← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96927

العلمانيون العرب وموقفهم من الإسلام

مصطفى باحو

Полный текст (384 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ووحشية ظالمة وعنف، مثل نجاسة المرأة، وتعدد الزوجات، والتطليق عن طريق الطرد التعسفي، ونظام الرق، وقانون القصاص العين بالعين والسن بالسن (١). والقرآن والسنة حسب عزيز العظمة: أخبار فيها اختلافات كثيرة وكبيرة (٢). وشكك أركون في اتهام القرآن لأهل الكتاب بتحريف كتبهم، وسماها تهمة رهيبة (٣). وكذا شكك حسن حنفي في مقدمته لرسالة إسبينوزا (٢٢) في كون القرآن محفوظا من التغيير والتبديل. ونظرة الإسلام إلى كون الأديان السابقة محرفة وخاطئة ليست عنصرا مرحبا به عند أركون لسبب بسيط أن المنهج النقدي التفكيكي الموضوعي التاريخي الغربي لم يقل كلمته في هذه المسألة، فهو دين أركون الجديد (٤). القرآن عنيف ووحشي وقاس. هكذا صرح جماعة من العلمانيين. سيأتي أنه وحشي وعنيف في فقرة «القانون الجنائي الإسلامي قانون همجي وحشي». ووصف أركون آية «فإذا نقر في الناقور» بالمقطع العنيف والملتهب (٥). وقال: فالعنف الذي نظَّر له القرآن في سورة التوبة (٦). وذكر أن القرآن

стр. 177

تحدث بقسوة وسلبية عن البدو (١). ووصف في مواطن أخرى القرآن بالعنف (٢). وقال الجابري: لأن ما احتفظت به السورتان (أي: الأحزاب وبراءة) كان عنيفا وقاسيا (٣). وعند محمد الشرفي القرآن وضع أحكاما قاسية تحط من الكرامة (٤). وللقرآن عند عبد الرحيم لمشيشي لهجة شديدة العنف (٥). وله حسب عبد الوهاب المؤدب موقف هجومي عنيف (٦). وله موقف متقلب، ونصوصه لا تخضع لمنهج متماسك محكم في التأليف (٧). ولهجته مع اليهود أكثر قسوة وتشددا (٨). وربط النص بالرصاص، والعنف بالمقدس هو قراءة رسمية، «بمعنى أدق إنها تدين بمرجعيتها إلى نظرة السلطة، ولذلك بقيت محكومة بهواجس إيديولوجية وشواغل ظرفية جامحة، ولم تساهم إلا في إذكاء خطاب نظري سوسيولوجي سطحي وفي زيادة الطين بلة»، كما قال الربيعو (٩). وزاد أنها تجسد نزعة أمنية وسياسية تتبنى وجهة نظر الدولة في ظاهرة الإسلام السياسي (١٠).

стр. 178

اشتمال القرآن على الأساطير . تقدم في فقرة «الدين الإسلامي مليء بالأساطير» أن الأساطير السومرية والبابلية والكنعانية والأشورية والمصرية والفنيقية هي الأصل الذي بنيت عليه الأديان. وفيه نقول عدة في ذلك. وذكر أركون أنه فضلا عن الأساطير القديمة فللتوراة والأناجيل والصابئين والحكايات العربية القديمة أصداء واضحة في القرآن (١). والقرآن ذو بنية أسطورية عند أركون (٢)، وتركي علي الربيعو (٣). وزاد الربيعو أن الرواية القرآنية هي الإطار المرجعي لتاريخ قديم تحل فيه الأسطورة محل التاريخ (٤). أي: القصص القرآني ذو بنية أسطورية خرافية لا تاريخية وغير واقعية. وقال علي حرب: لأن الأسطورة هي القوة المحركة للمشروع الديني وللدعوات التي تتم باسم الدين (٥). وقال عن النص الديني: إنه نص ذو بنية أسطورية (٦). وكذا قال نصر أبو زيد (٧). بل الأسطورة عنده هي القوة المحركة للمشروع الديني (٨).

стр. 179

ونعود مرة أخرى إلى أركون ليقول لنا: إن الحكايات التوراتية والخطاب القرآني هما نموذجان رائعان من نماذج التعبير الميثي أو الأسطوري (١). ووصف القصص القرآني بالأسطرة الساذجة (٢). وقال: إن أساطير غلغاميش والاسكندر الكبير والسبعة النائمين في الكهف تجد لها أصداء واضحة في القرآن (٣). العجيب المدهش: العجيب المدهش عند أركون وغيره هو مجموعة من الأساطير والخرافات والحكايات الشعبية التي تحكيها الجدات للأطفال، وتنتشر في مجال الأدب بالخصوص، والأدب الشعبي كحكايات سندباد والغول وطرزان، ويدخل ضمنها: عالم الساحرات والعفاريت والجن (٤) والملائكة، بل وكل الغيب. واستعمال العجيب والمدهش في الخطاب القرآني يتناسب مع البيئة الثقافية للحجاز في القرآن السابع، وهو ركيزة من ركائز الفكر الديني. والعجيب المدهش الأركوني موجود في القرآن كثيرا، كما بين في بحث طويل في كتاب الفكر الإسلامي (١٨٧)، ومثلت قصص الأنبياء مجالا خصبا لاكتشاف هذا العجيب المدهش في القرآن الكريم، أو الساحر الخلاب كما يسميه أحيانا. قال (٢٠٣): هذا مع العلم أنه يمكننا أن نحدد نمط وجود العجيب المدهش

стр. 180

ووظيفته بشكل دقيق إلى حد ما في الحكايات (كذا) العديدة وأحيانا الطويلة الموجودة في القرآن، إننا نفكر هنا مثلا بسورة يوسف المشهورة وبحياة موسى ... ثم بمختلف الحكايات المتعلقة بالأنبياء السابقين على محمد أو بالشعوب القديمة. وقال: نلاحظ أن العجيب المدهش يلعب في القرآن دورا مهما جدا جدا. ويبدو لي أننا نستطيع أن نرى فيه الفضاء الحيوي للوعي الديني. نجد أن في هذا العجيب المدهش كما بلورته وحددته (أو كما حاولت ذلك) ينتعش الوعي الديني ويزدهر (١). وفي الوقت ذاته أكد على غياب مفهوم العقل من القرآن (٢). إذن أساطير وخرافات وغياب العقل، هكذا يصور أركون كتاب الله المبين!! مع أن هذه الشبهة الأركونية لا تحمل من الجدة إلا المصطلح، وإلا فهي شبهة قديمة، أثارها المشركون ضد القرآن ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ الفرقان٥. فلا تعدو محاولاته كونها إعادة صياغة لشبه الزنادقة على مر التاريخ بمنهجيات علم الألسنيات وعلم النقد التاريخي وغيرها. القرآن نص مفتوح على جميع المعاني . حاول العلمانيون وسعيا للتفلت من دلالة القرآن إلى اتهامه بكونه محتملا لكل شيء، يقول أركون: إن القرآن هو عبارة عن مجموعة من الدلالات والمعاني الاحتمالية المقترحة على كل البشر، وبالتالي فهي مؤهلة لأن تثير أو تنتج خطوطا واتجاهات عقائدية متنوعة بقدر تنوع الأوضاع والأحوال التاريخية التي

стр. 181

تحصل فيها أو تتولد فيها (١). وقال: القرآن نص مفتوح على جميع المعاني. وقد يبدو هذا الكلام بريئا على غير المتمرس بفكر أركون، ولكن العارف به سيعرف جيدا أنه يقصد أن القرآن يحتمل جميع المذاهب والأفكار، بل حتى الإلحاد والكفر إن شئت أن تستخرجه منه فممكن، لأن القرآن مفتوح على جميع الاحتمالات. فليس القرآن هدى للناس، بمعنى أنه يهديهم من الضلال إلى النور، لكنه منتج لكل العقائد ومولد لجميع المذاهب. وهكذا يرى علي حرب أن القرآن مفتوح على كل المعاني وكافة التأويلات بحيث يمكن أن تتمرأى فيه كل الذوات وأن تقرأ فيه مختلف العقائد والشرائع (٢). وهكذا يقول عبد المجيد الشرفي، قال عن النص القرآني والحديثي: إنه مفهوم فضفاض وغير دقيق، ذلك أن هذا المفهوم قد وظف توظيفات مختلفة ... يستعمل في اتجاهات مختلفة ومتعارضة وأحيانا متناقضة، فنفس النص يمكن أن يؤول لفائدة الشيء ونقيضه، ولذلك فإن الاحتجاج بالنص ليس احتجاجا بريئا (٣).

