← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96927

العلمانيون العرب وموقفهم من الإسلام

مصطفى باحو

Полный текст (384 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

واعتبر أن ابن الزنا خير من الطفل المنجب من ملكة يمين (١٢٧). هكذا يدافع عن أطفال الدعارة وزير التربية والتعليم في حكومة الطاغية ابن علي الذي أطاح به الشعب التونسي البارحة يوم ١٤/ ٠١/٢٠١١ (١). وستتم الإطاحة إن شاء الله بمسخه ومسخ سلفه بورقيبة للشريعة. وتعجب من كون الشريعة تدين الدعارة مع ما يكون فيها من حب واحترام ومنطق (١٢٧). قبحه الله. وأخزاه في قبره، فقد غادر الدنيا غير مأسوف عليه سنة ٢٠٠٨. أما أركون فقد جعل مراقبة الحياة الجنسية بالعديد من المحظورات والمحرمات التي تقيد المرأة والشباب، والسلطة التي يتمتع بها الأب داخل الأسرة والطاعة العمياء من الابن لأبيه ومن البنت لأخيها ومن المرأة لزوجها ومن الابن الأصغر للابن الأكبر كل ذلك ينتج الانغلاق العقائدي الذي يجب تجاوزه والخروج منه. الأنسنة والإسلام (١٦٢ - ١٦٣). وأكد عبد المجيد الشرفي في الإسلام بين الرسالة والتاريخ (٨٥) على أخذ التحولات التي طرأت على العلاقة بين الرجال والنساء بالاعتبار، وهي التي قلصت من البعد الميثي المرتبط بها، ومكنت المرأة لأول مرة في التاريخ من أن تتحكم في جسدها وأن لا تحمل إلا بإرادتها. الربا حلال حلال . أكد العشماوي في جوهر الإسلام (٨٥) أن الربا المحرم في القرآن هو نظام قديم، كانت فيه الفائدة مرتفعة جدا، يهدف إلى إعسار المدين أو إفلاسه واسترقاقه (٢)، أما الربا المالي فيحدد الفائدة في ٤% إلى ٧% على أصل الدين، فهو

стр. 247

نظام آخر اقتضاه التطور الاجتماعي والتقدم الاقتصادي والتقارب العالمي وتحول النظام السياسي من نظام مجتمع القرية إلى نظام الدولة الحديثة. وزاد (٨٧) أن الربا القديم كان بين فرد وفرد، وأما في عصرنا. فبين فرد ومؤسسة. وزاد: فشبهة استغلال المؤسسة منتفية تماما. هكذا يكذب الرجل جهارا نهارا. وكرر عبد المجيد الشرفي في الإسلام بين الرسالة والتاريخ (٧١) كسابقه أن الربا لا معنى لتحريمه في عصرنا، لأن المحرم هو الربا الذي كان بين شخصين وكان أضعافا مضاعفة، أما في عصرنا فيتم بين شخص مادي أو معنوي من جهة ومؤسسة مصرفية من جهة ثانية، والمؤسسات المصرفية لم تكن موجودة في عهد النبي، فلا يجوز تحريم شيء غير موجود. وذكر مبررات أخرى. وانظر كتاب «البحث عن العقل» لمحمد نور فرحات (٢٥٦) في دفاعه عن ربا البنوك. وكذا «الإسلام والحرية» لمحمد الشرفي (١٣٢). شهادة المرأة . ذهب العلمانيون خلافا للشريعة الإسلامية إلى أن شهادة المرأة مثل شهادة الرجل. هكذا قال نصر أبو زيد في دوائر الخوف (٢٣٥)، وزاد: إن ما ورد بالقرآن بشأن شهادة المرأة كان وصفا لحالها وليس تشريعا أزليا لوضعيتها. ونحوه للجابري، فقد جعل ذلك استجابة لظروف معينة تتمثل في الوضعية الاجتماعية والتعليمية للمرأة التي لم تكن تأملها للقيام بهذه المهمة، لا أن الخطأ والنسيان من طبيعتها، واليوم وقد تحسنت أوضاع المرأة التعليمية فالمساواة هي الأصل (١).

стр. 248

وعند سيد القمني كيف نجعل شهادة عالمات الذرة والمهندسة والطبيبة والمحامية تساوي نصف شهادة بائع الملوخية، وكيف تجعل عالمة الانتروبولوجيا أو البيولوجيا عورة يجب أن تستتر، وأنها للسيد للذكر مجرد متاع (١). هكذا يستهزئ بأحكام الشريعة ويصورها بصورة مشوهة وحقيرة. القانون الجنائي الإسلامي قانون همجي وحشي . نالت الحدود الشرعية ما نال باقي أحكام الشريعة من تهجمات العلمانيين وسخريتهم. فاعتبر محمد الشرفي القانون الجنائي الإسلامي قانونا همجيا. بل في غاية الهمجية (٢). وأنه يحط من الكرامة (٣). وأن القرآن وضع أحكاما قاسية (٤). وأن قطع يد السارق أمر همجي بغيض، وحكم فظيع ومروع ووحشي (٥). وأن حد قتل المرتد ورجم الزاني: أشد الحدود قسوة وأقلها إنسانية، وزاد عن الأخير أنه فظيع وشنيع (٦). وأن الرجم والجلد حكمان لا إنسانيان ووحشيان (٧). وأن الرسول إنما امتثل في الرجم لعادة قديمة كانت سائدة في عصره (٨). وقال: إن الفقهاء قد أخذوا عادة قديمة (أي: الرجم) ووظفوها بما يوافق

стр. 249

أهواءهم، وألحقوها بالإسلام إلحاقا مفتعلا، شأنهم في هذا الحكم شأنهم في جل القواعد التي وضعوها (١). وأن حد الردة ابتدعه الفقهاء، وهي فكرة لا مثيل لها سوءا وشناعة وتدميرا لحرية المعتقد (٢). ولعل محمد الشرفي يريد أن يكفر كما يشاء، ويسب الله ورسوله والدين كما يحلو له، ويعاقر الباغيات ويعربد معهن كما يهوى، ولذلك فهو غضبان جدا من هذه الحدود التي ستمنعه من شهواته وتحقيق نزواته. وإذا كانت الحدود وحشية وهمجية في نظر الشرفي، ماذا عن رئيسه ابن علي الدكتاتور الذي كان وزيرا عنده، ولم سكت عنه؟ مع أنه عمل معه بل وحظي برضى سيده. أم أن أحكام الشريعة مستباحة لكل ناعق؟ وإضافة إلى تحالف منظري العلمانية مع الدكتاتوريات، هناك تحالف آخر أو قل محرك مركزي آخر يقف خارج المسرحية، فقد طبع كتاب الشرفي الذي نقلنا عنه هذه التهم الرخيصة بمساهمة القسم الثقافي للسفارة الفرنسية بالمغرب ونحن نعلم ما هو دور القسم الثقافي هذا، إنه باختصار لتجنيد أمثال الشرفي لخدمة المشروع الامبريالي العالمي التغريبي. هذا عن محمد الشرفي، وماذا عن غيره؟ اعتبر العفيق الأخضر الحدود الشرعية فظاعات وجذورا متعفنة يجب علينا أن نقطعها ونقطع معها (٣). ورجم الزانية عنده لا وجود له في القرآن، وإنما استعاره الفقهاء وأعداء المرأة من سفر التثنية التوراتي (٤).

