وقال النسائي: متروك الحديث لا يساوي شيئًا.
وأما العرزمي؛ فقال أحمد: ترك الناس حديثه. وقال يحيى: لا يُكْتَبُ حديثه.
* قلت: على أنه قد حدث عنه شعبة وسفيان (١).
الثالث: قال الطبراني في "المعجم الأوسط" (١/ ٨٤): حدثنا أحمد بن رشدين قال: حدثنا هشام بن سلام البصري قال: حدثنا أبو داود الطيالسي قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الله السكوني، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن أبيه، عن معاذ بن جبل قال: "صلَّينا مع رسول الله ﷺ في يوم غيم في سفر إلى غير القبلة، فلما قضى الصلاة وسلم تجلت الشمس، فقلنا: يا رسول الله؛ صلينا إلى غير القبلة! فقال: "قد رُفِعَتْ صلاتُكم بحقها إلى الله ".
لم يرو هذا الحديث عن إبراهيم بن أبي عبلة إلا إسماعيل بن عبد الله، ولا عن إسماعيل إلا أبو داود، تفرد به هشام بن سلام".
وأخرج سعيد بن منصور في "سننه" (٢/ ٦٠١): وابن المنذر عن عطاء: "أن قومًا عميت عليهم القبلة، فصلى كل إنسان منهم إلى ناحية، ثم أتوا رسول الله ﷺ فذكروا ذلك له، فأنزل الله: (فَأَينَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَاللهُ) ".
حدثنا سعيد قال: نا إسماعيل بن عياش قال: حدثني حجاج عن عطاء.
وأخرج ابن مردويه -بسند ضعيف- عن ابن عباس- ﵁: "أن رسول الله ﷺ بعث سريه فأصابتهم ضبابة، فلم يهتدوا إلى القبلة، فصلوا لغير القبلة، ثم استبان لهم بعدما طلعت الشمس أنهم صلوا لغير القبلة، فلما جاؤوا إلى رسول الله ﷺ حدثوه، فأنزل الله: (وَللهِ الْمَشْرِقُ وَاْلمْغربُ) الآية". من حديث الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.
стр. 212
قال شيخ الإسلام: "وأيضًا: ما روي عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله ابن عامر بن ربيعة عن أبيه قال: "كنا مع النبي ﷺ في السفر في ليلة مظلمة، فلم يدر أين القبلة، فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي فنزل: (فَأَينَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجهُ اللَّهِ)، [البقرة: ١١٥] ". رواه ابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن ليس إسناده بذلك، لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان، وأشعث يُضَعَّفُ في الحديث.
* قلت: وقد رواه أبو داود الطيالسي في "مسنده" (٣٦٨) عن أشعث بن سعيد وعمر بن قيس، عن عاصم بن عبيد الله، وهو يقوى رواية أشعث، ويزيل تفرده به" (١).
وقد روي هذا المتن من حديث جابر من حديث محمد بن سالم ومحمد بن عبيد الله العرزمي عن عطاء عن جابر قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في مسير فأصابنا غيم، فتحيرنا فاختلفنا في القبلة، فصلى كل رجل منا على حدة، وجعل أحدنا يخطُّ بين يديه، لنعلم أمكنتنا، فذكرنا ذلك للنبي ﷺ ، فلم يأمرنا بالإعادة، وقال: "قد أجزأت صلاتكم". رواه الدارقطني (١/ ٢٧١) وغيره، وقال: هما ضعيفان.
ورواه الباغندي والحسن بن علي المعمري وغيرهما عن أحمد بن عبيد الله بن الحسن العنبري قال: وجدت في كتاب أبي ثنا عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي عن عطاء بن أبي رباح عن جابر قال: "بعث رسول الله ﷺ سرية كنت فيها فأصابتنا ظلمة، فلم نعرف القبلة، فقالت طائفة منا: القبلة هاهنا قبل الشمال، فصلوا وخطوا خطًّا، وقال بعضنا: القبلة ها هنا قبل الجنوب، وخطوا خطًّا، فلما أصبحنا وطلعت الشمس أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة، فقدمنا من سفرنا، فأتينا النبي ﷺ فسألناه عن ذلك، فسكت، وأنزل الله :
стр. 213
﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] " (١)، وهو إسناد مقارب.
وبعض هذه الطرق مما يغلب على القلب أن الحديث له أصل، وهو محفوظ، فإن المحدِّثَ إذا كان إنما يُخَافُ عليه من سوء حفظه، لا من جهة التهمة بالكذب، فإذا عضده محدث آخر، أو محدثان من جنسه؛ قويت روايته، حتى يكاد أحيانًا يعلم أنه قد حفظ ذلك الحديث، لا سيما إذا جاء به محدث آخر عن صحابي آخر، فإن تطرق سوء الحفظ في مثل ذلك إلى جماعة؛ بعيد لا يلتفت إليه، إلا أن يعارض حديثهم ما هو أصح منه.
وقد روى أصحاب التفسير عن ابن عباس ﵂ قال: "خرج نفر من أصحاب رسول الله ﷺ في سفر -وذلك قبل تحويل القبلة إلى الكعبة- فأصابهم الضباب، وحضرت الصلاة فتحروا القبلة، وصلوا، فمنهم من صلى قِبَلَ المشرق، ومنهم من صلى قِبَلَ المغرب، فلما ذهب الضباب استبان لهم أنهم لم يصيبوا، فلما قدموا سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فنزلت هذه الآية" (٢).
فهذا وإن لم يكن مما يُحْتَجُّ به منفردًا؛ فإنه يشد تلك الروايات ويقويها، وقد استدل أحمد بهذه الآية، وتأولها على ذلك، قال: إذا تحرى القبلة ثم صلى، فعلم بعدما صلى أنه صلى لغير القبلة مضت، فتأول بعض قول أصحاب رسول الله ﷺ (فَأَينَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اَللَّهِ).
وقال في موضع آخر في الرجل يصلي لغير القبلة: لا يعيد، (فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) وهذا دليل على أن الصحابة تأولوها على حال التحري، كما ذكرنا، ويشبه والله أعلم: أن النبي ﷺ لم يكن معهم تلك الليلة، وإنما كان قد
стр. 214
سراهم سرية، فلما أصبحوا لقوه وقد قفلوا من وجوههم ذلك، هكذا تدل عليه الروايات.
فإن قيل: ففي حديث ابن عمر أن هذه الآية نزلت في صلاة التطوع في السفر!
قلنا: لا منافاة بين هذين، فإن الآية الجامعة العامة تنزل في أشياء كثيرة، إما أن يراد به جميع تلك المعاني بإنزال واحد، وإما أن يتعدد الإنزال، إما بتعدد عرض النبي ﷺ القرآن على جبريل ﷺ أو غير ذلك، وفي كل مرة تنزل في شيء غير الأول، لصلاح لفظها لذلك كله، على أن قول الصحابة نزلت الآية في ذلك، قد لا يعنون به سبب النزول، وإنما يعنون به أنه أريد ذلك المعنى منها، وقصد بها، وهذا كثير في كلامهم (١).
والحمد لله على توفيقه.
стр. 215
الحديث الثاني والثلاثون
قوله ﷺ : "ما بين المشرق والمغرب قبلة".
ــ
قال المستدرك:
"الحديث ضعيف، وضعفه من الأئمة: الإمام أحمد، والنسائي، وأبو زرعة، والبيهقي".
* قلت:
للحديث شواهد:
قال الترمذي في "جامعه" (٣٤٢ - ٣٤٤): حدثنا محمد بن أبي مَعْشَرٍ حدثنا أبي عن مُحَمَّدِ بن عَمْرٍو عن أبي سَلَمَةَ عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : "ما بين الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ".
حدثنا يحيى بن مُوسَى حدثنا محمد بن أبي مَعْشَرٍ مثله.
حدثنا الْحَسَنُ بن أبي بَكْرٍ الْمَرْوَزِيُّ حدثنا الْمُعَلَّى بن مَنْصُورٍ حدثنا عبد اللَّهِ بن جَعْفَرٍ الْمَخْرَمِيُّ عن عُثْمَانَ بن مُحَمَّدٍ الأَخْنَسِيِّ عن سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبي ﷺ قال: "ما بين الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ". قال أبو عِيسَى: هذا حَدِيث حَسَن صحيح".
* قلت: الأَخْنَسِيِّ وَثَّقَهُ ابن مَعِينٍ والبخاري، وتكلَّم فيه ابن حِبَّانَ، فالصوَابُ ما قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ.
стр. 216
ثم قال الترمذي ﵀: وإنَّمَا قِيلَ عبد اللَّه بن جَعْفَرٍ المخرمي، لأنَّه من وَلدِ الْمِسْوَرِ بن مَخْرَمَةَ، وقد رُوِيَ عن غَيْرِ وَاحِدٍ من أَصحَابِ النبي ﷺ : "ما بين الْمَشْرقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ"، منهم عُمَرُ بن الْخَطَّابِ، وَعَلِيُّ بن أبي طَالِبِ وابن عَبَّاسٍ، وقال ابن عُمَرَ: "إذا جَعَلْتَ الْمغْرِبَ عن يَمِينِكَ وَالْمَشْرِقَ عن يَسَارِكَ، فما بَيْنَهُمَا قِبْلةٌ إذا اسْتَقْبَلْتَ الْقِبلَةَ".
