← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 96928

رد الجميل في الذب عن إرواء الغليل

عبد الله العبيلان

Полный текст (376 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

رأي مؤلف "مستدرك التعليل" في علم شيخ الإسلام بالحديث !! يحسن بي قبل البدء بالرد على الدكتور الخليل أن أبيِّنَ مسألةً خطيرة، وأثرًا سيئًا من آثار هذا المنهج المبتدَع بالتفريق بين المتقدِّمين والمتأخِّرين! وما ينتج عنه من طعن في أئمة الإسلام وعلمائهم، وتفريقهم وتقسيمهم إلى قسمين: قسم يؤخذ حكمهم على الأحاديث ويُقْبَلُ دون تردُّدٍ ونظرٍ، وقسم لا يفقه علل الحديث، فنهدر جهودَهم، ولا نأخذ من أحكامهم، ولا عبرة باجتهادهم! وهذا من أعجب العجب! ولو عقل هؤلاء ما يقولون، وما يؤول إليه هذا المنهج الخطير لما استمرُّوا على ما هم عليه، ولرجعوا إلى جادَّة الصواب. ومن نتائج هذا المنهج الحادِث: الطَّعن في علم العلماء السابقين، أو التشكيك بعلمهم، وازدراء، أحكامهم، والتعامل معهم بعقول ضيِّقة بعيدة النظر ... ولكني لم أكن أتصوَّر أن يصل الحد إلى أن يُتطاول على شيخ الإسلام وعَلَم الأَعلام الإمام المجتهد: تقي الدين أبي العباس أحمد ابن تيمية -رحمه الله تعالى وقدَّس روحه-. فقد اتْحَفَنَا الدكتور الخليل بجُرأة عجيبة، وتسرُّع خطير، في اتّهام شيخ الإسلام بتهمة لم يجرؤ أن يتَّهِمَهُ بها أعداؤه، فقد قال -سامحه الله- في مقدمة تحقيقه لكتاب "بيان بطلان التحليل" الشيخ لإسلام ابن تيمية (ص ٢٨ - ٢٩) تحت عنوان: مؤاخذات على الكتاب: ١ - ذكر الشيخ أثر ذي الرقعتين الذي احتج به من يرى جواز التحليل،

стр. 72

وأجاب عنه من ستة أوجه: الأول منها أنه ضعيف منقطع ليس له إسناد، وهذا هو جواب الإمام أحمد عن هذا الحديث، لم ينقل عنه المؤلف جوابًا آخر، ثم ذكر الشيخ خمسة أجوبة على فرض أن للأثر أصلاً. والملحوظة التي رأيت أن الشيخ خالف فيها الصواب؛ أن هذه الأوجه الخمسة لا يخلو بعضها من تكلُّف، وتطويل يمكن الاستغناء عنه، ولو أن الشيخ اكتفى بتضعيف الأثر لكان هو الأولى. وهذا المبدأ -أي الاكتفاء بضعف الحديث- أخذ به الشيخ نفسه، فقد ذكر حديث موسى بن مطير وهو من حجج المبيحين للتحليل، وأجاب عنه بأنه ضعيف موضوع ثم قال: "ثم إن أصحابنا تكلموا على تقدير صحته، وإن كان ذلك ضربًا من التكلف، فإن مثل هذه العبارة يظهر عليها من التناقض ما لا يجوز نسبته إلى النبي ﷺ ... ". ٢ - حين يتكلم الشيخ عن بعض الأحاديث التي يحتج بها يحصل منه أحيانا عدم تحرير للحديث صحة وضعفًا، لا سيما في مسألة تقوية الحديث الضعيف بكثرة طرقه، وكذا في مسألة التفردات. وانظر على سبيل المثال ص ٢٣٤، ٣٢٠. ومما يدل على أن الشيخ لم يحالفه الصواب فيها؛ أن كلامه في هذه الأحاديث يخالف كلام الأئمة الحفاظ المتقدمين. وأيضًا مما يؤكد ما سبق أن الشيخ يحسّن أو يصحح بعض الأحاديث، ثم يستدرك على نفسه ويبين أنه حديث معلول، انظر على سبيل المثال ص ٥١ ... ". وله تعقُّبات على شيخ الإسلام ﵀ في ثنايا تحقيقه للكتاب، تدلُّ على خطر هذا المنهج المُحْدَثِ، ولن أطيلَ في التعليق، وإنما أتركُ مثل هذا الكلام للنقاد والعلماء العارفين، والله المستعان. * * *

стр. 73

الحديث الأول قوله ﷺ : "من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا: يا رسول الله؛ كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرِمتَ؟ يعني: قد بليت! قال: إن الله قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء عليم السلام". ــ قال المستدرك: "وعلَّة الحديث: ١ - أن حسين بن علي الجعفي لم يسمع من عبد الرحمن بن يزيد الثقة بل سمع من عبد الرحمن بن يزيد التميم الضعيف، وإنما غلط حسين الجعفي في اسم الجد. ٢ - تفرد حسين الجعفي عن ابن جابر بهذا الحديث، نقلاً عن أبي حاتم. ٣ - في أحاديث أهل الكوفة عن ابن جابر مناكير كثيرة. ٤ - كثرة الحفاظ الدين ذهبوا إلى ذلك. ٥ - لم يذكر الدارقطني والعجلي ما يدل على صحة سماع حسين الجعفي من ابن جابر.

стр. 74

ثم قال: إن الحافظ الدارقطني والمزّي ذكرا أن حسينًا سمع من ابن جابر، ولم أقف لهما على دليل معين، وتصريح حسين الجعفي بالسماع من ابن جابر من قبيل الوهم". * الجواب: أولاً: لا بد من سوق روايات الحديث ليكون الأمر جليًّا عند القارئ الكريم: قال الإمام أحمد (١): حدثنا حسين بن علي الجعفي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن أبي الأسود الصنعاني عن أوس بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : "من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خُلِقَ آدم، وفيه قُبِضَ، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي". قالوا: يا رسول الله؛ كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمتَ؟ يعني: قد بليت. قال: "إن الله قد حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ﵈". وهكذا رواه أبو داود (٢) عن هارون بن عبد الله وعن الحسن بن علي، والنسائي (٣) عن إسحاق بن منصور، ثلاثتهم عن حسين بن علي به. ورواه ابن ماجه (٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن حسين بن علي عن جابر عن أبي الأشعث عن شداد بن أوس فذكره. قال أبو الحجاج المزي: وذلك وهم من ابن ماجه، والصحيح: أوس بن أوس، وهو الثقفي ﵁ (٥).

стр. 75

قال ابن خزيمة في "صحيحه" (٣/ ١١٨) رقم (١٧٣٣، ١٧٣٤): أنا أبو طاهر نا أبو بكر نا محمد بن العلاء بن كريب، نا حسين -يعني بن علي الجعفي، ثنا عبد الرحمن بن يزيد، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس قال: قال لي رسول الله ﷺ : "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة؛ فيه خُلِقَ آدم وفيه قُبِضَ، وفيه النَّفْخَةُ وفيه الصَّعْقَةُ، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليَّ". قالوا: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمْتَ؟! فقال: "إن الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء". أخبرنا أبو طاهر نا أبو بكر نا محمد بن رافع ثنا حسين بن علي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بهذا الإسناد مثله، وقال: يعنون: قد بليتَ". ثانيًا: لم تبيِّن للقارئ من هو حسين الجعفي! وهذه ترجمته من كتب متعددة: "التقريب": الحسين بن علي بن الوليد الجعفي الكوفي المقرئ، ثقة عابد من التاسعة، مات سنة ثلاث أو أربع ومئتين، وله أربع أو خمس وثمانون سنة ع (١). "الكاشف": الحسين بن علي بن الوليد الجعفي، عن خاله الحسن بن الحر وجعفر بن برقان والأعمش، وعنه أحمد وعبد وابن الفرات قال أحمد: ما رأيتُ أفضل منه، ومن سعيد بن عامر. وقال يحيى بن يحيى: إن بقي أحد من الأبدال فحسين الجعفي، عاش أربعًا وثمانين سنة، توفي في ذي القعدة ٢٠٣ع (٢). "الخلاصة": الحسين بن علي بن الوليد الجعفي مولاهم أبو محمد أو أبو عبد الله الكوفي، أحد الأعلام والزهاد، عن الأعمش وجعفر بن برقان