стр. 250

وزاد أن العقوبات البدنية الشرعية «القصاص» التي ترجمها اليهود خلال الأسر البابلي من مدونة حامورابي تتعارض مع قيم حقوق الإنسان، وكذلك اللامساواة بين المسلم وغير المسلم وتعدد الزوجات والطلاق خارج المحكمة واعتبار المرأة قاصرة أبدية و «تناكحوا تناسلوا» وتحريم التعامل بالفوائد المصرفية تتعارض مع مصالح المرأة والمواطن والناس وحقوق الإنسان. وتكفير نظرية التطور والفلسفة والعلوم الإنسانية والجغرافيا والفيزياء الفلكية ونظرية تكون الجنين والتاريخ لأنها مناقضة لما جاء في القرآن دعوة تجهيلية للعودة بالمسلمين إلى ما قبل العلم الحديث الذي ظهر في القرن السابع عشر (١). وسمى الرجم: الطريقة الوحشية ... وقال متهكما: هذا العقاب السادي حتى العبث، مثل باقي الحدود الشرعية، هو الذي رصدته الشريعة «السمحاء» للزاني والزانية! (٢). واعتبر أن سبب انحطاط المسلمين هو شريعتهم الدموية المستنسخة من مدونة حامورابي، وأن ضحاياها بالآلاف. قال: السبب الأول لانحطاط المسلمين هو تشبثهم الذُهاني بهذه الشريعة الدموية التي تعامل الإنسان كحشرة ضارة. شريعة القصاص اليهودية، التي استنسختها الشريعة الإسلامية، مُستلهَمة من مدونة حامورابي في القرن ١٨ ق. م. أي: أن عمرها اليوم ٣٨ قرنا ومازالت حية تسعى وضحاياها في أرض الإسلام - في أرض الإسلام فقط - بالألوف! (٣).

стр. 251

والحدود الشرعية عند العفيف الأخضر تشكل اليوم جريمة موصوفة وانتهاكا استفزازيا لشريعة حقوق الإنسان العقلانية والإنسانية الكونية (١). واستنكر العفيف الأخضر ذبح الحيوان على الطريقة الإسلامية وسخر منها محبذا طريقة أسياده ومربيه، قال عن الشريعة الإسلامية بعد أن سماها «شريعة حامورابي»: وتحرم وتجرم القتل الرحيم للحيوانات المعمول به في جميع مسالخ العالم تقريبا إلا مسالخنا حيث نذبح الحيوانات وهي تصرخ وتتبوّل من شدة الألم!. وقسوة الشريعة الإسلامية على الإنسان والحيوان عنده هي إحدى تجلّيات العنف العتيق الذي أنزله الإنسان بالإنسان وحيوان الصيد. فقد أكل الإنسان الإنسان لملايين السنين كما برهنت على ذلك الباليونتولوجيا [= علم الأحافير] (٢). ولقد أحسن العلماني نادر قريط حيث قال معقبا على مقال العفيف الأخضر: لا أنكر صدمتي بالمقال ليس حبا بالشريعة القروسطية (٣) وقطع الأيدي والإرجل من خلاف، بل لأمر آخر، فقد كنت أنتظر من المثقف التونسي الأبرز واليساري السابق رأيا فيما حدث ويحدث في تونس .. الشريعة والسودان والترابي أشبه بطبخة بائتة تثير التقيؤ .. أما تونس فنموذج للأمل والحرية .. أستغرب أن يمتلك المرء في شبابه عاطفة يسارية نقعها حب الشعب، ثم يُلقي خريفه في صقيع العقل وبروده .. في كل قراءاتي المتأخرة للعفيف لمست تبجيله للنظام التونسي واعتباره نموذجا للعلمنة وحرية المرأة وهذا حق (يُراد به حق) لكنه كان لا يرى

стр. 252

الوجه الآخر للعملة .. وكلاعب يحترف لعبة اللغة كان يُلمع بشطارة صورة الاستبداد المافيوزي .. العفيف ويا للعنة كان طبالا لغزو وتمزيق العراق وقيام دولة حثالات الطوائف وفرق الموت، بحجة القضاء على ديكتاتورية بغيضة .. في كلا الحالتين مفارقة عجيبة .. والأعجب برأيي أن يخسر الإنسان عقله وقلبه بآن معا، في هذه الحالة يصبح موت المثقف أمرا مؤكدا (١). قلت: وهذا غير خاص به فكل العلمانيين التونسيين كانوا يباركون خطوات الطاغية ابن علي، ونفس الشيء فعله علمانيو سوريا ومصر وغيرها. وقال هاشم صالح عن القانون الجنائي: كلها قوانين لا يمكن المحافظة عليها في هذا العصر، إنها مضادة للنزعة الإنسانية ولكرامة الإنسان في الصميم (٢). وأكد عبد المجيد الشرفي أن حد الردة لا وجود له في القرآن، والحديث الوارد فيه ضعيف (٣). وأما القصاص بالقتل فقد كان مناسبا لمجتمع قديم قبلي بسيط. أما بعد وجود مؤسسات الدولة الحديثة فلم يعد له مبرر (٤). وقطع يد السارق كان مناسبا لظروف مجتمعات بدائية، وليس حكما مقصودا لذاته، فكلما حقق الردع فهو هدف القرآن (٥).

стр. 253

وجلد الزاني كان مناسبا لمجتمع بدوي يعير نقاوة النسب أهمية بالغة (١). فنقاوة الأنساب لا عبرة بها عنده. وقال عادل ظاهر عن الحدود الشرعية: هي موجهة لجماعة معينة في ظل ظروف تاريخية واجتماعية معينة ولا تجد بحكم طبيعتها تطبيقا لها إلا في ظل ظروف مماثلة، إذن فهي لا تعنينا ولا يجوز أن تعنينا الآن، خصوصا وأننا قد تجاوزنا بما لا يقاس الظروف التي قد تكون قد جعلت العمل بموجب هذه الأحكام أمرا مناسبا (٢). وسخر فرج فودة في كتابه «نكون أو لا نكون» (٧٨) من الحدود. واعتبر أن الرجم حد مستحيل التطبيق (٣)، وأن شروط الشريعة في الزنا قاسية، بل ومستحيلة، وفضل القوانين الوضعية عليها (٤). واعتبر القمني أن حكم حد الردة لم يعرفه الإسلام والمسلمون إلا زمن أبي بكر وقد وضعه لتحقيق هدف سياسي لصالح خلافته وبهدف القضاء على المعارضين لخلافته باسم الإسلام، والإسلام منه بريء (٥). وقال في انتكاسته: الموجود في كل هذه المصادر (أي: القرآن والحديث والفقه والسيرة) هو نظام عقابي لا نظام قانوني حقوقي، والموجود لدينا هوفقه عبودية وجهاد وحرب وسبي وجزية وتقطيع أوصال البشر أحياء، نظام عقابي انتقامي لا نظام تهذيبي تأديبي.

стр. 254

الدية . الدية في نظر العشماوي كانت سببا وجيها في بداية عهد المؤمنين أي: الإبقاء على حياة رجل مؤمن إن عفا عنه المعتدى عليه أو ولي دمه فيتكاثر المؤمنون في مواجهة الكفار. وأما في العصر الحالي فإن تطبيقه يؤدي إلى خلل رهيب إذ يستهين من يملك المال بأرواح الناس ونفوسهم مادام يستطيع أن يدفع الدية. ولذلك فالأوفق في نظره هو ما عليه القوانين الوضعية (١). موقف الإسلام من المرأة عنصري . ذكر نصر أبو زيد في دوائر الخوف (٢٩) أن الخطاب الديني حول المرأة طائفي عنصري. وذكر محمد الشرفي في الإسلام والحرية (١٠٣) أن قواعد الفقه الإسلامي منافية لحقوق الإنسان وهي قواعد معادية لمبادئ الحرية الفردية والمساواة بين جميع البشر من جهة وبين الرجل والمرأة من جهة أخرى. وذكر في موضع آخر من كتابه (١٢٧) أنه لا مساواة فيه، وأنه قانون تمييز في أساسه، وأن قوانين الفقه الإسلامي جائرة، وبالغة القسوة. واعتبر القمني عدم المساواة بين الرجل والمرأة ظلما (٢). الحجاب والعورة والعفة مفاهيم بالية، يجب تجاوزها . لا معنى للحجاب والعفة والحياء والحشمة في نظر العلمانيين، فهذه مفاهيم