وهذا يدل على ما تقدم غير مرة: أن أهل العلم يثبتون الحديث إذا كان عمل المتقدمين عليه.
قال الزيلعي وابن عبد الهادي وابن حجر: "وقواه البخاري".
وله شاهد من حديث ابن عمر: قال ابن مردويه: حدثنا علي بن أحمد بن عبد الرحمن، أخبرنا يعقوب بن يوسف مولى بني هاشم، أخبرنا شعيب بن أيوب، أخبرنا ابن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "ما بين المشرق والمغرب قبلة". وقد رواه الدارقطني (١) البيهقي (٢)، وقال: المشهور عن ابن عمر عن عمر- ﵁.
* قلت: وفي إسناده العمري، فلا يعلل به المرفوع.
قال الحاكم: "وشعيب بن أيوب ثقة، وقد أسنده، وقد رواه محمد بن عبد الرحمن بن مجبر عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا نحوه، ثم أخرجه كذلك. قال: ومحمد بن عبد الرحمن بن مجبر ثقة، وقد وثقه جماعة".
* قلت: فتعليل أبي زرعة للحديث ليس في محله، ويشهد له قوله ﷺ : "إذا أتى أحدكم الْغَائِطَ فلا يَسْتَقْبِل الْقِبْلَةَ، ولا يُوَلِّهَا ظَهْرَهُ؛ شَرِّقُوا أو غرّبُوا (٣). أخرجاه من حديث أبي أيوب.
стр. 217
واشتهر بين الصحابة ﵁ بلا نكير، قال ابن أبي شيبة: حدثنا وَكِيعٌ قال: نا إسْرَائيل، عن عبد الأعْلَى، عن عامر الشِّعْبِيِّ، عن أبي عبد الرحمن السُّلمِيِّ، عن عَلِيٍّ ﵁ قال: "ما بين الْمَشْرِق وَالْمَغْربِ قِبْلَةٌ".
حدثنا وكيع قال: نا إسْرَائِيلُ، عن عُبد الأعْلَى، عن سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قال: "ما بين الْمَشرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ".
حدثنا ابن عُلَيَّةِّ، عن أيُّوبَ، عن نافع قال: قال عُمَرُ ﵁: "ما بين المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَة ما اُسْتُقْبلَت الْقِبْلَةُ".
حدثنا وكيع قال: نا الْعُمَرِيُّ، عن نَافعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عن عُمَرَ ﵁ قال: "ما بين الْمَشْرِقِ وَالْمَغرِبِ قِبْلَةٌ".
قال شيخ الإسلام ﵀: "وذلك إجماع الصحابة ﵃" (١).
стр. 218
الحديث الثالث والثلاثون
قول ابن عمر: "كان النبي ﷺ يفصل بين الشفع والوتر بتسليمة ليسمعناها".
ــ
قال المستدرك:
"ذهب الإمام أحمد، وابن المديني، والأثرم، والعقيلي، وابن عبد البر، وابن حزم، وابن رجب، وابن القيم، والنووي: إلى أنه لا يثبت شيء عن النبي ﷺ في التسليمة الواحدة".
* قلت:
هذا الكلام فيه نظر بل تدليس؛ فإن من نقل عنهم المستدرِكُ، معظمهم فصلوا بين الفريضة والنافلة، والحديث جاء عن ثمانية من الصحابة، ولن أتكلم إلا على حديث واحد، فهو كافٍ في إثبات هذه السنة:
قال الإمام مسلم في "صحيحه" (٧٤٦): حدثنا محمد بن الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حدثنا محمد بن أبي عَدِيٍّ، عن سَعِيدٍ، عن قَتَادَةَ، عن زُرَارَةَ: أَنَّ سَعْدَ بن هِشَامِ بن عَامِرٍ أراد أن يغزو ... وفيه: "فَانْطَلَقْنَا إلى عَائِشَةَ فَاسْتَأذَنَّا عليها فَأَذِنَتْ لنا، فَدَخَلْنَا عليها فقالت: أَحَكِيمٌ؟ فَعَرَفَتْهُ، فقال: نعم. فقالت: من مَعَكَ؟ قال: سَعْدُ بن هِشَامِ، قالت: من هِشَامٌ؟ قال: ابن عَامِرٍ. فَتَرَحَّمَتْ عليه، وَقَالَتْ: خَيْرًا. قالَ قَتَادَةُ: وكان أُصِيبَ يوم أُحُدٍ، فقلت: يا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ؛
стр. 219
أنبئيني عن خُلُق رسول اللَّهِ ﷺ ؟ قالت: أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قلت: بَلَى، قالت: فإن خلق نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ كان القرآن. قال: فَهَمَمْتُ أَنْ أَقُومَ ولا أَسْأَلُ أَحَدًا عن شَيءٍ حتى أموت، ثمّ بَدَا لي فقلت: أَنْبِئِينِي عن قِيَامِ رسول اللَّهِ ﷺ ؟ فقالت: ألست تَقرَأ (يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ)؟ قلت: بَلَى، قالت: فإن اللَّهَ افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ في أول هذه السُّورَةِ، فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَأَصحَابُهُ حَوْلاً، وَأَمْسَكَ الله خَاتِمَتَهَا اثنَي عشر شهرًا في السَّمَاءِ حتى أَنزَلَ الله في آخِرِ هذه السُّورَةِ التَّخْفِيفَ، فَصَارَ قِيَام اللّيلِ تَطَوُّعًا بَعدَ فَرِيضةِ.
قال: قلت. يا أمَّ المؤمنين أَنْبِئِينِي عن وِتْرِ رسول اللَّهِ ﷺ ؟ فقالت: كنا نُعِدُّ له سِوَاكَة وطهوره، فيبعثه الله ما شَاءَ أن يَبعَثَهُ من اللَّيْلِ فَيَتَسَوَّكُ وَيَتَوَضَّأ، وَيُصَلِّي تسعَ ركَعات، لا يجلس فيها إلا في الثَّامِنَةِ، فَيَذْكُر اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ، وَيَدْعُوهُ ثم ينهض ولا يسَلِّم، ثُمّ يقُوم فيصلي التَّاسِعَةَ، ثمَّ يَقْعُدُ فَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ، "ويدعوه، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا، يُسْمِعُنَا ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، بَعْدَ ما يُسَلِّمُ".
واختُلِفَ على قتادة، قال ابن خزيمة: قال لنا بندار في حديث ابن أبي عدي عن سعيد عن قتادة: "ويسلم تسليمة، يسمعنا". وقال بندار: قلت ليحيى: إن الناس يقولون (تسليمة). فقال: هكذا حفظي عن سعيد، وكذا قال هارون في حديث عبدة عن سعيد: "ثم يسلم تسليمًا يسمعنا". كما قال يحيى، وقال عبد الصمد عن هشام عن قتادة في هذا الخبر: "ثم يسلم تسليمة يسمعنا".
ورواه الإمام أحمد في "المسند" (٦/ ٥١٣)، وبيَّن بما لا شك فيه أنها واحدة.
قال ﵀: حدثنا عبد اللَّهِ حدثني أَبِي ثنا يَزِيدُ قال: ثنا بَهْزُ بن حَكِيمٍ وقال: مَرَّةً أنا قال: سمعتُ زُرَارَةَ بن أَوْفَى يقول: "سألتُ عَائِشَةُ عن صَلاةِ رسول اللَّهِ ﷺ بِالليْلِ، فقالت: كان يصلي الْعِشَاءَ ثُم يصلي بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، ثُم يَنَامُ، فإذا اسْتَيْقَظَ وَعِنْدَهُ وَضُوءُهُ مُغَطًّى وَسِوَاكُهُ اسْتَاكَ، ثُمَّ تَوَضَّأ، فَقَامَ فَصَلَّى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ يَقْرَأُ فِيهِنَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وما شَاءَ مِنَ الْقُرْآنِ، وقال مَرَّةً: ما شَاءَ
стр. 220
الله مِنَ الْقُرْآنِ، فَلا يَقْعُدُ في شيء مِنْهُنَّ إلا في الثَّامِنَةِ، فإنه يَقْعدُ فيها فَيَتَشَهَّدُ، ثُمَّ يَقُومُ وَلا يُسَلِّمُ، فَيُصَلِّي رَكْعَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يَجْلِسُ، فَيَتَشَهَّدُ، وَيَدْعُو، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، يَرْفَعُ بها صَوْتَهُ حتى يُوقِظَنَا".
