موقوفًا عليه! وفيه نظر؛ لأنه لو كان كلامه لقال: "ثم تتوضأ"، بصيغة الإخبار، فلما أتى به بصيغة الأمر شاكله الأمر الذي في المرفوع، وهو قوله: "فاغسلي".
* قلت: أخرجه الترمذي من طريق عبدة ووكيع وأبي معاوية عن هشام، قال أبو معاوية في حديثه: "وتوضئي" إلى آخره.
وقال ابن عبد الهادي: ""وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، وتوضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت"، أخرجاه. قالوا: قال: اللالكائي قوله: "فتوضئي لكل صلاة"، قول عروة، وهكذا أخرج في الصحيحين.
قال هشام؟ ثم قال أبي: "ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت".
قلنا: قد ذكره الترمذي كما رويناه وحكم بصحته.
ثم لا يمكن أن يقول هذا عروة من قبل نفسه، إذ لو قاله هو لكان لفظه: "ثم تتوضأ لك لصلاة"، فلما قال: "توضئي " شاكل ما قبله" (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وهذه الزيادة قد رويت من قول عروة، ولعله أفتى بها مرة، وحدَّث بها أخرى، ولعلها كانت عنده عن فاطمة نفسها لا عن عائشة، فقد روى عن عروة عن فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي ﷺ : "إذا كان دم الحيض، فإنه أسود يعرف، فإذا كان كذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي، فإنما هو دم عرق" (٢)، رواه أبو داود، والنسائي، وعن عائشة ﵁ قالت: "جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ فقالت: إني امرأة استحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال: "لا، اجتنبي الصلاة أيام محيضك، ثم اغتسلي وتوضئي لكل صلاة، ثم صلي وإن قطر الدم على الحصير" (٣)، رواه أحمد، وابن ماجه.
стр. 142
وعن عدي بن ثابت عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل، وتتوضأ، عند كل صلاة، وتصوم وتصلي" (١)، رواه أبو داود، وابن ماجه. والترمذي وقال: حديث حسن" (٢)، انتهى من شرح العمدة.
وفي "مسائل الإمامين أحمد وإسحاق لإسحاق بن منصور" (١/ ٣١٣): "قَالَ: سألت أحمد عن المستحاضةِ؛ توضَّأتْ لصلاةِ الفجرِ، ثم طلعت الشمسُ، وهي تريدُ أنْ تقضيَ صلاةَ الفائتةِ، أتُصلِّي بوضوئها ذَلِكَ إلى دخولِ وقت الظهر؟، قَالَ: لا، ولكن تتوضأ لأنَّها خرجَتْ من وقتِ الفجرِ.
قَالَ إسحاق: أصابَ، لأنَ المستحاضةَ عليها الفرضُ أن تتوضأ بوقت كل صلاة، فلما طلعت الشمسُ ذهبَ وقتُ الغداةِ، وصار وضوؤها منتقضًا".
وفي "مسائل عبد الله": "قال: سألت أبي عن المستحاضة، إذا كان لا يرقأ دمها كيف تصلي؟ قال: تحتشي وتصلي؟ وإن قطر الدم على الحصير، وتتوضأ لكل صلاة. قلت لأبي: إن صلَّتْ صلاتين بوضوء واحد؟ قال: لا" (٣).
قال ابن حزم: "وَمِمَّنْ قال بِإِيجَابِ الْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلاةٍ على التي يَتَمَادَى بها الدَّمُ من فَرْجِهَا مُتَّصِلاً بِدَمِ الْمَحِيضِ: عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَلِيُّ بن أبي طَالِبٍ، وابن عَبَّاسٍ، وَفُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ: عُرْوَةُ بن الزُّبَيْرِ، وسَعِيدُ بن الْمُسَيّبِ، وَالْقَاسِمُ بن مُحَمَّدٍ، وَسَالِمُ بن عبد الله، ومُحَمَّدُ بن عَلِيِّ بن الْحُسَيْنِ، وَعَطَاءُ بن أبي رَبَاحٍ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ.
وهو قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ، وَأَبِي عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِمْ.
قالت عَائِشَةُ ﵁: "تَغْتَسِلُ وَتتوَضَّأ لِكُلِّ صَلاةٍ".
стр. 143
رُوِّينَاهُ من طَرِيقِ وَكِيعٍ عن إسْمَاعِيلَ بن أبي خَالِدٍ الشَّعْبِيِّ عن امْرَأَةِ مسروقٍ عن عَائِشَةَ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَدِيِّ بن ثَابِتٍ عن أبيه عن عَلِيِّ بن أبي طَالِبٍ: "الْمُسْتَحَاضَةُ تتوَضَّاُ لِكُلِّ صَلاةٍ".
وَعَنْ شعبة عن عَمَّارِ بن أبي عَمَّارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّاُ لِكُلِّ صَلَاةٍ".
وَعَنْ قَتَادَةَ عن الْحَسَنِ وَسَعِيدِ بن الْمُسَيِّبِ: "الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّاُ لِكُلِّ صَلاةٍ"
وَعَنْ عبد الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عن هِشَامِ بن عُرْوَةَ في التي يَتَمَادَى بها الدَّمُ أنها تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلاةٍ.
وَعَنْ شُعْبَةَ عن الْحَكَمِ بن عُتَيْبَةَ عن محمد بن عَلِيِّ بن الحسن: "الْمُسْتَحَاضَةُ تتوَضَّاُ لِكُلِّ صَلاةٍ" (١).
ولم يثبت عن صحابي واحد أنه أفتى بخلاف ما دل عليه الحديث، وهذا يدل على أن من ذكر الزيادة عن عروة عن عائشة ﵁ حفظوه، وأن عروة أحيانًا ينشط فيروي الحديث بتمامه، وأحيانًا يفتي بها.
لكن السؤال الأهم لمن أعلها ونفى أن يكون النبي ﷺ قالها: إذا كان الصحابة اتفقوا على القول بهذه الزيادة فمن أين جاؤوا بها؟!
стр. 144
الحديث الثاني عشر
حديث: "أن النبي ﷺ قاء فتوضأ".
ــ
قال المستدرك:
"الحديث غير صحيح بلفظ: "قاء فتوضأ ... ".
* الجواب:
"الْحَدِيثُ هو عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَصْحَابِ السُّنَنِ الثَّلاثِ، وابن الْجَارُودِ، وابن حِبَّانَ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَالْبَيْهَقِيِّ، وَالطَّبَرَانِيِّ، وابن مَنْدَهْ، وَالْحَاكِمِ بِلَفْظِ: "أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاءَ فَأَفْطَرَ، قال مَعْدَانُ: فَلَقِيت ثَوْبَانَ في مَسْجِدِ دِمَشْقَ، فَقُلْت له: إنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ أخبرني فَذَكرَهُ، فقال: صَدَقَ، أنا صَبَبْت عليه وَضُوءَهُ".
قَال ابن مَندَه: إسْنَادُهُ صحِيحٌ مُتَّصِلٌ، وَتَرَكَهُ الشَّيْخَانِ لاخْتِلافٍ في إسْنَادِهِ.
قال التَّرمِذِى: جَوَّدَهُ حُسَيْنٌ الْمعَلِّمُ، وَكَذَا قال أَحْمَدُ، وَفِيهِ اخْتِلافٌ كَثِيرٌ ذَكَره الطَّبَرَانِيُّ" (١).
والاختلاف بيَّنه النسائي في "سننه" فقال في الصائم يتقيأ، وذكر الاختلاف على يحيى بن أبي كثير في خبر ثوبان في ذلك:
стр. 145
أخبرني محمد بن علي بن ميمون الرقي قال: حدثني أبو معمر قال: حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال: حدثنا حسين المعلم عن يحيى بن أبي كثير قال: حدثني عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي عن يعيش بن الوليد بن هشام أن أباه أخبره قال: حدثني معدان بن طلحة أن أبا الدرداء أخبره: أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر. فلقيت ثوبان في مسجده، فقلت: أن أبا الدرداء أخبرني أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر. قال: وأنا صببت له وضوءًا".
أنبأ عمرو بن علي قال: حدثني عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدثني أبي قال: حدثني حسين المعلم قال: حدثني يحيى بن أبي كثير قال: حدثني الأوزاعي عن يعيش بن الوليد عن أبيه عن معدان بن طلحة عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ : "أنه قاء فأفطر، فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت ذلك له، فقال: صدق، أنا صببتُ له وضوءه".
أنبأ محمد بن المثنى قال: حدثني عبد الصمد بن عبد الوارث قال: سمعت أبي يحدث قال: حدثنا حسين قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير أن عبد الله بن عمرو الأوزاعي حدثه أن يعيش بن الوليد حدته أن معدان بن طلحة حدثه أن أبا الدرداء حدثه: "أن النبي ﷺ قاء فأفطر، فلقيتُ ثوبان في مسجد دمشق فذكرت ذلك له، فقال: صدق، أنا صببت له وضوءه". قال أبو عبد الرحمن: كذا وجدته في كتابي" (١).
ثم قال:
"ذكر الاختلاف على هشام الدستوائي في هذا الحديث.
