← Адаб

Адаб · id 9693

الساق على الساق في ما هو الفارياق

الشدياق

Полный текст (294 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

نعم ألم يكفيهم هذا كله حتى طفق بعضهم يجهَّز على بعض كتائب الحدس والتخمين ويجرّد عليه مقانب الخرص والتزكين. فاقبل منهم على قوم برماح الطعن مشرّعة. وبسيوف اللعن مبضّعة. وبنصال الجدال فائدة مارقة. وبنبال الجلاد صاردة خاسقة. فقال بعض إِلا أن درجات السماء مائة وخمس. فقال غيره إِلا إنها مائة وأربع. فقال آخر لقد كذبتما واستوجبتما قطع اللسان وسمل العينين وسلّ الأنثيين. وإنما هي مائة وست. ثم قام آخر وقال إلا أن دركات سقر ستمائة وست وستون. فقام غيره وقال إلا إنها ستمائة وخمسون. فقال آخر لقد كذبتما وألحدتما وضللتما واستوجبتما غلّ اليدين والرجلين ونتف الشعرين. إنما هي ستمائة وسبع وستون. ثم قام آخر وقال إلا أن قرن الشيطان ثلاثمائة وخمسة وخمسون ذراعاً. فقال آخر هذا إفك واضح، وبهتان فاضح. بل هو ثلاثمائة وستة وخمسون. فقال آخر وكسور. مقال آخر إلا إنه من حديد لكونه ثقيلاً على الناس يعنيّهم فأجابه غيره إلا إنه من ذهب لكونه يضلّهم ويغويهم فقال آخر بل هو من اليقطين لأنه ينمي ثم يذوي. ويكبر ثم يصغر. ويطول ثم يقصر. ثم قام آخر على رأس سلم عالٍ وقال بصوت جهير إلا أن يكون أيها الناس لجليدة ينبغي قطعها بحجر محدّد لا كبير ولا صغير. فقال آخر بل بسكّين ماض لا طويل ولا قصير. فقال آخر لقد سفهتما إنما هي عزيزة علينا، كريمة لدينا. لا يصح قطعها بحجر ولا سكين. ولا خدشها بشيء ولو من رقين. فإنما هي متصلة بالوريد ومنعقدة بالوتين. ومن قطعها فقد كفر. واستوجب نار سقر. فقال آخر بل قطعها واجب فإنها من الزوائد. فاعترضه القائل بعدم القطع أنا لا نرى شيئاً غيرها فما وجه تخصيصها بالقطع. قال بل الشوارب تحفى والأظفار تقلّم. فال ولكنها بعد ذلك تنبت وتلك لا. إنما دليلي القطعي على وجوب القطع عدم نفعها لصاحبها. قال لم يخلق الله شيئاً عبثاً من غير نفع. فال بل خلقك إياك لغير فائدة. قال لا بل أنت مخلوق عبثاً. ثم حشد كلّ من الفريقين بخيله ورجْله. وتلاقى كل من الجيشين بسلاحه ومحله. فمن بين قارع بحد الحسام، ورامِ بالسهام، وباطش بيده وقاذع بلسانه. وهائجٍ بقلمه. فالرؤوس متناثرة. والدماء جارية والأعضاء متطايرة. والعرض مهتو والحرمات مهتكة والمال مسلوب والديار مخربة. والحزازات في الصدور كامنة. والمشاحنة ظاهرة وباطنة. والخيل مسرجه. والكماة مدججة والطرق معطلة. والأرض ممحلة. والفرص للانتقام مرقوبة. والدعوات في الليالي مشوبة.

стр. 142

يا أيها الناس اعتبروا بمن فات كيف صار إلى الرفات. وإن منهم من كان يذكر اسمه في حياته بالبركات. فأصبح يذكر باللعنات. ومنهم من كان يحسب في قومه سراجاً وهاجاً. ومنهم من كان يأكل حتى ينتفخ بطنه وتجحظ عيناه، ويتلجلج لسانه وترتخي شفتاه. فصار الآن الدود يأكله. وبعض الحشرات يستوبله يا أيها الناس. وجمهوركم في سباق والباقي في نعاس. فرار من غرور النفس وحدار من قرور الرمس. وبدار إلى تقديم عمل يقربكم إلى الله. ويلأم بعضكم ببعض وأنتم في الحياة. أتموتون وفي قلوبكم الحقد على خصمكم. وفي أفواهكم اللعن على مخالفكم في زمعكم. ألم يقل لكم الحق كونوا يا عباد على الأرض إخواناً فإنكم من أب واحد وأمّ واحدة وأنكم جميعاً لميتون. سواء كنتم ذوي وجوه سمر أو حمر أو صفر أو سود أو بيض أنكم كلكم بشر إنكم كلكم فانون. إنكم ناظرون ولامسون وسامعون وشامون وطاعمون. ما بال الجُليديّ منكم يشنأ اللاجليدي. والحديدي منكم يمقت اليقطيني أفلا تتوادعون. ألم أظهر لكم في طلوع الشمس وغروبها. وفي بزوغ الكواكب ومغيبها. وفي سكون الريح وهبوبها. وفي خمود النار وشبوبها. وفي زخر المياه ونضوبها. وفي صروف الدهر وخطوبه. وهمومه وكروبه. وفي سواد الشعر ومشيبه. وفي هرم الجسم وشحوبه. وفي الأزمان إذا توالت. والأحوال إذا حالت. والدول إذا دالت. وفي الغياض إذا أبهجت. والرياض إذا دبجت. والأشجار إذا أورقت وجردت. والأطيار إذا زقزقت وغردت. وفي اللسان إذ نطق. والقلم إذا مشق. ليس لعمري بين الوحوش الضارية والطيور الكاسرة ما بينكم من العداوة والبغضاء. والضغن والشحناء. اذكروا يوم أن صعد خطيبكم المنبر. وعبس وبسر. وتوعد وتنكر. وخطأ وكفر. وحض على القتال وذمر. ثم دعا فأستغفر واستخار الله وأستبشر فأغرتم على جيرانكم وانتهكتم حرمات إخوانكم وفرقتم بين ورضيعها. والمرأة وضجيعها وبين الأب وولده وسبَدَه ولبده. اذكروا يوم أن حشد رئيسكم إليه أعوانه وهاج أهله وأخدانه على ان يخون سلطانه. وأي خيانة وما ذلك إلا لمخالفته له في الحزر والتقدير والتأويل والتعبير والتخريج والتفسير. اذكروا يوم أن أعلمتم أنفسكم بعلائم الجهاد الجهاد وقلتم هذه حرب الله هذا قتال لرضى رب العباد هذا يوم كسب الثواب والنجاة من العذاب فأفيضوا إلى العدو من البر والبحر واغتنموا عند الله أجر هذا البّر اذكروا يوم أن تنازعتم على لون طعام تأكلونه. وشكل شراب تشربونه ورحضة جسم تغسلونه ونوع فراش تتوسدونه ورقعة ثوب تلبسونه ووجه كلام تعفكونه ومتاع تستعملونه للخلاف في هذه الدنيا فطرتم أم بالخصام والمعادة أمرتم ما بال علماء الرياضة والهندسة والتنجيم لا يختلفون في أدلتهم وأن اختلفوا لم يشبّوا النار لتحقيق نحلتهم وأنتم تشبونها عند كل فرصة تسنح لكم ووهم يسبق إليه فكركم وكان الأولى أن تتواطئوا على رأي واحد كما تواطأ أولئك وإن تُسنوّا لعباد الله مصالحهم لا أن تدخلوهم في هذه الملاحك وتربكوهم في هذه المرابك وأن تهدوهم إلى أقوم المسالك لا أن تلبسوا عليهم في هذه الحوالك. دعوهم يشتغلوا بأسباب معيشتهم ولا تكلفوهم إدراك ما فوق طاقتكم وطاقتهم وأعملوا أنتم أيضاً بأيديكم ساعتين إذا علمتم بألسنتكم النضناضة ساعة وأجمعوا أمركم عند تفرق أهواكم على الألفة والطاعة أنسيتم ما جاء في الزبور الذي به تلهجون وتهذّون وتذبرون وهو قوله ما أحسن الأخوة أن تكن جميعاً في بيت واحد كالدهن النازل على اللحية لحية هارون إلا ولا تحرموا ما حلل الله لكم من الطيبات ولا تتلاوصوا إلى معرفة ما لغيركم من الهفوات ولا تبيعوا أملاك السماوات وأنتم على الأرض من ذوي البطالة والترّهات.

стр. 143

ليس على السوقي أن يتزوج من حرج ولا على الخرجي أن يتزوج سوقية من مرج فإن اختلاف الحرز فيما لا يعلم لا يكون مانعاً للفوز بهذا المغنم الذي من تعلم ومن لم يتعلم. أو لم تعلموا أن الأرحام من الرحمة اشتقت. وإلى المصاهرة شقت. وعلى الأنساب انطبقت. وإلى التآخي والتآلف خلقت. وبالتواد اختصت. ولا تتهاز فرص الحظ فُرصت. فما لكم عنها تتباعدون. وتتقاعسون وتتفاعدون ولم أنتم هؤلاء في بحر الشك والظن تسبحون وتستبضعون تجارة الخوص وتربحون لا يسمع الله دعاء أحد منكم في الشرق إلا إذا كان يستصوبه أهل الغرب. ولا يفيزكم بالآخرة إلا إذا تألفتم في الدنيا على هذا الضرب. فليصافح إذاً أخضر الرأس منكم أسوده ومدّوره ذو القُبعة مخروطه ذا اللبدة وليُصْف كل منكم لأخيه نيته ووده. ويحفظ له عهده. وإذ قد اتفقتم على المخلوق فلا تختلفوا على الخالق. فهو رب المغارب والمشارق. وأنه ليريد أن المشرقي منكم إذا سافر إلى الغرب يرى أهله فيه له أهلاً. وشمله شملاً فأقبلوا النصيحة وأسمعوا ما يمر بكم بعدها من العبارات الفصيحة والمعاني المليحة في هذا الفصل الذي سميته. العشق والزواج قد ذكرت في آخر الكتاب الثاني أن الفارياق ابتلاه الله بأمراض كثيرة وكتب وفيرة ثم أنجاه منها جميعاً. وأنه بعد أن رأى نفسه معافى منها اطمأن خاطره وأخلد إلى الغناء. والآن ينبغي أن أذكر ختام هذه النوبة وعاقبة هذه الحوبة ذلك أن الدار التي كان فيها الخريجيون كانت محاذية لدار بعض التجار وكان له بنت تحب السماع واللهو والطرب وترتاح إلى الغناء جداً فكانت إذا سمعت الفارياق يغني أو يعزف في غرفته تصعد إلى سطح دارها وتنصت إلى أن يفرغ فتنزل إلى حجرتها. فلما علم الفارياق أن صعودها كان لأجله أذ لم أحد غيره يظن به التعرض لها صبت إليها نفسه ونزغه فيها نازغ من الهوى غير إنه كان من طبعه النفور من الزواج حتى أنه كان يحسب المتزوجين أشقى الناس لأن الحالة الزوجية لا يبدو منها في الغالب سوى صعوباتها ومشاقها. وكان إذا قيل له فلان تزوج تأخذه به رأفة ويرثي له كما يرثي لمن دار به تيا شديد أو رزئ برزيئة كبرى فتنازغ فيه حٍ عاملاً الهوى والحذر فرجحت كفه الأولى الثاني فرأى أن مجرد النظر أولى من التعرض بإشارة تدل على أنه ذو صبوة وهيام ومكثا على ذلك مدة وهو أحذر من القر لي حتى إذا كان يوم ورآها تمسح محاجرها بمنديل أما من حرّ الشمس أو من غيره أعتقد بمجامع قلبه أنها تمسح دموعها شوقاً إليه فانفتقت بنائق الصبر من صدره وهاج به الوجد لإزالة حذره وقال في نفسه أيقابل أحد غيره دموع باكية بالأعراض. وهل وراء الدموع غير الهوى كيف لا تذيبني وما قلبي بجامد، ولا أنا بمخلد! وقد علمت أن أعظم لذات الحياة ما إذا وجد الإنسان له خدينا نويّا. وقرينا صفيا. وإنا غريب محتاج إلى مؤنس في وحشتي، ورفيق في وحدتي. ومن مؤنس مثل الزوجة. وأي خير في العزوبة لمن رزقه الله قوته وحوجه. وبمثل هذه الخواطر السريعة وطّن نفسه على تحمل أعباء الهوى من أي جهة كانت. فمن ثم فتح باب الإشارة بينهما. فمن بين توضع على القلب مرة وعلى أخرى. وأصبح تقرن بأخرى. وذراعين تشبحان مع تنفس وزفير. وشفتين تضمان. ورأس يهز وغير ذلك مما يتعلل به المبتدئون في الحب. فأما المتناهون فلا يرضيهم إلاّ الهصر بالفودين كما نص عليه الأستاذ امرئ القيس.