стр. 255

ارتبطت بتاريخها وبيئتها، وكانت تعتبر تقدما ورقيا في زمانها، أما الآن فالأمور تغيرت وتبدلت. وشرائع الإسلام وأحكامه بل وعقائده كانت مرتبطة بواقع تاريخي معين، وبالتالي يجب تجاوزها وإحلال النظم الغربية معها لأنها الأقدر على التعبير عن هموم العصر وملابساته. فنصر أبو زيد مثلا يرى في كتابه دوائر الخوف (٢٣٧) أن العورة ليست مفهوما مفارقا لبنية الثقافة في سياقها السوسيوتاريخي. وقال (١٢٥): إن حبس المرأة في زي الحجاب تجسيد رمزي للتغطية على عقلها ووجودها الاجتماعي هو عملية قتل شبيهة بعملية الانتحار الشعائري المؤقت المشار إليها في حداد المرأة المصرية. وسمى الحجاب سجنا (١١٦). واعتبر أركون الحجاب قيما عتيقة بالية عفا عليها الزمن (١). وجعله محمد الشرفي غلا من الأغلال (٢). وأما محمود محمد طه العلماني السوداني فيرى أن الحجاب ليس أصلا في الإسلام، وإنما الأصل هو السفور (٣). وإنما كان الأصل في الإسلام السفور لأنه حرية، والأصل في الإسلام هو الحرية (٤). وكتاب طه المذكور هنا مليء بالسفه والحمق والجهالات التي تتدافع

стр. 256

كموج البحر، وهو لا يقر على حال ولا رأي، تارة إسلامي، وتارة علماني، وتارة غنوصي، وتارة زنديق، وتارة صاحب هوى، يقول كل ما بدا له، ولم أر في العلمانيين أكثر تخليطا منه. ومن أغبى جهالاته زعمه أن المسلمين أمة لم يجيئوا بعد، ولقد تنبأ النبي بمجيئهم في آخر الزمان. وأما الموجودون حاليا فهم المؤمنون (١). في حين لا معنى للحديث عن العورة والحجاب حسب علي حرب، قال: إنه في ظل انتشار أفلام البورنو والمجلات الإباحية لا يجدي أن نقول إن الجسد عورة وأن الحجاب ستر وأنه لا ينبغي أن نغلق الحانات والبارات (٢). وغضب عبد الوهاب المؤدب كثيرا لعودة الحجاب، قال في أوهامه: علي أن أعترف بأنني أصبت بما يشبه الصدمة حين عادت النساء إلى التحجب أمام عيني في أحد حصون الحرية والثقافة الغربية، أعني فرنسا، وفي باريس بالذات (٣). وعند خليل عبد الكريم انتقل الحجاب إلى المسلمين من الدولة الساسانية الفارسية (٤). وفي كتاب آخر له قرر أن الحجاب والنقاب وغيرها من الشعائر الإسلامية التالية هي عادات عربية تسربت إلى الإسلام، كالحجاب والنقاب وعمل المرأة وحبسها في البيت، والفصل بين الجنسين في معاهد التعليم ومنع الآلات الموسيقية خلا الدف والذهاب إلى الجامعة على ظهر ناقة (كذا قال المهرج) والذهاب إلى قضاء الحاجة في الخلاء (الصحراء) في جماعة متشابكة

стр. 257

الأيدي (كذا قال المهرج)، والاستجمار بثلاثة أحجار بدل الماء (كذا قال المهرج)، وتحريم الفنون الجميلة: الموسيقى، المسرح، السينما، الأوبرا ... إلخ، ولبس شورت للرياضة للرجال تحت الركبة ... ولعب الفتيات الرياضة في الخفاء بعيدا عن عيون الناظرين، وتحريم الربا ما لم يتحول اسمها من فوائد إلى عوائد أو أرباح ... إلى آخره تهريجه (١). كل هذا في نظر مهرجنا أعراف قبلية سابقة على الإسلام (٢). فليس الإسلام في حسبانه إلا دين الجاهلية والسلام. وممن يجيد التهريج من المصريين كذلك، بل هو سيدهم في ذلك كله: سيد القمني، فالحجاب عادة لا تعرفها المصريات إلا عند بعض الطبقات المصرية المالكة، والأكثر ثراء، ومع ثورة ١٩١٩ قرر المجتمع المصري المساواة بين مواطنيه، فخلعت المرأة المصرية الحجاب (٣). ومع ما أسموه الصحوة كما يقول القمني عاد الحجاب والنقاب عابقا برائحة النفط الصحراوي الجافة القاسية (٤). وهكذا تحول الشعب المصري إلى شعب مسلوب الإرادة وخاضع للأوامر (٥). وهدف السعودية في نظر سيد التهريج طبعا هو الثأر لهزيمتها زمان محمد

стр. 258

علي. وهدفها نشر الفوضى والدمار الأخلاقي (١). وهكذا حسب سيد التهريج دفعت السعودية لهذا الغرض ٧٠ مليار دولار (مثل ثروة مبارك، ما أدري ما للمصريين وهذا الرقم). وبالتالي تم اختراق مفاصل الدولة المصرية العريقة ومؤسساتها ونخرها بالسوس الوهابي، كما قال (٢). وسمى الحجاب الأداة القامعة (٣). في حين أكد طيب تزيني أن منع سفور المرأة له علاقة بهيمنة المجتمع الذكري تاريخيا، بل زاد أن هذه المسألة أصلها من العقيدة النصرانية (٤). وأيد العفيف الأخضر قرار فرنسا منع الحجاب واعتبر أنه لا يوجد مبرر موضوعي لهذا القطاع من المثقفين لكي يؤيد الحجاب، واعتبر أن منع الحجاب يجعل المرأة أكثر كرامة (٥). ولما سأله مناحم ميلسون: كيف يجعل منع الحجاب المرأة أكثر كرامة؟ قال العفيف الأخضر: لأنه يرد لجسدها الاعتبار. لماذا؟ لأن جسد الرجل عورة جزئية: من السرة إلى الركبة. أما جسد المرأة فكله عورة - عدا الوجه والكفين - حتى في قيمة جسدها ليست المرأة المسلمة مساوية للرجل المسلم! يري محلل نفسي فرنسي أن الإسلاميين الفرنسيين يطالبون بالحجاب لأن شعر المرأة يذكرهم بشعر لها في مكان آخر [= شعر العانة] فتهيج غرائزهم. وهذا اختزال

стр. 259

للمرأة إلى جنس. ويكون الحجاب في هذه الحالة «حلا» سخيفا لكبت الإسلاميين الجنسي. وهذا معناه لا شعوريا أن كل امرأة سافرة بغيّ يحق لكل مسلم أن يغتصبها. لذلك منع فقهاء الإسلام على الجارية المسلمة أن تتحجب. وكذلك منعوا على المرأة غير المسلمة أن تتحجب ... أي: أنه يحق للمسلم أن يغتصبها متى شاء. وهذا كان مدلول الحجاب عند كهنة بابل في القرن ١٨ قبل الميلاد! المرأة المتحجبة حرة مملوكة لرجل بابلي حر لا يجوز لأي رجل آخر أن يغتصبها. أما المرأة السافرة فهي امرأة سافلة اغتصابها مشروع!. وهكذا فدلالات الحجاب التاريخية والسوسيولوجية، الأنثروبولوجية والسيكولوجية (١) ... كلها تشير إلى الحط من كرامة المرأة (٢). ولعلي في غنى عن التعليق على هذا السفه. فهو كما قال صديقه القمني عن غيره: لا يمكن تصنيفه ضمن أبواب النقد المثمر بقدر ما كان لونا من السفه والبذاءات المتكررة الدائمة (٣). الاختلاط . الاختلاط حسب محمود طه هو الأصل في الإسلام (٤). وحسب محمد الشرفي أمر أساسي (٥).

стр. 260

المساواة التامة بين الرجل والمرأة . ذكر عادل الجندي أن من أهداف العلمانية المساواة التامة بين الرجل والمرأة وبين المؤمنين وغير المؤمنين وبين المعتقدات (١). في حين أكد محمود محمد طه على أن عدم المساواة بين الرجال والنساء ليس أصلا في الإسلام، وإنما الأصل هو المساواة، لكن نظرا للظروف التي وجد فيها فرق في بعض الأحكام، مع أن مراد الدين هو المساواة (٢). من صور التمييز ضد المرأة: عدد محمد الشرفي في الإسلام والحرية من صور التمييز ضد المرأة والحيف لصالح الرجل: تعدد الزوجات للرجل بينما لا يسمح للمرأة بمثل ذلك (٦٠)، وإلزام المرأة بالعدة (٦٢)، وإلزام الرجل بالغيرة على زوجته (٦٣) وحق الزوج في ضرب زوجته (٦٦)، وإسناد ولاية الأبناء للأب في حالة الطلاق (٦٦)، والحضانة للأم وتوزيع الإرث على أساس للذكر مثل حظ الانثيين ولبس النقاب والحجاب وغيرها (٦٦). أحكام الزواج والطلاق . اعتبر محمد الشرفي في الإسلام والحرية (١٢٤) أن الأحكام الواردة في القرآن كالزواج والطلاق ونحوها مجرد توجيه ونصيحة عامة، وعلى المشرع وضع القوانين الصالحة لكل مجتمع بما يراه أهله وفق انتخابات ديمقراطية.