أخبرني عبدة بن عبد الرحيم المروزي قال: أنبأ بن سهيل قال: أنبأ هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن الأوزاعي عن يعيش بن الوليد بن هشام عن معدان عن أبي الدرداء: "أن النبي ﷺ قاء فأفطر، فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فسألته، فقال: نعم، أنا صببت لرسول الله ﷺ وضوءه".
стр. 146
أنبأ سليمان بن سلم قال: أنبأ النضر قال: أنبأ هشام عن يحيى عن رجل عن يعيش بن الوليد بن هشام عن معدان عن أبي الدرداء: "أن النبي ﷺ قاء فأفطر، فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فسألته، فقال: نعم، أنا صببت لرسول الله ﷺ وضوءه".
أخبرني إبراهيم بن يعقوب قال حدثنا يزيد بن هارون قال أنبأ هشام عن يحيى عن يعيش بن الوليد بن هشام أن معدان أخبره: "أن أبا الدرداء أخبره أن النبي ﷺ قاء فأفطر، فلقيت ثوبان فذكرت ذلك له فقال: أنا صببت له لوضوئه".
أخبرني محمد بن إسماعيل بن إبراهيم عن يزيد قال حدثنا هشام عن يحيى بن أبي كثير عن يعيش بن الوليد أن خالد بن معدان أخبره عن أبي الدرداء: "أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر، فلقيت ثوبان في مسجد دمشق، فذكرت ذلك له، فقال: أنا صببت لرسول الله ﷺ وضوءه".
أنبأ عبيد الله بن سعيد سرخسي يقال له أبو قدامة عن معاذ بن هشام قال حدثني أبي عن يحيى قال: حدثني رجل من إخواننا عن يعيش بن الوليد عن خالد بن معدان عن أبي الدرداء نحوه.
أنبأ محمد بن المثنى قال حدثنا بن أبي عدي عن هشام عن يحيى قال حدثني رجل من إخواننا عن يعيش بن الوليد أن بن معدان أخبره نحوًا من حديث إبراهيم".
قال أبو جَعفَر الطحاوي في "مشكل الآثار" (٤/ ٣٧٦): فَكَانَ في هذا الحديث سُكُوتُ هِشَامٍ عن تَسْمِيَةِ الرَّجُلِ الذي حدثه يحيى بن أبي كَثِيرٍ بهذا الحديث عنه، وهو عبد الرحمن بن عَمْرٍو الأَوْزَاعِيِّ كما قد حدثنا إبْرَاهِيمُ بن مَرْزُوقٍ قال: ثنا عبد الصَّمَدِ بن عبد الْوَارِثِ التَّنُّورِى قال: ثنا أبي عن حُسَيْنٍ الْمُعَلَّمِ عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ عن عبد الرحمن بن عَمْرٍو الأَوْزَاعِيِّ عن يَعِيشَ بن الْوَلِيدِ عن أبيه عن مَعْدَانَ بن أبي طَلْحَةَ عن أبي الدَّرْدَاءِ: "أَنَّ النبي ﷺ قَاءَ فَأَفْطَرَ، قال: فَلَقِيت ثَوْبَانَ في مَسْجِدِ دِمَشْقَ فقال: صَدَقَ، أنا صَبَبْتُ له وَضُوءَهُ".
стр. 147
وَكَمَا حدثنا إبْرَاهِيمُ بن أبي دَاوُد قال: ثنا أبو مَعْمَرٍ عبد اللَّهِ بن أبي الْحَجَّاجِ الْمُنْقِرِيُّ قال: ثنا عبد الْوَارِثِ عن حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ عن عبد اللَّهِ بن عَمْرٍو الأَوْزَاعِيِّ عن يَعِيشَ بن الْوَلِيدِ بن هِشَامِ عن مَعْدَانَ بن طَلْحَةَ عن أبي الدَّرْدَاءِ ثُمَّ ذَكَرَ مَثَلَهُ، سَمِعْت ابْنَ أبي دَاوُد يقول: قال أبو مَعْمَرٍ: هَكَذَا قال عبد الْوَارِثِ: عبد اللَّهِ بن عَمْرٍو! وَالصوَابُ: عبد الرحمن بن عَمْرٍو.
وقال أبو جَعْفَرٍ: ولم يذكر ابن أبي دَاوُد في حَدِيثِهِ هذا أَبَا يَعِيشَ بن الْوَلِيدِ وقال فيه مَعْدَانُ بن طَلْحَةَ، وَهَكَذَا يقول الْعِرَاقِيُّونَ في نَسَبِ هذا الرَّجُلِ، وَأَمَّا الشَّامِيُّونَ فَيَقُولُونَ فيه: مَعْدَانُ بن أبي طَلْحَةَ، وَهُمْ بِهِ أَعْرَفُ، لأَنَّهُ منهم وهو يَعْمُرِيٌّ وقد سمع عُمَرَ بن الْخَطَّابِ ﵁ اهـ.
وقال ابن عبد الهادي: "قالوا: قد اضطربوا في هذا الحديث.
فرواه معمر عن يحيى بن أبي كثير عن يعيش عن خالد بن معدان عن أبي الدرداء ولم يذكر فيه الأوزاعي.
فالجواب: أن اضطراب بعض الرواة لا يؤثر في ضبط غيره.
قال الأثرم: قلت لأحمد: قد اضطربوا في هذا الحديث، فقال: حسين المعلم يجوِّده.
وقال الترمذي: حديث حسن، أصح شيء في هذا الباب.
ورواه أبو داود، والنسائي، والحاكم، وقال: على شرطهما. والبيهقي، وتكلم فيه، والترمذي، وقال: وقد جوَّد حسين المعلم هذا الحديث، وحديث حسين أصح شيء في هذا الباب".
* قلت: أخذ معدان عن ثوبان وأبي الدرداء، وسؤالاته لهما أمر معروف.
قال الإمام مسلم: حدثني زُهَيْرُ بن حَرْبٍ حدثنا الْوَلِيدُ بن مُسْلِمٍ قال:
стр. 148
سمعت الأَوْزَاعِيَّ قال: حدثني الْوَلِيدُ بن هِشَامٍ الْمُعَيْطِيُّ حدثني مَعْدَانُ بن أبي طَلْحَةَ الْيَعْمَرِيُّ قال: لَقِيتُ ثَوْبَانَ مولى رسول اللَّهِ ﷺ ، فقلت: أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ أَعْمَلُهُ يُدْخِلُنِي الله بِهِ الْجَنَّةَ، أو قال: قلت: بِأَحَبِّ الأَعْمَالِ إلى اللَّهِ؟ فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ الثَّالِثَةَ، فقال: سَأَلْتُ عن ذلك رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فقال. "عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ، فَإِنَّكَ لا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إلا رَفَعَكَ الله بها دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بها خَطِيئَةً". قال مَعْدَانُ: ثُمَّ لَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَسَأَلْتهُ، فقال لي مِثْلَ ما قال لي ثَوْبَانُ" (١).
وعليه فإن قول المستدرك: "وهذا في الحقيقة مشكل، أي ترجيح الأئمة لحديث حسين المعلم، لم يظهر لي معناه"!
سببه نقص الخبرة في هذا الفن، وضعف ضبط الأصول.
نعود إلى قوله في الحديث: "قاء فتوضأ".
قال عبد الرزاق: عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن يعيش بن الوليد، عن خالد بن معدان، عن أبي الدرداء قال: "استقاء رسول الله ﷺ فأفطر وأتي بماء فتوضأ" (٢).
ومن طريقه الإمام أحمد في "المسند" (٦/ ٤٤٩).
قال النسائي: أخبرني أحمد بن فضالة بن إبراهيم النيسابوري قال: أنبأ عبد الرزاق قال: أنبأ معمر، عن يحيى، عن يعيش، عن خالد بن معدان، عن أبي الدرداء قال: "استقاء رسول الله ﷺ فأفطر، فأتي بماء فتوضأ" (٣).
قال الترمذي: "وروى معمر هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير فأخطأ فيه، فقال: عن يعيش بن الوليد، عن خالد بن معدان، ولم يذكر فيه الأوزاعي،
стр. 149
وقال: عن خالد بن معدان، وإنما هو: معدان بن أبي طلحة". انتهى.
قال المستدرِكُ: "فالترمذي يشير إلى أن هذا من أخطائه، لا سيما مع مخالفته لمن هو أخص منه في ابن أبي كثير، وهذا واضح.
ثم إن كان معمر لم يخطئ، فالإسناد مرسل، فإن خالد بن معدان لم يسمع من أبي الدرداء، كما قال الإمام أحمد"، انتهى.
* قلت: خالد روى عن عدد من الصحابة منهم أبو أمامة، والمقدام عند الشيخين، وعن جمع من الصحابة خارج الصحيح.
قال في " الكاشف": "خالد بن معدان الكلاعي عن معاوية وابن عمر وعبد الله بن عمرو وثوبان" (١).