стр. 76

وزائدة وفضيل بن مرزوق وخلق، وعنه أحمد وإسحاق وابن معين ومحمد بن رافع وإسحاق الكوسج وخلق، قال أحمد: ما رأيتُ أفضل منه (١). إذن فهو شيخ لأحمد، وكافة أصحاب الكتب الستة، وثِقَةٌ فاضل. ثالثًا: أما قولك: تفرد به حسين الجعفي! فهذا من الغرائب! فهو ثقة حافظ، ولا أدري على منهج المتقدِّمين أو المتأخرين يصح هذا التعليل؟! رابعًا: أما نقلك عن ابن أبي حاتم في كتاب "العلل": "قال: سمعت أبي يقول: عبد الرحمن بن يزيد بن جابر؛ لا أعلم أحدًا من أهل العراق يحدث عنه، والذي عندي: أن الذي يروي عنه أبو أسامة وحسين الجعفي واحد، وهو عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، لأن أبا أسامة روى عن عبد الرحمن بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة خمسة أحاديث، أو ستة أحاديث منكرة، لا يحتمل أن يحدث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر مثله، ولا أعلم أحدًا من أهل الشام روى عن ابن جابر من هذه الأحاديث شيئًا. وأما حسين الجعفي فإنه روى عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن أبي الأشعث الصنعاني عن أوس بن أوس عن النبي ﷺ في يوم الجمعة أنه قال: "أفضل الأيام يوم الجمعة فيه الصعقة وفيه النفخة وفيه كذا" وهو حديث منكر، لا أعلم أحدًا رواه غير حسين الجعفي، وأما عبد الرحمن بن يزيد بن تميم فهو ضعيف الحديث، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر ثقة". فالجواب عنه: ما قاله الحافظ أبو الحسن الدارقطني: قوله: حسين الجعفي روى عن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم؛ خطأ. الذي يروي عنه حسين هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر وأبو أسامة يروي عن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، فيقول ابن جابر ويغلط في اسم الجد! قال ابن عبد الهادي في "الصارم المنكي": "وهذا الذي قاله الحافظ

стр. 77

أبو الحسن هو أقرب وأشبه بالصواب، وهو أن الجعفي روى عن ابن جابر ولم يرو عن ابن تميم، والذي يروي عن ابن تميم ويغلط في اسم جده هو أبو أسامة كما قاله الأكثرون، فعلى هذا يكون الحديث الذي رواه حسين الجعفي عن ابن جابر عن أبي الأشعث عن أوس حديثًا صحيحًا، لأن رواته كلهم مشهورون بالصدق والأمانة والثقة والعدالة، ولذلك صححه جماعة من الحفاظ، ولم يأت من تكلم فيه وعلَّله بحُجَّةٍ بيِّنَةٍ، وما ذكره أبو حاتم الرازي في "العلل" لا يدل إلا على تضعيف رواية أبي أسامة عن ابن جابر لا على ضعف رواية الجعفي عنه، فإنه قال: والذي عندي أن الذي يروي عنه أبو أسامة وحسين الجعفي واحد. ثم ذكر ما يدل على أن الذي روى عنه أبو أسامة فقط هو ابن تميم، فذكر أمرًا عامًّا واستدل بدليل خاص. ثم قال ابن عبد الهادي: وقد قيل: إن أبا أسامة كان يعرف أن عبد الرحمن بن يزيد هو ابن تميم ويتغافل عن ذلك، قال يعقوب بن سفيان: قال محمد بن عبد الله بن نمير -وذكر أبا أسامة- فقال: الذي يروي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر يرى أنه ليس بابن جابر المعروف، وذكر لي أنه رجل يسمى باسم ابن جابر، قال يعقوب: صدق؛ هو عبد الرحمن بن فلان بن تميم، فدخل عليه أبو أسامة فكتب عنه هذه الأحاديث، فروى عنه، وإنما هو إنسان يسمى باسم ابن جابر. قال يعقوب: وكأني رأيت ابن نمير يتهم أبا أسامة أنه عَلِمَ ذلك وعرف ولكن تغافل عن ذلك! قال: وقال لي ابن نمير: أما ترى روايته لا تشبه سائر حديثه الصحاح الذي روى عنه أهل الشام وأصحابه؟! انتهى (١). وقال النسائي في كتاب الضعفاء: عبد الرحمن بن يزيد بن تميم: متروك الحديث شامي (٢).

стр. 78

وقال موسى بن هارون الحافظ: روى أبو أسامة عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وكان ذلك وهمًا منه، هو لم يلقَ عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وإنما لقي عبد الرحمن بن يزيد بن تميم فظن أنه ابن جابر، وابن جابر ثقة وابن تميم ضعيف، فأنت ترى أن الحمل في كلام الحفاظ ليس على حسين الجعفي، فهو شيخ الجميع، وإنما على أبي أسامة (١). وهكذا قول البخاري؛ فليس فيه تصريح، فإنه لم يجزم؛ بل قال: ويقال إنه الذي روى عنه أهل الكوفة أبو أسامة وحسين، فقالوا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وغلِطَا في نسبه. ثم إنه لم ينص على الحديث بعينه كما فعل أبو حاتم. وهكذا الخطيب البغدادي؛ حمَّلْتَ كلامه ما لم يحتمل، فإنه قال: الكوفيون. ولم ينص على أحد. أما قولك: لم يذكر الدارقطني والعجلي ما يدل على صحة سماع حسين الجعفي من ابن جابر. فقد أجاب على هذا ابن عبد الهادي بما يقطع الشك ويفصل في الأمر، فقال: وقال القاضي إسماعيل بن إسحاق (٢): حدثنا علي بن عبد الله حدثنا حسين بن علي الجعفي حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر سمعته يذكر عن أبي الأشعث الصنعاني عن أوس بن أوس أن رسول الله ﷺ قال: "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم، وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليَّ". قالوا: يا رسول الله؛ وكيف تُعرَضُ عليك صلاتنا، وقد أرِمْتَ، يقولون: قد بليت. قال: "إن الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء".

стр. 79

هكذا رواه عن علي بن المديني زين الحفاظ عن حسين الجعفي مجوّدًا بالتصريح بسماع الجعفي من ابن جابر، انتهى (١). أما ما نقلتَه عن أبي حاتم ابن حبان البستي من التعليل وهو في كتاب "المجروحين". فإنه لا يريد ما ذهبتَ إليه من أن الجعفي لا يروي عن ابن جابر الثقة، وذلك أنه أخرج الحديث في "صحيحه" (٥٥٠): أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب قَالَ: حَدَّثَنَا حُسيْنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي الأَشْعَثِ الصنْعَانِيِّ، عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ به. أما شواهد الحديث: فقد قال ابن القيم في "جلاء الأفهام" (ص ٨٥): "للحديث شواهد من حديث أبي هريرة، وأبي الدرداء، وأبي أمامة، وأبي مسعود الأنصاري، وأنس بن مالك، والحسن؛ عن النبي ﷺ مرسلاً. فأما حديث أبي هريرة: فرواه مالك (٢) عن ابن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم، وفيه أهبط، وفيه تيب عليه، وفيه مات وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة، من حين تطلع الشمس شفقًا من الساعة إلا الجن والإنس، وفيها ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلِّي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه". فهذا الحديث الصحيح مؤيد لحديث أوس بن أوس دال على مثل معناه. وأما حديث أبي الدرداء: ففي "الثقفيات": أخبرنا أبو بكر بن محمد بن إبراهيم بن علي بن المقرئ، أخبرنا أبو العباس محمد بن الحسن بن قتيبة

стр. 80

العسقلاني، حدثنا حرملة، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن سعيد، عن أبي هلال، عن زيد بن أيمن، عن عبادة بن نسي، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "أكثروا الصلاة عليَّ يوم الجمعة، فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة، وإن أحدًا لا يصلي عليَّ إلا عرضت عليَّ صلاته حتى يفرغ منها، قال: قلت: وبعد الموت؟ قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، فنبي الله حي يرزق". وسيأتي في حديث أبي الدرداء بإسناد آخر من الطبراني، ورواه ابن ماجه أيضًا (١). وأما حديث أبي أمامة، فقال البيهقي (٢): حدثنا علي بن أحمد بن عبدان أنبأنا أحمد بن عبيد حدثنا الحسين بن سعيد حدثنا إبراهيم بن الحجاج حدثنا حماد بن سلمة عن برد بن سنان عن مكحول الشامي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "أكثروا عليَّ من الصلاة في كل يوم جمعة، فإن صلاة أمتي تعرض عليَّ في كل يوم جمعة، فمن كان أكثرهم علي صلاة كان أقربهم مني منزلة". لكن لهذا الحديث علتان: إحداهما: أن برد بن سنان قد تكلم فيه وقد وثقه يحيى بن معين وغيره. العلة الثانية: أن مكحولاً قد قيل: إنه لم يسمع من أبي أمامة، والله أعلم. وأما حديث أنس، فقال الطبراني: حدثنا محمد بن علي الأحمر حدثنا نصر بن علي حدثنا النعمان بن عبد السلام حدثنا أبو ظلال عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "أكثروا الصلاة عليَّ يوم الجمعة، فإنه أتاني جبريل آنفًا عن

