← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96927

العلمانيون العرب وموقفهم من الإسلام

مصطفى باحو

Полный текст (384 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وقال: بهذا المعنى تصبح النبوة ومن وراءها الوحي ظاهرة ثقافية-بشرية تستمد شرعيتها من الموروث المترسخ في المخيال الجمعي للمجتمع الذي ظهرت فيه، لا كما يعتقد الخطاب السلفي أنها ظاهرة مفارقة للوجود التاريخي ... (١) أي: النبوة والوحي لا علاقة لهما بقوى علوية كما يعتقد الخطاب الديني، بل هي نابعة من الأرض استنادا للموروث المترسخ في المخيال الجمعي للمجتمعات العربية. وزاد مؤكدا: انطلاقا من إنزال ظاهرة الوحي من تعاليها إلى أرض الواقع، يصبح الفارق بين النبي والكاهن والشاعر فارق في الدرجة لا في النوع (٢). يريد أبو زيد رفع الصبغة الإلهية عن الوحي وربطه بأنساق مادية تاريخية واقعية. وقال: نجد أن نصر حامد من خلال السيميوطيقا ينظر إلى البعد الأول «الوحي» على أنه تجربة إنسانية، وأنه مجموعة من العناصر تتآلف وتتسق طبقا لقوانين منضبطة ... (٣) لم ينفع الأنبياء بشيء . قال القمني في أهل الدين والديمقراطية (٣٢): يبدو أن سيدي الشيخ زغلول (أي: النجار) ورفاقه لا يلتفتون إلى أن كل معجزات الأنبياء السابقين لم تخدم البشرية في شيء، فالريح التي سخرها الله لحمل بساط الريح السليماني لم تخدم البشرية في شيء. وجن سليمان بكل حشدهم لم يقوموا بإنتاج مَصْل مضاد

стр. 212

لأي مرض، ولم يطوروا إنتاج النبات والحيوان لإطعام مزيد من الأفواه الجائعة كما فعل العلم، ولم يقيموا مصنعا للطائرات في وجود بساط الريح، بل إنهم لم يقيموا لسليمان نفسه صروحا شاهدة كما لرمسيس وخوفو وأمنحتب، ولم يقم المسيح بتعليم تلاميذه كيفية شفاء المرضى حتى يتم تعميمها للحد من آلام البشر توفيرا لوقت طويل استغرق ألفي سنة بعده. بهذا الأسلوب التهكمي يتحدث القمني عن أنبياء الله تعالى. بل أضر الأنبياء بالبشرية . هكذا يقول حسن حنفي، وهذه عبارته: دفع الأنبياء الناس إلى التطرف بدلا من تقويمهم، في حين استطاع الملوك استمالتهم دون أدنى مقاومة، لم يتسامح الأنبياء معهم حتى مع أكثر الملوك إيمانا إذا كان سلوكهم مناقضا للدين، أي أن الأنبياء أضروا بالدين أكثر مما نفعوه (١). فالملوك أرحم بالعباد من الأنبياء في نظره!!!، ولم تجن البشرية من الأنبياء إلا الضرر، بل الضرر الكثير!!!. هكذا يقول حبر كبير من أحبار العلمانيين!!!. النبي محمد زعيم حزب سياسي هاشمي . هكذا يصور القمني النبي ﷺ في كتابه «الحزب الهاشمي» لنتابع معه القصة من أولها وإن طال بنا المقام. حسب القمني نظرا للأوضاع القبلية التي كانت تحكم الجزيرة العربية لم يوجد إمكان لنشوء ملك أو زعامة سياسية واحدة نظرا للطابع القبلي لها. فلهذا لما أراد بعض زعماء العرب تحقيق حلمهم الوحدوي رأوا أنه لا يمكن أن يتم لهم

стр. 213

أمر إلا بنبي مثل داود. وعندما وصلوا إلى هذا فشا الأمر بسرعة هائلة بين العرب وأخذوا يسعون للتوطئة للعظيم اللآتي (١). وماذا عن الكعبة والحجر الأسود؟ يجيب القمني تحت فقرة كعبات أن العرب كان البناء المكعب (الكعبة) هو الشكل المعماري المفضل لبيوت أرباب الجاهلية، فكانت كل قبيلة تتخذ لها كعبة لذلك، ويجعل فيها الحجر الأسود، وهي أحجار بركانية أو نيزكية كانت العرب نظرا لشكلها وغرابتها تظن أنها قادمة من عالمم غيبي مجهول. والحجر النيزكي كان أكثر جلالا لكونه كان يصل الأرض وسط مظاهر احتفالية سماوية تخلب لب البدوي المبهور، فهو يهبط بسرعة فائقة محتكا بغلاف الأرض الغازي، فيشتعل مضيئا ومخلفا وراءه ذيلا هائلا، لذلك كان هول رؤيته في التصور الجاهلي دافعا لحسبانه ساقطا من عرش الآلهة في السماء، حاملا معه ضياء هذا المكان النوراني، ثم كان طبيعيا أن يحاط بالتكريم والتبجيل (٢). هكذا يصور القمني العربي وكأنه كان يعلم بحقيقة الأحجار النيزكية، مع أن رؤيتها مباشرة أمر جد ناذر بل متعذر على أغلب الناس. ولكنه يحاول نسج المسرحية بتمامها. ومع تعدد هذه الأحجار القادمة من الأرض أو من السماء تعددت الكعبات، وسميت بيوت الله، وهكذا كان للكعبة المكية حجرها الأسود الذي يظن أنه قادم من السماء (٣).

стр. 214

فساعد هذا التفرق العقائدي في زيادة الفرقة القبلية بحيث أصبح عائقا في سبيل توحيد العرب، إضافة للطابع القبلي الذي ينفر من فكرة سياسية واحدة (١). لكن استطاع المكيون نظرا لتسامحهم الديني كما يقول القمني استضافة باقي الأرباب في كعبتهم، لتضمحل بعد ذلك باقي الكعبات لكعبة مكية واحدة (٢). ثم جاءت حادثة الفيل لترتفع بها أسهم المكيين وكعبتهم (٣). وأسس قصي دار الندوة مكانا للاجتماعات السياسية، وحلت الندوة محل الديمقراطية البدوية (٤). فلما مات قصي خلفه ولده عبد الدار، فغضب أخوه عبد مناف فتوارث الأحفاد هذه الأحقاد (٥). ليقوموا بعدها باقتسام السلطة: السقاية والرفادة والقيادة لبني عبد مناف، والحجابة واللواء لبني عبد الدار، ودار الندوة بينهم بالاشتراك (٦). ثم استقرت ألوية السيادة بعد ذلك في بيت عبد الدار عند هاشم الذي استطاع بكرمه وسياسته تقوية الحزب الهاشمي، وبموته تولى أخوه المطلب، ليموت بعد زمن يسير ليتولى قيادة الحزب عبد المطلب (٧). وكان عبد المطلب ذا وعي سياسي وحس قومي مما دفعه إلى وضع

стр. 215

إيديولوجيا متكاملة لتحقيق أهداف حزبه، كما يقول القمني (١). وهكذا استمر القمني في فبركة هذه المسرحية، ليخبرنا أن هذه الإيديولوجيا الهاشمية تقوم على أساس فهم جديد للاعتقاد أي: التوجه نحو إله واحد ورفض الوسائط والشفاعات (٢). ثم قام عبد المطلب سعيا لتقوية حزبه بحفر بئر زمزم بأمر غيبي في حلم ليستقطب القبائل العربية وجذبا للقوافل التجارية (٣). إنه الاقتصاد ولاشيء غير الاقتصاد. تبدو المفاهيم الماركسية حاضرة بقوة في تحليلات القمني: وسائل الإنتاج، المجتمع البدائي، المجتمع الطبقي، الإيديولوجيا، السيطرة على الاقتصاد. إنه التحليل الماركسي للنبوة. ثم زاد القمني أن عبد المطلب كان مؤسسا لملة واعتقاد، ودعا الناس إلى الحنيفية ملة إبراهيم، وتبرأ من أرجاس الجاهلية، وأنه كان يصعد إلى حراء متحنفا وأنه حرم على نفسه الخمر وكل ضروب الفسق، وأنه كان حاثا على مكارم الأخلاق، داعيا الناس لاتباعه، مؤمنا بالبعث والحساب والخلود (٤). لاحظ كيف يحاول المطابقة بين عقائد الإسلام وعباداته وبين عقائد عبد المطلب، ليقول لنا: إن النبي لم يعدو أن يكون مؤسسا ثانيا للحزب الهاشمي الذي وضع نظريته وإيديولوجيته عبد المطلب.

