← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96927

العلمانيون العرب وموقفهم من الإسلام

مصطفى باحو

Полный текст (384 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

مع أنه انفض جمع سدنته وافتضحوا وافتضح هو معهم، وكان الواجب على من يرفع شعار العقلانية والتقدم والحرية أن يفسر لنا سر الانقلاب المفاجئ من الماركسية الملحدة السفاكة للدماء إلى الليبرالية الامبريالية الجشعة الانتهازية؟ الجواب نتركه لسيد القمامة. علماء الإسلام . يسمي أركون علماء الإسلام الكهنة والرهبان. إمعانا في الحط من منزلتهم وتحقيرهم (١). ويسميهم نصر أبو زيد وخليل عبد الكريم وآخرون عبدة النصوص، وكهنة النصوص. وسخر منهم القمني وسماهم الغوغاء (٢). وسماهم خليل عبد الكريم: عارضوا السِّلع الدينية (٣). وقال القمني: بل لقد شارك الفقهاء أنفسهم في الاحتيال على أحكام الدين (٤). وقال: أما الظلم الاجتماعي والقهر الفكري وسحق المخالف فقد اجتمع عليه كلاهما السلطان والفقهاء (٥). وقال: إن تجاوب الفقهاء كان مع رغبات السلطان حتى اخترعوا له الأحاديث النبوية ... ولجأوا لكل الحيل الشرعية لتبرير أهواء السلطان ونزواته وأدانوا بالمطلق كل موقف معارض حتى لو انطلق من آيات الله وشرائعه

стр. 317

ووصموه بالرافض المعطل المرتد الكافر (١). وقال عن الفقهاء: فدافعوا عن خلفاء ضربوا الصحابة وجلدوهم وركلوهم بالنعال وأعدموهم حرقا منذ حروب أبي بكر مرورا بدرة عمر وتجسسه على العباد حتى سوط عثمان وتكسيره أضلاع الصحابة إلى تقطيع أوصال المفكرين علنا وسلخ جلودهم بفتاوى فقهية سحقت كرامة بني آدم (٢). وفي كتابه أهل الدين والديمقراطية صب جام غضبه على العلماء الرسميين وغير الرسميين واتهمهم بأبشع النعوت ووصفهم بأخس الأوصاف، والكتاب يتلاطم كالأمواج من مثل هذا، أقتصر هنا على قوله: إن صناع الحضارة لم يكونوا من رجال الأديان السماوية الثلاثة، بل كانت الحضارة أنشط قبل ظهور إكليروس الأديان السماوية، ثم إن التحضر الحديث لم يحدث إلا بعد التخلص من سطوة الكنيسة، ولم يحدث لبلد إسلامي واحد سوى تركيا (٣)، التي تحركت مع أتاتورك نحو الحضارة. إن الحضارة والتقدم لم يقم بهما يوما رجال الدين، بل كانوا دوما معطلا وقامعا ومانعا. والموت ضروري للتطور، لأنه لو لم يكن هناك موت لما كان هناك تطور جديد. فالتطور يعني موت القديم ليفسح المكان لمولد الجديد ... (٤). أي: الدين لا يجلب إلا التخلف، والقطيعة مع الدين تعنى الحضارة والتقدم!!! وقال أركون: دور الفقهاء والعلماء هو تبرير السلطات

стр. 318

الموجودة من أجل الحفاظ على امتيازاتهم (١). واتهم الفقهاء بالتلاعب بالخطاب القرآني (٢). ودعا إلى إزاحة الفقهاء أئمة المذاهب من طريق البحث العلمي لأنهم يمثلون عقبة في اتجاه التقدم (٣). ووصف العلماء بالخضوع والعجز والانتهازية (٤). وذكر عبد المجيد الشرفي أن الفقهاء إنما كانوا يدافعون عن مصالحهم (٥)، وأنهم متعصبون (٦). الإمام الشافعي . حظي الإمام الشافعي باهتمام نصر أبي زيد كثيرا وخصه بكتاب مفرد، ملأه طعونا في الشافعي ﵀. واعتبر أبو زيد أن دفاع الشافعي عن عربية القرآن، وأنه ليس فيه عربية دخيلة انحياز إيديولوجي لقريش فقط، وأنه دفاع عن نقاء لغة قريش وتأكيدا لسيادتها وهيمنتها على لغات اللسان العربي. والحقيقة أن هذا الموقف لا يخلو من انحياز إيديولوجي للقرشية التي أطلت برأسها أول ما أطلت بعد نزول الوحي في الخلاف حول قيادة الأمة في اجتماع السقيفة (٧). إذن فالمسألة كلها صراع إيديولوجي

стр. 319

وسياسي للهيمنة. واتهم الشافعي بالانحياز للقرشية (٨٦) وللعباسيين الذين عرفوا بممارستهم القمعية ضد جماهير المسلمين، ليعود بعد صفحتين فقط ليناقض نفسه فيقرر منافرة الشافعي للنظام العباسي (٩٨). واتهمه بالنزوع العصبي (٩٧). وبالتشدد وتكليف ما لا يطاق (١٠٠). وأنه منحاز للعلويين (٥٩). وأنه كان جزءا من النزعة القرشية التي أرادت الهيمنة على المشروع الإسلامي (٥٦). وأنه صاحب نزوع قرشي عروبي (٦٧). بل وشعوبي (١٠٨ - ١٠٩). وأنه جعل من عادات قريش وأعرافها دينا ملزما للناس كافة (٦٩). واتهمه بالمغالطة. (١٥١). وبخلط المفاهيم واضطراب المصطلح (١٥١). وبالتلفيق (١٨٠). وأنه كان يناضل من أجل القضاء على التعددية الفكرية والفقهية (١٨٠). واتهم الشافعي بالتناقض حين أسس السنة وحيا (١٣٤). وبالعصبية العربية القرشية (١٣٥). وقال: والحقيقة أن تناقض الشافعي المشار إليه نابع من سيطرة الإيديولوجيا (١٣٥). وأن له فكرا تلفيقيا يتسم بالتردد، يحاول التوفيق بين نهجين على أساس إيديولوجي (١٢٩). ويبدو أن أبا زيد يصنف الشافعي انطلاقا من منطلق إيديولوجي حقير ودنيء وخسيس. فالشافعي في نظر العلامة أبي زيد شعوبي يدافع عن الإيديولوجية العلوية. ولقد أنصفت محكمة القاهرة النزيهة الإمام الشافعي وانتقمت له. قد يتساءل القارئ: ولماذا كل هذا عن الشافعي؟ ذلك لثلاثة أسباب رئيسية في نظري: أولا: لأن الشافعي كان ضد علم الكلام، وخاصة المعتزلة، وهذا طبعا شيء يغضب أبا زيد وإخوانه.

стр. 320

فلا يفتأ العلمانيون من التعلق بالمعتزلة وابن رشد ويعتبرون أنفسهم امتدادا لتياراهم العقلاني. ولخبرتي -والحمد لله- بمذاهب المعتزلة سأخص هذه المسألة بكتاب مفرد، أعني المعتزلة والتوظيف العلماني. لنبين فيه أن تعلق العلمانيين بالمعتزلة هو كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ النور٣٩. وثانيا: لأن الشافعي هو أول من صنف في علم أصول الفقه، الذي يعد آلية منهجية لقراءة النصوص الدينية. وهذا يقطع الطريق على المناهج العلمانية النقدية الحديثة. وثالثا: لأن الشافعي قرر حجية السنة تقريرا موسعا معبرا عن الرأي المستقر عند العلماء كافة بما فيهم الأحناف وأنها المصدر التشريعي الثاني بعد القرآن. ولفرط جهله ظن أن الشافعي هو صاحب هذه الأطروحة التي سببت أرقا كبيرا لأبي زيد. فهذه ثلاثة أسباب وجيهة، كل واحدة كافية لإزعاج نصر أبي زيد حتى يفقد صوابه واتزانه فينطلق مشككا لافظا التهم هنا وهناك ولو كانت غير منطقية ولا معقولة، المهم أن يقول شيئا ولو كان تافها. ابن تيمية . قال عبد الوهاب المؤدب عنه: الشخص القمعي الفردي العدواني بطبيعته والمسرحي الاستعراضي (١).

