الحديث رقم (٥٤)
- الإرواء (٢/ ٣٣٦) رقم (٥٥١):
حديث ابن عباس مرفوعًا: "مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ اتِّباعِهِ عُذْرٌ"، قَالُوا: وَمَا الْعُذْرُ يا رسول الله؟ قَالَ: "خَوْفٌ، أَوْ مَرَضٌ، لَمْ يَقْبَلِ الله مِنْهُ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّى".
حكم الشيخ ﵀: صحيح مرفوعًا.
حكم المستدرك: صحيح موقوفاً.
الراجح عندي: أنه موقوف.
الحديث رواه أبو داود (٥٥١)، وابن عدي (٧/ ٢١٤)، والطبراني (١٢٢٦٦)، (٤٣٠٣)، والدارقطني في سننه (١/ ٤٢٠ - ٤٢١)، والطبراني في الكبير (١٢٢٦٦)، والحاكم (١/ ٢٤٥ - ٢٤٦)، والبيهقي في المعرفة (٤/ ١٢٨)، وابن الجوزي في التحقيق (٧٠٥) كلهم من طريق أبي جناب عن مغراء العبدي عن عدي بن ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا به.
مغراء العبدي روى عنه خمسة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: مقبول، ويحيى بن أبي حية ضعفوه لكثرة تدليسه، وهو في نفسه صدوق.
ورواه ابن عدي (٧/ ٢١٤)، والحاكم (١/ ٢٤٦) من طريق سليمان بن قرم عن أبي جناب عن عدي بن ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا به.
وسليمان ضعيف، وقد أسقط مغراء من الإسناد.
ورواه ابن ماجه (٧٩٣)، وبحشل في تاريخ واسط ص (٢٠٢)، وأبو القاسم البغوي في الجعديات (٤٨٣)، وابن المنذر في الأوسط (١٨٩٨)، وابن حبان
стр. 212
(٢٠٦٤)، والطبراني في الكبير (١٢٢٦٦)، والدارقطني (١/ ٤٢٠)، والحاكم (١/ ٢٤٥)، والبيهقي (٣/ ١٧٤)، وفي المعرفة (٤/ ١٠٤)، والبغوي في شرح السنة (٧٩٤)، والضياء في المختارة ج (١٠) رقم (٢٥١)، (٢٥٢)، (٢٥٤)، (٢٥٥)، (٢٥٦)، والذهبي في السير (١٦/ ٤٢١) كلهم من طريق هشيم عن شعبة عن عدي بن ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا به.
قال الذهبي: هذا حديث غريب.
ورواه الدارقطني (١/ ٤٢٠)، والبيهقي في السنن الكبير (٣/ ٥٧)، والبغوي في شرح السنة (٧٩٥) من طريق قراد عن شعبة بمثل رواية هشيم.
قال الدارقطني: قراد شيخ من البصريين مجهول، ووثقه الحاكم، وهو المعتبر، فقراد، واسمه عبد الرحمن بن غزوان وثقه غير واحد من الأئمة، وأخرج له البخاري، بل وثقه الدارقطني نفسه كما في سؤالات الحاكم له ص (٢٣٧) رقم (٣٨٦): قال: قراد ثقة، وله أفراد، وهذا ليس من أفراده، فقد تابعه هشيم وغيره كما سيأتي فقول الدارقطني: مجهول (١) غفلة عجيبة من هذا الإِمام، فلا نامت أعين المقلدين.
وتابعهما سعيد بن عامر، وهو ثقة، وداود بن الحكم، وقال فيه المزي: لا يعرف. ورواه البيهقي (٣/ ١٧٤)، وفي المعرفة (٤/ ١٠٥)، والخطيب في تاريخه (٦/ ٢٨٥)، وفي الموضح (١/ ٤١٦ - ٤١٧)، وابن حزم في المحلى (٤/ ١٩٠) كلهم من طريق سليمان بن حرب عن شعبة عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن
стр. 213
جبير عن ابن عباس مرفوعًا به.
وقد خالف سليمان بن حرب أصحاب شعبة في جعل شيخ شعبة حبيب بن أبي ثابت بدلاً من عدي بن ثابت، واختلف عليه أيضًا، فرواه الطبراني (١٢٣٤٤)، ومن طريقه الضياء في المختارة ج (١٠) رقم (١٤٢) والبيهقي (٣/ ١٧٤) من طريق سليمان بن حرب ثنا شعبة عن حبيب بن أبي ثابت (١) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به موقوفًا.
ورواه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٥٤)، ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (١٨٩٩) من طريق وكيع، وأبو القاسم البغوي في الجعديات (٤٨٢)، ومن طريقه الضياء في المختارة (٢٥٣) من طريق علي بن الجعد.
ورواه البيهقي من طريق وهب بن جرير، وحفص بن عمر الحوضي (٢).
(سليمان بن حرب في رواية وأبو عمر الحوضي، وعلي بن الجعد، ووهب بن جرير، ووكيع) خمستهم رووه عن شعبة عن عدي بن ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفًا.
فالذي يظهر هو ترجيح رواية هؤلاء على رواية من رفعه، وقال مغلطاي في شرح سنن ابن ماجه (٥/ ٥٩): وفي كتاب العلل للخلال: ثنا محمد بن الحسين ثنا الفضل قال: قلت: لأحمد: شعبة عن عدي فذكره؟، قال: أخطأ فيه هشيم مرة
стр. 214
رفعه، وهذا موقوف، قلت: كيف؟ قال: غندر (١) وغيره لا يرفعه.
وقال البيهقي في السنن الكبير (٣/ ٥٧): ورواه الجماعة عن سعيد موقوفًا على ابن عباس، والموقوف أصح.
وللحديث شاهد من حديث أبي موسى، أخرجه البزار (٣١٥٧)، وابن الأعرابي في معجمه (١٠٥٦) من طريق قيس بن الربيع:
وابن الأعرابي، والبيهقي (٣/ ١٧٤) من طريق أبي بكر بن عياش - (قيس، وأبو بكر) عن أبي حصين عن أبي بردة عن أبي موسى مرفوعًا بنحوه.
ورواه أبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ٣١٩) من طريق عبد الرحمن بن محمد ابن منصور العامري (٢) ثنا يحيى بن سعيد ثنا مسعر ثنا أبو حصين عن أبي بردة عن أبي موسى مرفوعًا به. وعبد الرحمن قال ابن عدي: حدث بأشياء لا يتابع عليها، وضعفه غيره، وقد خولف فرواه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٥٤)، وابن المنذر (١٩٠٠) من طريق وكيع:
والبيهقي في السنن الكبير (٣/ ١٧٤) من طريق أبي نعيم (وكيع، وأبو نعيم) روياه عن مسعر عن أبي حصين عن أبي بردة عن أبي موسى فذكراه موقوفًا، فروايتهما هي المحفوظة، ورواية عبد الرحمن شاذة، بل منكرة.
وقد توبع مسعر على وقفه، تابعه زائدة بن قدامة عند البيهقي (٣)، وقد تابع أبا حصين على الوقف سماك بن حرب عند البزار (٣١٥٨).
стр. 215
قال البيهقي في المعرفة (٤/ ١٠٥): الموقوف أصح.
وله شاهد من حديث جابر عند البخاري في التاريخ الكبير (١/ ١١١)، والعقيلي (٥٣٤٧)، والدارقطني (١/ ٤١٩ - ٤٢٠)، قال البخاري: في إسناده نظر.
وشاهد من حديث عائشة عند البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٢٣٣) ذكره موقوفًا، ثم قال: ورفع بعضهم، ولا يصح.
ومن حديث أبي هريرة، عند ابن عدي (٣/ ٢٧٨)، والدارقطني (١/ ٤٢٠)، وفي إسناده سليمان بن داود اليمامي قال ابن معين: منكر الحديث.
ومن حديث أنس عند تمام في فوائده (١٢٩١)، ورجاله ثقات، وفيه عنعنة حميد الطويل والحسن البصري.
والذي يظهر لي أن الموقوف أصح، ولمن صحح المرفوع وجه أيضًا، وقال العقيلي بعد ذكره حديث جابر: يروى بغير هذا الإسناد من وجه صالح، وصححه ابن حبان، والحاكم، وهم من المتقدمين، فما لهذا ولدعوى المستدرك.