стр. 216

ثم زاد القمني أن عبد المطلب كان ينظر إليه في العرب بمثابة من يأتيه خبر السماء (١). وهكذا تنجز المسرحية بإحكام. وانضم لهذا الحزب مجموعة من الحنفاء على رأسهم: زيد بن عمرو بن نفيل وأمية بن عبد الله بن أبي الصلت، وأحسوا أنه لابد لهم من ديانة تكون رمزا لقوميتهم، ديانة تعبر عن روح العروبة وتكون عنوانا لها حسبما يؤكد القمني (٢). ثم أخذ هؤلاء الحنفاء يتنافسون في الترفع عن صغائر الأفعال، لتتحول فيما بعد إلى محرمات (٣). فليس الأمر كما يزعم المسلمون: الله بعث نبيا وفرض عليه فرائض وحرم محرمات، إنه إيديولوجيا الحزب الهاشمي لا غير. فلما جاء النبي محمد أخذ يتبع خطى جده عبد المطلب في الذهاب إلى غار حراء (٤). وكان للنبي ﷺ هدف سياسي وتكتيك إيديولوجي، فقام بتأليب العبيد على أسيادهم ووعدهم بكنوز كسرى وقيصر (٥). وتعاطف مع أصحاب الأخذوذ اليمنيين مع كونهم مسيحيين مضطهدين لأن اليمن أخطر محطة تجارية على خطوط العالم القديم. وزاد: ثم أبدى تعاطفه مع الروم بحسبانهم امتدادا طبيعيا للخط التجاري المكي (٦). فالاقتصاد ووسائل الإنتاج وراء كل المشروع المحمدي.

стр. 217

وجزم في خفة وتهور لا يحسد عليهما: فالأمر كان نزعة قومية واضحة ترتبط بمصالح اقتصادية أشد وضوحا (١). ثم أردف القمني مبينا أن النبي ﷺ لم يكن مجرد مقلد لجده، ونستسمح القارئ الكريم في نقل القمامة التالية، رغم رائحتها الكريهة جدا الباعثة على الغثيان. قال: المهم أن الأحداث تتابعت في مكة واستمرت المنعة الهاشمية للنبي ﷺ الذي اتبع خطى جده -كما اتبع خطواته إلى حراء من قبل- وأعلن أنه نبي الفطرة الحنفية التي نادى بها الأولون السابقون، ونادى بها عبد المطلب، ومثلما أتي جده الرئي وغته ثلاثا ليحفر زمزم فقد أتاه جبريل وغته ثلاثا، وكما اهتم عبد المطلب بتأكيد التحالف مع الأخوال من أهل الحرب في يثرب، اهتم حفيده أيضا بالأمر ... إلى أن قال: في الوقت الذي كان فيه لجده عبد المطلب مكانة خاصة وأثر لا يمحى من نفسه، تبرره حميته القتالية عند المعارك التي كانت تدعوه لأن يهتف: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب، كأني به ينادي طيف جده: أي: جدي، ها أنذا أحقق حلمك (٢). أي: في إنشاء الدولة الهاشمية. في كتابة الآخر «حروب دولة الرسول» ذكر القمني أن النبي ﷺ نهض بإتمام التطور العربي إلى نهاية نضجه لصالح الطبقة التجارية (٣). أو ما سماه قبل هذا الطبقة الارستقراطية التي ركزت التجارة ورشوة القبائل الأخرى عن طريق الإيلاء واستضافة أرباب القبائل.

стр. 218

فلما جاء النبي ﷺ أتم المهمة، لكن بشكل أكثر توسعا، ليشمل التوحيد العرب جميعا. وانطلاقا من صنمه المعبود التفسير الديالكتيكي للتاريخ فإن الأمر لا يعدو في نظره عن صراع طبقي على الثروة والسيطرة، فلما جاء النبي اليتيم الفقير الكادح، كما عبر القمني قاد الثورة. والذي عمل راعيا ثم تاجرا لأثرياء مكة، الذي هو بحسب الأدبيات الماركسية من الطبقة الكادحة: البروليتاريا، التي ستقوم بالثورة للإطاحة بالبرجوازية المكية. وذكر بعدها -وفاء لنبيه ماركس- أن النبي ﷺ توجه نحو المستضعفين، وهم دوما مادة الانتقال الثوري، إلى امتلاك كنوز كسرى وقيصر (١). كما قام النبي بتكثيف هجومه على الطبقة البرجوازية المكية لكنزها المال واستغلالها للطبقة الضعيفة الكادحة عن طريق أكل الربا وأكل أموال اليتامى والمساكين واحتكار مواد المعيشة (٢). فكل شيء دائر على الاقتصاد، ولاشيء غير الاقتصاد والمال والثروة والسيطرة على وسائل الإنتاج لتحقيق أهداف سياسية. على الأقل هكذا قال ماركس ومريده القمني. ثم وعد النبي الطبقة المستضعفة الكادحة بميراث الطبقة البرجوازية حسب القمني مستشهدا بقوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ القصص٥. وهذا هو السبب في نظره الذي جعل هؤلاء المستضعفين يتتابعون في الدخول

стр. 219

للدين الجديد (١). فليس إيمانا بالله والمحبة لطاعته هي السبب بل الأهداف الاقتصادية والسياسية. وأما هجرة الرسول إلى المدينة واستقبال أهل المدينة له، فله في التحليلات القمامية نظر آخر: فليس الأمر دعوة ورجال آمنوا بدعوة فاستقبلوا نبيهم لنصرة الدين والنبي ﷺ ، تأمل ما يقوله القمني: ومن هنا كان التحالف بالمصاهرة بين الخزرج والهاشميين، ثم استقبال الخزرج لابن أختهم الهاشمي وصحبه، ردا لجرح تؤججه ذكرى معبس ومضرس واستشفاء نفسيا، واستجلابا لوضع أهملته قريش، وأسقطته من حسابات الإيلاف، واستشرافا لوعد نبوي استقبله الوعي اليثربي النفاذ بوحدة تلم الشمل، لتقف يثرب كمنافس له شأن أمام الملأ المكي، وربما كعاصمة لدولة كبرى مع مداولة الأيام (٢). فالأنصار إنما نصروا النبي انتقاما سياسيا فقط من غرائمهم بمكة، وبحثا عن وحدة قومية عربية عاصمتها المدينة. هذا عن المستقبلين للدعوة، وماذا عن صاحب الدعوة نفسها؟ ماهي دوافعه الحقيقية للهجرة؟ أو ما هو التفسير الماركسي للهجرة؟ كان النبي ﷺ في نظر القمني يطمح إلى إيجاد بيئة فيها اكتفاء ذاتي مائي غذائي. أي: المسألة الاقتصادية دائما تطاردنا. وكانت يثرب المكان المناسب لاحترافهم للزراعة، زيادة على خبرتهم الحربية وقدرتهم على صناعة الأسلحة. فلهذا اختار النبي ﷺ يثرب (٣).

стр. 220

لا لأن الأنصار آمنوا بالدعوة إيمانا خالصا لله دون أية أهداف سياسية، فوجد النبي ﷺ البيئة المناسبة لنشر دعوته وهروبا من القمع المكي. وأما عن موقف النبي ﷺ من اليهود فالأمر لا يعدو أن يكون تكتيكا سياسيا لكسب وُد اليهود فقط، ولهذا كان في حاجة إلى أن يكسبهم سياسيا فجاءت الآيات تتحدث عن التاريخ السياسي لليهود، ومكانتهم في التاريخ الديني (من نوح إلى إبراهيم وإسحاق ويوسف وموسى ... إلخ) بصياغة تكريمية عظيمة، كما يقول القمني (١). زد على هذا احترام التوراة اليهودية واحترام التفاصيل التراثية كالثابوت وكتابة الألواح لموسى، ثم الموقف العملي للنبي عند وصوله يثرب، حيث استقبل قبلة اليهود، بل وصام الغفران، وعقد الصحيفة مع اليهود (٢).