ثم رواه من وجه آخر (٦/ ٢٣٦): حدثنا عبد اللَّهِ حدثني أَبِي ثنا يُونُسُ قال: ثنا عِمْرَانُ بن يزِيدَ العطار، عن بَهْزِ بن حَكِيمِ، عن زُرَارَةَ بن أَوْفَى، عن سَعْدِ بن هِشَامٍ قال: قلت لأُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ: كَيْفُ كانت صَلاةُ رسول اللَّهِ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ؟ قالت: "كان يصلي الْعِشَاءَ، فذكر الحديث، ويصلي رَكْعَتَيْنِ قَائمًا، يَرْفَعُ صوْتَهُ، كَأَنَّهُ يُوقِظُنَا، بَلْ يُوقِظُنَا، ثُمَّ يَدْعُو بِدُعَاءٍ يُسْمِعُنَا، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً ثُمَّ يَرْفَعُ بها صَوْتَهُ".
قال ابن عبد الهادي: إسناده صحيح.
وبهز؛ قال الذهبي في ترجمته: "بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة أبو عبد الملك عن أبيه وزرارة بن أوفى وعنه القطان ومكي، وثقه جماعة؟ قال ابن عدي: لم أر له حديثًا منكرًا" (١).
وأما الطريق الأخرى عن عائشة ﵁:
فقد رواها الترمذي في "جامعه" (٢٩٦)، عن محمد بن يحيى النيسابوري، نا عمرو بن أبي سلمة، عن زهير بن محمد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵁: "أن رسول الله ﷺ كان يسلم في الصلاة تسليمة واحدة تلقاء وجهه، يميل إلى الشق الأيمن شيئًا".
ورواه ابن ماجه في "سننه" (٩١٩) عن هشام بن عمار ثنا عبد الملك بن محمد الصنعاني، ثنا زهير، فذكره إلى قوله: "تلقاء وجهه".
ورواه الدارقطني في "سننه" (١/ ٣٥٧) من طرق عن عمرو بن أبي سلمة
стр. 221
بلفظ الترمذي، قال الترمذي: "هذا حديث لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، قال محمد بن إسياعيل -يعني البخاري-: زهير بن محمد أهل الشام يروون عنه مناكير، ورواية أحل العراق عنه أشبه. قال: وقال أحمد بن حنبل: كأن زهير بن محمد الذي وقع عندهم ليس هو الذي يروى عنه بالعراق، كأنه رجل آخر قلبوا اسمه".
وقال البيهقي في "سننه" (٢/ ١٧٩): هذا الحديث تفرد به زهير بن محمد، قال: وروي من وجه آخر موقوفًا على عائشة ﵂.
وقال أبو حاتم فى "العلل": هذا حديث منكر؛ هو موقوف عن عائشة ﵂.
وقال الدارقطني في "علله": رفع هذا الحديث عبد الملك بن محمد الصنعاني وعمرو -يعني ابن أبي سلمة- وخالفهما الوليد بن مسلم فوقفه على عائشة عن زهير. قال الوليد لزهير: هل بلغك في هذا شيء عن النبي ﷺ ؟ فقال: نعم، أخبرني يحيى بن سعيد الأنصاري: "أن رسول الله ﷺ كان يسلم تسليمة". وصوَّب الدارقطني رواية الوقف، وقال في موضع آخر منها: إنه الصحيح، ووهَّم رواية الرفع.
وقال البزار بعد أن ذكره مرفوعًا: هذا رواه غير واحد موقوفًا، ولا نعلم أسنده إلا عمرو عن زهير.
وقال ابن عبد البر (١): لم يرفعه غير زهير عن هشام بن عروة، وهو ضعيف عند الجميع كثير الخطأ لا يُحْتَجُّ به.
ونقل عبد الحق في "الأحكام" عن ابن عبد البر أنه قال: لا يصح مرفوعًا، وأقره على ذلك. ورأيته كذلك في "التمهيد"، فإنه قال: وأما حديث عائشة "أنه كان لا يسلم إلا تسليمة واحدة"، فلم يرفعه إلا زهير بن محمد وحده عن هشام عن أبيه عن عائشة مرفوعًا، رواه عنه عمرو بن أبي سلمة، وزهير بن محمد
стр. 222
ضعيف عند الجميع كثير الخطأ لا يحتج به، وذكر ليحيى بن سعيد هذا الحديث، فقال: عمرو بن أبي سلمة وزهير ضعيفان لا حجة فيهما.
وحاصل قول من ضعَّفه: الطعن في زهير بن محمد وانفراده به، وزهير من رجال الصحيحين، والسنن الأربعة، وقال أحمد فيه: إنه مستقيم الحديث، وفي رواية عنه لا بأس به، وفي رواية عنه: إنه ثقة.
وقال علي بن المديني: لا بأس به. واختلف قول يحيى بن معين فيه، فمرة قال: لا بأس به، ومرة قال: ثقة، ومرة قال: ليس به بأس، وعند عمرو بن أبي سلمة عنه مناكير، ومرة قال: ضعيف. وقال العجلي: جائز الحديث.
وقال الحاكم في " تاريخ نيسابور" -بعد أن نقل الرواية الأولى عن أحمد- قال: صالح بن محمد ثقة صدوق.
وقال موسى بن هارون: أرجو أنه صدوق.
وقال الدارمي: ثقة له أغاليط كثيرة.
وقال أبو حاتم الرازي: محله الصدق، وفي حفظه سوء، وحديثه بالشام أنكر من حديثه بالعراق لسوء حفظه، وما حدث من حفظه فهو أغاليط.
قال ابن عدي: لعل أهل الشام حيث رووا عنه أخطأوا عليه، فإنه إذا حدَّث عنه أهل العراق فرواياتهم عنه شبيهة بالمستقيمة، وأرجو أنه لا بأس به (١).
وقال النسائي: ليس بالقوي.
وذكره ابن حبان في "ثقاته"، وقال: إنه يخطئ ويخالف.
فهذه أقوال من وثقه وضعفه، والأكثر على توثيقه، قال ابن القطان في علله: "في كلام أبي عمر حمل على زهير وعمرو بن أبي سلمة، وذلك فوق ما يستحقان، وليس كذلك عند أهل العلم بهما".
стр. 223
وأما دعوى تفرده به؛ فليس كذلك، فقد تابعه عاصم بن سليمان الأحول، رواه بقي بن مخلد في "مصنفه" من طريقه نا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي ﷺ به.
وعاصم من رجال الصحيحين والسنن الأربعة، قال الإمام أحمد فيه: ثقة من الحفاظ.
وتابعه زُرَارَةَ بن أَوْفَى عن سَعْدِ بن هِشَامٍ، كما تقدم في مسلم، ومسند أحمد.
فظهر بهذا ضعف قول البيهقي: تفرد به زهير بن محمد. وقول أبي عمر ابن عبد البر: لم يرفعه غير زهير عن هشام.
وأما قول الحافظ أبي بكر البزار: لا نعلم أسنده إلا عمرو عن زهير.
فليس بجيد أيضاً، فقد أسنده عبد الملك بن محمد الصنعاني عنه -كما سلف من رواية ابن ماجه وغيره-.
وأما قول الدارقطني: إن عمرو بن أبي سلمة وعبد الملك الصنعاني رفعاه، وخالفهما الوليد بن مسلم فوقفه على عائشة.
فجوابه من وجهين:
أحدهما: أنه قد توارد على رفعه ثلاثة هذان الإمامان، وعاصم بن سليمان، وتابعهم زرارة بن أوفى، فيكون الأكثر على رفعه، وانفرد بوقفه الوليد بن مسلم.
ثانيهما: أنه يحمل على أن عائشة ﵂-روته مرفوعًا، وأفتت به، فنقل المجموع عنها، وهذا لا غرابة فيه، بل هو الأصل.
وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٢٤٤٢): عن الحسن بن سفيان نا ابن أبي السري نا عمرو بن أبي سلمة عن زهير بن محمد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵁: "أن النبي ﷺ كان يسلم تسليمة واحدة عن يمينه يميل بها وجهه إلى القبلة".
стр. 224
قال البيهقي في "المعرفة": "وروينا تسليمة واحدة عن علي وابن عمر وابن عباس وجابر وأنس وواثلة بن الأسقع وأبي أمامة ابن سهل بن حنيف" (١).
فلا يُظَنُّ بالصحابة رضوان الله عليهم أن يتواطأوا على هذا من غير أن يأخذوه من نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، كيف وقد قال ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي؟!.
فرحم الله الإمام المجدد فقد برع، حتى أدرك ما فات غيره من علماء هذا الفن، وكان كثيرًا ما يقول: كم ترك الأول للآخر.
تتبيه: قال الإمام مسلم ﵀ (٥٨١): حدثنا زُهَيْرُ بن حَرْبٍ حدثنا يحيى بن سَعِيدٍ عن شعْبَةَ عن الْحَكَمِ وَمَنْصُورٍ عن مُجَاهِدٍ عن أبي مَعْمَرٍ: "أَنَّ أميرًا كان بِمَكَّةَ يُسَلِّمُ تَسلِيمَتَيْنِ، فقال عبد اللهِ: أَنَّى عَلِقَهَا؟ قال الْحَكَمُ في حَدِيثِهِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان يَفْعَلُهُ". أي: من أين حصل على هذه السنة، وظفر بها؟
وهذا يدل على صحة ما ذهب إليه الشيخ ﵀، وأن جواز هذا الأمر مستقر عند الصحابة رضوان الله عليهم، وأن التسليمتين من السنن التي هجرت، أو كادت، ونظيره: ما رواه البخاري عن عكرمة قال: "صَلَّيْتُ خَلْفَ شَيْخٍ بِمَكَّةَ فَكَبَّرَ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ تَكْبيرَة، فقلت لابن عَبَّاسٍ: إنه أَحْمَقُ! فقال: ثَكِلَتكَ أُمُّكَ! سُنَّة أبي القَاسَمِ ﷺ " (٢).