стр. 321

المجتهدون الجدد . إذا كان فقهاؤنا وعلماء الأمة بهذه الأوصاف الشنيعة التي ذكر العلمانيون فهم ليسوا أهلا للتحدث باسم الإسلام، فإن الجدير بهذه المكانة هم العلمانيون حسب ما قال هاشم صالح تبعا لعياض بن عاشور. ذكر منهم محمود طه والعشماوي وأركون وعبد المجيد الشرفي وغيرهم (١). ولم نعد حسب العفيف الأخضر بحاجة إلى علماء الفقه والأصول والتفسير ممن وصفوا بالراسخين في العلم، بل هناك راسخون جدد، قال: أما الراسخون في العلم اليوم فهم أخصائيو تاريخ الأديان المقارن والسسيولوجيا الدينية وعلم النفس والهرمنوطيقا (علم التأويل) والأنثروبولوجيا والألسنية وطبعا النحو والبلاغة .. إلخ (٢). حقا إنهم راسخون، لكن في الضلال والكفر. وقال هاشم صالح تبعا لعياض بن عاشور: ينبغي علينا أن ننزع المشروعية عن طبقة العلماء التقليديين الذي يحتكرون تفسير القرآن، أي: كبار الفقهاء ورجال الدين الإسلامي، فالمجتهدون الجدد في الإسلام من أمثال عبد المجيد الشرفي وسواه ينبغي عليهم أن يحطموا الجدار الكهنوتي، جدار الكلام الرسمي المأذون عن الدين. ففتح باب الاجتهاد من جديد لا يمكن أن يتم بدون ذلك. وعندئذ يمكن لكل مسلم أن يرتفع إلى مكانة المفسر لكلام الله ولا يعود بحاجة للعودة إلى رجل الدين في كل مرة (٣).

стр. 322

الإسلاميون . تتسم أغلب كتابات العلمانيين اتجاه الحركات الإسلامية والصحوة الإسلامية بالأحكام المسبقة وبَهَمٍّ إيديولوجي إقصائي، يترجم عند بعضهم إلى سيل منهمر من الشتائم والسباب التي تنبئ عن ضحالة في الفكر وهشاشة في الدمقرطة والعقلانية التي يدعونها. وحسب العلماني تركي علي الربيعو فإن التيار الذي يمثله كل من رفعت السعيد في مواقفه الإيديولوجية المتشنجة من ما يسميه بـ «الإسلاميوية» ومن فؤاد زكريا وبالأخص كتاب الصحوة الإسلامية في ميزان العقل الذي استفاض فيه بالتهكم على الإسلاميين ولباسهم وسلوكهم المتخلف ... إلخ، كذلك سعيد العشماوي في كتابه عن الإسلام السياسي الذي يندرج في إطار رؤية رسمية وإيديولوجية للحركات الإسلامية، وهذا على سبيل المثال لا الحصر. ما يجمع هذا التيار حسب الربيعو دائما هو الإدانة للحركات الإسلامية، والأحكام المسبقة الجاهزة التي تقوم على نفي الآخر واتهامه وإيداعه المصحات النفسية، وهذا ما يتنافى مع الدعوة إلى الإصلاح والديمقراطية حيث الديمقراطية بأبسط تعريف لها هي الاعتراف بالآخر (١). في مكان آخر من كتابه يحدثنا الربيعو عن الفرضيات السائدة حول تفسير الظاهرة الإسلامية، فيذكر: الفرضية التاريخية والفرضية السوسيولوجية. وهي بحسبه «لا تقود إلا إلى الإدانة والنفي، فالفرضية التاريخية التي تسود في أدبيات علم اجتماع المعرفة تعزو انتشار الحركات الإسلامية المعاصرة إلى فشل

стр. 323

المشروع القومي العربي اليساري. هذه الفرضية تظل محكومة بالتطورية الثقافية، التي ترى في الدين مأوى للعاجزين، وهي فرضية أقل ما يقال عنها إنها باتت متجاوزة في حقل الإناسة منذ زمن بعيد، إذ كيف نفسر تزامن المشروع الإخواني مع المشروع الناصري في عز مجده». «أما الفرضية السوسيولوجية فهي الأخرى محكومة بإشكالية ماركسية، إشكالية المجتمع الطبقي، فهذه الفرضية تربط انتشار الحركات الإسلامية بغياب المجتمع الطبقي، وتراهن على زوالها بتبلور هذا المجتمع. فالدين عبر هذه الفرضية، هو الآخر وَهْم ينتمي إلى حيز اللامعقول» (١). وقال العلماني المغربي عبد الرحيم لمشيشي في كتابه الجهاد (١٣) عن الإسلاميين: إن كتاباتهم تنضح بالحقد والكره، بل والدعوة إلى ارتكاب الجريمة والقتل. وفي كل خطبهم ومواعظهم لا تسمع إلا دعوات الحقد على الغرب وضرورة قتل اليهودي والمسيحي وكل من هو مختلف عنهم في المذهب أو في الدين (٢). ووصف أركون الإسلاميين بالإسلام السلفي الراديكالي المغرق في طقوسيته الشعائرية، والإسلام التبسيطي الدوغمائي (٣)، والأصولية الإطلاقية الإرهابية المعممة (٤). وقال: لماذا نشهد في نهاية هذا القرن العشرين الصعود الضخم لإسلام مغلق ودوغمائي ومتعصب وأسطوري؟ هذا هو السؤال الضخم الذي لا

стр. 324

ينتبه إليه أولئك المختصون والإيديولوجيون الانتهازيون الذين يملؤون الجو بثرثرتهم عن الإسلام (١). وقال: ولكن بما أن رجال الدين يرخون لحاهم وذقونهم فإنهم يوهمون الناس بأن القدرة الإلهية تحكم من خلالهم (٢). هكذا يقول ابن السربون، فهو ينخرط في المشروع العلماني القائم على خلق المغالطات المكذوبة والمصطنعة ليبني عليها ما بعدها، ولإثبات صحة المشروع العلماني ومصداقيته ولو بالأكاذيب. فليس في يد العلمانيين حجج عقلية اتجاه الإسلاميين إلا الاتهامات المصطنعة والشبه المفبركة، لأنهم عاجزون عن تقديم نقد علمي رصين للمشروع الإسلامي. في ظل الفشل الذريع لمشروعهم لا حيلة أمامهم إلا السب والشتم والطعن والتخوين واصطناع الأراجيف. وقد تحول العلمانيون وخاصة ذوي الأصول الماركسية إلى طابور من المداحين والمتملقين للسلطات لتحريضها على مزيد من التضييق على الإسلاميين، أو لنقل التحريض على نوع من الديكتاتورية، عبر التترس خلف ستار قطع الطريق على أعداء الديمقراطية. أما سيد القمامة فقد ملأ كتبه سبا وطعنا وتحقيرا وسخرية (٣). ويسمي الصحوة الإسلامية: بالصحوة الإرهابية (٤)، وصحوة الموت (٥)،

стр. 325

والصحوة لا بارك الله فيها (١). ولا فرق عنده بين معتدلين ولا متشددين، فالكل دنيء وحقير ودموي وإرهابي، قال عن الزرقاوي وابن لادن وهاني السباعي والقرضاوي ومهدي عاكف وفهمي هويدي: كلهم في الدموية سلة واحدة (٢). وقال عن القرضاوي: إن هذا الرجل متاجر بدين الله ضد مصالح عباد الله يفتي بالمطلوب مأجورا في الدنيا وفراديسها وقصورها الغناء الفوارة قبل الآخرة ونعيمها (٣)، وسماه كاهن الإخوان الأكبر (٤). وقال عن التيار الإسلامي عموما: كان نكبة على البلاد والعباد (٥)، وأنه كان تدميرا حقيقيا للعقل المسلم (٦). وقال عن هيئة علماء المسلمين العراقية المجاهدة تحت عنوان: هيئة علماء الإرهاب: إن هذه الهيئة تحرك خيوط الجريمة المنظمة في العراق، وإن أعضاء تلك الهيئة هم المجرمون الحقيقيون وراء ما يحدث في العراق، وإن محاكمة هؤلاء هي البداية الصحيحة لوقف العنف في العراق (٧).