стр. 81

ربه فقال: ما على الأرض من مسلم يصلي عليك مرة واحدة إلا صليتُ أنا وملائكتي عليه عشرًا" (١). وقال محمد بن إسماعيل الوراق: حدثنا جبارة بن مغلس حدثنا أبو إسحاق خازم عن يزيد الرقاشي عن أنس قال: قال رسول الله- ﷺ : "أكثروا الصلاة عليَّ يوم الجمعة فإن صلاتكم تعرض علي" (٢). وهذان وإن كانا ضعيفين، فيصلحان للاستشهاد. ورواه ابن أبي السري (٣): حدثنا داود بن الجراح حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن أنس عن النبي ﷺ : "أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة"، وكان الصحابة ﵁ يستحبون إكثار الصلاة على النبي ﷺ يوم الجمعة. قال محمد بن يوسف العابد (٤) عن الأعمش عن زيد بن وهب قال لي ابن مسعود ﵁: "يا زيد بن وهب؛ لا تدع إذا كان يوم الجمعة أن تصلي على النبي ﷺ ألف مرة، تقول: اللهم صل على محمد النبي الأمي ﷺ ". وأما حديث الحسن بن علي ﵁ فقال أبو يعلى في "مسنده" (٥): حدثنا موسى بن محمد بن حيان حدثنا أبو بكر الحنفي حدثنا عبد الله بن نافع أخبرنا العلاء بن عبد الرحمن قال: سمعت الحسن بن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : "صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا، ولا تتخذوا بيتي عيدًا، صلُّوا عليَّ وسلِّموا، فإن صلاتكم وسلامكم يبلغني أينما كنتم". وعلة هذا الحديث: أن مسلم بن عمرو رواه عن عبد الله بن نافع عن ابن

стр. 82

أبي ذئب عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تجعلوا قبري عيدًا وصلَّوا عليَّ، فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم" (١)، وهذا أشبه. وقال الطبراني في "المعجم الكبير" (٢): حدثنا أحمد بن رشدين المصري حدثنا سعيد بن إبراهيم حدثنا محمد بن جعفر أخبرنا حميد بن أبي زينب عن حسين بن حسن بن علي بن أبي طالب عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "حيثما كنتم فصلُّوا عليَّ، فإن صلاتكم تبلغني". وأما حديث الحسين أخيه ﵁، فمال الطبراني في "المعجم الكبير" (٣): حدثنا يوسف بن الحكم الضبي حدثنا محمد بن بشير الكندي حدثنا عبيد بن حميد حدثني فطر بن خليفة عن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين عن أبيه عن جده حسين بن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﵁:"من ذكرت عنده فخطئ الصلاة عليَّ خطئ طريق الجنة". وعلته: أن ابن أبي عاصم رواه عن أبي بكر هو ابن أبي شيبة حدثنا حفص بن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه عن النبي ﷺ مرسلاً (٤). ورواه عمرو بن حفص بن غياث عن أبيه عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ -عن النبي ﷺ . ورواه إسماعيل بن إسحاق عن إبراهيم بن الحجاج حدثنا وهيب عن جعفر ابن محمد عن أبيه عن النبي ﷺ مرسلاً. ورواه علي بن المديني حدثنا سفيان قال: قال عمرو عن محمد بن علي بن حسين عن النبي ﷺ مرسلاً.

стр. 83

ثم قال: قال سفيان: قال رجل بعد عمرو: سمعت محمد بن علي يقول: قال رسول الله ﷺ ، ثم سمى سفيان الرجل، فقال: هو بسام وهو الصيرفي. ذكره إسماعيل عن علي، وقال حدثنا سليمان بن حرب وعارم قالا: حدثنا حماد بن زيد عن عمرو عن محمد بن علي قال: قال رسول الله ﷺ مرسلاً" انتهى. والحكمة -والله أعلم- في تخصيص يوم الجمعة بكثرة الصلاة عليه ﷺ ما جاء في الأحاديث الصحيحة وهي ما يلي: ١ - حديث أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ :"خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عليه الشَّمْس يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فيه خُلِقَ آدَم، وفيه أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ منها" (١). ٢ - حديث أبي هُرَيْرَةَ ﵁: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ يوم الْجُمُعَةِ فقال: "فيه سَاعَةٌ لا يُوَافِقُهَا عبدٌ مُسْلِمٌ وهو قَائِم يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شيئًا إلا أَعْطَاهُ إياه" وَأَشَارَ بيده يُقَلِّلُهَا" (٢). ٣ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: "عُرِضَتِ الجمعةُ على رسول الله ﷺ ، جاء جبريل في كفه كالمرآة البيضاء في وسطها كالنكتة السوداء، فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذه الجمعة يعرضها عليك ربك، لتكون لك عيدًا، ولقومك من بعدك، ولكم فيها خير، تكون أنت الأول ويكون اليهود والنصارى من بعدك، وفيها ساعة لا يدعو أحد ربه بخير هو له قسم إلا أعطاه، أو يتعوذ من شر إلا دفع عنه ما هو أعظم منه، ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيد".

стр. 84

الحديث رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١/ ٤٧٧) والطبراني في "الأوسط" (٢/ ٣١٤) وابن حبان في "صحيحه" (٧/ ٧) والضياء في "المختارة" (٦/ ٢٧٢). وقد ثبت في صحيح مسلم (٤/ ١٨٤٥) (٢/ ٣١٤): "مَرَرتُ على مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ وهو قَائِمٌ يُصَلِّي في قَبْرِهِ". وفيه ما يدل على أن حياة الأنبياء البرزخية في قبورهم أكمل من سائر الخلق، فيصلون وتعرض عليهم أعمال أممهم. وقد صحح الحديث جمع من العلماء منهم: ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والدارقطني، وابن عبد البر، والنووي، واحتج به شيخ الإسلام في الرد على أهل البدع في مواضع متعددة من كتبه، وصححه ابن القيم، والذهبي وابن كثير، وابن عبد الهادي، والحافظ ابن حجر، والحمد لله رب العالمين. * * *

стр. 85

الحديث الثاني حديث الحكم بن عمرو الغفاري ﵁: "أن رسول الله ﵌ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة" (١). ــ قال المستدرك: "وله علل كما يلي: ١ - الوقف. ٢ - مخالفة الأحاديث الصحيحة. ٣ - الحديث يدور على أبي حاجب، وقد ضعفه بعضهم. ثم قال: وقال الإمام أحمد: "حديث الحكم قد روي أيضًا غير مرفوع". * قلت: أما الحديث السابق فقد ظننتُ معه أن لك خبرة بهذا الفن! ثم لما رأيتُ، تعليقك على هذا الحديث تبيَّن لي غير ذلك، وأيضاً تنقل من كتب وتقول بعدها انتهى، ولا تبين من أين نقلتها، وهذا من قبيل التدليس.

стр. 86

فقولُكَ -لمَّا أقررتَ أن الذين رووه مرفوعًا: عاصم الأحول، وسليمان التيمي أوثق من الذين وقفوه-: "أن هذا صحيح، إلا أنه اعتراه ما يضعفه، وهو ما يدل على أن الرافعين لم يضبطوا الحديث، للقرائن التي دلَّت على ذلك، وهي العلل المذكورة". فهذا ليس من أساليب أهل العلم بالحديث أن ترمي بالكلام على عواهنه، وليس لديك إلا التقليد! فلم تذكر في كلامك شيئًا يدل على علمك بصناعة الحديث، بدليل أنك نقلتَ عن ابن حبان أنه قال في أبي حاجب: ربما أخطأ. ثم ادَّعَيْتَ أن هذا مما أخطأ فيه، وهل هذا إلا ضرب من الخرص؟! فأنت لمَّا اعتقدتَ استدللتَ، فما وجه قولك: الحديث يدور على أبي حاجب؟ وأنت تقر بأنه ثقة! وما وجه قولك: مخالفته للأحاديث الصحيحة؟! ومن أين أخذت هذه العلة، أو أنه حلال لكم أن تُعَلِّلوا بغير ما علل به المتقدمون، حرام على غيركم؟! ثم ما هي هذه الأحاديث الصحيحة المخالفة لهذا الحديث؟! ثم وقعت في خطأ آخر، وقلت: إن الحديث مخالف للآثار! ونقلت عن الإمام أحمد قوله: "إذا خلت به فلا يتوضأ منه، إنما رخص النبي ﷺ أن يتوضئا جميعًا". ثم قلت: وهذا لا يدل على تصحيح حديث الحكم مرفوعًا، فإن الإمام أحمد معروف بالأخذ بأقوال الصحابة. ثم خطَّأت الإمام أحمد، وقلت: "فإن فهم منها تصحيح المرفوع، وأنه لا يعارض الأحاديث الصحيحة الدالة على الجواز، باعتبار وجود الفرق بين أن يتوضَّئا جميعًا، وبين ما خلت به؛ فإن هذا ليس بصحيح فيما يظهر لي"! ثم استدللتَ على ذلك بحديث ابن عباس عند مسلم "أن رسول الله- ﷺ اغتسل بفضل ميمونة" (١) وهذا مما يؤكد أنك تجمع ولكن لا تحقق، عفا الله عنك.

