← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96927

العلمانيون العرب وموقفهم من الإسلام

مصطفى باحو

Полный текст (384 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وبما أنه وصل إلى قدر من العقلانية التي تخول له رفع الوصاية الشرعية عليه، فإنه ارتأى التحرر، بل لنقل التحلل من سلطة النص والتحول إلى سلطة العقل، وفي هذا نسخ لسلطة الإله وتثبيت لسلطة الإنسان، إنه نسخ للثوابت بالتيه والتحول، نسخ لسلطة السلف-النقل- بسلطة الخلف-العقل-إنه إلغاء للماضي بما هو سلطة، وهذا الرفض يفضي إلى رفض النص القرآني، ومن ثم إهدار له. إنها رغبة ممن يزعمون حماية النص القرآني إلى إهداره وسلبه صفة القدسية حتى نفعل فيه ما نشاء، وكل ذلك باسم التقدمية والإصلاح (١). هكذا يكتب، بل يكذب قويسم. العقل ناسخ للنص، والعلمانية ناسخة لأحكام الشريعة. قاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . هذه القاعدة الفقهية أغضبت جل العلمانيين، حتى جعلها القمني وضعت في عصر التخلف لخدمة السلاطين، وأنها تفتح الاستخدام الانتهازي الصريح للدين، بل وتبرر للسلاطين آراءهم واتجاهاتهم، بل ونزواتهم (٢). مقاصد الشريعة . حذلق معظم العلمانيين حول مقاصد الشريعة لا بالمعنى الذي ذكره الشاطبي ومن تبعه، بل بمعنى: إمكانية تجاوز الفهم الحرفي للنصوص والنظر إلى ما وراء هذه النصوص من حكمة ومن مقاصد (٣).

стр. 282

وعند القمني الدين يتلخص في مقاصد الشريعة، التي تقدم على كافة النصوص، ومقاصد الشريعة تتلخص جميعا في جملة واحدة هي مصلحة العباد (١). فكل ما حقق هذه المصلحة فهو شرع الله عنده، فتجارة الخمور والبغاء تحقق مصالح اقتصادية عظيمة، وتحريمها قديما كان استجابة لظروف معينة. وإذا كان الفقهاء صاغوا نظرية المقاصد لحفظ الشريعة وأحكامها، وأن من مصلحة العباد حفظ الشريعة التي لا قوام للنفوس والأبدان إلا بها. أما العلمانيون فجعلوا نظرية المقاصد تكأة لإفراغ الشريعة من كافة محتوياتها. فمثلا يعتبر العلمانيون أن ما شرعه الإسلام بالنسبة للمرأة من أحكام كان بداية الطريق وفتح الباب، فالمقصد الإسلامي من تلك النصوص هو تحرير المرأة، وبالتالي فكل ما أعان على تحريرها فهو هدف ومقصد إسلامي (٢). والشورى شرعها الإسلام للحد من الديكتاتورية، إذن المقصد هو تحقيق العدل، فكلما حقق هذا الهدف فهو مطلوب شرعا كالديمقراطية (٣). ليخلص إلى قاعدة إبليسية نصها: حيث تكون مصالح الناس فثم شرع الله تعالى (٤). وهكذا قال محمد نور فرحات في البحث عن العقل (١٠٣ - ١٤٣ - ١٧٤). وهكذا يمكن نسخ الإسلام كله بل وقراءة كل المذاهب بما فيها الإلحاد بل والعلمانية فيه، بدعوى تحقيق مصلحة العباد.

стр. 283

أما العشماوي فقد جعل الشريعة هي الرحمة فقط، وتطبيق الشريعة يعني إعمال مناهجها في الرحمة (١). ويربط بعض العلمانيين بين نظرية المقاصد وتاريخية النصوص، بمعنى إذا كانت النصوص تاريخية، أي: كونها مرتبطة بظروف معينة وتستجيب لأوضاع معينة، وبالتالي تحقق مصالح معينة لأناس معينين في ظل ظروف معينة. ومع تغير الوقائع التاريخية تتغير مصالح العباد تبعا ذلك، وبالتالي يتغير فهمنا للنصوص، فما كان حراما قد يعود حلالا، وما كان واجبا أو مستحبا قد يعود ممنوعا. في هذا الإطار يؤكد لنا نصر أبو زيد أن مفهوم المقاصد لا يقف عند الحد الذي سطره الأصوليون، بل يتجاوزه إلى ما هو أوسع من ذلك. فالعدل مثلا مقصد كلي أساسي يستوعب كل الجزيئات والتفاصيل بما فيها العقيدة والأخلاق (٢). وكل ما حقق العدل فهو إسلامي لاشك فيه في نظر الطاهر الحداد ومقلده أبي زيد، ولو أدى إلى إبطال أصول إسلامية مجمع عليها. وبعد عبارات التأييد والإشادة لطرح الطاهر الحداد يتحفنا أبو زيد بأطروحته الهادفة إلى تقويض الإسلام والإجهاز عليه نهائيا، فلنتابع معه: قال: ومن البديهي أن هذه الأسئلة التي تستهدف الوصول إلى جوهر الإسلام لا تتعلق فقط بالنصوص الخاصة بالمرأة، بل تتعلق بكل ما جاء في النصوص من أحكام، هذا

стр. 284

من جهة، ومن جهة أخرى فالأسئلة مرهونة بطبيعة الإطار الاجتماعي الثقافي والفكري الذي يحددها، ولذلك يمكن أن تتغير الأسئلة، ويمكن أن تطرح أسئلة جديدة، ومعنى ذلك أن جوهر الإسلام ليس معطى ثابتا، بل هو جوهر قابل دائما للاستنباط وإعادة الاكتشاف بحسب تطور الوعي الإنساني. وهكذا نعود للجذر الأصلي- جذر وحدة المعرفة في خطاب النهضة- الذي يسمح للعقل بالحركة الدائمة الحرة دون حدود فاصلة عازلة بين الثابت والمتغير، أو بين الدنيوي والديني معرفيا ... الخ كلامه بل هرائه (١). وهو كلام في غاية الوضوح والظهور، لكن نبسطه باختصار: لا يجب في نظر أبي زيد أن نتقيد بأحكام الإسلام المعروفة، بل يجب أن ننظر في المقصد منها، وهذا المقصد أي: جوهر الإسلام متغير بتغير المجتمعات والظروف، فمثلا جوهر الإسلام يدور حول الحرية والعدل والمساواة (٢). فكل ما رسخ الحرية والعدل والمساواة هو الإسلام. فالزنا واللواط إذا أصبحت مستساغة في مجتمع ما، فجوهر الإسلام هو الإبقاء عليها والدفاع عنها حسب أصول أبي زيد، لأنها حينئذ حرية شخصية تحقق العدل والمساواة في ظل القراءة النصراوية سيتم تحويل الإسلام اعتمادا على التأصيل إلى نسخة علمانية بامتياز. إنها قراءة للإسلام بعيون علمانية، أو بعبارة أكثر دقة: ستتحول أصول العلمانية إلى مقاصد الشريعة، وبالتالي سيقضى على الإسلام لتحل محله العلمانية. هنا تتكشف حقيقة قراءة أبي زيد إضافة إلى القراءات المختلفة التي يقدمها التيار العلماني (نقد العقل العربي، نقد العقل الإسلامي، نقد النص ... الخ)، إنها

стр. 285

قراءات نفعية براجماتية، تقوم بقراءة انتقائية لما يخدم مشروعها الإيديولوجي، قائمة على النفعية والانتهازية وتوظيف الدين لخدمة أغراضها وأهدافها. فبدلا من آليات أصول الفقه العبقرية وقواعد الفقه وعلوم القرآن النموذجية، اخترع لنا العلمانيون قراءات مختلفة، ليس هدفها فهم النص وإنما تجاوز النص. وكان لنصر أبي زيد القدح المعلى في هذا فتارة يحدثنا عن المغزى، وتارة عن مقاصد الشريعة وتحقيق مصلحة العباد، وتارة يحدثنا عن ما سماه القراءة السياقية للنصوص. ولنشرح قليلا مراده بالأخيرة: فهو طبعا لا يقصد اعتبار السياق داخل النص، كما يذكر الفقهاء، لكنه شيء آخر أبعد وأخطر، إنه مجمل السياق التاريخي الاجتماعي للقرن السابع الميلادي الذي بواسطته نعرف كما يقول أبو زيد الفرق بين ما هو من إنشاء الوحي وبين ما هو من العادات والأعراف الدينية والاجتماعية السابقة على الإسلام (١). ثم يزيدنا توضيحا فيبين أن القراءة السياقية بين الدلالات التاريخية من جهة، وبين المغزى الذي عليه المعنى في السياق التاريخي الاجتماعي (٢). وكمثال على ذلك فبحسب أبي زيد فالسياق التاريخي والاجتماعي والسياق السجالي والوصفي للنصوص الواردة في حق المرأة يتبين أن مقصد الإسلام هو المساواة بين الرجل والمرأة (٣).

