← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 96928

رد الجميل في الذب عن إرواء الغليل

عبد الله العبيلان

Полный текст (376 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الصَّحَابِيِّ في هذه الْوَاقِعَة شيء عن النبي ﷺ لَذَكَرَهُ. قَوْلُ من لم يَعْرِفْ سِيرَةَ الْقَوْمِ وَأَحْوَالَهُمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَهَابُونَ الرِّوَايَةَ عن رسول اللَّهِ ﷺ ويُعظِّمُونها، وَيُقَلِّلونَهَا خَوْفَ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ، وَيُحَدِّثُونَ بِالشَّيءِ الذي سَمِعُوه من النبي ﷺ مِرَارًا، وَلا يُصرِّحُونَ بِالسَّمَاعِ، وَلا يَقُولُونَ قال رسول اللَّهِ ﷺ ". وعليه؛ فكلا الأمرين ثابت عن النبي ﷺ ، فربما صلى الظهر وارتحل، وربما قدم العصر مع الظهر فجمع بينهما ثم ارتحل. قال أبو بكر ابن المنذر: "اسم الجمع بين الصلاتين يقع على من جمع بينهما في وقت إحداهما، وعلى من جمع بينهما، فصلى الظهر في آخر وقتها، والعصر في أول وقتها إن أمكن ذلك، غير أنك إذا تدبرت الأخبار عن رسول الله ﷺ علمتَ أنها دالَّة على إباحة الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما، مع أن الجمع بين الصلاتين إنما رُخِّصَ فيه للمسافر تخفيفًا عليه، ولو كان المسافر كلف إذا أراد الجمع بين الصلاتين أن يصلي الأولى من الصلاتين في آخر وقتها، والأخرى في أول وقتها، لكان ذلك إلى التشديد على المسافر والتغليظ عليه أقرب" (١). والحديث أفتى به الإمام أحمد: ففي "مسائل الإمام أحمد وابن راهويه": "قُلْتُ: هل يجمع بين الصلاتين في السفر والحضر وكيف يجمج بينهما؟ قَالَ: وجه الجمع أن يُؤخر الظهرَ حتَّى يدخلَ وقتُ العصرِ، ثم ينزل فيجمع بينهما، ويؤخر المغربَ كذلك، وإن قَدَّم، فأرجو أن لا يكونَ به بأسٌ. قَالَ إسحاق: كما قَالَ بلا رجاء". وهذا يدل على تصحيح إسحاق للحديث، فالأمر كما قال أبو عبد الرحمن -على الجميع رحمة الله-.

стр. 282

الحديث التاسع والخمسون قوله ﷺ : "الجمعة على من سمع النداء". ــ قال المستدرك: "الحديث معلول، وأعله من الأئمة: أبو داود، وقال عبد الحق: الصحيح أنه موقوف. وكذا قال ابن رجب". * قلت: والأمر كما قال أبو عبد الرحمن: الحديث حسن. قال الدارقطني: حدثنا عبد الله بن أبي داود، ثنا محمد بن يحيى، ثنا قبيصة، ثنا سفيان عن محمد بن سعيد، عن أبي سلمة بن نبيه، عن عبد الله بن هارون، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "الجمعة على من سمع النداء"، قال لنا ابن أبي داود: محمد بن سعيد هو الطائفي ثقة، وهذه سنة تفرد بها أهل الطائف" (١). وروى هذا الحديث جماعة عن سفيان مقصورًا على عبد الله بن عمرو، ولم يذكروا النبي ﷺ ، وإنما أسنده قبيصه، وقبيصة بن عقبة من الثقات، ومحمد بن سعيد هذا هو الطائفي ثقة.

стр. 283

وكلام الدارقطني يدل أنه يثبته. وله طريق آخر، قال الدارقطني: حدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث، نا هشام بن خالد، نا الوليد، عن زهير بن محمد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله ﷺ قال: "إنما الجمعة على من سمع النداء" (١). * قلت: وهذا إسناد جيد. ورواه من وجه آخر، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، ثنا داود بن رشيد، ثنا محمد بن الفضل بن عطية، عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "الجمعة على من بمدى الصوت". قال داود: يعني حيث يسمع الصوت. ويشهد له: ما رواه الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لقد هممتُ أن آمر بالصلاة، فتقام، ثم أخرج بفتيان معهم حزم حطب، فأحرق على قوم بيوتهم، يسمعون النداء، ثم لا يأتون الصلاة". وفي حديث ابن مسعود ﵁-مرفوعًا-: "لقد هممتُ أن آمر رجلاً يصلي للناس، أو بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلَّفون عن الجمعة بيوتهم"، أخرجه مسلم (٦٥١). كيف وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩]. وروى الشيخان من طريق عبد الْحَمِيدِ صَاحِبُ الزِّيَادِيِّ قال: سمعت عَبْدَ اللَّهِ بن الْحَارِثِ قال: "خَطَبَنَا ابن عَبَّاسٍ في يَوْمٍ ذِي رَزغٍ، فَأَمَرَ الْمُؤَذِّنَ لَمَّا بَلَغَ حَيَّ على الصَّلاةِ، قال: قُلْ: الصَّلاةُ في الرِّحَالِ. فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ، فَكَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا! فقال: كأنَّكُمْ أَنْكَرْتُمْ هذا؛ إِنَّ هذا فَعَلَهُ من هو خير مِنِّي" (٢).

стр. 284

وأما قول المستدرك في الحديث الذي بعده: "وما أكثر ما يردد المتأخرون تعليلات الأئمة بمثل هذا الأمر، وهو من أعجب الردود! إذ لو أخذنا بهذه الطريقة لم تسلم لنا أكثر العلل الحديثية، وهو ليس ردًّا علميًّا مبني على معرفة درجة إتقان الرجل، أو تفرده، أو نحو ذلك، إنما هو احتمال عقلي، لا يسنده تعليل حديثي، وهذا كاف في رده"!! سبق وأن قلت: إن هذا العلم وسيلة وليس غاية، فمثله مثل علوم الآلة، والغاية هو المتن، وكما تقدم في كلام ابن القيم عن الصحابة: "وَلا حَاجَةَ بهم إلَى النَّظَرِ في الإِسْنَاد، وَأَحْوَالِ الرُّوَاةِ، وَعِلَلِ الحديث، وَالْجَرْح وَالتَّعْدِيل". فصحة الحديث لا يُكتفى فيها بمعرفة العلل، دون النظر إلى أصول الشريعة ومقاصدها، كما قال شيخ الإسلام: "والمرسل نقول: إذا عمل به جماهير أهل العلم وأرسله من أخذ العلم عن غير رجال المرسل الأول، أو روي مثله عن الصحابة، أو وافقة ظاهر القرآن؛ فهو حُجَّة". ولكن لا يفطن لهذا ويدركه إلا الكبار من أهل العلم، ولا يتأتَّى بالقراءة في كتب العلل، دون ضيط أصول العلم، رواية ودراية، وفِقْهًا، والله الموفق. وقال ابن مهدي: "رجلان من أهل الشام إذا رأيتَ رجلاً يحبهما فاطمئن إليه: الأوزاعي وأبو إسحاق، كانا إمامين في السنة. وقال ابن عيينة في قصة: والله ما رأيتُ أحدًا أُقدّمه عليه. وقال لأبي أسامة: أيهما أفضل أبو إسحاق، أو الفضيل بن عياض؟ فقال: كان الفضيل رجل نفسه، وأبو إسحاق رجل عامة" (١).

