ومناسبة قولها عند دخول الخلاء، أو عند وضع الثياب، ظاهر جدًّا لمن له أدنى ذوق في الفقه.
فقد روى البخاري ومسلم، عن ابن عباس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "أما أنَّ أحدَهم يقولُ حين يأتي أَهْلَهُ: بسم الله، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وجَنِّب الشَّيطانَ ما رَزَقْتَنَا. ثم قُدِّرَ بينهما في ذلك، أو قُصِيَ وَلَدٌ؛ لم يَضُرُّهُ شيطانَ أبدًا". لفظ البخاري.
فقوله: "جَنِّبْني" يشمل النظر والضَّرر، فالسُّنَّةُ يصدِّقُ بعضُها بعضًا، والقرآن يصدق السُّنَّة، كما في آية الأعراف.
وفي هذا العصر إذا لم يكن المشتغل بصناعة الحديث عنده فَهْمٌ للقرآن واطّلاع واسع للسُّنَّة؛ فلا أرى أنه يحكم على الحديث بمجرد النظر إلى الإسناد.
أما قول المستدرك: "وقد ذم السلف غرائب الأحاديث واشتهر عنهم هذا"!
فهو الغريب، لأن حديث علي وأنس ﵁ موجودان في كافة كتب الفقه على اختلاف المذاهب، وحتى كتب الأذكار، فهو من الأحاديث المشتهرة التي لم ينظر العلماء إلى تعليل من عللها بل تلقوها بالقبول، وهذا من العلم الذي لا يفقهه إلا من فقه معنى قوله تعالى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤].
قال شيخ الإسلام: "فالواجبْ أن يفرق بين الحديث الصحيح، والحديث الكذب، فإن السنة هي الحق دون الباطل، وهي الأحاديث الصحيحة دون الموضوعة، فهذا أصل عظيم لأهل الإسلام عمومًا، ولمن يدَّعي السنة خصوصًا" (١).
стр. 107
ثم إني أقول: إن الحكم على مثل هذا الحديث أمر نسبي، فقد ينقدح في النفس قوته، وقد يحدث العكس، ولذا قال الذهبي في "الموقظة": "أنا على إياس أن تجدَ للحسَنِ قاعدة يتَّفَقُ عليها، وإنما هو شيء ينقدح في النفس". أو كلامًا نحو هذا.
وأمر آخر مهم جدًّا وهو: علم المحقق بارتباط السنة بالقرآن، فقد قال ﷺ : "رب حامل فقه وليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه"، فهما يخرجان من مشكاة واحدة، وسعة الإطلاع على السنة ليعرف ما له أصل فيها، وخصوصًا الصحيحين فيقبل، وما لا أصل له فيها فيرد، والحمد لله الذي حفظ بالشيخ ناصر -عليه رحمة الله- سنة نبيه، والله ولي التوفيق.
الشاهد الثالث: قال أبو الشيخ في "العظمة" -وهو من الكتب المعتمدة عند أهل السنة-: "حدثنا جعفر بن أحمد بن فارس حدثنا أحمد بن منيع حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا محمد بن الفضل بن عطية عن زيد العمي عن جعفر العبدي عن أبي سعيد ﵁ -عن النبي ﷺ مثله".
وذكر الشيخ الألباني علله وهي: ضعف زيد والراوي عنه محمد بن الفضل، قال الذهبي في "الكاشف": تركوه، وقال الحافظ في "تهذيب التهذيب": ساقط.
الشاهد الرابع: حديث معاوية بن حيدة ﵁، قال الشيخ ﵀: "رواه مكي بن إبراهيم عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وقال: غريب".
قال الشيخ: وهذا سند حسن إن كان من دون مكي ثقات.
قال المستدرك: والكتب التي أخرج فيها (١) الشيخ الألباني ﵀ هذه الطرق هي: "الفوائد" لتمام، و"فوائد خراسان" لمحمد بن عثمان العثماني، "الفوائد الثقافيات" للثقفي، "الفوائد" لابن النقور، وكتب الفوائد وضعت لذكر
стр. 108
الغرائب والفرائد، ولعل من أكبر أسباب الأخطاء التي تقع في تقوية الأحاديث بكثرة الطرق أخذ تلك الطرق من كتب الفوائد والغرائب.
قلت: هذا كلام عجيب! لا يقوله إلا من لم يمارس علم رواية الأسانيد، وأنا أعذرك، لأن هذا العلم لم يعد يوجد في زماننا، فلم تتصور ما معنى أن يؤلف عالم كتابًا، ولو سماه الفوائد، ويسوق فيه أحاديث إلى النبي ﷺ بإسناده، ويكون الإسناد صحيحًا، ومن هنا حكمتَ على كل على كل ما سُمِّي بهذا بالضعف! وربما أنك لم تقف على شيء منها، فاعلم أن أهل العلم كانوا ولا زالوا يحتجون بما فيها من الروايات والطرق، وإليك بعض الأمثلة:
قال الحافظ ابن حجر:
"وهو ما أخرجه إسحاق بن راهويه، والمحاملي في "الفوائد الأصبهانية" من طريق أبي الزبير عن جابر قال: "اقتتل غلام من المهاجرين وغلام من الأنصار ... " فذكر الحديث" (١).
وقال ابن عبد الهادي:
وقد روى البيهقي في "سننه" أنا أبو عبد الله الحافظ في "الفوائد الكبير" لأبي العباس وفي حديثه شعبة ثنا أبو العباس بن يعقوب ثنا بن إبراهيم بن مرزوق البصري ثنا أبو الوليد الطيالسي ثنا شعبة عن سلمة بن كهيل قال: سمعت حجرًا أبا عنبس يحدث عن وائل الحضرمي: "أنه صلى خلف النبي ﷺ ، فلما قال: ولا الضالين، قال: آمين، رافعًا بها صوته"، فهذه الرواية عن شعبة توافق رواية سفيان " (٢).
وقال ابن دقيق العيد في "الإلمام":
"ونُصرت بالرعب يسير بين يديّ مسيرة شهر يقذف في قلوب أعدائي،
стр. 109
وأحلت لي الغنائم"، لفظ رواية أبي عبد الله الثقفي في "الفوائد" (١).
وغيرها كثير.
أما قولك تعليقًا على كلام الشيخ ﵀: "وهذا سند حسن إن كان من دون مكي ثقات": فإن كان من دون مكي ضعفاء أو متروكين؟! كيف يستشهد بمثل هذا الطريق الذي لم يعرف رجاله؟! ".
هذا الأسلوب -وهو تعليق الحكم على الحديث بالصحة، إن كان فلان سمعه من فلان- هذا أمر سائغ عند أهل الفن.
قال الحافظ في "الفتح": "ولأبي داود من وجه آخر عن عكرمة قال: "كانت أم حبيبة تستحاض، وكان زوجها يغشاها"، وهو حديث صحيح إن كان عكرمة سمعه منها" (٢).
وقال: "ومن طريق علي بن الحسين بن علي أخبرني رجل من أهل العلم أن النبي ﷺ قال: "تمد الأرض مد الأديم" الحديث، وفيه: "ثم يؤذن لي في الشفاعة فأقول: أي رب، عبادك عبدوك في أطراف الأرض، قال: فذلك المقام المحمود" (٣)، ورجاله ثقات، وهو صحيح إن كان الرجل صحابي" (٤).
والشيخ ﵀ ساقه مستأنسًا به على ما انقدح في نفسه من قوة الحديث، وإلا فإن حديث علي وشاهده حديث أنس ﵁ كافيان في إثبات هذه السنة، وبالله التوفيق.
* * *
стр. 110
الحديث الخامس
حديث عائشة ﵁: "كان النبي ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك".
ــ
وأنا لا أدرى ما وجه استدراكه؟! فهو لم يتكلم على الحديث، وإنما تعقب الشيخ فى قوله: (إن أبا حاتم صححه)، ثم قال: "ذكر الشيخ -كما ذكر عدد من المعاصرين- أن الحافظ أبا حاتم الرازى صحح الحديث، وهذا خطأ سببه عدم فهم عبارة أبى حاتم"!
فأقول: ما علاقة هذا الحديث بشرط كتابك؟ وما سطرته على غلافه؟
أما قولك: كما ذكر عدد كبير من المعاصرين، فهو تدليس، أردتَ منه أمرًا لا يليق بالعامة، فضلاً عن طلبة العلم، ولكن سبحان الذى أراد إعلاء ذكر الشيخ، ولوعن طريق خصومه، ومنتقديه، فالذي حكى أن أبا حاتم صححه علماء يفهمون ويدركون غوامض هذا الفن، وإليك من نقل تصحيحه:
الحافظ ابن حجر في "البلوغ" حيث قال: "أخرجه الخمسة، وصححه الحاكم، وأبو حاتم".