стр. 261

وأن آية الطلاق ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ مجرد توصيات (١٢٢)، أملتها الظروف (١٢٣). واعتبر أن تعليق الطلاق بيد الرجل أملته ظروف مجتمع يسيطر عليه الرجال (١٢٣). والواجب تعليق الطلاق بيد القاضي (١٢٢ - ١٢٣). أما بلديه ورفيق دربه عبد المجيد الشرفي فعدة المطلقة أو المتوفى عنها زوجها يغني عنها في عصرنا الوسائل العلمية للتأكد من حمل المرأة من عدمه (١). وعليه فلا ينبغي الركون إلى الوسائل البدائية والتمسك بحرفية النصوص من غير محاولة فهم الغرض منها على ضوء تقدم العلم (٢). وأما نكاح ملك اليمين، فقال عنه القمني في انتكاسته (٩٢): اغتصاب يعاقب عليه بالإعدام. تعدد الزوجات . حسب عبد المجيد الشرفي في الإسلام بين الرسالة والتاريخ (٨٢ - ١٥٨) لم يكن إلا تكريسا لما كان معهودا في الجاهلية، سعيا لزيادة عدد المسلمين. وتهجم بلديه محمد الشرفي في الإسلام والحرية (٧ - ١٠٢ - ١٤٤) على تعدد الزوجات مرارا. واعتبر محمود محمد طه في الرسالة الثانية (١٦٢) أن تعدد الزوجات ليس أصلا في الإسلام وما حدث منه كان استجابة لظروف معينة.

стр. 262

شرب الخمر وأكل الدم ولحم الخنزير شأن خاص . قال القمني في انتكاسته (١٦١): ومن تَعِفْ نفسه شرب الخمر أو أكل الدم أو لحم الخنزير فلا يفرضها على غيره، فهي شؤون ذاتية تتعلق بالذوق الخاص جدا، ولا تلزم الآخرين بها. أحكام أخرى مختلفة . سخر القمني في انتكاسته (١٥٩) مكذبا بكون الأدعية تأتي بالمراد، أو أن الصلاة سبب لسقوط المطر، أو أن رجم إبليس له قيمة خاصة لأن على طول مدة الرجم على مر العصور فإنه بحسب أهل الدين لم يرتدع عن إغوائه المؤمنين. وأنكر في كتابه أهل الدين والديمقراطية (١٤) الرقية بالقرآن، بل جعلها سبيلا إلى مزيد من المرض واستفحاله وأذى الناس والتجارة بأمراضهم وعللهم وهي أسوأ تجارة ممكنة وأكثرها نكارة وبشاعة. وأنكر أن يكون المرض سببه الابتلاء أو العقاب من الله (١٤). وتساءل في انتكاسته (٩٧) مستهزءا: كيف لم توجد آية الدستور؟ أليست أهم من الفيل والبقرة والنمل والجن؟ ولماذا لا توجد سورة الإرادة الشعبية؟ ولماذا لا يوجد باب في صحاح الحديث بعنوان حقوق الإنسان مثله مثل باب النكاح؟ في حين اعتبر مفتي الشيوعية خليل عبد الكريم أن صلاة الاستسقاء والكسوف ودعاء الريح وكف الصبيان والماشية بعد الغروب كلها معطيات تاريخية تأثرت بالبيئة التي ظهرت فيها والمجتمع الذي وردت فيه، أي أنها تسربت للإسلام من بيئته ومن الأعراف والتقاليد العربية البدوية (١).

стр. 263

لكن يبقى فرج فودة هو ألد أعداء تطبيق الشريعة، كما هو واضح من خلال كتبه، بل برنامجه ومشروعه مختصر في نقطة واحدة هي: عدم تطبيق الشريعة. وهو يعتبر الدعوة إلى تطبيق الشريعة دعوة إلى قلب نظام الحكم (١). وقد كتب منددا بما فعله مستثمر سعودي لما أشرف على فندق في مصر ومنع تقديم الخمر. وأغضب هذا كثيرا فرج فودة، واستعدى بالدولة لمنع التلاعب بقوانين الدولة المصرية ناصحا إياه بالتراجع عن هذه الفعلة الشنيعة، وأن مصر ليست في حاجة إلى ريالاته وطالب وزير السياحة بسحب التراخيص منه ومن أمثاله. وطالب السعودي بالتأدب والرحيل لبلده لتحقيق مشاريعه (٢). لهذه الدرجة يكره القوم الشريعة وأحكامها.

стр. 264

الأخلاق تنظر العلمانية إلى الأخلاق كقيم نسبية تتغير من عصر إلى عصر، ومن مكان إلى مكان. وأن القيم الدينية يجب تجاوزها بل هي أصبحت بالية، ويجب فصل الدين عن المنظومة الأخلاقية، فأخلاق كل زمان بحسبه، فإذا كان مفهوم العفة الديني يناهض الزنا والشذوذ الجنسي وزنا المحارم والسفور، فإن العلمانية تربط الأخلاق والقيم لا بالثوابت، ولكن بالتاريخ والزمن كما يقول عزيز العظمة (١). والأخلاق كما يقول عادل ظاهر: نشاط معرفي مستقل منطقيا عن الدين (٢). وقد خصص الفصل السابع في كتابه «الأسس الفلسفية للعلمانية» لبيان أن أساس الأخلاق ومرجعها المعرفي هو الإنسان والطبيعة، لا الله والدين (٣). يقصد أن الأخلاق شيء يصنعه ويبدعه الإنسان بعقله وتجاربه، ويجب عدم إقحام الدين في هذا المجال، وأن المعايير الخيرية الأخلاقية مستقلة منطقيا عن الله. وهذا ما أكد عليه القمني حيث جعل الأخلاق مسألة معيارية ومجموعة قيم متغيرة دوما بتغير البنى التحتية (٤). وقال: فالمعروف هو ما تعارفت عليه قيم وعادات زمانه، والمنكر هو ما أنكره العرف الاجتماعي وقيم زمانه (٥). وأطال القمني في فصل خاص في انتكاسته (١٤٢ - ١٤٣) بيان أن القيم هي

стр. 265

أحكام بشرية يصدرها الفرد أو المجتمع كناتج لعلاقة تفاعلية بين الفرد والمجتمع. وذكر أنها متغيرة ومتطورة حسب الزمان والمكان، وزاد: إن القيم التي وضعتها الحضارة الإنسانية هي الأصدق من القيم المحكية عن الفقهاء والكتب التراثية في شكل كتالوغات غير حقيقية (١٤٦ - ١٤٧). بل الأدهى من هذا إن القول بالقيم الدينية في نظر القمامي لا يترتب عليها إلا الضرر (١٤٨). أو بعبارة محمد أركون الذي أكد على تاريخية القيم الأخلاقية وأن إلغاء هذه التاريخية وتحويل هذه المعطيات الاجتماعية إلى نوع من المعايير المثلى والأحكام المتعالية والمقدسة مشكلة جذرية (١). وبالتالي فالأخلاق الدينية مفاهيم متجاوزة، حسب أركون، يقول: فالروحانية والأخلاق التقليدية عفا عليها الزمن ولم تعد بقادرة على التأثير في الحياة الحديثة. ثم ذكر أن الغرب منخرط الآن في إيجاد مفاهيم جديدة للأخلاق (٢). ودعا إلى الخروج من منظومة الأخلاق الإسلامية بتأسيس علم سماه: ما فوق الأخلاق، أي: علم يدرس كل الأنظمة الأخلاقية المختلفة من نقطة خارجها لفهم أوجه تشابهها واختلافها وآليات اشتغالها (٣). هذا المشروع يقوم على نقد القيم الأخلاقية الإسلامية المرتكزة على القرآن، وبيان أن القيم تتغير وتتبدل وتخضع لتقلبات التاريخ (٤).