стр. 182

٦ - نقد القرآن لا فهم القرآن . تنوعت أساليب العلمانيين وتعددت مشارعهم في نقد التراث الإسلامي وتفكيكه بغية زحزحته وتجاوزه. فهذا أركون سمى مشروعه نقد العقل الإسلامي، ويعني به القرآن والسنة وما تفرع عنهما. وهذا الجابري سمى مشروعه نقد العقل العربي، متحاشيا ذكر صفة «الإسلامي» مغازلا الإسلاميين، كما قال بعض نقاده. وهذا حسن حنفي سمى مشروعه التراث والتجديد، وجمع علي حرب بحوثه تحت مسمى نقد النص. والعقل الإسلامي والعقل العربي والتراث والنص كلها مصطلحات لمعنى واحد، هو القرآن والسنة وما تفرع عنهما من علوم. وإن كان الغالب على أركون نقد القرآن والسنة في حد ذاتهما، في حين رأى آخرون التترس خلف مفهوم النص من أجل نقد النص نفسه، كما فعل نصر حامد أبو زيد وآخرون. والهدف طبعا للجميع هو النقد من أجل التجاوز، كما سيأتي شرحه. وقد أفصح نصر حامد أبو زيد عن حقيقة مشروعهم قائلا: الاتجاه الثاني هو اتجاه القطيعة مع التراث، وهو اتجاه يرى أن للتراث وجودا ضارا مسؤولا عن بعض جوانب الأزمة الراهنة، ويرى أن الحل يكمن في ضرورة تحليل هذا التراث أو تفكيكه سعيا لإحداث قطيعة معرفية تُحررنا منه ومن تأثيراته الضارة. دوائر الخوف (١٩٤). وذكر قبله الاتجاه الإسلامي، والثالث: اتجاه تجديد التراث، واعتبره منهجا تلفيقيا، منهج حسن حنفي ومن معه (١٩٤). وهذا كلام في غاية الوضوح.

стр. 183

وغالبا ما يعرض العلمانيون أنفسهم على أنهم متحررون من كافة الإيديولوجيات والمؤثرات الخارجية والمسبقة. لنقرأ مثلا قول أركون في الفكر الإسلامي (٢١٣): وإنما كل ما أسعى إليه هو محاولة فرض قراءة تاريخية للنص القرآني، قراءة تمتنع منذ الآن فصاعدا عن أية عملية إسقاط إيديولوجية على هذا النص. وغير خاف على أمثالنا أن النقد التاريخي الذي يتسلح به أركون هو إفراز غربي حداثي، له قيم وإيديولوجيا تقف خلفه، وله فلسفة للحياة ورؤية للكون تتحكم فيه. يحاول أركون أن يوهمنا أن العلوم الإنسانية والنقد التاريخي شأنها شأن العلوم التجريبية كالفيزياء والكيمياء والرياضيات فكما استقبلنا هذه بدون تحفظ، فعلينا استيراد الأولى كذلك. مع أننا نفهم الفرق بين هذا وهذا جيدا، وأن العلوم الطبيعية تجريبية تخضع لمعطيات محسوسة شبه ميكانيكية ولهذا لا تكاد تجد بينها خلافات جوهرية، فما يكتشفه المتدين الصيني أو المسيحي يطابق ما اكتشفه العلماني الفرنسي مثلا. أما العلوم الإنسانية وعلوم الاجتماع والنقد التاريخي فهي فلسفات أكثر منها علوم، تختلف نتائجها حسب المدارس الفلسفية التي تتباها. والنقد التاريخي مثلا ليس رجلا منزها معصوما ينطق، بل الذين يقرأون وينقدون هم بشر لهم أفكارهم وقناعاتهم ونسقهم الإيديولوجي والفلسفي وخلفياتهم المعرفية. قال أركون في الكتاب المتقدم نفسه (٢٣٠): أعتقد أن الألسنيات هي علم

стр. 184

في طور التكوين والبحث عن مناهجه الخاصة، وأعرف عن طريق التجربة أن هناك خلافات كثيرة وصراعات عديدة بين علماء الألسنيات، وأنهم يجدون صعوبة كبيرة في التوصل إلى اتفاق ما. وحدثنا أركون كذلك بأن علم الفيلولوجيا كان علما رائدا في زمن ما ثم تجاوزه الباحثون، قال: ينبغي العلم بأن علم الفيلولوجيا أوفقه اللغة التاريخي كان قد تربع لفترة طويلة على عرش العلوم الإنسانية، كانت الفيلولوجيا ملكة العلوم المستخدمة في المنهجية التاريخية النقدية والطباعة النقدية للنصوص القديمة. ثم بيَّن أركون أن هذه المنهجية أفل نجمها بعد مجيء البنيوية. نحو نقد العقل الإسلامي (٦٧). وحكى أركون مرارا أن المستشرقين الألمان يرفضون إلى الآن وبعد ظهور البنيوية ترك الفيلولوجيا، وأكد أنه تحدث معهم مرارا حول هذا ورفضوا. والنقد التفكيكي الذي أسسه نيتشه ثم تلاه هيدغر، وهو واضع الاسم، ثم ميشيل فوكو وجاك دريدا وجيل دولوز (١). وإذا كان التفسير والتأويل ينظران في مراد المؤلف، فإن التفكيك يقطع الصلة مع المؤلف ومراده، ومع المعنى واحتمالاته (٢)، وهو يتجاوز منطوق الخطاب إلى ما يسكت عنه ولا يقوله إلى ما يستبعده ويتناساه (٣). مثال على ذلك: لا حكم إلا لله. فالمؤول يتجه إلى معرفة القصد منها كأن يقول:

стр. 185

لا سلطة لأحد على أحد لأن الله هو صاحب السلطة الحقيقية. وأما المفكك فيرى أن القول المذكور يتأسس على حجب مضاعف إذ هو يخفى سلطته على سامعه بقدر ما يخفي إرادة قائله بالسيطرة على سواه (١). ونفى التفكيكيون كل الفلسفات التي تقدمتهم، واعتبر مخالفوهم كهابرماس التفكيكية عبثا ونزعة عدمية (٢). في حين يرى الماركسيون أن المنهج الجدلي الديالكتيكي هو أرقى المناهج التي عرفها الفكر البشري. فكيف نترك كتاب الله وسنة نبيه ﷺ بين أنياب ومخالب المناهج الغربية التي ينقض بعضها بعضا ويسفه أكثرها أقلها. مع أننا في غنى عن هذه المناهج المحدثة المضطربة، بمناهج علمائنا المعروفة كعلوم القرآن وأصول الفقه وفقه اللغة وغيرها. ينسج أبو زيد نسجا غريبا وشاذا في محاولاته اليائسة لقطع الطريق أمام النص. فدندن مرارا في كتبه حول أنه لا يوجد منهج إلهي أو شرع إلهي مقابل منهج بشري أو شرع بشري، بل هو بشري مقابل بشري، لأن الشرع الإلهي إنما يفهمه البشر، فينقلب من إلهي إلى بشري، ويعتبر أن الخطاب الديني يتجاهل هذه الحقيقة الكبرى. نقد الخطاب الديني (٦٧). مع أن الخطاب الديني كما يعبر هو، والخطاب الإسلامي كما نعبر نحن، لا يتجاهل هذه الخرافة الكبيرة والزعم الباطل. لأنه يعرفها ويعرف تهافتها وتفاهتها،