стр. 144

ودامت دولة الإشارة بينهما أياماً مديدة من دون كلام. فلما أعجزت الأيدي وسائر الجوارح عن ترجمة ما في القلب وخصوصاً لبُعد ما بينهما احتالا على أن يجتمعا في مكان بحيث يرى المحب حبيبه. فلما بصر بها عن قريب وجدها والفضل لمخترع الزي المصري عنْدلة جزْلة. إذ لو كانت متردية بالزي الإفرنجي لما عرف هل كان ما في صدورها عِهْنا أو بِرْسا أو قطنا. أو خُرْفعا أو عُطْما. أو بَيْلما. أو قِشْبرا أو حريراً أو نَوْذلا أو كان ما وراءها عُظامة أو لحماً وشحماً فال وهاتان الصفتان أعني العندلية والجزلية أحسن ما يراد من المرأة فإن الأولى تشفع في الكون الأمامي والثانية في الكون الخلفي قلت وقد جاء عن سيدنا سليمان ﵇ مدح العندلية بقوله في الفصل الخامس من سفر الأمثال فليروينك ثدياها في كل حين. ولقائل أن يقول أن العهن وأخواته مع وجود اليد والجتّ إذا جمع الجسمين مكان لا يمنع من تحقق الصفتين المذكورتين. والجواب أن ذلك محظور غالباً في البلاد المشرقية ولا سيما من أول مرة فأما عند غيرهم فلا محظور منه ولذلك شاع استعمال العظامات عندهم بلا نكير. ثم حيث تقدم لنا في الكتاب الأول وصف الحمار على أسلوب إفرنجي فلا بأس هنا أيضاً في وصف الرجل قُبيل الزواج على النسق المذكور فنقول. أنه مدة تعلله بغبطة الزواج وتلحزه من لذاته، لا يخطر بباله شيء من مستأنف آفاته. وإنما يخطر في حدسه ويقول في نفسه أن حالتي لا تكون كحالة معارفي وجيراني الذين تزوجوا وأخطأتهم الأماني إذا هم لم يؤدوا الزواج حقه. ولم يأخذوا في أسبابه بالثقة. لأن منهم من باعل، وهو غير كفو لهذا العمل. أما لصفر راحته، أو لعدم سماحته، أو لمبانية سنة عن سن زوجته أو لضعف في آلته. أو لأنه من الزمالقية على شفا. أو لأن جاره كان يخالفه إلى عطنه. أو لأن أمه كانت رقيباً على امرأته. أو لأن أمامه كان ضيزناً له على مائدته. فلذلك ثار بينهما النقار، وطال النفار. فقُدّ القميصان من قُبُل ومن دُبُر. ونتف الشعران والصخب كثر وخدش الجلدان خدشاً بالظُفُر. وأنتن الريحان من فوق السرر. أما أنا فإني بحمد الله خال عن هذه الخلال. فلا تحول لي مع زوجتي حال. ولا تزاحمني فيها الرجال. ولا يعتريها مني ملال. فرضاي رضاها. ومناي مناها. وما أنا بأدرم ولا أبخرز. ولا أحدب ولا أخنب. وأن لي يدين أعمل بهما ورجلين أسعى عليهما. وأن يكن بي عيب في خلقي يستره عني حسن خُلُقي. فإني لا أعارضها في طعامها. ولا في لباسها ومنامها. بحيث تنام إلى جني. وتتخذ من الملبوس ما يليق بها وبي. فما يمنعني من اتخاذ قرينة. تكون على هذه الصفة الميمونة. حتى إذا سمع الناس بأن زوجي عَرُوب وعرضها عندي مصون ووجهها عن المراود محجوب، حسدوني على هذه النعمة السابغة فكان لي كل غصة من العيش سائغة ولا يخفى كم في كيد الحسود من لذة، لا تتقاعس عنها إلا لذه ما عدا ارتياح النفس إلى الجنس الأنيس.

стр. 145

الذي قربه للقلب وللكرب تنفيس. وأن امرأ يقاسي النهار جهده، ثم يبيت في الليل وحده. من دون ضجيع له تنفخ في أنفه وتسخن دمه من أمامه ومن خلفه. لجدير بأن يحصى مع الأموات. ويلقي بين الرفات. هذا وأني أستغني برضبها عن الشراب. وبشم شعرها عن المسك والملاب. فأنهم قالوا أن الرائحة الأنثوية تستنشق من منابت الشعر وبها نشوة الحواس. سواء كان في المغابن أو في الرأس. وأجتزئ بحر جسدها عن الوقود للاصطلاء. وبالرنوّ إليها عن الأثمد والجلاء. فيتوفر عليّ كل يوم في الأقل درهم أنفق نصفه على الحمام كل غداة فيبقى لي النصف الآخر وذلك خير عمم. وغني أتم فأما ما يقال في كيد النساء، وأعناتهن الرجال بما يعز على الأسا، فليس ذلك على عمومه ولا تقرر حكم وأستثني أمور من تعميمه. فلعلي أول من أخرجه هذا الاستثناء وسنّ للأعزاب على الزواج الثناء. كيف لا وأنا ذو فصاحة وتبيان ودهاء وجنان. فما يعييني شيء من نكرها. ولا تخفى عني خافية من أمرها فأعارضها وأحجها. وأريها أن لي عليها قفية تضطرها إلى طاعتي وتحوجها فإن قلت لها اليوم يصوم فيه المباعلون، ويتبتل المفاعلون. قالت أنا أول من صام، وآخر من نام. وأن قلت لا يجمل بالمحصنة أن تتبرج. قالت ولا أن تتغنج. وإن قلت أن حق الزوجة على زوجها في كل أسبوع مرة. قالت وتبقى أيضاً عفيفة حرة. وأنقلت ليس الحليّ بلازم للعرس. قالت ولا الديباج شر لُبْسٍ. وفي الجملة فإن عيشي معها يكون رغيداً. وحالي سعيداً. وحظي مديداً. وطعامي مريئاً. وشرابي هنيئاً. وثوبي وضيئاً. وفرشي وطيئاً. وبيتي مأنوساً ومتاعي محروساً. وطرفي قريراً. وشأني مذكوراً وسعيي ميموناً. وقصدي مأموناً فحيّ هضل الزواج. بلعوب مغناج. طلعتها علاج من الألفاج وضجعتها أنهاج. إلا الأفلاج. انتهى. وأنا أقول أن مما غُرس في هذه الطينة البشرية اللثية أن الرجل متى وطّن نفسه على الزواج حبّب الله إليه زوجه على أية حالة كانت حتى يراها أحسن الناس خُلقاً وخَلقاً. لا بل يرى نفسه أنه قد ترفع عن أقرانه. وتمزّى على إخوانه، حتى يستخسّ ما كان من قبل يستعظمه. وأنه قد صار إنساناً جديداً يجدر بأن يجدد له وجه الأرض. وبناء على ذلك لم يعد الفارياق يرضي بالأغاني والأشعار المتعارفة بل أستبدل الأولى بأخرى جديدة من نظمه. ونظم خلال ذلك قصيدتين حاول فيهما اختراع أسلوب غريب فجاءنا طيخيتين كما سترى ذلك ولو استطاع أن يخترع كلاماً جديداً يعبر به غرامه وحديث شأنه لفعل. وكان إذا رأى رجلاً متزوجاً يهيب به وينشده: أنا في حلبة الزواج المجليّ ... إنما أنت فسّكل قاشور أن قدمي يفوز عما قريب ... إنما قدحك السفيح يبور أو عزباً قال له يا أيها الأعزاب أني رافض ... دين العزوبة فاقتدوا بمثاليا ليس الغِنى إلا البعال فبادوا ... يا قوم واستغنوا بمثل بعاليا وتهوّس يوماً لأن ينظم ديواناً يشتمل على أبيات مفردة تهافتا على أحداث شيء غريب فنظم أربعة أبيات ثم مسك. وهي ساعة البعد عنك شهر وعام ... الوصل يمضي كأنما هو ساعه أتنجم الليل الطويل صبابة ... وتنجمي لنجوم ذي تفليك ويخفق مني القلب أن هبت الصبا ... ويذكرني البدر المنير محياك ألا ليتشعري كم يقاسي من ... النوى وأنحائه قلب يذوب تجلدا ومن الفضول هنا أن نقول أنه كان يقول لخطيبته أنك ملأت عيني قرة. وأني أراك أحسن الخلق. وأنا ليغبطنا الناس. وأنك تغنيني عن الغنى. وأني بقربك سعيد. ويبعدك عميد. وإنّا نكون أبداً كما نحن الآن. وأنك ذات ملاحة تشغل الخليّ. وأني أغار عليك من النسيم يفيء شعرك هذا الدجيّ. وأنّا لجسمان في روح واحد أو روحان في جسم واحد. وإنك لترين مني كل يوم محّباً جديداً. وإني لأرى فيك كل وقت حسناً حديثاً. وأنا نكون قدوة للمتزوجين والعاشقين. إلى غير ذلك من الكلام المتعارف عند أمثاله. قال خير أيام الإنسان في حياته هي المدة التي تتقدم الزواج والتي تليه. قلت ومبلغها عند الإفرنج شهر يسمونه قمر العسل وهو بعد الزواج. ومبلغها عندنا معاشر العرب شهران يقال لهما قمرا العَسل. حتى إذا امتلأت الخلية عادت كل نحلة زنبورا ورجع كل شيء إلى أصله.

стр. 146

وأقول أن المحبة مما غرس في الطبيعة البشرية من يوم الوضع في المهد إلى يوم الوضع على النعش. فلا بدّ لهذا المخلوق الآدمي من أن يحب ذاتا من الذوات أو شيئاً من الأشياء أو معنى من المعاني. وكلما زاد حبه في قسيم منها نقص في قسيمه الآخر. وقد يكون إحداها سبباً في زيادة حبّه للآخر. مثال ذلك من كلف بالشعر أو الغناء أو التصوير فكلفه هذا يكون باعثاً له على حب الذات الجميلة. ومن كلف بالعلم والقتال والفخر والسيادة فلابد وان تقل رغبته في النساء بل ربما لهي عنهن بالكلية. ومن كلف بالخيل المطَّهمة والسلاح النفيس فقد يكون كلفه هذا شائقاً له إلى حب الذات أولا. وعدّ بعضهم من هذا النوع السراباتية وهم المنظّفون للمراحيض. وأسقطه غيرهم بدليل إنها حرفة يحتاج إليها الإنسان لتحصيل معاشه لا كلف من هوى النفس. فهذه ثلاث حالات متسببة عن ثلاثة أسباب. وهناك أيضاً ثلاث أحوال أخرى باعتبار القلة والكثرة وما بينهما. الأولى متعادلة وهي ان يحب المحبّ محبوبه كنفسه. فلا تطيب نفسه بشيء ولا تهنئة لذة إلا إذا كان محبوبه مشاركا له في تلك اللذة. وذلك صفة الرجل قبل زواجه وبعيده. ولا تخلو هذه الصفة عن الرشد والبصيرة. الثانية المتعدية أي المجاوزة للمتعادلة. وذلك كان يحب المحبوب حبيبه اكثر من نفسه. وذلك صفة الأب والأم في حبّ ولدهما وصفة بعض العشاق. أما الأب فإنه يفدي بروحه ويحرم نفسه من اللذات والمسرات حتى يمتّعه بها. فإذا رأى نفسه عاجزا عن الأكل والبعال ورأى ابنه يأكل ويباعل لذَّ له ذلك وهو مع هذا غير خال أيضاً عن الرشد والتمييز. فأما العاشق فإنه يؤثر معشوقه على نفسه غير أن أفعال تكون مختلة في غير محلها ووقتها. والثالثة معلومة وهي أن يحب الإنسان محبوبه مع إيثار نفسه عليه وهو الأغلب. وهناك أيضاً ثلاث أحوال أخرى مكانية وهي القرب والبعد والتوسط. ولها تأثيرات مختلفة بحسب اختلاف طباع الناس فالصادق الود يحب في حالتي القرب والبعد على حدّ سوى. بل ربما كان البعاد مهيجا له إلى زيادة الشوق والغرام. وما احسن قول من قال في هذا المعنى. كأن الهوى شمس أبي إن يردها ... مهاة نوىً لا بل تزيد بها حرا

стр. 147

فأما الطرف الشنق فإنه لا يرسل الساق إلا ممسكا ساقا. وثلاث أخرى زمانية وهي الصبي والشباب والكهولة. فمحبة الصبي أسرع وأعلق. ومحبة الشباب أحرّ وأقوى. ومحبة الكهل أقر وأدوم. الكهل يقدر محاسن محبوبه ومنافعه أكثر. ومحبته له تكون أمرّ وأحلى. فالمرارة لعلمه إنه قد عرّض نفسه للوم اللائمين وعذل العاذلين من الأحداث والأغرار. ولإشفاقه دائما من ملل محبوبه إياه. فقلبه أبدا واجب. وهمّه بشأنه ناصب. والحلاوة لزيادة معرفته بقدر محبوبه كما تقدم. ولكون هواه والحالة هذه راهناً متمكناً فهو يعتقد بمجامع قلبه إنه ساع في أسباب سعادته وحظه. ولها أيضاً ثلاث حالات أخرى باعتبار الاستطاعة وعدمها اعني اليسر والعسر وحالة ما بينهما. أما الموسر فإن محبته أبرد وأحول. لأن غناه يحمله على استبدال محبوبه والتنقل من حال إلى حال. فلتحذر النساء المحصنات هذا الصنف من الناس وإن ماس بهن ماسه. إلا إذا كنا لا يخفن على سرّهن وعرضهن. لأن الغني يستحيل إفشاء الأسرار. كما يستحيل خزن الدينار. وعنده أن كل شيء عبد درهمه. وطوع نهمه. فأما الفقير فإن محبته أشط وأشذ وألوع. لأن فقره من حيث كان مانعاً له من إزالة الموانع التي تحول بينه وبين محبوبه لا يلبث أن يفضي به إلى اليأس أو الخبال أو الانتحار. فأما المتوسط فإن حبَّه اعدل واصَّح. ولها أيضاً ثلاث حالات أخرى وهي الذل والعزّ والمساواة فالذل غالبا صفة العاشق والعزّ صفة المعشوق. ومن أعجب أنواع المحبة الحبّ المختلط بالبغض. وذلك كأن يهوى رجل امرأة وهي تهوى غيره وتتمنع عليه. فيهيج به وجده إلى وصالها تشفياً منها. فإن فاز به غلبت محبته على كراهيته وإلا فلا ولا يزال هذا دأبه حتى يسلو عنها الغلب وان المحب لا يسلو محبوبه إذا عامله بالصد والحرمان إلا إذا ظفر بآخر شبيه له في خلقه وخلقه وهيهات ذلك فأما بواعث المحبة فقد تكون عن نظرة واحدة تقع من قلب الناظر موقعاً مكيناً فتخلج فيه من محركات الوجد والشوق ما تخلجه عشرة مدة مديدة وعندي أنه لا بد وأن يكون المحبّ قد تصوّر في عقله سابقاً صفات وكيفيات من الحسن فصبا إليها حتى إذا شاهدها حقيقة في ذات من الذوات كما كان تصورها علق بها قلبه وخاطره فكان وخاطره فكان كمن وجد ضالة ينشدها وقد تكون المحبة عن طول سماع عن شخص فيسترسل السامع إليه شيئاً فشيئاً حتى يكلف به. وأكثر أسباب المحبة النظر والعشرة. واعلم أن كثيراً من الناس قد عشقوا الصور الجميلة في الذكور والإناث لغير دعارة وفسق. وإنما هو ارتياح نفس ووجد بال. ويؤيده ما ورد في الأثر من عشق فكتم فعفّ فمات شهيداً. والعاشق في هذه الحالة يرضى من معشوقة بأدنى شيء. فالقبلة عنده وفتح وغنيمة. قال الشريف الرضي سلوا مضجعي عني وعنها فإننا ... رضينا بما يخبرن عنا المضاجع قلت لو كان لي تصرف في هذا البيت لقلت عنها وعني. وقال ابن الفارض رحمه: كم لات طوع يدي والوصل يجمعنا ... في بردتيه التقى لا نعرف الدنسا وهذا العشق يسمى عند الإفرنج العشق الأفلاطوني نسبة إلى أفلاطون الحكيم ولا حقيقة له عندهم وإنما هو مجرد تسمية. ويعرف عندنا بالهوى العُذري. نسبة إلى عُذرة قبيلة في اليمن لا إلى عذرة الجارية أي بكارتها وافتضاضها وشيء آخر منها. ويروي عن مجنون ليلى إنها أتته يوماً وجعلت تحدثه فقال لها إليك عني فإني مشغول بهواك. وللمتنبي في هذا المعنى فشُغلتُ عن رد السلا ... م فكان شغلي عنك بك