стр. 87

وكنتَ قد اكتفيتَ بتقليد البيهقي، فقلتَ: أورد البيهقي حديث رجل صحب النبي ﷺ أربع سنين، وفيه النهي عن الاغتسال بفضل المرأة (١) وقال بعد ذلك: "إلا أنه مرسل جيد، لولا مخالفة الأحاديث الثابتة الموصولة". وغفلتَ أن جهالة الصحابي لا تضر، وخفيت عليك طريقة البيهقي في رد الأحاديث التي تخالفُ مذهبه، كما حكاه غير واحد من المحققين منهم شيخ الإسلام ابن تيمية. فاعلم أن الحديث جاء عن ثلاثة من الصحابة مرفوعًا إلى النبي ﷺ : الأول: قال أبو داود: حدثنا بن بَشَّارٍ ثنا أبو دَاوُدَ -يَعْنِي الطَّيَالِسِيَّ- ثنا شُعْبَةُ عن عَاصِمٍ عن أبي حَاجِبِ عن الْحَكَمِ بن عَمْرٍو -وهو الأَقْرَعُ- أَنَّ النبي ﷺ : "نهى أَنْ يَتَوَضَّأ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ" (٢)، الحديث رواه الخمسة، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان في "صحيحه" (٤/ ٧١). الثاني: قال أبو داود: حدثنا أَحْمَدُ بن يُونُسَ ثنا زُهَيْرٌ عن دَاوُدَ بن عبد اللَّهِ ح وثنا مُسَدَّد ثنا أبو عَوَانَةَ عن دَاوُدَ بن عبد اللَّهِ عن حُمَيْدٍ الْحِمْيَرِيِّ قال: لَقِيتُ رَجُلاً صَحِبَ النبي ﷺ أَرْبَعَ سِنِينَ كما صَحِبَهُ أبو هُرَيْرَةَ، قال: "نهى رسول اللَّهِ ﷺ أَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ أو يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ" زَادَ مُسَدَّد: "وَلْيَغْتَرِفَا جميعًا" (٣)، ورواه النسائي عن قتيبة عن أبي عوانة. وزهير هو ابن معاوية أبو خيثمة الجعفي الكوفي الحافظ أحد الأثبات. قال معاذ بن معاذ: والله ما كان سفيان أثبت من زهير. وقال أحمد: كان من معادن الصدق.

стр. 88

وداود بن عبد الله الأودي وثقَّه أحمد، وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال إسحاق بن منصور عن يحيى: ثقة. كذا ذكر غير واحد من المصنفين رواية عباس عن يحيى في ترجمة داود هذا، والظاهر أن كلام يحيى إنما هو في داود بن يزيد الأودي عم عبد الله بن إدريس، فإنه المشهور بالضعف. وحميد الحميري هو ابن عبد الرحمن. قال العجلي: بصري تابعي ثقة، كان ابن سيرين يقول: هو أفقه أهل البصرة. وحميد الرؤاسي: ثقة ثبت. قال أبو بكر بن أبي شيبة: قلَّ من رأيت مثله. وقال البيهقي في هذا الحديث: "رواته ثقات، إلا أن حميدًا لم يُسَمِّ الصحابىَّ الذي حدَّثه، فهو بمعنى المرسل، إلا أنه مرسل جيد لولا مخالفته الأحاديث الثابتة الموصولة قبله. وداود بن عبد الله الأودي؛ لم يحتج به الشيخان البخاري ومسلم -رحمهما الله-" انتهى كلامه. وهذا الحديث ليس بمرسل، وجهالة الصحابي لا تضر. وقيل: إن هذا الرجل الذي لم يسم: عبد الله بن سرجس. وقيل: عبد الله بن مغفل. وقيل: الحكم بن عمرو الغفاري. وقد تكلم على هذا الحديث ابن حزم بكلام أخطأ فيه، ورد عليه ابن مفوز وابن القطان وغيرهما. وقد كتب الحميدي إلى ابن حزم من العراق يخبره بصحة هذا الحديث (١).

стр. 89

وقال الحافظ ابن حجر (١): "رجاله ثقات، ولم أقف لمن أعلَّه على حجة قوية، ودعوى البيهقي أنه في معنى المرسل؛ مردودة، لأن إبهام الصحابي لا يضر، وقد صرح التابعي بأنه لقيه، ودعوى ابن حزم أن داود راويه عن حميد بن عبد الرحمن هو ابن يزيد الأودي وهو ضعيف؛ مردودة، فإنه ابن عبد الله الأودي وهو ثقة، وقد صرح باسم أبيه أبو داود وغيره" انتهى. وقال الحافظ في "بلوغ المرام": إسناده صحيح. الحديث الثالث: قال الدارقطني في "سننه" (١/ ١١٦): حدثنا عبد الله بن محمد بن سعيد المقري قال: حدثنا أبو حاتم الرازي قال: حدثنا معلى بن أسد قال: حدثنا عبد العزيز بن المختار عن عاصم الأحول عن عبد الله بن سرجس: "أن رسول الله ﷺ نهى أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل، ولكن يشرعان جميعًا". ورواه ابن ماجه (١/ ١٣٣). وقال الدارقطني: هو وهم -يعني أن الصواب حديث الحكم بن عمرو-. ورواه الدارقطني وقال: خالفه شعبة فرواه من رواية شعبة عن عاصم عن عبد الله بن سرجس قال: "تتوضأ المرأة وتغتسل من فضل غسل الرجل وطهوره، ولا يتوضأ الرجل بفضل غسل المرأة، ولا طهورها". قال: هذا موقوف، وهو أولى. وقال البيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ١٩٢): "وبلغني عن أبي عيسى الترمذي عن محمد بن إسماعيل البخاري أنه قال: حديث عبد الله بن سرجس في هذا الباب الصحيح هو موقوف، ومن رفعه فهو خطأ". أما الآثار: فقد روى عبد الرزاق عن معمر عن عاصم بن سليمان سمعت عبد الله بن

стр. 90

سرجس قال: "لا بأس أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد، فإذا خلت به فلا تقربه" (١). وروى عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: "لا بأس بالوضوء من فضل شراب المرأة وفضل وضوئها، ما لم تكن جنبًا أو حائضًا، فإذا خلت به فلا تقربه" (٢). وطريقة الإمام أحمد: ما ذكره عنه ابنه عبد الله: قال: "قلت لأبي: إذا لم يكن عن النبي ﷺ في ذلك شيء مشروع يخبر فيه عن خصوص أو عموم؟ قال أبي: ينظر ما عمل به الصحابة، فيكون ذلك معنى الآية، فإن اختلفوا ينظر أي القولين أشبه بقول رسول الله ﷺ ؛ يكون العمل عليه" (٣). فأنتَ ترى أن هذا الكلام يؤكد ما نقلتَ عن أحمد -أعني قوله: "إذا خلت به فلا يتوضَّئا منه، إنما رخص النبي ﷺ أن يتوضئا جميعًا"- أنه يعتمد على الحديث، ففتوى ابن عمر وابن سرجس هي الموافقة عنده للحديث، بخلاف فتوى ابن عباس؛ على تفصيل يأتي في الحديث القادم. وفتاوى الصحابة ﵁ دليل على أن الحديث معروف عندهم، وهم الأولى بوصف المتقدِّمين، فكل حديث لم ينقل عنهم الفتوى بمقتضاه فلا ينبغي أن يُعَدَّ حديثًا. وأما استدلالك بحديث ابن عباس ﵁ عند مسلم، وقد رواه الإمام أحمد في "مسنده"؛ فهل تظنه خفي على الإمام أحمد؟ ولكن فيه علة لم تعلمها؛ قال الحافظ ابن حجر: "وأما حديث ميمونة؛ فأخرجه مسلم، لكن أعله قوم لتردد وقع في رواية عمرو بن دينار حيث قال:

стр. 91

علمي والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني. فذكر الحديث وقد ورد من طريق أخرى بلا تردد، لكن راويها غير ضابط، وقد خولف، والمحفوظ ما أخرجه الشيخان بلفظ: "أن النبي ﷺ وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد" (١). قلت: قال مسلم: وحدثنا قُتَيْبَةُ بن سَعِيدٍ وأبو بَكْرِ بن أبي شَيْبَةَ جميعًا عن بن عيينة: قال قُتَيْبَةُ حدثنا سُفْيَانُ عن عَمْرٍو عن أبي الشَّعْثَاءِ عن ابن عَبَّاسٍ قال: "أَخْبَرَتْنِي مَيْمُونَةُ أنها كانت تَغْتَسِلُ هِيَ وَالنَّبِيُّ ﷺ في إِنَاءٍ وَاحِدٍ". ثم قال: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم وَمُحَمَّدُ بن حَاتِمِ قال إسحاق: أخبرنا وقال ابن حَاتِمِ: حدثنا محمد بن بَكْرٍ أخبرنا ابن جُرَيْجٍ أخَبرني عَمْرُو بن دِينَارٍ قال: "أَكْبَرُ عِلمِي وَالَّذِي يَخْطِرُ على بَالِي أَنَّ أَبَا الشَّعْثَاءِ أخبرني: أَنَّ ابن عَبَّاسِ أخبره: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ" (٢). وتأخير مسلم لرواية ابن جريج قد يشير إلى ما نقلته عن الحافظ من أنها معلولة، ويأتي مزيد بحث في الحديث القادم إن شاء الله. والمقصود: أن استدراك الدكتور الخليل لم يكن على طريقة المتقدِّمين ولا المتأخرين! لا من حيث الصناعة، ولا من حيث الفقه، فإن حديث ابن عمر في البخاري وغيره: "كان الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يتوضَّؤون في زَمَان رسول اللَّهِ ﷺ جميعًا" (٣) لا يتعارض مع حديث الحكم والذي بعده وآثار الصحابة، فإنهم قيَّدوه فيما إذا خلت به، كيف وابن عمر هو راوي الحديث؟ والله ولي التوفيق. * * *

стр. 92

الحديث الثالث حديث ابن عَبَّاسٍ ﵁ قال: "اغتَسَلَ بَعضُ أَزوَاجِ النبي ﷺ فِي جَفْنَةٍ، فَجَاءَ النبي ﷺ لِيَتَوَضَّأَ منها أو يَغْتَسِلَ، فقالت له: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ إني كنت جُنُباً. فقال رسول اللَّهِ ﷺ : إِنَّ الماء لا يُجْنِبُ". ــ قال المستدرك: وله علل: الأولى: رواية سماك عن عكرمة مضطربة. الثانية: أُعِلَّ بالإرسال. الثالثة: تفرد به سماك. الرابعة: اضطرابه. الخامسة: مخالفته للأحاديث الصحيحة. * والجواب: أما العلة الأولى: فإنكَ نقلتَ عن الحافظ في "الفتح" (١/ ٣٠٠) قوله: "وقد أعله قوم بسماك بن حرب راويه عن عكرمة، لأنه كان يقبل التلقين، لكن قد رواه عنه شعبة، وهو لا يحمل عن مشايخه إلا الصحيح من حديثهم". وقلتَ: إن في كلام ابن المديني وابن أبي شيبة ما يدل على أن رواية شعبة وسفيان أصح من رواية غيرهما.