стр. 286

فحسب أصول فقه أبي زيد فالمساواة بين الرجل والمرأة هي مقصد الإسلام ومغزاه، وكل ما يعكر صفو هذه المساواة (القوامة الإرث الطلاق) فكان استجابة لسياق اجتماعي معين، أو بعبارة أخرى حسب مفهوم السياق السجالي البوزيدي فالتمييز بين الرجل والمرأة في القرآن هو في إطار السجال القرآني ومساجلات القرآن مع أهل ذلك الزمان الذي يميز بين الرجل والمرأة (١). يعني أن القرآن يجاريهم فقط ولا يشرع أحكاما للأمة. وبالتالي فإن المساواة المطلقة هي الإسلام، وعليه تدل نصوص القرآن، إنها عملية تصفية الإسلام باسم القراءة السياقية أو السجالية أو الوصفية تحت ستار تطوير أصول الفقه (٢). أو بالأحرى تزوير أصول الفقه. وبعبارة ثالثة حسب مفهوم السياق الوصفي البوزيدي: فالقرآن في كل التشريعات كان يصف الأوضاع الاجتماعية العربية لا أنه يشرع لنا شرعا. فالرجال قوامون على النساء معناه أن القرآن يصف واقع حال العرب لا إنشاء تشريع (٣). فهدف القرآن هو تغيير مفهوم هذه القوامة (٤). هنا ينقلب المعنى إلى ضده. وماذا عن الميراث؟ يجيبنا أبو زيد أنه بحسب السياق التاريخي ودلالة المعنى والمغزى فكان القرآن يريد وضع حد للفوضى واستئثار الرجل بالميراث بفرض نصيب للمرأة المحرومة بهدف الاقتراب من تحقيق المساواة في أفق الحياة الاجتماعية. وكل اجتهاد في سبيل تحقيق هذه المساواة التي هي مقصد أصلي

стр. 287

وهدف أسمى للحياة الدينية، إنما هو اجتهاد مشروع، أي: هو اجتهاد في اتجاه المقاصد الكلية للتشريعات كما يقول أبو زيد. وأي اجتهاد مخالف لهذا فهو مرفوض في نظر علامة الماركسية أبي زيد (١).

стр. 288

موقف العلمانيين من علماء الأمة يقدم العلمانيون أنفسهم قاطبة على أنهم أصحاب فكر تقدمي مستنير وعقلاني، بل وحقوقي وإنساني، يقبل الآخر ويتعايش معه. لكن من الناحية العملية نرى أن أفعالهم تتناغم مع أقوالهم إذا تعلق بالآخر الغرب المستعمر قديما والمستبد والمسيطر حديثا. وأما إذا تعلق بالإسلامي ابن البلد والوطن واللغة والدين والهم المشترك فيغلب أسلوب الإقصاء والتهميش والتحقير والإدانة: رجعي متخلف طوبوي ظلامي، بل عنيف عنصري متعطش للدماء وإرهابي. وهذه سمة غالبة على كتاباتهم، كما سنرى في هذا المبحث. بل كثير منهم كأركون والقمني مثلا يسحب هذه القائمة على كافة العلماء والفقهاء على مر التاريخ الإسلامي الطويل مع استثناءات بسيطة جدا كتيار المعتزلة والفلاسفة وخاصة ابن رشد، وبعض الصوفية كابن عربي. وحتى هذه الاستثناءات إنما هي خطة تكتيكية فقط لمواجهة تيار ابن تيمية والحنابلة عموما كما يقول هاشم صالح (١). فكل العلماء والفقهاء والإسلاميين المعاصرين دوغمائيون متحجرون ظلاميون حسب أركون. بينما نراه ينعى على غيره النبذ والإقصاء والاستبعاد، داعيا إلى التعايش واحترام حقوق الإنسان (٢).

стр. 289

والأمر لا يعدو في نظري كونه استراتيجية تمويهية أمام الرأي العام، فثقافة الكراهية ورفض الآخر هي أكثر بروزا وتجليا في الخطاب العلماني كما سنوضح في هذا المبحث. وكل العلمانيين يرون في نخبهم رمزا للحداثة والعقلانية والتحضر، وما عداهم يمثل الرجعية وظلاميون ومتخلفون ودوغمائيون. يقول تركي علي الربيعو عن هذا التصنيف: هو خندق، أو لنقل مع هرسكوفيتز (خبير الإناسة المعروف): راية حرب ضد طرف آخر يوصف بالانغلاق والجمود، ويتم تناوله على أنه فُضْلة تاريخية جامدة (١). فتحول العلماني من مفكر يقبل الآخر إلى مُدَّع عام. ولم يعد همه أن يحاور ويتواصل، بل همه أن يتهم، أو بالأحرى يتفنن في إصدار الاتهامات المجانية المبتذلة. ولهذا دعا الباحث الفرنسي جيل كيبيل الباحثين في الحركات الإسلامية المعاصرة إلى خلع نظاراتهما السميكة وإحلال أخرى محلها تسمح برؤية ما لا يريدون رؤيته (٢). لا فرق بين العلماء الرسميين ولا بين معتدل ومتشدد . لا يفرق العلمانيون في خطابهم بين الدين الرسمي والإسلاميين، فالكل في سلة واحدة. الدين الرسمي ممثلا بوزارة الأوقاف وجهاز الفتوى والمجالس العلمية وغيرها من المؤسسات الدينية التابعة للدولة. والإسلاميون بشتى أطيافهم، كلهم

стр. 290

في نظر العلمانيين مؤسسات رجعية تغذي التطرف والظلامية. ولكن بعض العلمانيين قد يركزون في المرحلة الراهنة على الإسلاميين أو ما يسمونه بالإسلام السياسي، نظرا لما يتميز به التيار الإسلامي من حركية وديناميكية ومجاهرة بمحاربة التيار العلماني. وتركيز بعض العلمانيين على ما يسمونه التيار المتشدد ما هو إلا مرحلة تكتيكية فقط للإجهاز على كافة التيارات. فلا فرق لديهم بين تيار إسلامي معتدل وتيار متشدد. وقد افتتح نصر أبو زيد كتابه نقد الخطاب الديني بالتأكيد على هذه الحقائق (١٣). وصب جام غضبه على من يوصفون إعلاميا بالمعتدلين الرسميين أمثال محمد متولي شعراوي والأزهر، أو من هم خارج الدائرة الرسمية كالغزالي، وأكد أنه لا فرق بين الجميع إلا حول مجال تطبيق المبدأ لا حول المبدأ نفسه (١٩). بل أكد على أنه من الظلم الفادح فضلا عن عدم الدقة العلمية التفريق بين التيار الإسلامي الممثل في الصحوة الإسلامية وبين الخطاب الرسمي (٢٥) (١). وكذا أكد هاشم صالح في الإسلام والانغلاق اللاهوتي (٣٢٩) على أنه لا فرق بين الإسلام الرسمي والإسلام المتطرف، ولا بين المتشدد والمعتدل. وصرح خليل عبد الكريم أنه لا يرى بين الإسلاميين معتدلين ومتشددين، بل جميعهم سواء حسب تعبيره (٢).

