← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 96928

رد الجميل في الذب عن إرواء الغليل

عبد الله العبيلان

Полный текст (376 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أبي داود حديث سمرة: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نرد على الإمام، وأن نتحاب وأن يسلم بعضنا على بعض". وقد كتبناه بما فيه في باب الأحاديث التي لم يعبها بسوى الإرسال، ونذكر الآن هنا: أنه قد روي من طريق جيد، قال البزار: حدثنا عمرو بن علي حدثنا عبد الأعلى بن القاسم حدثنا همام عن قتادة عن الحسن عن سمرة: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نسلم على أئمتنا، وأن يسلم بعضنا على بعض في الصلاة". -إلى أن قال-: وتبين في هذا الحديث الذي ذكر البزار أن السلام المذكور هو في الصلاة. فهي زيادة داخلة في باب الزيادات التي تفيد في الأحاديث فائدة، أو تفسير معنى من معانيها، وهو أيضًا أحسن إسنادًا، فإن همام بن يحيى لا يفاضل بينه وبين سعيد بن بشير في قتادة، وعبد الأعلى بن القاسم اللؤلؤي صدوق". * قلت: لكن لفظه ليس كذلك عند ابن خزيمة، فإنه قال: "أنا أبو طاهر، نا أبو بكر نا إبراهيم بن المستمر البصري، نا عبد الأعلى بن القاسم أبو بشر صاحب اللؤلؤ ح وثنا محمد بن يزيد بن عبد الملك الأسفاطي البصري حدثني عبد الأعلى بن القاسم نا همام بن يحيى عن قتادة عن الحسن عن سمرة قال: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نسلم على أيماننا، وأن يرد بعضنا على بعض". قال محمد بن يزيد: وأن يسلم بعضنا على بعض. زاد إبراهيم: قال همام: يعني في الصلاة" (١). وزاد الطبراني في "الكبير" (٧/ ٢١٨) لفظًا ثالثًا: من طريق عُثْمَانُ بن مِقْسَمِ عن قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عن سَمُرَةَ قال: "أَمَرَنَا رسول اللَّهِ ﷺ أَنْ نُسَلِّمَ على نِسَائِنَاَ -لعلها تصحفت- وأَنْ يَرُدَّ بَعْضُنَا على بَعْضٍ" (٢).

стр. 247

قال الخطيب في "تاريخ بغداد" (٥/ ٣٠٥): "ذكر لنا أبو بكر البرقاني أن يعقوب بن موسى الأردبيلي حدثهم قال: حدثنا أحمد بن طاهر بن النجم، حدثنا سعيد بن عمرو البرذعي قال: قلت لأبي زرعة محمد بن سعيد الأثرم، قال: ليس كأنه يقول ليس بشيء. قلت: أي شيء أنكر عليه؟ قال: عن همام وأبي هلال عن قتادة عن أنس عن النبي ﷺ : "ليس المسلم من يشبع وجاره طاوي"، أخبرنا الحسن بن أبي بكر قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الشافعي، حدثنا محمد بن غالب، حدثنا محمد بن سعيد القرشي، حدثنا همام بن يحيى، حدثنا قتادة، عن الحسن، عن سمرة قال: "أمرنا نبينا ﷺ أن يسلم بعضنا على بعض". وتلخَّص من هذا أن الحديث له طرق: ١ - من طريق عبد الأعلى بن القاسم نا همام بن يحيى عن قتادة عن الحسن عن سمرة. ٢ - ومن طريق سَعِيد بن بَشِيرٍ عن قَتَادَةَ عن الْحَسَنِ عن سمرة. ٣ - ومن طريق عُثْمَان بن مِقْسَمٍ عن قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عن سَمُرَةَ. ٤ - ومن طريق جَعْفَر بن سَعْدِ بن سَمُرَةَ بن جُنْدُبٍ حدثني خُبَيْبُ بن سُلَيْمَانَ بن سَمُرَةَ عن أبيه سُلَيْمَانَ بن سمرة، عن سمرة بن جُنْدُبٍ. ٥ - ومن طريق أبي بكر الهذلي عن قتادة عن الحسن عن سمرة. ٦ - التي أشار إليه الخطيب من طريق محمد بن سعيد القرشي حدثنا همام بن يحيى حدثنا قتادة عن الحسن عن سمرة. والذي لا ريب فيه أن الحديث منكر لوجوه: الأول: ما رواه البخاري ومسلم عن عبد اللَّهِ بن مَسْعُودٍ ﵁ قال: "كنا نَقُولُ التَّحِيَّةُ في الصَّلاةِ، وَنُسَمِّي وَيسَلِّمُ بَعْضُنَا على بَعْضٍ، فَسَمِعَهُ رسول اللَّهِ ﷺ فقال: قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيباتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النبي وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إلا الله

стр. 248

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه. فَإِنَّكُمْ إذا فَعَلْتُمْ ذلك فَقَدْ سَلَّمْتُمْ على كل عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ في السَّمَاءِ وَالأَرْضِ" (١). وفيه فائدتان: الأولى: النهي عن تسليم بعضهم على بعض، وأن ذلك داخل ضمن قوله (عباد الله الصالحين)، الثانية: ليس فيه ذكر التسليم على الإمام. الثاني: أنه لا يوجد ما يشهد له من السنة العملية وعمل الصحابة. الثالث: أنه ليس عليه العمل عند عامة أهل العلم. الرابع: أن أسانيده مضطربة، مما يدل على بطلان دعوى سماع الحسن من سمرة مطلقًا، ونظائره كثيرة. الخامس: قول أبي داود: دَلَّتْ هذه الصَّحِيفّة على أَنَّ الْحَسَنَ سمع من سَمُرَةَ. غريب، فالحديث مسلسل بالضعفاء والمجاهيل. وأما قول المستدرِك: فقد جود إسناده ... إلخ. فأقول: سبحان الله! ما وجدتَ أن تُقلِّدَ المتأخرين -بزعمك- إلا في هذا الحديث، وخالفتهم في الأحاديث المعروفة التى عمل بها عامة أهل العلم من المتقدِّمين والمتأخرين، ثم لما حكمتَ على حديث واحد بالصحة، أخطأت فيه! وتنتقد من درس وحكم على أكثر من أربعين ألف حديثٍ! ثم رأيتُ الإمام أحمد لا يصحح سماع الحسن من سمرة، "قال الأثرم: قال أبو عبد الله: لا يصح سماع الحسن من سمرة" (٢).

стр. 249

الحديث السابع والأربعون حديث أبي بن كعب: "أن النبي ﷺ كان يقنت قبل الركوع". ــ قال المستدرك: "هذه الزيادة شاذة أعلها الإمام أحمد ... إلخ". * قلت: قال الطحاوي في "مشكل الآثار" (١١/ ٣٦٨): "حدثنا محمد بن الحسن ابن علي البخاري الأحول وغيره قالوا: حدثنا محمد بن إدريس الحنظلي الرازي أبو حاتم، حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي عن مسعر عن زبيد عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب ﵁: "أن رسول الله ﷺ كان يوتر بثلاث ركعات، لا يسلم فيهن حتى ينصرف، أول ركعة ب (سَبِّحِ اَسم ربك اَلأَعلَى) والثانية: ب (قُل ياأيُّهَا الكفِرُونَ)، والثالثة: ب (قُل هُوَ اَللَّهُ أَحَد)، وأنه قنت قبل الركوع، فلما أنصرف من صلاته قال: سبحان الملك القدوس، مرتين يرفع صوته ويجهر بالثالثة". قال أبو جعفر: ثم عدنا إلى حديث أُبَيّ، وهل نجده من غير حديث مسعر كما رواه حفص عن مسعر؟ فوجدنا علي بن سعيد بن بشير الرازي قد حدثنا قال: حدثنا محمد بن موسى الحراني الأصم وإسحاق بن زريق برأس العين، قال: أخبرنا مخلد بن