стр. 93

ثم قلتَ: هذا الحكم لا يؤخذ على إطلاقه، بل إذا ظهر من خلال دراسة الأسانيد أن سماك اضطرب في حديث معين من رواية شعبة والثوري، فيُحكم عليه بالاضطراب. فظاهر كلامكَ أنكَ مقرٌّ من حيث الجملة بما قرَّره الحافظ. لكنك عُدْتَ وقرَّرتَ أن رواية شعبة عنه مضطربة أيضاً على سبيل العموم بما فهمته من كلام الإمام أحمد وعلي بن المديني، ثم قلتَ: حتى في رواية شعبة وسفيان أحيانًا. ثم نقلتَ عن الدارقطني قوله: "اختلف في هذا الحديث على سماك، ولم يقل فيه: عن ميمونة؛ إلا شريك". ثم أعللتَه بالتفرُّد، ونقلت عن أحمد: "لم يجيء لحديث سماك غيره". ثم أعللتَه بالاضطراب، ونقلتَ عن أحمد أنه روي موصولاً، ومرسلاً، وهكذا الدارقطني: "اختلف في هذا الحديث على سماك". ثم قلتَ: إنه يخالف الأحاديث الصحيحة، لأن الأحاديث الصحيحة دلَّتْ على أنهما اغَتسَلا جميعًا. فالجواب: ينبغي أن نعلمَ أولاً كلام أهل العلم في سماك، فقد احتج به مسلم في "صحيحه"، واستشهد به البخاري في "الجامع الصحيح". وقال عبد الرزاق عن الثوري: ما سقط لسماك بن حرب حديث. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: سماك أصلح حديثًا من عبد الملك بن عمير. وقال أبو طالب عن أحمد: مضطرب الحديث. وقال أحمد بن سعد بن أبي مريم عن يحيى بن معين: ثقة، وكان شعبة يضعفه. وقال ابن المبارك عن الثوري: ضعيف.

стр. 94

وقال العجلي: جائز الحديث، إلا أنه كان في حديث عكرمة ربما وصل الشيء عن ابن عباس، وربما قال: قال رسول الله، وإنما كان عكرمة يحدث عن ابن عباس، وكان الثوري يضعفه بعض الضعف، وكان جائز الحديث لم يترك حديثه أحد ولم يرغب عنه أحد، كان عالمًا بالشعر وأيام الناس وكان فصيحًا. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة. وقال ابن المديني: رواية سماك عن عكرمة مضطربة. وقال زكريا بن عدي عن ابن المبارك: سماك ضعيف في الحديث. وقال صالح بن محمد البغدادي: يضعف. وقال النسائي: ليس به بأس وفي حديثه شيء. وقال ابن خراش: في حديثه لين. وقال ابن عدي: صدوق لا بأس به. فالذي يؤخذ من كلام الجميع أنه محل للصدق، والأمانة، وإنما يخشى منه الغلط، ونص بعضهم على روايته عن عكرمة عن ابن عباس، ومن المعلوم أنهم لا يقصدون كل حديث رواه عن عكرمة مضطرب، وإلا كانت عملية حسابية، ومن ظن ذلك فلا علم له بهذا الفن، فإذا كان الأمر كذلك فقد يروي عن عكرمة حديثًا لا يكون محل اختلاف عند أهل الحديث، وإليك بعض الأمثلة: قال الإمام أحمد (١): حدثنا أبو سَعِيدٍ مولى بني هَاشِمٍ قال: حدثنا زَائِدَةُ ثنا سِمَاكٌ عن عِكْرِمَةَ عَنِ ابن عَبَّاسٍ قال: قال عُمَرُ: "كنا مع رسول اللَّهِ ﷺ في رَكْبٍ، فقال رَجُلٌ: لاَ وأبي! فقال رَجُلٌ: لا تَحْلِفُوا بِآبائِكُمْ. فَالْتَفَتُّ فإذا هو رسول اللَّهِ ﷺ ".

стр. 95

وقال (١): حدثنا يحيى بن أَبِي بُكَيْرٍ ثنا إِسْرَائِيلُ عن سِمَاكٍ عن عِكْرِمَةَ عَنِ ابن عَبَّاسٍ قال: "مَرَّ رَجُل من بَنِي سُلَيْمٍ بِنَفَرٍ من أَصْحَابِ رسول اللَّهِ ﷺ وهو يَسُوقُ غَنَمًا له، فَسَلَّمَ عليهم، فَقَالُوا: ما سَلَّمَ عَلَيْنَا إلا لِيَتَعَوَّذَ مِنَّا، فَعَمَدُوا إليه فَقَتَلُوهُ، وَأَتَوْا بِغَنَمِهِ النبي ﷺ ، فَنَزَلَتْ هذه الآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: ٩٤]. وقال (٢): حدثنا وكيعٌ ثنا إِسْرَائِيلُ عن سِمَاكٍ عن عِكْرِمَةَ عَنِ ابن عَبَّاسٍ: "أن رَجُلاً جاء مُسْلِمًا على عَهْدِ رسول اللَّهِ ﷺ ثُمَّ جَاءَتِ امْرَأَتُهُ مُسْلِمَةً بَعْدَهُ، فقال: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ إنها أَسْلَمَتْ معي، فَرَدَّهَا عليه النبي ﷺ ". وغيرها كثير أحصيتها في "مسند أحمد"، فتعدت الثلاثين حديثًا، ومع ذلك سوف أسرد الطرق كافة موصولة، ومرسلة، ليتبين للقارئ القول الفصل في الحديث، فأقول وبالله التوفيق: قال أبو يعلى الموصلي في "مسنده" (٤/ ٣٠١ رقم: ٢٤١١): حدثنا أبو معمر ثنا أبو الأحوص عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "الماء لا ينجسه شيء". ورواه الإمام أحمد بن حنبل عن عبد الرزاق وعن عبد الله بن الوليد وعن وكيع وعن علي بن إسحاق عن ابن المبارك جميعًا عن سفيان به وفيه: "الماء لا ينجسه شيء". ورواه أبو داود (٦٨) عن مسدد، ورواه الترمذي (٦٥) عن قتيبة عن أبي الأحوص، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه النسائي (١/ ١٧٣) عن سويد بن نصر عن ابن المبارك به.

стр. 96

ورواه ابن ماجه (٣٧٠) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي الأحوص وعن علي بن محمد به. ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" (١/ ٥٧ رقم: ١٢٢٩) قال: أخبرنا أبو طاهر نا أبو بكر نا أبو موسى محمد بن المثنى وأحمد بن منيع قالا: حدثنا أبو أحمد وهو الزبيري ثنا سفيان وحدثنا عتبة بن عبد الله أخبرنا ابن المبارك أخبرنا سفيان، وحدثنا سلم بن جنادة حدثنا وكيع عن سفيان عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس: "أن امرأة من أزواج النبي ﷺ اغتسلت من الجنابة، فتوضأ النبي ﷺ أو اغتسل من فضلها". هذا حديث وكيع، وقال أحمد بن منيع: "فتوضأ النبي ﷺ من فضلها". وقال أبو موسى وعتبة بن عبد الله: "فجاء النبي ﷺ يتوضأ من فضلها، فقالت له، فقال: الماء لا ينجسه شيء". ورواه أبو حاتم البستي الحافظ ابن حبان في "صحيحه" (٤/ ٥٦) رقم (١٢٢٩): أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي غَيْلانَ الثَّقَفِي بِبَغْدَادَ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عكرمة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاج النَّبِيِّ ﷺ مِنْ جَفْنَةٍ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ يَغْتَسِلُ مِنْهَا أَوْ يَتَوَضَّأُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ الْمَاءَ لا يُجْنِبُ". وقال الإمام أحمد بن حنبل في "المسند" (٦/ ٣٣٠): حدثنا سليمان بن داود الطيالسي أنبأنا شريك عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس عن ميمونة: "أن رسول الله ﷺ توضأ بفضل غسلها من الجنابة". وقال ﵀ (٦/ ٣٣): حدثنا هاشم بن القاسم ثنا شريك عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس عن ميمونة زوج النبي ﷺ قالت: "أجنبت أنا ورسول الله ﷺ ، فاغتسلت من جفنة، ففضلت فضلة، فجاء رسول الله ﷺ ليغتسل منها فقلت: إني قد اغتسلت منها، قال: إن الماء ليس عليه جنابة، أو لا ينجسه شيء. فاغتسل منه ".