стр. 285

الحديث الستون حديث أنس بن مالك ﵁: "أن النبي ﷺ كان يعرض له الرجل يوم الجمعة، بعدما ينزل من المنبر فيكلمه ثم يدخل الصلاة". ــ قال المستدرك: "الحديث ضعيف، وقد أعلَّه من الأئمة: البخاري، وأبو داود، والدارقطني". ونقل المستدرك إحالة الشيخ ناصر على تقرير أحمد شاكر على الترمذي وهو قوله: "والحق ما قاله العراقي من صحة حديث جرير، بل قد يكون حديثًا آخر". * قلت: قال أبو داود: حدثنا مُسْلِمُ بن إبراهيم، عن جَرِيرٍ -هو ابن حَازِمِ- لا أَدْرِي كَيْفَ قَالَهُ مُسْلِم أولاً عن ثَابِتٍ عن أَنسٍ قال: "رأيت رَسولَ اللَّهِ ﷺ يَنْزِلُ من الْمِنْبَر، فَيَعْرِضُ له الرَّجُلُ في الْحَاجَةِ، فَيَقُومُ معه حتى يَقْضيَ حَاجَتَهُ، ثُمّ يَقُومُ فّيُصَلَّي" (١). قال أبو داوُد: الْحَدِيثُ ليس بِمَعْرُوفٍ عن ثابِتٍ، هو مِمَّا تَفَرَّد بِهِ جَرِيرُ بن حَازِمٍ.

стр. 286

وهو إسناد صحيح كلما لا يخفى، وتعليله جاء من قبل متنه، والحق أنه لا غبار على المتن، كما سيتَّضِح. قال المستدرِكُ: "وكلمة هؤلاء الأئمة تلتقي في معنى واحد، وهو أن جريرًا وهم في هذا الحديث، فالحديث ليس فيه نزول من المنبر، بل الصحيح عن ثابت عن أنس: "أقيمت الصلاة فأخذ ... " كما ذكره البخاري". ثم قال المستدرِكُ: "والجواب على ذلك: أن قوله: "حتى نعس بعض القوم"، لا يتأتَّى بعد نزول الرسول ﷺ من المنبر، بل هو في صلاة العشاء غالبًا". * قلت: هذا الذي استبعده من نقلت عنه من الأئمة جاء صريحًا في الصحيح، قال الإمام مسلم: حدثنا شَيْبَانُ بن فَرُّوخَ، حدثنا سُلَيْمَانُ بن الْمُغِيرَةِ، حدثنا حُمَيْدُ بن هِلالٍ، قال: قال أبو رِفَاعَةَ: "انْتَهَيْتُ إلى النبي ﷺ وهو يَخْطُبُ، قال: فقلت: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ رَجُل غَرِيبٌ، جاء يَسْأَلُ عن دِينِهِ، لا يَدْرِي ما دِينُهُ. قال: فَأَقْبَلَ عَلَيَّ رسول اللَّهِ ﷺ وَتَرَكَ خُطْبَتَهُ حتى انْتَهَى إلي، فَأُتِيَ بِكُرْسِى، حَسِبْتُ قَوَائِمَهُ حَدِيدًا، قال: فَقَعَدَ عليه رسول اللَّهِ ﷺ وَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ الله، ثُمَّ أتى خُطْبَتَهُ فَأَتَمَّ آخِرَهَا" (١). وهو كما ترى أشد من الصورة الأولى، وبهذا يتضح لك أن التعليل أمر نسبي، يصيب ويخطئ، وليس وحيًا من السماء، وأن إتقان العلم لا يتأتَّى بمجرد التقليد، فالحمد لله الذي وفَّق الشيخ -عليه رحمة الله- لما فات غيره.

стр. 287

الحديث الحادي والستون حديث ابن عمر مرفوعًا: "من أدرك ركعة من يوم الجمعة فقد أدركها، وليضف إليها أخرى". ــ قال المستدرك: "الحديث معلول بالوقف، أعله بذلك الدارقطني، وله طريق آخر أعلَّه أبو حاتم" اهـ. * الجواب: هذا الحديث مروي من حديث أبي هريرة، ومن حديث ابن عمر ﵂ مرفوعًا إلى النبي ﷺ . أما الأول: فمن أوجه منها ثلاثة: أحدها: من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي، حدثني الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا: "من أدرك من صلاة الجمعة ركعة، فقد أدرك الصلاة" (١). رواه الحاكم في "مستدركه" (١/ ٤٢٩)، من طريق محمد بن ميمون الإسكندراني حدثنا الوليد به، ثم قال: هذا حديث إسناده صحيح على شرط

стр. 288

الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ، إنما اتفقا على حديث الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا: "من أدرك من الصلاة ركعة ومن أدرك من صلاة العصر ركعة"، ولمسلم فيه الزيادة: "فقد أدركها كلها". ثانيها: من طريق أسامة بن زيد الليثي عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا: "من أدرك من صلاة الجمعة ركعة، فليصل إليها أخرى". رواه الحاكم أيضا في "مستدركه" (١/ ٤٢٩) من طريق الفضل بن محمد الشعراني ثنا سعيد بن أبي مريم نا يحيى بن أيوب نا أسامة به. ثم قال: هذا حديث صحيح إسناده على شرط الشيخين. ويحيى هذا هو الغافقي، وإن احتج به الشيخان وغيرهما، فقد قال أبو حاتم في حقه: محله الصدق، ولا يحتج به. وقال النسائي: ليس بالقوي. وأسامة بن زيد: من رجال مسلم، وقال يحيى بن معين: كان يحيى القطان يضعفه. ثم قال يحيى بن معين: هو ثقة. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن عدي: ليس به بأس. الثالث: من طريق حماد بن زيد عن مالك بن أنس، وصالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن أبى سلمة مرفوعًا: "من أدرك من الجمعة ركعة، فليصل إليها أخرى". رواه الحاكم أيضًا في "مستدركه"، من طريق عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي نا حماد به. وقال فيه كما قال في الطريقين قبله. وصالح هذا لينه البخاري، وضعفه النسائي، وأحمد، وأبو زرعة، وقال ابن حبان: اختلط عليه ما سمع بما لم يسمع، فحدث بالكل، فينبغي أن لا يحدث عنه. وهذه الطرق الثلاث أحسن طرق هذا الحديث. والحديث في "الصحيحين"، وذكر الجمعة قاله أربعة أنفس عن الزهري،