стр. 250

يزيد الحراني حدثنا سفيان الثوري عن زبيد اليامي عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أُبَيّ بن كعب: "أن رسول الله ﷺ كان يوتر بثلاث ركعات، يقرأ في الركعة الأولى: ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، وفي الثانية: ب ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة: ب (قُل هُوَ اَللَّهُ أَحَد)، ويقنت قبل الركوع، فإذا سلم وفرغ، قال عند فراغه: سبحان الملك القدوس. ثلاث مرات، يطيل في آخرهن" (١). ووجدنا علي بن سعيد قد حدثنا قال: حدثنا سليمان بن عمر بن خالد الرقي المعروف بابن الأقطع، حدثنا عيسى بن يونس، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أُبَيّ بن كعب قال: "كان رسول الله ﷺ يوتر: ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَاالْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وكان يقنت قبل الركوع"، وكانت هذه الآثار كلها على القنوت قبل الركوع عن رسول الله ﷺ "اهـ. والذي يدل على صحة ما ذهب إليه الطحاوي: ما رواه مسلم عن أنس ﷺ : قال ﵀: حدثنا أبو بَكْرِ بن أبي شَيْبَةَ وأبو كُرَيْبِ قالا: حدثنا أبو مُعَاوِيَةَ عن عَاصِمِ عن أَنَسٍ قال: "سَأَلْتُهُ عن الْقُنُوتِ قبل اَلرُّكُوعِ، أو بَعْدَ الرُّكُوعِ؟ فقال: قبلَ الرُّكُوعِ. قال: قلتُ: فإن نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ، فقال: إنما قَنَتَ رسول اللَّهِ ﷺ شَهْرًا يَدْعُو على أُنَاس قَتَلُوا أُنَاسًا من أَصْحَابِهِ، يُقَالُ لهم الْقُرَّاء" (٢). وأخرجه البخاري: حدثنا مُسَدَّدٌ قال: حدثنا عبد الْوَاحِدِ قال: حدثنا عَاصِمٌ قال: سَأَلْتُ أَنَسَ بن مَالِكٍ، به.

стр. 251

ورواه من طريق عبد العزيز بن صهيب عن أنس، قال عبد الْعَزِيزِ: "وَسَأَلَ رَجُل أَنَسًا عن الْقُنُوتِ: أَبَعْدَ الرُّكُوع أو عِنْدَ فَرَاغ من الْقِرَاءَةِ؟ قال: لا؛ بَلْ عِنْدَ فَرَاغٍ من الْقِرَاءَةِ" (١). ويؤيد ذلك ما رواه ابن أبي شيبة: حدثنا يَزِيدُ بن هَارُونَ عن هِشَامٍ الدَّسْتوَائِيِّ، عن حَمَّادٍ، عن إبْرَاهِيمَ، عن عَلْقَمَةَ: "أن ابن مَسْعُودٍ وَأَصْحَابَ النبي ﷺ كَانُوا يَقْنُتُونَ في الْوتْرِ قبل الرُّكُوعِ" (٢). وقال الحافظ في "الدراية": "إسناده حسن". * قلت: هو على شرط مسلم. قال الطحاوي: حدثنا أبو أمية، حدثنا معلى بن منصور الرازي، أخبرنا عطاء بن مسلم، حدثنا العلاء بن المسيب، عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عباس قال: "بت عند خالتي ميمونة، فرأيت رسول الله ﷺ صلى ثمان ركعات، ثم أوتر فقرأ في الركعة الأولى: بفاتحة الكتاب، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، وقرأ في الثانية: بفاتحة الكتاب و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة: بفاتحة الكتاب، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثم قنت، ودعا، ثم ركع". فقال قائل: فهل يثبت سماع حبيب بن أبي ثابت من ابن عباس؟ فكان جوابنا له في ذلك: أن سماعه منه ومن عبد الله بن عمر ثابت، وقد روي فيما سمعه منه ما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق حدثنا أبو داود، أخبرنا شعبة عن حبيب بن أبي ثابت: أنه سمع ابن عباس، وسأله رجل فقال: إني رجل من أهل السواد أتقبل بالقرية، لا أريد أن أظلم إنما أريد أن أدرأ عن نفسي الظلم، ثم قرأ هذه الآية: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) إلى قوله (وَهُمْ صَاغِرُونَ) [التوبة: ٢٩]. ثم قال: ينزع الصغار

стр. 252

من أعناقهم ويضعه في عنقك" (١). وصحح إسحاق بن راهويه القنوت قبل الركوع؛ ففي مسائله مع الإمام أحمد، للكوسج: "وكان إسحاقُ يرى قضاءَ الوترِ بعدَ الصبح، ما لم يصلِّ الفجرَ ويرفع يديه في القنوتِ الشهر كله، ويقنت قبلَ الركوعِ" (٢). والذي يظهر أن الإمام أحمد رجع إلى هذا، قال ابن عبد الهادي: "قيل لأحمد بن حنبل: سائر الأحاديث في القنوت قبل الركوع، وإنما صح بعده. فقال: القنوت في الفجر بعد الركوع، وفي الوتر يختار بعد الركوع، ومن قنت قبل الركوع فلا بأس لفعل الصحابة، واختلافهم، فأما في الفجر فبعد الركوع" (٣). فائدة: قال الإمام أبو دَاوُد: الصحِيحُ قَوْلُ ابن عُمَرَ، وليس بِمَرْفُوعٍ. قال أبو دَاوُد: روى بَقِيَّةُ أَوَّلَهُ عن عُبَيْدِ اللَّهِ، وَأَسْنَدَهُ، وَرَوَاهُ الثَّقَفِيُّ عن عُبَيْدِ الله أوقفه على ابن عُمَرَ، وقال فيه: "وإذا قام من الرَّكعَتَيْنِ يَرْفَعُهُما إلى ثَدْيَيْه" (٤)، وَهَذَا هو الصَّحِيحُ. قال أبو دَاوُد: وَرَوَاهُ اللَّيْثُ بن سَعْدٍ وَمَالِكٌ وَأَيُّوبُ وابن جُرَيْجِ مَوْقُوفًا، وَأَسْنَدَهُ حماد بن سَلَمَةَ وَحْدَهُ عن أَيُّوبَ، ولم يذكر أَيُّوبُ وَمَالِكٌ الرَّفْعَ إذا قام من السَّجْدَتَيْنِ، وَذَكَرَهُ اللَّيْثُ في حَدِيثِهِ. قال ابن جُرَيجٍ فيه: قلت لِنَافِعٍ: أَكَانَ ابن عُمَرَ يَجْعَلُ الأُولَى أَرْفَعَهُنَّ. قال: لا سَوَاءً. قلت: أَشِرْ لي. فَأَشَارَ إلى الثَّدْيَيْنِ، أو أَسْفَلَ من ذلك.

стр. 253

حدثنا الْقَعنَبِيُّ عن مَالِكٍ عن نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بن عُمَرَ: "كان إذا ابْتَدَأَ الصَّلاةَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وإذا رَفَعَ رَأْسَهُ من الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا دُونَ ذلك" (١). قال أبو دَاوُد: لم يذكر رَفَعَهُمَا دُونَ ذلك أَخدٌ غَيْرُ مَالِكٍ فِيمَا أَعْلَمُ". * قلت: فأبو داود يرى أن ما رواه الشيخان مرفوعًا إلى النبي ﷺ من حديث ابن عمر شاذ. وقال البخاري في "جزء رفع اليدين": ما زاده ابن عمر، وعلي وأبو حميد في عشرة من الصحابة من الرفع عند القيام من الركعتين صحيح، لأنهم لم يحكوا صلاة واحدة فاختلفوا فيها، وإنما زاد بعضهم على بعض، والزيادة مقبولة من أهل العلم (٢)، فتنبه.