стр. 266

وتحدث أركون عما سماه تفسخ القيم القديمة وحلول قيم جديدة محلها (١). من هنا لاحظ أركون كيف أن الفكر الإسلامي يخلط بين ما هو ديني بما هو أخلاقي، فمثلا قيم القناعة والكفاية والكفاف والصبر والزهد والضيافة والكرم والحرص والشره والبخل يعرض لها الذهبي في كتاب الكبائر على أن الإخلال بها خطيئة في حق الله. وهذا ما لا ترضاه علمانية أركون، ولابد في نظره من التمييز بين الديني والدنيوي (٢). حتى مفاهيم مثل القناعة والصبر والضيافة والكرم يرغب العلمانيون في فك ارتباطها بالدين، مما يؤكد أن العلمانية هي الوجه الحديث للإلحاد بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. بينما اعتبر القمني أن القيم الوضعية هي الأصل لا القيم الأخلاقية الإلهية البدائية. قال القمني عن القيم الإسلامية زمن الدعوة الإسلامية: لا يعني أنها كانت قيما دينية، بقدر ما كانت مغرقة في ذاتيتها وبدائيتها وغرائزيتها، بحكم زمنها وطبيعة بيئتها القاسية (٣). ونقل عن العلمانيين أن القيم الوضعية الإنسانية التي تعارف الناس عليها، وتوافقوا بشأنها في مجتمع بعينه في زمن بذاته، هي التي تشرح لنا القيم الإلهية وتفسرها (٤). فالقيم العلمانية الوضعية هي التي تفسر القيم الإلهية، ولنضرب مثلا لذلك مفهوم العفة في عصرنا يعني تحرير المرأة من كل الأحكام المسبقة والفروض

стр. 267

الدينية الأخلاقية، وعليه فالعلاقات الثنائية، بل التواصل الجنسي بين الرجل والمرأة لا غبار عليه، وهذا المفهوم هو الذي يفسر لنا مراد الله بأخلاق المرأة والعفة بمفهومها الإسلامي. وهكذا يسحب القمني قمامته على الدين الحنيف الطاهر العفيف المنزه عن القمامات. ونقل مؤيدا عن جَرْو علماني اسمه راضي عاقل قوله: بينما الدين عموما والإسلام خصوصا هو نقيض الأخلاق، ويساهم بشكل فعال في تشويه نفسية المؤمنين به وقتل حسهم الأخلاقي (١). والحاصل أن الأخلاق في المفهوم العلماني تقطع مع أية ثوابت أو أديان أو مطلقات، فهي مسألة اجتماعية نسبية، تخضع للتطور والتحول، وكل مجتمع يرسم الأخلاق التي تناسبه. فما قد يكون فضيلة هنا، قد لا يكون كذلك في مجتمع آخر. أو بعبارة فلسفية: فالأخلاق لا علاقة لها بالفضيلة أو الاحتياجات الروحية أو المعنى، وإنما لها علاقة بالسعادة (اللذة) والمنفعة، وبالتالي عُرِّف الخير والشر تعريف ماديا كميا، فالخير هو ما يدخل السعادة (اللذة) والشر هو عكس ذلك هو ما يسبب الألم والضرر (٢). فإن أدى الفرد واجبه على أكمل وجه فهو مواطن خير صالح جيد (حتى ولو كان هذا الواجب هو إبادة المعوقين والمرضى والعجزة وأعضاء الأقليات). وإن تقاعس في الأداء وانخفضت الكفاءة فهذا هو الشر. كما يقول المسيري (٣). هنا يتم قطع أية صلة بين الدين والقيم. وتتحول القيم إلى منفعة مادية.

стр. 268

وعليه فأنا أرى أن العلمانية تختزل في المادية أو بحسب عبارة ماركس: لا إله والحياة مادة، هذا هو جوهر العلمانية من أولها إلى آخرها. ولا يبقى للقيم الدينية أية قيمة معيارية، ولهذا تجاوزت الحضارة الغربية العلمانية كل المفاهيم الدينية الأخلاقية، فمسألة الشذوذ الجنسي تعتبر حقا من حقوق الإنسان، بل سيطر الشواذ على لجان تابعة للأمم المتحدة (١). والتوقيع على وثيقة إلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة cedaw يجعل معارضة الشذوذ الجنسي ولو برسم كاريكاتوري عملا يعرض صاحبه للمساءلة القانونية، لكونه معارضة لحقوق الإنسان (٢). واتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل تنص على أن للطفل حرية الشذوذ الجنسي مع الكبار، والاعتراف بحرية الشذوذ شرط من شروط الدخول إلى الاتحاد الأوربي على تركيا (٣). ولأن الأخلاق الدينية كالعفة متجاوزة كان أوجست كونت صاحب الفلسفة الوضعية أعانته بغي على صياغة المذهب أثناء احترافها البغاء، ثم تزوجها ثم انفصل عنها، ليهيم بامرأة متزوجة من رجل هارب من مطاردة الشرطة (٤). وأصبح في ألمانيا منذ عام ٢٠٠١ يحصل المتزوجون الشواذ من نفس الجنس على التسجيل المدني ويتمتعون بمعظم امتيازات المتزوجين (٥). وأصبح تبادل الزوجات والجنس المثلي والدعارة ونقابات البغاء وعاملات الجنس شيئا شائعا في الغرب.

стр. 269

علوم الإسلام علم الفقه الإسلامي: توالت طعون العلمانيين وسخريتهم من علم الفقه الإسلامي، وإلصاق كل نقيصة به، والتشكيك في فعاليته وقدرته على مواجهة المستجدات، بل الطعن في إسلاميته. فهذا القمني يستهزئ في كل وقت وحين بعلوم الإسلام دون استثناء، وسماها أساطير وامتنع من تسميتها علوما، قال في انتكاسته (٤٠): في أساطير تسمى علوما كعلوم الفقه وكتب الفتاوى والموقعين عن رب العالمين. وهذا محمد الشرفي اعتبر في الإسلام والحرية (١٢٧) أن الفقه الإسلامي قانون تمييزي في أساسه، وأن قوانينه جائرة وبالغة القسوة ولا مساواة فيها. وهو مجرد إنجاز بشري محض قد تجاوزه الزمن تجاوزا كليا (١٢٤). واتهمه بالتمييز ضد المرأة، وأكد على أهمية فضح هذا التمييز والتنديد به (٦٠). ووصف تشريعات الإسلام بخصوص المرأة بالحيف الصارخ المفضوح، وأن الفقه الإسلامي فيه تمييز ضد المرأة وفيه قواعد كبرى مكرسة لدونية المرأة وتكريس اللامساواة (٦٦). وشكك أركون في كون الشريعة الإسلامية ذات أصل إلهي، واعتبره وهما كبيرا (١)، وأنها قانون وضعي كامل (٢) وقال: في الواقع إنه في خلال النصف الأول

стр. 270

من القرن الهجري التأسيسي الأول كان عمل القضاة (١) يستوحي أساسا الأعراف المحلية السابقة على الإسلام، والتي كانت تختلف حسب الأماكن. وكان الرأي الشخصي للقضاة هو الذي يفصل في المسائل المطروحة في نهاية الأمر. وأما الرجوع إلى القانون القرآني فلم يحدث إلا بشكل متقطع، وليس بشكل منتظم كما حاولت الرواية الرسمية أن تشيعه (٢). فالمرجع النهائي حسب أركون للفقه هو الأعراف الجاهلية. أما الرواية الاستشراقية لغولد زيهر وشاخت فهي الرواية الصحيحة القائمة على النقد التاريخي حسب أركون (٣). والملاحظ في كتابات العلمانيين في خصوص هذا العلم خلطهم بين النصوص الشرعية متمثلة في الكتاب والسنة التي هي تشريع رباني عادل وحق. وبين اجتهادات الفقهاء، ممثلة في الفقه الإسلامي المحتملة للخطأ والصواب. وبين الواقع التاريخي، وخاصة للأمراء والخلفاء في الإماء والعبيد وغيرها، التي يغلب فيها الانحراف عن الشريعة عموما من جهة ثالثة. والخلط بين هذه الأمور سنة سيئة للقمني في سائر كتبه ومحمد الشرفي في كتبه وغيرهم. فالأخير مثلا عند حديثه عن التمييز ضد المرأة في الإسلام خلط بين هذه العناصر الثلاثة، واستند إلى الواقع التاريخي للخلفاء في اعتدائهم على النساء وجعله حجة لإظهار تمييز الفقه ضد المرأة (٤). واعتبر عبد المجيد الشرفي في تحديث الفكر الإسلامي (٦٢) أن