стр. 216
الحديث رقم (٥٥)
- الإرواء (٢/ ٣٣٩) تحت الحديث رقم (٥٥٣):
الحديث (٥٥٣) هو حديث ابن عمر: أنَّهُ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ الْمُنَادِيَ فَيُنَادِي بِالصَّلاَةِ: "صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ" فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ، وَفِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ.
ثم ذكر تحته حديث نعيم بن النحام قال: نودي بالصبح في يوم بارد، وأنا في وطر امرأتي، فقلت: ليت المنادي قال: ومن قعد فلا حرج عليه، فنادى منادي النبي ﷺ في آخر أذانه: ومن قعد فلا حرج عليه.
خلاصة رأي الشيخ الألباني ﵀ ﵀: صحيح بطرقه.
الاستدراك: أسانيده ضعيفة، ولا يثبت. انتهى كلام المستدرِك.
الراجح عندي: ضعفه.
الحديث رواه أحمد (١٧٩٣٤)، ومن طريقه ابن عساكر (٦٥/ ١٣٤) من طريق علي بن عياش حدثنا إسماعيل بن عياش قال حدثني يحيى بن سعيد قال: أخبرني محمد بن يحيى بن حبان عن نعيم بن النحام فذكره.
وإسماعيل بن عياش ثقة، لكن روايته عن غير الشاميين فيها ضعف، وقد خولف، فرواه ابن أبي شيبة في مسنده (٥٥٣)، والفاكهي في الفوائد (١٠٤)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٧٦٠)، وأبو نعيم في المعرفة (٦٣٨٩)، والبيهقي (١/ ٣٩٨)، وابن عساكر (٦٥/ ١٣٥) كلهم من طريق سليمان بن بلال.
ورواه ابن أبي عاصم (٧٥٩)، وابن قانع في معجمه (٣/ ١٥٢ - ١٥٣)، والبيهقي (١/ ٣٩٨) من طريق الأوزاعي.
стр. 217
وابن عساكر (٦٥/ ١٣٥) من طريق إبراهيم بن طهمان (سليمان بن بلال، والأوزاعي، وابن طهمان) ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن نعيم بن النحام به.
قال ابن عساكر: المحفوظ عن محمد بن إبراهيم عن نعيم، ومحمد بن إبراهيم لم يدرك نعيمًا.
ورواه عبد الرزاق (١٩٢٧)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٧٦٢)، والحاكم (٣/ ٢٥٩)، وابن حزم في المحلى (٤/ ٢٠٥) عن ابن جريج عن نافع عن ابن عمر عن نعيم به.
وعند ابن أبي عاصم التصريح بإخبار نافع لابن جريج به (١).
ورواه ابن قانع (٣/ ١٥٣) من طريق زيد بن أبي أنيسة عن عمر بن نافع وعبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر به.
ورواية الأكثر عن عبيد الله بن عمر بدون ذكر: "وَمَنْ قَعَدَ فَلاَ حَرَجَ"، لكن متابعة ابن جريج وعمر بن نافع تجعل لمن قال بصحة هذه اللفظة وجهًا، وقد صحح إسنادها الحافظ في الفتح (٢/ ٩٨ - ٩٩)، وأما المستدرِك فله شأن آخر.
ولكي يقف القارئ على مدى الشطط عند هؤلاء أذكر حكم الإِمام أحمد في رواية إسماعيل بن عياش عن يحيى بن سعيد حيث قال: نظرت في كتابه عن يحيى ابن سعيد، أحاديث صحاح، وابن رجب قال في فتح الباري (٥/ ٣٠٦): حديثه عنهم (يعني الحجازيين) فيه ضعف، ومعلوم أن قولهم: فيه ضعف دون قولهم
стр. 218
ضعيف، وأما المستدرِك، فقد قال عنه في روايته عن غير الشاميين: ضعيف جدًا.
- جرأة وقصور عجيبان منه المستدرك:
والحديث صححه الحاكم، ولم يتعقبه الذهبي، وصححه ابن حجر، وضعفه المستدرك، فكان ماذا؟
ومن جرأة هذا المستدرِك مع قصوره تضعيفه إسناد ابن جريج جدًّا مع ثبوت تصريحه بالسماع عند ابن أبي عاصم، ولم يقف عليه، فهل من معتبر؟!.
***
стр. 219
الحديث رقم (٥٦)
- الإرواء (٣/ ٢٣) رقم (٥٧٤):
حديث جابر بن عبد الله: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَامَ بِتَبُوك عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلاةَ.
خلاصة رأي الشيخ الألباني ﵀: صحيح، وصححه ابن حزم والنووي.
الاستدراك: الحديث معلول، أعله البخاري، وأبو داود، والدارقطني، والبيهقي.
قلت: الذي يظهر لي أن الرواية المتصلة المرفوعة مرجوحة، وأن الأرجح هي الرواية المرسلة أو الموقوفة، وقد بينت ذلك في تعليقي على المنتخب لعبد بن حميد برقم (١١٤٠)، فلا حاجة لإعادته، والقصود هنا أن المسألة اجتهادية، فقد نقل الشيخ قول أبي داود: غير معمر لا يسنده، وقال: رده النووي في الخلاصة بقوله: هو حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ومسلم، لا يقدح فيه تفرد معمر، فإنه ثقة حافظ، فزيادته مقبولة.
قال المستدرِك: لا بد أن هناك سببًا جعلهم يرجحون رواية ابن المبارك على رواية معمر، وهذا مالم يعطه المتأخرون أهمية.
قلت: لم يقل من قال من وصفهم المستدرك بالمتأخرين كما يحلو لهؤلاء أن يسموا هؤلاء الأئمة ذلك إهمالاً منهم للترجيح بين روايات الحفاظ، فإن رواية معمر عن يحيى بن أبي كثير وإن كان فيها مقال، فإنه لا ينزل بها عن الصحة، بل أخرجها البخاري ومسلم في صحيحيهما، وعلى ذلك اعتمد من صحح الحديث
стр. 220
مرفوعاً موصولاً، وليس كلهم من المتأخرين كما ادعى المستدرك، فقد صححه ابن حبان ﵀، وهو من المتقدمين بلا شك، وصححه أيضاًابن حزم، والنووي، وأقره الزيلعي، فليس الخلاف خلافاً بين متقدمين ومتأخرين، وإنما هو خلاف في أمر اجتهادي يقع بين المتقدمين كما يقع بين من دونهم، والله الموفق للصواب.
***
стр. 221
الحديث رقم (٥٧)
- الإرواء (٣/ ٢٨) رقم (٥٧٨):
حديث معاذ أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر يصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً، ثم سار، وكان يفعل مثل ذلك في المغرب والعشاء.
خلاصة رأي الشيخ الألباني ﵀: الإسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات، رجال الستة، وقد أعله الحاكم بما لا يقدح في صحته، فراجع كلامه في ذلك مع الرد عليه في "زاد المعاد" لابن القيم، ولذا قال في إعلام الموقعين: وإسناده صحيح، وعلته واهية.
الاستدراك: الحديث ضعيف معلول، أعله من الأئمة: البخاري، وأبو داود، والترمذي، وأبو حاتم، والحاكم، والبيهقي، والدارقطني، وابن حزم، والخطيب البغدادي، والنسائي، قال ابن رجب: غريب جدًّا، استنكره الحفاظ.
الراجح عندي: في نسبة الإعلال لبعض المذكورين نظر، فإنه نقل عن الذهبي قوله: امتنع النسائي من إخراجه لنكارته، وهذا استنباط من الذهبي، وليس نصًّا من النسائي، والترمذي فقد حسنه كما نقله المستدرك نفسه، والذي يظهر لي ترجيح إعلال الحديث، وأنه مما لا تقوم به الحجة، وقد جمع المستدرك أقوال الأئمة في إعلال الحديث بما لا حاجة لإعادته أو التفصيل فيه، ومع ذلك فالحديث حسَّنه الترمذي، وصححه ابن حبان، وابن القيم، وغيرهم، فهو كغيره اختلاف في الاجتهاد، وكل له اجتهاده، فكان ماذا؟
ولو أن الشيخ الألباني ﵀ هو الذي قال ما قاله ابن القيم ﵀: وعلته واهية، لقرأنا للمستدرك من التعليق من التطاول ما تنشرح به قلوب أهل البدع والانحراف، فأين الإنصاف؟!.