стр. 254

الحديث التاسع والأربعون حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا، ولا تعدُّوها شيئًا، ومن أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة". ــ قال المستدرك: "الحديث ضعفه العقيلي، والبيهقي، وأشار إلى ضعفه البخاري". * قلت: قال الإمام أبو داود في "السنن" (٨٩٣): "حدثنا محمد بن يحيى بن فَارِسٍ أَنَّ سَعِيدَ بن الْحَكَمِ حَدَّثَهُمْ أخبرنا نَافِعُ بن يَزِيدَ، حدثني يحيى بن أبي سُلَيْمَانَ، عن زَيْدِ بن أبي الْعَتَّابِ وابن الْمَقْبُرِيِّ، عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : "إذا جِئْتُمْ إلى الصَّلَاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوا، ولا تَعُدُّوهَا شيئًا، وَمَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ". يحيى بن أبي سليمان المديني وهو ضعيف. قال البخاري: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: مضطرب. قال الحافظ ابن حجر: "يحيى بن أبي سليمان المدني أبو صالح: لين الحديث من السادسة، بخ دت س" (١).

стр. 255

قال في "الخلاصة": "يحيى بن أبي سليمان المدني عن سعيد المقبري وعنه شعبة، قال البخاري: منكر الحديث، ووثقه ابن حبان والحاكم" (١). ومن هذا يتبين لك دقة قول الحافظ: لين الحديث، وذلك لرواية شعبة عنه وفي ضمنها تعديله، في مقابل قول البخاري: منكر الحديث. فمثل هذا يتقوى حديثه لأن الخشية إنما هي من غلطه. وشاهده في مسلم مرفوعًا: من حديث أبي هريرة، وأصله في البخاري: "من أَدْرَكَ رَكْعَةً من الصَّلَاةِ مع الْإِمَامِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ" (٢). قال شيخ الإسلام ﵀: "الثالث: أن النبي ﷺ علَّق الإدراك مع الإمام بركعة، وهو نص في المسألة، ففي "الصحيحين" من حديث أبى هريرة عن النبي ﷺ : "من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام، فقد أدرك الصلاة". وهذا نص رافع للنزاع. الرابع: أن الجمعة لا تدرك إلا بركعة، كما أفتى به أصحاب رسول الله ﷺ منهم ابن عمر، وابن مسعود، وأنس، وغيرهم، ولا يُعْلَمُ لهم في الصحابة مُخَالِفٌ، وقد حكى غير واحد أن ذلك إجماع الصحابة، والتفريق بين الجمعة والجماعة غير صحيح، ولهذا أبو حنيفة طرد أصله، وسوَّى بينهما، ولكن الأحاديث الثابتة وآثار الصحابة تبطل ما ذهب إليه. الخامس: أن ما دون الركعة لا يعتد به من الصلاة فإنه يستقبلها جميعها منفردًا، فلا يكون قد أدرك مع الإمام شيئًا يحتسب له به، فلا يكون قد اجتمع هو والإمام في جزء من أجزاء الصلاة يعتد له به، فتكون صلاته جميعًا صلاة منفرد.

стр. 256

يوضِّحُ هذا: أنه لا يكون مدركًا للركعة، إلا إذا أدرك الإمام في الركوع، وإذا أدركه بعد الركوع لم يعتد له بما فعله معه، مع أنه قد أدرك معه القيام من الركوع والسجود وجلسة الفصل، ولكن لما فاته معظم الركعة -وهو القيام والركوع- فاتته الركعة، فكيف يقال مع هذا أنه قد أدرك الصلاة مع الجماعة؟! وهو لم يدرك معهم ما يحتسب له به، فإدراك الصلاة بإدراك الركعة، نظير إدراك الركعة بإدراك الركوع، لأنه في الموضعين قد أدرك ما يعتد له به، وإذا لم يدرك من الصلاة ركعة كان كمن لم يدرك الركوع مع الإمام في فوت الركعة، لأنه في الموضعين لم يدرك ما يحتسب له به، وهذا من أصح القياس" (١). ويدل على صحة ما ذهب إليه الشيخ ﵀ قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَءاتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] فلولا أن الركوع هو العمدة في إدراك الصلاة ما خصه بالذكر. وأما تضعيف البخاري له؛ فلأنه يخالف مذهبه في أن الركعة لا تدرك إلا بقراءة الفاتحة، وهو خلاف ما عليه عامة الصحابة، وهو من الأدلة على تأثره عليه ﵀ بمذهب أبي داود الظاهري في بعض المسائل. ويشهد له أيضًا ما رواه الترمذي عن علي ومعاذ مرفوعًا: "إذا أتى أحدكم الصلاة والإمام على حاله، فليصنع كلما يصنع الإمام" (٢). وقال: حديث غريب، لا نعلم أحدًا أسنده إلا ما روي من هذا الوجه، والعمل على هذا عند أهل العلم. انتهى. وفي إسناده الحجاج بن أرطاة. قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": "وينجبر ضعفه بما رواه سعيد بن منصور عن أناس من أهل المدينة: أن النبي ﷺ قال: "من وجدني قائمًا، أو

стр. 257

راكعًا، أو ساجدًا، فليكن معي على الحالة التي أنا عليها" (١). وعلى كل حال: فإن ظاهر القرآن وحديث الشيخين كاف في تقوية الحديث؛ بل وإجماع الصحابة، فتحسين الشيخ ﵀ جار على وفق قواعد الأئمة الكبار، والله الموفق.

стр. 258

الحديث الحادى والخمسون حديث: "من كان له إمام فقراءته له قراءة". ــ الاستدراك: "هذا الحديث ضعيف لا يثبت مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، وقد اجتمع فيه علل في أسانيده وطرقه، ما لا تجده في حديث آخر، وممَّن ضعفه من الأئمة: البخاري، والدارقطني، وابن عبد البر، والحاكم، وابن الجوزي". * قلت: الحديث له طرق كثيرة من وقف عليها متجرِّدًا تبين له ثبوته مرفوعًا إلى النبي ﷺ . الحديث الأول: قال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر قال: حدثنا حسن بن صالح، عن جابر، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ . أنه قال: "من كان له إمام فقراءته له قراءة" (١). وفي إسناده: جابر الجعفي وهو ضعيف. طريق ثان: قال الإمام الدارقطني: حدثنا محمد بن مخلد، حدثنا العباس

стр. 259

ابن محمد الدوري، قال: حدثنا إسحاق بن منصور، عن الحسن بن صالح، عن ليث بن أبي سليم وجابر، عن أبي الزبير، عن جابر أن النبي ﷺ قال: "من كان له إمام فقراءته له قراءة" (١). فيه جمع جابر ليث بن أبي سليم. طريق ثالث: قال الدارقطني: حدثنا علي بن عبد الله بن مبشر، حدثنا محمد بن حرب الواسطي، قال: حدثنا إسحاق الأزرق، عن أبي حنيفة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة". فيه أبو حنيفة ويضعف. وقال الدارقطني: وروى هذا الحديث سفيان الثوري وشعبة وإسرائيل وأبو خالد الدالاني وأبو الأحوص وسفيان بن عيينة وجرير بن عبد الحميد وغيرهم عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد مرسلًا عن النبي ﷺ ، وهو الصواب (٢). طريق رابع: قال الدارقطني: وحدثنا جعفر بن محمد بن نصير قال: حدثنا محمود بن محمد المروزي، حدثنا سهل بن العباس الترمذي، حدثنا إسماعيل ابن عُلية، عن أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى خلف الإمام فقراءة الإمام له قراءة" (٣). فيه سهل بن العباس، قال الدارقطني: ليس بثقة. أبو بكر النيسابوري: حدثنا بحر بن نصر قال: حدثنا يحيى بن سلام، حدثنا مالك بن أنس، حدثنا وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج، إلا أن يكون وراء الإمام".