стр. 221

والإسلام ليس إلا نسخة معدلة من اليهودية والنصرانية، خطط لها مسيحيون وحنفاء: هذا ما حاول التأكيد عليه مجموعة من العلمانيين، على رأسهم القمني، وبشكل أكثر عمقا طيب تيزيني في كتابه «مقدمات أولية في الإسلام المحمدي الباكر». وقد تقدم معنا حديث طويل عن هذه المسألة في مبحث «أصل الدين والإسلام» فقرة: «الإسلام ليس إلا عقائد يهودية ومسيحية وجاهلية وإغريقية، ألفها محمد وجمع بينها في إخراج من نوع خاص». ونضيف هنا تأكيدات علمانية أخرى على نفس الموضوع. وقد استند تيزيني إلى مجموعة من الأخبار في التواريخ أغلبها لا يصح، ولكن لجهلهم بأصول نقد الأخبار الحديثي لا يميزون بين ما صح من عدمه، ولهذا تعين علي إفراد هذه المسألة برسالة مستقلة تحت عنوان: الأخبار الواردة في الحنفاء: دراسة نقدية. والغريب هنا حقا أن العلمانيين يكيلون بمكيالين: فإذا تعلق الأمر بأحاديث البخاري ومسلم المجمع على صحتها والمتلقاة بالقبول وقفوا منها موقف التشكيك والتكذيب، وإذا تعلق الأمر بأخبار لا سند لها ولا مصداقية لها طاروا بها فرحا وأشاعوها كما لو كانت نصوصا ثابتة مقطوعا بها مادامت تخدم أغراضهم الإيديولوجية. فطيب تيزيني مثلا أيُّ نص وجده يخدم مشروعه في أيّ كتاب كان ولو كان مشهورا برواية الأخبار الباطلة والساقطة، فلا يتردد في الإشادة به والتأكيد على أهميته، وكأنه عثر على كنز ثمين وصيد مكين.

стр. 222

يجزم تيزيني بدون خجل أن النبي ﷺ كان متأثرا بقوة في مراحل حياته باليهودية والمسيحية وربما كذلك بالزرداتشية، وأعلن في مرحلة النضج قطيعة معها، إلا أنها قطيعة نسبية (١). أما الحنفاء مثل ورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل وغيرهم، فقد ذكر أن محمدا (حسب تعبيره) انتفع كثيرا بالحنفاء، بل قال عن ورقة: المعلم الأول الذي أضاء له الطريق وفك له أسرار الوحي (٢)، وقدم إليه من الحوافز الأخلاقية المعنوية ما جعله يثبت (٣). وبيَّن قبل أن الوثنية وُجه لها نقد إيديولوجي من قبل أناس ليسوا بأقل شهرة من محمد (٤). يريد تيزيني أن يبرهن لنا أن النبي لم يأت بكبير جديد، إنما استثمر مواقف فكرية إيديولوجية كانت سائدة في زمانه، بل الأكثر من هذا فالنبي محمد يمثل إيديولوجية كانت متواجدة قبل بزمان، بل إن الحنفاء كورقة ونحوه هم المصدر المركزي والهام للإسلام المحمدي. أو بلغة الماركسيين: الإسلام هو إيديولوجية تقدمية انبثقت من الوضع الاقتصادي الاجتماعي للجزيرة عبر تطور وصراع طبقي معين. لنستمع لتيزيني: ذلك لأن ورقة ... كان بالنسبة إلى النبي المنتظر أكثر من مجرد شخصية دينية نقدية وإصلاحية رافقته في بعض سني حياته في مكة. لقد كان

стр. 223

-بما مثّله من آراء وتصورات ومواقف- المصدر أو أحد أهم المصادر وأحسمها ذهنيا (إيديولوجيا) للشخصية المحمدية. إلى أن قال: يمكن القول بترجيح قوي مشدد بأن العلاقة بينهما (أي: النبي وورقة) كانت مبنية على أسس إيديولوجية عقيدية، مهدت لها وقادت إليها رابطة مصاهرة نمت وأحيطت بالرعاية والاهتمام على نحو مخطط ومقصود وناجح (١). ثم يستمر تيزيني ليبين لنا أن ورقة النصراني وخديجة هما اللذان خططا ودبرا لوجود الإسلام، قال بعد تأكيده على نصرانية ورقة وعلاقاته باليهودية، وانتشار آلاف النصارى العرب وآلاف الرهبان والقسيسين ومئات الكنائس والأديرة العربية في الجزيرة: ونحن في هذا السياق نميل إلى ترجيح أن ورقة وخديجة مثلا نقطتين حاسمتين في تكوين الشخصية المحمدية: باستدراجها محمدا الشاب -عبر تعيينه مدير أعمال لتجارتها ثم الزواج به- إلى دائرة الفكر النوفلي، وابن نوفل في فتح قلبه وعقله له وتقديم العون له بوسائله الممكنة ... إلى أن قال: بيد أنه يبدو أن دائرة معارف خديجة من النصارى كانت واسعة ومتنوعة في مكة (٢). إذن فالإسلام ذو أصول نصرانية، بل هو نسخة نصرانية معدلة. مع أننا نقطع الطريق على تيزيني منذ البداية فنقول له: اثبت العرش ثم انقش، اثبت صحة الأخبار التي تستند إليها في استنتاجاتك ثم استنتج. ثم يمضي باحثنا

стр. 224

المغوار في تحليلاته فيقول: إن النوافلة هم الذين استشرفوا نبوة محمد (أمُّ قتال أخت ورقة)، وهم الذين هيؤوا لها ورافقوها وأظهروا أسرارها لصاحبها، وهم الذين آمنوا بها ودافعوا عنها وأحاطوا صاحبها بالحماية المعنوية والمادية (خديجة)، وهم الذين ظلوا أوفياء لها في مراحل انتصارها وعزها (أم ورقة) ... (١) يلغي تيزيني أيّ اعتبارات غيبية من طرحه، أي: كونه ﷺ نبيا مرسلا من عند الله. فلا يعدو محمد في نظره أن يكون صنيعة نصرانية بامتياز. وخديجة لم تكن إلا وسيطا عند هؤلاء (٢). ويزيد مؤكدا أن العلاقة بين خديجة والنبي ﷺ لم تكن علاقة حب عاطفي أو زواج عادي، بل كان شيئا مخططا له من قبل ورقة بن نوفل ونسطاس النصرانيين، وإن مراقبة محمد استمرت ١٥ سنة منذ عودته من الشام تمت فيها عملية تأهيله الثقافي الديني اللازمة. وإذا، إذا أسفر الموقف عن هذه الوضعية العمومية لم لا تكون خديجة بنت عم ورقة قد هُيئت هي بدورها للقيام بمهمة الزوجة لمحمد أو بتعبيرها أمرت بذلك؟ (٣). وتكلم تيزيني بكلام طويل حول تأثر النبي ﷺ بنصارى زمانه وخاصة الفرقة النسطورية والعلاقات التي كانت تربطه بهم (٤). في جهد حثيث لإحياء اتهامات كفار قريش ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾. وأكد تيزيني على جملة

стр. 225

أمور من بينها: إن الإسلام في بواكيره الأولى مثَّل تواصلا مع النصرانية (١) وارتباطا عقائديا وسياسيا وعسكريا معها (٢). واعتبر النبي ﷺ تلميذا لورقة بن نوفل النصراني (٣). وقال: أما ورقة بن نوفل فقد يكون الشخصية الأكثر تأثيرا وحسما في حياة النبي الجديد (٤). وقال: وإذا ما استبقينا ورقة بمثابته القس الضليع والذي تتلمذ محمد على يديه في طور التلمذة (٥). وقال عن ورقة وقس بن ساعدة: إذا كنا حتى الآن قد تعرفنا إلى شخصيتين انتمتا بوضوح كاف إلى النصرانية الحنيفية، وأسهمتا على نحو مباشر في بلورة الشخصية الذهنية الدينية للفتى محمد (٦). وقال عن ورقة وزيد بن عمرو بن نفيل: إن هذين الرجلين أثرا تأثيرا عميقا ومباشرا وصريحا في تكوين الشخصية الثقافية الاعتقادية المحمدية إلى درجة لا يمكن غض النظر عنها منهجيا نظريا وتاريخيا (٧). وقال عن أمية بن أبي الصلت وورقة وزيد بن عمرو بن نفيل: فهؤلاء جميعا كونوا قاعا تاريخيا عميقا للحركة الإسلامية المحمدية، كما أسهموا في ضبط إيقاعها على نحو أولي (٨). وقال: إن محمدا يمثل الوريث الشرعي الأكثر حزما ووضوحا لرواد

стр. 226

الحنيفية النصرانية الكبار والصغار، والمشهورين والمغمورين، الذين كان الحجاز يعج بهم في النصف الثاني من القرن السادس ومطالع القرن السابع على الأقل (١). وقال عن مواعظ النصارى مثل قس بن ساعدة، فمثل هذه المواعظ كانت تترك أثرا عميقا في شخصية محمد، خصوصا وأنها تمحورت حول التحذير من يوم الحساب، بأهواله على المذنبين وبمتعه على المؤمنين، كما تمحورت حول جهنم والجنة والصراط ... إلخ (٢). بل الأكثر من كل ما تقدم فقد جزم تيزيني في خفة لا يحسد عليها بأن النبي ﷺ كان في بداية أمره وإلى فترة تالية نصرانيا حنيفيا (٣). وبعد صفحتين أكد على أنه تأثر بالتلمود أي: باليهودية وخصوصا في مسألة تعدد الزوجات والطلاق (٤).