стр. 326

في حين دافع عن موقف السستاني (١). بل ودافع عن التبشير المسيحي واعتبره حقا لأنه سعي وراء الدعوة الصادقة والثواب الأعظم (٢). وأما علماء الإسلام فهم أعداؤه الدائمون، قال: إذا كان هؤلاء يصفون أنفسهم بالعلماء فبماذا نصف الحمير؟ (٣). وأكثر محمد الشرفي من اتهام الإسلاميين بشتى ألقاب التسفيه والتضليل والازدراء في الفصل الذي خصصه للأصولية الإسلامية (٤). واعتبرهم كارثة حقيقية (٥). وقال علي حرب: إن الحركات الإسلامية هي بطبيعتها مولدة للعنف، أي أن العنف خاصية بنيوية فيها (٦). وملأ عبد الوهاب المؤدب (القليل الأدب) كتابه «أوهام الإسلام السياسي» طعنا وسبا وشتما. وكنت أظن أنني سأعثر في هذا الكتاب على الأقل على شبه تحليلات علمية بروح علمية نزيهة إذا بي أفاجأ بقاموس سباب وشتائم وتوزيع الاتهامات هنا وهناك. فكل الشر في الإسلاميين وكل الباطل فيهم، بل هم معدن الباطل والشر وأصله. أكتفي هنا بما وصف به الشيخ الشعراوي: عبر هذا التعليم الظلامي الذي

стр. 327

نشره هذا الشيخ في عملية مسخ إضافية ينتصر فيها أشبه المتعلمين المتجرئين حتى في إظهار حقدهم، فالالتباس يبلغ ذروته، وانعدام المقاييس يشل العقل، والجمهور يؤخذ بالخزعبلات ويتأثر بأعمال القياس الملائمة للعقلية التوفيقية التي يبثها الشيخ، وهي التي ترى أن القرآن بشر بكل المخترعات العلمية خاصة في عصرنا هذا مرفقا كلامه برشاش اللعاب (١)، وهو يتكلم بحركات تفخيمية، إنه مربي الفقراء الذي يلعب دوره بشكل مسرحي ويجري تقبله بالرغم (أو بسبب) طريقته البدائية في التعبير (٢). في حين استشاط غيظا من تدمير طالبان لتمثالي بوذا في أفغانستان، وسب وشتم وأرعد وأبرق، واعتبر الفعلة جريمة شنعاء، وكارثة، وبكى طويلا ونحب نحيبا عظيما على هذا التراث العالمي!!! (٣). أما سمير أمين فلم يخرج عن نفس الجوقة، وهذه بعض عباراته: لا يقدم الإسلام السياسي المعاصر سوى مركزية أوربية معكوسة (٤). فالإسلام السياسي يدعو إلى الخضوع لا التحرر (٥). لقد جرى اختراع الإسلام السياسي الحديث في الهند على يد المستشرقين لخدمة السلطة البريطانية (٦).

стр. 328

يكتفي بتكرار الكتابات التي لا طعم لها لابن تيمية، الذي هو أكثر الفقهاء رجعية في العصر الوسيط (١). لا فرق عنده بين المعتدل والمتطرف في الإسلاميين (٢). لا يتعارض خطاب رأس المال الليبرالي للعولمة مع خطاب الإسلام السياسي، بل هما في الواقع يكمل أحدهما الآخر تماما (٣). الإسلام السياسي في خدمة الامبريالية (٤). إنه حليف ثمين للامبريالية (٥). الإسلام السياسي ليس فقط رجعيا في بعض المسائل ... إنه رجعي بأساسه (٦). إنه يقف إجمالا خلف القوى المهيمنة على الصعيد العالمي (٧). إن الإسلام السياسي هو من فعل الامبريالية الكامل مدعوما بالطبع من قوى الرجعية الظلامية، ومن الطبقات الكومبرادورية التابعة لها (٨). تاريخ الإسلام تاريخ قتل ونهب وإبادة . هكذا يصور التاريخَ الإسلامي عدد من العلمانيين منهم القمني. قال: ولأن الدولة لم تكن دولة العدل والإحسان، بل دولة الظلم والطغيان والقهر لآدمية الإنسان وإذلال كرامة الناس والشعوب المقهورة منذ بدء

стр. 329

الفتوحات حتى سقوط آل عثمان (١). وهو تاريخ مجازر ومحارق في فتوح العراق وفلسطين ومصر والشام، مع ذل الرجال بهتك عرض النساء، وظلم العباد وقهر الرجال وذل النساء على موائد السبي بالاغتصاب العلني (٢). وصور فيما بعد الفتح الإسلامي (٣) تصويرا قاتما وأنه باختصار احتلال واستعمار واستغلال وسفك دماء وإرهاب وتدمير للحضارات السابقة. وقال في انتكاسته (١٨): فتاريخ المسلمين كله هو تاريخ فتن وصراع على الجاه والسلطان منذ فجر عصرنا الذهبي منذ الخلفاء الراشدين الهداة المهديين (٤) الذين ماتوا صرعى القتل رغم حرصهم على الشرع الذي لم يؤد إلى أمن المجتمع ولم يحفظ لرأس الحكم أمنه وحياته. وقريب من خطاب القمني فرج فودة ففي كتابه الحقيقة الغائبة جلب نصوصا كثيرة لأحداث مأساوية مشكوك في كثير منها، عن الخلفاء الأربعة وخلفاء بني أمية وبني العباس ليستدل بها على استحالة تطبيق الشريعة في زماننا، وكيف أنها لما طبقت ما جلبت إلا الدماء والقتل والأشلاء والنهب والإبادة. وفي نفس الوقت يبشرنا بعلمانيته المنقذة لنا من الضلال، والعاصمة لنا من كل الشرور والآثام. ناسيا مخازي أحباره وجرائم رهبانه الذي ملأ الدفاتر، كجرائم هتلر وموسليني وستالين وبوش، وحكام فرنسا مهد العلمانية وما فعلوه بالمستعمرات الإفريقية فلم

стр. 330

تعصم علمانيتهم ملايين البشر من السحق والإبادة، بل ركب جواد ضلالته فزعم أن عصرنا أرقى بكل المقاييس من عصور الإسلام السالفة، وعلى رأسها مقاييس الأخلاق، وهو مدين في هذا لعلمانيته التي سماها ثقافة إنسانية (٦٥). بل في نظر القمني: مستوى قمة زمانهم (أي: الفقهاء المسلمون المتقدمون) المعرفي أدنى من المراحل التعليمية الابتدائية في زماننا .... لذلك نحن اليوم (أي: القمني ومن معه) أقدر وأفقه بالرأي الذي تحتاجه الأمة ومصالح الناس عن رأي مضى عليه ألف عام (١). فأعلى مستوى عند الفقهاء المتقدمين هو أدنى من المراحل الابتدائية في زماننا. ولا أدنى من المراحل الابتدائية إلا مرحلة الحضانة، ففي نظر سيد القمامة أعلى مستوى الفقهاء المتقدمين = مرحلة الحضانة. وبالمناسبة فقد خالف حسن حنفي جل إخوانه العلمانيين وأكد أن الدولة العربية كانت امبراطورية تحريرية وليست استعمارية، حررت المنطقة من ربقة الاستعمار الروماني والفارسي المترامي الأطراف ومن الاضطهاد الوثني وابتزازه المادي، وأنها قامت ضد الدولة العنصرية مفتوحة الألوان في وسط حضاري متجانس للجميع دون نواة منروبوليتية كما هو الحال في الاستعمار الأوروبي (٢). وقد جلب له هذا الاعتراف بالحقيقة التاريخية غضب عدد من العلمانيين، فقد ردوا عليه بقسوة، منهم القمني (٣) وعلي حرب (٤).