فهو من حملة هذا العلم، فروايته عن أبي الدرداء، سواء كانت موصولة، أو مرسلة، فإنها مقبولة إذا اعتضدت بطريق أخرى موصولة تقوَّت، وليس فيها ما يخالف الرواية الأخرى بل تصدق إحداهما الأخرى، فليس هناك ما يدعو إلى ردها، وتقدم أن هذا العلم وسيلة لا غاية، فلا ينبغي الإغراق فيه إلى حد الجفاء، فرواية معدان فيها قول أبي الدرداء: "أنا صببت له وضوءه"، ورواية خالد بن معدان فيها قوله: "قاء فتوضأ".
ومما يؤكد هذا: ما رواه اين المنذر في "الأوسط": "فممن روينا عنه أنه رأى الوضوء: علي بن أبي طالب، وأبو هريرة، وكان ابن عمر يأمر بالوضوء منه، وروينا عن ابن عباس أنه قال: "الحدث حدثان: حدث من فيك، وحدث من أسفل منك"، وعن ابن عباس أنه قال: "الإفطار مما دخل، وليس مما خرج، والوضوء مما خرج وليس مما دخل" (٢)
стр. 150
حدثنا علي بن الحسن ثنا عبد الله عن سفيان عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي أنه قال: "من وجد رزءًا في بطنه، أو رعافًا، أو قيئًا، فلينصرف وليتوضأ، فإن تكلم استقبل، وإن لم يتكلم بنى على ما مضى من صلاته" (١).
حدثنا إسحاق عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: "إذا رعف الرجل، أو ذرعه القيء، أو وجد مذيًّا؛ فإنه ينصرف فيتوضأ، ثم يرجع فيبني ما بقي على ما مضى إن لم يتكلم" (٢).
حدثنا محمد بن نصر ثنا محمد بن يحيى ثنا مسلم بن إبراهيم ثنا همام ثنا علي بن سفيان عن عطاء عن أبي هريرة قال: "يعاد الوضوء من القيء والرعاف".
حدثنا محمد بن إسحاق أنا علي الرازي عن عبد الكريم عن مجاهد عن ابن عباس قال: "الحدث حدثان: حدث من فيك، وحدث من أسفل منك" (٣).
ولا ريب أن فتاوى الصحابة رضوان الله عليهم أعظم شاهد لصدق أي حديث أو خطئه وكذبه.
ورحم الله أبا عبد الرحمن فقد كان فقيهًا محدِّثًا، والحمد لله أولاً، وآخرًا.
стр. 151
الحديث الثالث عشر
حديث: "العين وكاء السّه، فمن نام فليتوضأ".
ــ
قال المستدرك:
"لهذا عدة علل تمنع من تحسينه، كما سيأتي، ولذلك أعله بعض الأئمة منهم: أبو حاتم، وأبو زرعة، وضعفه ابن عبد البر وابن حزم" انتهى.
* الجواب:
قال الدارقطني: حدثنا أبو حامد محمد بن هارون، حدثنا سليمان بن عمر بن خالد، حدثنا بقية بن الوليد، عن الوضين بن عطاء، عن محفوظ بن علقمة، عن عبد الرحمن بن عائذ الأزدي، عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : "العين وكاء السه، فمن نام فليتوضأ" (١).
الوضين بن عطاء، قال فيه السعدي: هو واهي الحديث.
وقال أحمد: ما كان به بأس.
قال ابن الملقن:
"والذي يعل به حديث عليّ أمران:
стр. 152
الأول: أن في إسناده جماعة تُكُلِّمَ فيهم، أولهم بقية، وهو ثقة في نفسه، لكنه يدلِّسُ عن الكذابين.
ثانيهم: الوضين بن عطاء بن كنانة أبو كنانة الشامي وفيه لين، قال ابن حزم: ضعيف.
وقال السعدي: واهي الحديث، وقد أنكر عليه هذا الحديث نفسه ووثقه جماعات.
قال الدارمي عن دحيم: ثقة.
وقال أبو داود: صالح.
وقال أحمد: ما كان به من بأس. وفي رواية: ثقة.
وكَال أبو زرعة: سألت عبد الرحمن بن إبراهيم عنه، فقال: ثقة.
وقال ابن عدي: ما أرى بحديثه بأسًا.
وثالثهم: عبد الرحمن بن عائذ الأزدي الحمصي، نسبه ابن القطان إلى جهالة الحال، وهو من العجائب! فقد أرسل عن معاذ وغيره، وروى عن أبي أمامة وكثير بن مرة، وروى عنه محفوظ ونصر ابنا علقمة، وثور بن يزيد، وصفوان بن عمرو، ووثقه النسائي، كما أفاده المزي، وذكره ابن حبان أيضًا في "ثقاته"، وقال: يقال: إن له صحبة. وذكره أبو الحسن بن سميع في الطبقة الثالثة من تابعي أهل الشام.
الأمر الثاني: الانقطاع بين عبد الرحمن، وعلي.
قال ابن أبي حاتم في "مراسيله" و"علله": قال أبو زرعة: عبد الرحمن بن عائذ الأزدي عن علي مرسل.
وقال عبد الحق: هذا الحديث ليس بمتصل.
قال ابن القطان: هو كما قال، ليس بمتصل، ولكن بقي عليه أن يبين أنه
стр. 153
من رواية بقية بن الوليد وهو ضعيف، وهو دائمًا يضعف به الأحاديث عن الوضين، وهو واهي الحديث، قاله السعدي، ومنهم من يوثقه عن محفوظ بن علقمة، وهو ثقة؛ عن عبد الرحمن بن عائذ؛ وهو مجهول الحال، عن علي ولم يسمع منه" (١).
قال الدارقطني: وحدثنا أبو حامد محمد بن هارون، حدثنا مساور، حدثنا الوليد بن مسلم، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن عطية بن قيس الكلاعي، عن معاوية بن أبي سفيان: أن النبي ﷺ قال: "العين وكاء السه، فإذا نامت العين استطلق الوكاء".
وأما حديث معاوية ﵁ فالذي يعل به أيضاً أمران:
قال ابن الملقن:
"الأول: حال أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم.
وقد اختُلِفَ في اسمه، فقيل: بكر، وقيل: بكير، وقيل: عبد السلام، وقيل: عمر. وحاله واهية، وهو كثير الغلط، ضعفه أحمد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائي، والدارقطني، وكذا يحيى بن معين، وقال مرة: صدوق. نقله عنه ابن الجوزي في "ضعفائه"، وجزم بأن اسمه بكيرًا. وقال السعدي: ليس بالقوي.
وقال ابن حبان: كان من خيار أهل الشام، ولكنه كان رديء الحفظ، فيحدث بالشيء ويهم، وكثر ذلك حتى استحق الترك.
وأورد له ابن عدي جملة مناكير، وأما ابن حزم فنسبه إلى الكذب كما سيأتي، ولم أو أحدًا نسبه إلى ذلك إلا ما روي عن عيسى بن يونس أنه قال: لو أردت أبا بكر بن أبي مريم أن يجمع لي فلانًا وفلانًا لفعل -يعني يقول عن
стр. 154
راشد بن سعد وضمرة بن حبيب وحبيب بن عبيد -وهؤلاء الثلاثة قد روى أبو بكر بن أبي مريم عنهم- فانتفى أن يكون يقبل التلقين إن كان أراد ذلك -يعني أنه يقبل التلقين- وإن كان أراد به أنه يروي عن هؤلاء الثلاثة، فهذا نوع مدح.
الثانى: أنه روي موقوفًا، وقد أسلفنا أن الوليد بن مسلم رجحها على رواية الرفع.
وأعله ابن حزم بأمر ثالث، فقال في "محلاه": هذا حديث ساقط، لأنه من رواية بقية -وهو ضعيف- عن أبي بكر بن أبي مريم، وهو مذكور بالكذب، عن عطية بن قيس وهو مجهول، انتهى كلامه.
ونسبته عطية بن قيس إلى الجهالة من الغرائب، فهو تابعي مشهور، أرسل عن أبي بن كعب ونحوه، وغزا مع أبي أيوب وروى عن معاوية وطائفة، وقرأ القرآن على أم الدرداء، وروى عنه سعيد بن عبد العزيز وطائفة، وكانوا يصلحون مصاحفهم على قراءته، وعمَّر دهرًا جاوز المئة، وروى له مسلم في "صحيحه"، وأصحاب السنن الأربعة، وعلم له الصريفيني فيما رأيته بخطه علامة البخاري أيضاً، وهو كما علم له لأنه استشهد به، ونقل عن أبي مسهر أنه ولد في حياة رسول الله ﷺ .
وقد تعقب ابن عبد الحق ابن حزم في رده على "محلاه"، ونقل عن أبي حاتم أنه قال في حقه: صالح الحديث. قلت: ووثقه ابن القطان أيضاً، فهؤلاء ثلاثة وثقوه مسلم، وأبو حاتم وابن القطان، وحالته كما عرفتها، فكيف يكون مجهولاً؟!
وخفف ابن الجوزي في تحقيقه القول في أمر حديث علي ومعاوية، فقال: فيهما مقال، ونحا نحوه الحافظ زكي الدين المنذري، فقال في كلامه على أحاديث المهذب: حديث علي حديث حسن، والشيخ تقي الدين بن الصلاح
стр. 155
فقال: رواه أبو داود في جماعة، وفي إسناده شيء، وهو -إن شاء الله- حسن، وحسنه النووى أيضًا، ولا يخفى ما فيه" (١).