стр. 291

ومن أشد العلمانيين طيشا وتهورا وتفننا في كيل الشتائم المتنوعة لمخالفيهم سيد القمامة القمني. فالقمامة التي خلفها المستشرقون والصهاينة يتغذى عليها القمني ويقتات بامتياز. ولفرط عشقه للقمامة وشدة غرامه بها لا تقع عينه إلا عليها. فقد ملأ كتبه سبا وشتما وتحقيرا في علماء الأمة على مر الأعصار بدأ بالصحابة الكرام ومرورا بفقهاء الأمة وانتهاء بالمعاصرين. بل لا يرى في الإسلاميين المعاصرين إلا مجموعة من الفاسدين المفسدين الذين هم أحقر من كل حقير وأخبث من كل خبيث. بل استطال على أحد أصدقائه الحقوقيين (١) لسبب واحد لأنه طالب بإفساح المجال لجماعة الإخوان المسلمين للمشاركة السياسية. لهذا السبب فقط، ليتضح لك مبلغ الكراهية والحقد التي بلغها الرجل. وكتاباته كما قال هو عن غيره لا يمكن تصنيفها ضمن أبواب النقد المثمر أو الأغراض الإصلاحية بقدر ما كان لونا من السفه والبذاءات المتكررة الدائمة (٢). فكل علماء الإسلام من لدن الصحابة إلى هذه الأعصار هم في نظره سدنة وكهنة، بل القمني في هذا أعلى كعبا وأرسخ قدما وأغزر مادة من أصناف الحشاشين والحشاشات وسفلة الشوارع والعاهرات المتهتكات، بل أنصح جميع هؤلاء بالمداومة على مطالعة كتبه، وخاصة أهل الدين والديمقراطية وانتكاسة المسلمين، ليتعرفوا على مصطلحات هم في أمس الحاجة إليها، بل ربما لم تخطر لهم على بال. فمعين الرجل لا ينفد في هذا الباب.

стр. 292

ويتقارب أسلوب القمني مع فرج فودة في الإسفاف بالآخر وتحقيره واتهامه وإدانته، بل الكلام على مخالفيه كأنهم مجموعة من الحشرات الضارة، لابد من مبيد حشري بالغ السُّمية للقضاء عليها وإبادتها وإراحة البلاد والعباد منها. وأغلب كتب الرجلين على هذا المنوال كقبل السقوط وحوار حول العلمانية ونكون أو لا نكون والحقيقة الغائبة لفرج فودة وأهل الدين والديمقراطية وانتكاسة المسلمين وشكرا ابن لادن للقمني. فما عدا العلماني فهو شرير وحقير وظلامي ومستبد وسفاك للدماء وخطر يتهدد الأرض والسماء. وقد أصيب بهذه اللوثة بعض المغاربة فكتبوا على صفحات الجرائد العلمانية من هذا العهر الفكري ألوانا، ونشروا من هذا الخنا الثقافي أفنانا. ويغيب عن كتاباتهم وكتابات شيخهم فودة والقمني البحث العلمي الأكاديمي والمقاربة المنهجية، وغالبها تهريج واستهزاء وسخرية، والتقاط قمامات من التاريخ لترويج أن الإسلام لم يجئ إلا بالقتل والدم والهمجية والوحشية. ثم بعد ذلك يطلب العلمانيون من الإسلاميين قبول الآخر والتعايش والحوار بالتي هي أحسن. ولنذكر الآن أصنافا لهذه الدعارة الفكرية لدى التيار العلماني: ١ - الصحابة الكرام: أغلب اتهامات العلمانيين وطعونهم في الصحابة لا تستند إلا لمجرد الهوى والحقد الدفين على الإسلام وأهله. ويستند بعضهم في بعض طعونهم في الجيل الأول الذي رباه النبي ﷺ إلى أخبار مذكورة في كتب التواريخ والسير، أغلبها لا يصح.

стр. 293

وقد جرت عادة المؤرخين رواية كل ما سمعوه ووجدوه عند شيوخهم بغض النظر عن صحته، فإذا وقف عليها الناقد الخبير، لا الانتهازي المترصد، ميّز الصحيح منها من الض فإن كان ممن يقتات على القمامة، فلن يسيل لعابه إلا على أكثرها تعفنا وأشدها حموضة. فلا يكفي عند حكاية أية رواية من تاريخ الطبري وابن كثير وابن سعد ونحوها الاحتجاج بها دون النظر في سندها، وإلا صارت من الصحاح المتفق عليها. فالدراسة النقدية تلزم الباحث عند أخذ أيّ نص منها النظر في صحة سنده، ثم في صحة متنه وبعده عن تلفيقات الإخباريين وهوسهم التي مكانها المسامرات والنوادي لا البحث العلمي. نقول هذا للعقلاء كي يميزوا، أما من لا تطيب نفسه إلا بالقمامة، وكلما كانت رائحتها أشد كانت أحلى عنده، فلا ينفع معه كلام. وإذا كانت كتب الحديث والفقه وعلوم القرآن ليس كل ما فيها صحيحا، بل فيها الصحيح والضعيف والساقط والواهي، فما بالك بكتب التواريخ والسير؟ لهذا وقطعا لطريق العلمانيين في هذا الباب رأيت أن أفرد مسألتين هامتين بالتأليف، حاول العلمانيون الولوج منها للتشكيك في قرآننا ونشر الأكاذيب عن صحابة نبينا ﷺ . الأول: نقد الأخبار الواردة في جمع المصحف وتدوينه. دراسة حديثية نقدية. الثاني: نقد الأخبار الواردة في الخلافة الراشدة. دراسة حديثية نقدية. ولحسن الحظ هذا علماني ينكر على إخوانه هذه الفعلة، قال محمد نور فرحات في البحث عن العقل (٣٨ - ٣٩): والذين يستشهدون من التاريخ الإسلامي

стр. 294

بمشاهد الأخطاء أو العثرات لإدانة هذا التاريخ مخطؤون بطبيعة الحال، إذ ينطلقون من استشهاداتهم بتعميمات غير علمية وغير مقبولة. ولنبدأ بسرد اتهامات سيد القمامة. قال القمني عن الصحابة: هؤلاء القوم باعوا الدين مبكرين للسلطان، ولا تعلم كيف يصدقهم المسلمون اليوم ويتبعونهم في خيانة كارثية للإسلام ونبيه .. إلى آخر كوارثه (١). وذكر أن الصحابة قاموا باستثمار انتهازي للدين من أجل مكاسب دنيوية بحت يوم السقيفة. وزاد: وكان أول المستثمرين هم صحابة النبي المقربون، وهم من فتح الباب لاستثمار دين الله لأهداف دنيوية بحت (٢). هكذا يقول القمني عمن قال الله فيهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ الفتح١٨. وقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ التوبة١٠٠. وقال: ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ الحشر٨. وذكر القمني أن أول استثمار انتهازي للدين قام به أبو بكر الصديق لما استغل الموضوع فاحتج بحديث الخلافة في قريش، الذي احتفظ به سرا حتى حان أوانه

стр. 295

فأفتى به (١). ونزف للجهول أن الحديث لم ينفرد به أبو بكر، فقد ورد حديث الأئمة من قريش من حديث أبي برزة الأسلمي وأنس بن مالك وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة وعتبة بن عبد ومعاوية وابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة وجابر بن سمرة وغيرهم. كما قد بينت ذلك بتفصيل في كتابي الجامع الصحيح لأحاديث العقيدة ٣/ رقم: ١٢٧٨ - فما بعد. وقال ابن حجر في التلخيص الحبير (٤/ ٤٢): وقد جمعت طرقه في جزء مفرد عن نحو من أربعين صحابيا. وقال سيد القمامة عن كبار الصحابة: وكيف كانوا أول من خالف نصوصا واضحة قاطعة ثابتة لا متشابهة ولا منسوخة. بل خرجوا عليها وألغوا العمل بما لم يعد يناسب الزمان منها، حتى إن بعضهم خالفها لمصالحه الشخصية ومكاسبه الدنيوية علنا ودون مواربة. كذلك عطلوا أحكاما وألغوا فرائض وحرموا حلالا دون أن ينظروا قبل القرار في قواعد فقهائنا التي لم تكن قد اخترعت بعد ... ووصل الرأي بكبار الصحابة إلى تعطيل حدود ومخالفة نصوص قاطعة بل والعمل بعكسها دون عبرة بفقه الثبات وقواعده الدموية، فلم يلتزموا شروطا لما يفعلون سوى المصلحة بغض النظر عن قول النص في الأمر (٢). وقال: أيضا لا تعرف أين تضع العهود التي نكثها الصحابة والرؤوس التي

стр. 296

قطعوها وطافوا بها في البلاد (١). وقال: إن أفعال الصحابة والتابعين لم تكن كلها لصالح البلاد والعباد فعملوا بالرأي والتأويل إنما لجأوا للرأي أو التأويل أيضا لأغراض شخصية ومنافع دنيوية أوقعوا بسببها المظالم الفادحة بصحابة آخرين، بل وبحق شعوب بكاملها (٢). وقال: فركبوا (أي: الصحابة) على موازين العدل الإلهي وغشوها لتعمل وفق رغباتهم ومصالحهم وأهوائهم (٣). ثم وصفهم بالصراعات الدموية والظلم (٤). وقال: وعلينا ألا ننسى أن الصحابة بشر كان فيهم الصالح والطالح، الصادق والكاذب، صادق الإيمان والمنافق، الأمين واللص النهاب، وكان فيهم سارق بيت المال وهو أمين عليه، ومنهم من تآمر على الآخرين، ومنهم من اغتالوا بعضهم وحاربوا بعضهم على أموال الدنيا وجاهها ووجاهتها، واكتنزوا الذهب والفضة وأثروا ثراء فاحشا بنهب أموال الناس (٥). وذكر أن الصحابة خالفوا في أحيان كثيرة النصوص القرآنية لمصالح شخصية ومكاسب دنيوية (٦).