стр. 186

ويعلم أنها حيلة تكتيكية وعباءة إيديولوجية لا غير لا تمت إلى العلم والحقيقة بصلة. وقد تحدث الخطاب الإسلامي مرارا أن الشرع منه قطعيات معلومة من الدين بالضرورة، اتفق عليها السلف والخلف، بل وفي كثير منها سائر الفرق، بما فيها الفرقة التنويرية حسب المنظور العلماني: المعتزلة، وابن رشد وغيره ممن يسبح بحمده التيار العلماني، مثل الصلاة والصيام والحج والزكاة والحجاب والولاء والبراء من الكفار والمشركين وإقامة الحدود الشرعية، وتطبيق الشريعة، وتحريم الربا والخمر، وعشرات المسائل. وعلى ضوء تحليلات أبي زيد إن هناك فرقا بين هذه الثوابت القطعية وبين شرع الله. انظر إلى حجم السفسطة والتهافت التي يهذي بها أبو زيد. فإذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ المائدة٩٠. فإذا قلنا: إن الله في هذه الآية يحذرنا من شرب الخمر والميسر والأنصاب والأزلام. يكون قد انقلب بشريا بعدما كان إلهيا. أليست هذه قمة السفسطة والتخرص والجعجعة من غير طحن. بل العكس هو الصحيح تماما، عندما يقول أبو زيد: إن مراد الله بهذه الآيات البيئة العربية البدوية في الجزيرة، فهذا مجاز ورمز فقط، والميسر أصبح من أصول الاقتصاد الحر، والخمر يعد بطريقة طبية عالية الجودة. هنا ينقلب الإلهي بشريا. فانظر كيف يقلب الحقائق ويزور الاتهامات، ثم ما دخل أبي زيد -الذي حكمت بردته وتطليقه من زوجته محكمة قضائية مصرية محترمة مشهود لها بالنزاهة- بفهم الدين وعلومه، وهو متخصص في الأدب العربي. لا بد من «تحطيم أصنامكم وكسر المحرم القرآني الأعظم، لا يحق لكم أن

стр. 187

تنصبوا كتابكم المقدس ككتاب لا يناقش ولا يمس، لا يحق لكم أن تعتبروه حاملا لكلام إلهي أزلي أبدي غير مخلوق، يتضمن الحقيقة الكلية والنهائية ولا يخضع لأي تساؤل، ما أشد سذاجتكم أيها المسلمون» (١). هكذا يخاطب الحقير التونسي عبد الوهاب المؤدب في كتابه «مرض الإسلام» (١٦) المسلمين، يجب نقد القرآن ونقضه وإسقاط قداسته. ولأنه يصعب الآن تجاوزه كليا، فالحيلة في نظره هو ضرب القرآن بعضه ببعض على طريقة السم والترياق على حد تعبير هاشم صالح (٢). والقرآن حسب العروي كمصحف يتصفح، كمجموع حروف وكلمات وعبارات، وثيقة مادية كباقي الوثائق، لا اعتراض على إخضاعها لجميع أنواع النقد المعاصر. الأمر مشروع ... (٣) وعادة ما يقوم العلمانيون بتغطية مشروعهم لنقد الوحي ونقد القرآن والسنة بالدعوة إلى نقد فهم الوحي أي: الفصل بين الوحي والتاريخ وبين المثال والتطبيق، وهي لا تعدو أن تكون حيلة كما سماها علي حرب (٤)، تحاشيا للاصطدام وأملا في خلق فضاء معين ينطلقون من خلاله إلى الفضاء الأسمى والأهم هو نقد النص نفسه لا نقد فهمه. وهذا مشروع أركون كما نص عليه علي حرب (٥).

стр. 188

لا يكتفي أركون بتفكيك الانساق الفقهية والمنظومات العقائدية، بل يتوغل في نقده وتفكيكه وصولا إلى الأصل أي: إلى الوحي القرآني أو الحدث القرآني، على ما يسميه أحيانا (١). فهو «يستهدف بالنقد الجانب اللاهوتي القدسي، ممثلا بالوحي القرآني والممارسة النبوية ... أما الجابري فإنه يستبعد خطاب الوحي والنبوة من مجال النقد، لأنه يرى أن النقد اللاهوتي لم يحن أوانه بعد في العالم العربي» كما قال علي حرب (٢). وأكد هاشم صالح أنه لا مفر من تطبيق المنهج التاريخي عليه كما فعل المسيحيون في أوروبا بالتوراة والإنجيل، وكما فعل المستشرقون بالقرآن ذاته. وزاد: هذا يعني أن التعرية الأركيولوجية سوف تصل هذه المرة إلى القرآن نفسه ولن تكتفي بتفكيك السنة أو السيرة النبوية أو الحديث النبوي أو كلام الفقهاء الكبار أو كتب الملل والنحل ... إلخ. فالتفكيك إما أن يكون عاما شاملا أو لا يكون (٣). «إذن لا يستبعد أركون خطاب الوحي من مجال النقد التاريخي» (٤). وهذا رأي أغلب العلمانيين، فعلي حرب مثلا يرى أنه لا بد من نقد النص القرآني والنبوي وتشريحه وتحليله وتفكيكه، فلا ينبغي لشيء أن يقف حائلا دون حرية البحث والنقد (٥). فليس كونه من عند الله مانعا من نقده وتفكيكه، في نظر علي حرب، وعليه فلا

стр. 189

بأس بتوجيه ضربات موجعة له لأنه نص من النصوص، ولأنه نص تاريخي (١). فالنصوص عنده سواء بغض النظر عن قائلها أو كاتبها (٢) ولأن النص يتصف بالخداع والمخاتلة، وله ألاعيبه السرية وإجراءاته الخفية كما قال (٣)، التي يمارس من خلالها آلياته في الحجب والتبديل (٤)، فلا ينبغي في نظره التعامل مع النصوص بما تقوله وما تخفيه وتستبعده (٥). وهكذا يرى نصر أبو زيد، فالقرآن عنده نص لغوي، مثله مثل أيّ نص أدبي آخر، يقرأ كما يقرأ أيّ نص شعري أو نثري وينقد بل ينقض ويزيف، ولا تحفظ له أيّة حرمة أو قداسة، أو بمعنى آخر: إن دراسته إنما تخضع لمعطيات الدرس الأدبي (٦). وعلي حرب يرى في منهج نصر أبي زيد هذا أنه في منتهى الخفة والتهور (٧). لا لأنه ينقد كلام الله، ولكن لأنه يكتفي باستخدام منهج واحد في الدراسة والنقد، وكان عليه في نظر حرب استخدام كافة الأدوات والمناهج الحديثة كالمنهج السيميائي والأركيولوجي والتحليل السوسيولوجي والنقد التاريخي كما يفعل أركون. كان علماؤنا المتقدمون يقرأون القرآن بمناهج ابتكروها وأنشأوها دون أية

стр. 190

مؤثرات خارجية، ودون الحاجة إلى استيراد مناهج معينة من دول معادية للأمة، وقفت على مدار تاريخها ضد مصالحها. زد على هذا أن المناهج الغربية ليست مناهج بريئة، وليست كالعلوم التجريبية كالطب والجيولوجيا وغيرها. لأنها مناهج مرتبطة بثقافة غربية وإفراز ثقافي في ظل أوضاع كنيسية معينة وفي وسط شروط ولدت من رحم الصراع الكنيسي العلمي، من هنا جاءت الحاجة إلى قراءة الإنجيل قراءة تفكيكية. ولم يبلور رجال الدين المسيحي مناهج دقيقة وعلمية لقراءة تراثهم، بل كانت مناهج البحث تشكلت خارج التراث المسيحي منذ القديم مع الفلسفة، وقبل ظهور العلمانية. أما في تجربتنا فالأمر مختلف تماما، فأوضاعنا مختلفة، وحضارتنا مختلفة، ولعلمائنا عبر قرون متباعدة مناهج علمية راقية وقواعد منضبطة اعترف الغرب بكفاءتها وقدرتها على التحليل. فكيف نهجر هذه المناهج العلمية النابعة من تراثنا وثقافتنا ونستبدلها بمناهج ولدت في بيئة مغايرة وأوضاع مغايرة، إنها الهزيمة النفسية لا غير، والاستلاب الحضاري والانبهار الحضاري. ثم العلمانيون الذين ينتهجون هذه المناهج الغربية ذوو خلفية إلحادية مغرضة، أي: ليس همهم المعرفة، بل الإيديولوجيا. وبالتالي فالقراءة ليست علمية، بل إيديولوجية. أي: هي غير بريئة، وليس هدف العلمانيين إعادة قراءة النص القرآني والنبوي بالمناهج العلمية التي أسسها علماء الإسلام استجابة لمتطلبات العصر، كعلم أصول الفقه، وعلوم اللغة، وعلوم القرآن، وعلم الحديث، بل هذه في نظرهم قراءة تراثية تقليدية، بل هدفهم كما بين علي حرب استخدام المناهج الغربية الحديثة في التحليل بدل المناهج الإسلامية.