стр. 227

طعون حقيرة في النبي ﷺ -. وجه العلمانيون وخاصة طيب تيزيني طعونا كثيرة لنبينا ﷺ ، ومثلها لا يصدر عادة إلا من الصهاينة الحاقدين على الإسلام وأهله. قال المفتري: بيد أنه يبدو أن محمدا -في الإرهاصات الأولى من حركته- مر بأحوال من الشك والارتياب فيما نيط به من مهمات تبشيرية إنذارية (١). وقال بعد إيراده أن النبي ﷺ كان به مس من الجنون: إذا، بدا الأمر وكأن الرجل يعاني من فقدان التوازن النفسي والعضوي والعقلي، أو أنه يعيش حالما في يقظته، وأنه من ثم يريد أن يجعل من هذا الحلم نبوة، بينما هو أجدى به أن يؤخذ إلى من يعالجه (٢). إلى أن قال اللعين: ومن الملفت أن يكون محمد قد وصل -في تطوره الدرامي- إلى أن يضيق ذرعا برسالته ويشعر بثقلها عليه ... (٣). ووصف طيب تيزيني النبي ﷺ متحدثا عن قريش بـ: خليعهم الآبق (٤). وقال المأفون: ويبقى هاما أن يشار إلى أن النبي محمدا وهو الذي عاش بعض مظاهر الاضطراب ... (٥). ووصفه بأنه يتحرش بالجميع (٦). وأنه منغمس

стр. 228

طورا فطورا وعلى نحو مباشر في المصالح الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المتلبسة دينيا (١). وقال: نلاحظ أن بعض عناصر الشك الذاتي تطرأ على بعض قناعات الرسول (٢). وقال: يبدو أن حدة المواقف كانت تتعاظم إلى درجة تقود محمدا إلى الشك والارتياب في ما يطرحه على الناس، وإلى أن يضيق ذرعا من دعوته ويشعر بالإحباط والوحدة (٣). وقال: ما عاشه محمد من قلق وتوتر عاطفي وعقلي (٤). ووصف بعض مواقفه ﷺ : بالضعف والقلق والتردد (٥). وقال الخبيث قبحه الله وأخزاه: وقد زاد من تعقيد الأمر أن محمدا كان يعاب بشيء من مظاهر الاضطراب النفسي التي تصل أحيانا إلى درجة الفصام الشخصي (٦). وشبه استمهال النبي ﷺ القرشيين واليهود لما سألوه عن أصحاب الكهف وذي القرنين والروح بفعل العرافات اللواتي كن يستمهلن سائليهم بغية العودة إلى تابعيهن واستخلاص الأجوبة منهم. ثم قال: ومن الواضح أن هذا وغيره كان مصدرا للقولة التي أطلقها القرشيون ضد النبي، وهي أنه يعود إلى تابعه تحت اسم «الوحي» (٧). ثم قال

стр. 229

تيزيني: ومن الملاحظ أن محمدا استخدم كلمة ربي في إحدى المرات التي استمهل فيها خصومه في إجابتهم ... وقد يكون المكيون -ومعهم أو من ورائهم اليهود- نظروا إلى هذه الكلمة مقرونة بما قد تشير إليه من علاقة مع نظيرتها في العبرية «رابين»، فاستنبطوا ما يدل على علاقة سيادة بين محمد وربه، ومن ثم فهم رأوا أن هذه العلاقة قائمة بين العراف وتابعه من الجن الذي يمكن أن يغلبه ويسود عليه (١). وقال عن لغته ﷺ : ليس لغة الحوار الهادئ والمنظم، إنها لغة مشحونة بالتوتر واللهاث وراء التخويف من أهوال جهنم (٢). وقال: إنها لغة الهجوم على هؤلاء بصيغة متوترة ولاهثة ومتقطعة وحذرة (٣). وقال: فقد انطوت (أي لغته) على خطاب رؤياوي يتعايش فيها الغموض مع الوضوح (٤). ولا أظن أنه وجد في تاريخ الزنادقة من قال كلاما في نبينا كهذا. وذكر أن النبي كان أحيانا يشعر بالتعاسة الزوجية (٥) ووصف نظرته بالسوداوية المتشائمة (٦). وقال: مما يعني أن حالة التشاؤم بل اليأس من الحاضر والمستقبل كان لها

стр. 230

حضور كثيف في حياته (١). وكتاب تيزيني مليء بالطعون والغمز واللمز في حق نبينا ﷺ ، لكني اقتصرت على عينات منه فقط، فيها غنية وكفاية. ولنذكر طعونا أخرى لغيره: حسب عبد الله العروي فالنبي الذي لجأ إلى المدينة واحتمى بأهلها مدفوع دفعا بعامل الكبرياء والغطرسة عند البعض، بعامل الطموح والمكر عند البعض الآخر إلى الانغماس في دوامة التاريخ (٢). يعني إما هذا أو هذا. إما الغطرسة وإما المكر. ذكر القمني أن العرب في جاهليتهم الأولى سادت فيهم قيم الغزو والسلب والنهب، وفي جاهليتهم الثانية سادت فيهم قيم النخوة والمروءة والأمانة والنجدة والإجارة والكرم والوفاء بالعهد. فلما جاء الإسلام ماذا فعل يا ترى؟ قال القمني: والذي انتهى العصر الجاهلي الثاني، بظهور الإسلام والعودة بالعرب إلى قيم الجاهلية الأولى حيث الغزو والسلب والنهب والسبي والحرب (٣). كأنه يقول: ليت الإسلام أبقى على خلق الجاهلية الثانية لكنه عاد بالبشرية إلى الجاهلية الأولى، هل هذا الكلام يقوله مسلم؟. واتهم النبي ﷺ بأنه لما ذهب لخطبة خديجة أُشرب أبوها خمرا فزوجها له، فلما أفاق من سكره رفض الزواج، فلحق بالنبي ﷺ فلما رآه تراجع عن رد تزويجها وقبل الزواج. انتكاسة المسلمين (٣٤٢). وقد أدانته جبهة علماء

стр. 231

الأزهر بهذه المسألة. ومن اعتاد القمامة فيصعب عليك إقناعه بغيرها. وقال غامزا زمن النبي ﷺ : رغم أن رُقِي حاضرنا علما وخلقا وإنسانية وتحضرا عن تلك الأزمان البدائية (أي: زمن النبي) حقيقة ساطعة كالشمس لا ينكرها إلا العميان أو فاقدو الرشد والتمييز بالمرة (١). واتهم القمني النبي ﷺ بالقتال من أجل المال والسيطرة: فقد حارب الرسول والصحابة من أجل السيطرة والسيادة والغنائم المادية البحتة، إضافة بالطبع إلى نشر الدعوة، وحارب الصديق من أجل الزكاة، وحارب خالد بن الوليد وعمرو بن العاص والقعقاع وخيرة الصحابة الأجلاء (٢) من أجل الفيء والجزية، بل وتصارع كبار الأجلاء منهم على عرض الدنيا المادي، كما حدث بين الزهراء وبين الصديق بشأن ميراثها (٣). واتهم أركون النبي ﷺ بأنه يعامل مخالفيه معاملة قاسية جدا وسلبية تماما (٤). وأن الهدف من صراع النبي ﷺ مع الكفار هو السيطرة على السلطة الكاملة (٥). ووصف تصرف النبي ﷺ بالتمييزي المتحيز (٦). وساق صادق جلال العظم في «ذهنية التحريم» (٢٤٦) تساؤلات مشبوهة مضمنة بطعون حقيرة، في سياق دفاعه عن نقد الدين والألوهية وعن سلمان رشدي، منها مثلا قوله عن النبي ﷺ : هل كان مجرد الأمين اليتيم والفقير الذي