стр. 148

وأحقّ النساء بان تُعشَق وتعزّز التي جمعت إلى حسن خلقها الأدب وحسن المنطق والصوت واسعد الناس حالاً من كان له حبيب يحبه كما جاء في بعض المواليات المصرية. فإنه والحالة هذه يقدم على اصعب الأعمال واعظم المساعي. ويباشرها دون أن يشعر بها. لا فكره أبداً مشغول بمحاسن حبيبه. فلو رفع صخرة في هذه الحالة على عاتقه بل فنداً لتوهم إنه رافع نعال محبوبه أو بالحري رجليه. ثم أنه مع ما يلحق المحبة من طوارئ التنغيص والخيبة والحرمان وخصوصاً مضض الغيرة فإن عيش الخلي لا خير فيه. لان الحب يبعث على المروءة والنخوة والشهامة والكرم ويلهم المحب المعاني اللطيفة والخواطر الدقيقة. ويكسبه الأخلاق المرضية. ويستوحيه إلى عمل شيء عظيم يذكر به اسمه ويحمد شأنه ولا سيما عند محبوبته. وقلما رأيت عاشقاً به جفاء وفظاظة أو رثاء وبلادة أو دناءة وخساسة. وقال بعض العزهين وأظنه من التيتائيين. لو لم يمنع من عشق امرأة شيء بعد التعفف والتوّرع سوى الاضطرار إلى حبها لكفى لان الإنسان متى علم إنه مسخّر لحب شيء ومكلّف به ملّه بالطبع ونفر منه. قال فيكون حب المرأة على هذا مغايراً للطبع. هذا إذا كان الرجل شهماً عزيز النفس عالي الهمة. فأما الأوباش من الناس فلا معرفة لهم بقدر أنفسهم فهم يتساقطون على حب المرأة حيثما عنّت لهم وكيفما اتفق. قلت هو كلام من لم يذق الحب أو من كان مفرّقاً ولو سمع أنثى تقول له يوما احمل يا روحي هذا الحمل من الحطب على رأسك. أو احبُ يا عيني على أستك كالولد الصغير للبّاها حاملا وزحنقفاً. ثم أن للعشاق مذاهب مختلفة في العشق فمنهم من يهوى ذات التصنع والتمويه والعجب. ومنهم من لا يعجبه ذلك وإنما يؤثر الحسن الطبيعي. وأن يكون في محبوبته بعض الغفلة والبلاهة وإلى هذا أشار المتنبي بقوله: حسن الحضارة مجلوب بتطرئة ... وفي البداوة حسن غير مجلوب ومثل الأول مثل من يقدم له لون من الطعام وبه قمة فيحتاج إلى التفحية والتقيت ومثل الثاني مثل من به سيْفَيَّنة وسرْطميَّة فلا يمنعه عدم التفحية والتوابل من أن يلسو ويلوس ويلثى ثم يلحس قعر الجفنة بعد فراغه منها. فأما رغبة بعض الناس في الغفول والبلاهة فإنها مبنية على أن المحبّ لا يزال يقترح من محبوبته أشياء كثيرة تبعث إليها الحاجة. فمتى كانت ذات دهاء وذكاء خشي أن تمله وتحرمه. ومنهم من يزيد في المرأة غراماً إذا كانت ذات عزة وشرّة ومعاسرة فيكون استرضاؤها ادعى إلى النشاط والسعي. وهذا يفعله في الغالب من يتفرغ للهوى ويتصدى له من كل جهة. ومنهم من يعشق المرأة لاتسامها بسمة الشرف وسيادة أو وجاهة. وذلك دأب ذوي الطموح والاستطاعة. ومن هذا الصنف من إذا رأى المرأة امرأة وضيعة تشبه امرأة شريفة عشقها لأجل حصول المشابهة فقط. ويقال لأهل هذا المذهب المشبهية. وهو في النساء اكثر فإن المرأة لا تكاد ترى رجلاً إلا وتقول لعله يشبه بعض الأمراء الغابرين أو الحاضرين أو الآتين ومنهم من يعشق من بها ذلة وانكسار وملاينة. وذلك شأن ذوي الرفق والرقة. ومنهم من يعشق من على طلعتها آثار الحزن والكآبة والفكرة. وهو مذهب ذوي الحنين والطرب. ومنهم من يعشق ذات البشر والطلاقة والأنس. وهو خلق المحزونين المبتئسين. فإن النظر إلى مثل هذه ينفي الهم. ويجلو الكرب والغم. ومنهم من يعشق من بها مرح ونزق وطيش وثرثرة وقهقهة. وهو دأب السفهاء والجهلاء. ومنهم من يعشق المرأة لأدبها وفهمها وحسن كلامها ومحاضرتها وسرعة جوابها. وهو مذهب العلماء والأدباء. ومنهم من يعشق من تكون كثيرة الحليّ والتأنق في الملبوس كثيرة الغنج والتمويه وهو طريقة ذوي السرف والشطط. ومنهم من يعشق الماجنة المتهتكة المستهترة. وهو شأن الفساق الفجار. ومنهم من يعشق الخيتعور الشهوانية المتلعجة الطفسة. وهو خلق من مبلغ منه العُهر كل مبلغ. ومنهم من يعشق اللاّعة الخريدة العفيفة ابتغاء أن يفسدها ثم يتباهى بذلك بين أقرانه. فإذا رضيت له ملها أو أرادها أن تكون على غير تلك الحال وهو عندي شرّ من عاشق المتوهجة. ومنهم من يحب اجتماع هذه الصفات المختلفة كلها في محبوبته بحسب اختلاف الأحوال. هذا في الخُلق فأما في الخَلق فالنحيف يهوى السمينة وبالعكس. والأسمر يحب البيضاء وبالعكس. والطويل يحب القصيرة وبالعكس. والأملط يحب الكثيرة الشعر وبالعكس.

стр. 149

أما النساء فأحب الرجال إليهن الفارس الأبتع. الشجاع الأروع. فأما الغنى والفقر فلا ضابط لهما فإن الغني يتهافت على حب الفقيرة كما يتهافت على حب الغنية. بل البخيل من الأغنياء يؤثر حب الفقيرة طمعاً في أن يرضيها بالقليل من المال. والغالب أيضاً إيثار حب الجيل الغريب للاستطلاع على ما عنده من الغرائب التي تتصور المخيلة وجودها فيه دون غيره. إلا إذا منع مانع جهل بلغته فحٍ يحصل للمخيلة انقباض في تماديها. وكما أن لطف النساء وقلفطتهن تعجب الرجال ولا سيما في الفراش كذلك كان يعجب النساء من الرجال تراتهم وشيْظميتّهم. فلا تكاد امرأة ترى رجلاً على هذه الصفة إلا وتقول في قلبها عند هذا كفايتي وغنائي. وقد لحظت العرب هذا المعنى باشتقاقهم الطول من الطول. غير أن النساء على الأعم بجنين اللذات من كل مجني ويكرعن من مواردها ما ساغ وما أغص فمثلهن كمثل النحلة تجني من الزهر وان يكن على المدمن. فأما الغيرة فهي خلق طبيعي في كل بشر إذا كان سليم الذوق. فإن الإنسان يغار على متاعه من أن ينتهكه غيره فكيف على حرمته. وما يقال من أن الإفرنج ليس لهم غيرة على نسائهم فليس على إطلاقه. فإن منهم من يقتل زوجته ونفسه معاً إذا علم منها خيانة. نعم إنهم يتساهلون معهن في أمور كثيرة ربما تعدّ عند المشرقيين قيادة. إلا إنها في نفس الأمر وقاية من الخيانة. إذ قد تقرر عندهم أن الرجل إذا حظر امرأته عن الخروج وعن معاشرة الغير أغراها بالضَمْد. بخلاف ما إذا أرضاها بهذه اللذات الخارجية. ثم أنه لما علم اجتماع المستعسلين أي الفرياق والبنت خلافاً للعادة المألوفة ذاقت أمها من ذلك مرارة الصاب فاستشارت بعض أمرها فقالوا لها لسنا نرضى بمصاهرة هذا الرجل لأنه من الخرجيين. وأنت من أعزّ بيت من السوقيين وهما لا يجتمعان. فقالت لهم ليس هو من جرثومة الخرجيين بل هو دخيل فيهم. قالوا لا فرق في ذلك رائحة الخرج ساطعة منه وقد ملأت خياشيمنا وحذروها منه غاية التحذير. مع أني قد حذرتهم وأمثالهم في الفصل الذي مرّ من هذا الفصول. فلما علمت البنت بذلك نبض فيها نبض الخلاف وقالت ليست وقالت ليست هذه الفروق من مصالح النساء. وإنما هي مصلحة من أتخذها وسيله للمعاش والجاه. والمقصود من الزواج إنما هو التراضي والوفاق بين الرجل والمرأة. وأن أبيتم ذلك فها أنا أنذركم إني لست من السوقيين في شيء. فرأت أمها أن تغيب بها أياماً عن ذلك المحل رجاء أن يبعثها البعد على السلوان. فهاجت ح جميع عواطف الهوى في كل من العاسل والمعسول. وإليه أشار أبو نواس بقوله: دع عنك لومي فإن اللوام أغراء.