ثم وقفت على تقوية الإمام أحمد للحديث؛ قال الحافظ في "التخليص الحبير" (٢/ ١٦): "وحديث عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "يفصل بين الوتر والشفع بتسليمة ويسمعناها" (٣)، رواه أحمد وابن حبان، وابن السكن
стр. 225
في صحيحهما، والطبراني، من حديث إبراهيم الصائغ عن نافع عن ابن عمر به، وقواه أحمد. انتهى".
وقال شيخ الإسلام ﵀: "وكان كلا الفعلين مشهورًا بينهم، كانوا يصلُّون على الجنازة بقراءة، وغير قراءة، كما كانوا يصلون تارة بالجهر بالبسملة، وتارة بغير جهر بها، وتارة باستفتاح وتارة بغير استفتاح، وتارة برفع اليدين في المواطن الثلاثة، وتارة بغير رفع اليدين، وتارة يسلِّمون تسليمتين، وتارة تسليمة واحدة، وتارة يقرؤون خلف الإمام بالسر، وتارة لا يقرؤون، وتارة يكبرون على الجنازة أربعًا، وتارة خمسًا وتارة سبعًا، كان فيهم من يفعل هذا، وفيهم من يفعل هذا، كل هذا ثابت عن الصحابة" (١).
стр. 226
الحديث الرابع والثلاثون
ذكر حديث أبي موسى ﵁، وفيه: "وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد". ثم ذكر لفظه بطوله، وذكر زيادة: "وإذا قرأ فأنصتوا".
ــ
قال المستدرك:
حديث أبي موسى صحيح، فقد رواه مسلم -كما سبق- إنما الكلام حول زيادة: "وإذا قرأ فأنصتوا"، فهي ضعيفة، ضعَّفها جمهور الحفاظ منهم: أبو داود، والبخاري، وأبو حاتم، وابن معين، والحاكم، والدارقطني، وغيرهم نحو عشرة من الحفاظ، كلهم يرى خطأ هذه الزيادة وأنها ليست بمحفوظة" اهـ.
* قلت:
هذه الزيادة صححها الإمام أحمد، ومسلم، وابن حزم، وشيخ الإسلام ابن تيمية، ونقل الإمام أحمد الإجماع على أن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] نزلت في الصلاة.
فلا نطيل الجواب عليه.
стр. 227
الحديث الخامس والثلاثون
حديث: "لكل سهو سجدتان بعدما يُسَلِّم".
ــ
قال المستدرك:
"الحديث ضعيف، ولا يتقوَّى بطُرُقِهِ، وضعَّفه من الأئمة: أبو بكر الأثرم، والبيهقي، وابن الجوزي، وعبد الحق في "الأحكام الوسطى"، والعراقي، وابن حجر في "البلوغ".
* قلت:
قال الإمام أبو داود الجستاني ﵀ في "السنن" (١٠٣٨): حدثنا عَمْرُو بن عُثْمَانَ وَالرَّبِيعُ بن نَافِعٍ وَعُثْمَانُ بن أبي شَيْبَةَ وَشُجَاعُ بن مَخْلَدٍ بِمَعْنَى الإسناد، أَنَّ ابن عَيَّاشٍ حَدَّثَهُمْ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بن عُبَيْدٍ الْكَلاعِيِّ، عن زُهَيْرٍ -يَعْنِي بن سَالِمٍ الْعَنْسِيَّ- عن عبد الرحمن بن جُبَيْرِ بن نُفَيْرٍ، قال عَمْرٌو وَحْدَهُ: عن أبيه، عن ثَوْبَانَ، عن النبي ﷺ قال: "لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَان بَعْدَما يُسَلِّمُ". لم يذكر عن أبيه غَيْرُ عَمْرٍو".
قال البيهقي في "المعرفة" (١): "وهذا حديث ينفردُ به إسماعيل بن عياش، وليس بالتقوي".
стр. 228
قال الذهبي: "إسماعيل بن عياش أبو عتبة العنسي، عالم الشاميين، عن شرحبيل بن مسلم ومحمد بن زياد الألهاني وأمم، وعنه علي بن حجر وهناد وابن عرفة.
قال يزيد بن هارون: ما رأيت أحفظ منه. وقال دحيم: هو في الشاميين غاية، وخلط عن المدنيين. وقال البخاري: إذا حدَّث عن أهل حمص فصحيح. وقال أبو حاتم: لين. مات في ربيع الأول ١٨١، ٤" (١).
والكلاعي: شامي ثقة.
قال الذهبي: "عبيد الله بن عبيد أبو وهب الكلاعي الدمشقي، عن مكحول وطبقته، وعنه الأوزاعي ويحيى بن حمزة وجماعة، وثقَّه دُحيم، مات بعد ١٣، د ق" (٢).
وقال في "التقريب": صدوق.
وزهير، قال عنه الذهبي: ثقة. ووثَّقه ابن حبان.
ويشهد له: "ما جاء عن ابن مسعود بلفظ: "وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحرَّ الصواب، فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم ليسجد سجدتين" (٣). متفق عليه، واللفظ للبخاري، وفي لفظ لمسلم: "سجد سجدتين بعد السلام والكلام"، ولأبي داود والنسائي من حديث عبد الله بن جعفر: "من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعد ما يسلم" (٤)، وصححه ابن خزيمة" (٥).
стр. 229
فقول المستدرك: "ولا أدري كيف اعتُبر شاهدًا لحديث ثوبان؟ ففي حديث ثوبان: "لكل سهو ... "، وهذا التعميم ليس في حديث ابن مسعود، وأيضًا في حديث ثوبان أنه بعد السلام، وفي حديث ابن مسعود تخصيص السجود بعد السلام بحالة: "إذا شك ... "، وبين التخصيص الذي في حديث ابن مسعود، والتعميم الذي في حديث ثوبان ما يمنع تمامًا من اعتباره شاهدًا له، والله أعلم" اهـ.
أقول:
فإن قوله: "إذا شك أحدكم في صلاته"، بمعنى: إذا سهى، وسواء كان السهو عن زيادة أو نقصان، بدليل: أن محل السجود للشك قبل السلام، كما روى الإمام مسلم، عن أبي سعيد مرفوعًا: "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلَّى؛ فَلْيَبْنِ على اليقين، حتى إذا استيقنَ أن قد أتمَّ؛ فيسجد سجدتين قبل أن يُسَلِّمَ، فإنه إن كانت صلاته وترًا شفعها، وإن كانت شفعًا كانتا ترغيمًا للشيطان " (١).
وعليه فإن المراد بحديث ثوبان: سجدتا السهو تجزئان من كل زيادة ونقصان. انتهى (٢).
وفي رواية لمسلم: قال: فَقُلْنَا: "يا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَحَدَثَ في الصَّلاةِ شَيءٌ؟! فقال: لا. قال: فَقُلْنَا له الذي صَنَعَ، فقال: إذا زَادَ الرَّجُلُ أو نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ، قال: ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ" (٣).
стр. 230
الحديث السادس والثلاثون
حديث عائشة وأبي سعيد قالا: "كان رسول الله ﷺ إذا استفتح الصلاة قال ذلك".
يقصد قوله: "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك".
ــ
قال المستدرك:
"الحديث لا يصح مرفوعًا، فحديث عائشة أعلَّه أبو داود، وأحمد، وحديث أبي سعيد ضعَّفه أحمد، وحديث أنس قال عنه أبو حاتم: "هذا حديث كذب لا أصل له". وقد ذكر جميع ذلك الشيخ الألباني، لكنه لم يرتَضِهِ، وسأبين -إن شاء الله- أن قول الأئمة هو الصحيح، وأن هذا الحديث إنما صح موقوفًا عن عمر في مسلم وغيره" اهـ.
* قلت:
لسنا في حاجة للرد على هذا الكلام، فإن الحديث اشتهر عند المسلمين؛ بل ربما أكثرهم لا يعرف غيره، فهو مما تلقَّتْهُ الأُمَّةُ بالقَبول.
قال شيخ الإسلام ﵀: "وأيضًا؛ فقد كان عمر ﵁ يجهر بسبحانك اللهم وبحمدك، يعلمها الناس، ولولا أن النبي ﷺ كان يقولها في الفريضة، ما
стр. 231
فعل ذلك عمر، وأقره المسلمون" (١).