стр. 297

وقال: بينما تصر الدول التي غزاها المسلمون الأوائل واحتلوها احتلالا استيطانيا وارتكبوا في حق أهلها من المظالم فوادحها. ومن التنكيل أفظعه، ونزحوا خيراتها إلى عاصمة الخلافة. وقضوا على لغاتها الأصلية التي وعاء حضارتها وماضيها كله، فانقطعت عن هذا الماضي الذي تم تكفيره واستبعاده بحسبانه تراثا وثنيا كافرا ليبدأ تاريخها مع تاريخ الاحتلال العربي المقدس لبلادها. وتمت أسلمة شعوبها، ولم يعط هذا الإسلام لمن أسلم درجة، بل ظلوا موالي في بلادهم للسادة العرب الفاتحين، أي: مواطنين درجة ثانية أو عاشرة في وطنهم، بينما أصبح المحتل الغازي هو المواطن السيد المتميز الأول (١). وكل حرف من هذه الكلمات يشهد بافتراء القمني وكذبه، وليس هذا مجال شرح ذلك. لأن مخازي هذا الحيوان لم يسمع بمثلها في الجنس البشري. وصف سيد القمامة أصحاب رسول الله ﷺ الذين زكاهم الله في القرآن بأنهم أصحاب حسابات المصالح والتحاسد والتباغض. وقال عما فعلوه يوم السقيفة لما بايعوا أبا بكر الصديق: فكلها كانت ابتعادا متواترا عن قرارات الإسلام ومسخا لمعنى الشورى وضحكا على ذقون المسلمين وتزييفا لوعيهم (٢). ولكرهه الشديد في الإسلام وصحابة رسول الله ﷺ فضل مسلمي زماننا ممن هم على شاكلته على الصحابة الأوائل، وبيَّن وجه هذه الأفضلية بقوله: فمع كل الحضور القدسي (٣) في مدينة النبي كان هناك اللصوص والكذابون والمنافقون والأفاقون والغدارون ومن كانوا يغتصبون الصحابيات (انظر ما ورد عن أسباط

стр. 298

بن نصر في السنن الصغرى للبيهقي) والزناة والذين كانوا يركبون نساء المجاهدين عند خروجهم للغزو (وهي المعروفة بمشكلة المغيبات، انظر السير الكبير للشيباني ج ١ ص ١٤٨ - ١٤٩) والسيوطي في جميع (١) الجوامع ج ٣ ص ٣١٠٣ و٢١١٤)، ومنهم من كان يتخابر لصالح المشركين (انظر تخابر حاطب بن أبي بلتعة: البخاري ٧٤/ المغازي) وبعد زمن النبوة أثْرَوا ثراء فاحشا على حساب أرزاق أهالي البلاد المفتوحة وقتلوا بعضهم بعضا بوحشية صراعا على المال والسلطان. وإن آثام بعضنا اليوم بعد طول بعاد عن ذلك الزمن القدسي يجعلها لا تقارن بالمرة مع آثام ذلك الرعيل الأول (٢). يكفي الصحابة فخرا عدم وجود قمام مثلك فيهم. لأن القَمَّام من طبعه السطو والانتهازية واللؤم والغدر كما نشاهد ذلك في الضبع مثلا. وأكد أن الصحابة كانوا يتحاربون على المال وعلى السيطرة على بيت المال (٣). وأنهم كانوا سراقا لبيت مال المسلمين لما كانوا خزنته، ولما اكتشفهم عمر قاسمهم إياه، وذكر منهم: سعد بن أبي وقاص وأبو موسى الأشعري وأبو هريرة والحارث بن كعب وعمرو بن العاص، وأنهم ضبطوا متلبسين واعترفوا عمليا بالجرم (٤). وقال عن كبار الصحابة الأقربين: ولو ذهبنا للزمن الخليفي حيث كبار الصحابة الأقربين بعد موت نبيهم لوجدناهم غير معتدين بالمرة بمبدأ الشورى

стр. 299

كما لو كان غير مقرر بما نفهمه عنه فتولوا الخلافة بغير شورى بل بمصاحبة العنف عندما لزم الأمر (١). وقال: وأفل مبدأ الشورى تماما مذ خالفه صحابة النبي الكبار عندما تعلق الأمر بكرسي الإمارة (٢). واتهم الأنصار بحسد بعضهم بعضا على تولي الإمارة، وزاد عن الأنصار والمهاجرين الذي حضروا السقيفة: ذهبوا إلى السقيفة يتبارون حول المنصب المأمول، تنابذوا فيها بعضهم مع بعض واستخدموا العنف الكلامي والجسدي ضد بعضهم البعض، وانشغلوا عن نبيهم يومين، وهم في أمرهم لاهون (٣). وقال عن الصحابة كذلك: إن الشأن كان شأن سياسة ودنيا وإمارة، فيها الصراع والنوازع البشرية، رغم أن كل طرف لبس رداء الإسلام ليمارس به سياسة الدنيا (٤). وقال عن حكاية إجماع الصحابة على قتال مانعي الزكاة: وأن هذا الإجماع كان لصالح فئات دون فئات ومسلمين دون مسلمين ومصالح دون مصالح وما قصد به وجه الله مما أحاطه بكثير من الشكوك والارتياب (٥). ولم نر للقمني أدنى اهتمام بالحزب الوطني الحاكم وطاغيته مبارك ونظامه الفاسد، في حين كتب الكثير عن الخلافة الإسلامية في عهد الخلفاء الأربعة وطعن

стр. 300

في عشرات الصحابة الأجلاء. وها قد أسقط الشعب ذاك الجلاد الكبير قبل يومين ١١/ ٠٢/٢٠١١، واليوم الذي أكتب هذا هو ١٣/ ٠٢/٢٠١١، رجعت قنوات إسلامية عديدة منها الرحمة والناس. واتهم عبد المجيد الشرفي الصحابة بأنه نشأت فيهم طبقة من الأثرياء الجدد انحصرت في زعماء البيوتات القرشية التي أشرفت على حركة الفتح قيادة وتنظيما، وفي عدد من الأنصار وتفاقم كنز الذهب والفضة، ووقع تجميع لثراوت ضخمة تستفز الشعور الإسلامي وامتلاك أقلية للأراضي الشاسعة الخصبة التي تدر عليهم أموالا طائلة، وقد ظهر ذلك في تعالي مبانيهم وتأنقهم في اللباس وكثرة عبيدهم وجواريهم ووفرة مواشيهم من أمثال عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله بينما أغلب العرب والعجم فكانت تعيش ظروفا اقتصادية عسيرة (١). وقال: وكان للعامل الاقتصادي دور لا يستهان به في الانحراف الذي لحق بتأويل الجيل الأول من المسلمين للرسالة وتجسيده إياها على أرض الواقع (٢). وذكر أن السلف أَوَّلوا الرسالة المحمدية بحسب مصالحه والصراعات الدنيوية الصرف التي كان منخرطا فيها انخراطا كليا (٣). وملأ خليل عبد الكريم كتابه «شدو الربابة بأحوال مجتمع الصحابة» بالغمز واللمز والاتهامات الرخيصة في حق الصحابة الكرام رضوان الله عليهم -على رغم أنفه وأنف أمثاله-.