стр. 97

أما شعبة فرواه موصولاً مثل رواية سفيان يرويه عنه أبو بكر البرساني. قال الحافظ في "الفتح" (١/ ٣٠٠): "وقد أعله قوم بسماك بن حرب راويه عن عكرمة، لأنه كان يقبل التلقين، لكن قد رواه عنه شعبة وهو لا يحمل عن مشايخه إلا صحيح حديثهم، وقول أحمد إن الأحاديث من الطريقين مضطربة، إنما يصار إليه عند تعذر الجمع، وهو ممكن بأن تحمل أحاديث النهي على ما تساقط من الأعضاء، والجواز على ما بقي من الماء، وبذلك جمع الخطابي، أو يحمل النهي على التنزيه جمعًا بين الأدلة، والله أعلم". وخالفه محمد بن جعفر: فرواه عن شعبة عن عكرمة مرسلاً، كما في "تهذيب الآثار" لابن جرير (١٠٣٧). قال ابن أبي حاتم: "سألت أبا زرعة عن حديث رواه سفيان عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس: "أن بعض أزواج النبي ﷺ اغتسلت من جنابة، فجاء النبي ﷺ فقالت له، فتوضأ بفضلها وقال: الماء لا ينجسه شيء". ورواه شريك عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس في ميمونة. فقال: الصحيح عن ابن عباس عن النبي ﷺ بلا ميمونة. فبيَّن أن الصحيح من الروايات هو الذي من مسند ابن عباس مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، ومثل هذا الاختلاف لا يضر كما لا يخفى. وهكذا فإن كلام الدارقطني ليسى فيه التصريح بضعف الحديث، وإنما ذكر ما فيه من الاختلاف، فإنه قال: "اختلف في هذا الحديث على سماك". ولم يقل فيه عن ميمونة غير شريك، وهذا يؤكد أنه ما أراد إلا بيان الوجه الصحيح في روايات الحديث. والغريب أن المستدرِك -عفا الله عنه- جعل من علله مخالفته للأحاديث الصحيحة، وتغافل عن الحديث الذي احتج هو به في الحديث السابق، وهو ما أخرجه مسلم عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ اغتسل يفضل ميمونة"، وإلا فإن

стр. 98

طريق مسلم يرويه أيضًا محمد بن بكر البرساني عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس به، وعليه فإن محمد بن بكر البرساني له فيه طريقان؛ هذه واحدة. والأخرى: عن شعبة عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس به، عند ابن خزيمة الحاكم، وهذا يدل على أنه جوّده، وهو مما يدل أيضًا على أن حديث سماك له أصل أصيل. والعجيب أن جميع من تكلم على الحديث مما وقفت عليه أغفل هذه الفائدة فيما أعلم، ولله النعمة، والفضل، والثناء الحسن، فإن الفائدة الكبيرة منه هى صرفه لأحاديث النهي إلى كراهة التنزيه، وهى الفائدة المطلوبة بعينها من حديث الباب، وإلا فإن قوله: "لا ينجسه شيء"، يؤخذ من أحاديث أخرى كحديث بئر بضاعة، وبهذا يظهر السر فى قول عمرو بن دينار فى "صحيح مسلم": "وعلمي والذى يخطر على بالي أن أبا الشعثاء حدثني عن ابن عباس وذكر الحديث" أنه نسي لفظه ورواه بمعناه. أما الإمام أحمد فإنه أعله بمخالفته للآثار. وهى طريق صحيحة، لو لم تنقل مخالفة ابن عباس لابن عمر، وعبد الله ابن سرجس، فقد قال أبو عبيد (١): حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن أبي زيد المديني عن ابن عباس أنه سئل عن سؤر المرأة، فقال: "هي ألطف بنانًا وأطيب ريحًا". وأقوى ضابط في اعتقادي في مثل هذا الاختلاف، هو وجود من عمل به من الصحابة، فإن لم يوجد غلب على الظن ضعفه، وهذه طريقة فقهاء الحديث المتقدِّمين، كالشافعي، وأحمد، وإسحاق وغيرهم، وهذا الحديث وُجِدَ من عمل به من الصحابة، ولله الحمد.

стр. 99

الحديث الرابع حديث علي ﵁ مرفوعًا: "ستر ما بين الجن وعورات بني آدم: إذا دخل الخلاء أن يقول: بسم الله" .. ــ وأعله الدكتور الخليل: بمحمد بن حميد الرازى؛ وهو متهم بالكذب، والمتابعات لا تقوى على النهوض بالحديث، وشواهده كله ضعيفة، منها حديث أنس، وأبي سعيد، وابن مسعود، ومعاوية بن حيدة، وخلص إلى القول: "وقد ذم السلف غرائب الأحاديث واشتهر عنهم هذا". وأخذ الكلام من المستدرِكِ في محمد بن حميد قريبًا من أربع صفحات بغير كبير فائدة، لأن من تستدرك عليه لم ينازع في ضعفه، ثم خلصت إلى أنه ضعيف جدًّا، ثم ناقضت نفسك فقلتَ: بل الصواب أنه كذاب! وهذا إن دلَّ على شيء دلَّ على ضعف خبرتك في هذا الفن، وأنك تتأثر بكل من تقرأ له، وهذا هو الفارق العظيم بين الشيخ ناصر ﵀، وبين معظم من انتقدوه ممن درسوا على كتبه، بل ذهبت إلى انتقاد الحافظ ابن حجر حين قال: "ضعيف، وكان ابن معين حسن الرأي فيه". فقلتَ: "قولٌ غير محرر، وتعوزه الدقة"!!! فهل تظن -عفا الله عنك- أن أصحاب السنن: الترمذي، والنسائي، وأبو داود، وابن ماجه، وابن جرير أيضًا، وغيرهم، يروون عنه وهم يعتقدون

стр. 100

كذبه؟! وهم أئمة في الجرح والتعديل، فأنتَ بنيتَ حكمكَ على عبارات أخذتها من بعض أهل العلم، وهم نظروا إلى ميراث الرجل في الحديث، فالترمذي وحده روى عنه في أكثر من خمسة وعشرين موضعًا من "جامعه". ومن هنا يتبين لك اعتدال الحافظ -عليه رحمة الله- بقوله: ضعيف. فإن ابن حجر جاء بعد جميع من نقلت عنه، فخبر أقوالهم وأحاديث الرجل، وخلُصَ إلى هذه النتيجة، هذا مع الحفظ، وسعة الاطلاع. ولهذا فإن الشيخ ناصر كان يثني على الحافظ ابن حجر في حكمه على الرجال المختلف فيهم، لأنه خلال خمسين عامًا، وهو يدرس هذا الفن، فخلص إلى أن الحافظ من أكثر أهل العلم رسوخًا في هذا الفن، واعتدالاً في الحكم عل الرجال، وكان يقول: لم تنجب النساء بعد ابن حجر مثله. وهكذا الإمام الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -رحم الله الجميع-. هذا مع أن محمد بن حميد لم ينفرد به -كما ستعرف-. أعود إلى الحديث وأقول: إن طرق الحديث كما يأتي: قال الترمذي ﵀ في "جامعه" (٦٠٦): حدثنا محمد بن حميد الرَّازِيُّ حدثنا الْحَكَمُ بن بَشِيرِ بن سَلْمَانَ، حدثنا خَلادٌ الصَّفَّارُ، عن الْحَكَمِ بن عبد اللَّهِ النَّصْرِيِّ، عن أبي إسحاق، عن أبي جُحَيفةَ، عن عَلِيِّ بن أبي طَالِبِ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "سترُ ما بين أَعْيُنِ الجنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدم إذا دخَل أَحَدُهُمْ الْخَلاءَ أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ". قال أبو عِيسَى: "هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلا من هذا الْوَجْهِ، وَإِسْنَاده ليس بِذَاكَ الْقَويِّ، وقد روي عن أَنَسٍ عن النبي ﷺ أَشْيَاءُ في هذا". وهكذا رواه ابن ماجه ﵀ فقال في "سننه" (٢٩٧): حدثنا محمد بن