стр. 331

ملحق وشهد شاهد من أهلها هذا الفصل ليس من صلب الكتاب ولا من موضوعه، وإنما ألحقته به استطرادا، ولم يكن في تصوري وتقديري عندما بدأت جمع مادة هذا الكتاب أن أجمع هذا البحث، لكن ومع تتابع المطالعة بدأت ألاحظ أنه «فَسَا ظربان» بين العلمانيين، حتى تواتر نقد العلماني لرفيق دربه نقدا شبيها بما يكيله العلمانيون لمخالفيهم الإسلاميين. فرأيت من باب العبرة من جهة، ومن باب الطرافة من جهة أخرى أن أجمع بعض تلك المواقف والتصريحات أو ما يمكن أن أسميه نقد العلماني للعلماني. مما يجلي بوضوح اضطراب المفاهيم العلمانية وتناقضها وتعارضها حتى بين حملتها ودعاتها، فهذا يثبت شيئا على أنه محض العقلانية والتنوير، وذاك يبطله بل لا يرى فيه إلا العقلانية والظلامية والتحجر. ولاحظت من خلال هذه النقول التي سنأتي عليها تمثيلا ناصعا لقوله تعالى: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾ الحشر١٤.

стр. 332

العلماني صنيعة الغرب . قال العلماني علي حرب عن إخوانه العلمانيين: المثقف العربي هو صنيعة الغرب بمعنى من المعاني (١). وقال: هكذا فإن المثفق العربي الحداثي يقع في المطب، أعني أنه يلعب اللعبة التي يفرضها عليه الغرب (٢). وقال: ولذا فهو (أي: المثقف العربي الحداثي العلماني) إذ يجابه الغرب مدافعا عن هويته فإنه يتحدث غالبا بلغة الغرب، ويستعير وجهه أو يضرب بيده، أعني يستخدم أدواته، ولكنه لا يفيد في النهاية من هذا الغرب ما يبني به قوته ويفرض حقيقته ويصنع عالميته، وإنما يأخذ منه ما يعيد به إنتاج عزلته وهشاشته وضيق أفقه (٣). وقال تركي علي الربيعو: ثمة شكوى عند أغلب المثقفين العرب، من أن الغرب هو الحاضر الغائب في خطاباتهم، فقد أصبح الغرب نموذجا للقياس وليس للاستئناس كما يرى الجابري. وقد انتبه غليون إلى ذلك في بحثه عن مأزق الدولة العلمانية التي تقيس على الغرب في سعيها إلى علمنة الدولة والمجتمع، والتي تهمل دور الدين في بناء الدولة والجماعة. وهذا ما فعله على أكمل وجه الدين الإسلامي. وهذا ما حذر منه هشام جعيط كما مر معنا (٤).

стр. 333

فقدت العلمانية مصداقيتها حسب العلماني علي حرب . قال علي حرب: إن مقولات التنوير والتقدم والتحديث والعلمانية لم تؤت ثمارها، بل هي فقدت مصداقيتها وغدت مجرد أسماء يتعلق بها الدعاة المحدثون كما يتعلق المؤمن باسم ربه (١). وشاهد شاهد من أهلها. وزاد: خاصة وأن هذا الخطاب فقد مصداقيته بعد أن أمست المقولات التي يطرحها مجرد أسماء بلا مسمى، بل شعارات خادعة ترجمت إلى مضاداتها: فالوحدة تترجم فرقة، والعلمانية أصولية، والعقلانية خرافة، والعلم جهالة، أليست هذه محصلة الأدلوجة التقدمية التحديثية على ما ترجمت في المجتمعات العربية؟ (٢). وذكر أن فشل مفاهيم مثل العقلنة والتقدم والحرية والعلمنة والديمقراطية ليست لخطأ في الواقع والتطبيق، بل لمشكلة في الفكر نفسه (٣). وقال عن المعارضة العقلانية: إنها فقدت فاعليتها وأصبحت هي التي تحتاج إلى النقد والفحص. بل زاد في اعتراف قل نظيره وعز مثيله: فأية عقلانية نقصد؟ عقلانية ديكارت أم كنط؟ عقلانية ماركس أم نيتشه؟ سارتر أم فوكو؟ إن العقلانيات ليست واحدة، بل هي تختلف وتتنوع، فمنها التقليدي ومنها الحديث، منها ما يتصف بالضيق والتبسيط والإحكام، ومنها ما يتصف بالبناء والتركيب والانفتاح (٤).

стр. 334

وقال علي حرب: ولا مبالغة في القول بأن المثقفين العرب دعاة الحرية والثورة والوحدة والتقدم والاشتراكية والعلمانية كانوا قليلي الجدوى في مجريات الأحداث والأفكار، فتاريخ تعاملهم مع قضاياهم ومع الواقع يشهد على فشلهم وهامشيتهم ... إنهم مارسوا أدوارهم التحريرية أو التنويرية بعقلية سحرية وبآليات طقوسية (١). ثم ذكر أنهم غارقون في سباتهم الإيديولوجي، وأنهم يسعون لمطابقة الواقع لمقولاتهم المتحجرة، أو لقولبة المجتمع حسب أطرهم الضيقة أو تصنيفاتهم الجاهزة. وقال: بهذا المعنى مارس المثقفون ديكتاتوريتهم الفكرية أو عنفهم الرمزي باسم الحقيقة أو الحرية أو تحت شعار الديمقراطية. ثم ذكر أنهم تحولوا شرطة للأفكار (٢). وقال: بهذا المعنى أمسى المثقف هو نفسه جزءا من مشكلة المجتمع بدغمائيته العقائدية أو بطوباويته المستقبلية بالمشكلات الوهمية التي يثيرها أو بالوعي الزائف للموضوعات التي يعالجها (٣). وزاد: إن علاقة المثقف بالواقع حيث جُربت أفكاره كانت علاقة سلبية عقيمة، بل مدمرة في معظم الأحيان (٤). فحقيقة المثقف عنده أنه نخبوي مركزي اصطفائي، وهو مثالي طوباوي أو

стр. 335

أكاديمي مدرسي أو حزبي فئوي (١). وذكر أن المثقفين (أي العلمانيين) شكلوا نخبا تدعي القبض على الحقيقة أو المعرفة بأسرار التغيير أو امتلاك مفاتيح النجاة والخلاص مآله اتخاذ الجماهير كاحتياطي بشري للتعبئة والتجيش والتنظيم، أو كحقل اختبار للمشاريع العقائدية والأحلام الثورية أي: اتخاذها آلة لتحقيق استراتيجية النخبة للاستيلاء على الدولة والمجتمع (٢). دفاع العلمانيين عن أنظمة دكتاتورية . قال علي حرب: إن أكثر المثقفين العرب (٣) قام نضالهم بوجه من وجوهه على الدفاع عن أنظمة ودول كان هاجسها نفي أو تصفية أمثالهم أو زملائهم. ولهذا لا أفتئت على الحقيقة عندما أقول: إن المثقف العربي أعني به المثقف التقدمي الطليعي كان -وربما لا يزال- يرى بعين واحدة، وأما المثقف اللبناني وأعني به بالطبع من انخرط في مشاريع التغيير والتحرير فقد كان أعمى لأنه كان يطالب بالحرية حيث ينعم بها، ويؤكد وجودها حيث تنعدم (٤). فالعلماني حسب علي حرب: إما أعمى وإما أعور، والحق ما شهدت به الأعداء.