стр. 222
الحديث رقم (٥٨)
- الإرواء (٣/ ٣٢) رقم (٥٧٩):
حديث أنس: كان رسول الله ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم ينزل، فيجمع بينهما، وإذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر، ثم ركب.
وفي رواية البيهقي زيادة: صلى الظهر والعصر جميعًا، ثم ارتحل.
قال المستدرِك: حديث أنس في الصحيحين بدون الزيادة التي عند البيهقي، والاستدراك منصب على هذه الزيادة، فهي زيادة منكرة، ضعفها من الأئمة: أبو داود، والإسماعيلي، والذهبي، وقد بينت ذلك في الحديث السابق.
الراجح عندي: هو كما قال، لكن لا ينبغي أن يعد هذا الحديث حديثًا مستقلًّا، فهو من شواهد الحديث السابق، وكما سبق غير مرة بيان أن الكثيرين ينظرون إلى العدد، ولا يتأملون، فينبغي ألا يغرر بهم، والله الموفق للصواب.
***
стр. 223
الحديث رقم (٥٩)
- الإرواء (٣/ ٥٨) رقم (٥٩٣):
قال ﷺ "الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ"
خلاصة رأي الشيخ الألباني ﵀: الحديث حسن، فله شاهد، ويؤيده قوله ﷺ -لابن أم مكتوم: " أتسْمَعُ النِّداءَ؟ ". قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَأَجِبْ".
الاستدراك: الحديث معلول، وأعله من الأئمة: أبو داود، وقال عبد الحق: الصحيح أنه موقوف، وكذا قال ابن رجب. انتهى كلام المستدرِك.
الراجح عندي: ما ذهب إليه الشيخ هو الصواب.
وقد أوهم أنه أتى بجديد حين قال: "الحديث معلول، أعله أبو داود ... "، وليس كذلك، فإن الشيخ الألباني ﵀ قد ذكر إعلال أبي داود له، وأضاف عللاً أخرى للحديث، وذكر له شاهدًا من حديث عبد الله بن عمرو، وحكم بوهاء إسناده، وأعله حيث قال: هذا سند واهٍ، ابن عطية متهم بالكذب، وحجاج هو ابن أرطأة، وهو مدلس، وقد عنعنه، ولعله تلقاه عن زهير بن محمد، وهو أبو المنذر الخراساني، وفيه ضعف، وعليه فما أوهمته عبارة المستدرك نقلاً عن الشيخ: الحديث حسن فله شاهد من تحسين الحديث لأجل الشاهد خطأ لا أدري مقصود أم لا؟
وإنما حسنه الشيخ ﵀ لدخِوله في عموم قوله ﷺ للسائل: "أَتسْمَعُ النِّدَاءَ؟ ". قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: " فأَجِبْ"، ولا شك أنه داخل في عمومه، فحديث: "الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ" صحيح المعنى، وإن لم يصح بلفظه، وهذا ما لا يحتمل تصرف الشيخ الإِمام الألباني غيره حيث ضعف طرق الحديث بلفظه، وحسَّنه لصحة معناه، فكان ماذا؟!.
стр. 224
ومع ذلك فقد نقل الشيخ عن الدارقطني والخطيب قولهما: قال ابن أبي داود: قال هذه سنة، تفرد بها أهل الطائف، وأقراه، ونقل عن البيهقي اعتراضه على إعلال أبي داود بقوله: قبيصة بن عقبة من الثقات، ومحمد بن سعيد هذا هو الطائفي ثقة، وهؤلاء كلهم من المتقدمين، فأي صلة لهذا بدعوى المستدرك أن الشيخ يخالف منهج المتقدمين؟!.
- تناقض عجيب من المستدرك:
ثم إن هذا المستدرِك قد ناقض نفسه تناقضًا عجيبًا، فإنه هنا لما أراد تضعيف الحديث بتفرد قبيصة قال: قبيصة هو ابن عقبة بن محمد بن سفيان، وهو ضعيف في سفيان الثوري، فضعف روايته عن سفيان على الإطلاق، ولما أراد تقويتها في الحديث رقم (٦٣) قال ص (٣١٢): رواية قبيصة عن سفيان لم يقدح فيها كل الحفاظ، بل قدح فيها الإِمام أحمد وابن معين، وظاهر كلام غيرهما عدم القدح فيها، بل الثناء عليها، وذكر بعض توثيق العلماء لروايته عنه، ثم قال: فكل ذلك يدل على نوع قرب وصحبة تقوي من روايته عن سفيان، فهل يوثق بكلامه في هذا العلم الشريف، ويعارض به كلام أئمته بعد هذا؟!.
***
стр. 225
الحديث رقم (٦٠)
- الإرواء (٣/ ٧٧) تحت الحديث (٦١٥):
حديث أنس بن مالك أن النبي ﷺ كان يعرض له الرجل يوم الجمعة بعد ما ينزل من المنبر، فيكلمه، ثم يدخل في الصلاة.
قال الشيخ الإلباني ﵀: سنده صحيح، وقد أعل بما لا يقدح كما بينه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي.
قال المستدرِك: الحديث ضعيف، وقد أعله من الأئمة: البخاري، وأبو داود، والدارقطني.
الراجح عندي: الحديث ضعيف.
والحديث من رواية جرير بن حازم عن ثابت عن أنس به، وقد قال ابن رجب الحنبلي في فتح الباري (٥/ ٤٤٤): قال ابن أبي خيثمة في "تاريخه": سئل يحيى بن معين عن حديث جرير بن حازم هذا؟ فقال: خطأ.
والذي يظهر لي هو ترجيح ما ذهب إليه ابن معين وغيره، وقد بينت ذلك في تخريج منتخب عبد بن حميد برقم (١٢٦١)، ومع ذلك فقد صحح الحديث ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وهم من المتقدمين، وهذا يرد تطاول هذا المستدرِك على أئمة الحديث وإعجابه بما لقنه من التفريق بين المتقدمين والمتأخرين بقوله: ما أكثر ما يرد المتأخرون تعليلات الأئمة بمثل هذا الأمر، وهو من أعجب الردود!، إذ لو أخذنا بهذه الطريقة لم تسلم لنا أكثر العلل الحديثية، وهو ليس ردًّا علميًّا مبني [كذا] على معرفة درجة إتقان الرجل أو تفرده، أو نحو ذلك، إنما هو احتمال عقلي، لا يسنده تعليل حديثي، وهذا كاف في رده.
ولا أدري: هل يرمي بهذا الكلام الأئمة: ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم أم يقتصر فيه على الألباني وأحمد شاكر؟!.
стр. 226
الحديث رقم (٦١)
- الإرواء (٣/ ٨٨) تحت الحديث (٦٢٢):
حديث ابن عمر مرفوعًا بلفظ: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَة مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَقَدْ أَدْرَكهَا، وَليُضِفْ إِلَيْهَا أُخْرَى".
قال المستدرِك خلاصة رأي الشيخ الألباني ﵀: الحديث صحيح مرفوعًا، وله شاهد، ثم قال:
الحديث معلول بالوقف، أعله بذلك الدارقطني، وله طريق آخر أعله أبو حاتم.
الراجح عندي: صحيح كما ذهب إليه الشيخ ﵀.
الحديث رواه الطبراني في الصغير (٥٥٣): حدثنا علي بن عبد الصمد الطيالسي علان ماغمه حدثنا الجراح بن مخلد حدثنا إبراهيم بن سليمان الدباس حدثنا عبد العزيز بن مسلم القسملي عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "مَنْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ رَكْعَة فَقَدْ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ".
قال الطبراني: لم يروه عن يحيى إلا عبد العزيز، تفرد به إبراهيم بن سليمان.