стр. 150

فلما رأت الأم أن لا إشارة تمنع البنت من الاشتيارة. ولا جَزْر يكفّها عن الجزر رجعت إلى منزلها واستدعت بالفارياق وقالت له: قد علمت أن السوقيين لا يبغون مصاهرتك. فإن كان عزمك على أن تتزوج ابنتي ينبغي لك أن تتسوق ولو يوماً واحداً. قال لا بأس، فعلى هذا تسوق يوم عقد الزواج وقرت عين كل منها ومن البنت. ثم أحضرت آلات الطرب ليلاً وأديرت الكؤوس وزها مجلس الأنس والسرور. والفارياق مواظب فيه على خدمة إدارة الكأس ومعيد على العازفين الأطراء وقوله آه وأيه واوه. حتى إذا كلت يداه ولسانه ورأى أن عزم الشْرب أن يسهروا الليلة كلها إلى الصباح أنسل من بينهم وصعد إلى السطح لكي يستريح. وكانت الليلة مقمرة من ليالي الصيف. فلما أبطأ عليهم ظنوا أنه تفلت أنه من الإرْبة فأخذوا في التفتيش عليه كما يفتش على امرأة فالك أو فارك. فلما وجدوه وعلموا أن نيته مخالفة لنيتهم أخلوا له ولعروسه حجرة وهموا بالانصراف. فقالت الأم لا أو تنظروا بأعينكم البصيرة. وسبب ذلك أن عادة أهل مصر في الغالب هي أن يتزوج الرجل المرأة من دون أن يعاشرها ويعرف أخلاقها. وإنما ينظر إليها نظرة واحدة بات تناوله مثلاً فنجان قهوة أو كاس شراب بحضرة أمها. فإن أعجبته خطبها من أهلها وإلاّ كف رجله عن زيارتهم. ومنهم من يتزوج ولم يكن رأى امرأته قط. وذلك بأن يبعث إليها أمّه أو عجوزاً من أقاربه ومعارفه أو قسيساً فيصفونها له بمقتضى ذوقهم وخبرتهم. والغالب أن أمّ البنت ترشي القسيس ليجيد صفة بنتها فيرغب الرجل في التزوج بها. ومنهم من يتزوج امرأة قاطنة في بلاد بعيدة فيبعث إلى أحد معارفه في تلك الجهة ليصفها له في كتاب ثم يستخير الله ويرتبق. ومع ذلك فإن عيش هؤلاء المتزوجين على هذا النمط يكون هنيئاً. فأما في بلاد الشام فعادة أهل المدن كعادة أهل مصر وعادة أهل الجبل مغايرة. فإن الرجل هناك يتمكن من رؤية المرأة ومعرفة أخلاقها. هذا ولما كان الفارياق قد تعدّى حدود العادة بمصر في كونه اجتمع بالبنت مراراً عديدة في حضور أمها وفي غيابها. أرادت أمها أن تنفي العار بإظهار علامة البكارة. حتى يشيع خبر براءة البنت في جميع البلاد. فإن أكثر الناس لا شغل لهم إلاّ الكلام. فاجتمعت تلك الزمرة وراء الباب بعد أن جمعوا العروسين. وطفق الواحد منهم ينادي ويقول افتح الباب يا أبا مزلاج. فظن الفارياق أنه يريد الدخول عليهما ليعلمه كيف يكون العمل. ففتح له فقال له ما هذا الباب وإنما أردت باب الفَرج. فرجع إلى عروسه وإذا بآخر يقول لجِ القبَّة يا ولاّج. وآخر ثجّر الطعنة يا بجّاج. وغيره ارو الصدى يا ثجّاج. وآخر أزل الزَغَب يا حلاج وغيره أفرغ السجل يا خلاج - أسرع الوطء يا زلاج- املأ الوطب يا زمّاج- ملل الملمول يا مّعاج- اغطس في اللجة يا غاطس- افقس البيضة يا فاقس- أجلِ المسواك يا وامس- تسوّر السور يا معافس- روّض المهرة يا فارس. ومازالوا به حتى شام أبا عُمَيْر وناول أمها البصيرة. فتهللت منهم الوجوه فرحاً وحبوراً. وصفقت الأيدي استبشاراً وسروراً. ونطقت الألسن بالتبرئة. وختموها بالتهنئة. ثم انصرفوا وكأنهم قد قفلوا من غزوة غانمين. وكادت الأم تطول عن الأرض شبراً لهذا الفتح المبين. القصيدتان الطيخيّتان ما كنت أول عاشق بين الورى ... تبع العشيقة من أمام ومن ورا ورأى البكاء له معينا شافيا ... يوما ويوما أضحك المستعبرا ويكون مصروع الغرام مزبّبا ... متكسّسا مستقبلا مستدبراً ومحنبشا ومجّمشاً ومدهفشا ... ومكنّصا ومزنجرا ومعنجرا ومرنمّا ومغنّيا ومصفّرا ... ومشببا ومطبلا ومزمرا وفيينة متثائباً متمّطيا ... وفيينة متقاعسا مقعنصرا وإذا رأى رأيا رشيدا كان في ... إبرامه مترهئا متأخرا فالعشق عقل العقل عن صيّوره ... حتى يضل عن الصواب ويبطرا قد كنت أعْجب أن يقولوا شاعر ... ذو جِنَّة وأخال ذلك مفترى حتى لَقِيتُ صُوَيحْبيّ كليهما ... فإذا هما من طينة قد صُوّرا خُلِق الجمال لعين صبّ جنّة ... ولقلبه نارا تزيد تسعّرا لا غرو أن يغدو لحمرة وجه من ... يهوى وقد حمل الغرام محمّرا يا ليت يغني المرء يوما واحدا ... عنهن من شيء يباع ويشترى

стр. 151

ليت الجمال لهن مثل الملح في ... قدر الطعام مهوَّعا إن كثّرا بل ليتهن خلقن اقبح ما يرى ... كيلا نهيم تحيّرا وتخيّرا ليت الكواعب كن هُضْلا حبذا ... الطرطبّ مع لا يا كبادي منظرا يا ليت ذي الهيفاء درْدحة وذي ... الدهساء فَلْحَسه فيهنئنا الكرى ليت العيون النجل ضيقة وما ... في الثغر من در نظيم صُفَّرا يا ليت كانت كلذ ساق فعْمة ... عود الشُكاعي بل أدق وأظمرا يا ليت لم يَصلُت جبين فوقه ... شعر كلَيْل كل غِرٍ غررا يا ليت ما في الجيد من عَنَط بدا ... وقصا لأعيننا وشيّاً منكرا والحسن أن القبح أحسن ملمحا ... إذ ليس يبكي العين ما منه يُرى فلأيّ داعٍ كان شغل عقولنا ... وقلوبنا بهوى الوثائر أكثرا ولمَ اختُصصن بكل علق مضنّة ... وبكل حلي فاخر دون الورى وبمَ ارتفعن على الرجال تطاولاً ... ولهنّ تحتُ تقدما وتأخرا والى مَ تصطبر الفحول وقد طغت ... أفعالهنَّ تحيّر المتصبرا منا خرجن وعقلنا يخرجن إذ ... يدخلن أو يخرجن سفّه من مرى ولأي شيء لم يكن قود على ... من لحظها قلب المتيم قد فرى ولأي شيء حل رشف الريق من ... ثغر الرشوف وكان ذلك مسكرا وعلى مَ تعتز الشنِاط على شج ... يمسي ويصبح بالغرام محسرا سلها هل التنور فار كما انبغى ... في كل شهر أم تأخر اشهرا أين المعالي والمكارم أين من ... فخر الأنام بعزّه وتجبرا يقتاده اسم الخود أن ذكرت له ... طوعاً وكرها وهو يهزم عسكرا وإذا تجشأ ساعة في وجهه ... من أي سمّ قال أنشي عنبرا ولربما عشق الكبير فجُنّ من ... ريح من الحسناء تفعم منخرا ولو ان ذا القرنين جاري كيدها ... لرأى إلى قرنيه قرنا آخرا لولا النساء لما رأيت مخطّأ ... ومسفّها ومفسقا ومفجّرا ومفلسّا ومجبَّها ومُعنّنا ... ومكشخنا ومجرّسا ومعزّرا ومتيما ومهيما ومسهما ... ومدّمما ومذّمما ومشّهرا ولما تناثرت الجماجم في الوغى ... تحت السنابك وهي توري المغفرا ولما عفت دول بهنّ لهَت فبيّتها ... الدمار فأصبحت تحت الثرى أمْلت عليّ حوادث الأمم التي ... غبرت فقلت مقال من قد حرّرا يا رب قد فتن النساء عقولنا ... فامسح محاسنهن قبحا يزدرى أو فاجعلن غشاوة تغشى على ... أبصارنا أوْ لا فأعم المُبصِرا أو فانصُنا أو فابصُنا أو فالصِنا ... أو فاخصِنا طبعا بصاء بالحرى الثانية لمن أشكو وقلبي الي ... وم من أكبر أعدائي لمن أشكو وعقلي الي ... وم معقول بأهوائي وطرفي مُبسل لبّي ... ولبي جالب دائي ولوّامي من كانوا ... إذا غبت أودّائي ولا وأي من الألو ... عن الألى من اللائي وقد أفسد آرابي ... جميعا بعضها اللائي رأى نار الهوى تذكو ... لإحراق وإصلاء فما بالي بإصلائي ... تلظيها وأسلائي يقول الحتف من لمج ... وكوني ميت أحياء أحبّ إليّ من عيشي ... يوماً عيش تيتاء حياة الصَر تكدير ... وصفوتها بأصفاء وما ينجع نصح فيه ... لو كان بأتلاء فهل من حكَم ما بيننا ... يقروا بإفتاء عواديه ودعواه ... بإصباحي وإمسائي وثورته ورثأته ... لأخزاي وأختائي طغا خطبي فما لي الي ... وم من آس وأسوائي فأسواي لا ينفك ... من لهج بأسواء فلا يشغلكم هجوي ... وتقريظي وإطرائي فراسي اليوم إمرة ... لداعي نكس أهوائي فلا مطمع في رشد ... خليع رقّ أغوائي إذا وقصت به عنقي ... فلا تشكوا لأذمائي وأن شجت به رأسي ... فلا تبكوا لإدمائي وأن هثمت به سنّي ... فلا تعموا عن المائي وأن بُخفت به عيني ... فلا تكروا لإعمائي جرى المقدور من قدم ... بتضليلي وأشقائي فلو شاء لأبقاني ... معافيً أي إبقاء ولو شاء لأعماني ... عن لقاء سوقاء

стр. 152

دعوا ذا الوجد يشقيني ... ويمنيني بإشفاء وهذا العشق يضنيني ... ولا تعنوا بإشفائي فذا عظمي وذا جلدي ... وذا شأني وإنشائي فما يدخل ما بيني ... وبين هوى بأحشائي سوى فظّ فضولي ... زنيمٍ شر مشاء إذا أسمعكم عتْباً ... فعدوني من الشاء ولا تبقوا على طوقي ... وجلبابي وأعضائي فإن الفدْم مَن يسمع ... ذا عذْل بإغضاء وإن الحر من يُسمع ... عَتْباً تِلو إرضاء الأغاني يا بدر مالك ثان ... في حسنك الفتّان فأرحم فتى ولهان ... مبلبل البال عذّب بما ترضاه ... إلا الجفا أخشاه قد طال ما أصلاه ... وأنت لي سالي يا يوسف الحسن ... حوشيت من سجن هددت بالحزن ... أركان آمالي من ذا الذي أغراك ... بصد من يهواك الطرف منه باك ... وجسمه بالي حتام ذا الهجران ... والصد والحرمان حسن بلا إحسان ... كالريّ بالآل محبك الواجد ... منك الرضى فاقد يا ليتني واجد ... اتهام عذّالي أضناني السهد ... وعزني الوجد ما القصد ما القصد ... سواك يا غالي يا فاتن العشاق ... باللحظ والأحداق تبارك الخلاق ... لحسنك الكالي أفديك بالمال ... والروح واللآلي رضاك أشهى لي ... من طول آجالي غيره ما ترى عيني مثيلك ... يا رشا فأرحم قتيلك لم يرم إلا سلامك ... ثم أن شئت جميلك كل ما فيك مليح ... كبدي منه جريح بليت تفدي مقامك ... والهوى فيها صحيح أنت لي يا بدر سالي ... وأنا للهجر صالي من يذق يوماً غرامك ... لم يذق طعم الليالي يا رشا صد دلالا ... وجوابي منه لا لا أسمع العبد كلامك ... وراقب المولى تعالى فيك تعبيدي وذليّ ... وهيامي أصل ضلي ليت من غيري رامك ... يبتلي بالهجر مثلي ضقت بالهجران ذَرْعا ... ولشوقي كان أدْعى لم أزل أرعى ذمامك ... وذمامي لست ترعى أن يكن وصل فعِدْني ... فيك قد أحسنت ظني أسأل الله دوامك ... فهو لي أشهى تمني يا مليك الحسن طرّاً ... يعرض المملوك أمرا أدْعُه يوماً غلامك ... أن له أجريت ذكرا طال بالباب مثولي ... والتفات منك سولي من رأى يوماً قوامك ... راح صبّا ذا نحول إنما بدري غزال ... فأتني منه الدلال يا عذولي دع ملامك ... إنما العشق حلال غيره اللقا طبيبي يا من لي سبيت ... والهوى نصيبي من يوم انتشيت أن في شحوبي شكوى لو رثيت ... يا صنو القضيب ما هذا الجفا يوسف الجمال ذا الهوى صعب ... تهت بالدلال شانك العجب أن تسل عن حالي ينفع العتب ... أو بقيت سالي لم يفد دوا من حمل الصدود صرفت في ذا الحال ... من مطل الوعود صار جسمي بال أدمعي شهودي واشتغال البال ... ليس من محيد عن حكم الهوى قد رثى لي اللاحي لما عادوني ... وعلا نواحي مما آدني وجهك الصباحي ضلاّ زادني ... يا زين الملاح أنعم باللقا مُرْ بما تشاه تلقني مطيعاً ... تلقني فداه جهد المستطيع ولعي أذكاه شكلك البديع ... جسدي أضناه منك قول لا من يجد كوجدي يدرِ قصتي ... ليس غير الوعد منك حصتي بعض هذا الصد أصل غصتي ... أنا فيك وحدي مبتلي أنا غيره يا فاتر الجفون ما بدأ لك ... حتى جفوت عاشقاً جمالك ويا قضيب البان ما أمالك ... عن مغرم مؤمل وصالك عذب بما ترضاه يا غزالي ... إلا الجفا شماتة العذال أنعم بوصل منك يوماً بالي ... أنعم طول العمر ربي بالك علامَ تجفوني وما لي ذنب ... وما لقلبي عن هواك قلب بحق من أولاك ما تحبّ ... دعني أقبل مرة أذيالك لم يبق لي على الصدود طَوْق ... وعال صبري عنك هذا الشوق وليس لي إلى سواك توق ... وهل لعيني أن ترى أمثالك