стр. 101

حُميدٍ ثنا الحَكَمُ بن بَشِيرِ بن سَلْمَانَ ثنا خَلادٌ الصَّفَّارُ عن الْحَكَمِ البصري عن أبي إسحاق عن أبي جُحَيْفَةَ عن عَلِيٍّ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : "سِتْرُ ما بين الْجِنِّ وَعَوْرَاتِ بني آدَمَ إذا دخل الكَنِيفَ أَنْ يقول: بِسْمِ اللَّهِ". ولم ينفرد به محمد بن حميد، بل تابعه محمد بن مهران. قال أبو الشيخ في "العظمة" (٥/ ١٦٦٩ - ١٦٧٠): حدثنا جعفر بن أحمد حدثنا محمد بن مهران حدثنا الحكم بن بشير عن خلاد أبي مسلم عن الحكم النصري عن أبي إسحاق عن أبي جحيفة عن علي ﵁ قال: حفظت عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ستر ما بينكم وبين الجن: بسم الله". وتابعه يوسف بن موسى عند البزار في "البحر الزخار" (٢/ ١٢٧): حدثنا يوسف بن موسى قال: نا عبد الرحمن بن الحكم بن بشير بن سلمان قال: سمعته يذكره عن خلاد الصفار عن الحكم النصري عن أبي إسحاق عن أبي جحيفة عن علي قال: كلمتان حفظتهما عن النبي ﷺ وأنا أحب أن تحفظوهما عني، أن رسول الله ﷺ قال: "ستر ما بينكم وبين الجن أن تقول: بسم الله". وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ إلا من الوجه، وقد روي عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: "ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم". وقد أعله الشيخ ناصر ﵀ بعنعنة أبي إسحاق، وجهالة الراوي عنه الحكم النصري. وقال المستدرك: "قال الذهبي في المغني: مجهول". ثم قال: "فلا يعرف هل سمع منه قبل تغيره أو بعده؟ ". قلت: سكوتك على قول الذهبي يدل على موافقتك له، ولا أدري ما هو حد الجهالة عندك؟! فقد قال الذهبي نفسه في "الميزان": الحكم بن عبد الله

стр. 102

النصري ما ضعف. وقال في "الكاشف": الحكم بن عبد الله النصرى عن أبي إسحاق وعنه السفيانان وخلاد بن عيسى ت ق. فهل من منهج المتقدِّمين تضعيف مثل هذا؟!! ودعك من القول: قبل التغير أو بعده، فإنه لم يقل أحد بصحة الحديث أو حسنه بغير شواهده، ولكنك بالغتَ بقولك إنه لا يمكن أن يتقوّى! قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وذلك أن الحديث إنما يخاف فيه من شيئين: إما تعمد الكذب، وإما خطأ الراوي، فإذا كان من وجهين لم يأخذه أحدهما فى الفقه عن الآخر، وليس مما جرت العادة بأن يتفق تساوي الكذب فيه؛ علم أنه ليس بكذب، لا سيما إذا كان الرواة ليسوا من أهل الكذب، وأما الخطأ فإنه مع التعدُّد يضعف". الحديث الثانى: حديث أنس ﵁، قال الطبراني فى "الدعاء" (٢/ ٩٦٦): حدثنا الحضرمي محمد بن عبد الله ثنا إسماعيل بن أبى أمية الثقفى ثنا سعيد بن مسلمة الأموي عن الأعمش عن زيد العمي عن أنس ح وأخبرنا هلال بن العلاء في كتابه ثنا سعيد بن مسلمة الأموي بإسناده عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدكم الخلاء أن يقول: بسم الله". وأخرجه في "الأوسط" (٧/ ١٢٨/ رقم: ٧٠٦٦) عن محمد بن يحيى عن سهل بن عثمان عن سعيد بن مسلمة به، وقال: لم يرو هذا الحديث عن الأعمش إلا سعيد بن مسلمة وسعد بن الصلت. قلت: أما سعيد؛ فقال عنه النسائي في "الضعفاء والمتروكين": سعيد بن مسلمة الأموي يروي عن إسماعيل بن أمية ضعيف. وقال ابن عدي في "الكامل" (٣/ ١٩٩): "وهذا الحديث لم يكن يعرف

стр. 103

إلا بسعيد بن مسلمة عن الأعمش، ثم وجدناه من حديث سعد بن الصلت عن الأعمش، ولا يرويه عن الأعمش غيرهم". وقال: "أرجو أنه لا يترك". وقال الحافظ في "التقريب": ضعيف. وقال في "تهذيب التهذيب": وقال الدارقطني: ضعيف يعتبر به. أما سعد بن الصلت؛ قال المستدرك: "أما سعد بن الصلت الذي ذكره الطبراني متابعًا لابن مسلمة؛ فقد ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح"، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلاً، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أغرب. لكن تفرده مع ابن مسلمة غير مقبول، مما يدل على أنه لم يشتهر بالأخذ عنه. إلى أن قال: ولعل هذا من أغرابه الذي أشار إليه ابن حبان". قلت: أوردها سعد وسعد مشتمل! فإن سعد بن الصلت قاضي شيراز أشهر من علم على جبل، فلو كان فيه مطعن لما سكت عنه الحفاظ كأبي حاتم وغيره، فهو ثقة، كما قال ابن حبان. ولا أعلم ماذا تقصد بأنهما تفرَّدا عن الأعمش، هل هو الكذب، أم الغلط؟! فإن كان الأول؛ فهذا باطل لأنه لم يقله غيرك، وإن كان الثاني -وهو الخطأ-؛ فكما قال شيخ الإسلام ﵀: "وأما خطأ الراوي؛ فإذا كان من وجهين لم يأخذه أحدهما في الفقه عن الآخر، وليس مما جرت العادة بأن يتفق تساوي الكذب فيه، علم أنه ليس بكذب، لا سيما إذا كان الرواة ليسوا من أهل الكذب، وأما الخطأ فإنه مع التعدد يضعف". وهكذا زيد العمي راويه عن أنس، قال الذهبي في "الكاشف": زيد بن الحواري العمي البصري أبو الحواري قاضي هراة، عن أنس وابن المسيب،

стр. 104

وعنه ابناه عبد الرحيم وعبد الرحمن وشعبة، فيه ضعف، قال ابن عدي: لعل شعبة لم يرو عن أضعف منه. وقال الحافظ في "التقريب": زيد بن الحواري أبو الحواري العمي البصري قاضي هراة يقال اسم أبيه مرة، ضعيف من الخامسة. وقال شيخ الإسلام (١): "وشعبة ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي ومالك ونحوهم، قد كانوا يتركون الحديث عن أناس لنوع شبهة بلغتهم، لا توجب رد أخبارهم، فهم إذا رووا عن شخص كانت روايتهم تعديلاً له". وشعبة ممن روى عن زيد، فمثله ينجبر حديثه. قال الشوكاني (٢): "وقد اعترض الحافظ مغلّط -أي: على الترمذي في قوله: إسناده ليس بالقوي- قال: ولا أدري ما يوجب ذلك، لأن جميع من في سنده غير مطعون عليهم بوجه من الوجوه، بل لو قال قائل: إسناده صحيح؛ لكان مصيبًا". ويزيده قوة: ما روه ابن أبي شيبة في "مصنفه " (٦/ ١١٤) قال: حدثنا هشيم عن أبي معشر عن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس أن النبي ﷺ : "كان إذا دخل الخلاء قال: بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث". وفي "علل الحديث" (١/ ٦٤/ رقم: ١٦٧): "أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن قال: وحدثنا أبو زرعة عن محمد بن منكدر عن أبي معشر عن عبد الله بن عيد الله بن أبي طلحة عن أنس قال: "كان رسول الله- ﷺ إذا دخل الخلاء يقول: بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث"، فسمعت أبا زرعة يقول: هكذا أملاه علينا من حفظه". فلم يذكر فيه علة. وقال الحافظ في "فتح الباري" (١/ ٢٤٤): "وقد روى العمري هذا

стр. 105

الحديث من طريق عبد العزيز بن المختار عن عبد العزيز بن صهيب بلفظ الأمر قال: "إذا دخلتم الخلاء، فقولوا: بسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث"، وإسناده على شرط مسلم، وفيه زيادة التسمية، ولم أرها في غير هذه الرواية". قلت: وعبد العزيز ثقة، روى له الجماعة. وقال ابن عبد الهادي في "المحرر": وزاد سعيد بن منصور التسمية في أوله. والفائدة: أن هذه الروايات الصحيحة تدل على أن البسملة تقال عند دخول الخلاء، وثمرتها ما جاء في حديث علي وأنس السابقين. ويشهد له أيضًا ما رواه البخاري عن جَابِرِ بن عبد اللَّهِ ﵁ رَفَعَهُ قال: "خَمِّرُوا الآنِيَةَ، وَأَوْكُوا الأسْقِيَةَ، وأَجِيفُوا الأبْوَابَ، وأكفتوا صِبْيَانَكُم عِنْدَ الْعِشَاءِ، فإن لِلْجِنِّ انْتِشَارًا وَخَطْفَةً، وَأَطْفِئُوا الْمَصَابيحَ عِنْدَ الرُّقَادِ، فإن الْفُويسِقَةَ رُبَّمَا اجْتَرَّتْ الْفَتِيلَةَ، فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْبَيْتِ" (١). وفي رواية له: "إذا اسْتَجْنَحَ اللَّيْلُ أو كان جُنْحُ اللَّيلِ فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فإن الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فإذا ذَهَبَ ساعَةٌ من الْعِشَاءِ فَخَلَّوهُمْ، وَأَغْلِقْ بَابَكَ، وَاذْكُر اسْمَ اللَّهِ، وَأَطْفِئْ مِصْبَاحَكَ، وَاذْكُر اسْمَ اللَّهِ، وَأَوْكِ سِقَاءَكَ، وَاذْكُر اسْمَ اللَّهِ، وَخَمِّرْ إِنَاءَكَ وَاذْكُر اسْمَ اللَّهِ، وَلَوْ تَعْرُض عليه شيئًا"، وفي رواية: "فإن الشَّيْطَانَ لا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا". وقد قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧]. ولا ريب أن ثمرة هذا للمسلم: التعلق بالله، وأن تكون البسملة حجابًا بينه وبين الشياطين.

