على الإسلام مرجليوت المتوفى سنة ١٩٤٠ (٤).

стр. 174

٥ - الطعن في القرآن: وجه العلمانيون طعونا عديدة للقرآن الكريم، تقدم بعضها وستأتي أخرى. ونذكر هنا جملة من تلك الطعون لم تذكر في الفقرات السابقة أو اللاحقة، ولنبدأ بمحمد أركون. فقد ذكر أن سورة الكهف تعرضت لتحويرات أو لتغييرات، وأن الآية ٢٥ منها مكانها بعد الآية ١١ (١). وأن في السورة شذوذا لغويا (٢). وقال عن مواضيع سورة الكهف: مجرد تجاور بين عبارات لغوية ومعنوية متبعثرة (٣). وأن الخطاب القرآني خطاب سلطوي (٤)، وديكتاتوري (٥). واتهم القرآن بالتناقض مرارا، منها قوله: قد أدت إلى ظهور تناقض تأسيسي شامل على مدار الخطاب القرآني كله (٦). واتهم القرآن بألوان من التهم الرخيصة، قال: فأولا ينبغي القيام بنقد تاريخي لتحديد أنواع الخلط والحذف والإضافة والمغالطات التاريخية التي أحدثتها الروايات القرآنية بالقياس إلى معطيات التاريخ الواقعي المحسوس (٧). ووصف

стр. 175

الخطاب القرآني بـ: متملص موارب سريع تلميحي (١). ووصف القرآن بأن فيه تناقضا تأسيسيا شاملا على مدار الخطاب القرآني كله (٢). وقال: فالقرآن لا يعرض الأمور على هيئة خطاب هادئ يوصل الحقائق والمعارف إلى الناس بطريقة رصينة رزينة، على العكس فإنه مليء بالمماحكات الجدالية الساخنة ضد الأعداء والمناقشات الخلافية الهائجة وكل أنواع الدحض لأقوال الخصوم والمحاجات الإلحادية المعادة مرارا وتكرارا، هذه هي طريقته في إيصال حقيقته إلى الناس. وهذه الأساليب المتوترة تهيمن على عدد كبير من الآيات القرآنية ... إلى قوله: فالخصوم المستهدفون من قبل هذه الآيات القرآنية العنيفة والحادة اللهجة (٣). وقال عن التضحية بالنفس في القرآن: ولكن هذه التضحية بالذات تبدو في القرآن مشبوهة أو تنطوي على ازدواجية أو تناقض (٤). وقال هاشم صالح: في الواقع إن الفقهاء استغلوا تناقض القرآن أو غموضه وعدم وضوحه فيما يخص هذه النقطة ... (٥). واتهم القرآن في موطن آخر بالتناقض (٦). واعتبر عبد الوهاب المؤدب أن في القرآن جوانب عتيقة بالية فيها استيلاب

стр. 176

ووحشية ظالمة وعنف، مثل نجاسة المرأة، وتعدد الزوجات، والتطليق عن طريق الطرد التعسفي، ونظام الرق، وقانون القصاص العين بالعين والسن بالسن (١). والقرآن والسنة حسب عزيز العظمة: أخبار فيها اختلافات كثيرة وكبيرة (٢). وشكك أركون في اتهام القرآن لأهل الكتاب بتحريف كتبهم، وسماها تهمة رهيبة (٣). وكذا شكك حسن حنفي في مقدمته لرسالة إسبينوزا (٢٢) في كون القرآن محفوظا من التغيير والتبديل. ونظرة الإسلام إلى كون الأديان السابقة محرفة وخاطئة ليست عنصرا مرحبا به عند أركون لسبب بسيط أن المنهج النقدي التفكيكي الموضوعي التاريخي الغربي لم يقل كلمته في هذه المسألة، فهو دين أركون الجديد (٤). القرآن عنيف ووحشي وقاس. هكذا صرح جماعة من العلمانيين. سيأتي أنه وحشي وعنيف في فقرة «القانون الجنائي الإسلامي قانون همجي وحشي». ووصف أركون آية «فإذا نقر في الناقور» بالمقطع العنيف والملتهب (٥). وقال: فالعنف الذي نظَّر له القرآن في سورة التوبة (٦). وذكر أن القرآن

стр. 177

تحدث بقسوة وسلبية عن البدو (١). ووصف في مواطن أخرى القرآن بالعنف (٢). وقال الجابري: لأن ما احتفظت به السورتان (أي: الأحزاب وبراءة) كان عنيفا وقاسيا (٣). وعند محمد الشرفي القرآن وضع أحكاما قاسية تحط من الكرامة (٤). وللقرآن عند عبد الرحيم لمشيشي لهجة شديدة العنف (٥). وله حسب عبد الوهاب المؤدب موقف هجومي عنيف (٦). وله موقف متقلب، ونصوصه لا تخضع لمنهج متماسك محكم في التأليف (٧). ولهجته مع اليهود أكثر قسوة وتشددا (٨). وربط النص بالرصاص، والعنف بالمقدس هو قراءة رسمية، «بمعنى أدق إنها تدين بمرجعيتها إلى نظرة السلطة، ولذلك بقيت محكومة بهواجس إيديولوجية وشواغل ظرفية جامحة، ولم تساهم إلا في إذكاء خطاب نظري سوسيولوجي سطحي وفي زيادة الطين بلة»، كما قال الربيعو (٩). وزاد أنها تجسد نزعة أمنية وسياسية تتبنى وجهة نظر الدولة في ظاهرة الإسلام السياسي (١٠).