стр. 336

مشاريع العلمانيين أسطورية ووهمية . تحت فقرة أسطورة التحرير الكبير بين علي حرب أن مشاريع العلمانيين الكبار كأركون ذات مزاعم أسطورية سحرية، وأن الزعم بامتلاك مشروع لتحديث عالم متعدد كالعالم الإسلامي أو تراث ضخم كالتراث العربي، وهم من أوهام الماورائية، إنهم أسيروا وَهْم القطيعة الجذرية، وَهْم المراجعة الشاملة، وهم التحرير الكبير، وهم القبض على الحقيقة الساطعة (١). وذكر أن كل واحد منهم يرى مشروعه هو الأكثر شمولية وجذرية، والأكثر قابلية للتحقيق، وكلها أوهام زرعتها في العقول الحداثة والأنوار وعقيدة التقدم (٢). وذكر أن المثقف تحول إلى مناضل فاشل، وأن الأفكار تحولت إلى مجرد هوامات أو تهويمات إيديولوجية لا علاقة لها بما يجري على أرض الواقع (٣). وقال: إن تعثر العقلانية وتراجع الاستنارة وفشل العلمانية كل ذلك إنما مرده أن أصحاب الشعارات الحديثة قد تعاملوا مع علمانيتهم بصورة لاهوتية، وتعلقوا بالعقل على نحو أسطوري، وتعاطوا مع عصر التنوير بطريقة تقليدية أصولية غير تنويرية (٤). وذكر أن العلمانية آلت إلى احتكار السلطة ومصادرة المشروعية، وذلك تحت حجج وذرائع تحيل في الغالب إلى مبادئ غيبية كداعي المصلحة العليا وسيادة

стр. 337

الأمة والحرص على الهوية (١). الخطابات العلمانية محكومة بسلف . ينطلق معظم العلمانيين في قراءاتهم وخطاباتهم من منظور سلفي مسبق، فعوض أن يكون سلفهم هو النبي والصحابة والتابعون فسلفهم ماركس ولينين (٢). فحسب تركي علي الربيعو فالعلماني مثل صادق جلال العظم وطيب تيزيني وعزيز العظمة وناصر حامد أبي زيد وآخرين ينطلقون في تحليلاتهم من قاعدة ماركسية متخشبة ترى أن الحق المطلق في ما أبدعه ماركس في المادية الجدلية التاريخية والصراع الطبقي، وكل الفلسفات في نظرها هي فلسفات رجعية تستخدمها الطبقة البورجوازية للسيطرة على الطبقات المسحوقة. فكل ماركسي عندما يحلل الأوضاع والأفكار ينطلق من هذه العقيدة المطلقة التي تدعي العصمة لتحليلات الماركسية وتعد بجنة الفردوس على هذه الأرض لا في مكان آخر (٣). وأكد الجابري في الخطاب العربي المعاصر (١٨٤) أن الخطاب العربي المعاصر بتفرعاته العديدة هو خطاب محكوم بسلف، والمطلوب هو تحريره من ربقة السلف الإيديولوجي (٤). وأكد الربيعو كذلك أن الخطاب العربي المعاصر تطغى عليه سلفية القياس، وليس سلفية الاستئناس، وتجعله يدور حول نفسه وفي حلقة مفرغة مسيجية

стр. 338

بأوثان الأحكام المسبقة وبزيف الديكورات المستعارة (١). وقال عن تفسيرات أجهزة الإعلام ومراكز البحوث العالمية والعربية عن الحركات الإسلامية: ما تزال محكومة بإرادة إيديولوجية هي الأخرى وأسيرة لرؤى مسبقة وجاهزة الصنع (٢). وقال عما سماه التأويلات التضييقية التي تطال ظاهرة الإسلام السياسي: المحكومة بإرادة عدم معرفة وبالتصورات الجاهزة والمؤدلجة التي تحكم على هذه الظاهرة باللاعقلانية والإرهاب وتطالب بالحجر على هذه الحركات، وتقف إلى جانب الدولة التسلطية في حربها العوان على هذه الحركات والتي تأخذ شكل حرب أهلية عربية عرفتها معظم البلدان العربية (٣). وقال العروي في الإيديولوجية العربية المعاصرة (٦٥): وراء كل نبي من أنبيائنا الجدد، يختفي جبريل يهمس له بإجاباته ونداءاته، لوثر وراء محمد عبده، ومونتسكيو وراء لطفي السيد، وسبنسر وراء سلامة موسى (٤). وقال (١٨١): ما من أحد من الكتاب العرب يصف واقعا ما بدون نظرة قبلية (٥). وذكر أنه لا يوجد مفكر عربي سليم كليا من الأفكار الخارجية (١٢) (٦).

стр. 339

العلمانية تقوم على إقصاء الآخر ونفيه . قال الربيعو عن تحليلات المثقفين العرب: هي تحليلات تقوم على نفي الآخر وإقصائه، إنها ثقافة إقصاء لما نتخلص منها بعد. فالإسلاميون عموما تكفيريون ورجعيون ولا فائدة منهم إلا بإقصائهم، بهذا يكشف التنويري العربي عن انحيازه المسبق وعن شعاراته الجوفاء التي تحيلنا إلى نتيجة أن هناك ديمقراطية لم يمل المثقف من رفعها كشعار، ولكن بدون ديمقراطيين (١). وأكد أن العنف سمة عامة لكل الحركات الإيديولوجية وليس خاصا بالإسلاميين (٢). ووصف الخطاب الحداثي بأنه يمتاز بـ نظرة نخبوية واستعلائية تهدف إلى إقصاء الجماهير العريضة عن المشاركة في الحياة السياسية، بحجة من تخلفها التاريخي الذي يرد-هذه المرة- إلى وجود عنصر أبدي يتمثل في سيادة الغيبي (٣). وأنه يخفي رغبته في ممارسة السلطة أو التعاون مع السلطة الحاكمة للوصول إلى الهدف المتمثل بالحجر على الآخر أو نفيه وتشريده أو سحله عنوة تحت سلاسل دبابات النظم الحاكمة (٤). العلمانيون سلطويون مصلحيون استبداديون . قال علي حرب عن إخوانه: هكذا فالمثقف يزعم بأنه يعمل على مقارعة السلطة السياسية فيما هو يعمل على منافستها على المشروعية، وهو يدعي القيام

стр. 340

بتنوير الناس وتحريرهم، فيما العلاقات بين المثقفين ليست تنويرية ولا تحررية، بل هي علاقات سلطوية صراعية سعيا وراء النفوذ أو بحثا عن الأفضلية أو تطلعا إلى الهيمنة والسيطرة، وأخيرا فالمثقف يدعي التجرد والنزاهة والانسلاخ دفاعا عن قضية الأمة ومصالح الناس، فيما هو يمارس مهنته ويدافع عن مصلحته أو يلعب لعبته ويجرب فكرته، إنه يدعوك إلى التحرر من سلطة رأس المال، في حين هو يراكم رأسماله ويثبت سلطته (١). ووصفهم بأنهم يزدادون توحشا وظلامية، وأنهم مارسوا علاقتهم مع الحرية على نحو استبدادي، مما أثبت جهلهم بأمر السلطة نفسها (٢). الخطاب العلماني يتستر خلف شعارات لتحقيق أهدافه . قال علي حرب عن المثقف الحداثي: يتكلم على أشكال التسلط أو على آليات التلاعب بالحقيقة، أعني أنه يخفي حقيقته وسلطته، ويتستر على فعله وأثره، ويتناسى مخاتلته وألاعيبه، وهكذا فالمثقف يعلن انحيازه إلى المقهورين في مواجهة سلطة القهر، فيما هو يشكل سلطته ويمارس سيطرته، أو يعلن أن شاغله هو كشف الحقائق فيما هو يصنع حقيقته عبر نصه وخطابه، أو هو يحدثنا عن حلمه بمجتمع تنويري تحريري قائم على المساواة، فيما هو يمارس نخبويته، ويحجب إرادته في التفرد والتمايز (٣).