قلت: يرد قول الطبراني أن الدارقطني رواه في سننه (٢/ ١٣) من طريق يعيش ابن الجهم عن عبد الله بن نمير عن يحيى بن سعيد، ومن طريق عيسى بن إبراهيم عن عبد العزيز القسملي عن يحيى عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا به.
فقد توبع إبراهيم بن سليمان، وتوبع عبد العزيز القسملي، وقد بين ذلك شيخنا الإِمام، ورد به على الطبراني رحم الله الجميع.
وقد قال الدارقطني في علله كما نقله ابن عبد الهادي في التنقيح برقم
стр. 227
(١٣٠٧)(١): سئل عنه الدارقطني، فقال: يرويه يحيى بن سعيد الأنصاري، واختلف عنه، فرواه ابن نمير وعبد العزيز بن مسلم القسملي عن يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ ، كذلك قال يعيش بن الجهم عن ابن نمير، وغيره يرويه عن ابن نمير موقوفاً.
وكذلك رواه زهير بن معاوية، ويحيى القطان، وهشيم عن يحيى عن نافع عن ابن عمر موقوفاً، وهو الصواب.
وكذلك رواه عبيد الله بن عمر وعلي بن الحكم عن نافع عن ابن عمر موقوفًا.
وقد روى مطر الوراق عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ ، ولا يصح.
والذي يظهر لي هو ترجيح الوقف كما ذهب إليه الدارقطني، ومع ذلك فللقول بصحته مرفوعًا وموقوفَّاَ كما ذهب إليه شيخنا الألباني وجه، حيث توبع ابن نمير في رواية الرفع من عبد العزيز بن مسلم القسملي، ومع أن الشيخ قد ذكر رواية الدارقطني في سننه وكلامه في العلل، ونقل المستدرك كلام الدارقطني في علله الذي فيه متابعة القسملي لابن نمير على الرفع فقد قال هذا المستدرِك: رواه ابن نمير وحده مرفوعاً، فلا أدري أوقع في هذا غفلة أم عمدًا، ومع ذلك فقد سلك طريقته المعهودة في التطاول على الشيخ بقوله: العلل لا ترد بمجرد زيادة الثقة مقبولة، بل أخذ هذا مطلقًا يقوض بنيان العلل كله.
وأقول: إن الشيخ لم يكتف في تصحيح زيادة الرفع على مجرد أن راويها ثقة، وإنما لكونه ثقة، وقد توبع، وقد ورد ذكر الجمعة في حديث أبي هريرة في طرق من
стр. 228
حديث أبي هريرة أورد ثلاثة منها الحاكم في مستدركه (١/ ٢٩١)، ثم قال: كل هؤلاء الأسانيد الثلاثة صحاح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذا اللفظ، ولم يتعقبه الذهبي، ومع ذلك فقد تكلم الشيخ الألباني عن أسانيدها، وفندها، وبين عللها، ثم قال: أحسن طرقه رواية سفيان بن عيينة عند النسائي، فإنه لا علة فيها إن سلم من الشذوذ، وقد فاتت الحافظ، فلم يذكرها، فلعل هذا هو السبب في ترجيحه رواية الأوزاعي عليها، على أن هذا الترجيح وذاك إنما هو شكلي، لا يعطي الحديث حجة مع إعلال الأئمة له وترجيحهم للفظ الآخر عليه، وهو الذي ليس فيه ذكر الجمعة، وهو الذي تطمئن إليه نفس الباحث في طرقه، فإن جميعها ضعيفة بينة الضعف .. إلى آخر ما قال ﵀.
فأين هذا من دعوى هذا المستدرِك المتطاول على أئمة هذا الشأن، والله المستعان.
وقد ورد بإسناد ضعيف مرسلاً، أورده الحافظ في المطالب العالية من مسند مسدد برقم (٧٢١)، وهو مما يقوي احتمال ثبوته، والله أعلم.
***
стр. 229
الحديث رقم (٦٢)
- الإرواء (٣/ ٩٣) رقم (٦٢٦):
حديث أبي سعيد في قراءة سورة الكهف في يوم الجمعة.
خلاصة رأي الألباني ﵀: صحيح مرفوعًا.
ثم قال: الاستدراك: الحديث موقوف، ولا يصح مرفوعاً.
ثم قال: حديث أبي سعيد أقوى ما ورد في سورة الكهف كما قال الحافظ، وهو موقوف، لا يثبت رفعه، لكن مثله لا يقال بالرأي، فله حكم الرفع.
الراجح عندي: صحته موقوفًا، وله حكم الرفع.
والحديث رواه الحاكم (٢/ ٣٦٨)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبير (٣/ ٢٤٩) من طريق نعيم بن حماد ثنا هشيم أنبأ أبو هاشم عن أبي مجلز عن قيس ابن عباد عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا به.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، فتعقبه الذهبي بقوله: نعيم ذو مناكير.
قلت: وتابعه يزيد بن مخلد عند البيهقي في فضائل الأوقات (٢٧٩)، وفي الشعب (٢٤٤٥)، (٣٠٣٩)، ويزيد ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلاً.
ورواه أبو عبيد في فضائل القرآن (٤٥٩)، والدارمي (٣٤٠٧) من طريق أبي النعمان، والبيهقي في الشعب (٢٤٤٤) من طريق سعيد بن منصور.
والخطيب في تاريخه (٤/ ١٣٤ - ١٣٥) من طريق أحمد بن خلف البغدادي، وقال الخطيب: وهو شيخ غير مشهور عندنا.
стр. 230
(أبو عبيد، وأبو النعمان، وسعيد بن منصور، وأحمد بن خلف) أربعتهم رووه عن هشيم ثنا أبو هاشم عن أبي مجلز عن قيس بن عباد عن أبي سعيد موقوفًا، وهم أرجح ممن رفعه عن هشيم، ولذا قال البيهقي: هذا هو المحفوظ موقوف، ورواه نعيم بن حماد عن هشيم، فرفعه.
ورواه النسائي في الكبرى (١٠٧٨٨)، والطبراني في الأوسط (١٤٥٥)، والحاكم (١/ ٥٦٤)، والبيهقي في الشعب (٢٤٤٦)، (٢٧٥٤) كلهم من طريق يحيى بن كثير العنبري عن شعبة عن أبي هاشم الرماني عن أبي مجلز عن قيس بن عباد عن أبي سعيد مرفوعًا به.
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث مرفوعًا عن شعبة إلا يحيى بن كثير.
وليس كما قال، فقد تابعه عبد الصمد بن عبد الوارث عند البيهقي في الشعب (٢٧٥٤)، وذكر الشيخ عن الشوكاني في تحفة الذاكرين (٩٣) عن الحافظ أن روح بن القاسم تابعه، ولذا رجح الشيخ صحته مرفوعًا.
ورواه النسائي في الكبرى (١٠٧٨٩) من طريق غندر، وذكر البيهقي (٢٧٥٤) أن معاذ بن معاذ تابعه عن شعبة موقوفًا.
ورواه النسائي في الكبرى (١٠٧٩٠)، ونعيم بن حماد ص (٣٤٤)، والحاكم (١/ ٥٦٤ - ٥٦٥)، (٤/ ٥١١)، والبيهقي في الشعب (٣٠٣٨) كلهم من طريق الثوري بإسناده موقوفًا.
وقال النسائي في الكبرى (٩٩٠٩) عقب رواية يحيى بن كثير: هذا خطأ، والصواب موقوف، خالفه محمد بن جعفر، فوقفه.
قلت: وهو الظاهر، وإن كان للقول بصحته مرفوعًا وموقوفًا وجه.
والحديث على فرض صحة الموقوف وخطأ الموفوع له حكم الرفع، وهذا ما
стр. 231
قرره الشيخ حيث قال: هو وإن كان موقوفًا فله حكم الرفع، لأنه مما لا يقال بالرأي كما هو ظاهر، وهذا ما انتهى إليه المستدرِك، فلماذا الانتقاد؟!.
وأما عن عدم ورود ذكر الجمعة في رواية شعبة وسفيان، فقال الشيخ ﵀ ولا يخدج في الحديث أنه لم يرد فيه بهذا السند ذكر الجمعة، ما دام أنها وردت في السند السابق، وقد تبين من قوله في هذا اللفظ: "وَكانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ" أن النور المذكور في اللفظ السابق ما بينه وبين البيت العتيق أو ذلك يوم القيامة فلا اختلاف بين اللفظين، والله أعلم.