الشوكاني في "النيل": "الحَدِيثُ صَححَهُ الْحَاكِمُ، وأبو حَاتِمٍ. قال في
стр. 111
"الْبَدْرِ الْمُنِيرِ": وَرَوَاة الدَّارِمِيُّ، وَصَحَّحَه ابن خزيمة، وابن حبان" (١).
ثم إني أقول: اعلم -عفا الله عنك- أن العلم إذا لم يكن مقرونًا بالخشية، وحسن الخُلُق والأدب، فإنه وبال على صاحبه، فالشيخ قضى عمره فى خدمة السُّنة، والذب عنها، وأوثق عرى الإيمان: أن تحب فى الله، وتبغض في الله، فدعك من بنيات الطريق، والله المستعان.
* * *
стр. 112
الحديث السادس
حديث: "أَلقِ عنك شعرَ الكُفر واختَتِن" (١).
ــ
قال الشيخ ﵀: الحديث حسن بشواهده.
قال المستدرك: "الحديث ضعيف، وذكر الشيخ ثلاثة شواهد لا تصلح لتقويته".
ثم قال: "الخلاصة:
الحديث الأول: فيه كذاب، متروك.
الحديث الثاني: فيه منكر الحديث لا يتابع على حديثه، وقد تفرد بهذا الحديث.
الحديث الثالث: فيه مجهول، فالأول سقط، والثاني والثالث لا يقوي أحدهما الآخر".
стр. 113
* الجواب:
أقول -وبالله التوفيق-: الحديث حسن، ولا ريب، وسأبدأ الكلام على الحديث الثالث:
قال الحافظ في "الإصابة" (٦/ ٥٨٣): "هشام بن قتادة الرهاوي: ذكره البغوي، ويحيى بن يونس، وأبو نعيم، تبعًا لغلط وقع لبعض الرواة في إسقاط ذكر أبيه من السند.
قال البغوي: حدثنا أبو بكر بن زنجويه حدثنا علي بن بحر حدثنا قتادة بن الفضيل بن عبد الله بن قتادة حدثنا أبي حدثنا عمى هشام بن قتادة قال: "لما عقد لي النبي ﷺ على قومي، أخذت بيده فودعته".
قال أبو موسى في "الذيل": رواه غيره عن علي بن بحر -يعني بهذا السند- إلى هشام بن قتادة، فقال عن أبيه: قال: "لما عقد لي رسول الله ﷺ قلت"، وهذا هو الصواب؛ فقد أخرجه أحمد بن أبي خيثمة عن علي بن بحر كذلك، وكذا أخرجه البخاري عن أحمد بن أبي طالب عن قتادة بن الفضل، وكذا هو في الطبراني من وجه آخر عن علي بن بحر، وذكر البخاري وابن أبي حاتم، وابن حبان، وغيرهم هشام بن قتادة في التابعين".
فأنتَ ترى أن من كبار أهل العلم: البخاري، وابن أبي حاتم، وابن حبان، يرون أنه من التابعين، وحديثه تداوله العلماء في مصنفاتهم، ولم يجرِّحوه ولم يطعنوا في حديثه، فكيف إذا كان أبوه؟! فمثله لا يُعلُّ حديثه بالجهالة.
ونظيره: أبو الهياج ثعلبة بن يزيد، قال البخاري: سمع عليًّا، روى عنه حبيب بن أبي ثابت.
قال ابن أبي حاتم: روى عنه حبيب بن أبي ثابت وسلمة بن كهيل، وإسناده صحيح، سمعت أبي يقول ذلك.
وأخرج مسلم حديثه في الصحيح، فقولهم في المصطلح: إذا روى عنه
стр. 114
واحد فهو مجهول العين، وإذا روى عنه اثنان فهو مجهول الحال. هذه ليست قاعدة كلية، ثم إنها في الغالب تكون فيمن دون التابعين، وعليه فالحديث لا ينزل عن درجة الحسن.
أما حديث واثلة بن الأسقع: قال الطبراني في "الصغير": "لم يروه عن واثلة بن الأسقع إلا بهذا الإسناد، تفرد به منصور بن عمار" (١).
وقال الهيثمي: "رواه الطبراني في الكبير والصغير، وفيه منصور بن عمار الواعظ وهو ضعيف.
وعن قتادة أبي هشام قال: "أتيت رسول الله- ﷺ فقال لي: "يا قتادة؛ اغتسل بماء وسدر، واحلق عنك شعر الكفر". وكان رسول الله ﷺ يأمر من أسلم أن يختتن وإن كان ابن ثمانين سنة". رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات" (٢).
وقال ابن أبي حاتم: "منصور بن عمار صاحب المواعظ بغدادي روى عن الليث بن سعد، والهقل بن زياد، وبشير بن طلحة، روى عنه ابنه سليم بن منصور، سمعت أبي يقول ذلك، نا عبد الرحمن قال: سئل أبي عن منصور بن عمار، فقال: ليس بالقوي، صاحب مواعظ" (٣).
وذكره البخاري في "التاريخ الكبير"، ولم يذكر فيه تجريحًا.
وقال في "المقتنى في سرد الكنى" (ص ٢٦٠): "منصور بن عمار الواعظ روى عنه ابنه سليم له مناكير".
وقال ابن عدي (٤): "وأرجو أنه مع مواعظه الحسنة، لا يتعمَّد الكذب، وإنكار ما يرويه لعله من جهة غيره".
стр. 115
وذكر الذهبي في "الميزان" وابن عدي في "الكامل" جملة من الأحاديث استنكرت عليه، ولم يذكروا منها حديث واثلة.
وقال الذهبي: "منصور بن عمار الواعظ أبو السري خراساني، ويقال بصري، زاهد شهير، يروي عن الليث وابن لهيعة، ومعروف الخياط وجماعة، وعنه ابن سليم، وداود، وأحمد بن منيع، وعلي بن خشرم وعدة، وإليه كان المنتهى في بلاغة الوعظ، وترقيق القلوب، وتحريك الهمم، وعظ ببغداد، والشام، ومصر، وبعد صيته واشتهر اسمه" (١).
قلت: فالذي يظهر والحالة هذه: أن حديثه يصلح في المتابعات والشواهد، كما قال شيخنا -عليه رحمة الله-.
أما حديث عثيم بن كليب عن أبيه عن جده؛ فإنه ضعِّفَ بإبراهيم بن محمد بن يحيى، وقد وثقه عدد من أهل العلم منهم: الشافعي، وابن عدي، والمشهور أنهم يتَّقون حديثه.
وبالجملة: فالحديث لا ينزل عن درجة الحسن، كما قال شيخنا، ويشهد له ما رواه الشيخان عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وَنَتْفُ الإِبْطِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ" (٢).
وما روياه عن أبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَاخْتَتَنَ بِالْقَدُومِ" (٣). "وقد قال تعالى: " ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٩٥].
أمما قول المستدرك: "ثم هناك علة تقدح في هذا الحديث في جميع طرقه، وهي أن الذين يسلمون على عهد رسول الله ﷺ كثر جدًّا، ولو كانوا يؤمرون
стр. 116
بالختان لاشتُهِرَ هذا، ونُقِلَ بالطرق الصحيحة الثابتة، لا بمثل هذه الطرف الضعيفة".
وهذا تعليل عليل، وليتك ما ذكرته، فإن ما تنقله عن غيرك تقليدًا خير مما تبتدعهُ من نفسك! فإن العرب كانوا يختتنون قبل الإسلام، وقد روى البخاري في قصة هرقل وفيه: "فَبَيْنَمَا هُمْ على أَمْرِهِمْ أُتِيَ هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ يُخْبِرُ عن خَبَرِ رسول اللَّهِ ﷺ ، فلما اسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ قال: اذْهَبُوا فَانْظُرُوا أَمُخْتَتِنٌ هو أَمْ لاَ؟ فَنَظَرُوا إليه فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ، وَسأَلَهُ عن الْعَرَب فقال: هُمْ يَخْتَتِنُونَ. فقال هِرَقْلُ: هذا مُلْكُ هذه الأمة قد ظَهَرَ" (١).
ومن هنا: لم يستفض هذا الحديث ومثله، مثل أحاديث كثيرة في "الصحيحين" وغيرهما لم ينقلها إلا الواحد بعد الواحد.
ثم نقلتَ عن الحسن البصري قوله: "قد أسلم الناس الأسود والأبيض، ولم يفتش أحد منهم ولم يختنوا".