стр. 153

أحرمت طرفي في الليالي غمضا ... وقلت أرضى علَّه أن يرضى يا هل ترى صدك عني فرضا ... فمن بقتلي يا رشا أفتى لك ناشدتك الله أنلني سولي ... وكن رفيقاً بي يا مأمولي يكفي الذي تراه من نحولي ... يعيذ رب العرش منه حالك غيره يا بدر قل لي هذا الهجران ... تغوي إليه أم أمنيّه جُدْلي بوصل يا غصن البان ... توجر عليه أو في النيّه ما القصد إلا يوماً مرآك ... فالصبُّ صار في بليه لا تخش عذلاً ممن أغراك ... فهو أمار بالأذّيه نعمت بالاً أنعم بالي ... يا ذا الجفون الهنديه وطبت حالا طيّب حالي ... فلي شجون في الطويه فقت الأناما بما حويت ... من الخصال الملكيه ومنك راما عبد سبيت ... بهذا الدلال قرب الطيه كم ذا المطال ولا وصال ... ليست ترام ذي السجيه هذي الفعال يا ربّ الخال ... وذا الغرام لي منيّه أنت المراد دون الأنام ... لا ندّ لك في البريه فما سعاد بين الوسام ... أنت مَلَك أو حوريه غيره إلى هنا يا بدر لي أنت المنى ... كلُّ جنى منك الرضى إلاّ أنا يا فاتني بالدّل لما تخطر ... وشاجني إذ جزت شزر أتنظر قد شاقني منك المحيا الأزهر ... واستاقني وجدي إلى حدّ المنّا بي كلّما ألقاك عني معرضا ... وجد نما لكن جسمي أمرضا يا ذا اللمى حتام لا تبدي الرضى ... صل مغرماً ألبسته هذا الضنا سبحان من آتاك ذا الحسن الفريد ... كم قد فتن صبّا به أمسى عميد أنت الحسن والشوق في قلبي يزيد ... أن الشجن للعظم مني أوهنا كُلّفت في ذا العشق تبريح الجوى ... حتى تفي لكن هيهات الوفا هل منصفي مما به يقضي الهوى ... أو مسعفي خدن على نيل المنى يا بدر لا تسمع مقال العاذل ... وأرع الولا ناهيك وجدي قاتلي فقت الملا حسناً ففق بالنائل ... جُد بالطلا من فيك يا حلو الجنى غيره إذا أمر الهوى رابك ... فلا تفتح له بابك ولا تشغل به دابك ... يسمك الحزن والهما أتيتُ العشق من بابه ... وعللت بأكوابه فما قد ذقت من صابه ... دعاني لم أذق طُعما هو العشق له مبدا ... ولا تلقى له حدّا يذيق العاشق السهدا ... ويبلي الجلد والعظما أيا من قد كوى قلبي ... بهذا الدل والعجب إذا لم تستمع عتبي ... فمن أشكو له السقما تناهى بي الذي أجد ... من الشوق الذي يَقِد فدتك الروح والجسد ... فكن يوماً معي سلما لقد أفرطتَ في هجري ... وملكت الهوى أمري فلا والله ما أدري ... أسحراً كان أم حلما عسى أو علّ أن تشفى ... عليلاً منك يستشفى ونيران الهوى تطفى ... فقل تطفا وخذ مهما غدا مضناك يا حبّ ... له صبر ولا قلب ودمع فيك منصب ... لأن يُسقى بفيك ألما غيره طيري لا غير لا أسلو عنه ساعة ... يا أهل الخير هلاّ رعتم من راعه دمعي سكْب ونار شوقي لا تخبو ... ولي قلب للهوى يبدي الطاعه أنا الهائم عن حبِّ السوى صائم ... ليلي قائم لا أغفى فيه ساعه أشكو الوجدا ولم تزد إلا صداً ... فأرحم عبداً قد نوَّعت أوجاعه مالي صبر وكيف صبري يا بدر ... وذا الهجر أشقى نفسي الطمّاعه طغا الهجران وما يشفي الصب الولهان ... مثل السلوان لكن نفسي نزّاعه أراني البين أنواع الضنا والحين ... وعشق الزين مني فوق الإسطاعه دوام الصد لم يترك للمضنى جد ... ولين القد ينشي فيه أطماعه غيره لو لم تدم بلوايا ... لم تستمع شكوايا ولا درى مبكايا ... من في الهوى يلحاني أكثرت من صدودي ... يا مخلفا وعودي لم ترعَ لي عهودي ... ولم تسل عن شأني أعرضت عني كبرا ... وكان وصلي أحرى لقد عدمت الصبرا ... من فرط ما دهاني حملتني أثقالاً ... وطبت عني بالا قل لي نعم أو لا لا ... فلمطل قد أضناني

стр. 154

يا مفرد الجمال ... يا بدر أحسن حالي شمتّ بي عذّالي ... أما كفى أشجاني سبحان من قد أبدع ... هذا المحيا الأروع والحسن طرا أودع ... في طرفك الفتّان أن الهوى هوان ... تضنى به الأبدان ما أختاره إنسان ... إلا وكان العاني مولاي يا مولانا ... يا منتهى منايا لا تتخذ سوايا ... وتسلني بثاني العدوى قد تقدم في المقامة الأولى أن عدوى الشر أفشى من عدوى الخير. وأن الأجرب قد يعدي أهل المصر جميعاً بخلاف الصحيح فأنه لا يعدي أحداً من جيرانه. وهذا يرى أيضاً في الأمراض العقلية والقلبية. وشاهده على ما قالوه أن معلميَّ الصبيان لكثرة معاشرتهم ومخالطتهم إياهم تركّ عقولهم ويأفن رأيهم. وكذلك المكثرون من مخالطة النساء فإن قلوبهم ترقّ وطباعهم تتخنث. فيتجردون عن تلك الشهامة والبسالة المختصة بالحردين من الناس. وقد أعرف كثيراً من أبناء جنسي الذين عاشروا الإفرنج لم تسترق طباعهم منهم إلا الرذائل دون الفضائل. فصار أحدهم لا يقوم عن المائدة إلا وقد مسح الصفحة التي أكل منها مسحاً لا تحتاج معه إلى غسل. وإذا حضر مجلساً أنحى على أحد شقيه وزقع زقعة يدوي منها المجلس. وربما غسلها بعد ذلك بقوله سكوزي أي أعذروني. ومنهم من يلبس هذه النعال الإفرنجية. ويطأ بها وسادتك هذه العربية أو يرخي شعره كشعر المرأة وأول وما يستقر به مجلس ينزع قبعته ويطفق يزرع في حجرتك ما يتناثر من هِبْريتَه. ومنهم من إذا ضمه مجلس بين إخوانه ومعارفه أو غيرهم ورأى فيه أديبين يتساجلان أو يرويان النوادر الغربية أخذ في التصفير. ولكن تصفيراً مختلاّ خلاسياً إي غير إفرنجي محَت ولا عربي حَتْم. إذ لم يكن قد عاشر القوم مدة طويلة تمكنه من تحصيل هذا الفن الجليل. ومنهم من يمد رجله إذا قعد في وجه جليسه. ومنهم من يأتيك زائراً ولا يبرج ينظر في كل هنيهة إلى ساعته إشارة إلى أنه كثير الأشغال جم المصالح. مع أنه يلبث عندك حتى يراك تهوم من النعاس. أو يراك قد حملت وسادتك وقلت شفى الله مريضكم. كما قال الأخفش لمن عادوه في مرضه. مع أن الإفرنج فضائل كثيرة لا تنكر. منها أنهم يرون في استعارة المتاع والماعون والكتب وغيرها عيباً. ومنها أنه إذا زار أحدهم خليلاً له ورآه مشغولاً رجع على عقبيه من حيث جاء فلا يقعد ينتظره حتى يفرغ من شغله. بل لو وجده متفرغاً خفف عنده ما أمكن. وإذا رأى على مائدته كراريس أو صحفاً لم يتلقفها ليقرأها ويفهم مضمونها. ومنها أنه إذا كان للمزور منهم ولد مريض أو كانت زوجته قد وضعت أو مرضت فلا يترك مريضه ويقعد مع الزائر للسلام والكلام فيما لا طائل تحته. ومنها أن أحدهم لا يتزوج امرأة إلا بعد أنيراها ويعاشرها. وأنهم يبوسون أيدي النساء ووجوه بناتهنّ وما يرون في ذلك معرّة وانحطاط قدر. وإنه ليس عندهم أوشن ولا ضيْفن ولا مُزّوٍ. ولا يقول أحدهم لصاحبهم أعرني منديلك طي أمخط فيه أو آلتك كي أحتقن بها. ومنها تساهلهم مع المؤافين وحملهم ما يصدر منهم من الجهل والخطأ محْمَل السهو أو الأغراب. فلا يتعنتون مثلاً على من قال فلان شمّ النرجس وحبق. أو حبق وشم النرجس. أو شم فحبق أو ثم حبق. والمؤلفون عندنا لا يجوزون ذلك. وفي كتاب ألفه أحد معارفي من الديار الشامية باللغة الإنكليزية في أحوال تلك البلاد وأخلاق أهلها. بعد أن وصف عرساً حضره في دمشق ذكر أنهم ختموا العرس بأغنية لم يزل ذاكراً لها بحروفها. وقد رأى تفضلاً منه أن يترجمها إلى اللغة المذكورة. وهي في الحقيقة مرثية في امرأة أذكر منها بيتين وهما: بالله يا قبر زالت محاسنها ... وهل تغير ذاك المنظر النضر ما أنت يا قبر بستان ولا فلك ... فكيف يجمع فيك الزهر والقمر ومع ذلك فإن الإنكليز حملوا روايته على الأغراب ولم يخطئه أحد منهم بقوله كيف يمكن لأهل الشام الموصوفين بسلامة الذوق واستقامة الطبع أن يختموا أعراسهم بالمراثي المبكية.

стр. 155

ولكن لو كانت روايته هذه في اللغة العربية وبلغت مسامع أهلها لعقدوا عليه مجلسين أحدهما عامي والآخر خاصي ففي العامي يقول أحدهم ما شاء الله يا خي مرثية في ختام العرس أسمعوا يا ناس وتعجبوا من حذق هذا الراوي. فيقول الآخر أي والله مرثية بدل الغناء عمركم يا ناس سمعتوا كلام زي دا. فيقول غيره لا حول ولا قوة إلا بالله ما لقيش المغفل دي إلا الرثاء يجعله في ختام العرس. فيقول آخر حسبنا الله ونعم الوكيل يمكنش غفله أعظم من دي أهل العرس يختموا فرحهم بمرثية وما يتطيروش. فيقول غيره الله على دي الراوي هو مغفّل ولا مجنون حتى يكذب على الناس الكذب دا ويملأ كتابه بالهجس والكلام الفارغ. فيقول آخر يا سلام دا الله أغرب ما سمعت أن الناس يستعملوا النواح عوض الغناء والبكاء عوض الضحك والصفع على القفا بدل المصافحة باليد. فيقول غيره ولكن الناس دول اللي قروا كتابه حمير ولا مجانين ما كانش فيهم واحد يقول له "إذا كان نصرانياً" يا خواجا "أو إذا كان مسلماً أو مستسلماً" يا أفندي أهل بلادك يتطيروا ويتشاءموا كثيراً فيما يصحش أن الرثاء عندهم يستعمل في الأعراس. فيقول الآخر سبحان الله هو حمار ضحك على حمير يا خي خلونا منه. فيقول غيره لا إله إلا الله نحب نعرف السيرة أيه أن كان كلامه دا جدّ ولاّ مزح. فيقول آخر مزح أزاي اللي هو طابعه في كتاب سنباع في الدكاكين ومصور عليه صورته بسيف وحمايل وأزرار. فيقول غيره بقا نقول أزاي يبقى الإنكليز يبلغوا كل شيء يستغرفه في حلقهم الغريب اللي عنده سيف بأزرار وحمايل. فيقول آخر أظن الإفرنج كلهم يصدقوا الخرافات. فيقول آخر ياخي دا باب واسع أول الكلام وآخره غفلة من الراوي وحماقة من السامعين. إلى غير ذلك من الانتقاد والتعنت. فأما في المجلس الخاصي فإن القضية تبلغ فيه مبلغاً أعظم من ذلك وأخطر فإنهم يصورونها في صور فتاوى علمية وأجوبة فقهية فيستفتي أعظم أدباء المجلس قائلاً: ما قول أمام الأدباء، وتاج الألباء. في مؤلف زعم أن أهل الشام يستعملون المراثي في ختام أعراسهم. فهل تقبل له شهادة أو لا؟ الجواب. لا تقبل له شهادة عندنا على ذنب حمار. وان باع كل نسخة من كتابه عند الإفرنج بدينار. صورة استفتاء آخر: ما قول عمدة المصنفين، وقدرة المؤلفين، في مدّع ادعى انه سمع بكلتا أذنيه مرثية تنشد في ختام عرس في الشام الشريف. فهل يصدق كلامه وتجوز مطالعة كتابه أو لا؟ الجواب. لا يصدق ولا يوثق بما رآه بعينيه لا في الليل ولا في النهار. ولا بما سمعه بأذنيه وان كانتا كأذني الحمار. استفتاء آخر: ما قول من كلامه مزيل للإيهام، وموضح للإبهام، في كاتب أودع في كتاب ألفّه كثيراً من الروايات الهذاهذية والحكايات الاقناسية. وزعم في جملة ما قاله أن أهل الشام ينشدون المراثي في ختام أعراسهم. فهل يحمل كتابه كله على هذا الكذب أولا؟ الجواب. من كذب في قضية معلومة مثل فأحرى به أن يكون كاذبا في سائر القضايا فالأولى حمل كتابه كله على الكذب. استفتاء آخر: ما قول اجل النقاد. وحجة ذوي الرشاد، في رجل ألّف كتاباً ذكر فيه أنه يعرف كثيراً من الأمراء والوزراء والقضاة والعلماء. وإنهم له أصحاب وخلان وانساب وأخوان. ثم ذكر في موضع من الكتاب أنه حضر عرسا في دمشق المحروسة كان مزينا بالزهور والرياحين، والمغنيات والمغنين. وكان ختام ما غنّوا به مرثية قيلت في امرأة. فهل على فرض كونه كاذباً في هذه تشفع له معرفته بالوزراء في تصديقه بغيرها؟ الجواب. ما هو بصادق في هذه ولا في غيرها ولا تشفع له معرفته بالأمراء في شيء كما ورد. لن تنفع الراوي الأفّاك نحلته ... بأنه يعرف الأعيان والأمرا استفتاء آخر: ما قول من لا يعلو قول على قوله، ولا يقطع أمر إلا بفصله، في رجل ذي رُواء، وسراويلات مفرسخة من أمام ومن وراء، ألف كتاباً ضمنه ما سمعه وما رآه في بلاده. وكان من جملة ذلك قوله إنه رأى عروساً تزف وتنشد بين يديها مرثية في امرأة. فهل يعتمد على رُوائه بالأخذ في روايته؟ الجواب. ليست الرواية من الرواء. ولا يعتمد على زيّه في الإخبار عن ميته وحيّه، كما ورد: لن تنفع الراوي الأفاّك حليته ... ولا سراويله أن فاه أو سطرا