стр. 289

عن أبي سلمة كلهم ضعفاء، أي: وهم أسامة بن زيد، وصالح بن أبي الأخضر، وسليمان بن أبي داود، وعبد الرزاق بن عمر الدمشقي. * قلت: قد تابعهم الأوزاعي، ومالك؛ كما سلف من طريق الحاكم، وصححهما على شرط الشيخين، وقال في رواية: أسامة وصالح مثل ذلك، وتابعهم أيضًا ياسين بن معاذ، والحجاج، ومعاذ؛ كما سلف. وأما حديث ابن عمر فله أيضًا طرق: أحدها: من طريق الزهري عن سالم عن أبيه رفعه: "من أدرك ركعة من صلاة الجمعة، أو غيرها، فليضف إليها أخرى وقد تمت صلاته" (١). وفي لفظ: "وقد أدرك الصلاة". رواه الدارقطني في "سننه" من طريق محمد بن مصفى، وعمرو بن عثمان قالا: ثنا بقية، قال: حدثني يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري به، ثم قال: قال لنا ابن أبي داود: لم يروه عن يونس إلا بقية. وقال ابن أبي حاتم في "علله": سألت أبي عن هذا الحديث، فقال: هذا خطأ المتن، والإسناد، إنما هو عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا: "من أدرك من صلاة ركعة فقد أدركها"، وأما قوله: "من صلاة الجمعة"، فليس هذا في الحديث، فوهم في كليهما. الطريق الثاني: من طريق يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر رفعه "من أدرك من الجمعة ركعة فقد أدركها، وليضف إليها أخرى"، وفي لفظ: "من أدرك ركعة من الجمعة فليصل إليها أخرى" (٢). رواه الدارقطني في "سننه" أيضًا من حديث يعيش بن الجهم، ثنا عبد الله

стр. 290

ابن نمير عن يحيى باللفظ الأخير، ومن حديث عيسى بن إبراهيم ثنا عبد العزيز ابن مسلم عن يحيى باللفظ الأول. ورواه الطبراني من حديث إبراهيم بن سليمان الدباس عن عبد العزيز به بلفظ: "من أدرك ركعة من الجمعة، فقد أدرك"، ثم قال: لم يروه عن يحيى إلا عبد العزيز، تفرد به إبراهيم بن سليمان. وذكر الدارقطني في "علله" الاختلاف فيه، ثم قال: "والصواب وقفه على ابن عمر". الطريق الثالث: عن إبراهيم بن عطية الثقفي عن يحيى بن سعيد، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه رفعه: "من أدرك من الجمعة ركعة فليصل إليها أخرى". رواه أبو حاتم ابن حبان في "تاريخ الضعفاء" في ترجمة إبراهيم هذه، ثم قال في حقه: "منكر الحديث جدًّا، وكان هشيم يدلس عنه أخبارًا لا أصل لها، وهو حديث خطأ". قال ابن عبد الهادي: "وإسناده جيد، لكن تكلم فيه أبو حاتم، وقال: هذا خطأ المتن، والإسناد. وقال ابن أبي داود: لم يروه عن يونس إلا بقية. وقد رواه النسائي أيضاً من حديث سليمان بن بلال عن يونس عن ابن شهاب عن سالم أن رسول الله ﷺ قال: "من أدرك ركعة من صلاة من الصلوات، فقد أدركها، إلا أنه يقضي ما فاته"، وهو مرسل" (١). وعلى فرض أنَّا سلَّمنا بأن كافة الطرق معلولة، وهِبْنَا أبا حاتم فلم نخالفه، فماذا نصنع بإجماع الصحابة؟ فإن قيل: لعل الصحابة أخذوا فقه الحديث من طريق الصحيحين؛ أي باللفظ الثابت فيهما، وليس فيه ذكر الجمعة!

стр. 291

قُلنا: هذا فيه نظر إلا على واسع الخطو في القياس، فإن الجمعة ليست هي الظهر، ولو أخذه بعضهم فمن البعيد أن يتفقدا من غير نص من رسول الله ﷺ ، فأيهما أولى مخالفة: أبي حاتم، أو مخالفة الصحابة؟! فإن قول أبي حاتم يحتمل الصواب والخطأ، وإجماع الصحابة لا يحتمل الخطأ. قال شيخ الإسلام: "الرابع: أن الجمعة لا تدرك إلا بركعة، كما أفتى به أصحاب رسول الله ﷺ منهم: ابن عمر، وابن مسعود، وأنس وغيرهم، ولا يعلم لهم في الصحابة مخالف، وقد حكى غير واحد أن ذلك إجماع الصحابة" (١). ثم وجدت في "مسائل الإمام أحمد بن حنبل وابن راهويه" (١/ ١٢٢) احتجاجه بالحديث: "قُلْتُ: مسافر أدرك من صلاة المقيمين ركعةً، أو أدركهم جلوسًا، قَالَ: يصلي بصلاتهم، وإذا أدركهم جلوسًا؟ يصلي بصلاتهم، فلولا الحديثُ في الجمعة لكان ينبغي له أن يصلي ركعتين". وفي "شرح الزركشي" الحنبلي قوله: "إلا أن أحمد قال: لولا الحديث الذي يروى في الجمعة، لكان ينبغي أن يصلي ركعتين، إذا أدركهم جلوسًا. وظاهر هذا أنه يعتمد عليه" (٢). فالملاحظ: أن التقليد كما هو في الفقه، فهو موجود في الحديث، فانظر كيف تتابع أكثر أصحاب كتب التخريج على تقليد أبي حاتم، والدارقطني، ولم يتفطَّنوا إلى أن اتفاق الصحابة لا بد له من مستند، وإلا فأين يقع علم أبي حاتم والدارقطني من علم الإمام أحمد؟! وعند التأمل: فإن النظر لا يستبعد أن يكونا حديثين، فإن في صحيفة همام

стр. 292

مئة حديث بإسناد وأحد، كلها صحيحة، أخرج البخارى قطعة منها في "صحيحه"، وكذا مسلم، كيف وقد أفتى به تلاميذ النبي الكريم ﷺ وأعرف الناس بحديثه؟ وهم الشهداء حقًّا بصدق الحديث أو خطئه! وهذا من الأدلة البينة أن الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀، معدود من الأئمة القلائل المجددين لما اندرس من سنة النبي ﷺ ، والله ولي التوفيق.

стр. 293

الحديث الثاني والستون حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﵌ قال: "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة، أضاء له من النور ما بين الجمعتين". ــ قال المستدرك: "الحديث موقوف، ولا يصح مرفوعًا، كما قال النسائي وغيره". ثم قال في آخر بحثه: "لكن مثله لا يقال بالرأي، فله حكم الرفع". فهو كما قيل: فسَّر الماء بعد جهد بالماء!

стр. 294

الحديث الثالث والستون حديث عبد الله بن السائب: "شهدتُ العيد مع النبي ﷺ فلما قضى الصلاة قال: إنا نخطب، فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب". ــ قال المستدرِكُ: "الحديث معلول بالإرسال، أعلَّه بذلك أبو داود والنسائي، وابن معين، والبيهقي، وابن خزيمة". * الجواب: قال البخاري ﵀: حدثنا حِبَّانُ بن مُوسَى، أخبرنا عبد اللَّهِ قال: أخبرني يُونُسُ عن الزُّهْرِيِّ قال: حدثني أبو عُبَيْدٍ مولى بن أَزْهَرَ: "أنَّهُ شَهِدَ الْعِيدَ يوم الأضْحَى مع عُمَرَ بن الْخَطَّاب ﵁، فَصَلَّى قبل الْخطْبَةِ، ثمَّ خَطَبَ الناس فقال: يا أَيُّهَا الناس؛ إِنَّ رَسُولَ الَلَّهِ ﷺ قد نَهَاكُمْ عن صيام هَذَيْنِ الْعِيدَيْنِ، أَمَّا أحدهما فَيَوْم فِطْرِكمْ من صِيَامِكُمْ وَأَمَّا الآخَر فَيَوْم تأكلون نسُكِكمْ". قال أبو عُبَيدٍ: ثُمَّ شَهِدْتُ مع عُثْمَانَ بن عَفَّانَ فَكَانَ ذلك يوم الجمعة، فَصَلَّى قبل الْخطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ فقال: "يا أَيُّهَا الناس؛ إِنَّ هذا يَوْم قد اجْتَمَعَ لَكمْ فيه عِيدَان، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْتَظِرَ الْجُمعَةَ من أَهْلِ الْعَوَالِي فَلْيَنْتَظِرْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَقَدْ أَذِنْتُ له" (١).