ألم يكن الأولى بك النقل عن حبر الأمة ابن عباس، فقد روى البيهقي في "سننه": وأخبرنا عبد الرزاق عن ابن أبي يحيى عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: "لا تقبل صلاة رجل لم يختتن" (٢)، وهذه الفتوى موافقة للحديث، وهذا هو منهج الأئمة حقًّا: تقوية الحديث بآثار الصحابة ﵁، فإنهم كما قال ابن القيم ﵀: "هذا فِيمَا انْفَرَدُوا بِهِ عَنَّا، أَمَّا الْمَدَارِكُ التي شَارَكْنَاهُمْ فيها من دَلالاتِ الألفاظ، والأقيسة؛ فَلا رَيْبَ أنهم كَانُوا أبرَّ قُلُوبًا وأعمق عِلْمًا، وأقلَّ تَكَلُّفًا، وأقرب إلَى أن يُوَفَّقُوا فيها لِمَا لم نُوَفَّقْ له نَحْنُ؛ لِمَا خَصَّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ من تَوَقُّدِ الأَذْهَانِ، وفَصاحَة اللِّسَانِ، وَسَعَةِ الْعِلْمِ، وَسُهُولَةِ الأَخْذِ، وَحُسْنِ الإِدْرَاكِ، وَسُرْعَتِهِ، وَقِلَّةِ الْمُعَارِضِ، أو عدمه، وَحُسْنِ الْقَصدِ، وَتَقْوَى
стр. 117
الرَّبِّ تَعَالَى، فَالْعَرَبِيَّةُ طَبِيعَتُهُمْ، وَسَلِيقَتُهُمْ، وَالْمَعَانِي الصحِيحَةُ مَرْكُوزَةٌ في فِطَرِهِمْ وَعُقُولِهِمْ، وَلا حَاجَةَ بِهِمْ إلَى النَّظَرِ في الإِسْنَادِ وَأَحْوَالِ الرُّوَاةِ وَعِلَلِ الحديث والجرح وَالتَّعْدِيلِ، وَلا إلَى النَّظَرِ في قواعد الأُصُول، وَأَوْضَاعِ الأُصُوليِّينَ، بَلْ قد غُنُوا عن ذلك كُلِّهِ، فَلَيْسَ في حَقِّهِمْ إلاَّ أمران:
أَحَدُهُمَا: قال اللَّهُ تَعَالَى كَذَا، وقال رَسُولُهُ كَذَا.
وَالثَّانِي: مَعْنَاهُ كَذَا وَكَذَا.
وَهُمْ أَسْعَدُ الناس بِهَاتيْنِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ، وَأَحْظَى الأُمَّةِ بِهمَا، فَقُوَاهُمْ مُتوفِّرةٌ مُجْتَمِعَةٌ عليهما، وَأَمَّا الْمُتَأَخِّرُونَ فَقُوَاهُمْ مُتَفَرِّقَةٌ، وَهِمَمُهُمْ مُتَشَعِّبَةٌ، فَالْعَرَبِيَّةُ وَتَوَابِعُهَا قد أَخذَتْ من قُوَى أَذْهَانِهِمْ شعْبَةً، وَالأُصول وَقَوَاعِدُهَا قد أَخَذَتْ منها شُعْبَةً، وَعِلْمُ الإِسْنَادِ وَأَحْوَالِ الرُّوَاةِ قد أخذ منها شُعْبَةً، وفكرُهُم في كَلامِ مصنفيهم وشُيُوخِهِمْ على اخْتِلافِهمْ وما أَرَادُوا بِهِ قد أخذ منها شُعْبَةً، إلَى غَيْرِ ذلك من الأمور، فإذا وَصَلُوا إلَى النُّصُوصِ النَّبَوِيَّةِ -إنْ كان لهم هِمَمٌ تُسَافِرُ إليها- وَصَلُوا إليها بِقُلُوبِ وَأَذْهَانٍ قد كَلَّت من السَّيْرِ في غَيرِهَا، وَأَوْهَنَ قُوَاهُمْ مُوَاصَلَةُ السُّرَى في سِوَاهَا" (١)، والحمد من قبل ومن بعد.
* * *
стр. 118
الحديث السابع
حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه".
ــ
قال المستدرك:
"الحديث ضعفه الإمام أحمد وغيره من الأئمة، وهو الصواب وشواهده وطرقه لا تقوِّيه".
وكتب فيه قريبًا من ثلاث عشرة صفحة ليقنع القارئ بضعفه! ولا أدري ما وجه الاستدراك على الشيخ عليه رحمة الله، هل لأن تحسين الشيخ للحديث مخالف للقواعد؟! أو أنه ليس على طريقة المتقدمين بزعمه؟!
فإن كان الأول؛ فقد حسَّنه قبل الشيخ جمع من الحفاظ، منهم: ابن عبد الهادي، فقال في "التعليقة": "لكن الأظهر أن الحديث في ذلك بمجموع طرقه حسن أو صحيح" (١).
وقال الحافظ ابن حجر في "التلخيص": "وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَجْمُوعَ الأَحَادِيثِ يَحْدُثُ منها قُوَّةٌ تَدُلُّ على أَنَّ له أَصْلاً".
ونقل عن ابن سيد الناس قوله: "وقال ابن سَيِّدِ الناس في "شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ":
стр. 119
لا يَخْلُو هذا الْبَابُ من حَسَنٍ صرِيحٍ وَصحِيحٍ غَيْرِ صرِيحٍ" وغيرهم كثير.
أما إن كنتَ ترى أن هؤلاء جميعًا ليسوا على طريقة المتقدمين، وليس تحسينهم أو تصحيحهم بمعتبر، فاعلم أن من كبار أئمة الشأن من صحَّح الحديث، منهم: إسحاق بن راهويه قرين أحمد، فقد سُئل عن هذا الحديث، "قال إسحاق: كَمَا قال؛ إذا نسي أجزأه، وإذا تعمَّدَ أعادَ، لما صحَّ عن النبي ﷺ ذَلِكَ " يعني التسمية على التيمم (١).
ونقل عنه تصحيحه أيضاً ابن المنذر في "الأوسط"، وهكذا صححه أبو بكر بن أبي شيبة من شيوخ أصحاب الكتب الستة، نقل ذلك عنه عدد من أهل العلم، منهم ابن عبد الهادي في "التنقيح".
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثبت لنا أن النبي ﷺ قال: "لا وضوء لمن لم يسم" (٢).
والمنذري في "الترغيب"، والحافظ ابن حجر في "التلخيص".
وهذا الحديث من أقوى الأدلة على بطلان قول من يفرق بين منهاج أهل الحديث المتقدمين ومن جاء بعدهم، وذلك أن طرقه كلها ضعيفة، ومع ذلك أثبتوه، ولتكن مقولة الذهبي المشهورة في الحديث الحسن منك على بال.
ثم وقفت على كلام بديع لشيخ الإسلام ابن تيمية وهذا نصه:
"قال أبو إسحاق الجوزجاني: قال ابن أبي شيبة: ثبت لنا عن النبي ﷺ أنه قال: "لا وضوء لمن لم يسم"، وتضعيف أحمد لها محمول على أحد الوجهين: إما أنها لا تثبت عنده، أولاً: لعدم علمه بحال الراوي ثم علمه، فبنى عليه مذهبه برواية الوجوب، ولهذا أشار إلى أنه لا يعرف رباحًا، ولا أبا ثفال، وهكذا تجيءُ عنه كثيرًا الإشارة إلى أنه لم يثبت عنده، ثم زال ثبوتها، فإن النفي
стр. 120
سابق على الإثبات، وإما أنه أشار إلى أنه لم يثبت على طريقة تصحيح المحدثين، فإن الأحاديث تنقسم إلى صحيح، وحسن، وضعيف، وأشار إلى أنه ليس بثابت، أي ليس من جنس الصحيح الذي رواه الحافظ الثقة عن مثله، وذلك لا ينفي أن يكون حسنًا، وهو حجة، ومن تأمل الحافظ الإمام علم أنه لم يوهن الحديث، وإنما بين مرتبته في الجملة أنه دون الأحاديث الصحيحة الثابتة، وكذلك قال في موضع آخر: أحسنها حديث أبي سعيد، ولو لم يكن فيها حسن لم يقل فيها أحسنها، وهذا معنى احتجاج أحمد بالحديث الضعيف. وقوله: ربما أخذنا بالحديث الضعيف. وغير ذلك من كلامه؛ يعني به الحسن، فأما ما رواه متهم، أو مغفل؛ فليس بحجة أصلاً، ويبين ذلك وجوه:
أحدها: أن البخاري أشار في حديث أبي هريرة إلى أنه لا يعرف السماع في رجاله، وهذا غير واجب في العمل بل العنعنة مع إمكان اللقاء، ما لم يعلم أن الراوي مدلس.