стр. 191

وبيّن حرب أنه عوض مفاهيم العموم والخصوص والمحكم والمتشابه والظاهر والباطن والناسخ والمنسوخ سنستخدم مفاهيم جديدة كالدلالة والرمز والمجاز والمخيال والأسطورة والبنية وشبكة العلاقات (١). فقصص الأنبياء مثلا سننظر إليها في ظل المناهج الغربية الجديدة على أنها مجموعة من الأساطير القابلة للتفكيك والنقد وإعادة القراءة وُظفت دينيا لأغراض سياسية وإيديولوجية معينة. والحدود الشرعية في القراءة الجديدة رمز للعقوبات فأي عقوبة تيسرت كالسجن مثلا فهي معبرة عن هدف القرآن. والجمود على النص دوغمائية تعود لثقافة القرون الوسطى. والحجاب دلالة ورمز للعفة، والعفة مفهوم اجتماعي يتغير بتغير الأوضاع والثقافات والمفاهيم. والعفة في زماننا تعني التسامح والتعايش، فلا معنى لثوب أو غطاء أو حجاب، لأنه رمز للتمييز ضد المرأة في الثقافة القروسطية. بل مفهوم البكارة والزنا كلها ستغدو في القراءة الجديدة مفاهيم متجاوزة في ظل المساواة والحرية. بل كثير من العلمانيين يريدون تجاوز حتى المصطلحات الإسلامية ولو بعد تفريغها من محتواها الديني، وقد تقدم عن حسن حنفي ذلك. وهذا أركون يسمي القرآن المدونة النصية، ويسمي الآية: المنطوقة أو العبارة اللغوية. وبيَّن مترجمه سبب ذلك فقال: وسبب ذلك هو أنه يريد تحييد الشحنات اللاهوتية التي سرعان ما تستحوذ على وعينا عندما نتحدث عن القرآن، فالقداسة

стр. 192

اللاهوتية أو الهيبة اللاهوتية العظمى التي تحيط بالقرآن منذ قرون تمنعنا من أن نراه كما هو: أي: كنص لغوي مؤلف من كلمات وحروف وتركيبات لغوية ونحوية وبلاغية ... القرآن من التفسير الموروث (١١٩). كان علي حرب صريحا مع نفسه ومع قرائه، فهو يتحدث بلغة صريحة ولا يركب على عواطف الجماهير، وليس في حاجة إلى التصريح بأنه يستلهم القيم الروحية للإسلام، أو بأنه لا يهدف إلى نزع صفة القداسة على النصوص، قال متعجبا من اللف والدوران الذي يحاول إيهامنا به بعض العلمانيين: فكيف نقرأ النصوص قراءة نقدية تاريخية ونزعم أننا لا ننزع عنها صفة التعالي والقداسة؟ لا مجال إذا للمداورة والالتفاف، بل الأحرى والأولى مجابهة المشكلة بدلا من الدوران حولها (١). أهداف النقد: النقد العلماني للقرآن ليس نقدا بريئا، فهو تغلب عليه إرادة الإيديولوجيا على إرادة المعرفة. وهو مشبع بترسانة من الأفكار المسبقة والجاهزة والمهيمنة، يدور الباحث حولها ويبحث عن سبل نصرها. وطبعا ليس أمام العلماني العربي إلا ما شيده ذاك الآخر من مناهج وأدوات للقراءة. ولهذا بدت أهداف العلمانيين من قراءتهم للتراث بادية للعيان، بل مصرح بها من قبلهم منصوص عليها في كتبهم. ويمكن إجمالها فيما يلي: أولا- نزع القداسة عن القرآن والسنة واعتبارهما نتاجا ثقافيا كباقي النصوص، تنقد وتساءل كما تنقد نصوص الشعر والنثر والأساطير والخرافات.

стр. 193

في ظل النقد التاريخي لا ينظر للقرآن والسنة باعتبارهما وحيا مفارقا أو لهما علاقة ما بجهة متعالية مقدسة، فكل هذه المفاهيم من ثقافة الماضي التي تجاوزها النقد الحديث. قال علي حرب: لا مراء أن النقد كما يمارسه أركون والآخرون يؤدي إلى نزع هالة القداسة عن الوحي بتعريته آليات الأسطرة والتعالي التي يمارسها الخطاب في تعامله مع الأحداث والوقائع التاريخية أو مع التجارب والممارسات الإنسانية (١). والعلمانيون يعبرون عن هذا الهدف إما: بنزع القداسة أو نزع الأسطرة، أو تاريخية القرآن والسنة. وأحيانا من باب التعمية يزعمون أنهم يحاولون فهم النص علميا لا فهما غيبيا أسطوريا، كما يفعل نصر أبو زيد، وذلك بالتعامل معه باعتباره منتجا ثقافيا كما قال علي حرب (٢). في ظل النقد التاريخي لن تكون للقرآن أية قداسة أو اعتبار، فالبحث العقلي التاريخي هو الأول والآخر والظاهر والباطن. فسورة التوبة مثلا في نظر أركون مستخدما ترسانته المعرفية لها لهجة جدالية حادة، كما قال (٣). وقال: تبين لنا هذه السورة كيف أن الطائفة الجديدة الوليدة (يقصد النبي ﷺ وأصحابه) قد انخرطت بعد فتح مكة في عملية بناء المؤسسات، وهي تستطيع أن

стр. 194

تنقض العهود أو الاتفاقيات الموقعة سابقا مع الفئات المعارضة وتفرض عليها شروطها الجديدة تحت التهديد بإشعال الحرب ضد كل هؤلاء المشركين الذين يرفضون شرع الله ورسوله (١). هكذا يصور نبينا ﷺ كرجل سياسي متغطرس ديكتاتوري متعطش للدماء ينقض العهود ويفرض الشروط. وزاد أن الأعراب قد أدينوا بقسوة في تلك السورة (٢). وأن من تاب بعد ذلك فلا يتمتع بنفس الحقوق السياسية داخل الجماعة الجديدة المنتصرة (٣). ثانيا- إعادة النظر في المسلمات العقائدية الإسلامية. أو كما قال علي حرب: خلخلة الاعتقادات وزحزحة القناعات (٤). ذلك أنه يلامس بنقده مناطق محرمة وبطَرْق أبواب يصعب طرقها (٥). ويكشف بل يفضح المسلمات (٦). وتتم فيه إعادة النظر في المعتقد (٧) ... سيتم من خلال هذا النقد تجاوز مفاهيم مترسخة في أذهان المسلمين مثل وجود الله، والملائكة والجن واليوم الآخر والوحي وغير ذلك. ثالثا- غربلة التراث من أجل حذف كل العناصر الضارة منه، والإبقاء على الصالح في نظر العلمانية مثل الحرية والعقل والمساواة.

стр. 195

يقول أركون: المهمة العاجلة تتمثل في ما يلي: إعادة قراءة كتب التراث الإسلامي على ضوء أحدث المناهج اللغوية والتاريخية والسوسيولوجية والأنتربولوجية (أي: المقارنة مع بقية التراثات الدينية، وبخاصة ما حصل في الغرب المسيحي) ثم القيام بعدئذ بتقييم فلسفي شامل لهذا التراث لطرح ما أصبح ميتا فيه ومعرقلا لحركة التطور والإبقاء على العناصر الصالحة من أجل استخدامها في البنيان الجديد (١). إخضاع القرآن والسنة لمناهج النقد الغربية المحملة بالمضامين الفلسفية الغربية، مع مقارنتها بباقي الديانات اليهودية والمسيحية والبوذية، لنستخلص دينا جديدا ترضى عنه العلمانية وتباركه. وماذا عن سيرة النبي ﷺ وسيرة الصحابة في نقد أركون؟ يجيب: كما وتنبغي دراسة سيرة النبي وشخصيات الصحابة الأساسيين على ضوء علم التاريخ الحديث، وذلك لفرز العناصر التاريخية فيها عن العناصر التبجيلية التضخيمية (٢). أي: سنحصل على سيرة فيها وقائع تاريخية محضة، أما كل ما يدل على تبجيل النبي أو احترامه وتعظيمه، فنقد أركون كفيل بحذف هذه العناصر الضارة والتي لا ترضى عنها العلمانية. رابعا- تفكيك الهوية وضياع المشروع الحضاري، ومن ثم الإلحاق بالحضارة الغربية.