стр. 295

فعثمان ﵁ قال هذا القول بمحضر من الصحابة، ولم ينكر عليه أحد منهم، فدل على إجماعهم أن هذا من السنة، وهذا مما يؤكد صحة الحديث موصولاً، فلله دَرّ أبي عبد الرحمن كم حفظ الله به من السنن، وبالله التوفيق.

стр. 296

الحديث الرابع والستون عن أبي سعيد الخدري ﵁: "كان رسول الله ﷺ لا يصلِّي قبل العيد شيئًا". ــ قال المستدرك: "الحديث ضعيف، وابن عقيل لا يحتج به، وقد تفرد بالحديث .. ". * الجواب: الحديث رواه عبد الله بن أحمد في زوائد "المسند": حدثنا عبد اللَّهِ حدثني أبي ثنا زكريا بن عدي أنا عُبَيْدُ اللَّهِ عن عبد اللَّهِ بن مُحَمَّدِ بن عَقِيل عن عَطَاءِ بن يسار عن أبي سَعِيدٍ الخدري قال: "كان رسول اللَّهِ ﷺ يفْطِرُ يوم الفطر قبل أَن يَخْرُجَ، وكان لا يصلي قبل الصَّلاةِ، فإذا قَضَى صَلاتَهُ صلى ركعتين" (١). قال الحافظ: بإسناد حسن (٢). وهو كذلك، فإن ابن عقيل لا ينزل حديثه عن الحسن، وحكى الترمذي عن الإمام أحمد وإسحاق أنهما كانا يحتجان به، وعن البخاري قال: مقارب الحديث، أي يقارب حديثه حديث الثقات.

стр. 297

وأما دعوى التفرد؛ فلا تصح، فإنه قيَّد الركعتين في بيته. ويدل على ذلك أنه ثبت عن ابن مسعود وحذيفة النهي عن الصلاة قبل العيد، ففي "مصنف عبد الرزاق": عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين: "أن ابن مسعود وحذيفة، كانا ينهيان الناس، أو قال: يجلسان من رأياه يصلي قبل خروج الإمام يوم العيد" (١). وثبت عن ابن مسعود الصلاة بعد العيد، فقد روى عبد الرزاق عن الثورى عن صالح عن الشعبي قال: "كان ابن مسعود يصلي بعد العيدين أربعًا" (٢). وروى عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين، وقتادة: "أن ابن مسعود كان يصلي بعدها أربع ركعات، أو ثمان، وكان لا يصلي قبلها" (٣). ويقرِّبُ هذا: أن عبد الرزاق روى كلا الأمرين عن الشعبي، فإنه روى عن ابن التيمي عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: "خرجت معه في يوم عبد، فلم يصلِّ قبلها، ولا بعدها، قال: ثم خرجتُ أنا ومسروق وشريح إلى الجبانة، فلم نصلِّها قبلها، ولا بعدها. قال إسماعيل: وقام رجل يصلي يوم العيد بعد الصلاة، فنهاه عامر ولم يدعه يصلي بعدها" (٤). وروى عن إسرائيل بن يونس عن عيسى بن أبي عزة قال: "رأيت عامرًا يصلي بعد العيدين ركعتين" (٥).

стр. 298

الحديث الخامس والستون قول عمر ﵁: "صلاة العيد والأضحى ركعتان ركعتان، تمام غير قصر، على لسان نبيكم، وقد خاب من افترى". ــ قال المستدرك: "الحديث منقطع، أعلَّه بذلك ابن معين والنسائي وغيرهما". * الجواب: روى هذا الحديث النسائي في "الكبرى" (١٧٣٤)، وابن ماجه (١٠٦٣)، وأبو حاتم ابن حبان (٢٧٨٣)، وقال النسائي: ابن أبي ليلى لم يسمعه من عمر. وقد روى أبو يعلى الموصلي في "مسنده" (٢٤١) عن محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال: سمعت أبي يقول: ثنا الحسين بن واقد عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت، أن عبد الرحمن بن أبي ليلى حدثه قال: "خرجتُ مع عمر بن الخطاب إلى مكة، فاستقبلنا أمير مكة نافع بن علقمة، فقال: من استخلف على مكة؟ قال: استخلف عليها عبد الرحمن بن أبزى". والحديث مذكور في مسلم من طريق أبي الطفيل، وهذا الطريق الذي ذكره أبو يعلى فيه دليل على صحبة عبد الرحمن بن أبي ليلى لعمر ﵁ (١).

стр. 299

قال مسلم بن الحجاج: "وأسند عبد الرحمن بن أبي لَيْلَى، وقد حَفِظَ عن عُمَرَ بن الْخَطَّابِ". وعلى فرض أن عبد الرحمن لم يسمع من عمر، فقد قال البيهقي (٣/ ١٩٩) بعد أن أخرجه: رواه يحيى القطان عن سفيان عن زبيد عن ابن أبي ليلى عن الثقة عن عمر. ثم أخرجه بإسناد صحيح، عن ابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة عن عمر قال: قال عمر: "صلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، وصلاة المسافر ركعتان، تمام غير قصر".

стр. 300

الحديث السادس والستون حديث: "أن رسول الله ﷺ كان يكبر يوم الفطر من حين يخرج من بيته حتى يأتي المصلَّى". ــ قال المستدرك: "الصواب: أن الحديث ضعيف مرفوعًا صحيح موقوفًا، كما قال البيهقي". * الجواب: قال ابن خزيمة: "أخبرنا أبو طاهر نا أبو بكر نا أحمد بن علي بن وهب ثنا عمي ثنا عبد الله بن عمر عن نافع عن عبد الله بن عمر: "أن رسول الله ﷺ كان يخرج في العيدين مع الفضل بن عباس، وعبد الله بن عباس، والعباس، وعلي، وجعفر، والحسن والحسين، وأسامة بن زيد، وزيد بن حارثة، وأيمن ابن أم أيمن رافعًا صوته بالتهليل، والتكبير، فيأخذ طريق الحدادين حتى يأتي المصلَّى، فإذا فرغ رجع على الحذائين حتى يأتي منزله" (١) وعبد الله بن عمر العمري: يُضَعَّفُ من قبل الخطأ. وله شاهد رواه الحاكم (٤/ ٢٥٦) من طريق إسحاق بن بزرج عن زيد بن