وثانيها: أنه قد تعددت طرقه، وكثرت مخارجه، وهذا مما يشد بعضه بعضًا، ويغلب على الظن أن له أصلاً.
وروي أيضًا مرسلاً، رواه سعيد عن مكحول عن النبي ﷺ إلى أن قال-: وثالثها: أن تضعيفه إما من جهة إرسال، أو جهل راو، وهذا غير قادح على إحدى الروايتين وعلى الأخرى، وهي قول من لا يحتج بالمرسل، نقول: إذا عمل به جماهير أهل العلم وأرسله من أخذ العلم عن غير رجال المرسل الأول، أو روي مثله عن الصحابة، أو وافقة ظاهر القرآن؛ فهو حجة، وهذا الحديث قد اعتضد بأكثر ذلك، فإن عامة أهل العلم عملوا به في شرع التسمية في الوضوء، ولولا هذا الحديث لم يكن لذلك أصل، وإنما اختلفوا في صفة شرعها: هل هو إيجاب، أو ندب؟ وروي من وجوه متباينة مسندًا، ومرسلاً، ولعلك تجد في كثير من المسائل ليس معهم أحاديث مثل هذه.
ورابعها: أن الإمام أحمد قال: أحسنها -يعني أحاديث هذا الباب-
стр. 121
حديث أبي سعيد، وكذلك قال إسحاق بن راهويه، وقد سئل: أي حديث أصح في التسمية؟ فذكر حديث أبي سعيد. وقال البخاري: أحسن حديث في هذا الباب حديث سعيد بن زيد. وهذه العبارة؛ وإن كانوا إنما يقصدون بها بيان أن الأثر أقوى شيء في هذا الباب، فلولا أن أسانيدها متقاربة لما قالوا ذلك" (١).
وهذا الكلام ينبغي أن يقف معه بعض طلحة العلم الذين طاروا بما يُسَمَّى منهج المتقدمين، وقفة تأمل، يعيدون معها حساباتهم، ويحترموا من سبقهم في هذا العلم والفهم.
стр. 122
الحديث الثامن
قول علي لابن عباس: "ألا أتوضأ لك وضوء النبي ﷺ ؟ قال: بلى فداك أبي وأمي، قال: فوضع إناء فغسل يديه، ثم مضمض واستنشق واستنثر، ثم أخذ بيديه فصك بهما وجهه وألقم إبهاميه ما أقبل من أذنيه، قال: ثم عاد في مثل ذلك ثلاثًا، ثم أخذ كفًّا من ماء بيده اليمنى فأفرغها على ناصيته، ثم أرسلها تسيل على وجهه، وذكر بقية الوضوء" (١)، وتمامه: "ثم غسل يده، اليمنى إلى المرفق ثلاثاً، ثم يده الأخرى مثل ذلك، ثم مسح برأسه وأذنيه من ظهورهما، ثم أخذ بكفيه من الماء فصك بهما على قدميه وفيهما النعل، ثم قلبها بها، ثم على الرجل الأخرى مثل ذلك، قال: قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين، قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين، قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين".
ــ
قال المستدرك:
"الحديث معلول، وممن ضعفه البخاري ... ".
وأعلَّه بالتفرد ونكارة المتن.
стр. 123
* الجواب:
قد أجاب ابن القيم عن هذا وقال: "هذا من الأحاديث المشكلة جدًّا، وقد اختلفت مسالك الناس في دفع إشكاله، فطائفة ضعفته منهم البخاري والشافعي، قال: والذي خالفه أكثر وأثبت منه.
وأما الحديث الآخر يعني هذا؛ فليس مما يثبت أهل العلم بالحديث لو انفرد.
وفي هذا المسلك نظر، فإن البخاري روى في "صحيحه" حديث ابن عباس ﵁ كما سيأتي، وقال في آخره: "ثم أخذ غرفة من ماء فرشَّ بها على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غرفة أخرى فغسل بها يعني رجله اليسرى، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ". ثم شرع يسرد بقية المسالك.
فهذا ابن القيم ﵀ لم يوافق الشافعي والبخاري على تعليل الحديث، وبيَّن أن البخاري روى مثله من حديث ابن عباس ﵁، وإليك بقية المسالك:
المسلك الثاني: أن هذا كان في أول الإسلام ثم نسخ بأحاديث الغسل.
وكان ابن عباس ﵂ أولاً يذهب إليه، بدليل ما روى الدارقطني: حدثنا إبراهيم بن حماد حدثنا العباس بن يزيد حدثنا سفيان بن عيينة حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل: أن علي بن الحسين أرسله إلى الربيع بنت معوذ يسألها عن وضوء النبي ﷺ ، فذكر الحديث، وقالت: "ثم غسل رجليه، قالت: وقد أتاني ابن عم لك -تعني-ابن عباس- فأخبرته، فقال: ما أجد في الكتاب إلا غسلين ومسحين، ثم رجع ابن عباس عن هذا، لما بلغه غسل النبي ﷺ رجليه وأوجب الغسل" (١)، فلعل حديث علي وحديث ابن عباس ﵁ كانا في أول الأمر، ثم نسخ، والذي يدل عليه أن فيه أنه مسح عليهما بدون حائل، كما روى هشام بن سعد حدثنا زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار قال: قال لنا ابن عباس: "أتحبون أن أحدثكم كيف كان رسول الله- ﷺ يتوضأ؟ فذكر الحديث، قال: ثم اغترف
стр. 124
غرفة أخرى فرشَّ على رجله وفيها النعل واليسرى مثل ذلك، ومسح بأسفل الكعبين " (١).
وقال عبد العزيز الدراوردي عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس: "توضأ رسول الله- ﷺ ... فذكره، قال: ثم أخذ حفنة من ماء، فرش قدميه، وهو منتعل" (٢).
المسلك الثالث: أن الرواية عن علي وابن عباس مختلفة، فروي عنهما هذا وروي عنهما الغسل، كما رواه البخاري في الصحيح عن عطاء بن يسار عن ابن عباس فذكر الحديث، وقال في آخره: "أخذ غرفة من ماء فرش بها على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غرفة أخرى فغسل بها رجله يعني اليسرى"، فهذا صريح في الغسل.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبد الله بن إدريس عن محمد بن عجلان عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس به، وقال: "ثم غرف غرفة ثم غسل رجله اليمنى ثم غرف غرفة فغسل رجله اليسرى" (٣).
وقال ورقاء عن زيد عن عطاء عنه: "ألا أريكم وضوء رسول الله ﷺ ، فذكره وقال فيه: وغسل رجليه مرة مرة" (٤).
وقال محمد بن جعفر عن زيد: "وأخذ حفنة فغسل بها رجله اليمنى، وأخذ حفنة، فغسل رجله اليسرى".
قالوا: والذي روى أنه رش عليهما في النعل هو هشام بن سعد، وليس بالحافظ، فرواية الجماعة أولى من روايته.
стр. 125
على أن سفيان الثوري وهشامًا أيضًا رويا ما يوافق الجماعة، فرويا عن زيد عن عطاء بن يسار قال: قال لي ابن عباس: "ألا أريك وضوء رسول الله ﷺ ؟ فتوضأ مرة مرة، ثم غسل رجليه وعليه نعله".
وأما حديث علي ﵁؛ فقال البيهقي: روينا من أوجه كثيرة عن علي أنه غسل رجليه في الوضوء.
ثم ساق منها حديث عبد خير عنه: "أنه دعا بوضوء" فذكر الحديث، وفيه: "ثم صب بيده اليمنى ثلاث مرات على قدمه اليمنى، ثم غسلها بيده اليسرى، ثم قال: هذا طهور نبي الله ﷺ ".
ومنها حديث زر بن حبيش عنه: أنه سئل عن وضوء رسول الله ﷺ ؛ فذكر
الحديث، وفيه "وغسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا"ء
ومنها حديث أبي حية عنه: "رأيت عليًّا توضأ" الحديث، وفيه: "وغسل قدميه إلى الكعبين، ثم قال: أحببت أن أريكم كيف كان طهور رسول الله ﷺ ".
قالوا: وإذا اختلفت الروايات عن علي وابن عباس، وكان مع أحدهما رواية الجماعة فهي أولى.