стр. 196

ولذلك فإننا نقول دوما: إن العلمانيين هم طلائع الاستعمار وآليات الهيمنة الغربية وامتداد للسيطرة الغربية. والمفكر عندما يقع تحت تأثير الاستيلاب الثقافي، ويسبح في بحوره، يحس بتحرر وهمي وباستقلال في التفكير، ويشعر في قرارة نفسه أنه يمارس مشروعا فكريا أو نقدا علميا من خلال مناهج البحث في علوم الاجتماع والنقد التاريخي، وهو ينسى أن هذه المناهج إفراز ثقافي إيديولوجي غربي، ذو حمولة فلسفية غربية، وبالتالي فهو ينخرط في المشروع الامبريالي شعر بذلك أم لم يشعر.

стр. 197

نماذج من النقد التاريخي للقرآن: يرى أركون أن في سورة التوبة وسور أخرى في القرآن مفاهيم «دين الحق» «الدين القويم» «الإسلام» محركة من قبل فاعلين ذوي مصالح مباشرة، يقومون بالمزايدة على نفس رهانات الحقيقة والنجاة لدى فئات أخرى كاليهود والمسيحيين والمشركين والكفار والمنافقين (١). هكذا يصور أركون النبي ﷺ وأصحابه الكرام: أصحاب مصالح يقومون بالمزايدة على مخالفيهم. ثم زادنا من تحليلاته النقدية التي تغوص إلى أعماق المفاهيم ولا تقف عن الظواهر والشكليات كما هو شأن الفقهاء والأصوليين الدوغمائيين فقال: ونلاحظ أن مفهوم الله الواحد مبلور ليس من أجل مضامينه الخاصة، وإنما أولا وقبل كل شيء من أجل تسفيه طريقة استخدامه من قبل أهل الكتاب، تقول السورة: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ التوبة٣٠ (٢). إذن الهدف هو تسفيه الآخرين، وليس المقصود إيضاح معنى الألوهية وما يجب لله من التنزيه. ونقرأ في كتاب آخر له نموذجا آخر من تشكيكاته في القرآن تحت ستار القراءة التاريخية، ولننقل النص بتمامه قال: نضرب على ذلك مثلا كلمة «عزير» الواردة في الآية الثلاثين من سورة التوبة المذكورة آنفا، فالآية تقول بأن اليهود يعترفون به

стр. 198

كابن لله. فما هي حقيقة الأمر يا ترى؟ ينبغي الاعتراف هنا بأن المفسرين المسلمين القدامى كانوا جديين، وكانت لهم ميزة التساؤل عن هوية عزير هذا. بل ويصل الأمر بالطبري إلى حد القول بأنه ليس من المعتاد أن يعبر اليهود عن اعتقاد كهذا. أما البحث الأكاديمي الحديث فيقول لنا بعد طول تنقيب وتبحر (١) في الموضوع بأن عزير هذا ما هو إلا الحاخام الأكبر عزرا الذي ساهم في إعادة بناء المعبد اليهودي بعد عودة اليهود من منطقة وادي الرافدين إلى أورشليم (القدس) في فلسطين. ولكن هذه المعلومة التاريخية لم تعد تخطر على بال أغلبية المسلمين المعاصرين. لماذا لا يهتم المسلمون المعاصرون بمثل هذه المعلومات الدقيقة عن الآية؟ (٢) لأن القراءة التاريخية للقرآن أو قل التفسير التاريخي لآياته يؤدي إلى التشكيك بذلك التصور الأرثوذكسي المرسخ في الوعي الجماعي عن القرآن بصفته كلام الله الحرفي النازل من السماء على الأرض والمنقول من فم الله كلمة كلمة إلى البشر عن طريق النبي. هذه الصورة المرسخة في الوعي الجماعي الإسلامي تهتز إذا طبقنا التفسير التاريخي على القرآن. ولذلك فإنهم يتحاشونه بأي شكل ويتهمون المستشرقين الفيلولوجيين بمحاولة تدمير الإسلام (٣). وهذا كلام في غاية الوضوح، فهو يريد أن يقول إن قول الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ﴾، كذب على اليهود فلم يقولوا هذا أبدا، وقد أثبت البحث التاريخي أن عزيرا حاخام كبير فيهم فقط. إلى هذه الدرجة

стр. 199

يسلب الرجل عقله واعتداله. وما المانع أن يكون اليهود اعتقدوا في هذا الحاخام أنه ابن الله؟ هذا إذا سلمنا بهذه المعلومة التاريخية!!. أما وكُل المعلومات التاريخية عن العصور ما قبل الإسلام في موضع الشك لأنها لم تنقل بالأسانيد الصحيحة، بل كلها بين ناقلها وأصلها عشرات السنوات بل القرون. فكيف يكذب كلام الله وتصحح تلك الروايات البعيدة كل البعد عن الصحة والصدق؟. أم مادامت تخدم المشروع العلماني فهي صحيحة وصادقة؟ بينما إذا تعلق الأمر بما نقله المسلمون عن ربهم أو نبيهم فتلك أخبار مشكوك فيها دخلها الوضع والكذب. وفي كتابه الفكر الإسلامي (٩٤) ذكر نموذجا آخر للقراءة السيميائية الدلالية لأية أخرى من سورة التوبة، صور فيها النبي ﷺ بطلا عربيا يستفيد من التناقضات الموجودة في البيئة العربية لتكريس سلطته من خلال خلق ما سماه العصبية المقدسة (١٠٣ - ١٠٥) وأن صراعه مع مخالفيه صراع إيديولوجي (١٠٤). وهكذا في تفاهات من هذا الشكيلة، كلها تدور على نزع صفة النبوة عن النبي والتعامل معه على أساس أنه قائد سياسي همه الصراع وتحقيق مآرب سياسية.

стр. 200

السنة إذا كان أغلب العلمانيين يشككون أو يطعنون في القرآن الكريم أو في بعض نصوصه وأحكامه فما بالك بالسنة النبوية؟. وعموما لا يعبأ العلمانيون بالسنة رأسا ولا يقيمون لها وزنا ولا يلتفتون إليها، ويشككون في نسبتها للنبي ﷺ بما فيها أحاديث الصحيحين. بينما طاروا بحديث واحد أيما مطار، ونسبوه للنبي ﷺ من غير تردد، وإن كان حديثا آحادا. ولم يشكك فيه واحد منهم مادام يخدم في نظرهم المشروع العلماني. ألا وهو حديث «أنتم أعلم بأمور دنياكم». حتى قال نصر أبو زيد: الدنيا التي كرر الرسول في أكثر من مناسبة أننا أدرى بشؤونها (١). مع أن له مناسبة واحدة لا غير، وهي قصة تأبير النخل. وهي مسألة داخلة في تقنية الزراعة، فلا علاقة لها بتحليل ولا تحريم، فأمور دنياكم التي في الحديث بحسب المنطق الطبيعي للأشياء يجب أن تفهم على ضوء ما دل عليه الحديث نفسه، لا أن نجتزئ من الحديث بعضه ونترك بعضه، من باب «ويل للمصلين». هذا ولم أعتن بتتبع أقوالهم في السنة النبوية، لأنهم مجمعون على التشكيك في نصوصها، وأنها غير جديرة بالاهتمام أو الاستدلال أو الاحتجاج، لكني اخترت عينات قليلة هي عنوان على غيرها:

стр. 201

أكد عبد المجيد الشرفي أن علم الحديث فيه تعارض وتناقض ومجانبة للمعقول ومخالفة للتعاليم القرآنية، وهو ركيك التعبير، واعتراه الوضع، بل زاد وقال: إنه غير جدير بالثقة إلا بضروب من التأويل المتعسف (١). وشكك في صحة كل الروايات المنسوبة للنبي ﷺ بما فيها البخاري ومسلم (٢)، وأن التواتر لا قيمة له في إثبات صحة خبر ما (٣). وقريب منه سيد القمني، فقد اعتبر السنة النبوية مادة للمعرفة وليست وسيلة للمعرفة (٤)، وأن المسلمين اختلقوا أحاديث مكذوبة ونسبوها للنبي ﷺ ، وزاد: بل وحازت تلك الأحاديث قدسية في المذهب السني ترفعها فوق القرآن كرامة وفعلا وقدسية (٥)، وأن البخاري جمع الأحاديث في صحيحه وفق انشراحات مزاجية (٦). هكذا يفتري الرجل بدون أدنى وجل. أما محمد أركون الذي يتحدث عن نبي الإسلام بعبارات مثل: تجربة محمد (٧)، والسنة التي ابتكرها محمد (٨)، فقد ذكر أن الوثائق التي يمتلكها تثبت أن أول استخدام لتعبير السنة لم يحصل إلا عام ٨٠هـ/٧٠٠م (٩). وذلك من قبل

стр. 202

عمر بن عبد العزيز، وسوف يتم اجتياز خطوة أخرى مع الشافعي الذي فرض السنة بكونها مجموعة الأحاديث النبوية الصحيحة، وبصفتها المصدر الموضوعي الثاني أو الأصل الثاني للشريعة بعد القرآن (١). يريد أركون التشكيك في أصل السنة برمتها وأنه لم يعرف هذا المصطلح إلا في ٨٠هـ. وأن أول من فرضها هو الشافعي. فالسنة حادثة بعد النبي ومفروضة. يخلص أركون من هذا إلى النتيجة التالية: هذا يعني أن جمع المعلومات والأخبار الخاصة بالقرآن والسيرة والحديث النبوي قد تم داخل مناخ ثقافي كانت فيه الأهداف الدنيوية (من شعر وتاريخ وسياسة ومغازي (أو حملات عسكرية) ووقائع اقتصادية ... ) في أهمية الأهداف الدينية نفسها. ونلاحظ أن الدولتين الأموية ثم العباسية كانتا بحاجة لهذه الأخبار من أجل تشكيل أرثوذكسية دينية وتشكيل تراث ثقافي ضروري لترسيخ شرعية السلطة الإسلامية والحفاظ على وحدتها (٢). إذن فالسنة والسيرة صنيعة من قبل السلطة السياسية لترسيخ سلطتها. أما أبو زيد فهو على خطى أركون، فالسنة في نظره كانت فاقدة للمشروعية حتى جاء الشافعي فأسس لها مشروعية وقلده كل من جاء بعده. قال: من الواضح (عنده طبعا) أن السنة في عصر الشافعي كانت في حاجة إلى تأسيس مشروعيتها بوصفها مصدرا ثانيا من مصادر التشريع (٣).

стр. 203

والمقصود عنده بطاعة الرسول الواردة في القرآن مقرونة بطاعة الله هو طاعته فيما يبلغه من الوحي الإلهي، وليست السنة في نظر العلامة الهمام أبي زيد -الذي حكم قضاء مصر النزيه بردته- (١). ولا يستحق هذا الهراء الرد عليه لسقوطه كسقوط قائله. وأما هاشم صالح فله رأي مختلف، فهو يرى أن علماء الحديث يختلقون الأحاديث التي تناسبهم، قال: وهناك نقطة أخرى تلفت الانتباه وتكشف عن تاريخية الحديث النبوي ومدى ارتباطه بالظروف والحيثيات والحاجات. فمثلا نلاحظ أن البخاري يكرس بابا للأحاديث الخاصة بالجهاد ضد الأتراك، لأن المنطقة التي كان يعيش فيها كانت على حرب معهم. هذا في حين أن أبا داود يكرس فصلا للأحاديث التي تمجد فضائل الجهاد ضد البيزنطيين، لأن منطقته كانت على تماس معهم. وأما النسائي فيكرس فصلا للأحاديث الخاصة بالجهاد في الهند. وابن ماجة يكرس فصلا لفتح الديلم ... إلخ. وبالتالي فكل واحد يركز على الأحاديث التي تناسبه، وأكاد أقول يفبرك الأحاديث التي تلبي حاجات زمانه ومنطقته. وهذا أكبر دليل على تاريخية الحديث (٢). وقريب منه ما أكده فرج فودة، قال رادا الاحتجاج بالسنة: إن عهد الرسول مرتبط به، وأنه لا يقوم حجة على اللاحقين (٣).

стр. 204

والسنة في نظر العروي سبيلها التلاشي والانقراض (١)، وأنها ساعدت على إحياء طغيان كسرى وقيصر، وكذبت بتصرفها ما تردده بلسانها (٢). والأمر بطاعة الله ورسوله عنده هو الأمر باتباع العقل والعدل (٣). وبسبب الصراعات السياسية التي واكبت جمع الحديث أصبح -حسب طيب تيزيني- من المستحيل الوصول إلى النص الحديثي الأصلي (٤). بل أصبح الحديث الصحيح في الحديث الموضوع كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود (٥). هذه هي السنة النبوية باختصار شديد في نظر العلمانيين.

стр. 205

النبوة أغلب العلمانيين لا يعظمون النبي ﷺ ولا يصلون عليه ولا يترضوا عن الصحابة كباقي المسلمين، مثل أركون وعبد الوهاب المؤدب وحسن حنفي وهاشم صالح وعزيز العظمة وعلي حرب وعبد الله العروي وطيب تيزيني وغيرهم. والقليل جدا منهم من يخالف هذا كمحمد سعيد العشماوي والقمني أحيانا، ولا أراه إلا من باب ذر الرماد في العيون أو ركوب الموجة واستغلال مرحلي للدين في انتظار انتهاز الفرصة المناسبة للقطيعة التامة مع النبي وطقوسه. وهذا منهج القمني قطعا لدلالات كثيرة ليس هذا محل بسطها، بل قد اعترف بذلك. ويتحاشى بعض العلمانيين التصريح بإنكار الوحي اعتبارا للأوضاع السائدة وخوفا من ردود الأفعال، وحتى عندما يطلق بعضهم لفظ الوحي في حق النبي ﷺ ففي الأغلب يقصدون معنى خاصا به، أو تماشيا مع اللغة الدينية لا غير. فطيب تيزيني مثلا يرى أن حقيقة الوحي هو صوت باطني يسمعه النبي ﷺ من داخله نتيجة لعملية اختزان ذهني كبير عبر التردد على غار حراء. ولننقل عبارته بتمامها: وجدير بالذكر أن السنوات التي قضاها مترددا على غار حراء كانت هامة بالنسبة إلى تحقيق عملية اختزان ذهني كبير، أسهمت في بلورة شخصيته الثقافية عموما، وجعلت -من ثم- الانتقال إلى حلقة نوعية جديدة أمرا محتملا. وهذا ما قد يضعنا بحسب أصحاب التحليل النفسي وجها لوجه أمام ما يرونه من أن الصوت الذي يوحي للإنسان في حالة الاستغراق الروحي الذاتي، في اتباع طريق ما هو ظاهرة تتحدر من خافية الإنسان أو وعيه الباطن. مع الإضافة بأن هذه الخافية تكمن خارج حقل مراقبته المباشرة، مما يقود إلى أن الوحي الذي تلقاه محمد