стр. 341

وزاد: طبعا إن المثقف يقدم نفسه عادة بوصفه صاحب رسالة وليس صاحب غاية خاصة أو منفعة مباشرة، فهو يعلن بأنه لا يبتغي سلطة، وإنما يدافع عن القيم والمقدسات. وهنا وجه الخداع والمخاتلة. فمهنة المثقف هي مهنة قوامها أن تخفي حقيقتها، أي: كونها تشكل مهنة ومصلحة أو تعمل على تشكيل سلطة خاصة (١). العلمانيون العرب مقلدون مستنسخون . أخذ كمال عبد اللطيف على أصحابه أن كتاباتهم تتضمن كثيرا من الحماسة الإيديولوجية وقليلا من النظر النقدي، أو ما سماه عملية النسخ والاستعادة (٢). وأكد علي حرب أنه لا يوجد علماني واحد أنتج فكرا ذا أهمية حول المجتمع العربي والبشري (٣). وقال: إننا لا نجد مثقفا عربيا واحدا نجح في الكلام بصورة جديدة غنية أو فريدة (٤). وقال: لم نجد مفكرا عربيا واحدا قدم لنا اليوم عملا فكريا فذا حول السلطة (٥). وأكد أنهم عاجزون عن الابتكار، فهم مقلدون تابعون (٦).

стр. 342

من صفات العلمانيين . وصف علي حرب إخوانه بما يلي (١): - النرجسية. - يتعاملون على نحو نخبوي واصطفائي. - منعزلون عن الناس الذين يدعون قيادتهم. - غارقون في أوهامهم، أسيرو أفكارهم. - طالبوا بالحرية لكي يمارسوا الاستبداد. - مشكلتهم مع أفكارهم لا في مكان آخر. - يتعاملون مع العلمانية بعقلية لاهوتية ومارسوا العقلانية بصورة خرافية (٢). - تحول العلمانيون إلى مجرد باعة للأوهام (٣). - يتعامل الحداثي مع ذاته بوصفه صاحب مهمة نبوية رسولية (٤). - وقال: فكم من مطالب بالحرية تعاطى مع هذا الشعار بصورة امبريالية! وكم من ساع إلى تحقيق العقلانية يجعلنا نترحم على السلفية! (٥).

стр. 343

العلمانية في شقها الماركسي بشهادة علمانيين ماركسيين وغيرهم: كانت الماركسية العربية تتميز بثلاث خصائص -حسب الماركسي ياسين الحافظ- الأول: ولاؤها للخارج، والثاني: غياب الديمقراطية في تكوينها، والثالث: عبادة الفرد (١). أكد تركي الربيعو أن الخطاب الماركسي سعى لإقامة تضاد مطلق بين الدين والعلم، في حين اعتبرها هو إشكالية مصطنعة لا تنتمي إلى منطق العلم، بل إلى عالم الأدلوجة المتخشبة (٢). وقال: التيار الماركسوي ومواقفه التشنجية المعادية للدين والتقاليد التي تنم عن مراهقة ثقافية في رؤيتها للمجتمع العربي وحضارته الإسلامية (٣). وقال علي حرب عن مقولات ماركسية مثل: الفكر التقدمي والقوى الظلامية والمواقف الرجعية والمصالح الجماهيرية والمعارضة العقلانية: إنها مقولات فقدت فاعليتها وأصبحت هي التي تحتاج إلى النقد والفحص (٤). ووصفها بأنها قروسطية فقدت جاذبيتها ومشروعيتها، وعلل ذلك بما جرى من قمع واستبداد ومصادرة للحريات وانتهاك للحقوق من قبل أحزاب وأنظمة أو منظومات تشكلت وقامت وحكمت باسم الحرية والتقدم والعقل، أو باسم الدفاع عن مصالح الجماهير وقضايا الشعوب (٥).

стр. 344

ووصف الاشتراكية بأنها طوبوية كانت نتائجها سيئة، وأحيانا كارثية (١). وقال تركي الربيعو عن معالجة الخطاب التقدمي لظاهرة الحركات الإسلامية: يكشف عن خلل مزمن في طريقة تفكيره، فهو يضحى بالواقع لصالح النص، بالحركة لصالح الإيديولوجيا المتخشبة وأحكامها المسبقة، وبذلك فهو يتمفصل مع العنف، العنف الذي يهدف إلى إلغاء الطرف الآخر وتدميره. وبهذا فهذا الخطاب لا يؤسس نفسه على الحوار لأن خطابه ذو مرجع ذاتي، وبذلك يؤسس للعنف، العنف الذي يتحد بجسد السلطة، والذي يكشف عن خطاب مؤدلج يستعير أدوات التعبير عن نفسه، من ثقافة أخرى أوروبية مركزية، استشراقية، ماركسوية، تحصر السياسي بالطبقي، وبالتالي بالتاريخ الأوروبي وحده، والذي ينظر إليه على أنه سقف التاريخ، وتحججه-أي السياسي- عن كل الأشكال الأخرى، فأشكال الوعي السياسي الأخرى، تدخل فقط في إطار الغرابة السياسية، ولا تزيد عن كونها حركات هستيرية يجب قمعها بالتعاون مع السلطة، أو بالتعاون مع جيوش الغرب العسكرية وطائراته العملاقة، وعبر هذا نرى أن الخطاب السياسي الذي يطغى على الخطاب التقدمي يقف كعائق ابستمي يمنع ويحول دون نظرة شمولية للواقع العربي بكل تجلياته وتعابيره، ومن هنا تكمن أهمية كشف زيفه وتعريته في محاولة لزحزحته عن الواجهة لصالح التحليل الموضوعي الذي من شأنه أن يكون مؤهلا لفهم موضوعي لظاهرة الحركات الإسلامية المعاصرة، كظاهرة مركبة في واقعنا الموضوعي العربي (٥٦ - ٥٧). وقال عن الماركسية: لا يمكن أن تكون إلا مثالية ماورائية. والماركسية تداعت بسبب ذلك، أي: لأنها تعالت على الواقع وأمست ضد

стр. 345

التاريخ (١). وذكر أن الماركسية ترى أن كل فكر يخالفها فهو فكر لا عقلاني لا علمي دوغمائي (٢). وقال: فالماركسية لم تسقط لأنها مادية تاريخية واقعية جدلية بل على العكس من ذلك: إنها سقطت لأنها مثالية لاهوتية غيبية طوباوية (٣). وقال: فالماركسيون يصرحون بأنهم ماديون تاريخيون جدليون ثوريون ... ولكن منطق خطابهم وأجهزتهم المفهومية وطريقة تعاملهم مع الأفكار والنصوص ونظرتهم إلى المراجع والأصول، كل ذلك يقول لنا بأنهم على الضد: تقليديون، دوغمائيون، امبرياليون، مثاليون (٤). ولهذا فكل فكرة، أو مقولة -حسب نظره- لها طابعها الماورائي الغيبي اللاهوتي (٥). أي كل فكرة لها حقيقة مطلقة مكتملة نهائية (٦). وقال: وبالإجمال فقد وعدنا منذ هيغل وماركس وشبلي الشميل بأن التاريخ هو تقدم مستمر نحو المعقولية والحرية، وأن التقدم والرقي قدر المجتمعات المحتوم، فإذا بالمجتمعات التقدمية تنفجر وتشهد بربرية لا نظير لها، كما جرى ويجري في البوسنة حيث المقابر الجماعية التي جرى اكتشافها، تجعلنا نخجل من

стр. 346

كوننا بشرا، وتفضح زيف ادعائنا بأننا أرقى من جماعات الحيوانات العجماء (١). وقال عن الماركسية: الدفاع عن المادية التاريخية ينقلب عند أصحابها إلى غيب ولاهوت ويتحول إلى أدلوجة تتعالى على الواقع والتاريخ، فهذا هو مآل الدفاع عن مقولة ما واعتبارها الحقيقة التي لا يرقى إليها شك، وهذا ما يفضي إليه التحزب لفكرة معينة بصفتها المبدأ الذي يفسر كل شيء، نعني تأليه الأفكار وإنشاء خطاب يحجب ويزيف بدلا من أن يكشف وينير (٢). وقال الماركسي المصري خليل عبد الكريم: بل يكفيها من التقدمية الشعار الذي ترفعه واللافتة التي تعلقها والرطانة التي تلوكها، ومما لا ريب فيه أن ذلك نوع من الشطارة وضرب من تربيع الدائرة، وهذا من أهم الأدواء وأبرز العلل التي تعيب الحركة التقدمية في مصر والعالم العربي، ولعل هذا يفسر لنا سقوط عدد وفير ممن كانوا يحسبون من قادة التقدم سقوطا مدويا، ويوضح لنا تراجع الحركة التقدمية وانزواءها وخسرانها الكثير من المواقع التي كانت تحتلها (٣). ثم ذكر أن المشكلة هي في التقدميين أنفسهم الذين فقدوا مصداقيتهم (٤)، وأنهم تحولوا إلى تقدميين مظهرا ورجعيين معيشة وسلوكا وتصرفا (٥). وقال علي حرب عن الماركسيين: فهم سعوا إلى تحرير البشر من عبودية الأديان في حين أنهم تعاملوا مع فكرة التقدم كديانة حديثة يدينون بها، قد عصموا ماركس ولينين