وبهذا يظهر لك ضعف قول ابن خزيمة ﵀: "وهذا صحيح عن عمر بن الخطاب أنه كان يستفتح الصلاة مثل حديث حارثة، لا عن النبي ﷺ ، ولست أكره الافتتاح بقوله: (سبحانك اللهم وبحمدك) على ما ثبت عن الفاروق ﵁، أنه كان يستفتح الصلاة، غير أن الافتتاح بما ثبت عن النبي ﷺ في خبر علي بن أبي طالب وأبي هريرة وغيرهما بنقل العدل عن العدل موصولاً إليه ﷺ ، أحب إليَّ وأولى بالاستعمال، إذ اتباع سُنَّةِ النبي ﷺ أفضل وخير من غيرها" (٢). فإنه ﵀ لم يسق كافة طرق الحديث، ولم يفطن إلى ما فطن له شيخ الإسلام من أن الفاروق لم يكن ليجهر بها في مسجد رسول الله ﷺ يعلمها الناس، ويقره الصحابة لو لم يعلموا أنها سنة، وهكذا فعل ابن عباس حين جهر بالفاتحة في صلاة الجنازة، وقال: "لتعلموا أنها سنة".
وإذا أردتَ أن تعلم أنه لا يمكن خروجه إلا من مشكاة النبوة؛ فانظر إلى شرحه في "مجموع الفتاوى": ج ٢٢/ ص ٣٨٤، و"زاد المعاد" ج ١/ ص ٢٠٥.
قال شيخ الإسلام ﵀: "وأهل العلم المأثور عن الرسول ﷺ أعظم الناس قيامًا بهذه الأصول، لا تأخذ أحدهم في الله لومة لائم، ولا يصدهم عن سبيل الله العظائم، بل يتكلم أحدهم بالحق الذي عليه ويتكلم في أحب الناس إليه، عملًا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾ [النساء: ١٣٥] وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨] ولهم من التعديل والتجريح، والتضعيف والتصحيح، من
стр. 232
السعي المشكور والعمل المبرور، ما كان من أسباب حفظ الدين وصيانته عن إحداث المفترين، وهم في ذلك على درجات منهم المقتصر على مجرد النقل والرواية، ومنهم أهل المعرفة بالحديث والدراية، ومنهم أهل الفقه فيه والمعرفة بمعانيه" (١).
وقد رواه مرفوعًا أربعة من الصحابة: أبو سعيد، وجابر، وأنس، وعائشة رضوان الله عليهم.
قال ابن القيم ﵀: "وأحمد لم يضعِّف أحاديث الافتتاح، ولا أسقط وجوبه من أجل ضعفها ولا من أجل ترك ابن مسعود له، وإنما لم يوجبه لعدم الأمر به، فإن النبي ﷺ قال: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن". ولم يأمره بالاستفتاح" (٢)، والله الموفق.
ومصداق هذا الاستفتاح في القرآن، قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨]. فقدله تعالى: (حينَ تقومُ) أي: للصلاة، والله أعلم.
стр. 233
الحديث السابع والثلاثون
حديث: أن النبي ﷺ كان يقول قبل القراءة: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه".
ــ
قال المستدرك:
"هذه الأحاديث لا يقوِّي بعضها بعضًا، وضعَّف بعضها أحمد، وبعضها البخاري، بل يُفْهَمُ من كلام ابن رجب تضعيف أحمد لها كلها بشواهدها".
* الجواب:
قال الحافظ ابن حجر ﵀ "قَوْلُهُ: وَرُوِيَ عن غَيْرِ جُبَيْرِ بن مُطْعَمٍ: "أَنَّ النبي ﷺ كان يَتَعَوَّذُ قبل الْقِرَاءَةِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَصحَابُ السُّنَنِ، وَالْحَاكِمُ، من حديث أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قال: "كان رسول اللَّهِ ﷺ إذَا قام إلَى الصَّلاةِ بِاللَّيْلِ كَبَّرَ، ثُمَّ يقول: سُبْحَانَكَ اللهم وَبِحَمْدِكَ وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلا إلَهَ غَيْرُكَ. ثُمَّ يقول: لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ، ثَلاثًا، ثُمَّ يقول اللَّهُ أَكْبَرُ، ثَلاثًا، ثُمَّ يقول: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ من الشَّيْطَان الرَّجِيمِ من هَمْزِهِ وَنَفَخِهِ وَنَفْثِهِ" (١)، قال التِّرْمِذِيُّ: "حَدِيثُ أبي سَعِيدٍ أَشْهَرُ حَدِيثٍ في الْبَابِ، وقد تُكُلِّمَ في إسناده، وقال أَحْمَدُ: لا يَصحُّ هذا الْحَدِيثُ".
стр. 234
وقال ابن خزيمة (١): "لا نَعْلَمُ في الافْتِتَاحِ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ خَبَرًا ثَابِتًا عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ، وَأَحْسَنُ أَسَانِيدِهِ حَدِيثُ أبي سَعِيد". ثُمَّ قال: "لا نَعْلَمُ أَحَدًا وَلا سَمِعْنَا بِهِ اسْتَعْمَلَ هذا الحديث على وَجْهِهِ".
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ من حديث أبي أُمَامَةَ نَحْوَهُ، وَفِيهِ: "أَعُوذُ بِاَللَّهِ من الشَّيْطَان الرَّجِيمِ"، وفي إسْنَادِهِ من لم يُسَمَّ.
وَرَوَى ابن ماجه وابن خُزَيْمَةَ من حديث ابن مَسْعُودٍ أَنَّ النبي ﷺ كان يقول: "اللَّهُمَّ إنّي أَعُوذُ بِكَ من الشَّيْطَان الرَّجِيمِ من هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ"، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ: "كان إذَا دخل في الصَّلاةِ"، وَعَنْ أَنَسٍ نَحْوُهُ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَفِيهِ الْحُسَيْنُ بن عَلِيِّ بن الأَسْوَدِ فيه مَقَالٌ، وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى ذَكَرَهَا ابن أبي حَاتِمٍ في "الْعِلَلِ" عن أبيه، وَضَعَّفَهَا" (٢).
وقد صحح الحديث: الإمام أحمد، وقرينه إسحاق بن راهويه.
قال الإمام ابن القيم ﵀: "وعن أحمد من رواية عبد الله: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم"، لحديث أبي سعيد وهو مذهب الحسن وابن سيرين، ويدل عليه ما رواه أبو داود في قصة الإفك: "أن النبي ﷺ جلس وكشف عن وجهه، وقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم".
وقال إسحاق: الذي أختاره ما ذُكِرَ عن النبي ﷺ : "اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه" (٣).
وقال أيضًا: "روى حنبل عنه: إذا أراد أن يبتدئ الصلاة يكبر، ثم يستفتح استفتاح عمر، ثم يتعوَّذ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم" (٤).
стр. 235
وبهذا يظهر لك ما تقدم نقله عن شيخ الإسلام.
"وأما قول أبي حاتم: يُكْتَبُ حديثُه، ولا يحتج به. فأبو حاتم يقول مثل هذا في كثير من رجال الصحيحين، وذلك أن شرطه في التعديل صعب، والحجة في اصطلاحه ليس هو الحجة في جمهور أهل العلم.
ثم إن ما جاء في الحديث من ألفاظ مأخوذة من القرآن العزيز، وهكذا كافة الأذكار النبوية ألفاظها مأخوذة من القرآن، بل ما تكلم ﷺ بكلمة بلغها الناس، أو فعلها على وجه التعبد إلا مصداقها في كتاب الله، علِمَهَا من عَلِمَهَا وجهِلَها من جَهِلَها، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧)﴾ [المؤمنون: ٩٧]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٨] والله ولي التوفيق.
стр. 236
الحديث الثامن والثلاثون
حديث مالك بن الحويرث: "كان إذا صلى كبر ورفع يديه، وحدث أن رسول الله ﷺ صنع هكذا"، وهو متفق عليه.
وفيه زيادة في غير "الصحيحين": " ... وإذا رفع رأسه من السجود فعل مثل ذلك". أي رفع اليدين، والمقصود بالبحث هذه الزيادة.
ــ
قال المستدرك:
"هذه الزيادة شاذة لا تصح، ... وقد أشار إلى تعليلها الإمام أحمد".
* الجواب:
قال الإمام النسائي: ﵀ في "السنن الكبرى" (١: ٢٢٨):
أخبرنا محمد بن المثنى قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن نصر بن عاصم، عن مالك بن الحويرث: "أنه رأى نبي الله ﷺ رفع يديه في صلاته إذا ركع وإذا رفع رأسه من ركوعه وإذا سجد وإذا رفع رأسه من سجوده حتى يحاذي بهما فروع أذنيه"، وساقه مسلم (٣٩١) أيضًا وذكر طرفًا منه.
وتابع سعيدًا: همام عند أبي عوانة، قال: حدثنا الصائغ بمكة قال: ثنا عفان قال: ثنا همام قال أنبأ قتادة بإسناده: "أن النبي ﷺ كان يرفع يديه حيال إذنيه في الركوع والسجود" (١).