стр. 301

السفر الأول سماه «محمد والصحابة» أقتصر منه على قوله (١٨٣): مثل هؤلاء كانت تسيطر عليهم الغيبيات والماورائيات واللازمانيات والكائنات المستقرة في العوالم العليا، والتي هي بطبيعتها مفارقة للإنسان، والمخلوقات العجيبة المدهشة، مثل الجن والغول والعنقاء، وكانوا يؤمنون بالحسد والعين والنفث في العقد والرقى والتعاويذ والتمائم ... إلخ. ومن كانت تلك حالتهم العقلية والفكرية والثقافية والمعرفية ... تشيع بينهم الأساطير والتوهمات والتخيلات والقيم اللاعقلانية البعيدة عن المنطق أو ارتباط النتيجة بالسبب أو المعلول بالعلة وتتحكم في أفعالهم وإحجاماتهم الخشية الهائلة من المجهول المهيب والرهبة البالغة من غضب قوى لا تعرف كنهها، ولذا نراها تؤمن بالصدفة والحظ والبخت والنصيب. ولانتشار يقينهم في السحر كانوا يمارسون العمل والشبشبة والعكوسات (ج عكس) والنفث في العقد. وتقرأ في سيرهم أخبارا وحوادث مكدسة تؤكد إيمانهم المطلق بهذه الأمور واعتبارها حقائق مؤكدة لا يرقى إليها أي شك. ومثل ذلك المجتمع الساذج لا عجب أن يتشائم أفراده ويتفاءلون ويربطون كافة شؤون حياتهم بتلك المعتقدات. انتهى. هذا هو مجتمع الصحابة في نظر مفتي الماركسية: مجتمع خرافات وسحر وشعوذة وكهانة!!!. وفي السفر الثاني من كتابه المذكور الذي سماه "الصحابة والصحابة" حدثنا في مقدمته أنه كتبه بطريقة موضوعية وعلمية، أتدري ما هو بابه الأول؟ هو الصحابة والسب. خصصه لسجل الصحابة الكرام في سب بعضهم بعضا. والثاني الصحابة والقتل، أي: قتل بعضهم بعضا، والثالث الصحابة والمال، خصصه لبيان تهافت الصحابة على المال والغنائم والفيء وأنهم أثروا ثراءا فاحشا تحوم حوله شكوك،

стр. 302

وأنما يشاع عنهم من الزهد والتقلل من الدنيا غير صحيح بما فيهم العشرة المبشرون بالجنة. والرابع الصحابة وتملك القطاعات. وذكر أبوابا أخرى مثل الصحابة والنكاح، وفيه ما يشيب المؤمن لهوله من السخرية والاحتقار الدنيء لذلك المجتمع الفاضل الطاهر. وفي السفر الثالث الذي سماه «الصحابة والمجتمع» تحدث عن أشياء كثيرة منها الصحابة والخمر. هذا هو البحث الموضوعي لدى الشيوعي الأحمر!!. وفي كتابه «مجتمع يثرب» صور مجتمع النبي ﷺ وصحابته الكرام مجتمع زنا واغتصاب ومفاخدة، مجتمع جنس لا أقل ولا أكثر. وكأن مجتمع أحباره الشيوعيين مجتمع طهارة وتقوى!!!. قال في الكتاب المذكور: «ولذلك لم يكن مفاجأة أن تحفل دواوين السنة وكتب السير والتواريخ وعلوم القرآن مثل أسباب النزول والناسخ والمنسوخ وتفسير القرآن ... الخ بكم هائل من أخبار عن علاقات غير مشروعة مثل: الاغتصاب والزنا والدخول على المغيبات؛ وتجاوز الأوامر والنواهي الصريحة مثل الجماع في نهار رمضان وفي الإحرام في الحج وأثناء حيض الزوجة أو استحاضتها. وتلك التي لا تصل إلى حد اللامشروعية ولكنها تتنافى مع الحد الأدنى من الشعور الإنساني السوي مثل مجامعة جارية أو زوجة في ليلة وفاة زوجة أخرى، وفضح الزوجة لزوجها العنين على رؤوس الأشهاد حتى عرفت القرية (يثرب) كلها بالأمر وتصر على طلب الطلاق لأنها لا تطيق الصبر على المجامعة والمفاخذة ولا تضع في اعتبارها أن تظل معه ولو لمدة يسيرة عسى أن تكون عنته أمراً عارضا أو راجعة لعامل نفسي قد يزول بعد قليل!!! واعتراف امرأة أو أكثر أنها رأت في الحلم زوجها ركبها وظل يدعكها حتى

стр. 303

ارتوت وأنزلت فما الحكم: هل تعتبر تلك جنابة فتغتسل منه وأخرى تصيح بأعلى صوتها حتى يسمعها من يسير في الطريق متمنياً أن تغيب في أحضان فتى جميل وبينهما قنينة خمر معتقة لتتضاعف لذتها وتزداد متعتها! وثالثة يروق لها أجير زوجها فترتمي بين ذراعيه ولا تتركه إلا بعد أن يقضي لها وطرها فيكتشف زوجها ذلك فيشكوهما! ورجل تأتيه امرأة تبتاع (تشتري) منه تمرا فيحضنها ويقبلها! وآخر وفي المشاعر المقدسة ينتهز فرصة نوم امرأة فيعتليها غير عابئ بحرمة الزمان أو المكان. وثالث يأتمنه صاحبه على أهل بيته عند سفره ليراعيهم ويقضي حوائجهم فما أن يبعد حتى يهجم الصاحب على الزوجة منتوياً اغتصابه!!! ورابع يقابل امرأة كانت بغياً فتابت وأقلعت فيراودها عن نفسها! وفتى حسن الوجه جميل الطلعة فتن نساء يثرب فأمر به الحاكم فحلق شعر رأسه فازداد بهاء فتضاعف وله اليثربيات به فنفاه. وهكذا وهكذا عشرات الصور التي حملتها كتب تلقتها «أمة الإسلام» بالقبول والتجلة أي: لا مطعن عليها -تقطع بأن «مجتمع يثرب» لم يتغير لا في قليل ولا كثير وأن العلاقة بين الرجل والمرأة هي علاقة ذكر وأنثى وأنها كانت المحور الذي يدور حوله ذلك المجتمع وأن محمداً بذل جهوداً تفوق طاقة البشر ليتسامى ذلك المجتمع بها ولكن لرسوخ ذلك النسق الاجتماعي وتجذره وضربه حتى الأعماق فيه هذا من جانب -ولقصر المدة التي قضاها محمد بين جنباته من جانب- ظل ذلك المجتمع على حاله ولم يتغير إلا بنسبة ضئيلة». وهذه عينات يسيرة من قمامته: وقال: وهذا يؤيد فكرتنا التي قلنا بها من أن اتصال الذكر والأنثى كان لديهم

стр. 304

من الشواغل الأثيرة حتى اللاتي لا يجدن ذلك متحققاً في واقع الحياة يرينه في الحلم. وقال: ولم يقتصر الاحتلام على النسوان بل كان بعض الرجال يحتلم كان ذلك يحدث إذا اضطرته ظروف قاهرة للانفصال عن أنثاه مما يقطع بأن الاتصال بين الجنسين كان طقساً يمارسونه يوميا فإذا لم يتيسر لهم في اليقظة أي: في الواقع رأوه في المنام على سبيل التعويض. ولم تكن كل النساء اليثربيات يكتفين بالمفاخذة التعويضية التي تحدث في الأحلام بل كان بعضهن يمتلك حساً واقعياً لم يرض بما يراه أو حتى يحسه في الرؤية فكان يبحث عن الزواج أو النكاح بحثاً دؤوباً وفي عجلة ولهفة وينق عن الشاب الجلد الذي يروي الظمأ ويعطي المتعة ويعرض عن الشيخ الكبير حتى لو كان ذا مال. وقال: ووقوع اختيار المرأتين على الشابين مؤشر واضح على قوة التماس بين الذكر والأنثى لديهن وهيمنته على وجدانهن وأنه الهاجس الوحيد الذي يتمركز في بؤرة الشعور. وقال: وهو دليل دامغ على أن مسألة الملامسة بين الجنسين في «مجتمع يثرب» مسألة هامة وملحة لدى اليثاربة رجالا ونسوة. وقال: وفي أحيان أخرى كانت المرأة في ذلك المجتمع لا تكتفي بقدرة الرجل على الركوب والمباطنة وكفايته في المجامعة والمفاخذة؛ بل كانت تشترط فيه أن يكون مليحاً وضيئاً حتى تكتمل لها المتعة أثناء الاعتلاء والامتطاء. كانت نزعة معافسة النساء لدى رجال «المجتمع اليثربي» من القوة بحيث دفعتهم إلى تحطيم الحواجز التي أقامتها النصوص المقدسة صراحة وبلا موارية مثل: من يظاهر من امرأته ثم يعتليها قبل التكفير، وآخر يركب زوجته وهي حائض أو