стр. 260

فيه يحي بن سلام وهو ضعيف، وقال الدارقطني: الصواب موقوف (١). الحديث الثاني: قال الدارقطني: وحدثنا سحمد بن خلد، حدثنا محمد بن هشام البختري، حدثنا سليمان بن المفضل، حدثنا محمد بن الفضل بن عطية، عن أبيه، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" (٢). فيه محمد بن الفضل: متروك الحديث. الحديث الثالث: قال الدارقطني: قرئ على أبي محمد بن صاعد -وأنا أسمع- حدثكم علي بن حرب وأحمد بن يوسف التغلبي قالا: حدثنا غسان بن الربيع، عن قيس بن الربيع، عن محمد بن سالم، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي قال: قال رجل للنبي ﷺ : "أقرأ خلف الإمام، أو أنصت؟ قال: بل أنصت فإنه يكفيك" (٣). فقال الدارقطني: تفرد به غسان بن الربيع، وهو ضعيف، وقيس ومحمد بن سالم: ضعيفان، والمرسل عن الشعبي عن النبي ﷺ ، وهذا أصح. الحديث الرابع: قال الدارقطني: وحدثنا محمد بن مخلد حدثنا علي بن زكريا التمار قال: حدثنا عاصم بن عبد العزيز، عن أبي سهيل، عن عون، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "تكفيك قراءة الإمام خافت أو جاهر". عاصم بن عبد العزيز؛ قال الدارقطني: ليس بالقوي ورفعه وهم. الحديث الخامس: قال الدارقطني: وحدثنا أحمد بن نصر حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا

стр. 261

سلمة بن الفضل، حدثنا حجاج بن أرطأة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن عمران بن حصين قال: "كان النبي ﷺ يصلي بالناس، ورجل يقرأ خلفه، فلما فرغ قال: من ذا الذي يخالجني سورتي؟ فنهاهم عن القراءة خلف الإمام" (١). حجاج بن أرطاة، قال الدارقطني: لم يروه هكذا إلا حجاج، ولا يحتج به. وقال الدارقطني: خالف حجاج بن أرطأة أصحاب قتادة، منهم شعبة، وسعيد وغيرهما، فلما يذكروا أنه نهاهم عن القراءة. الحديت السادس: قال الدارقطني: وحدثنا محمد بن مخلد حدثنا شعيب بن أيوب حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا معاوية بن صالح، حدثني أبو الزاهرية، عن كثير بن مرة، عن أبي الدرداء قال: "سئل رسول الله ﷺ : أفي كل صلاة قراءة؟ قال: نعم، فقال رجل من الأنصار: وجبت هذه، فقال رسول الله لي -وكنت أقرب القوم إليه-: ما أرى الإمام إذا أم القوم إلا قد كفاهم" (٢). معاوية بن صالح؛ قال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به. وقال الدارقطني: والصواب: فقال أبو الدرداء: ما أرى الإمام إلا قد كفاهم. كذلك رواه ابن وهب عن معاوية. الحديث السابع: قال الدارقطني: وحدثنا ابن مخلد حدثنا الفضل بن العباس الرازي، حدثنا محمد بن عباد، حدثنا أبو يحيى التيمي، عن سهيل بن أبي صالح، عن

стр. 262

أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان له إمام فقراءته له قراءة" (١). أبو يحيى التيمي واسمه إسماعيل بن بن إبراهيم تفرد نهذا الحديث محمد بن عباد عنه، وهما ضعيفان. قال البوصيري في "المصباح": "لكن رواه أحمد بن منيع وعبد بن حميد بسند صحيح، بينته في زوائد المسانيد العشرة" (٢). قال شيخ الإسلام: "وهذا الحديث روي مرسلاً ومسندًا، لكن أكثر الأئمة الثقات رووه مرسلاً عن عبد الله بن شداد عن النبي ﷺ ، وأسنده بعضهم، ورواه ابن ماجه مسندًا. وهذا المرسل قد عضده ظاهر القرآن والسنة، وقال به جماهير أهل العلم من الصحابة والتابعين ومرسله من أكابر التابعين، ومثل هذا المرسل يحتج به باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم، وقد نص الشافعي على جواز الاحتجاج بمثل هذا المرسل". وروى الزهري عن ابن أكيمة الليثي عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها، فقال: هل قرأ معي أحد منكم آنفًا؟ فقال الرجل: نعم يا رسول الله، قال: إني أقول ما لي أنازع القرآن، قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه النبي ﷺ بالقراءة في الصلوات حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ "، رواه أحمد (٢/ ٢٤٠)، وأبو داود (٨٢٦)، وابن ماجه (١/ ٢٧٦)، والنسائي (٩٩١)، والترمذي (٣١٢)، وقال: حديث حسن. فإن قيل: قال البيهقي: ابن أكيمة رجل مجهول لم يحدث إلا بهذا الحديث وحده، ولم يحدث عنه غير الزهري.

стр. 263

قيل: ليس كذلك، بل قد قال أبو حاتم الرازي فيه: صحيح الحديث، حديثه مقبول. وحكي عن أبي حاتم البستي أنه قال: روى عنه الزهري وسعيد بن أبي هلال وابن أبيه عمر وسالم بن عمار بن أكيمة بن عمر. قال أبو داود: سمعت محمد بن يحيى بن فارس يقول قوله: "فانتهى الناس"، من كلام الزهري. وروي عن البخاري نحو ذلك، فقال في الكنى من "التاريخ": وقال أبو صالح: حدثني الليث حدثني يوسف عن ابن شهاب سمعت ابن أكيمة الليثي يحدث: أن سعيد بن المسيب سمع أبا هريرة يقول: "صلى لنا النبي ﷺ صلاة جهر فيها بالقراءة، ثم قال: هل قرأ منكم أحد معي؟ قلنا: نعم، قال: إني أقول: ما لي أنازع القرآن؟ قال: فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر الإمام". قال الليث: حدثني ابن شهاب، ولم يقل: فانتهى الناس، وقال بعضهم: هو قول الزهري، وقال بعضهم: هو قول ابن أكيمة. والصحيح: أنه قول الزهري، وهذا إذا كان من كلام الزهري فهو من أدل الدلائل على أن الصحابة لم يكونوا يقرؤون في الجهر مع النبي ﷺ ، فإن الزهري من أعلم أهل زمانه، أو أعلم أهل زمانه بالسنة، وقراءة الصحابة خلف النبي ﷺ إذا كانت مشروعة واجبة، أو مستحبة، تكون من الأحكام العامة التي يعرفها عامة الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فيكون الزهري من أعلم الناس بها، فلو لم يبينها لاستدل بذلك على انتفائها، فكيف إذا قطع الزهري بأن الصحابة لم يكونوا يقرؤون خلف النبي ﷺ في الجهر. وعمل الصحابة عليه؛ فقد روى مالك في "موطئه" (١/ ٨٤) عن وهب بن كيسان أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "من صلى ركعة لم يقرأ فيها، لم يصل إلا وراء الإمام". وروى أيضًا (١/ ٨٦): عن نافع أن عبد الله بن عمر: "كان إذا سئل: هل

стр. 264

يقرأ خلف الإمام؟ يقول: إذا صلى أحدكم خلف الإمام تجزئه قراءة الإمام، وإذا صلى وحده فليقرأ" (١)، قال: "وكان عبد الله بن عمر لا يقرأ خلف الإمام" (٢). وروى مسلم في "صحيحه" (٥٧٧) عن عطاء بن يسار أنه: "سأل زيد بن ثابت عن القراءة مع الإمام، فقال: لا قراءة مع الإمام في شيء". وروى البيهقي (٢/ ١٦٠) عن أبي وائل: "أن رجلاً سأل ابن مسعود عن القراءة خلف الإمام، فقال: أنصت للقرآن، فإن في الصلاة شغلاً، وسيكفيك ذلك الإمام". وابن مسعود وزيد بن ثابت هما فقيها أهل المدينة، وأهل الكوفة من الصحابة، وفي كلامهما تنبيه على أن المانع إنصاته لقراءة الإمام. وكذلك البخاري في كتاب "القراءة خلف الإمام" (ص٢١١): عن علي بن أبي طالب قال: وروى الحارث عن علي: "يسبح في الأخريين"، قال: ولم يصح. وخالفه عبيد الله بن أبي رافع: حدثنا عثمان بن سعيد سمع عبيد الله بن عمرو عن إسحاق بن راشد عن الزهرى عن عبيد الله بن أبي رافع مولى بني هاشم حدثه عن علي بن أبي طالب: "إذا لم يجهر الإمام في الصلوات، فاقرأ بأم الكتاب، وسورة أخرى في الأوليين من الظهر والعصر، وفاتحة الكتاب في الأخريين من الظهر والعصر، وفي الآخرة من المغرب، وفي الأخريين من العشاء". وفي "صحيح مسلم" (٤٠٤): عن أبي موسى الأشعري، قال: "إن رسول الله خطبنا، فبيَّن لنا سنتنا وعلَّمنا صلاتنا، فقال: "أقيموا صفوفكم ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا". وهذا من حديث أبي موسى