стр. 271

المنظومة الفقهية فقدت مصداقيتها. علم التفسير: وصف العلمانيون علم تفسير القرآن بأوصاف تنقيصية منها: - تسييج الفهم وحصره فيما ترتضيه الفرقة العقدية والمذهب الفقهي المعترف بهما. - لا يقبل على التفسير إلا من تقدم به السن. - اتسم بالوثوقية المفرطة والإقصاء. - له صبغة تاريخية، وارتبط بأوضاع وقيم بعيدة عن أوضاع المسلم المعاصر. - أصبح عبئا ثقيلا على الفكر الإسلامي. - هو استجابة لظروف معينة وأوضاع اجتماعية معينة. - يتسم بنظرة مثالية. - لسنا في حاجة إلى تفسير النبي للقرآن والسنة ولا تفسير الصحابة (١). علم السيرة النبوية: سيرة ابن إسحاق تصور خيالي وضعه ابن إسحاق حسب محمد أركون، قال: منذ أن كان ابن إسحاق قد شكل لكل المسلمين إطارا من التصور الخيالي - وليس من المعرفة - للسيرة النبوية ثم شكل أنماط الإدراك الحسي للعصر الافتتاحي الأول، فإن الفكر الإسلامي لم يحاول أبدا أن يفكك البناء الإيديولوجي

стр. 272

(أو القصر) المشاد بمساعدة العناصر والأساليب المتداخلة التي تنتمي إلى الأسطرة والتقديس والتعالي والأدلجة (١). وأكد على ضرورة تجاوز هذه الحكايات التبجيلية التضخيمية وكذا تجاوز الشخصيات الرمزية الكبرى لهذه الحكايات (٢). ولهذا أكد على ضرورة إعادة صياغة السيرة النبوية وسيرة الصحابة وفق منهجية المدرسة التاريخية الحديثة (٣)، وليس على الطريقة التبجيلية التقديسية الموروثة (٤). وقال عن ابن إسحاق الذي هو المصدر الأهم للسيرة النبوية: ... يتمترس ويختبئ وراء المشروعيات أو السيادات التي تفوقه وتتجاوزه (٥)، وزاد: لقد وقع ابن إسحاق تحت ضغط وتأثير الحكايات الشعبية المنقولة عن طريق القصاصين والوعاظ وحكايات الأولياء والصلحاء والاستشهادات الشعرية، كما أنه ساهم في عملية التمويه والتعمية الموضوعية ضد الجاهلية التي كان القرآن قد افتتحها. لقد مُوهِّت الجاهلية أو قُدمت بشكل سلبي من أجل تبيان الحقيقة الساطعة للإسلام بشكل أفضل (٦). ثم بيّن مَن صنعه الغرب على عينه أن ابن إسحاق كان هدفه تشكيل صورة رمزية مثالية مقدسة عن طريق ذكر المعجزات والأعمال الخارقة وأشجار الأنساب والأوضاع الدرامية، ثم قال: إن هذه الصورة المثالية موجهة لملازمة

стр. 273

المخيال الجماعي وتحريكه وتنشيطه أكثر مما هي موجهة لتركيب أو كتابة سيرة إنسان يدعوه غالبا برسول الله (١). ثم ختم أركون اتهاماته باتهام ابن إسحاق بالتلاعب بالحكايات، والمقدرة على الاختراع (٢). هكذا قزّم السيرة النبوية وحامل لوائها ابن إسحاق تحت ستار النقد التاريخي: ابن إسحاق يتمترس ويختبئ، واقع تحت ضغط الحكايات الشعبية التي نقلها القصاصون، يقوم بعملية التمويه والتعمية، متلاعب. واتهم عبد المجيد الشرفي العلماء بالسعي إلى فرض سيرة متحجرة (٣). ولا نفهم من الطعن في السيرة إلا الطعن في صاحبها. علم العقيدة وعلم الكلام . لا يخرج هذا العلم عن النظرة التحقيرية لباقي علوم الإسلام، فهو علم ليس إسلاميا صرفا، بل هو إسلامي ويوناني بالدرجة ذاتها (٤). وهو انعكاس لمعارف طبيعية وفلكية وجغرافية لزمان معين لم تعد لها أية قيمة تاريخية وثائقية (٥). يدافع عن مواقف عقدية في ظاهرها، سياسية اجتماعية في حقيقتها، تشرع

стр. 274

للخنوع وتخدم مصالح السلطة القائمة (١). علم أصول الفقه . هذا العلم إضافة لعلوم القرآن ونظرا لأنهما يمثلان آلية منهجية علمية إسلامية لفهم وقراءة النص الديني حسب عبارة العلمانيين، وبالتالي فهما ينافسان المناهج النقدية الغربية، فقد مثلا حجرة عثرة أمام المشروع العلماني، ولهذا حظيا باهتمام العلمانيين العرب كثيرا ووجهوا لهما طعونا وانتقادات كثيرة، لا سعيا لإصلاحهما أو تجديدهما، بل لإزاحتهما وتجاوزهما. ولهذا انطلق أغلب العلمانيين في حملة مسعورة ضد هذين العلمين الشامخين تشكيكا وتهوينا وتحقيرا. قاد هذه الحملة نصر أبو زيد من مصر وعبد المجيد الشرفي من تونس ومحمد أركون من الجزائر، ونعق الباقي خلفهم. إلا أن الشرفي حاول أن يظهر مشروعه في زي الناصح الأمين، فصاغه في قالب تحديث الفكر الإسلامي، يقصد علمنته وتطويره من أجل تجاوزه والإجهاز عليه. وذكر أركون أن وحده نقد العقل بالمعنى التفكيكي والأركيولوجي هو القادر على مواجهة المشاكل المطروحة على المجتمعات العربية والإسلامية ليتحرروا مما أسماه أغلال أصول الفقه (٢). فعلم أصول الفقه أغلال تكبل السير في نظر أركون، والواجب في نظره فك الأغلال وتجاوزها، وإحلال أغلال غربية مكانها. ونقل أركون عن شفيق شحاتة قوله: كان يحب القول بأن علم الأصول ليس

стр. 275

إلا ثرثرة حول نظريات مجردة لا تهم رجال القانون المختصين (١). وأصول التشريع الإسلامي حسب أركون غير قابلة للتطبيق، فأولا قراءة القرآن كانت قد أثارت اختلافا تفسيريا كبيرا. وأما الأمر مع الحديث فإن القضية أشد عسرا، ذلك أن الحديث ليس إلا اختلافا مستمرا فيما عدا بعض النصوص القليلة التي يصعب تحديدها وحصرها (٢). وأما فيما يخص الإجماع الذي نادرا ما تحقق فهو عبارة عن مبدإ نظري طبق على بعض المسائل الكبرى فقط (٣). وأما عبد المجيد الشرفي فيرى أن علم أصول الفقه شوه وحرف الخطاب القرآني (٤). ووصف عمل الأصوليين بـ: الخلل الواضح، وأنهم فصلوا آيات القرآن بعضها عن بعض، وفصلوها عن سياقيها الخاص والعام (٥). وتعسفوا تعسفا واضحا، وخالفوا أبسط قواعد اللغة والمنطق، وتجاهلوا آيات أخرى، وعملهم ليس إلا تبريرا لسلوك اجتماعي شائع (٦). ودافعوا عن قيم لا نتردد في القول إنها نقيض القيم القرآنية (٧). وتأويلهم يتشبث