стр. 305

مستحاضة، وثالث يطؤها في نهار رمضان، ورابع ينكح امرأة أبيه أو يعاشرها دون عقدة نكاح وبتعبير الخبر «يدخل عليها»، والمملوك الذي يشرع في مفاخذة جارية سيده بادئاً - كالعادة بتقبيلها وقد يحدث العكس: المرأة تسعى إلى أجير زوجها ليشبعها ويروي لها ظمأها لعجز زوجها عن ذلك .. الخ. كل هؤلاء ذكوراً وإناثاً يعلمون علم اليقين أن الفعل الذي قارفوه حرمته عليهم الشريعة التي بلغها محمد نزعة التلاقي بالآخر تغلبهم وتقهرهم وتملك عليهم نفوسهم وعقولهم ووجدانهم وتعطل ملكة التفكير السديد عليهم فلا يرون في «النصوص المقدسة» إلا قيوداً تحول دون انطلاقهم. وقال: ومما يؤكد أن دافع الالتقاء بالأنثى كان متقداً عند ابن الخطاب. وقال: ولكن أصحاب النوازع المتوهجة في الالتقاء بالجنس الأخر مثل ابن الخطاب لم يعبأوا بهذا التحريم وتجاوزوه. وقال: ونظراً لأن التقاء الذكر بالأنثى والأنثى بالذكر طقس يومي من الطقوس الاجتماعية المعتادة في مجتمع يثرب فقد اضطر محمد دفعاً للحرج عن أصحابه أن يبيح لهم أن يسيروا في المسجد وهم جنب. وقال: إن مفاخذة النسوان كانت لديهم هاجساً ملحاً يشغل عليهم حواسهم حتى في أحرج الأوقات؟ وقال: وهذه أمثلة فحسب تقطع بأن الزنا كان منتشراً في المجتمع اليثربي ولم تفلت منه الشابات حديثات السن، المخدرات في البيوت. وقال: الأمر الذي يدل على انتشار تلك الظاهرة في عوالي المجتمع اليثربي وأسافله ويفسر لنا لماذا كانت الشابة حديثة السن تفعل ذلك لأنها كانت ترى

стр. 306

بعينها أمها وزوجات أبيها وعماتها وخالاتها يفعلن ذلك ... وغمز وهمز في كتابه «النص المؤَسِّس ومجتمَعُه» في النبي ﷺ وفي زوجاته وصحابته الكرام. مما لا يتسع المجال لذكره. وخصص تركي علي الربيعو كتابا كاملا لبيان أن العنف والمقدس والجنس مترابطون في الإسلام، وأن الجنس أمانة الله في الأرض (١)، وأن السياق الذي يحكم النص القرآني جِنْسَانية ترتبط بالسلطة والمعرفة وتنفتح على عنف خالص سماه العنف المقدس (٢). الخلفاء الراشدون . نخصص هذه الفقرات لما تقيأ العلمانيون به في حق الخلفاء الراشدين خاصة. قال القمني: رغم أن كبار السلف الذين يرجعون إليهم مثل (أبو بكر وعمر وعثمان) كانوا أول من أنكر وأول من بدل وأول من عطل حدودا وأحكاما وفرائض بحسابات مصالح تغير الزمن، وما مضى على رحيل نبيهم سنوات (٣). وذكر أنه جرى اتفاق بين عائشة وحفصة للعمل على ما في مصلحة والدهما (٤). وجعل دولة النبي ﷺ ودولة الخلفاء داخلة تحت منظومة الاستبداد الشرقي (٥). وقال عن تاريخ الخلافة الراشدة: لأنه كان حكما ثيوقراطيا عسكريا، كان

стр. 307

هو الديكتاتورية الكاملة (١). وقال: رغم أن هؤلاء الأولين الراشدين بالذات وبالتحديد هم أول من غيّر وبدّل وخالف النصوص مباشرة وبوضوح علني لمصالح الناس أحيانا ولمصالح الخلفاء الشخصية أحيانا أخرى (٢). وقال عن سياسات أبي بكر وعمر وعثمان: كانت كلها صراعا على الدنيا ولحوقا بمتغيراتها (٣). وقال: ولذلك لم تكن الخلافة التي يصفونها بالإسلامية منذ فجرها مع أبي بكر وحتى انتهائها سوى خلافة عنصرية لعنصر سيد أضفى على سيادته ثوب الدين كمظلة شرعية لفساده السياسي والديني والإنساني والأخلاقي (٤). وذكر أن الخلفاء الراشدين لم يفوا بالوعد (٥). وقال خليل عبد الكريم: وقد بدأ الاتجار بالإسلام مبكرا في سقيفة بني ساعدة، بعدها أخذت هيئات المنتفعين به تتوالى الواحدة إلى الأخرى طوال الأربعة عشر قرنا تحت عناوين مختلفة (٦). أبو بكر الصديق . كان لأبي بكر الصديق الصحابي الجليل -على رغم أنف سيد القمامة-

стр. 308

النصيب الأوفر من قمامته. قال القمني: أين تضع فظاعات جيش أبي بكر الصديق مع المسلمين الذين خالفوا بيعته وامتنعوا عن أداء الزكاة إليه والوحشية التي عومل بها الأسرى من تحريق بالنار مقموطين إلى الإلقاء من شواهق الجبال إلى التنكيس في الآبار، وهو من حكم بحسبانه خليفة رسول الله، وباسم الله وحاز من تراثنا قدسية عظمى، حولت مواقفه وتصرفاته وأقواله إلى سنة ... إلى أن قال: لكن الرؤية المتأنية الفاحصة وراء تلك الأهوال التي حدثت للمسلمين على يد حكامهم المقدسين لا يمكنها أن تفهم ما حدث إلا على ضوء متطلبات السياسة، فهي مما لا يبرره أيّ حس أخلاقي ناهيك عن أيّ دين (١). ووصف خلافة أبي بكر بالانتهازية المبكرة، وقال: قد سمح بهذه الانتهازية طبيعة النص المقدس نفسه (٢). وهذا طعن في الدين نفسه. وقال: فقد تولى أبو بكر الخلافة في السقيفة دون شورى وبمصاحبة العنف. وكان العنف أبرز عناصر بيعته (٣). وأما أهل الردة فهم عند سيد القمامة معارضون سياسيون لخلافة أبي بكر، ولم يجدوا وسيلة للتعبير عن ذلك إلا بمنع الزكاة (٤). وأنه كان هدف أبي بكر بحروب الردة إخضاع معارضين له بالقوة، وارتكب

стр. 309

مجازر بشعة كالتنكيس في الآبار والإلقاء من شواهق الجبال والحرق بالنار (١). وزاد الكذوب فافترى أن أهل الردة كانوا يجمعون الزكاة ويوزعونها على الفقراء التزاما منهم بهذا الركن الإسلامي. وزاد: كلا لم يعفها ذلك من جز الرقاب والحصد بالسيف والإذلال بالسبي لنساء وأطفال مسلمين ومسلمات (٢). وذكر سيد القمامة أن أبا بكر فرض نفسه أميرا على العرب ووصف خلافته بديكتاتورية كاملة المواصفات (٣). وأنه مارس عنفا غير شرعي على المسلمين، وأنه قام بتصفيات آل بيت الرسول ﷺ ، وأنه قام بعدة عمليات اغتيال (٤). ونحا نفس المنحى محمد الشرفي حيث ذكر أن أبا بكر إنما قاد ومعه جل الصحابة حروب الردة من أجل مصالحهم الخاصة ومصالح قبائلهم (٥). وأن حروب الردة كانت سياسية لا دينية هدفها تركيز سلطة أبي بكر وتثبيت نفوذه وأنها كانت لبوسا دينيا لاختيار سياسي (٦). وزاد أنه ابتدع هذا الحد لمعاقبة المعارضين السياسيين، وقال: وقد ساند أبا بكر في هذه الحرب ضد المرتدين جل رفاقه (٧) ويعود السبب في ذلك إلى