стр. 301

الحسن عن أبيه قال: "أمرنا رسول الله ﷺ في العيدين، أن نلبس أجود ما نجد، وأن نتطيَّب بأجود ما نجد، وأن نضحي بأسمن ما نجد: البقرة عن سبعة، والجزور عن عشرة، وأن نظهر التكبير، وعلينا السكينة والوقار"، وقال الحاكم: لولا جهالة إسحاق هذا، لحكمت للحديث بالصحة. وتعقبه ابن كثير قائلاً: "قلت: ليس بمجهول، فقد ضعفه الأزدي، ووثقه ابن حبان" (١). وذكره ابن أبي حاتم، ولم يذكر فيه جرحًا، ومن عادته الجرح عند وجود سببه. وقال ابن أبي حاتم: "إسحاق بن بزرج مصرى روى عن الحسن بن علي، روى عنه الليث بن سعد، سمعتُ أبي وأبا زرعة يقولان ذلك". قال المزي: "إسحاق بن بزرج الفارسي مولى أم حبيبة" (٢). فحديثه مما يصلح أن يستشهد به ولا ريب. وقد تظافرت الآثار عن الصحابة في العمل به: قال الطحاوي: "حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا عائذ بن حبيب عن الحجاج عن سعيد بن أشوع عن حنش بن المعتمر، قال: "رأيت عليًّا ﵁ أتي ببغلته يوم الأضحى فركبها، فلم يزل يكبر حتى أتى الجبانة". ووجدنا محمد بن خزيمة قد حدثنا قال: حدثنا يوسف بن عدي، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن ابن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان يخرج يوم الفطر ويوم الأضحى يكبر يرفع بذلك صوته، حتى يجيء المصلى". ووجدنا يوسف بن يزيد قد حدثنا قال: حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا

стр. 302

الدراوردي عن موسى بن عقبة، وعبيد الله بن عمر عن نافع: "أن ابن عمر كان إذا خرج من بيته إلى العيد كبر حتى يأتي المصلى، ولا يخرج حتى تطلع الشمس". ووجدنا محمد بن خزيمة وابن أبي داود قد حدثانا قالا: حدثنا يوسف بن عدي، حدثنا ابن إدريس، عن يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة، عن محمد بن إبراهيم: "أن أبا قتادة كان يكبر يوم العيد حتى يبلغ المصلَّى". قال أبو جعفر: فكان ما روينا عن علي وابن عمر وأبي قتادة في ذلك التكبير أنه في الطريق إلى المصلى لا فيما سواه. ووجدنا أبا أمية قد حدثنا قال: حدثنا جعفر بن عون المخزومي، ثم العمري أخبرنا الأعمش عن تميم بن سلمة قال: "خرج ابن الزبير يوم العيد فلم يرهم يكبرون، فقال: ما لهم لا يكبرون؟! أما والله لئن فعلوا ذلك، لقد رأيتنا في عسكر ما يرى طرفاه، فيكبر الرجل ويكبر الذي يليه حتى يرتج العسكر، وإن بينكم وبينهم كما بين الأرض السفلى إلى السماء الدنيا". قال أبو جعفر: فكان في هذا الحديث عن ابن الزبير في التكبير" (١). والحديث والآثار تفسير عملي لقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥].

стр. 303

الحديث السابع والستون حديث عبد الله بن زيد: "رأيت النبي ﷺ حين استسقى أطال الدعاء وأكثر المسأله، قال: ثم تحول إلى القبلة، وحوَّل رداءه، فقلبه ظهرًا لبطن، وتحول الناس معه". ــ قال المستدركُ: "لم أجد هذه اللفظة في مسند أحمد، ولهذا الحديث طرق أخرى كثيرة لم أقف في شيء منها على هذا اللفظ، فهو لفظ خطأ ليس في الطرق الصحيحة لحديث عبد الله بن زيد. وهذا اللفظ لو صح لكان نصًّا في مسألة خلافية، وهي هل يحول الناس أرديتهم مع الإمام؟ ". * قلت: هذا ونحن في عمر الطباعة والحاسوب! أما قولك: وهذا اللفظ لو صح ...... فهو يدل على أنك تعتقد ثم تستدل، فمع أنك لم تقف عليها إلا أنك بادرت في الحكم عليها، فكيف لو وجدتها في. "علل ابن أبي حاتم"، أو

стр. 304

"التاريخ الكبير"؟ وهذه ليست طريقة أهل الحديث، أهل الرواية والدراية، بل هو ضرب من الخرص والقول بلا علم! * قلت: بل هي في "مسند الإمام أحمد": حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يعقوب قال: ثنا أبي عن ابن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي بَكْرٍ عن عَبَّادِ بن تَمِيمِ الأنصاري ثُمَّ المازني عن عبد اللَّهِ بن زَيْدِ بن عَاصِمٍ -وكان أَحَدَ رَهْطِهِ وكان عَبد اللَّهِ بن زَيْدٍ من أَصْحَابِ رسول اللَّهِ ﷺ ، قد شَهِدَ معه أُحُدًا- قال: "قد رأيت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حين اسْتَسْقَى لنا أَطَالَ الدُّعَاءَ، وَأكْثَرَ الْمَسْأَلَةَ، قال: ثُمَّ تَحَوَّلَ إلى القبلة، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ فَقَلَبَهُ ظهر البطن وَتَحَوَّلَ الناس معه" (١). وأشار إليها الحافظ في "الفتح" و"الدراية"، وابن كثير في "التحفة"، وابن الملقن في "البدر"، والمباركفوري في "التحفة"، وغيرهم. قال الحافظ: "واستحب الجمهور أيضًا أن يحول الناس بتحويل الإمام، ويشهد له ما رواه أحمد من طريق أخرى عن عباد في هذا الحديث بلفظ: "وحول الناس معه" (٢). والحديث أخرجه الضياء في "المختارة" (٩/ ٣٦١)، ولو لم ترد هذه الزيادة الصحيحة، لقلنا: إن هذا من السنة، لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] فلله الحمد.

стр. 305

الحديث الثامن والستون حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "أكثروا من ذكر هاذم اللذات". ــ قال المستدرك: "الحديث ضعيف، ضعفه من الأئمة الدارقطني". ثم نقل عن الدارقطني قوله: "والصحيح مرسل". يعني عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن النبي ﷺ ، وصح مرسلاً أيضًا عن زيد بن أسلم عن النبي. * قلت: ويشهد للمرفوع والمرسَلَين ما رواه مسلم (٩٧٦) عن أبى هريرة قال: "زَارَ النبي ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى، وَأَبْكَى من حَوْلَهُ، فقال: اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي في أَنْ أَسْتَغْفرَ لها، فلم يُؤْذنْ لي، وَاستَأْذَنْتُهُ في أَنْ أَزُورَ قَبْرهَا فأُذِنَ لي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فإِنَّهَا تُذَكَّرُ الْمَوْتَ". فالحديث لا ريب في ثبوته، وقد جاء في معناه أحاديث كثيرة.