стр. 265

الطويل المشهور، لكن بعض الرواة زاد فيه على بعض، فمنهم من لم يذكر قوله: "وإذا قرأ فأنصتوا"، ومنهم من ذكرها، وهي زيادة من الثقة لا تخالف المزيد، بل توافق معناه، ولهذا رواها مسلم في "صحيحه" (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا"، رواه أحمد (٢/ ٣٧٦)، وأبو داود (٦٠٤)، والنسائي (٩٩٤)، وابن ماجه (٨٤٦). قيل لمسلم بن الحجاج: حديث أبي هريرة صحيح؟ يعني: "وإذا قرأ فأنصتوا". قال: هو عندي صحيح، فقيل له: لما لا تضعه هاهنا؟ يعني في كتابه، فقال: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته هاهنا، إنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه" (٢). * قلت: ويشهد له أيضًا: ما رواه البخاري في "صحيحه" (٦٩٤) من حديث أبي هريرة ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "يُصَلُّونَ لَكُمْ، فإن أَصَابُوا فَلَكُمْ وَإِنْ أخطؤوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ". ففيه إشارة إلى تحمل الإمام القراءة عن المأموم، وذلك أن المأموم يقوم بجميع ما يقوم به الإمام؛ إلا القراءة، فهذا معنى قوله: "يصلون لكم"، ونظيره قوله تعالى: (وَإِذَا كنُتَ فِيهِم فَأقَمتَ لَهُمُ اَلصلَاةَ) الآية، [النساء: ١٠٢] فليس المقصود: الإقامة المعروفة، وإنما العمدة في إقامة الصلاة على قراءة الإمام، وأعظمها الفاتحة، وقد سماها الله في الحديث القدسي صلاة. ويزيده إيضاحًا: ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس: في قَوْلى تعالى: ﴿لَا تُحَرِّك بِهِ لِسَانَكَ لِتعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] قال: "كان النبي ﷺ يُعَالِجُ من التَّنْزِيلِ شِدَّةً، كان يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، فقال لي ابن عبَّاسٍ: أنا أحَرِّكُهُمَا كما كان

стр. 266

رسول اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُهُمَا، فقال سَعِيدٌ: أنا أُحَرِّكُهُمَا كما كان ابن عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا، فَحَرَّكَ شَفَتيه، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: (لا تُحَرِّك بِهِ لِسَانَكَ لتَعجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَينَا جَمْعَهُ وَقُرءَانَه)، [القيامة: ١٦ - ١٧] قال: جَمْعَهُ فى صَدْرِكَ، ثُمَّ تقرأه، (فَإِذَا قَرَأنَاهُ فَاتَّبَعْ قُرْءَانَهُ)، قال: فَاسْتَمِعْ وَأَنْصِتْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ، قال: فَكَانَ رسول اللَّهِ ﷺ إذا أَتَاهُ جِبْريلُ اسْتَمَعَ، فإذا انْطَلَقَ جِبْريلُ قَرَأَهُ النبي ﷺ كما أَقْرَأَهُ" (١). وهكذا أيضًا: فإن المأموم لو أدرك الإمام في الركوع صحت صلاته، والله أعلم.

стр. 267

الحديث الثاني والخمسون حديث الحسن عن سمرة: "أن النبي ﷺ كان يسكت سكتتين إذا استفتح، وإذا فرغ من القراءة كلها"، وفيِ رواية: "سكتة إذا كبر، وسكتة إذا فرغ من قراءة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ". ــ قال المستدرك: "الحديث صحيح، وسماع الحسن عن سمرة ثابت في حديث العقيقة، وباقي الأحاديث وجادة، وهي وجادة صحيحة لا تقتضي الانقطاع". * الجواب: قال الدارمي: "كان قَتَادَةُ يقول: "ثَلاثُ سَكَتَاتٍ". وفي الحديث الْمَرْفُوعِ: "سَكْتَتَانِ" (١). قَالَ أَبُو حَاتِمٍ ﵀: "الْحَسَنُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ سَمُرَةَ شَيْئًا وَسَمِعَ مِنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ هَذَا الْخَبَرَ، وَاعْتِمَادُنَا فِيهِ عَلَى عِمْرَانَ دُونَ سَمُرَةَ". وقال الدارقطني: "الحسن مختلف في سماعه من سمرة، وقد سمع منه حديثًا واحداً وهو حديث العقيقة، فيما زعم قريش بن أنس عن حبيب بن الشهيد" (٢).

стр. 268

قال الحافظ العراقي: "وقد صح سماعه منه لغير حديث العقيقة، ولكن هذا الحديث لم يثبت سماعه منه، لأنه رواه عنه بالعنعنة في سائر الطرق، ولا يحتج به لكونه يدلس. كذا في قوت المغتذي". وجمهور أصحاب الحديث على أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة، والأحاديث التي فيها عن الحسن سمعت أبا هريرة غير صحيحة، وقد روى قتادة ويونس بن عبيد أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة، والذي صح للحسن السماع من أصحاب النبي ﷺ أنس بن مالك، وعبد الله بن مغفل، وعبد الرحمن بن سمرة وأحمد بن جعفر (١). وقال الحافظ في "التهذيب": "وأما رواية الحسن عن سمرة بن جندب؛ ففي "صحيح البخاري" سماعًا منه لحديث العقيقة، وقد روى عنه نسخة كبيرة غالبها في السنن الأربعة، وعند علي بن المديني أن كلها سماع، وكذا حكى الترمذي عن البخاري. وقال يحيى القطان وآخرون: هي كتاب. وذلك لا يقتضي الانقطاع. وفي "مسند أحمد": حدثنا هشيم عن حميد الطويل، وقال: جاء رجل إلى الحسن فقال: "إن عبدًا له أبق، وإنه نذر إن يقدر عليه أن يقطع يده، فقال الحسن: حدثنا سمرة قال: قل: ما خطبنا رسول الله ﷺ خطبة إلا أمر فيها بالصدقة، ونهى عن المثلة"، وهذا يقتضي سماعه منه لغير حديث العقيقة. وقال أبو داود عقب حديث سليمان بن سمرة عن أبيه في الصلاة: دلت هذه الصحيفة على أن الحسن سمع من سمرة. * قلت: ولم يظهر لي وجه الدلالة بعد. وقال العباس الدوري: لم يسمع الحسن من الأسود بن سريع، وكذا قال

стр. 269

الآجري عن أبي داود قال عنه في حديث شريك عن أشعث عن الحسن سألت جابرًا عن الحائض. فقال: لا يصح. وقال البزار في "مسنده" في آخر ترجمة سعيد بن المسيب عن أبي هريرة: سمع الحسن البصري من جماعة، وروى عن آخرين لم يدركهم، وكان يتأول، فيقول حدثنا، وخطبنا، يعني قومه الذين حدثوا، وخطبوا بالبصرة، قال: ولم يسمع من ابن عباس، ولا الأسود بن سريع، ولا عبادة، ولا سلمة بن المحبق، ولا عثمان، ولا أحسبه سمع من أبي موسى، ولا من النعمان بن بشير، ولا من عقبة بن عامر، ولا سمع من أسامة، ولا من أبي هريرة، ولا من ثوبان ولا من العباس. ووقع في "سنن النسائي" من طريق أيوب عن الحسن عن أبي هريرة في المختلعات، قال الحسن: لم أسمع من أبي هريرة غير هذا الحديث. أخرجه عن إسحاق بن راهويه عن المغيرة بن سلمة عن وهيب عن أيوب. وهذا إسناد لا مطعن من أحد في رواته، وهو يؤيد أنه سمع من أبي هريرة في الجملة، وقصته في هذا شبيهة بقصته في سمرة سواء" (١). وفي "مسائل الإمام أحمد": "سألت أبي عن الرجل يقتل عبده يقتله الإمام أم لا؟ فقال: يروى عن الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ : "من قتل عبده قتلناه". وأخشى أن يكون هذا الحديث لا يثبت. قلت لأبي: فإيش تقول أنت؟ قال: إذا كنت أخشى أن لا يكون يثبت لا أثبته" (٢). قال الحافظ في "الفتح": "ولهذا الحديث: "الوضوء لصلاة الجمعة"، طرق أشهرها وأقواها: رواية الحسن عن سمرة، أخرجها أصحاب السنن الثلاثة وابن خزيمة وابن حبان، وله علتان: إحداهما: أنه من عنعنة الحسن، والأخرى: أنه اختلف عليه فيه" (٣).