стр. 156

استفتاء آخر: ما قول عمدة الأنام، عفا عنه الملك العلام في رجل تصدقه العجم. وتأخذ بكلامه في كل أمر أهّم. وتقّر عيون نسائهم بالنظر إلى لحيته، وسراويلاته وحليته. وكشرته وجلقته. وخرعته وجلعته. فيخلبهنَّ خلباً. ويأسرهنَّ غراما وحبا. ألف كتاباً أودعه من أخبار أهل بلاده أي بلادنا ما شاقهنَّ وأعجبهنَّ. وشهاهنَّ وعرّبهنّ. فمن جملة ذلك إنه شهد محفلاً حفيلاً، وعرسا جليلا، قد زين بالأنوار الزاهرة، والوجوه الناضرة، والمآكل القدية، والمشارب الهنية. والمشموشات الذكية. فلما شرع في زفاف العروس إلى بعلها. واستبشرت الوجوه بفتح قفلها، وإذا بمنشدين ومنشدات. ومطربين ومطربات. وقفوا بين يدي العروس. وعلى وجوههم سيماء الحزن والعبوس. وشرعوا ينشدون مرثية طويلة. في امرأة توفيت مذ سنين غير قليلة. فهل يصدق وصفه ويشفع له فيه خلبه الأعاجم وصرفه. وحزبه منهم وحلفه. وقدامه وخلفه. الجواب؟ لا يؤخذ بكلامه فيما افتراه. وإن كان له أخدان من العجم على عدة شعرات قفاه كما ورد. لن تنفع الراوي الأفّاك شيعته ... من الأعاجم لا يدرون ما هذراً مع أن كلام المؤلف لم يضرّ بأهل بلاده شيئاً يوجب التحزب عليه. فغاية ما يقال فيه انه نسبهم إلى وضع الشيء في غير محله. ولكن هذه عادتهم في التعنيت فلا يكاد يسلم منهم مؤلف. ولو أن صاحب هذا الكتاب المذكور قال للإنكليز أنَّ الرجال في بلاده يلبسون الليف والخوص. والنساءَ يتزينَّ بالخسف والشقف. ويتكلمن وأفواههنَّ مطبقة. وينظرن وعيونهنَّ مغمضة. ويسمعن وآذانهنَّ مسدودة. ويرقدن ساعة في الضحى. ونصف ساعة في الظهر. وساعة وربعاً في العصر. وساعتين إلا ربعاً في المساء. وثلاث ساعات إلا في الليل. لعدّوا ذلك منه أغراباً. ومن هذا القبيل أي من قبيل استراق الإنسان مذام عشيرة دون محامده كان إظهار البصيرة أي علامة البكارة المشار إليها. فأنها عدوى سرت إلى نصارى المشرق من اليهود على ما ذكر في كتبهم. مع أن لهذا الجيل أيضاً فضائل كثيرة عرفوا بها من قديم الزمان إلى الآن. منها درايتهم بجمع الأموال والجواهر ومعاطاتهم الحرف الحقيقة اللطيفة كالصيرفية والنقد والقرض. وصبغ ما هو قديم من الثياب حتى يأتي جديداً. ومن ذلك حبّ بعضهم بعضاً بحيث أن الغريب فيهم من جنسهم لا يحتاج إلى أن يتكفف ما في أيدي الناس ممن سواهم. ولا يخاف أن يعوزه المال وهو بين ظهرانيهم فيتقوّت بالجذور. أو يكون خلطاً فقبيح عرضه للأجانب. بل يلقي في كل بلد نزله وكان فيه أناس من جيله أهلاً وسكناً. ومنها أنهم قد اصطلحوا على لغة يعتبرون بها عما يخطر ببالهم من المصالح المعاشية. ولا فرق بين يهودي من أقصى المغرب وآخر من أقصى المشرق في الأخلاق والأطوار والعادات والرأي. بخلاف النصارى فإن النصراني المشرقي إذا قدم إلى بلاد النصارى الغربيين فأول ما يحيونه عند رؤيتهم له قولهم هذا يهودي أو تركي. ثم هو إذا أحتاج إلى مبيت أو طعام من عندهم أبلغوه إلى رئيس ديوان البوليس فصانه هناك في موضع لا نور فيه ولا هواء إلى أن يقضي عليه القاضي. كما جرى هذه السنة على أمير القفّة الذي قدم من دير القمر إلى باريس. وأن يكن موسراً وجاء بلادهم للتفرغ عليها غبنه منهم وخدعه من خدع وسرقه من سرق وقامره من قمر حتى يرجع إلى وطنه منتوفاً مسلوخاً.

стр. 157

فكيف تركت نصارى الشرق جميع هذه الصفات التي اتصفت بها اليهود وتعلموا منهم تلك الخصلة التي لا يتأتى عنها إلا الغصة والحسد فهل يسوغ للغني في مذهب من المذاهب أن يأخذ دنانيره في يديه ويبعث بها في عين الفقير الصعلوك حالة كونه لا يملك منها قراضة. أو للشبعان أن يلوّح بثريدته للجائع اللامس. فإن قلت أن ذلك أمر طبيعي وإن العلامة إنما يراها في الغالب المتزوجون فلا وجه للحسد. قلت لو كانت هذه العادة طبيعية لكنّا نراها مستعملة عند جميع الأمم. وهؤلاء الإفرنج الذين هم أكثر دراية وعلماً في الطبيعيات لا يستعملونها. لا بل يفنّدون مستعملها ويقولون أن العُقْر يكون غالباً سبباً في العُقْر وأن العروس منهم أول ما يحسّ بالأنشوطة قد عقدت في عنقه يأخذ عروسه ويعتزل بها في ناحية لا يبصره فيها أحد من خلق الله مجانية لأسباب الحسد، الموجب للنغص والكمد. فلا يرون أن سرور شخص يكون سبباً في حزن جماعة. وإنما قلت الأنشوطة لأن عقد الزواج عندهم تنحل بأسباب كثيرة. فأما قولك أن العلامة إنما يراها المتزوجون فلا وجه للحسد فهو كلام من حاول المغالطة والتوريب والمؤاربة. أو هو ولا مؤاخذة بما أقول كلام من لا بصرة له ولا خُبر. فقد أجمع العلماء كلهم المتبلغ منهم والمقتر والمتكفف والمعتر والعريان وذو الرعابيل والمسجون والمكبل والمشكو والمرغم أنفه على أن المتزوِّج أضيق عيناً بالحسد من العزب. وذلك أن كل إنسان يظن أن غيره في حرفته أسعد منه حالاً فلا يفكر إلا في وجه أسعديته دون أشقويته. ولما كانت ليلة الدخول بالعروس من الليالي الغراء وأن تكن حالكة كانت مظنة لأن تنشى الحسد في صدر الخبير بها دون تذكر لما يعقبها. وفي المثل وما ينبئك مثل خبير. هذا وأني أستميح العفو من الجناب الأكرم. المقر الأفخم. حضرة الصيْر المكرم. عما أريد أن أسأله عنه على وجه الاستفادة لا الانتقاد فأقول. من أين تعلم يا ذا البصيرة أن تلك البصيرة التي يخضب بها المنديل ويعقد على علم إيذاناً ببكارة البنت هي علامة البكارة. أفليس من الممكن أن يكون ليلة الدخول بها قد فار التنور، وفاض المسجور أو بقيت منه عقابيل، دبج المنديل؟ أو يكون الرجل قد ذبح عصفوراً أو جرح أحد أصابعه إذا كان هو الذي سبق اقتطاف تلك الوردة؟ أو تكون البنت قد ادخرت فيذلك الصوان شيئاً من الدم. فإن قلت أن الرجل يعرف ذلك بمجرد التذوق، قلت لعمري ولعمر أبيك أن تلك الساعة ليست وقت وعْي ومعقول، بل وقت دهشة وذهول. ولا سيما إذا وقف وراء الباب جماعة يضجّون ويعجُّون. ويلحقون ويلجوُّن فأفِد الجواب عن ذلك. وها أنا منتظره من هنا وهنالك. التورية

стр. 158

من عادة أمثالي من المؤلفين أن يقهقروا أحياناً ويطفروا فوق مدة من الزمان يلفقوا واقعة جرت قبلها بأخرى بعدها. وذلك يسمى عندهم التورية أي جعل الشيء وراء. وانهم أيضاً يبتدئون بذكر صفات الشخص الذي بنوا عليه مؤلفهم منذ ابتدائه مناغاة محبوبته إلى وقت خفوته في الزواج. ويذكرون خلال ذلك أموراً طويلة مملة وذلك كصفوة وجهه عند لقائها وتغير حركات نبضه وبهره وعيَّه عن الجواب وبعثه إليها عجوزاً وكتاباً واجتماعه بها في مكان كذا وزمان كذا. وكتخيفها ألواناً عند قوله لها الفراش، الضم، العناق، الساق على الساق، الرضب، الملاسنة، البعال وما أشبه ذلك وربما أساءوا الأدب أيضاً في حق الأب والأم. فأنهم كثيراً ما يصرحون بأن الأم ترضى بأن تكون ابنتها فتنة لناظريها. وتتساهل معها في تنهيد زمرة من الرجال لتقاسمها منهم شطراً. وأن الأب من حيث أن حجره في حجر امرأته لا في رأسه لا يمكنه منع تلك الأسباب. وأن الخدمة لا يكونون إلاّ ذوي حَذْل مع المرأة على الرجل. فالخوادم للإقتداء بسيرة سيدتهن والخادمون للطمع فيها. وفي الجملة فأنهم يجعلون بيت البنت المعشوقة دسكره وماخوراً وحابوراً ومنبتاً لجميع أنواع الفساد والحيل والمكائد وكل من أخواني هؤلاء المؤلفين يخترع حيلة من رأسه ويعزوها إلى غيره. أما الطفرة إلى وراء فعندي أنه لا بأس بها إذا كان المؤلف رأى مذهب التأليف قد سدّ أمامه ثم يعود إلى ما كان عليه. وأما تبليغ الرجل إلى سرير عروسه ثم أطباق الكتاب عليهما من دون ملاوصة لمعرفة أحوالهما بعد ذلك فلست أرضى به. إذ لا بدّ لي من أن أعرف ما جرى عليهما بعد الزواج. فأن كثيراً من النساء اللائي يحسَبْن إناثاً قبل تولي هذه الرتبة الشريفة يصرن بعدها رجالاً كما أن الرجال تصير نساء. من أجل ذلك رأيت أن أتتبع الفارياق بعد زواجه أكثر من تتّبعي إياه قبله. إذ الكلام على أثنين أدعى إلى العجب منه على واحد. فأما الإسفاف للأمور الخسيسة والدعلقة والدنوق من شأني. فأذن لي إذاً يا سيدي ورخصي لي يا سيدي في أن أستعمل الطفرة وأقول.

стр. 159

أن الفارياق حين كان مرتقباً بربقة الحب قبل الزواج كان قد أستدعى به أحد الخرجيين في الجزيرة البُخْر أي في الجزيرة التي يتكلم أهلها بلغة منتنة. ليكون عنده بمنزلة معّبر للأحلام بأجرة أكثر مما كان له عند الخرجي بمصر. فمن ثمَّ عزم على السفر وطالع به خطيبته قبل الدخول بها بمدة. فقالت لا بأس فإن للرجل حقاً على امرأته أن يستصحبها حيث شاء. وأن كل بقعة من الأرض تكون لها في صحبته مغنى ووطناً. ثم أخبر أمها بذلك فرضيت. فلما وقع بالزواج وأحكمت عقدته قال الفارياق لزوجته ينبغي لنا الآن أن نتأهب للسفر. لأن أحلام الخرجي قد تكاثرت في رأسه ويخشى أن يفوته تعبيرها. فقالت أو ذلك من جدّ؟ هل جرت عادة النساء بأن يسافرون عقب الزواج ويعرضن أنفسهن للعقم والخطر؟ أليس في مصر مندوحة عن الغربة والسفر؟ كيف أفارق أخواني وأهلي وأذهب إلى بلاد مالي بها من صديق ولا خدين!؟ قال ما غرّرت بك ولا قلت لك شيئاً غير ما قلته من قبل. قالت ما كنت لا علم من الزواج ما أعلمه الآن. فقد شبهه الناس بالسعوط الذي يعطيه الطبيب اللنائم أو السكران حتى يفيق. قد علمت الآن أنَّ المرأة لم تخلق للسفر وإنما خلق السفر لها. قال: أني وعدت الرجل بأن أسافر إليه فلا بدَّ من إنجاز الوعد: فقد يقال في المثل أن الرجل يربط بلسانه لا بقرنه. ومع ذلك فإن خرجيّنا هذا مسافر معنا بامرأته فأنت مثلها. قالت ما أنا كزوجة الخرجيّ فإني الآن حديثة الصبغ وفي برزخ البكر والمتزوجة. ولم أسأم بعدُ من الأرض حتى أدخل إلى البحر. فلما علمت أمها بذلك الحت عليها في السفر. فقالت دعوني إذاً أستشير طبيباً لاُ علم هل سفر البحر يضر بالمتزوجة حديثاً أولاً. فجيء بالطبيب فلما سمع كلامها ضحك وقال. إنكم يا نصارى الشرق تنذرون للكنائس رجاء أن يمنّ عليكم صاحب الكنيسة بالحبل أو الشفاء من بعض الأمراض وأما نحن فنذر للبحر. فإن النساء عندنا حين ييأسن من الحبل يقصدن ظهر هذا الولي ويلتمسن بركته. فمنهن من ترجع حبلي بفذّ ومنهن من تضع توأمين. ولا سيما إذا كان ربان السفينة ذا رفق بالنساء يطعمهن ما يشتهين. فقال الفارياق في نفسه اللهّم أجعل ربان سفينتنا عنيفاً شرساً نكداً شكساً فظاً عسراً. فلما سمعت ذلك سكن روعها ومالت إلى السفر. فمن ثمَّ أخذوا له الأهبة وسافروا إلى الإسكندرية. أما السفر من بولاق في القنج فأنه من أعظم اللذات التي ينشرح لها الصدر فإن النيل لا يكون إلا ساجياً. ورئيس القنجة يقف قبالة كل قرية ليتزودوا منها الدجاج والفاكهة الطريئة واللبن والبيض وغير ذلك. وناهيك بماء النيل عذوبة ومصحة. فالراكب في إحدى هذه القنج لا يزال طول نهاره آكلاً مسروراً قرير العين بما يراه نضرة الريف وخصب القرى. حتى يودّ أن تطول مدة سفره فيه وأن كان في قضاء أمر مهم. فأغتنم الفارياق حٍ هذه الفرصة وأمعن في قضاء الأعذبين ونسي مصر ولذاتها. ونعيمها وحمايتها. ورَمَدها وآفاتها. والكتب ومشايخها. والأخراج وتخاتخها. والمكاتب وبرابخها. والطنبور وأوتاره. والحمار وفراره. والطبيب وقنزعيته. وصاحب المعجزة وهجرعيته والسرى ورائحته. والوباء وجائحته. وما زال على هذه الحالة حتى وصل إلى الإسكندرية شبعان ريان. وقد تزود ما يقوم بحاجة البطالة في البحر الملح. وفاز ونجح أي فوز وأي نجح. سفر وتصحيح غلظ أشتهر