المسلك الرابع: أن أحاديث الرش والمسح إنما هي وضوء تجديد للطاهر، لا طهارة رفع حدث، بدليل ما رواه شعبة: حدثنا عبد الملك بن ميسرة قال: سمعت النزال بن سبرة يحدث عن علي: "أنه صلى الظهر ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة حتى حضرت صلاة العصر، ثم أتي بكوز من ماء فأخذ منه حفنة واحدة، فمسح بها وجهه، ويديه، ورأسه، ورجليه، ثم قام فشرب فضله، وهو قائم، ثم قال: إن أناسًا يكرهون الشرب قائمًا، وإن رسول الله ﷺ : صنع كما صتعت، وقال: هذا وضوء من لم يحدث" (١). رواه البخاري بمعناه.
стр. 126
قال البيهقي: في هذا الحديث الثابت دلالة على أن الحديث الذي روي عن النبي ﷺ في المسح على الرجلين، إن صح؛ فإنما عني به وهو طاهر غير محدث، إلا أن بعض الرواة كأنه اختصر الحديث، فلم ينقل قوله: هذا وضوء من لم يحدث. وقال أحمد: حدثنا ابن الأشجعي عن أبيه عن سفيان عن السُّدى عن عبد خير عن علي: "أنه دعا بكوز من ماء، ثم توضأ وضوءًا خفيفًا، ومسح على نعليه، ثم قال: هكذا فعل رسول الله ﷺ ما لم يحدث". وفي رواية: "للطاهر ما لم يحدث" (١).
قال: وفي هذا دلالة على أن ما روي عن علي ﵁ في المسح على النعلين إنما هو في وضوء متطوع به، لا في وضوء واجب عليه من حدث يوجب الوضوء، أو أراد غسل الرجلين في النعلين، أو أراد أنه مسح على جوربيه ونعليه، كما رواه عنه بعض الرواة مقيدًا بالجوربين، وأراد به جوربين منعلين.
قلت: هذا هو المسلك الخامس: أن مسحه رجليه ورشه عليهما، لأنهما كانتا مستورتين بالجوربين في النعلين.
والدليل عليه: ما رواه سفيان عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ توضَّأَ مرة مرة، ومسح على نعليه" (٢).
لكن تفرد به رواد بن الجراح عن الثوري، والثقات رووه عن الثوري بدون هذه الزيادة.
وقد رواه الطبراني من حديث زيد بن الحباب عن سفيان فذكره بإسناده، ومتنه: "أن النبي ﷺ مسح على النعلين " (٣).
стр. 127
وروى أبو داود من حديث هشيم عن يعلى بن عطاء عن أبيه: أخبرني أويس بن أبي أويس الثقفي قال: "رأيت رسول الله ﷺ توضأ ومسح على نعليه وقدميه" (١)، فقوله (مسح على نعليه)، كقوله (مسح على خفيه).
والنعل لا تكون ساترة لمحل المسح، إلا إذا كان عليها جورب، فلعله مسح على نعل الجورب، فقال: مسح على نعليه.
المسلك السادس: أن الرِّجل لها ثلاثة أحوال:
حال تكون في الخف فيجزي مسح ساترها، وحال: تكون حافية، فيجب غسلها، فهاتان مرتبتان، وهما: كشفها وسترها، ففي حال كشفها لها أعلى مراتب الطهارة، وهى الغسل التام، وفي حال استتارها لها أدناها، وهي المسح على الحائل، ولها حالة ثالثة وهي: حالما تكون في النعل، وهي حالة متوسطة بين كشفها، وبين سترها بالخف، فأعطيت حالة متوسطة من الطهارة وهي الرش، فإنه بين الغسل والمسح، وحيث أطلق لفظ المسح عليها في هذه الحال، فالمراد به الرش، لأنه جاء مفسَّرًا في الرواية الأخرى.
وهذا مذهب كما ترى لو كان يعلم له قائل معين، ولكن يحكى عن طائفة لا أعلم منهم معيَّنًا.
وبالجملة: فهو خير من مسلك الشيعة في هذا الحديث، وهو المسلك السابع: أنه دليل على أن فرض الرجلين المسح، وحكي عن داود الجواري وابن عباس، وحكي عن ابن جرير أنه مخيَّر بين الأمرين، فأما حكايته عن ابن عباس، فقد تقدمت، وأما حكايته عن ابن جرير فغلطٌ بيِّنٌ، وهذه كتبه وتفسيره كله يكذب هذا النقل عليه، وإنما دخلت الشبهة، لأن ابن جرير القائل بهذه المقالة رجل آخر من الشيعة يوافقه في اسمه واسم أبيه، وقد رأيت له مؤلفات في أصول مذهب الشيعة وفروعهم.
стр. 128
فهذه سبعة مسالك للناس في هذا الحديث.
وبالجملة: فالذين رووا وضوء النبي ﷺ مثل: عثمان بن عفان، وأبي هريرة، وعبد الله بن زيد بن عاصم، وجابر بن عبد الله، والمغيرة بن شعبة، والربيع بنت معوذ، والمقدام بن معد يكرب، ومعاوية بن أبي سفيان، وجد طلحة بن مصرف، وأنس بن مالك، وأبي أمامة الباهلي وغيرهم ﵃؛ لم يذكر أحد منهم ما ذكر في حديث علي وابن عباس مع الاختلاف المذكور عليهما، والله أعلم" (١).
فإذا أردتَ -عفا الله عنك- تقرير أن في المتن نكارة، فبمثل هذه الدراسة، وإلا أعطِ القوسَ باريها، ولا تستعجل بانتقاد الأئمة الأعلام.
стр. 129
الحديث التاسع
حديث أنس: "أن النبي ﷺ كان إذا توضأ أخذ كفًّا من ماء فأدخله تحت حنكه فخلل لحيته، وقال: هكذا أمرني ربي". أخرجه أبو داود، والبيهقي، والحا كم وغيرهم.
ــ
* قال المستدرك:
"أحاديث تخليل اللحية لا يثبت منها شيء، ذهب إلى ذلك الإمام أحمد، وأبو حاتم .... ".
وسرد أربعة عشر حديثًا وأعلَّها جميعًا.
* الجواب:
الذي يظهر لي أن المستدرك يقرأ في "العلل" لابن أبي حاتم، فإذا وجد حديثًا أعله أبو حاتم، وقال: لا يثبت في الباب حديث، ونحو ذلك؛ عضَّ عليه بنواجذه، ثم بحث في كلام أهل الفن ما يدعمه!
قال الحافظ في "الدراية": "وجاء في تخليل اللحية أحاديث منها حديث عثمان: "أن رسول الله ﷺ كان يخلل لحيته"، أخرجه ابن ماجه، وأحمد، وابن حبان، وابن خزيمة، والحاكم.
قال الترمذي نقلاً عن البخاري: هو أصح شيء في هذا الباب. وقال الترمذي: حسن صحيح.
стр. 130
وحديث عمار: "رأيت رسول الله ﷺ يخلل لحيته"، أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وهو معلول، وحديث أنس تقدم قريبًا، وحديث عائشة أخرجه أحمد والحاكم، وحديث أبي أيوب أخرجه ابن ماجه، وحديث ابن عمر أخرجه ابن ماجه، بلفظ: "ثم شبك لحيته بأصابعه من تحتها"، وحديث ابن عباس أخرجه الطبراني، وفيه في صفة الوضوء: "ثم خلل لحيته"، وحديث أبي أمامة أخرجه ابن أبي شيبة والطبراني، وحديث ابن أبي أوفى وأبي الدرداء، وكعب بن مالك، وأم سلمة أخرجها الطبراني، وحديث أبي بكرة أخرجه البزار، وحديث جابر أخرجه ابن عدي.
قال ابن أبي حاتم في "العلل": سمعت أبي يقول: لا يثبت في تخليل اللحية حديث! " (١).
قال في "البدر المنير" (٢): "فهذا اثنا عشر شاهدًا لحديث عثمان ﵁ فكيف لا يكون صحيحًا، والأئمة قد صححوه: الترمذي في "جامعه"، وإمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبو حاتم ابن حبان في "صحيحيهما"، والدارقطني كما تقدم عنه، والحاكم أبو عبد الله في "مستدركه"، والشيخ تقي الدين ابن الصلاح، وشهد له إمام هذا الفن أبو عبد الله البخاري بأنَّه حديث حسن، وبأنَّه أصحّ حديث في الباب، فلعلَّ ما نقله ابن أبي حاتم عن أبيه من قوله: إنَّه لا يثبت عن النَّبي ﷺ في تخليل اللحية حديث، ومن قول الإِمام أحمد حيث سأله ابنه: لا يصح عن النَّبي ﷺ في تخليل اللحية شيء. أن يكون المراد بذلك غير حديث عثمان، وقد قَالَ الشيخ تقي الذين في "الإِمام": ذكر عن أبي داود أنَّه قَال: قَالَ أحمد: تخليل اللحية، قد روي فيه أحاديث ليس يثبت فيه حديث، وأحسن شيء فيه حديث شقيق عن عثمان: "أنَّ النَّبي ﷺ توضأ فخلل"، وهذا المشهور عنه.