стр. 270

وملخص كلام أهل العلم في رواية الحسن من سمرة، هو التالي: الأول: أَحَدُهَا أَنَّهُ سمع منه مُطْلَقًا، وهو قَوْلُ ابن الْمَدِينِيِّ، ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ عنه. الثاني: أَنَّهُ لم يَسْمَعْ منه شيئًا، وَاخْتَارَهُ جمع من أهل العلم كما تقدم. الثالث: أَنَّهُ سمع منه حَدِيثَ الْعَقِيقَةِ فَقَطْ، قَالَهُ النَّسَائيُّ، وَإِلَيْهِ مَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ في "سُنَنِهِ" كما تقدم. والذي يظهر: أنه ينبغي النظر إلى هذا الأمر من جهتين: الأولى: الاختلاف في سماعه من الحسن. الثانيه: أن الحسن مدلس كما يظهر من اختلاف الروايات الشديد عنه في سماعه من غير الحسن، كروايته عن أبي بكرة، وأبي هريرة، وغيرهما كما تقدم في كلام الحافظ في "التهذيب"، وعليه؛ فما قال فيه الحسن سمعته، فلا ريب في صحته إذا صح الإسناد إليه، مثل حديث العقيقة، وما لم يصرح بالسماع؛ نُظِرَ فيه: فإن جاء ما يشهد له، ولم يكن فيه ما ينكر؛ قُبِلَ، وإلا فإنه في عداد المرسل، ومراسيل الحسن ليست بحجة، وأما القول أنها صحيفة وجدها ورواها! فهو ضعيف جدًّا. وذلك من وجوه: الأول: أن هذه الصحيفة لو كانت صحيحة معروفة ومشتهرة لرواها غير الحسن. الثاني: لو كانت صحيفة صحيحة معتبرة عند أهل العلم لما حصل هذا الاختلاف الشديد بينهم. الثالث -وهو أمر دقيق-: أن معظم الأحاديث من رواية قتادة عن الحسن عن سمرة، وقتادة مدلس، ويرويها أو أكثرها بالعنعنة، وأحصيتها في "المسند"

стр. 271

فبلغت بضعة عشر حديثًا، أما الأحاديث الأخرى التي لا تعرف من طريق الثقات عن الحسن فهي لا تخلو من ضعف ونكارة، ولأجل هذا توقف شيخنا -عليه رحمة الله- في إثباتها، أعني رواية الحسن عن سمرة، ما لم يصرح بالسماع إن وجد، أو تعتضد بالشواهد. فالمقصود عنده ﵀ هو صحة المتن، لا مجرد التعليل للتعليل، وهذا لا يفطن له إلا الكبار من أهل العلم، وبالله التوفيق.

стр. 272

الحديث الخامس والخمسون حديث نعيم بن النحام قال: "نودي بالصبح في يوم بارد، وأنا في وطر امرأتي، فقلت: ليت المنادي قال: من قعد فلا حرج عليه. فنادى منادي النبي ﷺ في آخر آذانه: ومن قعد فلا حرج عليه". ــ قال المستدرك: "أسانيده ضعيفة، ولا يثبت". * الجواب: روى عبد الرزاق في "مصنفه" (١/ ٥٠٢) عن ابن جريج، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، عن نعيم بن النحام قال: "أذن مؤذن النبي ﷺ في ليلة فيها برد وأنا تحت لحافي، فتمنَّيْتُ أن يلقي الله على لسانه: ولا حرج. قال: ولا حرج". * قلت: وهذا إسناد صحيح، كما قال الحافظ في "الفتح" (١). فإن قيل: فيه عنعنة ابن جريج. * قلت: وهل يلزم من ذلك أنه دلَّسه؟! فهذه الضوابط هي اجتهادات ممن

стр. 273

لم تضمن له العصمة، فهي قابلة للخطأ والصواب، فلا ينبغي أن تكون حاكمة على السنة، بل يجب أن تكون السُّنة حاكمة عليها، وعليه فإذا جاء الحديث من وجه آخر بشاهد، أو متابع، فهذا الذي عليه المعوَّل، وأما رد الأحاديث بقواعد حسابية! فهذا شأن بعض أهل الرواية، وليس شأن أهل المعرفة بالمعاني. ثم إن الحافظ ابن حجر -نفسه- صحَّح إسناد الحديث، لعلمه بمتابعاته، وبعدم تدليس ابن جريج فيه، وهذا هو الفرقُ بين الحُفَّاظ والذين قضوا عمرهم في هذا الميدان، وبين المنتحلين لهذا العلم! على أن ابن جريج توبع، قال الحافظ: "وأخرج ابن قانع من طريق عمر بن نافع، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال نعيم بن النحام -وكان من بني عدي ابن كعب-: "سمعتُ منادي النبي ﷺ في غداة باردة وأنا مضطجع، فقلت: ليته قال: ومن قعد فلا حرج. قال: فقال: ومن قعد فلا حرج" (١). ثم وجدت ابن جريج صرَّح بالتحديث، قال الضحاك بن مخلد: حدثنا الحسن بن علي ثنا عبد الرزاق، ثنا ابن جريج، أخبرني نافع مولى ابن عمر، عن عبد الله بن نعيم بن النحام ﵁ قال: "أذن موذن النبي ﷺ ليلة فيها برد ومطر، وأنا تحت لحافي، فتمنيت أن يلقي الله تعالى على لسانه: ولا حرج، فلما فرغ قال: ولا حرج" (٢). فهذا دليل بيِّن على ما ذكرته آنفًا. قال المستدرِك: "تنبيه: نقل الشيخ الألباني أن الحافظ ذكر أن الحديث رواه عبد الرزاق بسند صحيح، وقد وجدته عند عبد الرزاق في الموضعين المذكورين في التخريج، وسبق بيان ضعفهما". * قلت: وفيه من الفوائد: أنه لا ينبغي التعجل بتخطئة الكبار من أهل

стр. 274

العلم، فإن الحافظ يعلم أن ابن جريج مدلس، ولا يخفى عليه ذلك، فهو تخصصه، وإذا أردتَ أن تعلم هذه الحقيقة فراجع مقدمة "الفتح"، فهو وإن كان من المتأخِّرين بزعمكم، لكنه فاق كثيرًا من المتقدِّمين بزعمكم أيضًا. والحديث جاء عن عدد من الصحابة وبعضها في الصحيح.

стр. 275

الحديث السادس والخمسون حديث جابر بن عبد الله ﵁: "أنّ النبي ﷺ أقام بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة". ــ قال المستدرك: "الحديث معلول، أعلَّه البخاري، وأبو داود، والدارقطني، والبيهقي". * قلت: الحديث رواه أحمد، وأبو داود عنه، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى -هو ابن أبي كثير- عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر قال: "أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة" (١). قال أبو داود: غير معمر لا يسنده. وقال البيهقي: "تفرَّد معمر بروايته مسندًا، ورواه علي بن المبارك وغيره عن يحيى عن ابن ثوبان عن رسول الله ﷺ مرسلاً، وروي عن يحيى بن أبي كثير عن أنس، وقال: "بضع عشرة"، ولا أراه محفوظًا". وأما أبو حاتم ابن حبان؛ فأخرجه في "صحيحه" (٢٧٤٩) من طريقه.