***
стр. 232
الحديث رقم (٦٣)
- الإرواء (٣/ ٩٦) رقم (٦٢٩):
حديث عبد الله بن السائب: شهدت العيد مع النبي ﷺ ، فلما قضى الصلاة قال: "إِنَّا نَخْطُبُ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ لِلْخُطْبَةِ فَلْيَجْلِسْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ فَلْيَذْهَبْ".
حكم الشيخ ﵀: صحيح.
قال المستدرِك: ضعيف.
الراجح عندي: ضعيف.
الحديث رواه أبو داود (١١٥٥)، والنسائي (٣/ ١٨٥)، وابن ماجه (١٢٩٠)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٧٠٦)، وابن خزيمة (١٤٦٢)، وابن الجارود في المنتقى (٢٦٤)، والطحاوي في المشكل (٣٧٤٠)، والدارقطني في سننه (٢/ ٥٠)، والحاكم (١/ ٢٩٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٣٠١)، وابن حزم في المحلى (٥/ ٨٦)، والضياء في المختارة ج (٩) رقم (٣٥٨) - (٣٦٠) كلهم من طريق الفضل بن موسى السيناني عن ابن جريج عن عطاء عن عبد الله ابن السائب به.
قال أبو داود: هذا مرسل عن عطاء عن النبي ﷺ .
ونقل الضياء عن النسائي قوله: هذا خطأ، والصواب مرسل.
وقال أبو زرعة كما في العلل لابن أبي حاتم (٥١٣): الصحيح ما حدثنا به إبراهيم بن موسى عن هشام بن يوسف عن ابن جريج عن عطاء أن النبي ﷺ ..... مرسل.
стр. 233
واستغربه ابن خزيمة وساق البيهقي بإسناده إلى ابن معين قال: عبد الله بن السائب الذي يروي أن النبي ﷺ صلى بهم العيد هذا خطأ، إنما هو عن عطاء فقط، وإنما يغلط فيه الفضل بن موسى السيناني.
يقول: عن عبد الله بن السائب، قال البيهقي: أخبرنا بصحة ما قاله، وساق بإسناده إلى قبيصة عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء فذكره مرسلاً.
والظاهر أن هؤلاء الأئمة أنكروا متن الحديث، وإلا فالذي يجري على القواعد الحديثية حمل الحديث على الوجهين، أعني مرسلاً، وموصولاً، فإن الفضل بن موسى من الثقات، وكذا هشام بن يوسف، ورواية قبيصة عن سفيان فيها مقال (١)، ولهذا قال ابن التركماني متعقبًا البيهقي في الجوهر النقي: الفضل بن موسى ثقة جليل، روى له الجماعة، وقال أبو نعيم: هو أثبت من ابن المبارك، وقد زاد ذكر ابن السائب، فوجب أن تقبل زيادته، ولهذا أخرجه هكذا مسنداً لأئمة في كتبهم: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والرواية المرسلة التي ذكرها البيهقي في سندها قبيصة عن سفيان، وقبيصة وإن كان ثقة إلا أن ابن معين وابن حنبل وغيرهما ضعفوا روايته عن سفيان، وعلى تقدير صحة هذه الرواية لا تعلل بها رواية الفضل، لأنه سداد (٢) الإسناد، وهو ثقة. انتهى.
وقد استحسن ذلك الشيخ الألباني ﵀.
فقال المستدرِك: قد اعتبر الشيخ الألباني هذا الكلام متينًا ونقدًا مبينًا، وكذلك غيره من المعاصرين، ورجحوه على كلام الأئمة المتقدمين، والصواب
стр. 234
خلاف ذلك.
قلت: ليس هذا الترجيح قاصرًا على المعاصرين كما ادَّعاه، فالحديث صححه ابن الجارود، والحاكم كما سبق، وأخرجاه في كتابيهما، ولم يتعقب الذهبي الحاكم.
وقال ابن حزم في المحلى: إن قيل: إن محمد بن الصباح أرسله عن الفضل بن موسى؟ (١).
قلنا: نعم، فكان ماذا؟ المسند زائد علمًا لم يكن عند المرسل، فكيف وخصومنا أكثرهم يقول: إن المرسل، والمسند سواء؟!.
وقد أورده ابن القطان الفاسي في بيان الوهم والإيهام برقم (٢٥٨٧) في باب ما ضعفه عبد الحق، وهو صحيح أو حسن.
فأين هذا مما ادعاه المستدرِك؟!.
...
стр. 235
الحديث رقم (٦٤)
- الإرواء (٣/ ١٠٠) تحت الحديث رقم (٦٣١):
قال الشيخ ﵀: وفي الباب عن أبي سعيد الخدري بلفظ: كان رسول الله ﷺ لا يصلي قبل العيد شيئًا، فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين.
حسنه الشيخ.
قال المستدرِك: الحديث ضعيف، وابن عقيل لا يحتج به، وقد تفرد بالحديث، وأشار إلى ضعف الحديث البزار وابن عدي.
الراجح عندي: الحديث حسن.
الحديث أخرجه ابن ماجه (١٢٩٣)، وأحمد (١١٢٦)، (١١٣٥٥)، وابن أبي شيبة (٣/ ٨)، والبزار كما في كشف الأستار (٦٥٢)، وابن خزيمة (١٤٦٩)، وأبو يعلى (١٣٤٧)، وابن عدي (٤/ ١٢٩)، وابن المنذر في الأوسط (٢١٩١)، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٩٧)، والبيهقي في السنن الكبير (٣/ ٣٠٢) كلهم من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل عن عطاء عن أبي سعيد به.
وعبد الله بن محمد بن عقيل ضعفه كثير من الأئمة، فنقل المستدرك كلامهم على التفصيل، وقال أبو أحمد الحاكم: كان أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه يحتجان بحديثه، وليس بذاك المتين المعتمد، وقال الترمذي: صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: كان أحمد، وإسحاق، والحميدي يحتجون بحديث ابن عقيل، قال محمد بن إسماعيل: وهو مقارب الحديث.
قلت: وقد كنت أميل إلى كونه إلى الضعف أقرب، ثم ظهر لي أنه حسن
стр. 236
الحديث ما لم يخالف، والله أعلم، وهذا ما انتهى إليه الذهبي في الميزان حيث قال: حديثه في مرتبة الحسن.
وأما إيراد ابن عدي للحديث في كامله فليس صريحاً في تضعيفه إياه، ودعوى المستدرِك إشارة البزار لتضعيفه، فقد أخذه من قول البزار: لا نعلمه عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد، وقد سبقت أمثلة لقول البزار وغيره مثل ذلك لأحاديث في الصحيح، وسبق بيان مخالفته لطريقة عامة أهل العلم في ذلك، فلا حاجة لإعادته هنا.
- مخالفة المستدرك للأمة المتقدمين والمتأخرين:
وأَلحديث صححه ابن خزيمة، والحاكم، وقال: هذه سنة عزيزة بإسناد صحيح، ولم يخرجاه، ولم يتعقبه الذهبي، وقال ابن الملقن في البدر المنير (٥/ ٦٩): إسناده جيد، وحسن إسناده الحافظ ابن حجر، والبوصيري كما نقله الشيخ، ووفق الحافظ بينه وبين الأحاديث التي فيها نفي صلاته ﷺ بعد صلاة العيد بأن النفي إنما وقع على الصلاة في المصلى، وسبقه بذلك البيهقي حيث بوب: باب الإِمام لا يصلي قبل العيد وبعده في المصلى، فقيد النفي بالمصلى، وأوضح من ذلك وأخص تبويب ابن خزيمة حيث احتج به على الحكم بالاستحباب فقال: باب استحباب الصلاة في المنزل بعد الرجوع من المصلى، ومثله ابن المنذر في الأوسط، وعارض كل هؤلاء هذا المستدرِك، وابن المنذر، وابن خزيمة، والحاكم من المتقدمين، فمن الذي يخالف المتقدمين إذًا؟!.