стр. 310

مصالحهم الخاصة ومصالح قبائلهم وعشائرهم ومصالح الدولة التي كانوا بصدد إنشائها وتكوينها (١). ومناقشة هذه الشبهات ليس من همنا الآن، وإنما نقصد عرض آراء العلمانيين في الإسلام وعلمائه، لكني أكتفي هنا بشهادة علماني كبير على هذا، فقد قال الجابري: وقد حارب أبو بكر الصديق المرتدين لأنهم كانوا من هذا النوع (أي: خيانة الوطن) إذ قاموا يهاجمون دولة الإسلام ويرفضون الانصياغ لها (٢). عمر بن الخطاب . وصف سيد القمامة القمني عمر بكونه أحد المتآمرين على المسلمين (٣) وأنه حاول رشوة العباس من أجل الموافقة على الخلافة، وفشلت المحاولة (٤). عثمان بن عفان . قال محمد الشرفي عنه: اتسمت خلافته بمحاباة ذويه وبسوء التصرف في الأموال العمومية، وأنه كان يقترض من بيت المال مبالغ ضخمة لم يكن يسددها في كل مرة (٥). وأنه أخذ من الخزينة العامة مالا لنفسه وعائلته بلا رقيب أو حسيب (٦). واتهم فرج فودة عثمان بالاضطراب في حكمه (٧). واتهمه محمد بو

стр. 311

بكري بأنه تعهد بأنه سيحكم بسنة الله ورسوله، لكنه نقض وعده فتم قتله (١). وتكلم فيه القمني واتهمه بدفع الأموال الباهظة لقرابته (٢)، وأنه طرد الصحابة الفقراء (٣)، وأنه آوى أعداء النبي (٤)، وأنه ضرب عددا من الصحابة ضربا شديدا لما خالفوه (٥). وقال أيضا: لا تعرف أين تضع سلوك الخليفة الراشد عثمان في تحريق المصاحف ولا نهبه مال بيت المسلمين وتوزيعه على أحبائه وأهله، ثم قمعه كل من اعترض على قراراته بكل عنف كما فعل مع عبد الله بن مسعود حبيب رسول الله الذي أوصى بحبه، وكيف سبه علنا سبا قبيحا وضربه حتى كسر أحد أضلاعه، ومنع عنه عطاءه ثم جلده بالسياط عندما قام بدفن صحابي جليل كان معارضا لعثمان هو أبو ذر الغفاري (٦). عائشة أم المؤمنين . قال القمني: وأيضا لا تعرف أين تصنف سلوك عائشة بنت أبي بكر التي اشتغلت بالسياسة والفتوى كأرملة للنبي، وقامت تحرض الناس ضد الخليفة عثمان عندما أنقص من عطائها واتهمته بالكفر الصريح مستثمرة وضعها كأم المؤمنين تناديهم: اقتلوا نعثلا فقد كفر. ولا موقفها من الإمام علي عندما اتهمته

стр. 312

بدم عثمان وخوضها ضده حربا مزقت صفوف المسلمين ومات حول جملها ألوف المسلمين وما سلم شأن معاوية معها إلا عندما سدد عنها ديونها ودفع لها ثمانية عشر ألف دينار (١). وكل هذه أكاذيب وافتراءات تلائم قمامة القمامي. أبو هريرة . ذكر عبد المجيد الشرفي أن سيرة أبي هريرة زمن معاوية لم تكن رمزا للاستقامة (٢). ابن عباس . اتهم عبد المجيد الشرفي عبد الله بن عباس بوضع الحديث، وقال: وموقفه حين ولاه علي على الكوفة أبعد من أن يكون مشرفا (٣). وأكد أنه لم يكن شاهدا موثوقا به على أحداث فترة الوحي (٤). واتهم فرج فودة ابن عباس باختلاس المال (٥)، اعتمادا على روايات لم يشغل نفسه بالنظر في صحتها لأنها ما دامت تخدم مشروعه في أن تطبيق الشريعة محال وأنه لا يجلب إلا الفتن والمصائب. بل زاد واتهمه بأنه سرق مال بيت المال واستجار بأخواله حتى عاد إلى مكة وأوسع على نفسه منه (٦).

стр. 313

وهو ينقل الأفكار المكذوبة من كتب التاريخ كأنها في صحيح البخاري ومسلم بالنسبة لنا نحن المسلمين. وزاد فأكد أنه ليس في قلبه ذرة من إيمان لأنه لم يخشع ولم يتب (١). وتساءل الملعون: هل نأتمن على ديننا من لم يؤتمن على دنيانا؟ (٢). واتهم ابن عباس وعامة الصحابة بأنهم نكصوا عن حمل أعباء العقيدة (٣). وذكر نصر أبو زيد أن أكثر الروايات المنقولة عن ابن عباس مشكوك في صحتها، بل وموضوعة، وزاد أن وضعه في قائمة الصحابة كانت جزءا من محاولة النظام العباسي الاستناد إلى مشروعية فقهية معرفية إلى جانب مشروعية النسب لمواجهة مشروعية الشيعة التي جعلت عليا هو الوصي والإمام الحقيقي (٤). فعبد الله بن عباس ليس صحابيا جليلا، بل هو صنيعة سياسية من قبل النظام، ورواياته كلها موضوعة مكذوبة. ثم يقرر في خفة لا يحسد عليها أن مثل هذا النقد الذي سماه بالتاريخي هدفه هو أنه يحفظ للتراث نظارته وحيوته، ويمكنه من استعادة الحيوية والنظارة والتجديد، ويحمي هوية الأمة، هكذا قال أبو زيد (٥). يتمظهر بالحفاظ على التراث والدفاع عنه: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ الحشر١٦.

стр. 314

أسامة بن يزيد ومن معه من الصحابة . قال القمني: فهذه حملة أسامة بن زيد لم يكن لها من غرض سوى القتل والتحريق والعودة بالغنائم الممكنة وإرهابا للروم، لأن الإرهاب كان أحد أعمدة الدعوة ووسائلها إلى النصر (١). عثمان والزبير وأبو بكر وطلحة وعبد الرحمن بن عوف . اتهمهم فرج فودة بتكديس ثروات ضخمة، مع أنهم لم يكونوا يملكونها حسب زعمه قبل الإسلام (٢). مع أنهم كلهم كانوا أثرياء في الجاهلية. وقال: وجمع المال على هذا النحو لا يستقيم مع نقاء الإيمان وصفاء السريرة إلا بجهد مجهد وجهيد (٣). عطارد بن حاجب بن زرارة . وهو خطيب وفد بني تميم إلى النبي ﷺ . قال القمني عنه لما افتخر أمام النبي ﷺ بقبيلته: المضحك الكارثي في تاريخنا الميمون أنهم كانوا يقولون فقط، يعني من يملك فَمًا أكبر وصوتا أعلى هو الفائز ... كان الفخر عند العربي بكثرة الكلام ومن لا يحسن الكلام أعجم أي: حيوان لا يستطيع الكلام، لذلك تسمى الحيوانات عجماوات، فهم أفضل من الحيوان لأنهم يعرفون كيف يتكلمون، بينما الحيوان لا يعرف كيف يتكلم!! ولا

стр. 315

يفوت ملاحظ تركيز آيات القرآن على السمع والاستماع والاحتفاء بالبلاغة والبيان، وكيف أن الكلام هو منحة ربانية للإنسانية وجعلنا له لسانا وشفتين، كانت كل ثروتهم هي الكلام الذي هو كنز حضارتهم. وقال ابن زرارة فخره الكاذب دون أن يوقفه النبي ﷺ أو يقول له كذبت يا هذا، لجأ النبي إلى الأسلوب القبلي ذاته لكنه الحاسم .... إلخ كلامه (١). فتوطأ الكل على هذه الجريمة: الله والرسول والصحابة، في نظر القمني. الذي أدهشني في القمني وطار بلبي براعته في اختيار القمامة المناسبة، مما يؤكد ويدل دلالة قاطعة على خبرة واسعة في التقمم، يستحق عليها جائزة نوبل للقمامة. وزاد فقال: كذب التميمون وبالغوا في فخرهم (٢). إلى أن قال: فأشهر الوفد إسلامه بعد اقتناع بعلو الصوت، أي أنهم انتقلوا من مرحلة المباهاة والمفاخرة إلى انتكاسة لا تريد الاعتراف بالجبن عن المواجهة، بل إعلان الاقتناع بالدين الجديد الذي لم يعلموا عنه شيئا بعد!! (٣). كذا قال وعلامات التعجب منه. سخر من أولئك الصحابة الكرام لأنهم بزعمه سبب إسلامهم هو علو الصوت فقط، وأنهم إنما أسلموا جبنا عن المواجهة، ومع جهلهم بالدين الذي دخلوا فيه. لم يجد سيد القمامة من يسخر منه إلا أولئك الرجال، الذي تراب حافر حمار أحدهم خير منه، وترك رفاقه الشيوعيين الذين قتلوا ونهبوا وهجَّروا وأبادوا دولا ومجتمعات وعرقيات بأكملها في الاتحاد السوفياتي وألبانيا ويوغوسلافيا وغيرها. ولم نره حرك ساكنا عن التاريخ الأسود لأحباره ورهبانه، ولم يتحفنا بكتاب يحلل فيه نفسية كهنته المتعطشة للدماء والقتل والسلب والنهب.