وقال ابن عبد الهادي: "وهذا إسناد ضعيف، وأبو بكر بن أبي مريم تكلم فيه غير واحد من الأئمة، وقد خالفه غيره، وحديث علي المتقدم أقوى من حديث معاوية، هذا نص عليه الإمام أحمد بن حنبل، والصواب في حديث معاوية أنه موقوف عليه" (٢).
قال شيخ الإسلام: "وسئل أحمد عن حديث علي ومعاوية في ذلك، فقال: حديث علي أثبت وأقوى" (٣).
والذي يظهر أن الإمام أحمد قواه مع علمه بإسناده، لأن الأحاديث الأخرى تشهد لمعناه، مثل حديث صفوان بن عسال: "ولكن من غائط وبول ونوم" رواه أهل السنن.
وللآثار الثابتة عن الصحابة رضوان الله عليهم، ولأن رواته إنما يخشى منهم الغلط، وكما تقدم عن شيخ الإسلام: "وذلك أن الحديث إنما يخاف فيه من شيئين: إما تعمد الكذب، وإما خطأ الراوي، فإذا كان من وجهين لم يأخذه أحدهما في الفقه عن الآخر، وليس مما جرت العادة بأن يتفق تساوى الكذب فيه؛ عُلِمَ أنه ليس بكذب، لا سيما إذا كان الرواة ليسوا من أهل الكذب.
وأما الخطأ فإنه مع التعدد يضعف، والمرسل نقول: إذا عمل به جماهير أهل العلم، وأرسله من أخذ العلم عن غير رجال المرسل الأول، أو روي مثله عن الصحابة، أو وافقة ظاهر القرآن؛ فهو حجة".
وهو ﵀ أعرف الناس بمذهب الإمام أحمد وأقواله، ومن هذا تعرف
стр. 156
الفرق بين الإمام أحمد وبعض أهل العلم بالحديث من معاصريه ومن بعدهم.
قال ابن المنذر:
"حدثنا علي بن الحسن، ثنا عبد الله قال: أخبرني سفيان، قال: حدثني يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس أنه قال: "وجب الوضوء على كل نائم إلا من خفق برأسه خفقة" (١).
حدثنا علي بن عبد العزيز، ثنا حجاج، ثنا حماد، عن سعيد الجريري، عن خالد بن غلاق، عن أبي هريرة قال: "إذا استحق أحدكم نومًا فليتوضأ".
حدثنا إسحاق عن عبد الرازق عن جعفر بن سليمان وغيره عن سعيد الجريري عن هلال العيشي عن أبي هريرة قال: "من استحق النوم فعليه" (٢).
حدثنا موسى بن هارون، ثنا شريح بن يونس، ثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن أنس قال: "إذا وجد الرجل طعم النوم جالسًا كان أو غير ذلك فعليه الوضوء" (٣).
وهكذا أثر معاوية، رواه البيهقي من طريق مروان بن جناح عن عطية بن قيس عن معاوية قال: "العين وكاء السه". وقال: موقوف.
وهذا كله مما يدل على إمامة الشيخ ناصر ﵀، وأنه كان يحقق هذا العلم تحقيق العالم الداعية، لا الباحث، أو صاحب الصنعة، والله ولي التوفيق.
стр. 157
الحديث الرابع عشر
حديث: "الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أباح فيه الكلام".
ــ
قال المستدرك:
"الحديث روي عن ابن عباس موقوفًا، وهو الصحيح، ورجح الموقوف النسائي، والبيهقي، وابن الصلاح، والمنذري، والنووي، وأشار إليه الترمذي والبزار".
* الجواب:
قال الحافظ ابن حجر (١): "رواه التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَالدَّارَقُطْنِيّ من حديث ابن عَبَّاسٍ، وَصَحَّحَهُ ابن السَّكَنِ، وابن خُزَيْمَةَ، وابن حِبَّانَ، وقال التِّرْمِذِيُّ: رُوِيَ مَرْفُوعًا، وَمَوْقُوفًا وَلا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إلاَّ من حديث عَطَاءٍ.
وَمَدَارُهُ على عَطَاءِ بن السَّائِبِ عن طَاوُسٍ عن ابن عَبَّاسٍ، وَاخْتُلِفَ في رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ، وَرَجَّحَ الْمَوْقُوفَ النَّسَائِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وابن الصَّلاَحِ، وَالْمُنْذِرِيُّ، وَالنَّوَوِيُّ، وزاد: إنَّ رِوَايَةَ الرَّفْعِ ضَعِيفَةٌ. وفي إطْلاقِ ذلك نظر، فإن عَطَاءَ بن السَّائِبِ صَدُوقٌ، وإذا روى عنه الْحَدِيثُ مَرْفُوعًا تَارَةً وَمَوْقُوفًا أُخْرَى، فَالْحُكْمُ عِنْدَ هَؤُلاءِ الْجَمَاعَةِ لِلرفْعِ، وَالنَّوَوِيُّ مِمَّنْ يَعْتَمِدُ ذلك وَيُكْثِرُ منه، وَلا يَلْتَفِتُ إلَى
стр. 158
تَعْلِيلِ الحديث بِهِ إذَا كان الرَّافِعُ ثِقَةً، فَيَجِيءُ على طَرِيقَتِهِ أَنَ الْمَرْفُوعَ صَحِيحٌ، فَإِنْ اعْتَلَّ عليه بِأَنَّ عَطَاءَ بن السَّائِبِ اخْتَلَطَ، وَلا تُقْبَلُ إلاَّ رِوَايَةُ من رَوَاهُ عنه قبل اخْتِلاطِهِ.
أُجِيبَ: بِأَنَّ الْحَاكِمَ أَخْرَجَهُ من رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عنه، وَالثَّوْرِيُّ مِمَّنْ سمع قبل اخْتِلاطِهِ بِاتِّفَاقٍ، وَإِنْ كان الثَّوْرِى قد اخْتَلَفَ عليه في وَقْفِهِ وَرَفْعِهِ فَعَلَى طَرِيقَتِهِمْ، تُقَدَّمُ رِوَايَةُ الرفْعِ أَيْضًا، وَالْحَقُّ أَنَّهُ من رِوَايَةِ سُفْيَانَ مَوْقُوفٌ، وَوَهَمَ عليه من رَفَعَهُ.
قال البَزَّارُ: لا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَاهُ عن النبي ﷺ إلاَّ ابن عَبَّاسٍ، وَلا نَعْلَمُ أَسْنَدَ عَطَاءُ بن السَّائِبِ عن طَاوُسٍ غير هذا، وَرَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عن عَطَاءٍ مَوْقُوفًا، وَأَسْنَدَهُ جَرِيرٌ وَفُضَيْلُ بن عِيَاضٍ.
قُلْتُ: وقد غَلِطَ فيه أبو حُذَيْفَةَ؛ فَرَوَاهُ مَرْفُوعًا عن الثَّوْرِيِّ عن عَطَاءٍ عن طَاوُسٍ عن ابن عُمَرَ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ في "الأَوْسَطِ" عن مُحَمَّدِ بن أَبَانَ عن أَحْمَدَ بن ثَابِتٍ الْجَحْدَرِيِّ عنه، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الْغَلَطَ من الْجَحْدَرِيِّ، وَإِلا فَقَدْ أَخْرَجَهُ ابن السَّكَنِ من طَرِيقِ أبي حُذَيْفَةَ فقال: عن ابن عَبَّاسٍ.
وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى ليس فيها عَطَاءٌ، وَهِيَ عِنْدَ النَّسَائِيّ من حديث أبي عَوَانَةَ عن إبْرَاهِيمَ بن مَيْسَرَةَ عن طَاوُسٍ عن ابن عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا، وَرَفَعَهُ عن إبْرَاهِيمَ محمد بن عبد اللَّهِ بن عُبَيْدِ بن عُمَيْرٍ وهو ضَعِيفٌ؛ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ.
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ من طَرِيقِ مُوسَى بن أَعْيَنَ عن لَيْثِ بن أبي سليم عن طَاوُسٍ عن ابن عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، وَلَيْثٌ يُسْتَشْهَدُ بِهِ.
* قلت: لَكِن اختُلِفَ على مُوسَى بن أَعْيَنَ فيه؛ فَرَوَى الدَّارِمِيُّ عن عَلِيِّ بن مَعْبَدٍ عنه عن عَطَاءِ بن السَّائِبِ، فَرَجَعَ إلَى رِوَايَةِ عَطَاءٍ.
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ من طَرِيقِ الْبَاغَنْدِيِّ عن عبد اللَّهِ بن عُمَرَ بن أَبَانَ عن ابن عُيَيْنَةَ عن إبْرَاهِيمَ مَرْفُوعًا، وَأَنْكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ على الْبَاغَنْدِيِّ.