стр. 306

الحديث التاسع والستون قوله ﷺ لعائشة ﵁: "لو مُتِّ قبلي لغسَّلتك وكفَّنتك". ــ قال المستدرك: "قوله "لغسلتك"، لا يثبت". * الجواب: قال الحافظ: "وَأَعَلَّهُ الْبَيْهَقِيُّ بِابْنِ إِسْحَاقَ، ولم يَنْفَرِدْ بِهِ؛ بَلْ تَابَعَهُ عليه صَالِحُ بن كَيْسَانَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ" (١). ففي "المسند" (٦/ ٢٢٨): حدثنا عبد اللَّهِ حدثني أبي ثنا يَزِيدُ أنا إِبْرَاهِيمُ ابن سَعْدٍ عن صَالِحِ بن كَيْسَانَ عَنِ الزهري عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ قالت: "دخل عَلَيَّ رسول اللَّهِ ﷺ في الْيَوْمِ الذي بدأ فيه، فقلتُ: وَارَأْساهُ! فقال: وَدِدْتُ أن ذلك كان وأنا حي فَهَيَّأْتُكِ وَدَفَنْتُكِ". وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (١٤/ ٥٥١) رقم (٦٥٧٦). أي: يتولى غسلها وتكفينها. وأخرج مسلم من حديث معاذة العدوية عن عائشة ﵁: "قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء -بيني وبينه- واحد، فيبادرني حتى أقول: دع

стр. 307

لي دع لي. قالت: وهما جنبان" (١). وقد اشتهر الأمر عند الصحابة بغير نكير: قال البيهقي (٣/ ٣٩٦): أخبرنا أبو عبد الله، وأبو بكر، وأبو زكريا، وأبو سعيد قالوا: حدثنا أبو العباس، قال: أخبرنا الربيع، قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد عن عبد الله بن أبي بكر عن الزهري، عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: "لو استقبلنا من أمرنا معرفة ما استدبرنا ما غسل رسول الله ﷺ إلا نساؤه" (٢). حدثناه أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني محمد بن المؤمل، قال: حدثنا الفضل بن محمد، قال: حدثنا النفيلي، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، قال: حدثني محمد بن موسى عن عون عن عمارة بن المهاجر، عن أم جعفر، قالت: حدثتني أسماء بنت عميس، قالت: "غسلت أنا وعلي فاطمة بنت رسول الله ﷺ " (٣)، وذكر غيره عن محمد بن موسى وصيتها بذلك. وأخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان قال: أخبرنا أحمد بن عبيد، قال: حدثنا محمد بن يونس، قال: حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد عن يزيد بن الهاد عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أسماء بنت عميس قالت: "لما ماتت فاطمة ﵂ غسلها علي بن أبي طالب ﵁" (٤). وصحَّ ذلك عن ابن عباس: قال ابن أبي شيبة: حدثنا مُعْتَمِرُ بن سُلَيْمَانَ الرَّقِّيُّ عن حَجَّاجِ عن دَاوُد بن حُصيْنِ عن عِكْرِمَةَ عَنِ ابن عَبَّاسِ قال: "الرَّجُلُ أَحَقُّ بِغُسْلِ امْرَأَتِهِ" (٥).

стр. 308

الحديث السبعون حديث المغيرة: "السقط يُصَلَّى عليه". ــ قال المستدرك: "هذا الحديث ضعيف مرفوعًا، صحيح موقوفًا على المغيرة، وممَّن ذهب إلى ذلك من الأئمة: الدارقطني، ورواه الطبراني موقوفًا على المغيرة، وقال: "لم يرفعه سفيان"، وأعلَّ الحديث أيضًا ابن حزم" اهـ. * الجواب: قال الحافظ: "في ذلك ما أخرجه النسائي وصححه ابن حبان والحاكم عن جابر رفعه: "إذا استهل الصبي؛ ورث وصُلِّي عليه"، وقد ضعفه النووى في شرح المهذب، والصواب: أنه صحيح الإسناد، لكن المرجَّح عند الحفاظ وقفه، وعلى طريق الفقهاء لا أثر للتعليل بذلك، لأن الحكم للرفع لزيادته" (١). والحق ما ذهب إليه فقهاء المحدثين، ومنهم الإمام أحمد، فقد ذهب إلى تصحيح حديث المغيرة، قال: السقط يُصلَّى عليه، إذا تم خلقه، عن سعيد بن المسيب، قال: قال أبو بكر: "أحق من صلينا عليه أطفالنا، والصلاة لا تضر". والمغيرة بن شعبة يرفعه إلى النبي ﷺ ، يصلى عليه إذا تم خلقه عتقت به الأمة

стр. 309

يعني أم الولد، إذا تبين يد أو رجل، وانقضت به العدة ويصلى عليه ويغسل، كان محمد بن سيرين يرى أن يسميه" (١). وقال: "السقط يورث إذا استهل، والاستهلال: أن يبكي أو يصرخ، فإن لم يصرخ ولم يبك واختلج فلا يورث" (٢). * قلت: ويشهد لحديث المغيرة ما رواه مسلم: عن عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵁ قالت: "دُعِيَ رسول اللَّهِ ﷺ إلى جَنَازَةِ صَبِيٍّ من الأَنْصَارِ، فقلت: يا رَسُولَ اللًّهِ؛ طُوبَى لِهَذَا عُصْفُورٌ من عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ، لم يَعْمَلْ السُّوءَ، ولم يُدْرِكْهُ، قال: أَوَغير ذلك يا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلاً خَلَقَهُمْ لها وَهُمْ في أَصْلابِ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلاً خَلَقَهُمْ لها وَهُمْ في أَصْلَابِ آبَائِهِمْ" (٣). والصبي: تطلق على المولود، فقد روى البخاري: عن سَهْلٍ قال: أُتِيَ بِالْمُنْذِرِ بن أبي أسيد إلى النبي ﷺ حين وُلدَ، فَوَضَعَهُ على فَخِذِهِ وأبو أُسيدٍ جالس، فَلَهَا النبي ﷺ بشَيءٍ بين يَدَيْه، فَأَمَرَ أبو أُسَيْدٍ بِابْنِهِ فَاحْتُمِلَ من فَخِذِ النبي ﷺ ، فَاسْتَفَاقَ النبي ﷺ فقال: "أَيْنَ الصَّبيُّ؟ فقال أبو أُسيْدٍ: قَلَبْنَاهُ يا رَسُول اللَّهِ، قال: ما اسْمُهُ؟ قال: فُلانٌ. قال: وَلَكِنْ اسمه الْمُنذِرَ. فَسَمَّاهُ يَؤمَئِذٍ الْمُنْذِر" (٤).

стр. 310

الحديث الحادى والسبعون حديث علي ﵁ أنه قال للنبي ﷺ : "إن عمك الشيخ الضال قد مات، قال: اذهب فواره". ــ قال المستدرك: "الحديث ضعيف، ضعَّفه ابن المديني، والبيهقي". * قلت: الحديث رواه الإمام أحمد (١/ ٩٧) عن وكيع عن سفيان، ورواه أبو داود (٣٢١٤) عن يحيى بن سعيد عن سفيان، ورواه النسائي (١٩٠) أيضًا عن ابن مثنى عن غندر عن شعبة عن أبي إسحاق. وسئل الدارقطني عن هذا الحديث فقال: "رواه شعبة، والثوري، وإسرائيل، وشريك، وزهير، وقيس، وورقاء، وإبراهيم بن طهمان عن أبي إسحاق عن ناجية بن كعب عن علي، وخالفهم الحسين بن واقد، وأبو حمزة السكري، فروياه عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي، ووهما في ذكر الحارث، وذكر فيه من الاختلاف غير هذا. وقال: والمحفوظ قول الثوري وشعبة ومن تابعهما عن أبي إسحاق عن ناجية بن كعب عن علي، وكذلك رواه فرات القزاز عن ناجية بن كعب" (١).