стр. 316

مع أنه انفض جمع سدنته وافتضحوا وافتضح هو معهم، وكان الواجب على من يرفع شعار العقلانية والتقدم والحرية أن يفسر لنا سر الانقلاب المفاجئ من الماركسية الملحدة السفاكة للدماء إلى الليبرالية الامبريالية الجشعة الانتهازية؟ الجواب نتركه لسيد القمامة. علماء الإسلام . يسمي أركون علماء الإسلام الكهنة والرهبان. إمعانا في الحط من منزلتهم وتحقيرهم (١). ويسميهم نصر أبو زيد وخليل عبد الكريم وآخرون عبدة النصوص، وكهنة النصوص. وسخر منهم القمني وسماهم الغوغاء (٢). وسماهم خليل عبد الكريم: عارضوا السِّلع الدينية (٣). وقال القمني: بل لقد شارك الفقهاء أنفسهم في الاحتيال على أحكام الدين (٤). وقال: أما الظلم الاجتماعي والقهر الفكري وسحق المخالف فقد اجتمع عليه كلاهما السلطان والفقهاء (٥). وقال: إن تجاوب الفقهاء كان مع رغبات السلطان حتى اخترعوا له الأحاديث النبوية ... ولجأوا لكل الحيل الشرعية لتبرير أهواء السلطان ونزواته وأدانوا بالمطلق كل موقف معارض حتى لو انطلق من آيات الله وشرائعه

стр. 317

ووصموه بالرافض المعطل المرتد الكافر (١). وقال عن الفقهاء: فدافعوا عن خلفاء ضربوا الصحابة وجلدوهم وركلوهم بالنعال وأعدموهم حرقا منذ حروب أبي بكر مرورا بدرة عمر وتجسسه على العباد حتى سوط عثمان وتكسيره أضلاع الصحابة إلى تقطيع أوصال المفكرين علنا وسلخ جلودهم بفتاوى فقهية سحقت كرامة بني آدم (٢). وفي كتابه أهل الدين والديمقراطية صب جام غضبه على العلماء الرسميين وغير الرسميين واتهمهم بأبشع النعوت ووصفهم بأخس الأوصاف، والكتاب يتلاطم كالأمواج من مثل هذا، أقتصر هنا على قوله: إن صناع الحضارة لم يكونوا من رجال الأديان السماوية الثلاثة، بل كانت الحضارة أنشط قبل ظهور إكليروس الأديان السماوية، ثم إن التحضر الحديث لم يحدث إلا بعد التخلص من سطوة الكنيسة، ولم يحدث لبلد إسلامي واحد سوى تركيا (٣)، التي تحركت مع أتاتورك نحو الحضارة. إن الحضارة والتقدم لم يقم بهما يوما رجال الدين، بل كانوا دوما معطلا وقامعا ومانعا. والموت ضروري للتطور، لأنه لو لم يكن هناك موت لما كان هناك تطور جديد. فالتطور يعني موت القديم ليفسح المكان لمولد الجديد ... (٤). أي: الدين لا يجلب إلا التخلف، والقطيعة مع الدين تعنى الحضارة والتقدم!!! وقال أركون: دور الفقهاء والعلماء هو تبرير السلطات

стр. 318

الموجودة من أجل الحفاظ على امتيازاتهم (١). واتهم الفقهاء بالتلاعب بالخطاب القرآني (٢). ودعا إلى إزاحة الفقهاء أئمة المذاهب من طريق البحث العلمي لأنهم يمثلون عقبة في اتجاه التقدم (٣). ووصف العلماء بالخضوع والعجز والانتهازية (٤). وذكر عبد المجيد الشرفي أن الفقهاء إنما كانوا يدافعون عن مصالحهم (٥)، وأنهم متعصبون (٦). الإمام الشافعي . حظي الإمام الشافعي باهتمام نصر أبي زيد كثيرا وخصه بكتاب مفرد، ملأه طعونا في الشافعي ﵀. واعتبر أبو زيد أن دفاع الشافعي عن عربية القرآن، وأنه ليس فيه عربية دخيلة انحياز إيديولوجي لقريش فقط، وأنه دفاع عن نقاء لغة قريش وتأكيدا لسيادتها وهيمنتها على لغات اللسان العربي. والحقيقة أن هذا الموقف لا يخلو من انحياز إيديولوجي للقرشية التي أطلت برأسها أول ما أطلت بعد نزول الوحي في الخلاف حول قيادة الأمة في اجتماع السقيفة (٧). إذن فالمسألة كلها صراع إيديولوجي

стр. 319

وسياسي للهيمنة. واتهم الشافعي بالانحياز للقرشية (٨٦) وللعباسيين الذين عرفوا بممارستهم القمعية ضد جماهير المسلمين، ليعود بعد صفحتين فقط ليناقض نفسه فيقرر منافرة الشافعي للنظام العباسي (٩٨). واتهمه بالنزوع العصبي (٩٧). وبالتشدد وتكليف ما لا يطاق (١٠٠). وأنه منحاز للعلويين (٥٩). وأنه كان جزءا من النزعة القرشية التي أرادت الهيمنة على المشروع الإسلامي (٥٦). وأنه صاحب نزوع قرشي عروبي (٦٧). بل وشعوبي (١٠٨ - ١٠٩). وأنه جعل من عادات قريش وأعرافها دينا ملزما للناس كافة (٦٩). واتهمه بالمغالطة. (١٥١). وبخلط المفاهيم واضطراب المصطلح (١٥١). وبالتلفيق (١٨٠). وأنه كان يناضل من أجل القضاء على التعددية الفكرية والفقهية (١٨٠). واتهم الشافعي بالتناقض حين أسس السنة وحيا (١٣٤). وبالعصبية العربية القرشية (١٣٥). وقال: والحقيقة أن تناقض الشافعي المشار إليه نابع من سيطرة الإيديولوجيا (١٣٥). وأن له فكرا تلفيقيا يتسم بالتردد، يحاول التوفيق بين نهجين على أساس إيديولوجي (١٢٩). ويبدو أن أبا زيد يصنف الشافعي انطلاقا من منطلق إيديولوجي حقير ودنيء وخسيس. فالشافعي في نظر العلامة أبي زيد شعوبي يدافع عن الإيديولوجية العلوية. ولقد أنصفت محكمة القاهرة النزيهة الإمام الشافعي وانتقمت له. قد يتساءل القارئ: ولماذا كل هذا عن الشافعي؟ ذلك لثلاثة أسباب رئيسية في نظري: أولا: لأن الشافعي كان ضد علم الكلام، وخاصة المعتزلة، وهذا طبعا شيء يغضب أبا زيد وإخوانه.

стр. 320

فلا يفتأ العلمانيون من التعلق بالمعتزلة وابن رشد ويعتبرون أنفسهم امتدادا لتياراهم العقلاني. ولخبرتي -والحمد لله- بمذاهب المعتزلة سأخص هذه المسألة بكتاب مفرد، أعني المعتزلة والتوظيف العلماني. لنبين فيه أن تعلق العلمانيين بالمعتزلة هو كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ النور٣٩. وثانيا: لأن الشافعي هو أول من صنف في علم أصول الفقه، الذي يعد آلية منهجية لقراءة النصوص الدينية. وهذا يقطع الطريق على المناهج العلمانية النقدية الحديثة. وثالثا: لأن الشافعي قرر حجية السنة تقريرا موسعا معبرا عن الرأي المستقر عند العلماء كافة بما فيهم الأحناف وأنها المصدر التشريعي الثاني بعد القرآن. ولفرط جهله ظن أن الشافعي هو صاحب هذه الأطروحة التي سببت أرقا كبيرا لأبي زيد. فهذه ثلاثة أسباب وجيهة، كل واحدة كافية لإزعاج نصر أبي زيد حتى يفقد صوابه واتزانه فينطلق مشككا لافظا التهم هنا وهناك ولو كانت غير منطقية ولا معقولة، المهم أن يقول شيئا ولو كان تافها. ابن تيمية . قال عبد الوهاب المؤدب عنه: الشخص القمعي الفردي العدواني بطبيعته والمسرحي الاستعراضي (١).
следующие страницы →