стр. 276

ومعمر إمام مجمع على جلالته، فلا يضر تفرده به. وقال أبو محمد ابن حزم: محمد بن عبد الرحمن ثقة، وباقي رواة الخبر أشهر من أن يُسْأَلَ عنهم. وقال النووى في "خلاصته": "هذا الحديث صحيح على شرط الشيخين، ولا يقدح فيه تفرد معمر، فإنه ثقة حافظ، فزيادته مقبولة". والحق أن الحديث صحيح بلا ريب، لعدة أمور: الأول: أن الحديث له طريق آخر، قال البيهقي: "أخبرناه أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر بن الحسن القاضي قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا محمد بن إسحاق الصمغاني، ثنا معاوية -يعني ابن عمرو- عن أبي إسحاق -يعني الفزاري- عن أبي أنيسة، عن أبي الزبير، عن جابر قال: "غزوتُ مع النبي ﷺ غزوة تبوك، فأقام بها بضع عشرة، فلم يزد على ركعتين حتى رجع". وهذا إسناد صحيح، وما يخشى من غلط معمر زال بهذا الطريق. الثاني: أن جابر بن عبد الله ﵁ كان مع النبي ﷺ في غزوة تبوك، وهذا في "الصحيحين" وغيرهما. الثالث: أن النبي ﷺ كان يقصر ويجمع في تبوك، فقد روى مسلم عن مُعَاذٍ ﵁ قال: "خَرَجْنَا مع رسول اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جميعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جميعًا" (١). الرابع: أن أهل السِّيَرِ اتفقوا على أن الرسول ﷺ بقي في تبوك بضعة عشر يومًا، والبضع من الثلاث إلى التسع، ومن المعلوم في كلام العرب أنهم يُجُبِرُونَ الكَسْرَ، فلا اختلاف بين الروايتين. الخامس: أنه لم يُنْقَلْ عنه ﷺ أنه أتم الصلوات، أو تنفَّل بينها في سفر،

стр. 277

فقد روى الشيخان عن ابن عمر ﵄: "صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَكَانَ لا يَزِيدُ في السَّفَرِ على رَكعَتَيْنِ، وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كذَلِكَ ﵁" (١)، وتبوك آخر غزواته ﷺ . ثم وقفتُ على كلام للإمام أحمد يدل على تصحيح الحديث: "قيل لأحمدَ ﵁: إنَّ النَّبيَ ﷺ أقَامَ بمكةَ ثماني عشرةَ، زمنَ الفتح، قَالَ: إنَّما أرادَ حُنينًا، لم يكُنْ ثمَّ إجماع، وأقامَ بتبوكَ عشرينَ، لمْ يكُنْ ثُمَّ إجماعٌ، ولكن إذا أُجمِعَ على إقامةٍ زيادة على أربع أتَمَّ الصَّلاةَ" (٢).

стр. 278

الحديث السابع والخمسون حديث معاذ ﵁: "أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس، أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر يصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا ثم سار، وكان يفعل مثل ذلك في المغرب والعشاء". ــ قال المستدرك: الحديث ضعيف معلول، أعلَّه من الأئمة: البخاري، وأبو داود، والترمذي، وأبو حاتم، والحاكم، والبيهقي، والدارقطني، وابن حزم، والخطيب البغدادي، والنسائي، وقال ابن رجب: "غريب جدًّا، استنكره الحفاظ" اهـ. * قلت: هذا الحديث رواه الإمام أحمد (٥/ ٢٤١)، وأبو داود (١٢٢٠) والترمذي (٥٥٣) عن قتيبة بن سعيد، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطُّفيل، عن معاذ بن جبل به. وقال أبو داود: "لم يرو هذا الحديث إلا قتيبة وحده". وقال الترمذي: "حديث معاذ حديث حسن غريب، تفرد به قتيبة، لا نعرف أحدًا رواه عن الليث غيره".

стр. 279

والمعروف عند أهل العلم ما روى أبو الزبير المكي عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل: "أن النبي ﷺ جمع في غزوة تبوك بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء". وروى هذا الحديث قرة بن خالد، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وغير واحد من الأئمة؛ عن أبي الزبير المكي. وقال البيهقي: "تفرد به قتيبة بن سعيد عن ليث عن يزيد، أنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا الحسن محمد بن موسى بن عمران الفقيه الصيدلاني يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: سمعت صالح بن حفصويه بنيسابور صاحب حديث يقول: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: قلت لقتيبة بن سعيد: مع من كتبتَ عن الليث بن سعد حديث يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل؟ فقال: كتبته مع خالد المدائني، قال محمد ابن إسماعيل: وكان خالد المدائني هذا يدخل الأحاديث على الشيوخ. قال البيهقي: وإنما أنكروا من هذا رواية يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل، فأما رواية أبي الزبير عن أبي الطفيل فهي محفوظة صحيحة" (١). يشير إلى ما رواه بعده من طريق: الليث بن سعد عن هشام بن سعد عن أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل: "أن رسول الله ﷺ كان في غزوة تبوك، إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل، جمع بين الظهر والعصر، وإن ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى ينزل للعصر، وفي المغرب مثل ذلك، إن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء، وإن ارتحل قبل أن تغيب الشمس، أخر المغرب حتى ينزل للعشاء ثم جمع بينهما" (٢). وله شاهد من حديث أنس، قال البيهقي: "أخبرنا أبو عمرو الأديب، ثنا

стр. 280

أبو بكر الإسماعيلي، أنبأ جعفر الفريابي، ثنا إسحاق بن راهويه، أنا شبابة بن سوار، عن ليث بن سعد، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك: "كان رسول الله ﷺ إذا كان في سفر، فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا، ثم ارتحل" (١). قال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٥٨٣): "روى إسحاق بن راهويه هذا الحديث عن شبابة فقال: "كان إذا كان في سفر، فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا، ثم ارتحل"، أخرجه الإسماعيلي، وأعل بتفرد إسحاق بذلك عن شبابة، ثم تفرد جعفر الفريابي به عن إسحاق، وليس ذلك بقادح؛ فإنهما إمامان حافظان". وله شاهد من حديث ابن عباس ﵂، رواه الدارقطني: من طريق ابن عجلان، عن حسين بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "كان رسول الله ﷺ إذا زاغت الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا، وإذا ارتحل قبل أن تزيغ أخرهما حتى يصليهما في وقت العصر" (٢). وتابعه ابن الهاد، عن حسين بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "كان رسول الله ﷺ ... ". وحسين؛ قال الذهبي: ضعفوه، وكذا قال في "التقريب": ضعيف. والذي يظهر أنه ضبطه، فقد روى ابن المنذر في "الأوسط": حدثنا علي بن عبد العزيز قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن ابن عباس قال: "إذا كنتم سائرين فنابكم المنزل، فسيروا حتى تصيبوا منزلاً، فتجمعوا بينهما، وإن كنتم نزولاً، فعجل بكم أمر فاجمعوا بينهما ثم ارتحلوا". فهذا يؤكد أن ابن عباس كان يرفعه، ويفتي به، وهذا هو المعروف من أحوال الصحابة، كما تقدم في كلام ابن القيم: "فَقَوْلُ الْقَائِلِ: لو كان عِنْدَ