стр. 232

تحكي عنه روايات التقوى والورع أم كان تاجر ترانزيت محنكا حيسوبا؟ هل كان بانيا لمثل روحية عليا ومجسدا لها أم كان زير نساء؟ وزاد: ماذا يعني من منظور علم النفس والتحليل النفسي زواج النبي لأول مرة من امرأة تصلح لأن تكون والدته، ومن ثم ولعه اللاحق بفتيات هن في سن بناته؟ وزاد (٢٤٦) أنه يقرأ في إحاطة النبي بالحريم علامة من علامات السلطان ومظهرا من مظاهر الدولة وقوتها على غرار ماكان سائدا في البلاطات الإمبراطورية المجاورة. أي: لا يعدو أن يكون النبي امبراطورا يستمتع بالحسناوات ويمارس استبدادا شائعا في زمانه. الدفاع عن سلمان رشدي الذي طعن في النبي ﷺ -. مع اعتراف محمد الشرفي في الإسلام والحرية (١٠٦) بأن سلمان رشدي مس الرسول ﷺ في كتابه الآيات الشيطانية، إلا أنه قال عن الذين هاجموه وردوا عليه (١٠٧): إنه سلوك مخز من جميع الجهات، وإنه انتهاك لمبادئ حرية الرأي وحرية التعبير، وأنه راجع إلى الطغيان والجهل. ودافع عنه بقوة، بل بكل ما أوتي من قوة صادق جلال العظم في كتابه ذهنية التحريم (١٦٥) وسخر من كل من انتقده. ونقل بيانا أصدره ما يزيد على (٤٠) علمانيا سوريا ينددون فيه بما تعرض له سلمان رشدي ويؤكدون على حقه في التعبير، من أبرز الموقعين فيه: صادق جلال العظم، وطيب تيزيني، وفيصل دراج. ثم عاد فأصدر كتابا كبيرا سماه «ما بعد ذهنية التحريم» رد فيه على من انتقد كتابه الأول. يقاوم على التفاهات حتى آخر رمق.

стр. 233

نفي أمية النبي ﷺ -. هذه المسألة من ركائز العلمانيين لإبطال الوحي والرسالة، وأن الإسلام مجرد دعوة محمدية دينية، استغلت ظروفا وتناقضات معينة من أجل إنشاء مشروع توحيد عربي قبائلي. لهذا رأيت إفرادها برسالة مفردة، وخصوصا وعندي مخطوطة أو أكثر في نفس الموضوع. ولا تفسير لهذا الشرع المعجز إذا كان صاحبه أميا إلا أنه منقول عن مصدر أعلى هو أعلم وأقدر على ذلك. وهذا ما يهرب العلمانيون من الاعتراف به، ولهذا جعلوا من هذه المسألة هدفا استراتيجيا. فالنبي في نظرهم كان يقرأ ويكتب، وتعلم من اليهود والنصارى والحنفاء أشياء كثيرة صاغها في مشروعه صياغة تناسب المرحلة. وقد دافع عن عدم أميته الجابري في كتابه مدخل إلى القرآن الكريم، ونصر حامد أبو زيد في مفهوم النص (٦٦) وطيب تيزيني في مقدمات أولية (٣٩٠ - ٤٠٠ - ٤٠٨). ولنا عودة إلى كلامهم في الرسالة المذكورة آنفا إن شاء الله. ختم النبوة . نختم مبحث النبوة بخاتمها بالمفهوم العلماني. بيَّن عبد المجيد الشرفي في الإسلام بين الرسالة والتاريخ (٩١) أن المفهوم الصحيح لختم النبوة، هوختم لها من الخارج، أي: أن النبي أغلق باب بيت النبوة، وختمه من الخارج. وأذن بحرية الإنسان في أن يسكن البيوت التي يبنيها بجده الخاص بما يدل عليه عقله، كما قال مجدد القرن العشرين. أي: ختم النبوة وأغلق بابها بمعنى أنهى عهدها

стр. 234

وأسقط حكمها إلى الأبد. وزاد مؤكدا (٩٣): هكذا يكون محمد بن عبد الله قد ختم النبوة ليقضي على التكرار والاجترار، وليفتح المجال للمستقبل الذي يبنيه الإنسان مع أبناء جنسه في كنف الحرية الذاتية والمسؤولية الفردية والتضامن الخلاق. أي: أن النبي ﷺ ختم النبوة لتحل محلها العلمانية. هذه هي خلاصة طرح الشرفي، لا شرفه الله بخير. ثم رأيت حسن حنفي يكرر نفس الطرح في كتابه من العقيدة إلى الثورة (١/ ١٧/١٨).

стр. 235

العبادات فَرْضُ العبادات كان استجابة للبيئة الحجازية البسيطة، ولم يعد ذلك صالحا لعص هذا ما قرره عبد المجيد الشرفي في كتابه الإسلام بين الرسالة والتاريخ، حيث قال (٦١): «ما فرض من تفاصيل العبادات والمعاملات -متى وجدت وهي قليلة جدا- سوى أثر لمقتضيات الاجتماع في عصر الرسول وفي البيئة الحجازية البسيطة في طرق عيشها وفي العلاقات بين أفرادها دون غيرها من البيئات ولاسيما الحديثة منها في مشارق الأرض ومغاربها». وبعد أن لاحظ الشرفي أن القرآن لم ينص على عدد الصلوات ولا كيفياتها ولا شروطها، ثم لاحظ أن تحديد كيفياتها ومقاديرها حصل في قصة المعراج، وهي حسب قوله: إنما تنتمي إلى الذهنية الأسطورية، وليست جديرة بأية ثقة (٦٢). ثم خلص إلى هدفه النهائي من كل هذه الشبكة العنكبوتية: والمهم أن النبي كان يؤدي صلاته على نحو معين، فكان المسلمون يقتدون به، إلا أن ذلك لا يعني أن المسلمين مضطرون في كل الأماكن والأزمنة والظروف للالتزام بذلك النحو، على فرض أنه كان فعلا موحدا ولم يطرأ عليه أيّ تغيير أثناء فترة الدعوة (٦٢). وفي مكان آخر من كتابه اعتبر أن تفاصيل الصلاة والصوم والحج وغيرها لم تكن ملزمة في عهد الرسول، بل لم تكن ثابتة في حياته، بل كانت متغيرة بحسب عوامل عدة، وممكن أن يكون الرسول قام بها أو تصور المسلمون أنه قام بها (١٢١).

стр. 236

هكذا تحولت الصلاة المفروضة المجمع عليها على مر السنين والمعلومة من الدين بالضرورة إلى صلاة مشكوك في فرضها وفي كيفيتها، وهي غير ملزمة لنا في هذا العصر. وزاد فذكر أن المجتمعات المعاصرة بما أنها مجتمعات صناعية مخالفة للمجتمعات الرعوية والزراعية القديمة لم تعد تلائمها الصلوات الخمس (٦٢). وعليه فوجوب الصلوات عنده خاص بمن يعتقد وجوبها أو من تسمح له ظروفه بأدائها، وأما بقية الناس فالأمر لا يعنيهم (٦٣). والصلاة حسب عبد الهادي عبد الرحمن في سلطة النص (١١٠ - ١١١) فرضت لتليين عريكة العربي، وتعويده على الطاعة للقائد. هكذا يختزل هذا العلماني الصلاة ويقزمها. وحسب عبد المجيد الشرفي فالصلاة قد حصل فيها تغيير وتطوير في طقوس أدائها، حتى استقرت على الكيفية التي وصلتنا الآن. تحديث الفكر الإسلامي (٥٣). وأما الزكاة فمصيرها عند فقيهنا النوازلي أو التنازلي عبد المجيد الشرفي مصير الصلاة، بل أكثر، فالقرآن حث عليها ولم يحدد لها كيفية ولا نوعا، فالهدف هو حفظ حقوق الفقراء، وفي الوقت المعاصر هناك طرق عديدة لهذا الحفظ، بل دخلت في صلب حقوق الإنسان. الإسلام بين الرسالة والتاريخ (٦٣ - ٦٤). وبالتالي لم تعد هناك حاجة لمقاديرها وأصنافها. وأما الصوم فالقرآن حث على الصوم إلا أنه ترك الباب مفتوحا لعدم صومه والتعويض عنه بإطعام مسكين أو مساكين (٦٤). وأكد على وجوب ترك الناس على حريتهم من شاء أن يصوم فليصم، ومن لم