стр. 276

بحرفية النصوص ويتصرف على هواهم (١). وأدى اعتماد أصولهم إلى نتائج خطيرة. منها عدم تحقيق العدل والحرية والمسؤولية، والوقوع في ادعاءات لا تصمد أمام النقد التاريخي (٢). وهدفهم الدفاع عن حلول الأجيال الأولى والبحث عن مبررات لها. ويتسمون بالوثوقية، وأنهم يعكسون على النص مشاغلهم وموازينهم ويقولونه ما لم يقله (٣). ولهذا أكد على إمكانية تجاوز هذا العلم. بل هو غير ذي جدوى في نظره (٤). يلاحظ على العلمانيين التونسيين جرأة كبيرة وخبيثة على النصوص، نظرا للحماية اللامتناهية لهم التي وفرها الدكتاتور ابن علي الذي أطاح به الشعب التونسي يوم ١٤/ ٠١/٢٠١١. ويلاحظ على هؤلاء التونسيين أنهم بينما يوجهون الطعون الرخيصة لدينهم ويتلذذون بالسخرية من أحكامه، ويتشفون من علمائه ورموزه، نراهم صموتا كالأصنام فيما يتعلق بابن علي وزبانيته، بل كانوا جزءا من المنظومة القمعية، فقد كان محمد الشرفي وزيرا للتعليم، وباقيهم كعبد المجيد الشرفي والعفيف الأخضر وعبد الوهاب المؤدب وغيرهم يشيدون بمسيرة العلمنة التي أنجزها الدكتاتور. لا يفتأ العلمانيون من ادعاء الحق في الاجتهاد في نصوص الشريعة، وأن الفقهاء رجال، وهم رجال. أكد على هذا جل العلمانيين، منهم مثلا عبد المجيد الشرفي (٥)

стр. 277

والقمني، وخليل عبد الكريم (١)، وحسن حنفي (٢)، ونصر أبو زيد (٣). وكأن نصوص الشريعة مستباحة لمن هب ودب من أساتذة الفلسفة والأدب العربي وغيرهم. فمحمد شحرور مهندس، والعشماوي مستشار قانوني، وخليل عبد الكريم محام، ونصر أبو زيد دراسات أدبية، وحسن حنفي والجابري وفؤاد زكريا تخصص فلسفة. وهذا الزعم لا يخلو منه كتاب من كتب العلمانيين، أعني ادعاء الحق في الاجتهاد، وأن العلماء رجال وهم رجال، وخاصة دكتور الأساطير القمني وأبو زيد الذي حكمت محكمة القاهرة بردته. لكن للاجتهاد ضوابطه وشروطه وأصوله وقواعده، وهذه سنة متبعة في كافة العلوم، وليس خاصا بعلم الشريعة، وما أظن علمانيا واحدا يجرؤ على ادعاء الاجتهاد في الطب أو البيولوجيا أو الفلك، ولو فعل لحوكم وسجن وترك عبرة لمن يعتبر، أما الشريعة فمستباحة لكل رعديد، يتفنن فيها في اختلاق الشبهات وكيل التهم والطعون. كما يقول المثال المغربي (يتعلم الحسانة فريوس لتاما). أي: يتعلم الحلاقة في رؤوس اليتامى. واعتبر عبد المجيد الشرفي أن كل فرد حر في أن يفهم النص كما يشاء، فالنص يخاطبه مباشرة ولا وصاية لأحد في فهم الدين (٤). واعتبر أن النظام القديم كان متناسقا مع مجتمع قبلي، أما في مجتمع الحداثة

стр. 278

فالمسؤولية فردية (١). وبيّن أنه لا حاجة لنا للمرور عبر فهم العلماء وشروط أصول الفقه في إتقان العربية وعلم أصول الفقه وغيرها، بل كل فرد مسؤول عن نفسه، يفهم الإسلام كما يريد، وأكد أن هذا ما تؤكده قيم الحداثة المعاصرة (٢). والاجتهاد العلماني لا يخشى معارضة المسلمات بدعوى أنها معلومة من الدين بالضرورة، كما يقول عبد المجيد الشرفي في الإسلام بين الرسالة والتاريخ (٩). الإجماع . الإجماع عند القمني وضعه الفقهاء وهو باطل يقوم على القهر، ولم يستعمل حسب عبد المجيد الشرفي إلا لإقصاء المخالفين. قال القمني: وضعوا (أي: الفقهاء) له حديثا نبويا يقول: لا تجتمع أمتي على باطل. رغم أن هذا الإجماع ذاته هو الباطل نفسه فصيحا سافرا علينا (٣). وزاد: لأنك مهما بحثت وراء هذا الإجماع فلن تجد سوى القهر وحده للناس لموافقة الرأي أو الاجتهاد السلطاني وحده (٤). وقال: إنما كان رأي الجماعة دون مناقشة هو رأي السلطان أو الخليفة ومصالحه (٥).

стр. 279

وقال عبد المجيد الشرفي: الإجماع استعمل في الغالب لإقصاء المخالفين أكثر مما استعمل لإيجاد ملائمة بين الدين والحياة (١). وتعجب من كون الأصوليين لا يعتدون بإجماع العامة والعبيد والنساء، بحيث أصبح حكرا على من نصبوا أنفسهم ناطقين باسم الله (٢). وزاد مستنكرا: وهو وجه مفضوح من وجوه الإقصاء الأوسع الفئات الاجتماعية وضرب من الوصاية عليها (٣). وأكد أن الإجماع لا عبرة به، إلا إذا كان على الطريقة الديمقراطية، أي: أغلبية كل عصر (٤). وإذا تركنا نعيق الشرفي جانبا، فنحب أن نوضح أن الاجتهاد الشرعي هو عملية استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية. هذا الاستنباط له قواعد وضوابط منصوص عليها في علم أصول الفقه كأي فن أو علم في الدنيا. لا يوجد فن أو علم دنيوي إلا له آليات وضوابط لابد من احترامها والرجوع إلى أهل الاختصاص فيها، وإلا تحول الأمر إلى فوضى وسفسطائية لا نهاية لها. فلهذا لسنا في حاجة إلى بيان تهافت إشراك العامة والعلمانيين ممن لا دراية لهم بالأدلة ولا درجتها ولا بطرق الاستنباط واستخراج الأحكام الشرعية في الاجتهاد.

стр. 280

القياس . القياس بعيد عن روح القرآن ومنطوقه، كما يقول عبد المجيد الشرفي (١). وزاد: فالقياس بعيد أن يكون عملية محايدة كما هو بعيد عن أن يكون ملتزما بمقاصد الرسالة الإسلامية. إن الخلل كامن في طبيعته (٢). النسخ . النسخ غير خاص بزمن النبوة، فإذا استجد أيّ أمر ولو في عصرنا يمكن له نسخ الأحكام التي جاء بها النبي ﷺ . ذكر عبد المجيد الشرفي أن النسخ لا معنى له إلا إذا راعى الأحوال المستجدة زمن الوحي وبعد زمن الوحي (٣). والأخبار الواردة في النسخ ليست جديرة بثقة المؤرخ (٤). وقال إلياس قويسم: بهذا أصل إلى الرأي الآتي: إن العقل ناسخ للنص، بمعنى أن أحكام القرآن قد تكيفت مع واقع ثقافي مرتبط بمكان وزمان معينين، ومع تجدد الواقع وأحكامه وجب تجديد النص، وبما أن النص ثابت وجب نسخ بعض عناصره التي لا تتجاوب وروح العصر، نظرا لأن الإنسان قد خرج من بيئة إلى أخرى، من بيئة ميتافيزيقية إلى بيئة علمية عقلية، وبما أن اللاحق ينسخ السابق إن تعارض معه فإن الواقع الحديث ينسخ كل الأحكام والشرائع المسلطة عليه،

стр. 281

وبما أنه وصل إلى قدر من العقلانية التي تخول له رفع الوصاية الشرعية عليه، فإنه ارتأى التحرر، بل لنقل التحلل من سلطة النص والتحول إلى سلطة العقل، وفي هذا نسخ لسلطة الإله وتثبيت لسلطة الإنسان، إنه نسخ للثوابت بالتيه والتحول، نسخ لسلطة السلف-النقل- بسلطة الخلف-العقل-إنه إلغاء للماضي بما هو سلطة، وهذا الرفض يفضي إلى رفض النص القرآني، ومن ثم إهدار له. إنها رغبة ممن يزعمون حماية النص القرآني إلى إهداره وسلبه صفة القدسية حتى نفعل فيه ما نشاء، وكل ذلك باسم التقدمية والإصلاح (١). هكذا يكتب، بل يكذب قويسم. العقل ناسخ للنص، والعلمانية ناسخة لأحكام الشريعة. قاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . هذه القاعدة الفقهية أغضبت جل العلمانيين، حتى جعلها القمني وضعت في عصر التخلف لخدمة السلاطين، وأنها تفتح الاستخدام الانتهازي الصريح للدين، بل وتبرر للسلاطين آراءهم واتجاهاتهم، بل ونزواتهم (٢). مقاصد الشريعة . حذلق معظم العلمانيين حول مقاصد الشريعة لا بالمعنى الذي ذكره الشاطبي ومن تبعه، بل بمعنى: إمكانية تجاوز الفهم الحرفي للنصوص والنظر إلى ما وراء هذه النصوص من حكمة ومن مقاصد (٣).