стр. 281

الصَّحَابِيِّ في هذه الْوَاقِعَة شيء عن النبي ﷺ لَذَكَرَهُ. قَوْلُ من لم يَعْرِفْ سِيرَةَ الْقَوْمِ وَأَحْوَالَهُمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَهَابُونَ الرِّوَايَةَ عن رسول اللَّهِ ﷺ ويُعظِّمُونها، وَيُقَلِّلونَهَا خَوْفَ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ، وَيُحَدِّثُونَ بِالشَّيءِ الذي سَمِعُوه من النبي ﷺ مِرَارًا، وَلا يُصرِّحُونَ بِالسَّمَاعِ، وَلا يَقُولُونَ قال رسول اللَّهِ ﷺ ". وعليه؛ فكلا الأمرين ثابت عن النبي ﷺ ، فربما صلى الظهر وارتحل، وربما قدم العصر مع الظهر فجمع بينهما ثم ارتحل. قال أبو بكر ابن المنذر: "اسم الجمع بين الصلاتين يقع على من جمع بينهما في وقت إحداهما، وعلى من جمع بينهما، فصلى الظهر في آخر وقتها، والعصر في أول وقتها إن أمكن ذلك، غير أنك إذا تدبرت الأخبار عن رسول الله ﷺ علمتَ أنها دالَّة على إباحة الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما، مع أن الجمع بين الصلاتين إنما رُخِّصَ فيه للمسافر تخفيفًا عليه، ولو كان المسافر كلف إذا أراد الجمع بين الصلاتين أن يصلي الأولى من الصلاتين في آخر وقتها، والأخرى في أول وقتها، لكان ذلك إلى التشديد على المسافر والتغليظ عليه أقرب" (١). والحديث أفتى به الإمام أحمد: ففي "مسائل الإمام أحمد وابن راهويه": "قُلْتُ: هل يجمع بين الصلاتين في السفر والحضر وكيف يجمج بينهما؟ قَالَ: وجه الجمع أن يُؤخر الظهرَ حتَّى يدخلَ وقتُ العصرِ، ثم ينزل فيجمع بينهما، ويؤخر المغربَ كذلك، وإن قَدَّم، فأرجو أن لا يكونَ به بأسٌ. قَالَ إسحاق: كما قَالَ بلا رجاء". وهذا يدل على تصحيح إسحاق للحديث، فالأمر كما قال أبو عبد الرحمن -على الجميع رحمة الله-.

стр. 282

الحديث التاسع والخمسون قوله ﷺ : "الجمعة على من سمع النداء". ــ قال المستدرك: "الحديث معلول، وأعله من الأئمة: أبو داود، وقال عبد الحق: الصحيح أنه موقوف. وكذا قال ابن رجب". * قلت: والأمر كما قال أبو عبد الرحمن: الحديث حسن. قال الدارقطني: حدثنا عبد الله بن أبي داود، ثنا محمد بن يحيى، ثنا قبيصة، ثنا سفيان عن محمد بن سعيد، عن أبي سلمة بن نبيه، عن عبد الله بن هارون، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "الجمعة على من سمع النداء"، قال لنا ابن أبي داود: محمد بن سعيد هو الطائفي ثقة، وهذه سنة تفرد بها أهل الطائف" (١). وروى هذا الحديث جماعة عن سفيان مقصورًا على عبد الله بن عمرو، ولم يذكروا النبي ﷺ ، وإنما أسنده قبيصه، وقبيصة بن عقبة من الثقات، ومحمد بن سعيد هذا هو الطائفي ثقة.

стр. 283

وكلام الدارقطني يدل أنه يثبته. وله طريق آخر، قال الدارقطني: حدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث، نا هشام بن خالد، نا الوليد، عن زهير بن محمد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله ﷺ قال: "إنما الجمعة على من سمع النداء" (١). * قلت: وهذا إسناد جيد. ورواه من وجه آخر، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، ثنا داود بن رشيد، ثنا محمد بن الفضل بن عطية، عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "الجمعة على من بمدى الصوت". قال داود: يعني حيث يسمع الصوت. ويشهد له: ما رواه الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لقد هممتُ أن آمر بالصلاة، فتقام، ثم أخرج بفتيان معهم حزم حطب، فأحرق على قوم بيوتهم، يسمعون النداء، ثم لا يأتون الصلاة". وفي حديث ابن مسعود ﵁-مرفوعًا-: "لقد هممتُ أن آمر رجلاً يصلي للناس، أو بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلَّفون عن الجمعة بيوتهم"، أخرجه مسلم (٦٥١). كيف وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩]. وروى الشيخان من طريق عبد الْحَمِيدِ صَاحِبُ الزِّيَادِيِّ قال: سمعت عَبْدَ اللَّهِ بن الْحَارِثِ قال: "خَطَبَنَا ابن عَبَّاسٍ في يَوْمٍ ذِي رَزغٍ، فَأَمَرَ الْمُؤَذِّنَ لَمَّا بَلَغَ حَيَّ على الصَّلاةِ، قال: قُلْ: الصَّلاةُ في الرِّحَالِ. فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ، فَكَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا! فقال: كأنَّكُمْ أَنْكَرْتُمْ هذا؛ إِنَّ هذا فَعَلَهُ من هو خير مِنِّي" (٢).

стр. 284

وأما قول المستدرك في الحديث الذي بعده: "وما أكثر ما يردد المتأخرون تعليلات الأئمة بمثل هذا الأمر، وهو من أعجب الردود! إذ لو أخذنا بهذه الطريقة لم تسلم لنا أكثر العلل الحديثية، وهو ليس ردًّا علميًّا مبني على معرفة درجة إتقان الرجل، أو تفرده، أو نحو ذلك، إنما هو احتمال عقلي، لا يسنده تعليل حديثي، وهذا كاف في رده"!! سبق وأن قلت: إن هذا العلم وسيلة وليس غاية، فمثله مثل علوم الآلة، والغاية هو المتن، وكما تقدم في كلام ابن القيم عن الصحابة: "وَلا حَاجَةَ بهم إلَى النَّظَرِ في الإِسْنَاد، وَأَحْوَالِ الرُّوَاةِ، وَعِلَلِ الحديث، وَالْجَرْح وَالتَّعْدِيل". فصحة الحديث لا يُكتفى فيها بمعرفة العلل، دون النظر إلى أصول الشريعة ومقاصدها، كما قال شيخ الإسلام: "والمرسل نقول: إذا عمل به جماهير أهل العلم وأرسله من أخذ العلم عن غير رجال المرسل الأول، أو روي مثله عن الصحابة، أو وافقة ظاهر القرآن؛ فهو حُجَّة". ولكن لا يفطن لهذا ويدركه إلا الكبار من أهل العلم، ولا يتأتَّى بالقراءة في كتب العلل، دون ضيط أصول العلم، رواية ودراية، وفِقْهًا، والله الموفق. وقال ابن مهدي: "رجلان من أهل الشام إذا رأيتَ رجلاً يحبهما فاطمئن إليه: الأوزاعي وأبو إسحاق، كانا إمامين في السنة. وقال ابن عيينة في قصة: والله ما رأيتُ أحدًا أُقدّمه عليه. وقال لأبي أسامة: أيهما أفضل أبو إسحاق، أو الفضيل بن عياض؟ فقال: كان الفضيل رجل نفسه، وأبو إسحاق رجل عامة" (١).

стр. 285

الحديث الستون حديث أنس بن مالك ﵁: "أن النبي ﷺ كان يعرض له الرجل يوم الجمعة، بعدما ينزل من المنبر فيكلمه ثم يدخل الصلاة". ــ قال المستدرك: "الحديث ضعيف، وقد أعلَّه من الأئمة: البخاري، وأبو داود، والدارقطني". ونقل المستدرك إحالة الشيخ ناصر على تقرير أحمد شاكر على الترمذي وهو قوله: "والحق ما قاله العراقي من صحة حديث جرير، بل قد يكون حديثًا آخر". * قلت: قال أبو داود: حدثنا مُسْلِمُ بن إبراهيم، عن جَرِيرٍ -هو ابن حَازِمِ- لا أَدْرِي كَيْفَ قَالَهُ مُسْلِم أولاً عن ثَابِتٍ عن أَنسٍ قال: "رأيت رَسولَ اللَّهِ ﷺ يَنْزِلُ من الْمِنْبَر، فَيَعْرِضُ له الرَّجُلُ في الْحَاجَةِ، فَيَقُومُ معه حتى يَقْضيَ حَاجَتَهُ، ثُمّ يَقُومُ فّيُصَلَّي" (١). قال أبو داوُد: الْحَدِيثُ ليس بِمَعْرُوفٍ عن ثابِتٍ، هو مِمَّا تَفَرَّد بِهِ جَرِيرُ بن حَازِمٍ.
следующие страницы →