стр. 160

كان الخرجي رفيق الفارياق في السفر قد كتب كتاباُ من مصر إلى بعض معارفه بالإسكندرية ليهيئ له نُزلاً. فلما وصلوا إليها أقاموا فيه مدة ينتظرون ورود سفينة النار التي تسافر إلى الجزيرة. وكانوا جميعاً يأكلون على مائدة واحدة ويتفاوضون في المصالح الخرجية وفي السفر وغيره. وكانت زوجة الفارياق لا تدري شيئاً سوى بيت أهلها. ولا تتكلم في أمر إلا فيما جرى لها مع أمها أو لامها مع الخادمة أو لهذه معهما وكانت إذا أخبرت مثلاً بأن الخادمة ذهبت إلى السوق لتشتري شيئاً تخللت كل جملة بضحكة طوياة. فاقتضى لأخبارها من الوقت نحو ما كان اقتضى للخادمة من الذهاب والإياب وسبب ذلك أن النبات في مصر لا يعاشرن أحداً سوى الخوادم وأهل البيت. أما أمهاتهنّ فلا يطالعنهن بشيء من أمور الدنيا مخافة أن تنجلي الغشاوة عن أبصارهن فيعرفن ما يراد منها. فمن ثم كان تحصل معارفهن كلها من الخوادم لا غير ولما كنّ هؤلاء يرين أن أخبار النبات بما يهوين ويملن إليه بالطبع خيراً لهن عظيماً. فإذا رأت إحداهن مثلاً فتى جميلاً بادرت من ساعتها إلى البنت وقالت لها: قد رأيت اليوم يا سيدتي شاباً مليحاً ظريفاً لا يصلح إلا لك. وأنه حين نظرني وقف وشخص أليّ وكأنه يريد أن يكلمني. وأخاله عرف إنك أنت سيدتي. فإذا رأيته المرة الآتية كلمته. وأشباه ذلك عن الكلام مما يجعل البنت ذات ضلع معها إذا غضبت منها الأم. ولا يخفى أن البنات إذا كنّ جاهلات بالقراءة والكتابة وحسن المحاضرة وبآداب المجلس والمائدة وغيرها، فلا بدّ وأن يتعوّضن عن هذا الجهل بمعرفة الحيل والمكايد التي يتخذنها وسيلة لما يرمن. فإن البنت إذا اشتغلت بقراءة فمن من الفنون أو بمطالعة الكتب صرفها ذلك عن استنباط الحيل. فأما إذا لم يكن لهن شغل غير ملازمة البيت وليس فيه غير الخادمة فأنّ أفكارهن وأهواءهنّ كلها تنجمع إلى مركز واحد وهو اتخاذ الخادمة وسيلة لهن وسنداً. فكلامها عندهنّ أصدق من كلام أمهاتهنّ. فالأولى عندي أنا العبد الحقير أن تشغل البنت بإحدى الفنون والعلوم النافعة سواء كان ذلك عقلياً أو يدوياً. ألا ترى أن الأنثى مفطورة على حب الذكر والذكر على الأنثى؟ فجهل البنات بالدنيا غير مانع لهن من معرفة الرجال واستطلاع أحوالهم. بل ربما أفضى بهنّ هذا الجهل إلى التهافت عليهم والانقياد إليهم من دون نظر في العواقب بخلاف ما إذا كن تأدّبن بالمحامد والعلم اللائق بهن فإنهن ح يعرفن ما يعرفن من الرجال عن تبصر وتدبر. وهناك قضية أخرى وهي أن النساء إذا علمن من أنفسهن أنهنّ أكفاء الرجال في الدراية والمعارف تترّسن دونهم بمعارفهنّ وتحصنّ بها عند تطاول الرجال عليهنّ. بل الرجال أنفسهم يشعرون بفضلهنّ فيرتدعون عن أن يهتكوا حجاب التأدب معهنّ. مثال ذلك إذا أجتمع غلام وبنت في خلوة وكان الغلام قد قرأ ودرى والبنت لم تعرف شيئاً غير ذكر اللباس والزينة والخروج إلى البستان. لم يلبث الغلام أن يتعدى طور الأدب معها لاعتقاده أنها لم تخلق في الدنيا إلا لقضاء وطره منها. بخلاف ما رآها ذات رأي رشيد. وقول سديد. وفكرة مصيبة. وفهم للأمور البعيدة والقريبة. وحسن محاضرة وجواب عتيد. ومعارضات ومماتنات. فأنه والحالة هذه يهابها ويحترمها. وليس كلامي هذا مخالفاً لما قلته في إغضاب الشوافن. وإنشاب البراثن. وإنما العبرة باختلاف وسائل العلم. والمراد من هذا الاستطراد كله أن نقول أن زوجة الفارياق وإن يكن قد فاتها كثير من معلومات الرجال والنساء فقد أبدت من المعارضة لأمها عند تصادم مصلحة الزواج بمفسدة خرجية الفارياق ما أفحم المجادل، وأبكم المناضل. لكنها بقيت في غير ذلك جاهلة. فإن الفارياق لما كان ذات يوم على المائدة أخبره الخرجي بقدوم سفينة النار وحثه على التأهب للسفر. فسمعت بذكر سفينة النار فقالت ما معنى هذا. فقال لها الخرجي هي سفينة ذات ألواح ودُسُر وإنما تسير بقوة بخار النار. قالت وأين النار؟ قال في قمين بها. قالت يا للداهية كيف أسافر في سفينة فيها قمين وأعرض نفسي للنار؟ أليس السفر من هنا إلى الجزيرة يكون في القنج كسفرنا من بولاق؟ قال أن القنج لا تصلح للبحر الكبير. قالت أما أنا فلا أسافر ويسافر من يريد أن يحترق. فترضاها الخرجي وزوجته فأبت.

стр. 161

فلما حان الرقاد اضطجعت في الفراش وأدارت وجهها إلى وجه الحائط: وهذا هو المقصود من هذا الفصل تنبيها للناس على أن هذه العادة هي من جملة العادات التي أخطأا استعمالها إذ ليس في الأدبار شيء يدل على الغيظ. بل الإقبال هو المظنة له فإن المرأة إذا واجهت زوجها عند الاضطجاع وقطبت وجهها في وجهه وزوت ما بين حاجبيها، أو شمخت أو سدّت منخريها أو غمضت عينيها كيلا تشم رائحة وتبصر سحنته أو غطتهما بيدها أو بكمها أو منديل كان ذلك إشارة إلى غيط. فأما في تولية الدبر فلا علامة تدل عليه. فإن قلت أنها إذا واجهته ربما غثت نفسها من نفسه. إذ الرائحة الكريهة لا بد وأن تفعم المناخر وأن سُدّت فلا محيص عنه بالأدبار قلت الأولى أن تستلقي فيندفع المحذور. وبعد فأن الدبر هي من الأشياء التي طالما عُني الناس بتفخيمها وتكبيرها وتعظيمها حسّا ومعنى. أما حسّا فلأنهم اتخذوا لها الزناجب والمنافج والمرافد والرفائع والأعاجيز والغلائل والمرافق والعُظامات والحشايا والأضاخيم والمصادغ إجتذاباً لقلوب الناظرين وفتنة لعقول العاشقين. فكيف يكون شيء واحد مستعملاً وسيلة للرضى والغضب معاً فهو خُلْف بين، وأما معنى فلأن العلماء والأدباء وسادتنا الشعراء ما زالوا يتغزلون بها ويتنافسون في عرضها وسعتها، حتى أن بعضهم قال من رأى مثل جبّتي ... تشبه البدر إذا بدا بدخلي اليوم خصرها ... ثم أردافها غدا وقال عمر بن كلثوم وما كمة يضيق الباب عنها ... وخصر قد جُننت به جنونا

стр. 162

ولقائل هنا يقول أن الشاعر لم يصف الخصر إلا بكونه موجباً لجنونه. وأن الإشارة إلى كونه نحيلاً بناء على جنون الناس به إذا كان كذلك غير ناصّة وأخرى أن يكون هذا المفهوم الضمني جاريا على وصف كل عضو. إذ لو قال وما كمة جننت بها جنونا لعلم بالبديهية إنها تملأ الباب ويفضل منها شيء ويا ليت شعري هل الألف واللام للعهد الجنسي أو الذهني. وهل الإمام الزوزني تعرّض لشرح ذلك، ثم أنه من أهّم ما يشغل بال المرأة ويسهرها الليالي، هو تفتن ناظرها بتفخيم ذلك الموضع الرفيع العالي. وربما لهيت عن وجهها وسائر جسدها وغادرته بلا زينة من فرط اشتغالها به ولو تضّمر وجهها وذوت غضاضة بدنها لمرضٍ أو كبر فقلّ اعتمادها على محاسنها لم تبرح معتمدة عليه ومتعهدة له. فهو رأس مال الخلب والتشويق وما من امرأة إلا وتتمنى أن يكون لها عين في قفاها لتكون ناظرة إليه ومتعهدة له دائما. ولقد يهون عليها أن تقف ساعة أو تمشي ساعتين أو ترقص ثلاثاً ولا أن تقعد هنيهة خشية من أن يخشان أو يضمر. وإنها حين تنظر إلى عطفها وهي ماشية أو راقصة فما هو إلا رمز إلى ما ورائه. وأن تهدكرها وتبهكنها هما أنشب مصلاة يعلق بها قلب الرجل. وذلك لأنها تعلم أن الحكمة الخالقية رسمت من الأزل بأن تكون كثرة اللحم والشحم في ذلك الموضع. بالنسبة إلى سائر البدن لا بالنسبة إلى دكاكين اللحامين، شائقة للملوك والسلاطين والأمراء والقضاة والأئمة والقسيسين. والأحبار والموابذة والهرابذة والعلماء والبلغاء والخطباء والأدباء والشعراء والعطارين والصيادلة والعازفين بآلات الطرب ولسائر الناس. لا لأنهم يتخذون من لحمه كبابا أو من شحمه إِهالة. أو يستصبحون عليه أو يتخذون من جلده كُوْبه. ولكن ملأ لعيونهم وشرحاً لصدورهم. فإن عين ابن آدم مع كونها ضيقة لا يملأها ما هو أوسع منها وأكبر بألف مرة. وإشعارا لهم بأن حكمتهم في هذه الدنيا وتنطّسهم وعزهم ومجدهم وأن علت على الأطواد الشامخة والجبال الشاهقة فما هي إلا سافلة عن حضيض هذا الموضع ألاَ وإنها تعلم إنك إذا جلست مثلا حد هؤلاء الأعزة الكرام أمام بعض المناصع على سرير مذهب. وضربت عليه قبّة ممّوهة مزخرفة منمنمة منقشة مزوقة مكسوة بالحرير والديباج ومكللة بالزهور والرياحين. استنكف أن يقعد هناك نصف ساعة. على أنه لا يستنكف أن يقعد عامة نهاره وليله لذلك المقام المنيف. وهو حاسر الراس، مشعث، الشعر، حافي الرجل، فاغر الفم مندلع اللسان، سائل اللعاب: محملق العينين، مشمر الذيل، شابح الذراعين معوجّ العنق مؤلّل الأذنين، في أقبح هيئة يمكن للإنسان أن يتصورها في حق ذي مقام. حتى لو سمع نأمة من هناك لظن أن السلطان قد بعث إليه بالات الملاهي يهنئه على هذا الفوز العظيم، والمغنم العميم، وتصوّر في باله ان صوت العود لم يكن بأشجى من غيره إلا لكون هذه الآلة قد صنعت على مثال شطر ذلك الموضع ولو كان كالشطرين لسُمع له منطق بإعراب. وأن شكل القبة مأخوذ منه. ورائحة الندّ تروى عنه، وإن العرب من زيادة شغفهم به الحقوا حروفه بالأفعال السداسية الدالة على طلب الفعل أو التي يعتبر فيها الشيء كونه على حال مّا من الأحوال، وإن فردسة صدور الرجال وعرض ظهورهم لا تجدي نفعاً مع عرضه. وأن المعالي في السَّراة متى تلح لهم ذات تأكيم يعدن مسافلا، وإن هذه الحقيبة مع ثقلها سواء كانت حاملة كما ذهب إليه بعض الشعراء، أو كانت محمولة كما هو في الواقع فليس ثقلها إلا كثقل كيس ذهب على حامله. وإنها أسخن الأعضاء جميعاً في الشتاء إذ لا تحتاج إلى تدفئة وإبردها في الصيف. وإنها مع كونها اول ماس للأرض عند القعود فلا تزال انعم من الخدين. وأملس من اللديدين، فلهذا كانت لذة تقبيلها للمقبّل العذريّ اعظم من لذة تقبيل الذقن والأنف والعين والجبين. وأن الناس لها أسماء الملوك والسلاطين، وذوي السيادة والمعالي وأئمة الدين. وعند قوم "أقول واستغفر الله" تذال لها الأسماء الحسنى، على أن تسبيحهم كل يوم أن يقولوا ربنا تقدّس اسمك. ألا وإنها تعلم أن كثيراً من البهائم أعقل من الناس أو أسعد حالا من أصل الفطرة. فإن الذكر من الحيوان غير الناطق لا يهيج على هبرتين من اللحم في أنثاه مع احتوائهما على القبل والدبر إلا في وقت معلوم.