стр. 282

وعند القمني الدين يتلخص في مقاصد الشريعة، التي تقدم على كافة النصوص، ومقاصد الشريعة تتلخص جميعا في جملة واحدة هي مصلحة العباد (١). فكل ما حقق هذه المصلحة فهو شرع الله عنده، فتجارة الخمور والبغاء تحقق مصالح اقتصادية عظيمة، وتحريمها قديما كان استجابة لظروف معينة. وإذا كان الفقهاء صاغوا نظرية المقاصد لحفظ الشريعة وأحكامها، وأن من مصلحة العباد حفظ الشريعة التي لا قوام للنفوس والأبدان إلا بها. أما العلمانيون فجعلوا نظرية المقاصد تكأة لإفراغ الشريعة من كافة محتوياتها. فمثلا يعتبر العلمانيون أن ما شرعه الإسلام بالنسبة للمرأة من أحكام كان بداية الطريق وفتح الباب، فالمقصد الإسلامي من تلك النصوص هو تحرير المرأة، وبالتالي فكل ما أعان على تحريرها فهو هدف ومقصد إسلامي (٢). والشورى شرعها الإسلام للحد من الديكتاتورية، إذن المقصد هو تحقيق العدل، فكلما حقق هذا الهدف فهو مطلوب شرعا كالديمقراطية (٣). ليخلص إلى قاعدة إبليسية نصها: حيث تكون مصالح الناس فثم شرع الله تعالى (٤). وهكذا قال محمد نور فرحات في البحث عن العقل (١٠٣ - ١٤٣ - ١٧٤). وهكذا يمكن نسخ الإسلام كله بل وقراءة كل المذاهب بما فيها الإلحاد بل والعلمانية فيه، بدعوى تحقيق مصلحة العباد.

стр. 283

أما العشماوي فقد جعل الشريعة هي الرحمة فقط، وتطبيق الشريعة يعني إعمال مناهجها في الرحمة (١). ويربط بعض العلمانيين بين نظرية المقاصد وتاريخية النصوص، بمعنى إذا كانت النصوص تاريخية، أي: كونها مرتبطة بظروف معينة وتستجيب لأوضاع معينة، وبالتالي تحقق مصالح معينة لأناس معينين في ظل ظروف معينة. ومع تغير الوقائع التاريخية تتغير مصالح العباد تبعا ذلك، وبالتالي يتغير فهمنا للنصوص، فما كان حراما قد يعود حلالا، وما كان واجبا أو مستحبا قد يعود ممنوعا. في هذا الإطار يؤكد لنا نصر أبو زيد أن مفهوم المقاصد لا يقف عند الحد الذي سطره الأصوليون، بل يتجاوزه إلى ما هو أوسع من ذلك. فالعدل مثلا مقصد كلي أساسي يستوعب كل الجزيئات والتفاصيل بما فيها العقيدة والأخلاق (٢). وكل ما حقق العدل فهو إسلامي لاشك فيه في نظر الطاهر الحداد ومقلده أبي زيد، ولو أدى إلى إبطال أصول إسلامية مجمع عليها. وبعد عبارات التأييد والإشادة لطرح الطاهر الحداد يتحفنا أبو زيد بأطروحته الهادفة إلى تقويض الإسلام والإجهاز عليه نهائيا، فلنتابع معه: قال: ومن البديهي أن هذه الأسئلة التي تستهدف الوصول إلى جوهر الإسلام لا تتعلق فقط بالنصوص الخاصة بالمرأة، بل تتعلق بكل ما جاء في النصوص من أحكام، هذا

стр. 284

من جهة، ومن جهة أخرى فالأسئلة مرهونة بطبيعة الإطار الاجتماعي الثقافي والفكري الذي يحددها، ولذلك يمكن أن تتغير الأسئلة، ويمكن أن تطرح أسئلة جديدة، ومعنى ذلك أن جوهر الإسلام ليس معطى ثابتا، بل هو جوهر قابل دائما للاستنباط وإعادة الاكتشاف بحسب تطور الوعي الإنساني. وهكذا نعود للجذر الأصلي- جذر وحدة المعرفة في خطاب النهضة- الذي يسمح للعقل بالحركة الدائمة الحرة دون حدود فاصلة عازلة بين الثابت والمتغير، أو بين الدنيوي والديني معرفيا ... الخ كلامه بل هرائه (١). وهو كلام في غاية الوضوح والظهور، لكن نبسطه باختصار: لا يجب في نظر أبي زيد أن نتقيد بأحكام الإسلام المعروفة، بل يجب أن ننظر في المقصد منها، وهذا المقصد أي: جوهر الإسلام متغير بتغير المجتمعات والظروف، فمثلا جوهر الإسلام يدور حول الحرية والعدل والمساواة (٢). فكل ما رسخ الحرية والعدل والمساواة هو الإسلام. فالزنا واللواط إذا أصبحت مستساغة في مجتمع ما، فجوهر الإسلام هو الإبقاء عليها والدفاع عنها حسب أصول أبي زيد، لأنها حينئذ حرية شخصية تحقق العدل والمساواة في ظل القراءة النصراوية سيتم تحويل الإسلام اعتمادا على التأصيل إلى نسخة علمانية بامتياز. إنها قراءة للإسلام بعيون علمانية، أو بعبارة أكثر دقة: ستتحول أصول العلمانية إلى مقاصد الشريعة، وبالتالي سيقضى على الإسلام لتحل محله العلمانية. هنا تتكشف حقيقة قراءة أبي زيد إضافة إلى القراءات المختلفة التي يقدمها التيار العلماني (نقد العقل العربي، نقد العقل الإسلامي، نقد النص ... الخ)، إنها

стр. 285

قراءات نفعية براجماتية، تقوم بقراءة انتقائية لما يخدم مشروعها الإيديولوجي، قائمة على النفعية والانتهازية وتوظيف الدين لخدمة أغراضها وأهدافها. فبدلا من آليات أصول الفقه العبقرية وقواعد الفقه وعلوم القرآن النموذجية، اخترع لنا العلمانيون قراءات مختلفة، ليس هدفها فهم النص وإنما تجاوز النص. وكان لنصر أبي زيد القدح المعلى في هذا فتارة يحدثنا عن المغزى، وتارة عن مقاصد الشريعة وتحقيق مصلحة العباد، وتارة يحدثنا عن ما سماه القراءة السياقية للنصوص. ولنشرح قليلا مراده بالأخيرة: فهو طبعا لا يقصد اعتبار السياق داخل النص، كما يذكر الفقهاء، لكنه شيء آخر أبعد وأخطر، إنه مجمل السياق التاريخي الاجتماعي للقرن السابع الميلادي الذي بواسطته نعرف كما يقول أبو زيد الفرق بين ما هو من إنشاء الوحي وبين ما هو من العادات والأعراف الدينية والاجتماعية السابقة على الإسلام (١). ثم يزيدنا توضيحا فيبين أن القراءة السياقية بين الدلالات التاريخية من جهة، وبين المغزى الذي عليه المعنى في السياق التاريخي الاجتماعي (٢). وكمثال على ذلك فبحسب أبي زيد فالسياق التاريخي والاجتماعي والسياق السجالي والوصفي للنصوص الواردة في حق المرأة يتبين أن مقصد الإسلام هو المساواة بين الرجل والمرأة (٣).
следующие страницы →