стр. 311

قال الحافظ: "وَمَدَارُ كَلام الْبَيْهَقِيِّ على أَنَّهُ ضعيف، وَلا يَتَبَيَّنُ وَجْهُ ضَعْفِهِ" (١). قال ابن أبي حاتم: "ناجية بن كعب العنزي أخو سلمى بنت كعب أبو خفاف، روى عن علي، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود، روى عنه أبو إسحاق، وأبو حسان الأعرج، ويونس بن أبي إسحاق، سمعت أبي يقول ذلك، نا عبد الرحمن أنا أبو بكر بن أبي خيثمة فيما كتب إليَّ قال: سئل يحيى بن معين عن ناجية بن كعب؟ فقال: صالح، سمعتُ أبي يقول: ناجية شيخ" (٢). وقال في "المعرفة": "ناجية بن كعب كوفي تابعي ثقة" (٣). وقال الذهبي في "المغني": "ناجية بن كعب عن علي، توقف فيه ابن حبان وقواه غيره، وقال ابن معين: صالح" (٤). وقال في "التقريب": "ناجية بن كعب الأسدي عن علي: ثقة من الثالثة أيضاً، وهم من خلطه بالأول د ت س" (٥). وقال: "وقال العجلي: "ناجية بن كعب كوفي ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات" (٦). قال الضياء في "المختارة": "إسناده صحيح". وهو الحق الذي لا مرية فيه، فإن هذا الأمر واجب على علي ﵁، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي

стр. 312

الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: ١٥]. فطاعة الوالدين الكافرين والبر بهما واجب في غير معصية، وقد روى البخاري عن ابن عُمَرَ ﵁ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بن أُبَيٍّ لَمَّا تُوُفِّيَ جاء ابْنُهُ إلى النبي ﷺ فقال: "يا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِنِي قَمِيصَكَ اُكَفِّنْهُ فيه، وَصَلِّ عليه وَاسْتَغْفِرْ له، فَأَعْطَاهُ النبي ﷺ قَمِيصَهُ فقال: آذِنِّي أُصلِّي عليه، فَآذَنَهُ فلما أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عليه جَذَبَهُ عُمَرُ ﵁ فقال: أَلَيْسَ الله نَهَاكَ أَنْ تُصَلِّيَ على الْمُنَافِقِينَ؟ فقال: أنا بين خيَرَتَيْن، قال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ فَصَلَّى عليه، فَنَزَلَتْ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ " (١). وقد روى سعيد بن منصور عن ابن عباس ما يدل على ما تقدم: حدثنا سعيد قال: نا سفيان عن أبي سنان عن سعيد بن جبير قال: "جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إن أبي مات نصرانيًّا، فقال له: اغسله وكفنه، وحنطه، ثم ادفنه، ثم قال هذه الآية: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٣ - ١١٤] قال: لما مات على كفره تبين له أنه عدو لله فتبرأ منه (٢).

стр. 313

الحديث الثاني والسبعون حديث ابن عمر: "رأيت النبي ﷺ وأبا بكر يمشون أمام الجنازة". ــ قال المستدرك: "هذا الحديث معلول بالإرسال .......... ". * الجواب: الحديث احتج به أحمد في رواية أبي طالب ومهنا، لكن قال في رواية الأثرم وإبراهيم بن الحارث: "ما أراه محفوظًا، عدة أرسلوه، وما أراه إلا من كلام الزهري، قيل له: فتذهب إلى المشي أمام الجنازة؟ فقال: نعم" (١). ثم قال الزركشي: "ابن المنكدر سمع ربيعة يقول: رأيت عمر يقدم الناس أمام الجنازة، وكذا قال الترمذي: إن أهل الحديث يرون أن المرسل أصح. وهذا لا يخرج الحديث عن الحجية على قاعدة أحمد في المرسل" (٢). قال ابن المنذر: ثبت أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة. وقال البيهقي: "ومن وصله واستقر على وصله، ولم يختلف عليه فيه وهو

стр. 314

سفيان بن عيينة حجة ثقة، والله أعلم". يشير إلى ترجيح الموصول، ثم ساق بإسناده عن عدد من الصحابة المشي أمام الجنازة. أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله بن بشران أنبأ إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا سعدان بن نصر ثنا سفيان، عن ابن المنكدر عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير: "أنه رأى عمر بن الخطاب ﵁ يقدم الناس أمام جنازة زينب بنت جحش ﵂" (١). أخبرنا أبو علي الروذباري، أنبأ أبو محمد بن شوذب الواسطي، ثنا أحمد ابن سنان، ثنا وهب بن جرير، ثنا شعبة، عن عدي، عن أبي حازم قال: "رأيت أبا هريرة، والحسن بن علي ﵂ يمشيان أمام الجنازة" (٢). أخبرنا أبو طاهر الفقيه أنبأ أبو حامد بن بلال ثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي ثنا المحاربي عن سعد بن طارق الأشجعي قال: قلت لأبي حازم: "هل حفظت جنازة مشى معها قوم من الفقهاء أمامها؟ قال: نعم رأيت عبد الله بن عمر وحسن بن علي وابن الزبير يمشون أمامها حتى وضع" (٣). أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب أنبأ الربيع بن سليمان أنبأ الشافعي أنبأ ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبيد مولى السائب قال: "رأيت ابن عمر وعبيد بن عمير يمشيان أمام الجنازة، فتقدما فجلسا يتحدثان، فلما حاذت بهما قاما" (٤).

стр. 315

وأخبرنا أبو زكريا وأبو بكر بن الحسن قالا: ثنا أبو العباس بن يعقوب أنبأ بحر بن نصر ثنا بن وهب أخبرني بن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة أنه: "رأى أبا هريرة وعبد الله بن عمر وأبا أسيد الساعدي وأبا قتادة ﵃ يمشون أمام الجنازة". أخبرنا أبو عبد الله الحافظ: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أبو بكر يحيى بن أبي طالب، ثنا أبو داود، ثنا قيسِ بن الربيع، عن عاصم بن بهدلة، عن زياد بن قيس الأشعري، قال: "أتيت المدينة، فرأيت أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار يمشون أمام الجنازة" (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والمرسل إذا اعتضد بقول الصحابي صار حجة بالاتفاق" (٢). وتقدم في كلام الزركشي أن الإمام أحمد اختلف قوله في الحديث، وهذا يدل أن ترجيح أحد الأمرين نسبي، والقرائن ينبغي أن تؤخذ من أحاديث أخر، أو من آثار الصحابة. ثم رأيت في "مسائل عبد الله ابن الإمام": "قال: ورأيت أبي إذا كان في جنازة يتقدم يمشي أمامها" (٣). فلله الحمد.

стр. 316

الحديث الثالث والسبعون حديث أبي هريرة: "فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثًا". ــ قال المستدرك: "هذا الحديث أعلَّه الحافظ أبو حاتم، فقال عنه: "هذا حديث باطل"، وأعلَّه الدارقطني، والطبراني". قال الحافظ في "التلخيص": "وقال أبو حَاتِمِ في الْعِلَلِ: (هذا حَدِيثٌ بَاطِلٌ) (١). قلت: إسْنَادُهُ ظَاهِرُهُ الصَحَّةُ، قال ابن ماجه: حدثنا الْعَبَّاسُ بن الْوَلِيدِ، ثَنَا يحيى بن صَالِحٍ، ثَنَا سَلَمَةُ بن كُلْثُومٍ، ثنَا الأَوْزَاعِيُّ، عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هُريْرةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صلَّى على جِنَازَةٍ، ثُمَّ أتى قَبْرَ المَيِّت، فَحَثَى عليه من قبل رَأسِهِ ثَلاثًا" (٢)، ليس لسَلَمَة بن كُلثُوم في "سُنَنٍ ابن ماجه" وَغَيْرِهَا إلاَّ هذا الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ، ورجاله ثِقَاتٌ.