стр. 237
وبهذا يتبين خطأ المُسْتَدْرِكِ حين قال: "والخلاصة: أن هذه الزيادة جاءت من طريق سعيد بن أبي عروبة فقط، مخالفًا خمسة من الرواة، على أنه اختُلِفَ على سعيد أيضًا، فهذا يبين شذوذ هذه الزيادة، وهذا واضح جدًّا من استعراض الطرق السابقة".
وقوله: "هذه الزيادة التي في طريق قتادة عن نصر بن عاصم ليست إلا في طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة".
* قلت: فقد رواها النسائي من طريق شعبة عن قتادة:
أخبرنا محمد بن الْمُثَنَّى قال: حدثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن شُعْبَةَ، عن قَتَادَةَ، عن نَصْرِ بن عَاصمِ، عن مَالِكِ بن الْحُوَيْرِثِ: "أَنَّهُ رَأَى النبي ﷺ رَفَعَ يَدَيْهِ في صَلاتِهِ، وإذا ركع ذا رَفَعَ رَأْسَهُ من الرُّكُوعِ، وإذا سَجَدَ وإذا رَفَعَ رَأْسَهُ من السُّجُودِ حتى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْه".
وهكذأ خطأه في قوله: "ومما يدلُّ على أن هذا الحديث لا يثبت مرفوعًا (يعني شاهده عن أنس) أن أصحاب حميد -وهم كثيرون جدًّا ذكرهم المزي- لم يتابع أحد منهم عبد الوهاب على هذا الحديث، فهذا مما يؤيد صحة ما ذهب إليه الأئمة"!
* قلت: وهذا استعجال وخطأ من المستدرك؛ فقد تابعه يزيد بن هارون، قال الضياء في "المختارة": "وأخبرنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن عبد الجبار الأصبهاني بها أن زاهر بن طاهر الشحامي أخبرهم، أبنا سعيد بن محمد بن أحمد البحيري، أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد بن عقيل، ثنا أبو بكر عبد الرحمن بن محمد بن علويه القاضي، ثنا إسماعيل بن أحمد بن أسد والي خراسان، ثنا أبي، عن يزيد بن هارون، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: "رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه إذا كبر، وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع".
قال الدارقطني في "سننه" (١/ ٢٩٢): "يرويه عبد الوهاب الثقفي عن حميد عن أنس، وغيره يرويه عن حميد موقوفًا، وهو المحفوظ".
стр. 238
* قلت: فرواية يزيد بن هارون مما يقوّي رواية عبد الوهاب، والله أعلم.
* قلت: إنما يريد الدارقطني تفرد الثقفي بذكر الرفع في السجود، وهذا ما لم يفهمه المستدرِك.
وله شواهد أيضًا من حديث ابن عباس، ووائل بن حجر، وابن الزبير ﵃.
فقد روى أبو داود في "سننه" (٧٢٣) من طريق عبد الْوَارِثِ بن سَعِيدٍ قال: ثنا محمد بن جُحَادَةَ، حدثني عبد الْجَبَّارِ بن وَائِلِ بن حُجْرٍ قال: كنت غُلامًا لا أَعقِلُ صَلاةَ أبي، قال: فَحَدَّثَنِي وَائِلُ بن عَلْقَمَةَ، عن أبي وَائِلِ بن حُجْر قال: "صَلَّيْت مع رسول اللَّهِ ﷺ فَكَانَ إذا كبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ، قال: ثمَّ الْتَحَفَ ثُمَّ أَخَذَ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ، وَأَدْخَلَ يَدَيْهِ في ثَوْبِهِ، قال: فإذا أَرَادَ أَنْ يَرْكعَ أَخْرَجَ يَدَيْهِ ثمَّ رَفَعهُمَا، وإذا أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ من الرُّكوعِ رَفَعَ يَدَيْهِ ثمَّ سَجَدَ وَوَضَعَ وَجْهَهُ بين كَفَّيْهِ، وإذا رَفَعَ رَأْسَهُ من السُّجودِ أَيْضًا رَفَعَ يَدَيْهِ حتى فَرَغ من صَلاتِه".
قال مُحَمَّد: فَذَكَرْتُ ذلك لِلْحَسَنِ بن أبي الْحَسَنِ فقال: هِيَ صَلاةُ رسول اللَّهِ ﷺ ، فَعَلَهُ من فَعَلَهُ، وَتَرَكَهُ من تَرَكَهُ".
وقال النسائي في "السنن الكبرى": (١/ ٢٤٥): أخبرنا موسى بن عبد الله ابن موسى البصري، حدثني النضر بن كثير أبو سهل الأزدي قال: "صلى إلى جنبي عبد الله بن طاوس بمنى في مسجد الخيف، وكان إذا سجد السجدة الأولى فرفع رأسه منها رفع يديه تلقاء وجهه، فأنكرت أنا ذلك. فقلت لوهيب بن خالد: إن هذا يصنع شيئًا لم أر أحدًا يصنعه! فقال له وهيب: تصنع شيئًا لم أر أحدًا يصنعه! فقال عبد الله بن طاوس: رأيت أبي يصنعه، وقال أبي: رأيت ابن عباس يصنعه، وقال ابن عباس: رأيت رسول الله ﷺ يصنعه".
وفي إسناده النضر بن كثير السعدي أبو سهل البصري العابد، ضعيف من الثامنة د س. قاله الحافظ في "التقريب".
وروى أبو داود ﵀ من طريق ابن لَهِيعَةَ عن أبي هُبَيْرَةَ عن مَيْمُونٍ الْمَكِّيِّ
стр. 239
أَنَّهُ: "رَأَى عَبْدَ اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ، وَصَلَّى بِهِمْ يُشِيرُ بِكَفَّيْهِ حين يَقُومُ، وَحِينَ يَرْكَعُ، وَحِينَ يَسْجُدُ، وَحِينَ يَنْهَضُ لِلْقِيَامِ، فَيَقُومُ فَيُشِيرُ بِيَدَيْهِ، فَانْطَلَقْتُ إلى ابن عَبَّاسٍ فقلت: إني رأيت ابن الزُّبَيْرِ صلى صَلاةً لم أَرَ أَحَدًا يُصَلِّيهَا، فَوَصَفْتُ له هذه الإِشَارَةَ، فقال: إن أَحْبَبْتَ أَنْ تَنْظُرَ إلى صَلاةِ رسول اللَّهِ ﷺ فَاقْتَدِ بصَلاةِ عبد اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ" (١).
بل رواه الطحاوي في "مشكل الآثار" (١٥/ ٤٦): عن ابن عمر، قال الطحاوي: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن عبيد الله عن نافع، عن ابن عمر ﵁ "أنه كان يرفع يديه في كل خفض ورفع، وركوع وسجود، وقيام وقعود بين السجدتين، ويزعم أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك".
ثم قال: "وقد روي هذا الحديث عن نافع بخلاف ما رواه عنه عبيد الله.
وذكر ما قد حدثنا يحيى بن عثمان، حدثنا عبد الغفار بن داود، حدثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك".
قال: فقد وافق ما رواه مالك وسفيان عن الزهري، وخالف ما رواه عبيد الله عنه.
فكان جوابنا له في ذلك: أن أيوب ما روى شيئًا عن نافع مما رواه عنه فيه غير أيوب بخلاف ما رواه عبيد الله، ومما يحقق ما رواه عبيد الله عنه في ذلك أفعاله التي كان عليها في صلاته، كما حدثنا أحمد بن داود بن موسى حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن أيوب، قال: "رأيتُ طاوسًا ونافعًا يرفعان أيديهما بين السجدتين" (٢).
стр. 240
* قلت: وقد ثبت من فعل ابن عمر ﵁، رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١/ ٢٤٣) قال: حدثنا أبو بكر قال: نا أبو أُسَامَةَ، عن عُبَيْدِ اللهِ، عن نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ: "أَنَّهُ كان يَرْفَعُ يَدَيْهِ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ من السَّجْدَةِ الأولَى".
وقال: حدثنا أبو بكر، قال: حدثنا وَكِيعٌ، عن حَمَّادِ بن سَلَمَةَ، عن يحيى بن أبي إِسْحَاقَ، عن أَنَسٍ: "أَنَّهُ كان يَرْفَعُ يَدَيْهِ بين السَّجْدَتَيْنِ".
وقال: حدثنا أبو بكر قال: نا يَزِيدُ بن هَارُونَ، عن أَشْعَثَ، عَنِ الْحَسَنِ وابن سيرِينَ: "أَنَّهُمَا كَانَا يَرْفَعَان أَيْدِيَهُمَا بين السَّجْدَتَيْنِ".
وقال: حدثنا أبو بكر قال: نا ابن عُلَيَّةَ، عن أَيُّوبَ قال: "رَأَيْته يَفْعَلُهُ".
فإن قيل: فما توجيه قول ابن عمر: "وكان لا يفعل ذلك في السجود"؟
فالجواب: أنه ﷺ لم يكن يواظب عليه، وقد نقل المستدرِكُ عن ابن رجب نحو ذلك، فقال: "فهذا يدل على أن أكثر أمر النبي ﷺ كان ترك الرفع، فيما عدا المواضع الثلاثة والقيام من الركعتين" (١).