стр. 347

وماو وأقاموا معهم علاقات لاهوتية تقوم على العبادة والتقديس (١). وقال: فالمنطوق في الخطاب الماركسي هو تقدم التاريخ والمجتمع والفكر، أما المسكوت عنه فهو الوقوف عند زمن معين، هو زمن ماركس الذي جرى التعامل معه كالتعامل مع زمن الوحي لدى الإسلاميين، بمعنى أنه شكل نهاية التاريخ وكمال العقيدة ونهاية العلم، ولذا كل من أتى قبله قد مهد له، وكل ما يأتي بعده يكون امتدادا له (٢). وقال: وبالإجمال لقد ألَّه الماركسيون الأشخاص والمقولات، بما في ذلك فكرة التقدم أو التاريخ، وأقاموا معها علاقات غير تقدمية وغير تاريخية وغير تنويرية، فإذا تقدم الوعي يصبح تراجعا في الفكر وتحجرا في العقيدة، وإذا بتحرير البشر من العبودية والارتهان ينتج ما أنتجته الأنظمة التقدمية من الكبت والمنع والإقصاء والاستئصال (٣). رأي العلمانيين في فؤاد زكريا . قال تركي علي الربيعو فيه: تحول من فيلسوف إلى شرطي أفكار (٤). وقال فيه: يزجي انطباعات سطحية في غاية الخفة والتهور واللامسؤولية، فالإسلاميون حمقى من وجهة نظره، لأنهم يتمسكون بملابس عفا عليها الزمن (٥).

стр. 348

وقال بعد أن ذكر تحريض فؤاد زكريا للدولة للتصدي بحزم للإسلاميين: إن خطاب الدكتور زكريا مسكون بالحاجة إلى ممارسة السلطة من خلال تحريضه للسلطة على مواجهة تيار الصحوة الإسلامية، وهذا ما يكشفه التحليل النفسي عن ما يسميه لاكان بـ: «لا شعور الخطاب» عن ميل المخاطِب - بكسر الطاء- إلى ممارسة التفوق والسلطة (١). وذكر أنه واقع في براثن العقلية التآمرية في تفسيره للزخم السياسي للحركات الإسلامية المعاصرة التي لا تظهر على أنها حركات وطنية كما يثبت الواقع في فلسطين بل حركات عميلة يساهم الخارج في إيجادها وتغذيتها (٢). وقال عن خطابه: إنه غير ديمقراطي عندما يقوم بقياس الديمقراطية على مقاس خطابه الفلسفي الاستبدادي الرامي إلى وضع حد -بالقوة- للنشاط السياسي لهذه الحركات، بفرض الوصاية عليها وإعادة توجيه سلوكها بهدف إخراجها من الجمود والانغلاق والتخلف كما يقول (٣). وقال عن خطابه كذلك: إنه خطاب قناعة واعتقاد لا خطاب نقد ومنهج، وهذه سمات تطبع خطاب الدكتور زكريا وتختمه بخاتم الأصولية العلمانية لتجعل منه خطابا تغذيه الأحكام المبسترة والجاهزة، خطابا تحكمه الدعوة إلى الوصاية وغياب الحوار. وهذا يعني أننا أمام خطاب مأزوم وغير عقلاني وغير ديمقراطي، خطاب ليس من شيمته البحث عن الحقيقة، بل البحث عن دور جديد، دور شرطي الأفكار في عالم عربي يسعى إلى الإكثار من محاكم التفتيش

стр. 349

الجديدة التي تحتمي بالعقلانية والتنوير (١). وقال: إلا أن محاولة فؤاد زكريا ظلت غارقة في أوحال الإيديولوجيا والأحكام المسبقة (٢). موقف العلمانيين من نصر حامد أبي زيد . ذكر تركي علي الربيعو أن أبا زيد في قراءته للخطاب الديني لم يتحر الدقة والموضوعية، بل ظلت أسيرة السياق الذي يحكمها، أي: جو المعركة الذي يدفعنا إليه أبو زيد، لذلك ليس غريبا أن تتصدر أحكام القيمة الكثير من تحليلات أبي زيد، وأن تتوسطه لتحول بينه وبين إصدار المزيد من أحكام القيمة التي تطال مجمل الخطاب الديني معتدله بمتطرفه يمينه بيساره ... فالكل سواسية من وجهة نظره التي تحشر الجميع تحت سقف واحد (٣). وزاد: إنه يأخذ الكل بجريرة البعض، ويقيس الكل على البعض عبر مسطرة إيديولوجية لا تقبل إلا بنفي الآخر. وزاد واصفا هذا بديكتاتورية فكرية (٤). وقال: إن الوعي العلمي بالتراث عند الباحث لا يزيد عن كونه وعيا إيديولوجيا أو تجديدا ومبايعة إيديولوجية لإيديولوجيا مضت وانقضت (٥). قال: إن القراءة الإيديولوجية في خطاب أبو زيد هي التي تدفعه للخفة

стр. 350

والتهور، على حد تعبير علي حرب، وذلك عندما يقول إن النص منتج ثقافي (١). وقال: ولكن خطاب أبو زيد ظل محكوما بتحاليل سائدة في صفوف المتياسرين العرب على حد تعبير محمد عابد الجابري تحليلات حجبت الواقع لصالح الإيديولوجيا اليسراوية المتخشبة التي ما ملت على مدى عقود من عرض بضاعتها المغشوشة (٢). وذكر أن نصرا أبا زيد محكوم في كتابه مفهوم النص بهاجس سياسي، لنقل بهاجس سحب البساط من تحت أقدام الحركات الإسلامية السياسية ... بمعنى أنه لم يأت بالجديد هنا وظل أسير التصورات الماركسية الأرثوذكسية عن النص التي ترى النص انعكاسا للواقع، وهذا ما تجاوزته العلوم الإنسانية، وكذلك في كتابه التفكير في زمن التكفير، ١٩٩٥ الذي هو مجموعة من الشتائم لمناوئيه (٣). وقال: من هنا يمكن القول إن أبو زيد لا يهدف إلى إقناعنا، بل إلى ضرب من التشويش الإيديولوجي الذي لا يستهدف بدوره الوعي، بل التحزب، وهذه هي شيمة الخطاب العربي المعاصر، الذي ما انفك عن توليد المزيد من «الميلشيات الفكرية» بعدتها الجاهزة وأسلحتها المفلولة ومناظيرها النظرية التي تحتاج إلى تغيير (٤). وقال عن قراءة أبي زيد للخطاب الديني: إن قراءته إيديولوجية وليست تشخيصية تبحث عن نقاط قوة وضعف هذا الخطاب إنه يركز فقط على ضعف