стр. 131
وسئل: يخلل الرجل لحيته إذا توضأ؟ قال: إي والله" (١).
ويدلُّ على أن ذلك مقصد شرعي في الوضوء: ما رواه مسلم في "صحيحه" (٨٣٢) من حديث عمرو بن عبسة، وفيه: "ثُمَّ إذا غَسَلَ وَجْهَهُ كما أَمَرَهُ اللهُ، إلاَّ خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أطرافِ لِحْيتتِهِ مع الماء".
وقال ابن المنذر: "والأخبار التي رويت عن النبي ﷺ أنه خلل لحيته قد تُكُلِّمَ في أسانيدها، وأحسنها حديث عثمان" (٢).
وهذا هو الحق، فإنه قد ثبت عن عدد من الصحابة تخليل اللحية، قال ابن المنذر:
حدثنا إسماعيل بن قتيبة ثنا أبو بكر ثنا عبد الله بن نمير عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر: "أنه كان يخلل لحيته" (٣).
حدثنا يحيى بن محمد ثنا الحجبي ثنا أبو عوانة عن أبي حمزة قال: "رأيت ابن عباس يخلل لحيته إذا توضأ من باطنها، ويدخل أصابعه فيها، ويحك ويخلل عارضيه، ثم يفيض الماء على طول لحيته فيمسحها إلى أسفل" (٤).
حدثنا إسماعيل ثنا أبو بكر ثنا معتمر بن سليمان عن أبي معين قال: "رأيت أنسًا توضأ فخلل لحيته" (٥).
ولم يثبت عن أحد منهم أنه أنكره، أو نفاه، وهذا الذي ينبغي أن يُعْتَمَدَ
стр. 132
عليه في مثل هذه الأحاديث: أن يكون الترجيح بالنظر إلى آثار الصحابة، وتقدم النقل عن الإمام أحمد أنه علَّل حديثًا مرفوعًا بمخالفته آثار الصحابة، فإن ثبت عنهم ولم يختلفوا فيه كان دليلاً قويًّا على ثبوت الحديث، لأن من عرف سيرتهم لا يشك أنهم أخذوا ذلك من النبي ﷺ .
فإن قيل: لما لم يرد في الأحاديث المشهورة في صفة وضوء النبي ﵇؟
فالجواب: ما قاله ابن القيم عليه رحمة الله: "وكان يخلل لحيته أحيانًا ولم يكن يواظب على ذلك، ولهذا لم يروه الذين اعتنوا بضبط وضوئه كعثمان وعلي وعبد الله بن زيد" (١).
وبهذا يتبين ضعف قول المستدرك: "وسبب نكارته: أن وضوء رسول الله ﷺ محل عناية خاصة من الصحابة، ومع هذا لم ينقل لنا في الأحاديث الصحيحة المعتمدة المتكاثرة أنه خلل لحيته، مما يدل على عدم وقوعه"!
ولعل ما ذهب إليه المستدرك -عفا لله عنه- سببه الإغراق في معرفة العلل من غير نظر إلى عمل المتقدمين.
قال ابن القيم ﵀: "فإن ما انْفَرَدُوا بِهِ من الْعِلْمِ عنا أَكْثَرُ من أَنْ يُحَاطَ بِهِ، فلم يَرْوِ كُلٌّ منهم كُلَّ ما سمع، وَأَيْنَ ما سَمِعَهُ الصِّدِّيقُ ﵁ وَالْفَارُوقُ وَغَيْرُهُمَا من كِبَارِ الصحَابَةِ ﵁ إلَى ما رَوَوْهُ؟ فلم يَرْوِ عنه صِدِّيقُ الأُمَّةِ مِئَةَ حَدِيثٍ، وهو لم يَغِبْ عن النبي ﷺ في شيء من مَشَاهِدِهِ، بَلْ صحِبَهُ من حِينِ بُعِثَ بَلْ قبل الْبَعْثِ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ، وكان أَعْلَمَ الأُمَّةِ بِهِ ﷺ بِقَوْلِهِ، وَفِعْلِهِ، وَهَدْيِهِ، وَسِيرَتِهِ، وَكَذَلِكَ أجلة الصَّحَابَةِ رِوَايَتُهُمْ قَلِيلَةٌ جِدًّا بِالنِّسْبَةِ إلَى ما سَمِعُوهُ من نَبِيِّهِمْ وَشَاهَدُوهُ، وَلَوْ رَوَوْا كُلَّ ما سَمِعُوهُ وَشَاهَدُوهُ؛ لَزَادَ على رِوَايَةِ أبي هُرَيْرَةَ أَضعَافًا مُضَاعَفَةً، فإنه إنَّمَا صَحِبَهُ نحو أَرْبَعَ سِنِينَ، وقد رَوَى عنه الْكَثِيرَ، فَقَوْلُ الْقَائِلِ: لو كان عِنْدَ الصَّحَابِيِّ في هذه الْوَاقِعَة شيء عن النبي ﷺ
стр. 133
لَذَكَرَهُ. قَوْلُ من لم يَعْرِفْ سِيرَةَ الْقَوْمِ وَأَحْوَالَهُمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَهَابُونَ الرِّوَايَةَ عن رسول اللَّهِ ﷺ وَيُعَظِّمُونَهَا وَيُقَلِّلُونَهَا خَوْفَ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ وَيُحَدِّثُونَ بِالشَّيْءِ الذي سَمِعُوهُ من النبي ﷺ مِرَارًا وَلا يُصَرِّحُونَ بِالسَّمَاعِ، وَلا يَقُولُونَ قال رسول الله ﷺ " (١). والله الموفق.
стр. 134
الحديث العاشر
روى المغيرة بن شعبة ﵁: "أن النبي ﷺ مسح على الجوربين والنعلين".
ــ
* قال المستدرك:
"الحديث شاذٌّ ضعيف، أعله أكثر الحفاظ المتقدمين ﵏ " انتهى.
* قلت:
الحديث له شواهد:
من حديث أبي موسى الأشعري ﵁؛ أخرجه ابن ماجه (٥٦٠) والطبراني في "الأوسط" (٢/ ٢٤) والبيهقي (١/ ٢٨٥).
ومن حديث بلال ﵁، رواه سعيد بن منصور.
قال ابن عبد الهادي: "قال الترمذي: هذا حديث صحيح.
فإن قالوا: قد روي عن أحمد أنه قال: أحاديث أبي قيس ليست حجة!
قلنا: قد قال في رواية: (ليس بأبي قيس بأس).
ثم قد صححه الترمذي".
ثم قال: "وروى هذا الحديث أبو داود، وابن ماجه.
стр. 135
قال أبو داود: وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث، لأن المعروف عن المغرِة أن النبي ﷺ مسح على الخفين.
وذكر البيهقي حديث المغيرة هذا وقال: وذاك حديث منكر، ضعفه سفيان الثوري، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، ومسلم بن الحجاج، والمعروف عن المغيرة حديث المسح على الخفين، ويروى عن جماعة أنهم فعلوه، وأبو قيس اسمه عبد الرحمن بن ثروان الأودي، وهو من رجال الصحيح، ووثقه يحيى بن معين.
وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: يخالف في حديثه.
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سالت أبي عن أبي قيس الأودي، فقال: ليس بقوي، قليل الحديث، ليس بحافظ. قيل له: كيف حديثه؟ قال: صالح، هو لين الحديث.
الحديث الثاني: قال ابن ماجه: حدثنا محمد بن يحيى حدثنا معلى بن منصور وبشر بن آدم قالا: حدثنا عيسى بن يونس عن عيسى بن سنان عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب عن أبي موسى الأشعري: "أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح على الجوربين والنعلين".
قال يحيى بن معين: عيسى بن سنان ضعيف.
والضحاك: هو ابن عبد الرحمن بن عرزب، ويقال: ابن عرزم، أبو عبد الرحمن الشامي، وثقه أحمد بن عبد الله العجلي، وأبو حاتم ابن حبان.
وعيسى ضعفه أحمد أيضاً، وقال أبو حاتم: ليس بقوي في الحديث.
وقال البيهقي: الضحاك بن عبد الرحمن لم يثبت سماعه من أبي موسى، وعيسى بن سنان: ضعيف لا يُحْتَجُّ به.