стр. 237

يشأ فله ذلك (١٦٠). وفي كتابه الآخر تحديث الفكر الإسلامي انتهى إلى أن القرآن لا يلزمنا بصوم رمضان ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، فالأمر فيه خيار (٥٦ - ٥٧ - ٥٨). وأن الأمر بالصيام معناه: صم، إن في هذا الصوم فوائد بالنسبة إليك وستجازى عليه، وإذا ما أردت أن تصومه فعليك -إن كنت قادرا على الصوم- أن تطعم عوض الصوم (٥٨). وزعم أن الناس كانوا يصومون على وجه التخيير قبل فتح مكة، وفي فتح مكة جاء النص ليؤكد هذه الحقيقة. ولكن بعد الفتنة ودخول عناصر جديدة في الإسلام قام الصحابة بفرض هذا السلوك الموحد (٦٠). فالصوم حسب فقيهنا الميمون إنما فرضه الصحابة بعد دخول عناصر جديدة في الإسلام. وقريب منه بلديه محمد الشرفي فالعبادات من صلاة وصوم غير صالحة لكل زمان ومكان. الإسلام والحرية (١٥٨). وأن القرآن عنده جاء حسب ما يفهمه سكان الجزيرة العربية قبل أربعة عشر قرنا، وأن معناه الحرفي غير ملائم خارج ظروف نزوله، وأحيانا يكون مستحيل التطبيق (١٥٩). وقرر أن العبادات فضلا عن المعاملات يجب أن تحمل على ملائمة الظروف (١٥٩). والظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية سرعان ما تتغير فلا بد أن تتبع القوانين نسق تغيرها. (١٦٠). والصوم عند عبد الهادي عبد الرحمن في سلطة النص (١٠٩) مفروض على

стр. 238

العربي فقط لأنه مشروط بالبيئة العربية، ولذلك فالصوم بالنسبة للمسلم غير العربي مجرد دلالة وعبرة دينية. فهو لا يعني المسلم المعاصر في شيء. الكعبة المشرفة وطقوس الحج رمز للجنس، بل ولعبادة الجنس: بحث سيد القمامة القمني هذه المسألة في كتابه الأسطورة والتراث في فقرة تحت عنوان: عبادة الجنس (١٢٤). وخلص إلى وجود عبادة جنسية في الكعبة، واستند إلى أمور منها: أولا: إن إسافا فجر بنائلة داخل الكعبة، وهو فعل جنسي مقدس (١٢٥). وثانيا: آدم جامع حواء في موضع الكعبة (١٢٦). وثالثا: هناك رواية إسلامية (كذا قال) تقول إن آدم وحواء لما هبطا من الجنة نزلا متفرقين وظلا هائمين حتى التقيا بجبل عرفة، وجامع آدم حواء فيها. قال. ومن هنا تقدس الوقوف بعرفة (١). وأن تَجَمُّع الناس ليبيتوا بعرفات من طقوس الجنس الجماعي (١٢٦). وإن اسم عرفات هكذا على صيغة الجمع للمجتمعين على الجبل في حالة جماع يماثلون به الفعل الأول الذي قام به إساف ونائلة وآدم وحواء، وإله القمر (إِلْ) عندما جامع الشمس (إلات) (١٢٦). ورابعا: إن طقوس الحج الجاهلي كان الرجال والنساء يطوفون عراة، ففيه إشارة جنسية. فلما جاء الإسلام جعل للإحرام زيا لا يستر إلا العورة، بل وحرم

стр. 239

لبس المخيط ونحوه (١٢٧). بل وطقوس الشرب من زمزم من احتفالات الجنس، وكذا حلق الشعر وبالذات عند المروة من طقوس الخصب الجنسية القديمة. والتضحية كذلك طقس جنسي، واستدل بأن غنم وغلم متقاربان. والغلم هو الجنس والشهوة (١٢٨). والحاصل أن الحج طقوس جنسية قديمة انتقلت إلى الإسلام من الحضارات القديمة. وهو نفس ما قرره عبد المجيد الشرفي، حيث قال في الإسلام بين الرسالة والتاريخ (٦٥) عن الحج: هو من الطقوس التي كانت تمارسها العرب قبل الإسلام، فتبناها الإسلام وأضفى عليها معنى جديدا منسجما مع التوحيد، ومع ذلك، لا يمكن إنكار ما بقيت تحتوي عليه مناسك الحج من رواسب الذهنية الميثية الضاربة جذورها في القدم، ونقصد بالخصوص ما فيها من رجم للشياطين ومن هدي. الذهنية الميثية: أي: الأسطورية. والحج سنة جاهلية ورثها الإسلام منها. كما تقدم عن أركون وعبد المجيد الشرفي (١) وخليل عبد الكريم (٢) والقمني. ويغني عن الحج عند أركون ما يسميه بالحج العقلي أو الحج الروحي (٣).

стр. 240

المعاملات إذا كانت العبادات استجابة لظروف صحراوية معينة أصبحت متجاوزة الآن، فما هو موقفهم من المعاملات؟ تدور مجمل مواقف العلمانيين من أحكام المعاملات الشرعية على الاستهزاء والتحقير تارة، والدعوة إلى التجاوز تارة أخرى. قانون الإرث . حسب محمد الشرفي فيه حيف واضح (١). وفيه خلل (٢). وآياته على سبيل البيان فقط، لا الإلزام، وأنها ذات طابع اختياري (٣). وأن عهده قد ولى وانقضى (٤)، ويجب تجاوزه اليوم وإقرار المساواة (٥). وأحكام الإرث عند صادق جلال العظم كانت نظرا لواقع اجتماعي واقتصادي كانت تعيشه الجزيرة العربية، كانت فيه المرأة لا أهلية لها بالمرة، فشكل الإسلام قفزة نوعية من هذا الوضع إلى الوضع الجديد (٦). وبالتالي ففي عصرنا يجب تسوية ميراثها بميراث الرجل لتغير الظروف والأحوال، وخاصة مع وجود غرب مهيمن مسيطر، هكذا يريد منا.

стр. 241

ولهذا تمنى القمني من أوباما لما زار القاهرة أن يضغط على الفضائيات الإسلامية والمعاهد الدينية من أجل إيقاف العمل بميراث المرأة وولاية الولي عليها وعقيدة الولاء والبراء والجهاد، ووقف تدريسها في المعاهد الدينية (١). ولا يخرج تحليل الجابري عن كون نظام الإرث كان استجابة لظروف معينة تم تجاوزها اليوم. وهكذا فبعد أن طالب بالفهم الحداثي للتراث بدل الفهم التراثي للتراث (٢). ودعانا إلى التحرر من سلطة التراث علينا، وأن نمارس سلطتنا عليه (٣). كيف ذلك؟ ذكر أن قوله تعالى ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ النساء١١، شرع لأسباب قبلية محضة لم يعد لها وجود في عصرنا (٤). ولكي يخلص إلى هذه النتيجة وضع عدة مسلمات في نظره لا حقيقة لأكثرها. فزعم أن المجتمع في عهد النبي ﷺ كان مجتمعا قبليا ذو ملكية مشاعة، فالقبيلة هي التي تملك وليس الفرد. وكون المجتمع قبليا لا غبار عليه، وما بعده مغالطة يعلمها الرجل العادي قبل المتخصص في دراسة القبائل. وثانيا: العلاقة بين القبائل هي علاقة نزاع حول المراعي ووسائل العيش. وهذه مغالطة ثانية، لها جذور في نظرية الصراع الطبقي الماركسية.