стр. 159
وَلَهُ طريق أُخْرَى مَرْفُوعَة، أَخْرَجَهَا الْحَاكِمُ في أَوَائِلِ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ من "الْمُسْتَدْرَكِ" من طَرِيقِ الْقَاسِمِ بن أبي أَيُّوبَ عن سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ عن ابن عَبَّاسٍ قال: "قال اللَّهُ لِنَبِيِّهِ: (طَهِّرَا بَيتِىَ لِلطَّائِفِينَ وَالعَاكفِين وَاْلرُّكَّعِ السُّجُودِ)، فَالطَّوَافُ قبل الصَّلاةِ، وقد قال رسول اللَّهِ ﷺ : الطَّوَافُ بِمَنْزِلَةِ الصَّلاةِ، إلاَّ أَنَّ اللَّهَ قد أَحَلَّ فيه النطق فَمَنْ نَطَقَ فَلا يَنْطِقُ إلاَّ بِخَيْرٍ"، وَصَحَّحَ إسْنَادَهُ، وهو كما قال، فإنَّهم ثِقَاتٌ، وَأَخْرَجَ من طَرِيقِ حَمَّادِ بن سَلَمَةَ عن عَطَاءِ بن السَّائِبِ عن سَعِيدِ بن جبَيْرٍ عن ابن عَبَّاسٍ أَوَّلَهُ الْمَوْقُوفَ، وَمِنْ طَريقِ فُضيْلِ بن عِيَاضٍ عن عَطَاءٍ عن طَاوُسٍ آخِرَهُ الْمَرْفُوعَ.
وَرَوَى النَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ، من طَرِيقِ ابن جُرَيْجِ عن الْحَسَنِ بن مُسْلِمِ عن طَاوُسٍ عن رَجُل أَدْرَكَ النبي ﷺ أنَّ النبي ﷺ -قال: "الطَّوَافُ صَلاةٌ، فإذا طُفْتُمْ فَأَقِلُّوا الْكَلامَ" (١)، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ صَحِيحَة، وَهِيَ تُعَضِّدُ رِوَايَةَ عَطَاءِ بن السَّائِبِ، وَتُرَجِّحُ الرِّوَايَةَ الْمَرْفُوعَةَ، وَالظَّاهِرُ: أَنَّ الْمُبْهَمَ فيها هو ابن عَبَّاسٍ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ؛ فَلا يَضُرُّ إبْهَامَ الصَّحَابَةِ.
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا، من طريق حَنْظَلَةَ بن أبي سُفْيَانَ عن طَاوُسٍ عن ابن عُمَرَ مَوْقُوفًا.
وإذا تَأَمَّلْتَ هذه الطُّرُقَ عَرَفْتَ أَنَّهُ اخْتُلِفَ على طَاوُسٍ على خَمْسَةِ أَوْجُهٍ، فَأَوْضَحُ الطُّرُقِ وَأَسْلَمُهَا: رِوَايَةُ الْقَاسِم بن أبي أَيُّوبَ عن سعيد بن جُبَيْرٍ عن ابن عَبَّاسٍ، فَإِنَّهَا سَالِمَةٌ من الاضْطِرَابِ، إلاَّ أَنِّي أَظُنُّ أَنَّ فيها إدْرَاجًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمْ".
قال شيخ الإسلام (٢):
"والحديث الذي يُرْوَى: "الطوافُ بالبيتِ صلاة، إلا أنَّ الله أَبَاحَ فيه
стр. 160
الكلامَ، فمن تكلَّمَ فلا يتكلَّمُ إلا بخير". قد رواه النسائي، وهو يُروى موقوفًا ومرفوعًا، وأهل المعرفة بالحديث لا يصحّحونه إلا موقوفًا، ويجعلونه من كلام ابن عباس، لا يثبتون رفعه".
وقال أيضًا (١): "والحديث الذي رواه النسائي، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ : أنه قال: "الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أباح فيه الكلام، فمن تكلم فيه فلا يتكلم إلا بخير". قد قيل: إنه من كلام ابن عباس. وسواء كان من كلام النبي ﷺ أو كلام ابن عباس؛ ليس معناه أنه نوع من الصلاة كصلاة الجمعة والاستسقاء والكسوف، فإن الله قد فرَّق بين الصلاة والطواف بقوله: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾ [البقرة: ١٢٥].
والأمر كما قال أبو العباس ﵀.
...
стр. 161
الحديتّ الخامس عشر
حديث: "إذا فضخت الماء فاغتسل".
ــ
قال المستدرك
"هذا اللفظ شاذ ضعيف، وأشار إلى ذلك الحافظ البزار".
ثم قال: "وحصين (يعني رَاوِيه عن علي) لم ينقل توثيقه إلا عن ابن حبان والعجلي، ولم أجد لأحد من المتقدِّمين كلامًا فيه، إلا لهذين، فهل يقبل ما تفرد به حصين من الألفاظ مخالفًا لهؤلاء الذين فيهم حُفَّاظ أثبات؟ ".
* الجواب:
هذا الكلام ينقصه التحرير في مبحثين: الجهالة والتفرد.
أما الأول: فالذي يظهر لي أن المُسْتَدْرِكُ لا يسير فيه على طريقة كبار الأئمة.
قال ابن القيم ﵀: "فأما تعليله - (يعني ابن حزم) - حديث ندبة بكونها مجهولة؛ فإنها مدنِيَّة، روت عن مولاتها ميمونة، وروى عنها حبيب، ولم يعلم أحد جرحها، والراوي إذا كانت هذه حاله إنما يُخْشَى من تفرده بما لا يتابع عليه، فأما إذاً روى ما رواه الناس، وكانت لروايته شواهد ومتابعات، فإن أئمة الحديث يقبلون حديث مثل هذا، ولا يردُّونه ولا يعلِّلونه بالجهالة، فإذا صاروا
стр. 162
إلى معارضة ما رواه بما هو أثبت منه وأشهر؛ علَّلوه بمثل هذه الجهالة وبالتفرُّد، ومن تأمل كلام الأئمة رأى فيه ذلك، فيظن أن ذلك تناقض منهم! وهو بمحض العلم والذوق والوزن المستقيم، فيجب التنبه لهذه النكتة، فكثيرًا ما تمر بك في الأحاديث وبقع الغلط بسببها" (١).
قال البخاري ﵀: "حصين بن قبيصة الفزاري سمع عليًّا وعن عبد الله، روى عنه القاسم بن عبد الرحمن والركين" (٢).
وقال الذهبي ﵀: "حصين بن قبيصة الفزاري عن علي وابن مسعود وغيرهما، وعنه الركين بن الربيع وغيره قال ابن القطان: لا تعرف حاله، قلت: ذكره ابن حبان في "الثقات"، وروى عنه جماعة".
وقال الحافظ في "التقريب": "حصين بن قبيصة الفزاري الكوفي: ثقة، من الثانية د س ق".
قال الدارقطني ﵀: "وأهل العلم بالحديث لا يحتجُّون بخبر ينفرد بروايته رجل غير معروف، وإنما يثبت العلم عندهم بالخبر إذا كان رواته عدلاً مشهورًا، أو رجل قد ارتفع اسم الجهالة عنه، وارتفاع اسم الجهالة عنه: أن يروي عنه رجلان فصاعدًا، فإذا كان هذه صفته؛ ارتفع عنه اسم الجهالة، وصار حينئذ معروفًا، فأما من لم يروِ عنه إلا رجل واحد انفرد بخبر؛ وجب التوقف عن خبره ذلك، حتى يوافقه غيره، والله أعلم" (٣).
* قلت: أما التفرد فنوعان: تفرد لم يخالف فيه من تفرد به، وتفرد خولف فيه المتفرد، وهذا الحديث من النوع الأول، فهو من قبيل زيادة الثقة، فكيف إذا كانت هذه الزيادة مجمع عليها، وشواهدها في القرآن؟ قال تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦].
стр. 163
والسنة: مارواه مسلم وغيره: عن أبىِ سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عن النبي ﷺ أنه قال: "إنما الْمَاءُ من الْمَاءِ" (١).
فلم يبق في تعلملها إلا مجرد التعقب.
والحديث صححه أئمة في هذا الفن: ابن خزيمة، وابن حبان، والضياء في "المختاره"، والهيثمي في "المجمع"، وغيرهم، والله الموفِّقُ سبحانه.
стр. 164
الحديث السادس عشر
قول ﷺ لعائشة ﵁: "انقضي شعرك واغتسلي".
ــ
قال: المستدرك:
"هذه الزيادة شاذة، لا شك في خطئها".
* قلت:
هذا الحديث ليس على شرط الكتاب، فإن هذه الزيادة ليست في "الإرواء" (١)، ممَّا يُشعِر أن المقصود هو التعقب لذاته، فلو أن الكاتب اشتغل بتخريج بعض كتب الفقه، بدل التعقب -وهو لا يُعْرفُ له باع في هذا الفن- لكان خيرًا له.
قال المستدرك:
"تنبيه: صحَّح الشيخُ الألبانيُّ ﵀ هذه الزيادة، مع أنه خالف وكيعًا ثمانية من الرواة، با لإضافة إلى رواية الزهري الخالية. من الزيادة.
ثم بالمقابل عندما أراد أن يبحث زيادة وقعت في حديث أم سلمة -وهو
стр. 165
الحديث التالي لهذا الحديث مباشرة في "الإرواء"- حكم عليها بالشذوذ، معلِّلا بما يلي:
"تفرَّد عبد الرزاق بيها عن الثوري، خلافًا ليزيد بن هارون عنه، ولابن عيينة، وروح بن القاسم، عن أيوب بن موسى، فإنهم لم يذكروها كما رأيت".