стр. 178

اشتمال القرآن على الأساطير . تقدم في فقرة «الدين الإسلامي مليء بالأساطير» أن الأساطير السومرية والبابلية والكنعانية والأشورية والمصرية والفنيقية هي الأصل الذي بنيت عليه الأديان. وفيه نقول عدة في ذلك. وذكر أركون أنه فضلا عن الأساطير القديمة فللتوراة والأناجيل والصابئين والحكايات العربية القديمة أصداء واضحة في القرآن (١). والقرآن ذو بنية أسطورية عند أركون (٢)، وتركي علي الربيعو (٣). وزاد الربيعو أن الرواية القرآنية هي الإطار المرجعي لتاريخ قديم تحل فيه الأسطورة محل التاريخ (٤). أي: القصص القرآني ذو بنية أسطورية خرافية لا تاريخية وغير واقعية. وقال علي حرب: لأن الأسطورة هي القوة المحركة للمشروع الديني وللدعوات التي تتم باسم الدين (٥). وقال عن النص الديني: إنه نص ذو بنية أسطورية (٦). وكذا قال نصر أبو زيد (٧). بل الأسطورة عنده هي القوة المحركة للمشروع الديني (٨).

стр. 179

ونعود مرة أخرى إلى أركون ليقول لنا: إن الحكايات التوراتية والخطاب القرآني هما نموذجان رائعان من نماذج التعبير الميثي أو الأسطوري (١). ووصف القصص القرآني بالأسطرة الساذجة (٢). وقال: إن أساطير غلغاميش والاسكندر الكبير والسبعة النائمين في الكهف تجد لها أصداء واضحة في القرآن (٣). العجيب المدهش: العجيب المدهش عند أركون وغيره هو مجموعة من الأساطير والخرافات والحكايات الشعبية التي تحكيها الجدات للأطفال، وتنتشر في مجال الأدب بالخصوص، والأدب الشعبي كحكايات سندباد والغول وطرزان، ويدخل ضمنها: عالم الساحرات والعفاريت والجن (٤) والملائكة، بل وكل الغيب. واستعمال العجيب والمدهش في الخطاب القرآني يتناسب مع البيئة الثقافية للحجاز في القرآن السابع، وهو ركيزة من ركائز الفكر الديني. والعجيب المدهش الأركوني موجود في القرآن كثيرا، كما بين في بحث طويل في كتاب الفكر الإسلامي (١٨٧)، ومثلت قصص الأنبياء مجالا خصبا لاكتشاف هذا العجيب المدهش في القرآن الكريم، أو الساحر الخلاب كما يسميه أحيانا. قال (٢٠٣): هذا مع العلم أنه يمكننا أن نحدد نمط وجود العجيب المدهش

стр. 180

ووظيفته بشكل دقيق إلى حد ما في الحكايات (كذا) العديدة وأحيانا الطويلة الموجودة في القرآن، إننا نفكر هنا مثلا بسورة يوسف المشهورة وبحياة موسى ... ثم بمختلف الحكايات المتعلقة بالأنبياء السابقين على محمد أو بالشعوب القديمة. وقال: نلاحظ أن العجيب المدهش يلعب في القرآن دورا مهما جدا جدا. ويبدو لي أننا نستطيع أن نرى فيه الفضاء الحيوي للوعي الديني. نجد أن في هذا العجيب المدهش كما بلورته وحددته (أو كما حاولت ذلك) ينتعش الوعي الديني ويزدهر (١). وفي الوقت ذاته أكد على غياب مفهوم العقل من القرآن (٢). إذن أساطير وخرافات وغياب العقل، هكذا يصور أركون كتاب الله المبين!! مع أن هذه الشبهة الأركونية لا تحمل من الجدة إلا المصطلح، وإلا فهي شبهة قديمة، أثارها المشركون ضد القرآن ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ الفرقان٥. فلا تعدو محاولاته كونها إعادة صياغة لشبه الزنادقة على مر التاريخ بمنهجيات علم الألسنيات وعلم النقد التاريخي وغيرها. القرآن نص مفتوح على جميع المعاني . حاول العلمانيون وسعيا للتفلت من دلالة القرآن إلى اتهامه بكونه محتملا لكل شيء، يقول أركون: إن القرآن هو عبارة عن مجموعة من الدلالات والمعاني الاحتمالية المقترحة على كل البشر، وبالتالي فهي مؤهلة لأن تثير أو تنتج خطوطا واتجاهات عقائدية متنوعة بقدر تنوع الأوضاع والأحوال التاريخية التي
следующие страницы →