стр. 242

وثالثا: المصاهرة لدى القبائل العربية تقوم على تحريم الزواج بالمحارم وتفضيل الأباعد على الأقارب. وهذه مغالطة ثالثة، بل العكس هو الصحيح، لكن مادامت تخدم مشروع الجابري «الفهم الحداثي للتراث» فلا بأس بها. ثم زاد قائلا: والزواج من القبائل البعيدة مطلوب في إطار التحالفات التي يفرضها المجتمع القبلي: إن الحفاظ على العلاقات السلمية وتنميتها بين القبائل يقتضي نوعا من «تبادل النساء» بعبارة كلود ليفي ستراوس الشيء الذي يعني تزويج البنت خارج قبيلتها. غير أن تزويج البنت لشخص من قبيلة غير قبيلتها كثيرا ما يثير مشاكل تتعلق بالإرث في حال وفاة أبيها. ذلك لأنه إذا كان لها أن تأخذ نصيبا مما ترك فإن هذا النصيب سواء أكان ماشية أو مجرد الحق في المرعى المشترك سيؤول إلى زوجها، أي: إلى قبيلته. وهذا شيء غير مقبول وكثيرا ما يؤدي إلى خصومات وحروب تهدد المجتمع القبلي بالفناء. أما الولد الذكر فمفهوم أن ما يرثه من أبيه يبقى في قبيلته كما كان من قبل فكأنها هي التي ورثته. ومن هنا كان المجتمع العربي في الجاهلية لا يعطي للبنت نفس الحق الذي للولد في الميراث وكانت هناك قبائل تحرم البنت من الإرث تماما اتقاء المشاكل التي ذكرنا. وإذا أضفنا إلى ما تقدم محدودية المال المتداول في المجتمع العربي القبلي في الجاهلية سهل علينا إدراك كيف أن توريث البنت قد يؤدي إلى الإخلال بالتوازن على المستوى الاقتصادي خصوصا مع تعدد الزوجات (١). ثم استمر في كلامه مبينا أن حرمان البنت من الإرث كان تدبيرا يفرضه المحيط الاجتماعي، فلما جاء الإسلام بالدولة أقر نوعا من الحل الوسط يتناسب مع المرحلة

стр. 243

الجديدة. فبدلا من حرمانها من الإرث منحها النصف. يعني نصف ظلم بدل ظلم كامل!! لا يستحي هو وأشياعه من تسطير هذا، إذا كان هذا خافيا على النبي كمخلوق فأين الخالق؟ وهل يا ترى يشرع الله الظلم؟ هذا من نوع من أسميه بأفكار الهلوسة مثل حبوب الهلوسة التي تحدث عنها القذافي هذه الأيام، واصفا الثائرين عليه بتعاطيها. الجزية ليست إسلامية . ذكر نصر أبو زيد في دوائر الخوف (١٠) أن الجزية لم تكن إنشاء إسلاميا بل كانت متابعة لتقليد راسخ في العلاقات الدولية، حيث تدفع الشعوب المغلوبة للغزاة الغالبين ضريبة الرأس. وذكر في مكان آخر (١٣١) أن من بين حيثيات حكم محكمة استئناف القاهرة سنة ١٩٩٥ وأيدته محكمة النقض سنة ١٩٩٦ بردة أبي زيد ما قاله في كتاب نقد الخطاب الديني (٢٠٥) في إنكاره للجزية. وقال القمني في انتكاساته (١٢٩) عن الجزية: تمس الكرامة وتعني الخضوع والمذلة. وسمى الفيء نهبا. أهل الدين والديمقراطية (٢٦٣). الجهاد طائفي عنصري همجي ذو أغراض دنيوية محضة . قال القمني في أهل الدين والديمقراطية (٣١٩): أما مفهوم الجهاد فهو مفهوم طائفي عنصري. وقال (٣٢٠): يحمل مفهوم الجهاد قوة دفع استعمارية لحوحة لاحتلال البلاد الأخرى ونفل ثرواتها وتغيير ثقافتها.

стр. 244

وقال (٣٢٠): بل إن ما فعله المجاهدون عبر تاريخنا غير الجميل يحتاج من العرب اعتذارا واضحا عما ارتكبوه من فوادح الآثام العظام في حق الشعوب المفتوحة في تلك الأزمان البربرية. وزاد فأكد (١٤٦) أن الجهاد ليس هدفه تحرير الأرض إنما الحور العين وأنهار الخمر وليس هدفه الوطن وأبناء الوطن، وهو يقع اليوم موقع الهمجية المجرمة. ويحمل ضمنا العداء المسبق لشعوب العالم، وهو يقوم على الإغارة والسلب والنهب والسبي وركوب نساء العدو، وهدفه هو التدمير لذاته، بل تحول إلى قدرة عاجزة هي إرهاب فصيح صريح. واعتبر هاشم صالح في الإسلام والانغلاق اللاهوتي (١٨٥ - ١٨٦) تبعا لروجيه أرنالديز أن الجهاد الإسلامي ما هو إلا قتال الجاهلية بجميع أصوله إلا تغييرات في الشكل فقط. وذكر أن بعض آيات الجهاد إنما تعبر بالدرجة الأولى عن مزاج الرسول وتقلباته طبقا لظروف النضال المتواصل والعنيد الذي خاضه من أجل فرض رسالته وهيمنته على محيطه العربي داخل الجزيرة العربية وليس خارجها. وقال عبد المجيد الشرفي في الإسلام بين الرسالة والتاريخ (١١٥): إن الأغراض الدنيوية المحض هي الدافع الحقيقي للحروب التي شنها المسلمون الأوائل على البلدان المجاورة لهم، واستنكف عن استعمال الأوصاف الموضوعية التي تنطبق عليها كالاحتلال والغزو والاستعمارحسب المفهوم الحديث. وجعل العفيف الأخضر الجهاد بما فيه جهاد المحتل يجب تجاوزه، وسمى حركة حماس جماعة إرهابية، وقال: الجهاد الذي يقدم به الإسلاميون الإسلام للعالم هو الآن كالدواء الذي انتهت صلاحيته منذ القرن السادس عشر، عندما

стр. 245

امتلكت أوربا السلاح الناري، لم يعد ناجعا سواء كجهاد دفاعي أو جهاد هجومي وحسب، بل غدا سببا لهزائم المسلمين. من هزيمة الأمير عبد القادر في الجزائر، وهزيمة عرابي في مصر إلى هزائم ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، وهزيمة الانتفاضة الفلسطينية الثانية في مطلع القرن الحادي والعشرين. مع ذلك مازال شعار الجهاد ملازما للإسلاميين وجمهورهم الواسع كوسواس قهري يدرك المصاب به عبثيته ولكنه عاجز عن التخلص منه (١). بهذا الأسلوب الانهزامي يكتب العفيف الأخضر، فالدفاع عن الأوطان والأعراض وسواس قهري يدرك المصاب به عبثيته ولكنه عاجز عن التخلص منه. هذا ولم نسمع بهزيمة الانتفاضة الفلسطينية إلا في الصحف الإسرائيلية ومراكز القرار الصهيوني، بل هذا الخطاب كله ليس شائعا إلا فيها. إلى هذه الدرجة يبلغ حقد العلمانيين لأحكام الشريعة. لا داعي للخوف من الزنا . اعتبر محمد الشرفي في الإسلام والحرية (٨٩ - ٩٠ - ٩١) أن الزنا هو العلاقة الجنسية بين رجل وامرأة أحدهما متزوج بشرط أن يقترن بخيانة أحد الطرفين، وأما إذا كان بين غير متزوجين فلا. ودافع عن الزنا في صور راقية مثل معاشرة خليلة قبل الزواج أو خطيبين قبل الزواج (١٢٥ - ١٢٦ - ١٢٧). واعتبر أن منع ولد الزنا من الانتساب لأبيه ومنعه من الإرث ظلم وجور. واعتبر أن معاشرة خليلة خير وأرقى أخلاقيا من معاشرة ملكة اليمين. (١٢٧)