ثم نقل الشيخ ﵀ عن ابن القيم ما يؤيد شذوذ هذه الزيادة لنفس العلة.
فهذا الحديث رواه أيوب بن موسى، ورواه عنه الثوري، وابن عيينة، وروح بن قاسم، فروح وابن عيينة لم يذكرا هذه الزيادة.
والثوري اختُلِفَ عليه: فرواه يزيد بن هارون عن الثوري بدون الزيادة.
ورواه عبد الرزاق بهذه الزيادة، مخالفًا للروايات السابقة، فروايته شاذة، كما هو واضح.
والآن يحقُّ لي أن أتساءل: أيهما أوضح شذوذًا: مخالفة ثلاثة من الرواة، أنهم مخالفة ثمانية من الرواة؛ بل تسعة باعتبار أن الزهري لم يذكر هذه الزيادة أيضًا في حديث عائشة ﵁؟ " انتهى كلام المستدرك.
* قلت:
مهلاً مهلاً، لا تعجل بنقد الكبار، وصدق شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ حيث قال: "من ضيَّع الأصول حرم الوصول".
فكيف تكون الزيادة شاذَّة وهي في "صحيح مسلم"؟!
قال الإمام مسلم ﵀: "حدثنا قُتَيْبَةُ بن سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بن رُمْحٍ جميعًا، عن اللَّيْثِ بن سَعْدٍ، قال قُتَيْبَة: حدثنا لَيْثٌ، عن أبي الزُّبَير، عن جَابِرٍ ﵁ أَنَّهُ قال: أَقْبَلْنَا مُهلِّينَ مع رسول اللَّهِ ﷺ بِحَجّ مُفْرَدٍ، وَأَقْبَقتْ عَائِشَةُ ﵁ بِعُمْرةٍ، حتى إذا كنا بِسَرِفَ عَرَكَتْ، حتى إذا قَدِمْنَا طُفْنَا بِالْكَعْبَةِ وَالصفَا والمَروَة، فَأمَرَنَا رسول اللهِ ﷺ أَنْ يَحِلَّ مِنَّا من لم يكن معه هَدْيٌ، قال: فَقُلْنَا: حِلُّ مَاذَا؟ قال:
стр. 166
"الْحِلُّ كُلُّهُ". فَوَاقَعْنَا النِّسَاء، وتطيبنا بالطيب، ولبسنا ثيابنا، وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال، ثمَّ أهللنا يوم التروية، ثم دخل رسول الله ﷺ على عائشة ﵁ فوجدها تبكي، فقال: "ما شأنك"؟ قالت: شأني أنّي قد حضْت، وقد حَلَّ الناس ولم أحلل ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحجِّ الآن. فقال: "إِنَّ هذا أَمْر كَتَبَهُ الله على بَنَاتِ آدَمَ فَاغتَسِلِي ثُمَّ أهِلِّي بِالْحَجِّ". ففعلت ووقَفَت المَواقِف، حتى إذا طهرت طَافَت بالكعبة والصفا والمروة، ثم قال: "قد حَلَلْتِ من حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ جميعًا". فقالت: يا رسول الله؛ إنى أجد فى نفسي أَنِّي لم أَطُفْ بِالْبَيْتِ حتى حَجَجْت. قال: "فَاذْهَبْ بها يا عبد الرحمن، فَأعْمِرْهَا من التَّنعيمِ" وَذَلِكَ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ" (١).
ثم من سبقك من الأئمة بالقول إن الزيادة شاذة؟! فإن الإمام البخارى بوَّب على حديث عائشة: "بَاب امْتِشَاطِ الْمَرْأَةِ عِنْدَ غُسْلِهَا من الْمَحِيضِ". ولو كنت فقيهًا لعلِمْتَ أنه لا نقض إلا باغتسال.
على أن الإمام البخاري روى بسنده في "الصحيح"، عن عبد اللهِ بن عَبَّاسٍ ﵁ قال: "انْطَلَقَ النبي ﷺ من الْمَدِينَةِ بَعْدَ ما تَرَجَّلَ وَادَّهَنَ، وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ هو وَأَصْحَابُهُ" (٢)، وهذا لا يكون عادة إلا بعد الاغتسال، والله أعلم.
стр. 167
الحديث السابع عشر
حديث أبي هريرة ﵁: "من غسَّل ميتًا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ".
ــ
قال المستدرك:
"الحديث ضعيف مرفوعًا، ولا يصح في هذا الباب حديث، كما قاله الإمام أحمد وعلي بن المديني، وغيرهما من الحفَّاظ".
* قلت:
قال ابن الملقّن في " البدر المنير": (٢/ ٥٢٤ - ٥٣٦):
"هذا الحديث له طرق كثيرة يدور -فيما حصرنا منها- على ستة من الصحابة: أبي هريرة، وعائشة، وعلي، وأبي سعيد الخدري، وحذيفة بن اليمان: والمغيرة ﵃.
أما حديث أبي هريرة؛ فيحضرنا من طرقه ثلاثة عشر طريقًا:
الأول: عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عنه مرفوعًا: "من غسله الغسل، ومن حمله الوضوء -يعني الميت-"، رواه الترمذي (١)، واللفظ له، وابن
стр. 168
ماجه (١)، ولفظه كلفظ الرافعي سواء، روياه من حديث عبد العزيز بن المختار عن سهيل به.
الثاني: عن سهيل أيضاً عن أبيه، عن إسحاق مولى زائدة، عن أبي هريرة مرفوعًا بمعناه. رواه أبو داود (٢) عن حامد بن يحيى عن سفيان عن سهيل به.
الثالث: عن ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة مرفوعًا: "من غسل ميتًا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ"، رواه أحمد في "مسنده" (٣)، والبيهقي في "سننه" (٤).
الرابع: عن عمرو بن عمير عن أبى هريرة مرفوعًا: "من غسل الميت فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ"، رواه أبو داود (٥) من حديث ابن أبي ذئب عن القاسم بن عباس عن عمرو به.
الخامس: عن زهير عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا، بمثل الذي قبله، رواه البيهقي في "سننه".
السادس: عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه مرفوعاً: "من غسل جنازة -يعني ميتًا- فليغتسل، ومن حملها فليتوضأ"، رواه البزار في "مسنده".
السابع: عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة مرفوعًا: "من غسل ميتًا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ"، رواه البزار أيضاً.
الثامن: عن يحيى بن أبي كثير عن رجل يقال له أبو إسحاق عن أبي هريرة مرفوعًا: "من غسل ميتًا فليغتسل"، رواه أحمد في "مسنده" (٦).
стр. 169
التاسع: عن حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا مثل الذي قبله، رواه ابن حزم في "محلاه" هكذا، وابن الجوزي في "علله"، من حديث محمد بن شجاع عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا: "من غسل ميتًا فليغتسل".
العاشر: عن أبي بحر البكراوي عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً بنحو مما قبله، رواه البزار عن يحيى بن حكيم به.
الحادي عشر: عن صفوان بن سليم عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا: "من غسل الميت الغسل، ومن حمله الوضوء"، رواه البيهقي وفي رواية له: "من غسل ميتِّا فليغتسل" (١)، لم يزد.
الثاني عشر: عن محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي هريرة مرفوعِّا: "من غسل ميتًا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ".
الثالث عشر: عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، ذكر هذا الطريق والذي قبله الشيخ تقي الدين القشيري في كتاب "الإمام".
هذا مجموع ما حصرنا من طريق حديث أبي هريرة.
ولنذكر أولاً مقالات الحفاظ فيه، ثم نبيِّن بعد ذلك ما يقتضيه النظر والبحث على وجه الإنصاف، فنقول:
ذكر البيهقي في "سننه" جميع ما عزيناه مما قدمناه عنه، وضعفه، ثم قال: والصحيح فيه أنه موقوف على أبي هريرة. وقال البخاري: الأشبه أنه موقوف، قال: وقال أحمد وعلي بن المديني: لا يصح في هذا الباب شيء. قال: وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول -وقد سئل عن الغسل من غسل الميت- فقال: يجزئه الوضوء.
стр. 170
قال البيهقي: وقال الترمذي: سألت البخاري عن هذا الحديث؟ فقال: إن أحمد وعلي بن المديني قالا: لم يصح في هذا الباب شيء، ليس بذاك.
وقال الشافعي: إنما منعني من إيجاب الغسل من غسل الميت أن في إسناده رجلاً لم أقف على معرفة ثبت حديثه إلى يومي هذا على ما يقتضي، فإن وجدت ما يقنعني أوجبته، وأوجبت الوضوء من مس الميت مفضيًا إليه، فإنهما في حديث واحد.
قال البيهقي: وقال محمد بن يحيى -يعني الذهلي- شيخ البخاري: لا أعلم فيمن غسل ميتًا فليغتسل حديثًا ثابتًا، ولو ثبت لزمنا استعماله.
قال البيهقي: والروايات المرفوعة في هذا الباب غير قوية لجهالة بعض رواتها وضعف بعضهم، والصحيح من قوله موقوفًا غير مرفوع.