стр. 106

ومناسبة قولها عند دخول الخلاء، أو عند وضع الثياب، ظاهر جدًّا لمن له أدنى ذوق في الفقه. فقد روى البخاري ومسلم، عن ابن عباس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "أما أنَّ أحدَهم يقولُ حين يأتي أَهْلَهُ: بسم الله، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وجَنِّب الشَّيطانَ ما رَزَقْتَنَا. ثم قُدِّرَ بينهما في ذلك، أو قُصِيَ وَلَدٌ؛ لم يَضُرُّهُ شيطانَ أبدًا". لفظ البخاري. فقوله: "جَنِّبْني" يشمل النظر والضَّرر، فالسُّنَّةُ يصدِّقُ بعضُها بعضًا، والقرآن يصدق السُّنَّة، كما في آية الأعراف. وفي هذا العصر إذا لم يكن المشتغل بصناعة الحديث عنده فَهْمٌ للقرآن واطّلاع واسع للسُّنَّة؛ فلا أرى أنه يحكم على الحديث بمجرد النظر إلى الإسناد. أما قول المستدرك: "وقد ذم السلف غرائب الأحاديث واشتهر عنهم هذا"! فهو الغريب، لأن حديث علي وأنس ﵁ موجودان في كافة كتب الفقه على اختلاف المذاهب، وحتى كتب الأذكار، فهو من الأحاديث المشتهرة التي لم ينظر العلماء إلى تعليل من عللها بل تلقوها بالقبول، وهذا من العلم الذي لا يفقهه إلا من فقه معنى قوله تعالى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]. قال شيخ الإسلام: "فالواجبْ أن يفرق بين الحديث الصحيح، والحديث الكذب، فإن السنة هي الحق دون الباطل، وهي الأحاديث الصحيحة دون الموضوعة، فهذا أصل عظيم لأهل الإسلام عمومًا، ولمن يدَّعي السنة خصوصًا" (١).

стр. 107

ثم إني أقول: إن الحكم على مثل هذا الحديث أمر نسبي، فقد ينقدح في النفس قوته، وقد يحدث العكس، ولذا قال الذهبي في "الموقظة": "أنا على إياس أن تجدَ للحسَنِ قاعدة يتَّفَقُ عليها، وإنما هو شيء ينقدح في النفس". أو كلامًا نحو هذا. وأمر آخر مهم جدًّا وهو: علم المحقق بارتباط السنة بالقرآن، فقد قال ﷺ : "رب حامل فقه وليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه"، فهما يخرجان من مشكاة واحدة، وسعة الإطلاع على السنة ليعرف ما له أصل فيها، وخصوصًا الصحيحين فيقبل، وما لا أصل له فيها فيرد، والحمد لله الذي حفظ بالشيخ ناصر -عليه رحمة الله- سنة نبيه، والله ولي التوفيق. الشاهد الثالث: قال أبو الشيخ في "العظمة" -وهو من الكتب المعتمدة عند أهل السنة-: "حدثنا جعفر بن أحمد بن فارس حدثنا أحمد بن منيع حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا محمد بن الفضل بن عطية عن زيد العمي عن جعفر العبدي عن أبي سعيد ﵁ -عن النبي ﷺ مثله". وذكر الشيخ الألباني علله وهي: ضعف زيد والراوي عنه محمد بن الفضل، قال الذهبي في "الكاشف": تركوه، وقال الحافظ في "تهذيب التهذيب": ساقط. الشاهد الرابع: حديث معاوية بن حيدة ﵁، قال الشيخ ﵀: "رواه مكي بن إبراهيم عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وقال: غريب". قال الشيخ: وهذا سند حسن إن كان من دون مكي ثقات. قال المستدرك: والكتب التي أخرج فيها (١) الشيخ الألباني ﵀ هذه الطرق هي: "الفوائد" لتمام، و"فوائد خراسان" لمحمد بن عثمان العثماني، "الفوائد الثقافيات" للثقفي، "الفوائد" لابن النقور، وكتب الفوائد وضعت لذكر

стр. 108

الغرائب والفرائد، ولعل من أكبر أسباب الأخطاء التي تقع في تقوية الأحاديث بكثرة الطرق أخذ تلك الطرق من كتب الفوائد والغرائب. قلت: هذا كلام عجيب! لا يقوله إلا من لم يمارس علم رواية الأسانيد، وأنا أعذرك، لأن هذا العلم لم يعد يوجد في زماننا، فلم تتصور ما معنى أن يؤلف عالم كتابًا، ولو سماه الفوائد، ويسوق فيه أحاديث إلى النبي ﷺ بإسناده، ويكون الإسناد صحيحًا، ومن هنا حكمتَ على كل على كل ما سُمِّي بهذا بالضعف! وربما أنك لم تقف على شيء منها، فاعلم أن أهل العلم كانوا ولا زالوا يحتجون بما فيها من الروايات والطرق، وإليك بعض الأمثلة: قال الحافظ ابن حجر: "وهو ما أخرجه إسحاق بن راهويه، والمحاملي في "الفوائد الأصبهانية" من طريق أبي الزبير عن جابر قال: "اقتتل غلام من المهاجرين وغلام من الأنصار ... " فذكر الحديث" (١). وقال ابن عبد الهادي: وقد روى البيهقي في "سننه" أنا أبو عبد الله الحافظ في "الفوائد الكبير" لأبي العباس وفي حديثه شعبة ثنا أبو العباس بن يعقوب ثنا بن إبراهيم بن مرزوق البصري ثنا أبو الوليد الطيالسي ثنا شعبة عن سلمة بن كهيل قال: سمعت حجرًا أبا عنبس يحدث عن وائل الحضرمي: "أنه صلى خلف النبي ﷺ ، فلما قال: ولا الضالين، قال: آمين، رافعًا بها صوته"، فهذه الرواية عن شعبة توافق رواية سفيان " (٢). وقال ابن دقيق العيد في "الإلمام": "ونُصرت بالرعب يسير بين يديّ مسيرة شهر يقذف في قلوب أعدائي،

стр. 109

وأحلت لي الغنائم"، لفظ رواية أبي عبد الله الثقفي في "الفوائد" (١). وغيرها كثير. أما قولك تعليقًا على كلام الشيخ ﵀: "وهذا سند حسن إن كان من دون مكي ثقات": فإن كان من دون مكي ضعفاء أو متروكين؟! كيف يستشهد بمثل هذا الطريق الذي لم يعرف رجاله؟! ". هذا الأسلوب -وهو تعليق الحكم على الحديث بالصحة، إن كان فلان سمعه من فلان- هذا أمر سائغ عند أهل الفن. قال الحافظ في "الفتح": "ولأبي داود من وجه آخر عن عكرمة قال: "كانت أم حبيبة تستحاض، وكان زوجها يغشاها"، وهو حديث صحيح إن كان عكرمة سمعه منها" (٢). وقال: "ومن طريق علي بن الحسين بن علي أخبرني رجل من أهل العلم أن النبي ﷺ قال: "تمد الأرض مد الأديم" الحديث، وفيه: "ثم يؤذن لي في الشفاعة فأقول: أي رب، عبادك عبدوك في أطراف الأرض، قال: فذلك المقام المحمود" (٣)، ورجاله ثقات، وهو صحيح إن كان الرجل صحابي" (٤). والشيخ ﵀ ساقه مستأنسًا به على ما انقدح في نفسه من قوة الحديث، وإلا فإن حديث علي وشاهده حديث أنس ﵁ كافيان في إثبات هذه السنة، وبالله التوفيق. * * *

стр. 110

الحديث الخامس حديث عائشة ﵁: "كان النبي ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك". ــ وأنا لا أدرى ما وجه استدراكه؟! فهو لم يتكلم على الحديث، وإنما تعقب الشيخ فى قوله: (إن أبا حاتم صححه)، ثم قال: "ذكر الشيخ -كما ذكر عدد من المعاصرين- أن الحافظ أبا حاتم الرازى صحح الحديث، وهذا خطأ سببه عدم فهم عبارة أبى حاتم"! فأقول: ما علاقة هذا الحديث بشرط كتابك؟ وما سطرته على غلافه؟ أما قولك: كما ذكر عدد كبير من المعاصرين، فهو تدليس، أردتَ منه أمرًا لا يليق بالعامة، فضلاً عن طلبة العلم، ولكن سبحان الذى أراد إعلاء ذكر الشيخ، ولوعن طريق خصومه، ومنتقديه، فالذي حكى أن أبا حاتم صححه علماء يفهمون ويدركون غوامض هذا الفن، وإليك من نقل تصحيحه: الحافظ ابن حجر في "البلوغ" حيث قال: "أخرجه الخمسة، وصححه الحاكم، وأبو حاتم". الشوكاني في "النيل": "الحَدِيثُ صَححَهُ الْحَاكِمُ، وأبو حَاتِمٍ. قال في
следующие страницы →