стр. 246

واعتبر أن ابن الزنا خير من الطفل المنجب من ملكة يمين (١٢٧). هكذا يدافع عن أطفال الدعارة وزير التربية والتعليم في حكومة الطاغية ابن علي الذي أطاح به الشعب التونسي البارحة يوم ١٤/ ٠١/٢٠١١ (١). وستتم الإطاحة إن شاء الله بمسخه ومسخ سلفه بورقيبة للشريعة. وتعجب من كون الشريعة تدين الدعارة مع ما يكون فيها من حب واحترام ومنطق (١٢٧). قبحه الله. وأخزاه في قبره، فقد غادر الدنيا غير مأسوف عليه سنة ٢٠٠٨. أما أركون فقد جعل مراقبة الحياة الجنسية بالعديد من المحظورات والمحرمات التي تقيد المرأة والشباب، والسلطة التي يتمتع بها الأب داخل الأسرة والطاعة العمياء من الابن لأبيه ومن البنت لأخيها ومن المرأة لزوجها ومن الابن الأصغر للابن الأكبر كل ذلك ينتج الانغلاق العقائدي الذي يجب تجاوزه والخروج منه. الأنسنة والإسلام (١٦٢ - ١٦٣). وأكد عبد المجيد الشرفي في الإسلام بين الرسالة والتاريخ (٨٥) على أخذ التحولات التي طرأت على العلاقة بين الرجال والنساء بالاعتبار، وهي التي قلصت من البعد الميثي المرتبط بها، ومكنت المرأة لأول مرة في التاريخ من أن تتحكم في جسدها وأن لا تحمل إلا بإرادتها. الربا حلال حلال . أكد العشماوي في جوهر الإسلام (٨٥) أن الربا المحرم في القرآن هو نظام قديم، كانت فيه الفائدة مرتفعة جدا، يهدف إلى إعسار المدين أو إفلاسه واسترقاقه (٢)، أما الربا المالي فيحدد الفائدة في ٤% إلى ٧% على أصل الدين، فهو

стр. 247

نظام آخر اقتضاه التطور الاجتماعي والتقدم الاقتصادي والتقارب العالمي وتحول النظام السياسي من نظام مجتمع القرية إلى نظام الدولة الحديثة. وزاد (٨٧) أن الربا القديم كان بين فرد وفرد، وأما في عصرنا. فبين فرد ومؤسسة. وزاد: فشبهة استغلال المؤسسة منتفية تماما. هكذا يكذب الرجل جهارا نهارا. وكرر عبد المجيد الشرفي في الإسلام بين الرسالة والتاريخ (٧١) كسابقه أن الربا لا معنى لتحريمه في عصرنا، لأن المحرم هو الربا الذي كان بين شخصين وكان أضعافا مضاعفة، أما في عصرنا فيتم بين شخص مادي أو معنوي من جهة ومؤسسة مصرفية من جهة ثانية، والمؤسسات المصرفية لم تكن موجودة في عهد النبي، فلا يجوز تحريم شيء غير موجود. وذكر مبررات أخرى. وانظر كتاب «البحث عن العقل» لمحمد نور فرحات (٢٥٦) في دفاعه عن ربا البنوك. وكذا «الإسلام والحرية» لمحمد الشرفي (١٣٢). شهادة المرأة . ذهب العلمانيون خلافا للشريعة الإسلامية إلى أن شهادة المرأة مثل شهادة الرجل. هكذا قال نصر أبو زيد في دوائر الخوف (٢٣٥)، وزاد: إن ما ورد بالقرآن بشأن شهادة المرأة كان وصفا لحالها وليس تشريعا أزليا لوضعيتها. ونحوه للجابري، فقد جعل ذلك استجابة لظروف معينة تتمثل في الوضعية الاجتماعية والتعليمية للمرأة التي لم تكن تأملها للقيام بهذه المهمة، لا أن الخطأ والنسيان من طبيعتها، واليوم وقد تحسنت أوضاع المرأة التعليمية فالمساواة هي الأصل (١).

стр. 248

وعند سيد القمني كيف نجعل شهادة عالمات الذرة والمهندسة والطبيبة والمحامية تساوي نصف شهادة بائع الملوخية، وكيف تجعل عالمة الانتروبولوجيا أو البيولوجيا عورة يجب أن تستتر، وأنها للسيد للذكر مجرد متاع (١). هكذا يستهزئ بأحكام الشريعة ويصورها بصورة مشوهة وحقيرة. القانون الجنائي الإسلامي قانون همجي وحشي . نالت الحدود الشرعية ما نال باقي أحكام الشريعة من تهجمات العلمانيين وسخريتهم. فاعتبر محمد الشرفي القانون الجنائي الإسلامي قانونا همجيا. بل في غاية الهمجية (٢). وأنه يحط من الكرامة (٣). وأن القرآن وضع أحكاما قاسية (٤). وأن قطع يد السارق أمر همجي بغيض، وحكم فظيع ومروع ووحشي (٥). وأن حد قتل المرتد ورجم الزاني: أشد الحدود قسوة وأقلها إنسانية، وزاد عن الأخير أنه فظيع وشنيع (٦). وأن الرجم والجلد حكمان لا إنسانيان ووحشيان (٧). وأن الرسول إنما امتثل في الرجم لعادة قديمة كانت سائدة في عصره (٨). وقال: إن الفقهاء قد أخذوا عادة قديمة (أي: الرجم) ووظفوها بما يوافق

стр. 249

أهواءهم، وألحقوها بالإسلام إلحاقا مفتعلا، شأنهم في هذا الحكم شأنهم في جل القواعد التي وضعوها (١). وأن حد الردة ابتدعه الفقهاء، وهي فكرة لا مثيل لها سوءا وشناعة وتدميرا لحرية المعتقد (٢). ولعل محمد الشرفي يريد أن يكفر كما يشاء، ويسب الله ورسوله والدين كما يحلو له، ويعاقر الباغيات ويعربد معهن كما يهوى، ولذلك فهو غضبان جدا من هذه الحدود التي ستمنعه من شهواته وتحقيق نزواته. وإذا كانت الحدود وحشية وهمجية في نظر الشرفي، ماذا عن رئيسه ابن علي الدكتاتور الذي كان وزيرا عنده، ولم سكت عنه؟ مع أنه عمل معه بل وحظي برضى سيده. أم أن أحكام الشريعة مستباحة لكل ناعق؟ وإضافة إلى تحالف منظري العلمانية مع الدكتاتوريات، هناك تحالف آخر أو قل محرك مركزي آخر يقف خارج المسرحية، فقد طبع كتاب الشرفي الذي نقلنا عنه هذه التهم الرخيصة بمساهمة القسم الثقافي للسفارة الفرنسية بالمغرب ونحن نعلم ما هو دور القسم الثقافي هذا، إنه باختصار لتجنيد أمثال الشرفي لخدمة المشروع الامبريالي العالمي التغريبي. هذا عن محمد الشرفي، وماذا عن غيره؟ اعتبر العفيق الأخضر الحدود الشرعية فظاعات وجذورا متعفنة يجب علينا أن نقطعها ونقطع معها (٣). ورجم الزانية عنده لا وجود له في القرآن، وإنما استعاره الفقهاء وأعداء المرأة من سفر التثنية التوراتي (٤).

стр. 250

وزاد أن العقوبات البدنية الشرعية «القصاص» التي ترجمها اليهود خلال الأسر البابلي من مدونة حامورابي تتعارض مع قيم حقوق الإنسان، وكذلك اللامساواة بين المسلم وغير المسلم وتعدد الزوجات والطلاق خارج المحكمة واعتبار المرأة قاصرة أبدية و «تناكحوا تناسلوا» وتحريم التعامل بالفوائد المصرفية تتعارض مع مصالح المرأة والمواطن والناس وحقوق الإنسان. وتكفير نظرية التطور والفلسفة والعلوم الإنسانية والجغرافيا والفيزياء الفلكية ونظرية تكون الجنين والتاريخ لأنها مناقضة لما جاء في القرآن دعوة تجهيلية للعودة بالمسلمين إلى ما قبل العلم الحديث الذي ظهر في القرن السابع عشر (١). وسمى الرجم: الطريقة الوحشية ... وقال متهكما: هذا العقاب السادي حتى العبث، مثل باقي الحدود الشرعية، هو الذي رصدته الشريعة «السمحاء» للزاني والزانية! (٢). واعتبر أن سبب انحطاط المسلمين هو شريعتهم الدموية المستنسخة من مدونة حامورابي، وأن ضحاياها بالآلاف. قال: السبب الأول لانحطاط المسلمين هو تشبثهم الذُهاني بهذه الشريعة الدموية التي تعامل الإنسان كحشرة ضارة. شريعة القصاص اليهودية، التي استنسختها الشريعة الإسلامية، مُستلهَمة من مدونة حامورابي في القرن ١٨ ق. م. أي: أن عمرها اليوم ٣٨ قرنا ومازالت حية تسعى وضحاياها في أرض الإسلام - في أرض الإسلام فقط - بالألوف! (٣).
следующие страницы →