وقال ابن أبي حاتم في "علله" (١): سألت أبي عن رفعه؟ فقال: خطأ، لا يرفعه الثقات، إنما هو موقوف على أبي هريرة.
قال: وسألته عن الرجل -يعني الذي في الطريق الثامن- من هو، وهل يسمى؟ فقال: لا.
ونقل أصحابنا عن الشافعي أنه قال في البويطي: إن صح الحديث قلت بوجوبه.
وقال الدارقطني في "علله" (٢): هذا حديث يرويه ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة، واختلف عنه فرواه حبان بن علي عن ابن أبي ذئب به، وخالفه يحيى القطان ويحيى بن أيوب والدراوردي وحجاج بن محمد وعبد الصمد بن النعمان وابن أبي فديك؛ رووه عن ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة.
стр. 171
قال: وأغرب ابن أبي فديك فيه بإسنادين آخرين: أحدهما: عن ابن أبي ذئب عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، والآخر: عن ابن أبي ذئب عن القاسم بن عباس عن عمرو بن عمير عن أبي هريرة.
قال: وحديث المقبري أصح.
وقال الحاكم في "مستدركه" في آخر الجنائز (١): هذا الحديث مختلف فيه على محمد بن عمرو، وهو مرفوض.
وقال ابن الجوزي في "علله" (٢): هذا حديث لا يصح، لأن المحفوظ في الطريق الأول وقفه على أبي هريرة، وفي الطريق الثاني صالح مولى التوأمة، قال مالك: ليس بثقة، وكان شعبة ينهى أن يؤخذ عنه، ولا يروي عنه. وفي الثالث -وهو فيما قدمناه التاسع- محمد بن عمرو، قال يحيى: ما زال الناس يتَّقون حديثه. وفي الرابع -وهو فيما قدمناه الثامن- رجل مجهول.
قال: وقد رواه ابن لهيعة من حديث صفوان عن أبي سلمة، وابن لهيعة ليس بشيء.
وقال الرافعي في "شرح مسند الشافعي": علماء الحديث لم يصححوا في هذا الباب شيئًا مرفوعًا، وصحَّحوه عن أبي هريرة موقوفًا، وقال في هذا الكتاب -أعني شرح الوجيز-: والحديث إن ثبت محمول على الاستحباب.
ونقل النووى عن الجمهور تضعيف هذا الحديث، وأنكر على الترمذي تحسينه.
هذا ما حضرنا من كلام الحفاظ قديمًا، وحديثًا عليه، وحاصله: تضعيف رفعه وتصحيح وقفه، ولا بد من النظر في ذلك على سبيل التفصيل دون الاكتفاء بالتقليد، وقد قام بذلك صاحب "الإمام"، وحاصل ما يُعَلُّ به في ذلك وجهان:
стр. 172
أحدهما: من جهة رجال الإسناد، فأما رواية صالح مولى التوأمة -وهي الطريق الثالث- فقد سلف قول مالك وشعبة فيه، وقال البيهقي في "المعرفة": (١) اختلط في آخر عمره، فخرج عن حد الاحتجاج به.
وأما رواية عمرو بن عمير -وهي الطريق الرابع- فقال البيهقي فيه: إنما يعرف بهذا الحديث، وليس بالمشهور. وقال ابن القطان: إنه مجهول الحال لا يعرف بغير هذا، وهذا الحديث من غير مزيد ذكره ابن أبي حاتم، قال ابن القطان: وهذا علة الخبر.
وأما زهير المذكور في الطريق الخامس، فقال البيهقي: قال البخاري: روى عنه أهل الشام أحاديث مناكير. وقال النسائي: ليس بالقوي.
وأما حديث العلاء -وهو السادس،- فقال ابن القطان: ليس بمعروف.
وأما السابع؛ ففي إسناده أبو واقد، واسمه صالح بن محمد بن زائدة. قال يحيى بن معين: ليس حديثه بذاك. وقال الدارقطني، وجماعة: ضعيف. وقال البخاري: منكر الحديث.
وأما الثامن؛ ففيه أبو إسحاق، وهو مجهول -كما سلف عن أبي حاتم الرازي-
وأما التاسع؛ فمحمد بن عمرو قال يحيى: ما زال الناس يتَّقون حديثه.
وأما العاشر: فالبكراوي وهو عبد الرحمن بن عثمان طرح الناس حديثه كما قاله أحمد، وقال علي بن المديني: ذهب حديثه.
وقال أبو حاتم: ليس بقوي يكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال يحيى والنسائي: ضعيف. وقال ابن حبان: يروي المقلوبات عن الأثبات لا يجوز الاحتجاج به.
стр. 173
وأما الحادي عشر: فقال البيهقي: في إسناده ابن لهيعة حنين بن أبي حكيم؛ ولا يحتج بهما.
الوجه الثاني: التعليل؛ فأما رواية سهيل فقد قال الترمذي: إنه روي موقوفًا. وأيضًا فقد رواه سفيان عن سهيل عن أبيه عن إسحاق مولى زائدة عن أبي هريرة -كما سلف- فأدخل رجلاً بين أبي صالح وأبي هريرة وهذا اختلاف.
قال البيهقي في "المعرفة": وإنما لم يقو عندي أنه يروى عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، ويدخل بعض الحفاظ بين أبي صالح وأبي هريرة إسحاق مولى زائدة، قال: فيدل على أن أبا صالح لم يسمعه من أبي هريرة، وليست معرفتي بإسحاق مولى زائدة مثل معرفتي بأبي صالح ولعله أن يكون ثقة.
وأما رواية ابن أبي ذئب فقد أسلفنا روايتنا له عن صالح عن أبي هريرة وعن القاسم بن عباس عن عمرو بن عمير عن أبي هريرة.
وقال البيهقي عقب رواية ابن أبي ذئب: وصالح مولى التوأمة ليس بالقوي.
وأما رواية محمد بن عمرو؛ فقد رواها عبد الوهاب عنه موقوفة على أبي هريرة، ورجَّحه بعضهم على الرفع، قال البيهقي: وهو الصحيح كما أشار إليه البخاري.
ورواه معتمر أيضًا عن محمد فوقفه، وقد أسلفنا عن أبي حاتم أن الرفع خطأ.
ثم شرع الشيخ تقي الدين يجيب عن ذلك، فقال: لقائل أن يقول: أما الكلام على صالح مولى التوأمة، فهو وإن كان مالك قال فيه: إنه ليس بثقة -كما قدمناه- واستضعفه غيره؛ فقد قال يحيى فيه: إنه ثقة حُجَّة.
قيل له: إن مالكًا ترك السماع منه، فقال: إن مالكًا إنما أدركه بعد أن
стр. 174
خرف، ولكن ابن أبي ذئب سمع منه قبل أن يخرف. وقال السعدي: تغير جدًّا. وحديث ابن أبي ذئب مقبول منه لقدم سماعه.
قال الشيخ: فهذا يقتضي أن كلام مالك فيه بعد تغيره، وأن رواية ابن أبي ذئب قديمة مقبولة، وهذا الحديث من رواية ابن أبي ذئب عنه.
قال: وبهذا يحصل الجواب عن قول البيهقي فيه إنه اختلط في آخر عمره، فخرج عن حد الاحتجاج به، لأنه قد تبين بشهادة من تقدم بقدم سماع ابن أبي ذئب وأنه مقبول.
* قلت:
وبه يجاب أيضاً عن إعلال ابن الجوزي الحديث به، كما أسلفناه عنه.
قال الشيخ: وأما رواية سهيل عن أبيه عن أبي هريرة؛ فسندها عند الترمذي من شرط الصحيح، وقال فيها الترمذي إنه حديث حسن. وعبد العزيز بن المختار وأبو صالح متفق عليهما، ومحمد بن عبد الملك، وسهيل أخرج لهما مسلم.
وقال الشيخ في "الإلمام" أيضًا: رجاله رجال مسلم، وقد أخرجها ابن حبان في "صحيحه" من حديث إبراهيم بن الحجاج الشامي، حدثنا حماد بن سلمة عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا: "من غسل ميتًا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ" (١)، وفي هذه الرواية فائدة أخرى وهي متابعة حمادٍ عبد العزيز.
وأما رواية سفيان وإدخال إسحاق بين أبي صالح وأبي هريرة؛ فكما قال الشافعي: يدل على أن أبا صالح لم يسمعه من أبي هريرة، ولكن إسحاق مولى زائدة موثق أخرج له مسلم، وقال يحيى: ثقة. وإذا كان ثقة فكيفما كان الحديث عنه أو عن أبي صالح عن أبي هريرة لم يخرج عن ثقة.
стр. 175
* قلت:
وقول الشافعي السالف إن في إسناده رجلاً لم أقف على معرفة ثبت حديثه إلى يومي على ما يقنعني.
الظاهر أنه أراد إسحاق هذا، وقد وضح لك ثقته، وقد قال فيه مرة أخرى: لعله أن يكون ثقة -كما أسلفناه عنه-.