стр. 136
وقد كان يمسح على الجوربين: عمر، وعلي، وابن عباس، والبراء، وأبو أمامة، وأنس، وعقبة بن عامر ﵁.
وقال أحمد بن حنبل: يذكر المسح على الجوربين عن سبعة أو ثمانية من أصحاب رسول الله ﷺ .
وقال أبو داود: ومسح على الجوربين علي بن أبي طالب، وابن مسعود، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبو أمامة، وسهل بن سعد، وعمرو بن حريث، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وابن عباس ﵁.
وقال ابن المنذر: ويروى إباحة المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وذكر منهم ابن عمر، وابن أبي أوفى.
ورواه سعيد بن منصور عن أبي مسعود البدري.
وقال سعيد: ثنا إسماعيل بن عياش عن عبيد بن عبيد الكلاعي عن مكحول عن الحارث بن معاوية الكندي وأبي جندل بن سهيل قالا: "سألنا بلالاً مؤذن الرسول ﷺ -ونحن على مطهرة الدرج بدمشق ونحن نتوضأ فيها- عن المسح على الخفين؟ فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "امسحوا على النصيف والموق".
وقال الحسن بن محمد الزعفراني: ثنا علي ثنا ابن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن الحارث بن معاوية وسهيل بن أبي جندل أنهما سألا بلالاً عن المسح، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "امسحوا على الخفين والموق" (١).
وقال الحافظ ابن حجر: "وفي الباب عن بلال، أخرجه الطبراني بسندين أحدهما ثقات، وعن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ توضأ مرة، ومسح على نعليه"، أخرجه ابن عدي ثم البيهقي، وفي إسناده رواد بن الجراح وهو
стр. 137
ضعيف، وذكره من طريق زيد بن الحباب بمتابعة رواد، وهي متابعة قوية لكنها شاذة لمخالفة الأثبات، وقد وقع في البخاري في هذا الحديث: "ثم رش على رجليه، وهما في النعل حتى غسلهما".
وأجاب ابن خزيمة عن هذه الأحاديث -إذا صحت- بأنه كان وضوءًا عن غير حدث، وأخرجه من طريق عبد خير عن علي أنه: "دعا بكوز ماء ثم توضأ وضوءًا خفيفًا ومسح على نعليه، ثم قال: هكذا وضوء رسول الله ﷺ للطاهر ما لم يحدث" (١).
وتابعه ابن حبان على ذلك، فأخرج من حديث أوس بن أبي أوس: أنه توضأ ومسح على النعلين، وقال: "رأيت رسول الله ﷺ يمسح عليهما، ثم قال: هذا كان في النفل" (٢)، ثم ساق من طريق النزال بن سبرة عن علي: "أنه توضأ ومسح على رجليه، وقال: رأيت النبي ﷺ يفعل كما فعلت، وقال: هذا وضوء من لم يحدث" (٣)، وسبق إلى ذلك البزار في حديث ابن عمر الآتي، وأثر علي، وأبي مسعود والبراء وأنس أخرجها عبد الزراق، وأخرج عن ابن عمر نحوه "أنه كان يمسح على جوربيه ونعليه"، وهو عند البزار بإسناد صحيح عن ابن عمر: "أنه كان يتوضأ ونعلاه في رجليه ويمسح عليهما، ويقول: كذلك كان رسول الله ﷺ يفعل" (٤)، وعند البيهقي بإسناد جيد عن ابن عمر: "رأيت رسول الله ﷺ يلبسهما -يعني النعال السبتية- ويتوضأ فيها ويمسح عليها (٥) " (٦).
إذًا شواهد الحديث عند التحقيق ليست اثنان بل ستة:
стр. 138
الأول: حديث أبي موسى ﵁، وفي إسناده عيسى بن سنان.
الثاني: حديث بلال ﵁، قال الحافظ: رجاله ثقات.
الثالث: حديث ابن عباس ﵁، وفي إسناده رواد بن الجراح ضعيف.
الرابع: حديث علي ﵁، وإسناده صحيح.
الخامس: حديث أوس بن أبي أوس ﵁، عند ابن حبان وإسناده حسن.
السادس: حديث ابن عمر ﵁، عند البزار وإسناده صحيح.
ومن هنا جاء تصحيح الترمذي للحديث، وهو من أئمة هذا الفن رواية ودراية، ولم يسلِّم لتعليل من علله.
والمقصود بقوله: "مسح على الجوربين والنعلين": أنهما كانتا مستورتين بالجوربين في النَّعلين، كما تقدم في كلام ابن القيم في الحديث السابق.
ومن أقوى الأدلة في ذلك: اشتهاره بين الصحابة، قال الإمام أحمد: ثبت عن تسعة من أصحاب رسول الله ﷺ . فلم يكن ليشتهر بينهم لو لم يأخذوه عن نبيهم ﷺ . ولم يرو عن واحد منهم كراهته، أو منعه؛ فتنبه.
ثم إني أقول: إن الشيخ الألباني لم يكن ليصير إمامًا لعصره في الحديث، لو كان في كل حديث سيقلد أبا حاتم، أو البخاري، أو غيرهما، فهل كان البخاري يقلد أحمد؟ بل هل كان الترمذي يوافق البخاري على تعليله الأحاديث في كل ما قال؟ فقد انتقد أحاديث وضعها البخاري في "صحيحه"، وأعلها إما بالاضطراب، أو الإرسال، ولا يقال: ذاك البخاري، أو أبو حاتم، أو الترمذي، فإن من جاء بعدهم اجتمع عنده ما لم يجتمع عند من سبقه، فكيف بمن نذر نفسه لهذا العلم على مدى ستين عامًا؟! وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء،
стр. 139
والله ذو الفضل العظيم، وهذا يذكرني بقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨] وبقوله ﷺ : "لو كان العلم في الثريا لناله رجال من هؤلاء"، أخرجاه.
قال القرطبي: "وقع ما قاله ﷺ عيانًا، فإنه وجد منهم من اشتهر ذكره من حفاظ الآثار والعناية بها ما لم يشاركهم فيه كثير من أحد غيرهم" (١). وقال الكرماني: أي الفرس يعني العجم.
رحم الله الشيخ الإمام، وجمعنا وإياه مع النبيين، والصدّيقين، والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
стр. 140
الحديث الحادى عشر
حديث أنه ﷺ قال للمستحاضة: "توضئي لكل صلاة".
ــ
قال المستدرك:
"هذه الزيادة معلولة، لا تثبت عن النبي ﷺ ، وقد أعلَّها جماعة من الحفاظ منهم: مسلم، والنسائي، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم".
* قلت: هذه الزيادة في "صحيح البخاري"، قال الإمام البخاري: حدثنا مُحَمَّدٌ قال: حدثنا أبو مُعَاوِيَةَ حدثنا هِشَامُ بن عُرْوَةَ عن أبيه عن عَائِشَةَ قالت: "جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أبي حُبَيْشٍ إلى النبي ﷺ فقالت: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ إني امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فلا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلاةَ؟ فقال رسول اللَّهِ ﷺ : "لا؛ إنما ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِحَيْض، فإذا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلاةَ، وإذا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ، ثُمَّ صَلي".
قال: وقال أبي: "ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلاةٍ حتى يَجِيءَ ذلك الْوَقْتُ" (١).
قال الحافظ في "الفتح " (١/ ٣٣٢): "وادَّعى بعضهم أن هذا معلَّق، وليس بصواب؛ بل هو بالإسناد المذكور عن محمد عن أبي معاوية عن هشام، وقد بيَّن ذلك الترمذي في روايته، وادَّعى آخر أن قوله: "ثم توضَّئي"، من كلام عروة
стр. 141
موقوفًا عليه! وفيه نظر؛ لأنه لو كان كلامه لقال: "ثم تتوضأ"، بصيغة الإخبار، فلما أتى به بصيغة الأمر شاكله الأمر الذي في المرفوع، وهو قوله: "فاغسلي".
* قلت: أخرجه الترمذي من طريق عبدة ووكيع وأبي معاوية عن هشام، قال أبو معاوية في حديثه: "وتوضئي" إلى آخره.
وقال ابن عبد الهادي: ""وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، وتوضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت"، أخرجاه. قالوا: قال: اللالكائي قوله: "فتوضئي لكل صلاة"، قول عروة، وهكذا أخرج في الصحيحين.
قال هشام؟ ثم قال أبي: "ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت".
قلنا: قد ذكره الترمذي كما رويناه وحكم بصحته.