стр. 206

(ومن قبله أنبياء التوراة بصورة خاصة) يرتد -وفق منطوق أولئك- إلى الخافية المذكورة التي فعلت فعلها المكثف على امتداد سنوات طويلة (على صعيد حياة محمد المفردة)، وطوال قرون (على صعيد حيوات الأنبياء المتتالين) وفي المحصلة يظهر الوحي بمثابته كلمة الله الممتدة عبر تلك القرون ومن ثم عبر حيوات أولئك الأنبياء (١). إذن لايعدو الوحي أن يكون حديثا باطنيا تفاعل عبر تجارب معينة وتاريخ معين. أمَّا أن الله أرسل ملكا اسمه جبريل بوحي منه إلى رسله لهداية خلقه، فتلك خرافة تجاوزها العلم الحديث في رأي العلمانيين. فنحن إذن أمام عداء سافر للدين ولأساسه، وليس كما ينعق من لا يفهم أن العلمانية هي فصل الدين عن الدولة، بل هي إقصاء للدين وإبطال له. وكل العقائد حول المصير والمآل، ويوم الحساب، وغيرها التي جاء بها النبي محمد ﷺ ما هي إلا تبلور لمفاهيم تراكمت وتكثفت عبر مراحل معينة كما يقرر تيزيني (٢). ولهذا فهو يتحدث في كتابه الضخم «مقدمات أولية في الإسلام المحمدي الباكر» عن النبي ﷺ كزعيم سياسي ومعلم ديني وصاحب مشروع، لا بوصفه رسولا موحى إليه بوحي من عند الله ويتحاشى الحديث عن هذا الجانب بمرة، فهذه ميتافيزيقا خرافية يرفضهما نظر الماركسي العتيد. وتحدث تيزيني عن النبي ﷺ بكونه مثقفا مطلعا كبيرا على الأديان والأفكار

стр. 207

الدينية الأخرى (١). ووصفه كذلك بكونه أستاذا محاضرا من طراز مرموق (٢). هكذا يقول!!. وينظر أركون إلى النبي ﷺ بصفته بشرا عاديا تماما، تاريخيا حسب عبارته، ولكن السيرة النبوية والأجيال المتعاقبة حولته إلى صورة أسطورية، فذكر أن النبي ﷺ تحول بشكل تدريجي إلى شخصية رمزية مثالية فوق تاريخية عن طريق عمليات التحوير والتضخيم الأسطوري الذي قامت به السيرة النبوية لابن إسحاق وابن هشام (٣). وذكر أركون أن ابن إسحاق ضخَّم سيرة النبي ﷺ وذكر الجاهلية مُمَوهة أو مُقدَمة بشكل سلبي لكي تظهر عظمة الإسلام وحقيقته بشكل أنصع وأوضح (٤). كأنه يريد منه أن يبجل الجاهلية ويذم الإسلام ونبيه. وقد أكثر أركون الطعن في السيرة النبوية لابن هشام، ولما جاء ذكر كتب المستشرقين التي تعرضت لحياة النبي ﷺ أثنى عليها ووصفها بأنها أبحاث جديدة وغزيرة ومبتكرة، ثم وصفها بالعلمية والأبحاث الريادية، إلى آخر كلامه (٥). وفي كتاب آخر له حدثنا أركون أن التاريخ النفسي أو الخيالي للبيئات الاجتماعية المختلفة ساهمت في تحويل شخصية محمد التاريخية إلى شخصية

стр. 208

رمزية مثالية عليا تتجاوز معطيات الواقع والتاريخ أي: الانتقال من مرحلة محمد الحقيقي أو التاريخي إلى مرحلة محمد المثالي الذي يتجاوز التاريخ. ثم أصبحت هذه الصورة الأسطورية المضخمة التي شكلتها الأجيال المتتالية من المسلمين تحجب عنا الصورة الحقيقية أو التاريخية (١). أي: محمد الحقيقي بشر كباقي البشر، فقامت الأجيال المتتابعة بصنع هالة ضخمة عليه، أي: كونه نبيا يأتيه الوحي من السماء، وله معجزات أي: أشياء خارقة للعادة ويتصف بصفات عالية ... إلخ فهذه أشياء صنعها التاريخ. في حين يرى نصر أبو زيد أن النبوة مجرد تخيل، قال: فإن الأنبياء والشعراء والعارفين قادرون دون غيرهم على استخدام فاعلية المخيلة في اليقظة والنوم على السواء (٢). وسوّى بين حالة الوحي والرؤية المنامية (٣)، ليخلص إلى النتيجة التالية: وفي ظل هذا التصور لا تكون النبوة ظاهرة فوقية مفارقة، بل تصبح ظاهرة قابلة للفهم والاستيعاب (٤). وهكذا يرى محمد أركون أن الوحي بل الدين كله مجرد أشياء متخيلة تحولت مع مرور الزمن إلى مقدسات. وبيّن أركون أن «جورج دوبي» و «كاستر ياديس» قد بينا دور الخيال (أو المخيال) في تأسيس نظام معين ورؤية معينة ترسخان كالإسمنت المسلح وحدة

стр. 209

جماعية بشرية محددة أو شعب أو أمة. إن الخيال إذ يتلقى كل التصورات والدلالات الشغالة ذهنيا على الرغم من أنها ليست محسوسة أو واقعية، وليست من نمط عقلي منتظم، أقول: إذ يتلقى ذلك يبدو أكثر واقعية من الواقع لأنه يحرك الممارسات الفردية والجماعية الحاسمة (١). وبيّن أن مقولات مثل الخير/الشر، الصحيح/الخطأ، المؤمن/الكافر، وغيرها ما هي إلا أشياء مرتبطة بالخيال لا غير. ثم أردف قائلا: ينبغي إعداة النظر في كل العلوم الدينية الناجزة في الإسلام ضمن هذا الاتجاه لتبيان نشأتها ومكانتها. وهذا هو المشروع الذي انخرطت فيه عندما تحدثت عن نقد العقل الإسلامي (٢). ثم ذكر مثالا لما يستحق إعادة القراءة هو سيرة محمد حسب تعبيره، مستنجدا بنظرية الخيال عند المستشرقين ودورها في تشكل الأديان والعقائد والمقدسات، نقتصر على قوله: في الواقع إن الجزء الخرافي من سيرة النبي هو الأكثر إضاءة وأهمية. ثم ذكر السمات الرئيسة لإعادة القراءة هذه، نقتصر منها على التالي: فن القصص أو أسلوب السرد مأخوذ كموقع (أو كوسيلة) لإنتاج كل دلالة تغذي الخيال بشكل خاص، أقصد بذلك سيميائية القص والإخراج المسرحي للحكاية ونسج حبكة من الأحداث الواقعية من أجل تشكيل رؤيا معينة أو تقوية بعض العقائد أو إعلاء قيم معينة أو تحوير الماضي من أجل دمجه في النظام الجديد

стр. 210

للعقائد والممارسات التاريخية. وهذا ما فعلته السيرة النبوية بعد القرآن بالنسبة للجاهلية (١). والنبي ﷺ في نظر أركون إنما قلد نموذجا نبويا راسخا في ذاكرة شعوب الشرق الوسط قال: ولكن هذه التجربة تصبح ضمن المنظور الانتربولوجي الواسع الذي نتبناه عبارة عن تقليد محاكاتي للنموذج النبوي المحفوظ في ذاكرة شعوب الشرق الأوسط القديم، ولكن بعد إرفاقه ببعض التعديلات الملائمة واللازمة لكي تتناسب مع الوسط العربي (٢). فالنبي ﷺ ليس إلا مقلدا يحاكي من تقدمه. وحسب حسن حنفي لا يجوز تصديق الأنبياء في الأمور النظرية لأنهم جهلوا أشياء كثيرة، وكثير من أقوالهم تناقض العلم (٣). بل لا يجوز عنده تصديقهم في غاية الوحي وجوهره (٤). والوحي المكتوب عند حسن حنفي قابل للتغيير والتبديل، وخاضع للتحريف والتزييف (٥). وقال إلياس قويسم: فالنبوة عنده (أي: أبو زيد) ليست شيئا مفارقا لقوانين المادة والطبيعة والواقع، كما يعتقد السلفي، إنما هي درجة عالية من درجات الخيال الناشئة عن قوة المُخيلة الإنسانية ... (٦)