ثم وجدتُ من كلام الإمام أحمد ما يدل على ثبوت حديث وائل ﵁، فقد قال ابنه صالح: "قال أبي: يرفع يديه عند الافتتاح، وقبل الركوع وبعد الركوع، وفي بعض ما روي عن وائل بن حجر: "أن النبي ﷺ كان يرفع يديه إذا كبر، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وإذا أراد أن يسجد رفع يديه" (٢).
وهذا مما يبين جلالة قدر الشيخ ناصر في حفظ سنة رسول الله ﷺ ، والله ولي التوفيق.
стр. 241
الحديث التاسع والثلاثون
حديث وائل بن حجر، وفيه: "ثم وضع اليمنى على اليسرى على صدره" ...
وفيه زيادة على أصله وهو في مسلم: "فرأيته يحركها يدعو بها".
قال المستدرِكُ:
"هذه الزيادة شاذة ضعيفة، تفرَّد بها زائدة بن قدامة من بين أصحاب عاصم ابن كليب، وهم أربعة عشر راويًا متهم أئمة كالسفيانين وغيرهما".
* قلت:
هو كما قال، وانظر الحديث الحادي والأربعين.
ولم أجد له ما يشهد له في السُّنة والأثر، والله أعلم.
стр. 242
الحديث الحادى والأربعون
حديث ابن عمر ﵁: "كان رسول الله ﷺ إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه، ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها".
ــ
قال المستدرك:
"هذا الحديث في مسلم، ولا إشكال في صحته، لكن له زيادة ذكرها الشيخ الألباني: فقد زاد النسائي والبيهقي بعد قوله: "الإبهام": "في القبلة ورمى بصره إليها أو نحوها" اهـ.
قال المستدرِكُ: "هذه الزيادة زيادة شاذة، ولا تثبت".
* الجواب:
قال ابن خزيمة في "صحيحه" (١/ ٣٥٥) بعد قوله: باب النظر إلى السبابة عند الإشارة بها في التشهد: "أنا أبو طاهر نا أبو بكر نا علي بن حجر نا إسماعيل -يعني بن جعفر- نا مسلم بن أبي مريم، عن علي بن عبد الرحمن المعاوي، عن عبد الله بن عمر: "أنه رأى رجلاً يحرِّكُ الحصا بيده وهو في الصلاة، فلما انصرف قال له عبد الله: لا تحرك الحصا وأنت في الصلاة، فإن ذلك من الشيطان، ولكن اصنع كلما كان رسول الله ﷺ يصنع. قال: فوضح يده اليمنى على فخذه، وأشار بأصبعه التي تلي الإبهام إلى القبلة، ورمى ببصره إليها أو نحوها، ثم قال: هكذا رأيتُ رسول الله ﷺ يصنع".
стр. 243
وأخرجه أبو داود (٨٢٤) والنسائي ولم يذكر أحدهم تعليلاً لهذه الزيادة، بل بوَّب النسائي وغيره: "موضع البصر في التشهد"، وبوَّب البيهقي: "باب السنة في أن لا يجاوز بصره إشارته".
وله شاهد من حديث ابن الزبير، رواه الإمام أحمد في "المسند" (٤/ ٣):
حدثنا عبد اللَّهِ حدثني أبي، ثنا يحيى بن سَعِيدٍ، عَنِ ابن عَجْلانَ قال: حدثني عَامِرُ بن عبد اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ، عن أبيه قال: "كان رسول اللَّهِ ﷺ إذا جَلَسَ في التَّشَهُّدِ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى على فَخِذِهِ الْيُمْنَى وَيَدَهُ الْيُسْرَى على فَخِذهِ الْيُسْرَى، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ، ولم يُجَاوِزْ بَصَرُهُ إِشَارَتَهُ".
ولم يشر المستدرك لهذا الشاهد من قريب ولا بعيد، بل لم يذكر أحدًا من أهل العلم علَّل الزيادة، بل تفرد هو بإعلالها، وهذا مناقض لقاعدته!
وعلى كل حال؛ فإسماعيل بن جعفر ثقة، وتوهيم الثقاة بمجرد التفرُّد منهج حادث، سببه القصور في دراسة الحديث ومعرفة أقوال أهل العلم فيه.
стр. 244
الحديث الرابع والأربعون
حديث جابر -وصوابه سمرة كما نبه إليه الشيخ-: "أمرنا النبي ﷺ أن نردَّ على الإمام، وأن يسلِّمَ بعضُنا عل بعضٍ".
ــ
الاستدراك:
"الحديث صحيح، وأحاديث الحسن عن سمرة صحيحة إذا صح الإسناد إلى الحسن .... ".
* قلت:
قال أبو داود في "سننه" (١٠٠١): حدثنا محمد بن عُثْمَانَ أبو الْجَمَاهِرِ ثنا سَعِيدُ بن بَشِيرٍ، عن قَتادَةَ، عن الْحَسَنِ، عن سَمُرَةَ قال: "أَمَرَنَا النبي ﷺ أنْ نَرُدَّ على الإِمَامِ وَأَنْ نتَحَابَّ وَأَنْ يُسَلِّمَ بَعْضُنَا على بَعْضٍ".
ورواه ابن ماجه (٩٢٢): عن عبدة بن عبد الله، نا أبو القاسم، نا همام، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب قال: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نسلم على أئمتنا، وأن يسلِّمَ بعضنا على بعض".
وحدثنا هشام بن عمار نا إسماعيل بن عياش نا أبو بكر الهذلي، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة مرفوعًا: "إذأ سلم الإمام فردوا عليه".
قال ابن ماجه: "قال عبد الله بن سليمان: وتفسير ذلك: إذا سلم الإمام أن يقول مَنْ خلفه قبل أن يسكت: وعليكم ورحمة الله".
стр. 245
وسعيد بن بشير، قال عثمان عن ابن معين: ضعيف.
وقال عباس الدوري عنه: ليس بشيء.
وقال الفلاس: نا عنه ابن مهدي، ثم تركه.
قال ابن القطان: وإنما تركه لفحش خطئه، ونكارة بعض حديثه.
وقال النسائي: ضعيف.
وقال ابن نمير: منكر الحديث ليس بشيء، ليس بالقوي في الحديث، يروي عن قتادة المنكرات.
وقال ابن حبان: كان رديء الحفظ، فاحش الخطأ، يروي عن قتادة ما لا يُتَابَعُ عليه، وعن عمرو بن دينار ما لا يُعْرَفُ من حديثه.
وذكره أبو زرعة في "الضعفاء" وقال: لا يُحْتَجُّ به.
قال في "التقريب": "سعيد بن بشير الأزدي مولاهم أبو عبد الرحمن أو أبو سلمة الشامي، أصله من البصرة، أو واسط: ضعيف، من الثامنة، مات سنة ثمان أو تسع وستين، ٤".
قال أبو داود (٩٧٥): حدثنا محمد بن داود بن سفيان، ثنا يحيى بن حَسَّانَ، ثنا سُلَيْمَانُ بن مُوسَى أبو داود، ثنا جَعْفَرُ بن سَعْدِ بن سمُرَةَ بن جُنْدُبٍ، حدثني خُبَيْبُ بن سُلَيْمَانَ بن سَمُرَةَ، عن أبيه سُلَيْمَان بن سَمُرَةَ، عن سَمُرَة بن جُنْدُب: "أَمَّا بَعْدُ؛ أَمَرَنَا رسول اللهِ ﷺ إذا كان في وَسَطِ الصَّلاةِ، أو حين انْقِضَائِهَا، فابدؤوا قبل التَّسليم، فَقُولُوا: التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَات، وَالصَّلَوَاتُ، وَالْمُلْكُ للَّهِ، ثُمَّ سَلِّمُوا على الْيَمِينِ، ثُمَّ سَلِّموا على قارئكم، وَعَلَى أنفسكم".
قال أبو دَاوُد: سُلَيْمَان بن مُوسَى: كُوفِيُّ الأَصْلِ كان بِدِمَشْقَ.
قال أبو دَاوُد: دَلَّتْ هذه الصحيفة على أَنَّ الْحَسَنَ سمع من سَمُرَةَ.
قال ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (٥/ ٢٣٣): "وذكر من طريق
стр. 246
أبي داود حديث سمرة: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نرد على الإمام، وأن نتحاب وأن يسلم بعضنا على بعض". وقد كتبناه بما فيه في باب الأحاديث التي لم يعبها بسوى الإرسال، ونذكر الآن هنا: أنه قد روي من طريق جيد، قال البزار: حدثنا عمرو بن علي حدثنا عبد الأعلى بن القاسم حدثنا همام عن قتادة عن الحسن عن سمرة: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نسلم على أئمتنا، وأن يسلم بعضنا على بعض في الصلاة". -إلى أن قال-: وتبين في هذا الحديث الذي ذكر البزار أن السلام المذكور هو في الصلاة.