стр. 351

الخطاب للقول بأنه متهافت، وهي المفردة التي تحضر كثيرا في القراءات الإيديولوجية، ومنها قراءة نصر حامد أبو زيد (١). وقال عن عدم تفريق أبي زيد بين المعتدل في الخطاب الإسلامي والمتطرف وبين المتحزب والمستقل أنه لا يستقيم إلا بالاعتماد على ما سماها إدوارد سعيد ذات مرة بـ «الخردة الإيديولوجية» التي تسوق أمامها اتهامات أكثر منها تحاليل (٢). وقال: في رأيي إن مفاتيح أبو زيد في مقاربته لآليات الخطاب الديني، هي عموميات تستند في قاعها على أحكام قيمة سلبية وعلى «خردة إيديولوجية» (٣). وقال علي حرب: إنه يصدر من ماركسية متحجرة (٤). وقال عن مشروعه: فليس سوى تعامل أسطوري أو إيديولوجي مع الظاهرة الدينية والعقيدة الإسلامية (٥). يغلب على الخطاب العلماني ما سماه ميشيل فوكو «إرادة الإيديولوجيا» التي نحَّت جانبا إرادة المعرفة لصالح المواقف المجتزأة والمؤدلجة في قراءة التراث، كما قال الربيعو (٦). وعليه فيمكن إجمالا القول بأن مجمل الدراسات العلمانية محكومة بإرادة سياسية وإرادة إيديولوجية، لا بإدارة المعرفة: الإرادة السياسية القائمة على

стр. 352

الإقصاء والنبذ وكيل أشنع التهم الرخيصة التي تؤول إلى النفي والطرد والإقصاء، وإرادة إيديولوجية مسبقة تتحكم في القراءة وتوجهها وفق أهداف محددة. وقال الربيعو: فقد فرض المتنورون العرب سياجا دوغمائيا من حول خطابهم التنويري، سياجا يحول دون كل نقد أو حفريات في خطاب التنوير، وظل خطابهم مسيجا بالأحكام الإيديولوجية والدوغمائية التي تعتمد التعميم والخطابة المضاعفة (١). وقال إلياس قويسم: إنه هاجس يحكم نصر حامد وهو التخلص من سلطة النص حتى يكون حداثيا، لكن هل يكفي للمرء الجهر بذلك حتى يكون كما يدعي؟، لابد من التطبيق، ونصر حامد يفتقر إلى ذلك لأنه يتعامل مع مقولاته التطورية بمنطق دوغمائي، يكشف عن أصوليته، لأنه قد جعل من قواعده المعرفية صنما مقدسا عوض بها غيبة الإله عنده. فهو يريد التشبث بشرعية الواقع وحاكميته على النص، لذلك فهو يريد استفزاز كل العناصر ذات الجذر الواقعي قصد تثوير المنظومة السلفية (٢). وقال: من ثم أخلص إلى رأي أن نصر حامد يجرم أنصار العودة إلى التراث إلى الماضي، نظرا لأنه يعتبر أن الحركة دائمة إلى الأمام، فالبحث عن النموذج يكون في حقل المستقبل لا في رفوف الماضي، وهذا تشريع منه لنفي الثوابت والتيه في مناكب المستقبل (٣).

стр. 353

وقال: بذلك نعود ونقول أن نصر حامد قد شرع لفلسفة الضياع تحديا لمشروع السلف القائم على ثوابت مرجعية (١) وقال: إن هذه النتيجة تدفعني إلى القول أن نصر حامد، قد استخدم منهجا ألسنيا يتوافق ومراميه الإيديولوجية، فالسيميوطيقية تخفي وراءها قراءتها الإيديولوجية المتجسدة في الماركسية/ المادية، لذلك أعيد القول أن نصر حامد قد وظف آليات هذا المنهج قصد تقويض النظرة الدينية-السلفية من خلال التشكيك في الروايات والأسانيد، بذلك انشد بأصولية مفرطة إلى الواقع وتناسى «وجود النص» حيث عمد إلى تغييبه في غمرة إعلائه لشأن الواقع ودفاعا عن موقفه الإيديولوجي المتيم باكتشاف الواقع المقصى -في نظره-في المنظومة السلفية (٢). وقال: النتيجة التي نصل إليها بعد هذه الدراسة هي «الأصولية المنهجية» لنصر حامد من خلال تمسكه الدوغمائي بالمنهج الأدبي في تعامله مع النص القرآني، فهو يتعامل مع أصوله ومناهجه كأقانيم معرفية أزلية لا يطالها التغيير أو التحوير، فغدت أصناما لها قداستها، وهنا بالضبط تكمن نقطة ضعفه، لأن مع توظيف منهج واحد في دراسة ظاهرة متشعبة، ستتراءى لنا العديد من الفراغات والنتوءات في نتائج الدراسة (٣). وقال إلياس قويسم: أما ما عاداها فهي قراءة إيديولوجية-ميتة للنص القرآن! إن نصر حامد لم تسعفه الأدلة العلمية-الموضوعية لتثبيت منهجيته فعرج على الأدلة

стр. 354

الإيديولوجية-التهجمية قصد اتهام الغير وتبرئة الأنا (١). وقال: إن هذا التشكيك في صحة الروايات واتهام السلف بفقدان النهج النقدي، هو دليل على أصولية نصر حامد، فعجز نصر حامد على البحث في الواقعة، وإخضاعها للمنهج التاريخي-المادي والتعامل معها بنفس المنهج الذي يتعامل به مع سائر الوقائع والأحداث، فهذه الواقعة هي واقعة مفارقة لا يستطيع المنهج التاريخي أن يتأكد من صحتها نظرا للاختلاف القائم بين الواقعة والمنهج، إن عجز نصر حامد لا يعدو أن يكون عجزا علميا، أي: عجزا في قدراته وآليات البحث المُتَوَسَل بها، كذلك يعود عجزه إلى وجود هدف خفي يقوده وهو الواقعية، لذلك كان الهدف الذي يسعى إليه هو الانتصار للنزعة الاعتزالية (٢). وقال: فمنهج نصر حامد هذا في التعامل مع الأحاديث يشبه تعامل المستشرقين معها، إنها إرادة منه للانتصار لموقفه الاعتزالي-المادي، من ثم تسقط دعوة الفهم العلمي للنص (٣). وقال: بذلك يكون نصر حامد-كما سنرى في الباب الثاني-قد شرّع لدهرية، لواقع التيه والضياع نظرا لعدم وجود ضوابط وثوابت يرتكز عليها الإنسان، هذا نموذج من تنسيب الدلالة، ومازالت النماذج كثيرة في مصنفاته (٤). وقال: لكن هذا التوظيف من قبل نصر حامد وتأكيده على مبدأ المواطنة، الذي يعوض التصور الديني لمراتب البشر، يتناسى في غمرة الاحتفاء بهذا المبدأ أن هذه المنظومة لحقوق الإنسان والمواطن قد قامت لحماية مصالح البرجوازية،

стр. 355

أي أنها في الأخير حقوق فئوية، بهذا المعنى سيسقط نصر حامد في نفس المأزق الذي اتهم به النسق القرآني وهو النظرة الدونية (١). وقال: فنصر حامد ... يجعل كل ما هو متصل بالغيب من قبيل خصوصية الواقع الثقافي السائد في الماضي، أما مع ولادة العقل العلمي فلا وجود لمثل هذه الخرافات والأساطير والغيبيات، بهذا يجوز لنا القول أن نصر حامد ينسف المنظومة الدينية-الغيبية السائدة الآن لأنها تحيل إلى المفارق فالصلاة والحج وغيرهما من العبادات لا مكان لها في واقع حديث يؤمن بالإحداثيّات الإمبيريقية، فهي قد لبّت حاجيات الواقع التاريخي أما الآن فنحن في غنى عنها بهذه الصفة، لأن العقل قد أخذ مكان الإله في هذا العالم الواقعي (٢). وقال: بذلك أصبح البحث عن الجذور الأنتروبولوجية التاريخية للنص القرآني، وذلك لأجل الخلوص إلى تطورية الواقع، من خلال تجاوز الذهنية القروسطية المؤسسة أساسا على الخرافات والخيال والسحر والحسد والشياطين والجن: الكائنات الخرافية الأسطورية (٣). وقال: يريد نصر حامد نسف المنظومة السلفية من خلال جعلها تنتمي إلى الماضي، أي أن آلياتها الفكرية لا تستحق أن تسود نظرا لأنها تجذب الفكر والمجتمع إلى الوراء إلى لغة قديمة تؤمن بالسحر والخرافة (٤). وقال إلياس قويسم كذلك: هذا في نظري تلفيق منهجي من طرفه، نظرا لعداوته
следующие страницы →