стр. 317

وقد رَوَاهُ ابن أبي داود في كِتَابِ التَّفَرُّدِ له من هذا الْوَجْهِ، وزاد في الْمَتْنِ أنَّهُ "كَبَّرَ عليه أَرْبَعًا"، وقال بَعْدَهُ: ليس يُرْوَى في حَدِيثٍ صحِيحٍ أَنَّهُ ﷺ كَبَّرَ على جِنَازَةِ أربعًا، إلاَّ هذا، فَهَذَا حُكْمٌ منه بِالصِّحَّةِ على هذا الحديث. لَكِنَّ أبا حَاتِمِ إمَامٌ لم يَحْكم عليه بِالْبُطْلانِ إلاَّ بَعْدَ أَنْ تبين له، وَأَظُنُّ الْعِلَّةَ فيه عنعنة الأَوزَاعِيِّ، وَعَنْعَنَةَ شيخِه، وَهَذَا كُلُّهُ إنْ كان يحيى بن صَالِح هو الوحَاظِيّ شيخ البخارى، وَالله أَعْلَم" (١). فرحم الله الحافظ ابن حجر الذي يصنفه بعض المتأخرين على أنه من المتأخرين! انظر كيف هاب أن يخالف أبا حاتم مع أنه لم يظهر له وجه التعليل. والأمر كما قال أبو داود، فقد روى عبد الرزاق في "مصنفه" عن الخليفة الراشد علي ﵁ هذه السنة، قال: عن الثوري عن مالك بن مغول عن عمير بن سعد: "أن عليًّا حتى على يزيد بن المكفف -قال هو أو غيره- ثلاثاً" (٢). وروى أيضاً عن ابن عباس ﵁، قال عبد الرزاق عن معمر عن علي بن زيد بن جدعان: "أن ابن عباس لما دفن زيد بن ثابت حتى عليه التراب، ثم قال: هكذا يدفن العلم، قال علي بن زيد: فحدثت به علي بن الحسين فقال: وابن عباس والله قد دُفِنَ به علم كثير" (٣). وابن أبي شيبة في "مصنفه": عن زيد بن أرقم حدثنا وَكِيعٌ عن سفْيَانَ عن يَعقُوبَ قال: "أخبرني من رَأى زَيْدٌ بن أَرْقَمَ حَثَا في قَبْرِهِ ثَلاثَ حُثًا " (٤). فهذه الآثار وغيرها تدل على أنها سنة نبوية. وقد رأيتُ شيخَنا الحافظ العلامة عبد الله بن محمد الدويش ﵀، يحثو على قبر رجل بعد دفنه ثلاث حثيات.

стр. 318

الحديث الرابع والسبعون حديث عائشة ﵂ مرفوعًا: "كسر عظم الميت، ككسر عظم الحي". ــ قال المستدرك: "الصواب أنه موقوف على عائشة، أشار إليه البخاري وابن حزم". * الجواب: هذا الحديث رواه أحمد في "مسنده" (٦/ ٥٨)، وأبو داود (٣٢٠٧) وابن ماجه (١٦١٦) والبيهقي (٤/ ٥٨) في سننهم من حديث عائشة ﵂ بإسناد صحيح. وسعد بن سعيد الأنصاري المذكور في إسناده من رجال مسلم، ولذا قَالَ ابن القطان: إنه حديث حسن، وقد تابعه أخوه يحيى بن سعيد، وهو من الثقات الأثبات، أخرجه من جهته البيهقي في "سننه"، وأبو حاتم ابن حبان في "صحيحه". وهو يرد قول ابن حزم في "المحلى": "إن هذا الحديث لا يسند إلا من طريق سعد بن سعيد أخي يحيى بن سعيد، وهم ثلاثة: يحيى بن سعيد إمام ثقة، وعبد ربه بن سعيد لا بأس به، وسعد بن سعيد وهو ضعيف جدًّا لا يحتج به لا خلاف في ذَلِكَ، فبطل التعلق بهذا الحديث " هذا كلامه. وقوله في سعد بن سعيد: إنه ضعيف جدًّا، ليس كما ذكر، فقد أخرج له

стр. 319

مسلم في "صحيحه" محتجًّا به، ووثقه ابن معين، وذكره ابن حبان في "ثقاته"، وقد تقدم أن يحيى بن سعيد تابعه، وأخرجه الدارقطني من حديث زهير بن محمد عن إسماعيل بن أبي حكيم عن القاسم عن عائشة مرفوعًا به سواء. انتهى من "البدر المنير" (١). قال ابن حبان في "صحيحه" (٧/ ٤٣٧): أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كَسْرُ عَظْمِ المَيِّتِ". وقد حكى الحنابلة عن أحمد الاحتجاج بالحديث، قال البيهقي: "واحتج أحمد بحديث عائشة مرفوعًا: "كسر عظم الميت ككسر عظم الحي" رواه أبو داود وابن ماجه عن أم سلمة، وزاد في الإثم وأخرج النساء من ترجى حياته" (٢). والحق أن شاهد الحديث في "صحيح مسلم" (٩٧٠) من حديث جابر وأبي هريرة عن جَابِرٍ قال: "نهى رسول اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ وَأَنْ يُقْعَدَ عليه وَأَنْ يُبْنَى عليه". وعن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : "لأَنْ يَجْلِسَ أحدكم على جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إلي جِلْدِهِ، خَيرٌ له من أَنْ يَجْلِسَ على قَبْرٍ" (٣). وقد تعقب غير واحد ابن دقيق العيد في قوله: رواه مسلم، منهم الحافظ ابن حجر، ولعل هذا مراده ﵀ فإنه فقيه، فإذا كان القعود على قبر الميت منهي عنه، ومحرَّم؛ فمن باب أولى كسر عظمه، والله أعلم.

стр. 320

الحديث الخامس والسبعون حديث علي ﵁ مرفوعًا: "يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزئ عن الجلوس أن يرد أحدهم". ــ قال المستدرك: "الحديث ضعيف، ولا يتقوَّى بطرقه، وضعَّفه من الأئمة: أبو زرعة، وأبو حاتم، ويعقوب بن شيبة، وأبو داود". * قلت: قال المنذري: في إسناده سعيد بن خالد الخزاعي المدني، قال أبو زرعة الرازي: مدني ضعيف، وقال أبو حاتم الرازي: هو ضعيف الحديث، وقال البخاري: فيه نظر، وقال الدارقطني: ليس بالقوي. وحسَّن الحديث ابن عبد البر في "التمهيد"، قال: "وسعيد بن خالد هذا هو سعيد بن خالد الخزاعي مدني ليس به بأس عند بعضهم، وقد ضعفه جماعة منهم أبو زرعة وأبو حاتم" (١). وهذا من أبي عمر دليل بين أن التحسين يكون بالنظر إلى مجموع الطرق،
следующие страницы →