***
стр. 237
الحديث رقم (٦٥)
- الإرواء (٣/ ١٠٥) رقم (٦٣٨):
قال عمر: صلاة العيد والأضحى ركعتان ركعتان، تمام غير قصر على لسان نبيكم ﷺ ، وقد خاب من افترى.
خلاصة رأي الشيخ الألباني ﵀: سنده صحيح على شرط الشيخين، فإن ابن أبي ليلى قد سمع عمر ﵁ على الأصح، ثم قال:
الاستدراك: الحديث سنده منقطع، أعلَّه بذلك ابن معين والنسائي وغيرهما.
الراجح عندي: إسناده منقطع.
الحديث قد خرجت طرقه، وتكلمت عليها في تخريج منتخب عبد بن حميد (٢٩)، وملت فيه إلي ترجيح قول من ذهب إلي كونه منقطعا، والمسألة محل اجتهاد بين الأئمة، فقد رواه جماعة عن زبيد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عمر، ورواه يزيد بن زياد بن أبي الجعد عن زبيد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة عن عمر.
فذهب أبو حاتم، والبزار، والدارقطني إلي ترجيح رواية من رواه عن زبيد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عمر.
وقال ابن عبد البر في التمهيد (١٦/ ٢٩٦): من أهل الحديث من يعلله، ويضعفه، ومنهم من يصحح إسناد يزيد بن أبي الجعد هذا فيه، قال علي بن المديني: هو أسندها، وأحسنها، وأصحها.
فلا أدري: هل يمكن لهذا المستدرك أن يدعي أن علي بن المديني من المتأخرين، ويشنع عليه كما أكثر التشنيع علي إمام محدثي عصرنا أم ماذا؟!!!.
стр. 238
وعلى القول بترجيح رواية زبيد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عمر كما هو الظاهر -فإن الأئمة اختلفوا في سماع ابن أبي ليلى من عمر، فقال مسلم في مقدمة صحيحه ص (٣٤): وأسند عبد الرحمن بن أبي ليلى- وقد حفظ عن عمر بن الخطاب، وصحب عليًّا- عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ حديثاً.
وصحح الحديث ابن خزيمة، وابن حبان، فأين هذا من دعوى المستدرِك مخالفة الشيخ الألباني لمنهج المتقدمين في التصحيح والتضعيف؟!.
***
стр. 239
الحديث رقم (٦٦)
- الإرواء (٣/ ١٢٢) رقم (٦٠٢)
ذكر أثرًا عن ابن عمر موقوفًا، وهذا لا إشكال فيه، ثم ذكر أنه يصح أيضاً مرفوعًا: أن رسول الله ﷺ كان يكبر يوم الفطر من حين يخرج من بيته حتى يأتي المصلى.
قال المستدرِك: خلاصة رأي الشيخ الألباني ﵀: الحديث صحيح عندي موقوفًا، ومرفوعًا، ثم قال:
الصواب أن الحديث ضعيف مرفوعًا، صحيح موقوفًا، كما قال البيهقي.
الراجح عندي: كون الحديث ضعيفًا.
الحديث قواه الشيخ ﵀ من الطريق الموصولة التي عند البيهقي، وفي إسنادها عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف بوروده من طريق مرسلة عند ابن أبي شيبة عن الزهري، والبيهقي إنما ضعف الطرق المرفوعة عن ابن عمر، فلا معارضة بين ما ذهب إليه الشيخ ﵀ وبين ما ذهب إليه البيهقي من كون المحفوظ عن ابن عمر الموقوف، وأما مرسل الزهري، فرواه ابن أبي شيبة (٣/ ١٢): حدثنا يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب عن الزهري أن رسول الله ﷺ كان يخرج يوم الفطر، فيكبر حتى يأتي المصلي، وحتى يقضي الصلاة، فإذا قضى الصلاة قطع التكبير.
ورواه ابن أبي شيبة (٣/ ١٣) بالإسناد نفسه موقوفًا على الناس في زمانه: حدثنا يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب عن الزهري قال: كان الناس يكبرون في العيد حين يخرجون من منازلهم حتى يأتوا المصلى، وحتى يخرج الإِمام، فإذا خرج الإِمام، سكتوا فماذا كبَّر كبَّروا.
стр. 240
وهذه الرواية تعل المرفوعة، والشيخ له اجتهاده، والله الموفق للصواب.
- طعن شديد من المستدرك في الشيخ الألباني ﵀:
قال المستدرك: تنبيه: لما ذكر الشيخ الألباني حديث العمري قال بعده: وقال البيهقي: هذا أمثل من الوجه المتقدم.
قال المستدرك: وفي صنع الشيخ إيهام شديد، لأن الحافظ البيهقي يضعف هذا الحديث مرفوعاً.
قلت: أي إيهام في ذلك، فإن نقل الشيخ عن البيهقي لا يعني أن البيهقي يقوي هذا الإسناد، فكيف إذا نقل الشيخ حكم البيهقي علي الحديث عن ابن عمر حيث نقل قوله: الحديث المحفوظ عن ابن عمر من قوله.
فأي بيان لرأي البيهقي أوضح من هذا؟، فضلاً عن أن يكون إيهامًا، فضلاً عن أن يكون إيهامًا شديدًا؟
فلماذا هذه المحاولات لتشويه صورة هذا الإمام؟!.
***
стр. 241
الحديث رقم (٦٧)
- الإرواء (٣/ ١٤٢) رقم (٦٧٦):
حديث: عبد الله بن زيد: رأيت النبي ﷺ حين استسقى أطال الدعاء، وأكثر المسألة، قال: ثم تحول إلي القبلة، وحول رداءه، فقلبه ظهرًا لبطن، وتحول الناس.
الحديث قد تراجع عنه الشيخ، فلا وجه لاستدراكه.
فقد حسَّنه الشيخ ﵀، فقال المستدرِك: حديث عبد الله بن زيد أصله في البخاري ومسلم، فهو ثابت بلا إشكال، لكن الاستدراك منصب علي قوله: وتحول الناس معه، فهذه اللفظة لم أجدها في مسند أحمد، وقد عزاه الشيخ الألباني إليه، وقد تتبعت رواية [كذا] الحديث كلها في مسند أحمد، ولم أجد هذا اللفظ. انتهى كلام المستدرِك.
قلت: رواه أحمد برقم (١٦٤٦٥)، فلماذا يعتلي سدة الانتقاد على أئمة هذا الشأن إذا كان لا يزال على هذا الحال من القصور؟!!!.
قلت: ولهذا الحديث طرق كثيرة لم أقف في شيء منها على هذا اللفظ، فهو خطأ.
قلت: قد تراجع الشيخ ﵀ عن تحسينه لهذا الحديث، فقد قال في تمام المنة ص (٢٦٤): ذكر تحول الناس معه شاذ كما حققته في سلسلة الأحاديث الضعيفة (٥٦٢٩)، فهل تعجل هذا المستدرِك بأخذ حكم الشيخ على الحديث من مصدر واحد دون الرجوع إلي سائر المصادر التي تكلم فيها الشيخ على الحديث، أم أنه وقف على تراجع الشيخ، وأخفاه؟!!.
***
стр. 242
الحديث رقم (٦٨)
- الإرواء (٣/ ١٤٥) رقم (٦٨٢):
قوله ﷺ : "أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَاتِ".
حكم الشيخ ﵀: صحيح، وله شواهد.
قال المستدرِك: ضعيف، وشواهده لا تقويه.
الراجح عندي: صحيح بمجموع طرقه، وصححه جمع من الأئمة.
الحديث رواه النسائي (٤/ ٤)، والترمذي (٢٣٠٧)، وابن ماجه (٤٢٥٨)، وابن المبارك في الزهد في الزيادات من طريق نعيم بن حماد (١٤٦)، وابن الأعرابي في معجمه (٣٧١)، وابن حبان (٢٩٩٢)، (٢٩٩٤)، (٢٩٩٥)، والقضاعي في الشهاب (٦٦٩)، والبيهقي في الزهد الكبير (٦٩١)، والخطيب في تاريخ بلده (٩/ ٤٦٩ - ٤٧٠)، وابن عساكر في تاريخه (٥٤/ ١٣٥ - ١٣٦) كلهم من طريق الفضل بن موسى السيناني.