فهي زيادة داخلة في باب الزيادات التي تفيد في الأحاديث فائدة، أو تفسير معنى من معانيها، وهو أيضًا أحسن إسنادًا، فإن همام بن يحيى لا يفاضل بينه وبين سعيد بن بشير في قتادة، وعبد الأعلى بن القاسم اللؤلؤي صدوق".
* قلت: لكن لفظه ليس كذلك عند ابن خزيمة، فإنه قال: "أنا أبو طاهر، نا أبو بكر نا إبراهيم بن المستمر البصري، نا عبد الأعلى بن القاسم أبو بشر صاحب اللؤلؤ ح وثنا محمد بن يزيد بن عبد الملك الأسفاطي البصري حدثني عبد الأعلى بن القاسم نا همام بن يحيى عن قتادة عن الحسن عن سمرة قال: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نسلم على أيماننا، وأن يرد بعضنا على بعض".
قال محمد بن يزيد: وأن يسلم بعضنا على بعض. زاد إبراهيم: قال همام: يعني في الصلاة" (١).
وزاد الطبراني في "الكبير" (٧/ ٢١٨) لفظًا ثالثًا: من طريق عُثْمَانُ بن مِقْسَمِ عن قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عن سَمُرَةَ قال: "أَمَرَنَا رسول اللَّهِ ﷺ أَنْ نُسَلِّمَ على نِسَائِنَاَ -لعلها تصحفت- وأَنْ يَرُدَّ بَعْضُنَا على بَعْضٍ" (٢).
стр. 247
قال الخطيب في "تاريخ بغداد" (٥/ ٣٠٥): "ذكر لنا أبو بكر البرقاني أن يعقوب بن موسى الأردبيلي حدثهم قال: حدثنا أحمد بن طاهر بن النجم، حدثنا سعيد بن عمرو البرذعي قال: قلت لأبي زرعة محمد بن سعيد الأثرم، قال: ليس كأنه يقول ليس بشيء. قلت: أي شيء أنكر عليه؟ قال: عن همام وأبي هلال عن قتادة عن أنس عن النبي ﷺ : "ليس المسلم من يشبع وجاره طاوي"، أخبرنا الحسن بن أبي بكر قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الشافعي، حدثنا محمد بن غالب، حدثنا محمد بن سعيد القرشي، حدثنا همام بن يحيى، حدثنا قتادة، عن الحسن، عن سمرة قال: "أمرنا نبينا ﷺ أن يسلم بعضنا على بعض".
وتلخَّص من هذا أن الحديث له طرق:
١ - من طريق عبد الأعلى بن القاسم نا همام بن يحيى عن قتادة عن الحسن عن سمرة.
٢ - ومن طريق سَعِيد بن بَشِيرٍ عن قَتَادَةَ عن الْحَسَنِ عن سمرة.
٣ - ومن طريق عُثْمَان بن مِقْسَمٍ عن قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عن سَمُرَةَ.
٤ - ومن طريق جَعْفَر بن سَعْدِ بن سَمُرَةَ بن جُنْدُبٍ حدثني خُبَيْبُ بن سُلَيْمَانَ بن سَمُرَةَ عن أبيه سُلَيْمَانَ بن سمرة، عن سمرة بن جُنْدُبٍ.
٥ - ومن طريق أبي بكر الهذلي عن قتادة عن الحسن عن سمرة.
٦ - التي أشار إليه الخطيب من طريق محمد بن سعيد القرشي حدثنا همام بن يحيى حدثنا قتادة عن الحسن عن سمرة.
والذي لا ريب فيه أن الحديث منكر لوجوه:
الأول: ما رواه البخاري ومسلم عن عبد اللَّهِ بن مَسْعُودٍ ﵁ قال: "كنا نَقُولُ التَّحِيَّةُ في الصَّلاةِ، وَنُسَمِّي وَيسَلِّمُ بَعْضُنَا على بَعْضٍ، فَسَمِعَهُ رسول اللَّهِ ﷺ فقال: قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيباتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النبي وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إلا الله
стр. 248
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه. فَإِنَّكُمْ إذا فَعَلْتُمْ ذلك فَقَدْ سَلَّمْتُمْ على كل عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ في السَّمَاءِ وَالأَرْضِ" (١).
وفيه فائدتان:
الأولى: النهي عن تسليم بعضهم على بعض، وأن ذلك داخل ضمن قوله (عباد الله الصالحين)،
الثانية: ليس فيه ذكر التسليم على الإمام.
الثاني: أنه لا يوجد ما يشهد له من السنة العملية وعمل الصحابة.
الثالث: أنه ليس عليه العمل عند عامة أهل العلم.
الرابع: أن أسانيده مضطربة، مما يدل على بطلان دعوى سماع الحسن من سمرة مطلقًا، ونظائره كثيرة.
الخامس: قول أبي داود: دَلَّتْ هذه الصَّحِيفّة على أَنَّ الْحَسَنَ سمع من سَمُرَةَ. غريب، فالحديث مسلسل بالضعفاء والمجاهيل.
وأما قول المستدرِك: فقد جود إسناده ... إلخ.
فأقول: سبحان الله! ما وجدتَ أن تُقلِّدَ المتأخرين -بزعمك- إلا في هذا الحديث، وخالفتهم في الأحاديث المعروفة التى عمل بها عامة أهل العلم من المتقدِّمين والمتأخرين، ثم لما حكمتَ على حديث واحد بالصحة، أخطأت فيه! وتنتقد من درس وحكم على أكثر من أربعين ألف حديثٍ!
ثم رأيتُ الإمام أحمد لا يصحح سماع الحسن من سمرة، "قال الأثرم: قال أبو عبد الله: لا يصح سماع الحسن من سمرة" (٢).
стр. 249
الحديث السابع والأربعون
حديث أبي بن كعب: "أن النبي ﷺ كان يقنت قبل الركوع".
ــ
قال المستدرك:
"هذه الزيادة شاذة أعلها الإمام أحمد ... إلخ".
* قلت:
قال الطحاوي في "مشكل الآثار" (١١/ ٣٦٨): "حدثنا محمد بن الحسن ابن علي البخاري الأحول وغيره قالوا: حدثنا محمد بن إدريس الحنظلي الرازي أبو حاتم، حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي عن مسعر عن زبيد عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب ﵁: "أن رسول الله ﷺ كان يوتر بثلاث ركعات، لا يسلم فيهن حتى ينصرف، أول ركعة ب (سَبِّحِ اَسم ربك اَلأَعلَى) والثانية: ب (قُل ياأيُّهَا الكفِرُونَ)، والثالثة: ب (قُل هُوَ اَللَّهُ أَحَد)، وأنه قنت قبل الركوع، فلما أنصرف من صلاته قال: سبحان الملك القدوس، مرتين يرفع صوته ويجهر بالثالثة".
قال أبو جعفر: ثم عدنا إلى حديث أُبَيّ، وهل نجده من غير حديث مسعر كما رواه حفص عن مسعر؟
فوجدنا علي بن سعيد بن بشير الرازي قد حدثنا قال: حدثنا محمد بن موسى الحراني الأصم وإسحاق بن زريق برأس العين، قال: أخبرنا مخلد بن
стр. 250
يزيد الحراني حدثنا سفيان الثوري عن زبيد اليامي عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أُبَيّ بن كعب: "أن رسول الله ﷺ كان يوتر بثلاث ركعات، يقرأ في الركعة الأولى: ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، وفي الثانية: ب ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة: ب (قُل هُوَ اَللَّهُ أَحَد)، ويقنت قبل الركوع، فإذا سلم وفرغ، قال عند فراغه: سبحان الملك القدوس. ثلاث مرات، يطيل في آخرهن" (١).
ووجدنا علي بن سعيد قد حدثنا قال: حدثنا سليمان بن عمر بن خالد الرقي المعروف بابن الأقطع، حدثنا عيسى بن يونس، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أُبَيّ بن كعب قال: "كان رسول الله ﷺ يوتر: ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَاالْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وكان يقنت قبل الركوع"، وكانت هذه الآثار كلها على القنوت قبل الركوع عن رسول الله ﷺ "اهـ.
والذي يدل على صحة ما ذهب إليه الطحاوي: ما رواه مسلم عن أنس ﷺ :
قال ﵀: حدثنا أبو بَكْرِ بن أبي شَيْبَةَ وأبو كُرَيْبِ قالا: حدثنا أبو مُعَاوِيَةَ عن عَاصِمِ عن أَنَسٍ قال: "سَأَلْتُهُ عن الْقُنُوتِ قبل اَلرُّكُوعِ، أو بَعْدَ الرُّكُوعِ؟ فقال: قبلَ الرُّكُوعِ. قال: قلتُ: فإن نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ، فقال: إنما قَنَتَ رسول اللَّهِ ﷺ شَهْرًا يَدْعُو على أُنَاس قَتَلُوا أُنَاسًا من أَصْحَابِهِ، يُقَالُ لهم الْقُرَّاء" (٢).
وأخرجه البخاري: حدثنا مُسَدَّدٌ قال: حدثنا عبد الْوَاحِدِ قال: حدثنا عَاصِمٌ قال: سَأَلْتُ أَنَسَ بن مَالِكٍ، به.