وأما طريق أبي داود الذي زيد فيه إسحاق، فلا أرى له علة لصحة إسناده واتصاله. حامد بن يحيى المذكور في أول إسناده مشهور، قال أبو حاتم: صدوق. وذكر جعفر الفريابي أنه سأل علي بن المديني عنه، فقال: يا سبحان الله! أبقي حامد إلى أن يحتاج يسأل عنه. وذكره ابن حبان في "ثقاته"، وقال: كان أعلم زمانه.
ومَنْ بعده مخرج له في الصحيح، وقد جنح ابن حزم الظاهري إلى تصحيحه فإنه احتج به في المسألة، وقال إسحاق: مولى زائدة ثقة مدني، وثَّقه أحمد بن صالح الكوفي وغيره.
وأما زهير؛ فقد أخرج له الشيخان في صحيحيهما، وباقي الكتب الستة، وقال يحيى: ثقة، وقال أحمد مقارب الحديث، وقال مرة: ليس به بأس، وقال ابن المديني: لا بأس به، وقال العجلي: جائز الحديث، وقال أبو حاتم: محله الصدق، في حفظه سوء. وقال: حديثه بالشام أنكر من حديثه بالعراق لسوء حفظه، وما حدث به من حفظه، فهو أغاليط.
* قلت:
وهذا الحديث من رواية أهل الشام عنه التي قال البخاري فيها ما سلف، لكن روى البخاري أيضًا عن أحمد أنه قال: كأنَّ زهيرًا الذي روى عنه أهل الشام زهير آخر.
стр. 176
وأما رواية محمد بن عمرو؛ فقد احتج بها ابن حزم حيث رواها من جهة حماد بن سلمة، ومحمد بن عمرو روى عنه مالك في "الموطأ"، واستشهد به البخاري، وتابع به مسلم، وقد رفع هذا الحديث حماد، وتابعه أبو بحر، وفي قول أبي حاتم: يكتب حديثه، ما يقتضي أن يجعل تأكيدًا في رفعه، ورواية الوقف لم يعتبرها ابن حزم تقديمًا للرفع عليها، وقال علي بن المديني: كان يحيى بن سعيد حسن الرأي في أبي بحر.
وأما ابن لهيعة؛ فقد سلفت ترجمته فيما مضى، وأما حنين بن أبي حكيم؛ فقد وثقه ابن حبان.
وأما الاختلاف على ابن أبي ذئب؛ فقد يقال إنهما إسنادان مختلفان لابن أبي ذئب، لا يعلل أحدهما بالآخر لاختلاف رجالهما.
وأما قول ابن القطان في حديث العلاء: إنه ليس بمعروف، إن أراد: أنه لا يعرف مخرجه؛ فليس كذلك، فقد خرجه البزار كما أسلفناه، وإن أراد: مع معرفة طريقه أنه غير مشهور؛ فلا يناسبه ذلك، وإنما يناسبه النظر في رجال إسناده.
وأما أبو واقد؛ فقد قال أحمد فيه: ما أرى به بأسًا. فلعل ذلك يقتضي أن يتابع بروايته، وأما جهالة بعض رواته فلا يقدح فيما صح منهما، فقد ظهر صحة بعض طرقه، وحسن بعضها، ومتابعة الباقي لها، فلا يخفى إذًا ما في إطلاق الضعف عليها، وإن الأصح الوقف، وقد علم أيضاً ما يعمل عند اجتماع الرفع والوقف، وشهرة الخلاف فيه، وقد نقل الإمام أبو الحسن الماوردي من أئمة أصحابنا في "حاويه" عن بعض أصحاب الحديث أنه خرج لصحة هذا الحديث مئة وعشرين طريقًا، فأقل أحواله إذًا أن يكون حسنًا" انتهى من "البدر المنير".
стр. 177
قال شيخ الإسلام بعد أن ساق الحديث برواياته: "وعن عائشة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يغتسل من أربع: من الجمعة والجنابة، والحجامة، وغسل الميت" (١)، رواه أحمد وأبو داود ولفظه: "أن النبي ﷺ كان يغتسل"، وهو على شرط مسلم، وتضعيف الإمام أحمد وغيره لبعض هذه الأحاديث، إما لأنه لم يبلغهم حين التضعيف إلا من وجوه ضعيفه، أو بناء على قاعدة الحديث دون ما يحتج به الفقهاء" (٢).
* قلت:
ولا ريب أن الحديث له أصلاً، وأنه معروف عند الصحابة، لكن الاختلاف بينهم هو في الوجوب، أو الاستحباب؛ بدليل ورواه مالك في "الموطأ" قال: "وحدثنى عن مَالِكٍ عن عبد الله بن أبِي بَكْرٍ: "أَنَّ أَسْمَاءَ بنت عُمَيْسٍ غَسَّلَتْ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ حين توفي ثُمَّ خَرَجَتْ فَسَأَلَتْ من حَضَرَهَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فقالت: إنِّي صَائِمَة، وإن هذا يَوْمٌ شَدِيدُ الْبَرْدِ، فَهَلْ عَلَيَّ من غُسْلٍ؟ فَقَالُوا: لا" (٣).
قال الحافظ ابن حجر: "إَنَّ الأَمْرَ فيه لِلنَّدْب، لما رَوَى الْخَطِيبُ في تَرْجَمَةِ محَمَّدِ بن عبد اللَّهِ الْمَخْرَمِيِّ من طريق عبد اللًّهِ بن أَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ قال: قال لي أبي: كَتَبْتُ حَدِيثَ عُبَيْدِ اللَّهِ عن نَافِعِ عن ابن عُمَرَ: "كنا نُغَسِّلُ الْمَيّتَ فَمِنَّا من يَغْتَسِلُ، وَمِنَّا من لا يَغْتَسِلُ". قال: قُلْت: لا. قال: في ذلك الْجَانِبِ شَابٌّ، يُقَالُ له محمد بن عبد اللَّهِ يحدث بِهِ عن أبي هِشَامٍ الْمَخْزُومِيِّ عن وُهَيْبٍ، فَاكْتُبْهُ عنه".
стр. 178
* قُلت: وَهَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ، وهو أَحْسَنُ ما جَمَعَ بِهِ بين مُخْتَلِفِ هذه الأَحَادِيثِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ" (١).
وقال: "وفي الْجُمْلَةِ؛ هو بِكَثْرَةِ طُرُقِهِ أَسْوَأُ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا" (٢).
وانظر آثار الصحابة في مصنفي ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق وغيرهما.
وقال الحافظ:
"قال الذهبى في" مُختَصَرِ البَيهَقِيّ": طُرُقُ هذا الحديث أَقْوَى من عِدَّةِ أَحَادِيثَ احْتَجَّ بها الْفُقَهَاءُ ولم يُعِلُّوهَا بِالْوَقْفِ، بَلْ قَدَّمُوا رِوَايَةَ الرَّفْعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ" (٣).
ومن هنا تعلم: أن العالم كلما كان أوسع علمًا، كان أقدر على الحكم وأبعد عن التردد، ومن عرف أبا عبد الرحمن من قرب لا يشك أنه من هذا الطراز ﵀.
стр. 179
الحديث الثامن عشر
حديث زيد بن ثابت ﵁: "أنه رأى النبي ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل".
ــ
قال المستدرك:
"إسناد هذا الحديث ليس حسنًا؛ بل ضعيف، كما قال العقيلي، وله علل".
ثم قال: "ومرة أخرى أقول: إن ظاهر هذا الإسناد صحيح، ويشهد لحديث زيد بن ثابت، لولا أن في النفس شيء من المتن منكر ... ".
ثم قال: "الخلاصة: أن حديث زيد بن ثابت ليس حسنًا؛ بل ضعيف الإسناد، وفي تقويته بالشواهد المذكورة نظر، لما ذكرتُ من نكارة المتن حسب ما ظهر لي" اهـ.
* الجواب:
لو قال هذا الكلام أحد الأئمة؛ لم يكن حُجَّة في تضعيف حديث، فكيف بباحث؟! فرحم الله أمرءًا عرف قدر نفسه، فالحديث صحيح، ولا غبار عليه؛ بل هو من المتواتر تواترًا معنويًّا عند المسلمين، وتقدم حديث جابر في مسلم وقوله ﷺ لعائشة: "فاغتسلي ثم أهلِّي بالحج" (١).
стр. 180
الحديث التاسع عشر
قوله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة حائض بغير خمار".
ــ
قال المستدرك:
"الحديث ضعيف، وهو مرسل، أو موقوف، وأعله الدارقطني، وأشار إلى إعلاله أبو داود".
* قلت:
الحديث رواه أحمد (٦/ ٩٦، ١٥٠) وأبو داود (٦٤١)، والترمذي (٣٧٧) وقال: حديث حسن. والحاكم في "مستدركه" (١/ ٢٥١) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
من طرق عن قتادة عن محمد بن سيرين، عن صفية بنت الحارث، عن عائشة ﵁.
قال الحاكم: "وأظن أنهما لم يخرجاه لخلاف فيه على قتادة".
ثم روى بإسناده عن الحسن أن النبي ﷺ قال: "لا تقبل صلاة حائض إلا بخمار"
ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" (١/ ٣٨٠) أيضًا بلفظ: "لا يقبل الله صلاة امرأة قد حاضت إلا بخمار"، ورواه ابن حبان في "صحيحه" (٤/ ٦١٢).