стр. 211

وقال: بهذا المعنى تصبح النبوة ومن وراءها الوحي ظاهرة ثقافية-بشرية تستمد شرعيتها من الموروث المترسخ في المخيال الجمعي للمجتمع الذي ظهرت فيه، لا كما يعتقد الخطاب السلفي أنها ظاهرة مفارقة للوجود التاريخي ... (١) أي: النبوة والوحي لا علاقة لهما بقوى علوية كما يعتقد الخطاب الديني، بل هي نابعة من الأرض استنادا للموروث المترسخ في المخيال الجمعي للمجتمعات العربية. وزاد مؤكدا: انطلاقا من إنزال ظاهرة الوحي من تعاليها إلى أرض الواقع، يصبح الفارق بين النبي والكاهن والشاعر فارق في الدرجة لا في النوع (٢). يريد أبو زيد رفع الصبغة الإلهية عن الوحي وربطه بأنساق مادية تاريخية واقعية. وقال: نجد أن نصر حامد من خلال السيميوطيقا ينظر إلى البعد الأول «الوحي» على أنه تجربة إنسانية، وأنه مجموعة من العناصر تتآلف وتتسق طبقا لقوانين منضبطة ... (٣) لم ينفع الأنبياء بشيء . قال القمني في أهل الدين والديمقراطية (٣٢): يبدو أن سيدي الشيخ زغلول (أي: النجار) ورفاقه لا يلتفتون إلى أن كل معجزات الأنبياء السابقين لم تخدم البشرية في شيء، فالريح التي سخرها الله لحمل بساط الريح السليماني لم تخدم البشرية في شيء. وجن سليمان بكل حشدهم لم يقوموا بإنتاج مَصْل مضاد

стр. 212

لأي مرض، ولم يطوروا إنتاج النبات والحيوان لإطعام مزيد من الأفواه الجائعة كما فعل العلم، ولم يقيموا مصنعا للطائرات في وجود بساط الريح، بل إنهم لم يقيموا لسليمان نفسه صروحا شاهدة كما لرمسيس وخوفو وأمنحتب، ولم يقم المسيح بتعليم تلاميذه كيفية شفاء المرضى حتى يتم تعميمها للحد من آلام البشر توفيرا لوقت طويل استغرق ألفي سنة بعده. بهذا الأسلوب التهكمي يتحدث القمني عن أنبياء الله تعالى. بل أضر الأنبياء بالبشرية . هكذا يقول حسن حنفي، وهذه عبارته: دفع الأنبياء الناس إلى التطرف بدلا من تقويمهم، في حين استطاع الملوك استمالتهم دون أدنى مقاومة، لم يتسامح الأنبياء معهم حتى مع أكثر الملوك إيمانا إذا كان سلوكهم مناقضا للدين، أي أن الأنبياء أضروا بالدين أكثر مما نفعوه (١). فالملوك أرحم بالعباد من الأنبياء في نظره!!!، ولم تجن البشرية من الأنبياء إلا الضرر، بل الضرر الكثير!!!. هكذا يقول حبر كبير من أحبار العلمانيين!!!. النبي محمد زعيم حزب سياسي هاشمي . هكذا يصور القمني النبي ﷺ في كتابه «الحزب الهاشمي» لنتابع معه القصة من أولها وإن طال بنا المقام. حسب القمني نظرا للأوضاع القبلية التي كانت تحكم الجزيرة العربية لم يوجد إمكان لنشوء ملك أو زعامة سياسية واحدة نظرا للطابع القبلي لها. فلهذا لما أراد بعض زعماء العرب تحقيق حلمهم الوحدوي رأوا أنه لا يمكن أن يتم لهم

стр. 213

أمر إلا بنبي مثل داود. وعندما وصلوا إلى هذا فشا الأمر بسرعة هائلة بين العرب وأخذوا يسعون للتوطئة للعظيم اللآتي (١). وماذا عن الكعبة والحجر الأسود؟ يجيب القمني تحت فقرة كعبات أن العرب كان البناء المكعب (الكعبة) هو الشكل المعماري المفضل لبيوت أرباب الجاهلية، فكانت كل قبيلة تتخذ لها كعبة لذلك، ويجعل فيها الحجر الأسود، وهي أحجار بركانية أو نيزكية كانت العرب نظرا لشكلها وغرابتها تظن أنها قادمة من عالمم غيبي مجهول. والحجر النيزكي كان أكثر جلالا لكونه كان يصل الأرض وسط مظاهر احتفالية سماوية تخلب لب البدوي المبهور، فهو يهبط بسرعة فائقة محتكا بغلاف الأرض الغازي، فيشتعل مضيئا ومخلفا وراءه ذيلا هائلا، لذلك كان هول رؤيته في التصور الجاهلي دافعا لحسبانه ساقطا من عرش الآلهة في السماء، حاملا معه ضياء هذا المكان النوراني، ثم كان طبيعيا أن يحاط بالتكريم والتبجيل (٢). هكذا يصور القمني العربي وكأنه كان يعلم بحقيقة الأحجار النيزكية، مع أن رؤيتها مباشرة أمر جد ناذر بل متعذر على أغلب الناس. ولكنه يحاول نسج المسرحية بتمامها. ومع تعدد هذه الأحجار القادمة من الأرض أو من السماء تعددت الكعبات، وسميت بيوت الله، وهكذا كان للكعبة المكية حجرها الأسود الذي يظن أنه قادم من السماء (٣).

стр. 214

فساعد هذا التفرق العقائدي في زيادة الفرقة القبلية بحيث أصبح عائقا في سبيل توحيد العرب، إضافة للطابع القبلي الذي ينفر من فكرة سياسية واحدة (١). لكن استطاع المكيون نظرا لتسامحهم الديني كما يقول القمني استضافة باقي الأرباب في كعبتهم، لتضمحل بعد ذلك باقي الكعبات لكعبة مكية واحدة (٢). ثم جاءت حادثة الفيل لترتفع بها أسهم المكيين وكعبتهم (٣). وأسس قصي دار الندوة مكانا للاجتماعات السياسية، وحلت الندوة محل الديمقراطية البدوية (٤). فلما مات قصي خلفه ولده عبد الدار، فغضب أخوه عبد مناف فتوارث الأحفاد هذه الأحقاد (٥). ليقوموا بعدها باقتسام السلطة: السقاية والرفادة والقيادة لبني عبد مناف، والحجابة واللواء لبني عبد الدار، ودار الندوة بينهم بالاشتراك (٦). ثم استقرت ألوية السيادة بعد ذلك في بيت عبد الدار عند هاشم الذي استطاع بكرمه وسياسته تقوية الحزب الهاشمي، وبموته تولى أخوه المطلب، ليموت بعد زمن يسير ليتولى قيادة الحزب عبد المطلب (٧). وكان عبد المطلب ذا وعي سياسي وحس قومي مما دفعه إلى وضع

стр. 215

إيديولوجيا متكاملة لتحقيق أهداف حزبه، كما يقول القمني (١). وهكذا استمر القمني في فبركة هذه المسرحية، ليخبرنا أن هذه الإيديولوجيا الهاشمية تقوم على أساس فهم جديد للاعتقاد أي: التوجه نحو إله واحد ورفض الوسائط والشفاعات (٢). ثم قام عبد المطلب سعيا لتقوية حزبه بحفر بئر زمزم بأمر غيبي في حلم ليستقطب القبائل العربية وجذبا للقوافل التجارية (٣). إنه الاقتصاد ولاشيء غير الاقتصاد. تبدو المفاهيم الماركسية حاضرة بقوة في تحليلات القمني: وسائل الإنتاج، المجتمع البدائي، المجتمع الطبقي، الإيديولوجيا، السيطرة على الاقتصاد. إنه التحليل الماركسي للنبوة. ثم زاد القمني أن عبد المطلب كان مؤسسا لملة واعتقاد، ودعا الناس إلى الحنيفية ملة إبراهيم، وتبرأ من أرجاس الجاهلية، وأنه كان يصعد إلى حراء متحنفا وأنه حرم على نفسه الخمر وكل ضروب الفسق، وأنه كان حاثا على مكارم الأخلاق، داعيا الناس لاتباعه، مؤمنا بالبعث والحساب والخلود (٤). لاحظ كيف يحاول المطابقة بين عقائد الإسلام وعباداته وبين عقائد عبد المطلب، ليقول لنا: إن النبي لم يعدو أن يكون مؤسسا ثانيا للحزب الهاشمي الذي وضع نظريته وإيديولوجيته عبد المطلب.
следующие страницы →