ورواه النسائي (٤/ ٤)، وأحمد (٧٩٢٥)، وابن أبي شيبة (١٢/ ١٥٩)، والخطيب في تاريخه (١/ ٣٨٤)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١٤٧٩)، والمزي في تهذيب الكمال (٢٤/ ٣٢٠) كلهم من طريق يزيد بن هارون عن محمد ابن إبراهيم والد أبي بكر بن أبي شيبة.
ورواه الحاكم (٤/ ٣٢١) من طريق يزيد بن هارون أنبأ محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا به.
والظاهر أنه قد سقط من الإسناد ذكر محمد بن إبراهيم، وإلا فرواية الجماعة أصح.
стр. 243
ورواه الطبراني في الأوسط (٨٥٦٠)، والقضاعي في الشهاب (٦٧٠)، والبيهقي في الشعب (١٠٥٦٠)، والرافعي في التدوين (٢/ ٢٨٢) من طريق عيسى بن إبراهيم البركي ثنا عبد العزيز بن مسلم ثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً به.
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عبد العزيز بن مسلم إلا عيسى بن إبراهيم.
قلت: الأمر ليس كما قال ﵀، فقد رواه ابن حبان (٢٩٩٣)، والقضاعي في الشهاب (٦٦٨)، وابن عساكر (٣٦/ ٣٠) من طريق إبراهيم بن الحجاج السامي، وهو ثقة، عن عبد العزيز بن مسلم به، وهذا وغيره يدل على أن الأئمة المتقدمين تفوتهم بعض طرق الحديث التي تؤثر في صحته خلافًا لما يظنه هؤلاء المتطاولون على الأئمة، والله المستعان.
ورواه ابن عدي (٥/ ٢٢٢)، والبيهقي في الشعب (١٠٥٥٩)، وفي الزهد (٠ ٦٩)، وابن النجار في ذيل تاريخ بغداد (١/ ٢٨٣)، وابن عساكر في تعزية المسلم (٥٤) وابن الجوزي في العلل المتناهية (١٤٧٩) من طريق العلاء بن محمد ابن سيار، وهو ضعيف.
ورواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١٤٧٩) من طريق معاذ بن أسد.
وابن عساكر (٥١/ ٤) من طريق حماد بن سلمة، وفي الإسناد محمد بن الحسن الأسدي، وهو صدوق فيه لين، وتابعه يعلى بن عباد (١)، وزاد الدارقطني
стр. 244
فيمق أخرجه موصولاً: سليم بن أخضر، وعبد الرحمن بن قيس الزعفراني.
وعليه فرواه (الفضل بن موسى، ومحمد بن إبراهيم، وعبد العزيز بن مسلم، وحماد بن سلمة، وسليم بن أخضر، ومعاذ بن أسد، والعلاء بن محمد، وعبد الرحمن بن قيس) ثمانيتهم عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا به.
ورواه ابن أبي شيبة (١٢/ ١٥٩): حدثنا محمد بن بشر قال حدثنا محمد بن عمرو قال حدثنا أبو سلمة فذكره مرسلاً.
قال الدارقطني: ورواه أبو أسامة وغيره عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة مرسلاً، والصحيح المرسل.
قال المستدرك: لله دره، ما أدق نظره وأحسنه!.
وأقول: دقة نظر الدارقطني وحسنه مما لا خلاف فيهما، فهو أمير المؤمنين في الحديث، لكن ما صلة هذا بحكم الدارقطني في هذا الحديث، دعونا ننظر ما تفسير هذه الصلة من كلام المستدرك العظيم حيث قال: عن كلامه (يعني الدارقطني) يتوافق مع ما ذكره الأئمة عن أبي أسامة ومحمد بن عمرو -كما سيأتي- مما يدل على صحة ما ذهب إليه، وفيما يلي كلام الأئمة عن أبي أسامة ومحمد بن عمرو:
أولاً: قال الإِمام أحمد عن أبي أسامة: كان ثبتًا، ما كان أثبته، لا يكاد يخطئ، وقال أيضًا: كان أبو أسامة (١) صحيح الكتاب، ضابطًا للحديث، كيِّسًا صدوقًا.
ثانيًا: قال ابن معين عن محمد بن عمرو: كان يحدث مرة عن أبي سلمة
стр. 245
بالشيء من رأيه، ثم يحدث به مرة أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة.
قلت: إن من له أدنى صلة بهذا العلم الشريف ليعلم أن الاختلاف وقع بين الرواة عن محمد بن عمرو بن علقمة، فالمقارنة تقع بينهم بعضهم البعض، ولا يجوز، ولا يتصور أن تعقد المقارنة بين محمد بن عمرو، وبين أحد الرواة عنه، وهو ما صنعه هذا المستدرِك، حيث قارن بين أبي أسامة، وهو أحد الرواة عن محمد بن عمرو، وبين محمد بن عمرو، ثم خرج من هذه المقارنة بقوله: وبهذا يتبين أن رواية أبي أسامة ومن معه أرجح من رواية الآخرين، وهذا مما لا يقضى منه العجب، ثم قفز بعد هذه النتيجة ليتكلم عن المخالفين لأبي أسامة بقوله: لا سيما وفيهم أناس لا قيمة لروايتهم مطلقا كالعلاء بن يسار (١)، ومما يثير الغبار عليه أيضاً أنه لم يذكر شيئًا عن الرواة عن محمد بن عمرو الذين رووه موصولاً، ففيهم من الثقات: الفضل بن موسى، وعبد العزيز بن مسلم، ومحمد بن إبراهيم، وحماد بن سلمة أربعتهم ثقات، خالفهم محمد بن بشر، وهو ثقة حافظ، وأبو أسامة، وهو ثقة ثبت، ويدلس، ولا ندري هل صرح بالتحديث أم لا؟
والأربعة الثقات أرجح من الاثنين، فكيف إذا تابع الأربعة: سليم بن أخضر والعلاء بن محمد؟!
فالقواعد الحديثية تقتضي ترجيح رواية الجماعة، وهو الواجب اتباعه دون تقليد الدارقطني، وترد تضخيم كلامه الذي يعارض ما تقتضيه القواعد الحديثية، وقد عارض الدارقطني في حكمه إمامان أقدم منه، وهما الترمذي حيث قال: هذا حديث حسن غريب، وابن حبان حيث صححه، وصححه الحاكم، ولم يتعقبه
стр. 246
الذهبي.
وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص (٧٣٠): صححه ابن حبان، والحاكم، وابن السكن، وابن طاهر، وصححه ابن الملقن في البدر المنير (٥/ ١٨١)، وأورده ابن رجب في لطائف المعارف ص (١٠١) محتجًّا به.
فهل يرد قول هؤلاء الأئمة الموافق للقواعد الحديثية إلا حريص على الهدم؟!،
وأما ابن الجوزي، فقال في العلل المتناهية: هذا حديث لا يثبت، ومداره على محمد بن عمرو الليثي، قال يحيى بن معين: ما زال الناس يتقون حديثه.
قلت: هذا مما يؤخذ على ابن الجوزي ﵀، واشتهر به في كتبه حيث ينقل بعض الأقوال التي فيها الجرح دون التعديل، فقد قال أحمد بن أبي مريم عن ابن معين نفسه قوله عن محمد بن عمرو: ثقة، والصواب في أمره ما قاله الذهبي في الميزان: شيخ مشهور، حسن الحديث، مكثر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قد أخرج له الشيخان متابعة، وقال ابن حجر في التقريب: صدوق، له أوهام.
وللحديث شواهد أحسنها حديث ابن عمر، رواه ابن الأعرابي في معجمه (٣٧٠)، والطبراني في الأوسط (٥٧٨٠)، وابن جميع في معجمه ص (٢٤٤ - ٢٤٥)، والقضاعي في الشهاب (٦٧١)، والبيهقي في الشعب (١٠٥٥٨) كلهم من طريق منجاب بن الحارث ثنا أبو عامر الأسدي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا بنحوه.