ثم لا يمكن أن يقول هذا عروة من قبل نفسه، إذ لو قاله هو لكان لفظه: "ثم تتوضأ لك لصلاة"، فلما قال: "توضئي " شاكل ما قبله" (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وهذه الزيادة قد رويت من قول عروة، ولعله أفتى بها مرة، وحدَّث بها أخرى، ولعلها كانت عنده عن فاطمة نفسها لا عن عائشة، فقد روى عن عروة عن فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي ﷺ : "إذا كان دم الحيض، فإنه أسود يعرف، فإذا كان كذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي، فإنما هو دم عرق" (٢)، رواه أبو داود، والنسائي، وعن عائشة ﵁ قالت: "جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ فقالت: إني امرأة استحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال: "لا، اجتنبي الصلاة أيام محيضك، ثم اغتسلي وتوضئي لكل صلاة، ثم صلي وإن قطر الدم على الحصير" (٣)، رواه أحمد، وابن ماجه.
стр. 142
وعن عدي بن ثابت عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل، وتتوضأ، عند كل صلاة، وتصوم وتصلي" (١)، رواه أبو داود، وابن ماجه. والترمذي وقال: حديث حسن" (٢)، انتهى من شرح العمدة.
وفي "مسائل الإمامين أحمد وإسحاق لإسحاق بن منصور" (١/ ٣١٣): "قَالَ: سألت أحمد عن المستحاضةِ؛ توضَّأتْ لصلاةِ الفجرِ، ثم طلعت الشمسُ، وهي تريدُ أنْ تقضيَ صلاةَ الفائتةِ، أتُصلِّي بوضوئها ذَلِكَ إلى دخولِ وقت الظهر؟، قَالَ: لا، ولكن تتوضأ لأنَّها خرجَتْ من وقتِ الفجرِ.
قَالَ إسحاق: أصابَ، لأنَ المستحاضةَ عليها الفرضُ أن تتوضأ بوقت كل صلاة، فلما طلعت الشمسُ ذهبَ وقتُ الغداةِ، وصار وضوؤها منتقضًا".
وفي "مسائل عبد الله": "قال: سألت أبي عن المستحاضة، إذا كان لا يرقأ دمها كيف تصلي؟ قال: تحتشي وتصلي؟ وإن قطر الدم على الحصير، وتتوضأ لكل صلاة. قلت لأبي: إن صلَّتْ صلاتين بوضوء واحد؟ قال: لا" (٣).
قال ابن حزم: "وَمِمَّنْ قال بِإِيجَابِ الْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلاةٍ على التي يَتَمَادَى بها الدَّمُ من فَرْجِهَا مُتَّصِلاً بِدَمِ الْمَحِيضِ: عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَلِيُّ بن أبي طَالِبٍ، وابن عَبَّاسٍ، وَفُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ: عُرْوَةُ بن الزُّبَيْرِ، وسَعِيدُ بن الْمُسَيّبِ، وَالْقَاسِمُ بن مُحَمَّدٍ، وَسَالِمُ بن عبد الله، ومُحَمَّدُ بن عَلِيِّ بن الْحُسَيْنِ، وَعَطَاءُ بن أبي رَبَاحٍ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ.
وهو قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ، وَأَبِي عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِمْ.
قالت عَائِشَةُ ﵁: "تَغْتَسِلُ وَتتوَضَّأ لِكُلِّ صَلاةٍ".
стр. 143
رُوِّينَاهُ من طَرِيقِ وَكِيعٍ عن إسْمَاعِيلَ بن أبي خَالِدٍ الشَّعْبِيِّ عن امْرَأَةِ مسروقٍ عن عَائِشَةَ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَدِيِّ بن ثَابِتٍ عن أبيه عن عَلِيِّ بن أبي طَالِبٍ: "الْمُسْتَحَاضَةُ تتوَضَّاُ لِكُلِّ صَلاةٍ".
وَعَنْ شعبة عن عَمَّارِ بن أبي عَمَّارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّاُ لِكُلِّ صَلَاةٍ".
وَعَنْ قَتَادَةَ عن الْحَسَنِ وَسَعِيدِ بن الْمُسَيِّبِ: "الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّاُ لِكُلِّ صَلاةٍ"
وَعَنْ عبد الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عن هِشَامِ بن عُرْوَةَ في التي يَتَمَادَى بها الدَّمُ أنها تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلاةٍ.
وَعَنْ شُعْبَةَ عن الْحَكَمِ بن عُتَيْبَةَ عن محمد بن عَلِيِّ بن الحسن: "الْمُسْتَحَاضَةُ تتوَضَّاُ لِكُلِّ صَلاةٍ" (١).
ولم يثبت عن صحابي واحد أنه أفتى بخلاف ما دل عليه الحديث، وهذا يدل على أن من ذكر الزيادة عن عروة عن عائشة ﵁ حفظوه، وأن عروة أحيانًا ينشط فيروي الحديث بتمامه، وأحيانًا يفتي بها.
لكن السؤال الأهم لمن أعلها ونفى أن يكون النبي ﷺ قالها: إذا كان الصحابة اتفقوا على القول بهذه الزيادة فمن أين جاؤوا بها؟!
стр. 144
الحديث الثاني عشر
حديث: "أن النبي ﷺ قاء فتوضأ".
ــ
قال المستدرك:
"الحديث غير صحيح بلفظ: "قاء فتوضأ ... ".
* الجواب:
"الْحَدِيثُ هو عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَصْحَابِ السُّنَنِ الثَّلاثِ، وابن الْجَارُودِ، وابن حِبَّانَ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَالْبَيْهَقِيِّ، وَالطَّبَرَانِيِّ، وابن مَنْدَهْ، وَالْحَاكِمِ بِلَفْظِ: "أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاءَ فَأَفْطَرَ، قال مَعْدَانُ: فَلَقِيت ثَوْبَانَ في مَسْجِدِ دِمَشْقَ، فَقُلْت له: إنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ أخبرني فَذَكرَهُ، فقال: صَدَقَ، أنا صَبَبْت عليه وَضُوءَهُ".
قَال ابن مَندَه: إسْنَادُهُ صحِيحٌ مُتَّصِلٌ، وَتَرَكَهُ الشَّيْخَانِ لاخْتِلافٍ في إسْنَادِهِ.
قال التَّرمِذِى: جَوَّدَهُ حُسَيْنٌ الْمعَلِّمُ، وَكَذَا قال أَحْمَدُ، وَفِيهِ اخْتِلافٌ كَثِيرٌ ذَكَره الطَّبَرَانِيُّ" (١).
والاختلاف بيَّنه النسائي في "سننه" فقال في الصائم يتقيأ، وذكر الاختلاف على يحيى بن أبي كثير في خبر ثوبان في ذلك:
стр. 145
أخبرني محمد بن علي بن ميمون الرقي قال: حدثني أبو معمر قال: حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال: حدثنا حسين المعلم عن يحيى بن أبي كثير قال: حدثني عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي عن يعيش بن الوليد بن هشام أن أباه أخبره قال: حدثني معدان بن طلحة أن أبا الدرداء أخبره: أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر. فلقيت ثوبان في مسجده، فقلت: أن أبا الدرداء أخبرني أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر. قال: وأنا صببت له وضوءًا".
أنبأ عمرو بن علي قال: حدثني عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدثني أبي قال: حدثني حسين المعلم قال: حدثني يحيى بن أبي كثير قال: حدثني الأوزاعي عن يعيش بن الوليد عن أبيه عن معدان بن طلحة عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ : "أنه قاء فأفطر، فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت ذلك له، فقال: صدق، أنا صببتُ له وضوءه".
أنبأ محمد بن المثنى قال: حدثني عبد الصمد بن عبد الوارث قال: سمعت أبي يحدث قال: حدثنا حسين قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير أن عبد الله بن عمرو الأوزاعي حدثه أن يعيش بن الوليد حدته أن معدان بن طلحة حدثه أن أبا الدرداء حدثه: "أن النبي ﷺ قاء فأفطر، فلقيتُ ثوبان في مسجد دمشق فذكرت ذلك له، فقال: صدق، أنا صببت له وضوءه". قال أبو عبد الرحمن: كذا وجدته في كتابي" (١).
ثم قال:
"ذكر الاختلاف على هشام الدستوائي في هذا الحديث.
أخبرني عبدة بن عبد الرحيم المروزي قال: أنبأ بن سهيل قال: أنبأ هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن الأوزاعي عن يعيش بن الوليد بن هشام عن معدان عن أبي الدرداء: "أن النبي ﷺ قاء فأفطر، فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فسألته، فقال: نعم، أنا صببت لرسول الله ﷺ وضوءه".