ورجاله ثقات غير أبي عامر الأسدي روى عنه ثقتان، ولم يذكر فيه ابن أبي حاتم جرحًا، ولا تعديلاً، فمثله صالح في المتابعات، وأما المستدرك فأمره في مسألة التفرد معروف، وقد مضى بيان غلوه فيه بما لا حاجة لإعادته.
وله شاهد من حديث أنس: أخرجه البزار (٦٩٨٧)، والطبراني في الأوسط
стр. 247
(٦٩١)، وأبو نعيم في الحلية (٢٥٢/ ٩)، والبيهقي في الشعب (٨٢٧)، (٤٨٣٣)، والضياء في المختارة ج ٥ رقم (١٧٠١)، (١٧٠٢)، وابن عساكر في تعزيهَ المسلم (٥٥) كلهم من طريق مؤمل بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس مرفوعاً به، وفيه قصة.
قال البزار: هذا الحديث لا نعلم رواه عن حماد بن سلمة إلا مؤمل.
وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن ثابت إلا حماد، تفرد به مؤمل.
والظاهر أن أبا حاتم كان يحسب أن مؤملا تفرد به كالبزار والطبراني، فقد قال في العلل لابنه (١٨٨٣): هذا حديث باطل، لا أصل له.
فنقل المستدرِك كلام الأئمة الذين ضعفوا مؤمل بن إسماعيل، ثم قال: وإذا قرأ الإنسان كلام الحفاظ في مؤمل عرف لماذا حكم أبو حاتم على الحديث بأنه باطل.
قلت: لو علمت أن مؤملاً قد توبع لما قلت هذا إن كنت تريد الحق، فقد تابعه عبد الأعلى بن حماد النرسي، وهو ثقة عند البيهقي في الشعب (٨٢٦)، والخطيب في تاريخه (١٢/ ٧٢ - ٧٣).
وللحديث شاهد عند ابن المبارك في الزهد (١٤٥) من مرسل زيد بن أسلم، وله طرق أخرى ضعيفة، والحديث صحيح بمجموع طرقه، وقد مضى تصحيح الأئمة له، ومنهم متقدمون كما سبق، فلا صلة له بدعوى المستدرك مخالفة الشيخ للمتقدمين، والله المستعان.
***
стр. 248
الحديث رقم (٦٩)
- الإرواء (٣/ ١٦٠) رقم (٧٠٠):
قوله ﷺ لعائشة: "لَوْ مُتِّ قَبْلي لَغَسَّلْتُكِ، وَكَفَّنْتُكِ".
حكم الشيخ ﵀: صحيح.
حكم المستدرِك: قوله: "لَغَسَّلْتُكِ" لا يثبت، وهو الشاهد.
الراجح عندي: الحديث صحيح.
الحديث رواه النسائي في الكبرى (٧٠٧٩) وابن حبان (٦٥٨٦)، والبيهقي (٣/ ٣٩٦)، من طريق عمرو بن هشام، وأحمد بن حنبل (٢٥٩٠٨)، ومن طريقه ابن ماجه (١٤٦٥)، والدارقطني (٢/ ٧٤)، وابن أبي أخي ميمي في الفوائد (١٣٩)، وابن الجوزي في التحقيق (٨٥٩).
والدارمي (٨٠) من طريق الحكم بن المبارك.
والدارقطني من طريق أحمد بن عبد الملك بن واقد.
والبيهقي من طريق أحمد بن بكار (عمرو بن هشام، وأحمد بن حنبل، والحكم ابن المبارك، وأحمد بن عبد الملك بن واقد، وأحمد بن بكار) خمستهم رووه عن محمد بن سلمة عن ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة به.
وخالفهم محمد بن أحمد الصيدلاني، فرواه عن محمد بن سلمة عن ابن إسحاق عن يعقوب عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن عروة عن عائشة.
ورواية الجماعة أرجح لكونهم أكثر، ولأن محمد بن سلمة توبع على هذا الوجه، فقد رواه البيهقي في الدلائل (٧/ ١٦٨ - ١٧٠)، من طريق يونس بن بكير
стр. 249
عن ابن إسحاق قال: حدثنا يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عائشة بنحوه.
وفي هذا الإسناد تصريح ابن إسحاق بتحديث يعقوب له، فأمنا تدليسه، وكذلك ورد التصريح بالتحديث كما في السيرة النبوية لابن هشام (٤/ ٢١٨).
ورواه الطبري في تاريخه (٣/ ١٨٨ - ١٨٩): وحدثنا ابن حميد قال حدثنا علي ابن مجاهد قال حدثنا ابن إسحاق فذكره بإسناده.
وعلي بن مجاهد متروك، وابن حميد ضعيف.
ورواه أبو يعلى (٤٥٧٩): حدثنا جعفر بن مهران حدثنا عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق حدثني الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة بنحوه.
وجعفر بن مهران روى عنه جماعة، وذكره ابن حبان في الثقات، فإن كان حفظه، فهو محمول على أن ابن إسحاق سمعه من يعقوب، ومن الزهري، وإلا فالرواية الأولى أرجح.
قال المستدرك: قال ابن الجوزي فإن قيل: وقد روى هذا الحديث البخاري في صحيحه، فقال فيه: "قُلْتُ: وَارَأْسَاهُ. فَقَالَ: ذَلِك لَو كَانَ وَأَنا حَيٌّ؛ فَأَسْتَغْفِر لَكِ وَأَدْعُو لَكِ"، ورواه صالح بن كيسان عن الزهري، فقال فيه: "وَدِدْتُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَأَنَا حَيٌّ، فَهَيَّأْتُكِ، وَدَفَنْتُكِ"، ولم يقل: "غَسَّلْتُكِ" إلا محمد بن إسحاق، وقد كذبه مالك.
قال المستدرك: ثم شرع في الجواب عن ذلك بما خلاصته أن ابن إسحاق ثقة صدوق.
قلت: لم يذكر من كلام ابن الجوزي في ابن إسحاق إلافي نقل من تكذيب
стр. 250
مالك له، ومالك هو مالك، فكيف إذا كذب أحد الرواة، فمهما يكن من عارض مالكًا، أيمر تكذيبه بلا أثر؟!، كلا، فإذا علم أن ما كان بين مالك وابن إسحاق هو ما يكون بين الأقران علم الموقف الصحيح من كلام بعضهم في بعض، وقال الشافعي ﵀: كنت عند مالك، فقيل له: إن ابن إسحاق يقول: اعرضوا على علم مالك، فإني بيطاره، فقال مالك: انظروا إلي دجال من الدجاجلة، فتبين بهذه القصة سبب قول مالك فيه ذلك، وكذلك كلام هشام بن عروة، وقابل ذلك قول شعبة فيه، وشعبة معروف بالتشدد، قال: محمد بن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث، وفي رواية عن شعبة، فقيل له: لم؟ قال: لحفظه، وفي رواية عنه: لو سود أحد في الحديث لسود محمد بن إسحاق، والظاهر أن خلاصة أمره ما قاله الحافظ في التقريب أنه صدوق، يدلس.
قال المستدرك: لو كان ابن إسحاق ثقة لما نفع توثيقه هنا شيئًا، لأن أصح هذه الأسانيد إسناد البخاري مع ما في ابن إسحاق من كلام معروف، لا سيما في أحاديث الأحكام، وإذا كان في ابن إسحاق ضعف، لا سيما في أحاديث الأحكام، وقد خالف من هو أوثق منه، فهذا دليل على خطئه، وعدم ضبطه للحديث.
وأقول: من المعلوم أن من شرط تعليل الروايات بعضها ببعض أن يتحد مخرجها، وليس الأمر كذلك هنا، فرواية البخاري من طريق القاسم بن محمد عن عائشة، ورواية محمد بن إسحاق من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عنها، فلا يعارض بين الروايتين مع اختلاف مخرج الحديث كما هو مقرر في هذا العلم الشريف، ولعله لذلك لم يذكر المستدرك من خالف ابن إسحاق، ولئن كان كذلك فالأمر خطير، والله المستعان.
قال المستدرِك: وقد ذهب الشيخ الألباني إلى أن رواية صالح بن كيسان تشهد لرواية ابن إسحاق نقلاً عن ابن حجر.