стр. 163

وهذا الذكر من الحيوان الناطق لا يزال هائجاً عليهما مزبداً لا غماً راغياً متزغّماً هادراً محمحماً مبقبقاً زاغداً مُلْعباً جالباً لاجباً وربما جنّ أيضاً. وما ذلك إلا لمجرد وهم أنهما بأهدافهما تعينانه على خسق الهدف من قُبُل وإلا فما سبب هذا الجنون. نعم وتعلم أيضاً أن هذا الموضع مع كونه في حيّز الجسم الأسفل فهو، موازٍ لخط الرأس ارتفاعاً إشارة إلى أن تسفله لا يحط من قدره ورفعته. حتى لو فُرض أنه جعل عند الرجلين لبقيت له هذه المنزلة والاعتبار بعينه. حتى أن بعض النساء يرين أن كشفه أوْلى من كشف الفم لأنه أقلُّ أذى منه. إذ لم يعلم إلى أن أحداً قُتل بفلتة منه فأما فلتات اللسان القتّالة فلا تعدُّ ولا تحصى. وبناء على ذلك كن يتعمّدن الخروج في اليوم الراح وهو عندهنَّ من الأعياد المباركة، وبعضهن يرين إنه جدير بالحلي والزينة والتنقيش سواء كان ظاهرا او مستورا. قال بعض السّتاهين. يا سائلي عن أي جز ... ء في المليح اجملُ لقد روى استأذنا ... نصف الجمال الكفل قال وذلك لاشتماله على أشكال كثيرة، لأنك إذا اعتبرت ذروة الرانفة وحدها ظهر لك الشكل المخروط، وإذا اعتبرتها مزدوجة بالأخرى تبّين لك نصف دائرة أو شكل هلالّي، وإذا نظرت من نقطة العيسب إلى غاية ما يوازيها من سطح الشق الواحد بدا لك المستوى أو المسطح، أو منه إلى مادون ذلك قابلك المقبّب والخط المنحني، وإذا اعتبرته مع الإكباب واجبك المجوّف وهلم جرّا. وليس من سائر أعضاء البدن من الأشكال ما لهذا. قلت ما أشوق قول الشيخ ناصيف اليازجي الأديب المشهور. وتموّجت أردافها فأخو الهوى ... بين اضطراب الموجتين غريق.

стр. 164

ثم أن الظاهر من وجود اسم المرفد في لغتنا هذه الجليلة، ومن قول صاحب القاموس المخدّم رباط السراويل عند اسفل رجل المرأة، أن لباس نساء العرب قديماً كان كلباس نساء الشام الآن. أو لعله كان خاصّاً بالحواريات غير أن قول المتنبي، وأعفّ عما في سراويلاتها، يفيد التعميم، بناء على تغزّله بالباديات كما أشار إليه بقوله، وفي البداوة حسن غير مجلوب، وقد تقدم، قال القاموس الدبر بالضم وبضمتين نقيض القبل ومنكل شيء عقبه ومؤخره- والإست والظهر، قلت أسماء حروف هذه اللفظة لها معانٍ وهذه الحروف كيفما قلبتها ظهر لك منها أيضاً معنى، وكذا إذا جمعت بين كل حرفين منها، وعددها بحساب الجّمل مزدوج إشارة إلى ازدواج الجهتين، كما أن الضمتين إشارة إلى الثقل والرزانة، ومادتها من اغرز الموادّ، وهل وضعها مؤخر عن المؤخر أو متقدم عليه أو اشتقاقها من قولهم جئتك دبر الشهراي آخره واشتقاق هذا منها خلاف، والظاهر أن الأمور المعنوية الاعتبارية مشتقة من الحسّية وبقي الخلاف في اشتقاقها من عقب الشيء، وقد ورد في القرآن ولّوا الأدبار، وأنكرها المطران أتاسيوس التوتنجي في كتاب الحكاكه، واعلم إن العرب قد وضعت للدبر ما ينيف على تسعين لفظة ما بين اسم ولقب وكنية. فمن أسمائها ما تقدم في إثارة الرياح ومن بعض كناها أمّ سُوَيد وأمّ العِزْم وأمّ خنَّوْر. فلولا أنهم أنزلوا منزل الأسد والسيف والخمر في البأس الفتك والإسكار لما خصّوها بذلك لا يَرد هنا ما قاله ذلك الأعرابي في السنّور لعنه الله ما أكثر أسماءه وأقّل ثمنه. فإنّا نقول إن قلة ثمن الحيوان لكثرة وجوده لا يقدح في قيمته ومنافعه. وإن كثرة أسمائه هي من حمل النظير على النظير لحصول المشابهة بينه وبين أمّ أمَّ سويد. من جهة أن السنّور هو من الحيوانات الكثيرة النتاج. ومن طبعه اللعب والهراش وإن يكن يعقبه غير مرة خدش وإدماء. وخمش وإصماء. وحمش وإعماء. وله تحمّل على المكاره والأذى حتى قيل أن له سبعة أرواح ولا يعجزه صعود شرف ولا هبوط هوة. وإنه إذا شمّ رائحة شيء أعجبه من الطعام تسلق على الجدار ودخل أضيق مكان حتى يظفر به. وإنه إذا مرَّت عليه يد نفَّش ذنبه واخذ في خرخرة وهينمة تفصح عن رضاه باللمس. ومن طبعه أيضاً النظافة والأكل خفوة حياء أو خوفا. فإن أبيت إلا المشاحة كما هو دابك من أول هذا الكتاب بأن قلت ما بال أسماء الداهية والعجوز إذاً كثيرة وأسماء الشمس والقمر قليلة إذا كانت التسمية مبنيّة على جلالة المسمى أو نفعه. قلت أما كثرة أسماء العجوز فباعتبار أنها كانت صبية أو أنها تكون ذريعة لها. وأما الداهية فباعتبار خشيتها. والإجلال قد يكون عن خشية كما يكون عن مقة. فأما الشمس والقمر فأسماؤها كثيرة جداً غير إنها لم تشتهر عندنا وليس ذلك بأول ظلم فعله الناس في حق اللغة كما بيَّنته في كتاب آخر ثم هذه جملة الأسماء والصفات التي وضعت لامّ ام سويد وقد بذلت الجهد في استقرائها وهي الأثيثة الخبنْداة الراجح الرَّجاح الرَّداح الدُلَخة البهَيْر الشَوْترة العَجِزة العَجْزاء والمُعجَّزة الدَّهاس الدَهساء البَوْصاء اللفَّاء الركراكه الزكزاكه الوكواكه الضِبرك الضنَّاك العَضنَّك الوَرْكاء الوَركانة الثَّقال الجزلة السجلاء المكفال الهركولة المؤكَّمة الألياء الأليانة ومن الغريب أن صاحب القاموس ذكر الأستة والسّتاهي ولم يتكرم علينا بمؤنثهما فإنا أنبتهما هنا عن أذنه: ومن ذلك نفج الحقيبة. ذات الأهداف. ذات التأكيم ذات الرضراض من نسوة بلاخ. ولك أن تقول بَلخاء وأن يذكرها الفيروز أبادي إلا بمعنى الحمقاء. هذا ما عدا ما يشير إلى هذه الغبطة والسعادة من الألفاظ إشارة صريحة نحو الجعباء الضخمة الكبيرة. الجَلَنْباء السمينة وكذا الخُنضبة والخَضْعَبة والكبْكابة والحوثاء والوَعثة. الخِدَبّة الضخمة. الدِخْدبة المكتنزة. السَرْهَبَة الجسيمة. الطُباخيَّة الشابة المكتنزة. اللبُاخيَّة اللحمية وكذا الدعِكاية. المُبرْندة الكثيرة اللحم ومثلها الهُدكورة. الثَأدة المكتنزة الكثيرة اللحم. الثَهْمَد السمينة العظيمة. الرَجْراجة التي يترجرج عليها لحمها. الضَّمْعَج المرأة الضخمة التامة. البَيْدَج البادن وكذا البَلْدج. الدَّحوح العظيمة. الدُمْلحة الضخمة التارة.

стр. 165

الصَلدحة العريضة. البيدحة التارّة. المُرمورة الناعمة الرجراجة. الدخوص الممتلئة شحما. الرَّضراضة الرجراجة. البلِز الضخمة. الدَحملة الضخمة التارة. الدُمحلة السمينة ومثلها الجَمُول. الرَّبلة العظيمة الرَبَلات. القِصاف العظيمة. المُزنَّرة الطويلة الجسيمة. المُلعَّظة السمينة الطويلة الجسيمة. الهَيْكَلة العظيمة. الضُناكة الصُلبة المغصوبة اللحم. الكِناز الكثيرة اللحم الصلبة. المُنِزّزة المتصلبة المتشددة. المُلزّزة المجتمعة الخلق الشديد الأسر. الخَنْضَرف الضخمة اللحيمة الكبيرة الثديين. القَبْبَلِس المرأة الضخمة ومثلها المُثْخنة. الشخيصة الجسيمة. الدَّيَّاصة اللحيمة القصيرة. العانك السمينة. العَبِيلة الغليظة. المألة السمينة الضخمة. الوَرِهة ورهت المرأة كثر شحمها. وخَظية بظية سمينة مكتنزة. وغير ذلك مما لا يمكن استقصاؤه. فهل لجناب مولانا القاضي المكرم ولأميرنا المعظم نصف هذه الأسماء والنعوت. انتهى البرهان على الخطأ في استعمال هذه العادة. وأقول الآن إنه لما كان ما كان من الأدبار المشار إليه ترضاها الفارياق في الصباح للسفر وأعانه على ذلك الخرجي وامرأته ووعدوها برؤية أشياء بديعة في الجزيرة تنسيها مكاره الفراق. فرضيت بعون الله وحسن توفيقه وسافروا في سفينة النار. وقد لطف الله تعالى بأن ألقى القسوة في قلب الربّان عليها. فكان إذا سمعها تئن من الألم يغضب ويزمجر ويتسخط على النساء وسفرهن. غير أن بعض الخدمة وكان جميلاً حاول ان ينوب عنه فلم يتمّ له ذلك لقصر المسافة إذ كانت عبارة خمسة أيام. وهي في البرّ كافية لتصبيّ خمس وعشر نساء متزوجات وخمس عشرة أرملة. ثم وصلوا إلى معتزل الجزيرة وأقاموا فيه ثلاثين يوماً وبعد ذلك دخلوا البلد ونزل كل منهم منزلاً لائقاً به. وليمة وأبازير متنوعة وأخذ الفارياق وزوجته يطوفان في شوارع المدينة وهما في زي أهل مصر. وقد اتخذ هو سراويل واسعة يلتفّ عليه أسفلها من أمام ومن وراء عند المشي. والتحفت هي ببرنس ليغطي كميها إذا كانا يكنسان الأرض. فجعل المارّون وأصحاب الدكاكين يتعجبون منهما ولم يكونوا يعرفون زوجته إنها امرأة. فكان بعضهم يقول أرجل هذا أم امرأة وبعضهم يتعقبها. وبعضهم يلمس أثوابها ويحدق في وجوههما ويقول ما رأينا كاليوم قطّ شيء لا هو رجل ولا هو امرأة فصادفهما رجل من حذّق فقهاء الإنكليز يقال له استيفن. فتفرس فيها فعرف أن الفارياق رجل وأن الفارياقية امرأة. فتقدّم إليهما وقال لهما هل لكما يا رجل ويا امرأة أن تتغدّيا عندي اليوم الأحد القابل. قال أفضلت قال إن داري في عِبْر البحر في محل كذا فهلمّا إلينا في الصباح قبل الغداء.

стр. 166

فلما كان يوم الأحد ركبا في زورق وقصدا منزله فوجداه قد استعد للخروج فكأنه أراد أن يأتي ببعض معارفه للفرجة على ضيفيه والظاهر إنه سكر في الطريق أو عند أصحابه فلم يعد. فلما رآهما قال لهما قد وجب عليّ أن أذهب في قضاء مصلحة. ولكن هذه زوجتي وبناتي فاستأنسا بهن ريثما أعود ونتغدى جميعاً قالا لا بأس ثم قعدا مع زوجته. وكان في المجلس شابّ من الإنكليز يناغي إحدى بنات الفَرضي وهو آخذ بيدها. ثم جعل يبوسها بحضرة أمها والزائرين. فاصفرّ وجه الفارياق واحمرّ وجه زوجته وبرقت أسّرة الأم. فقالت الفارياقية لزوجها كيف يبوس البنت هذا الفتى وما يستحي منا. فقال لها ليس البوس عند الإفرنج مما يعاب. فإن الزائر منهم إذا دخل بيت أحد من أصحابه تعيّن عليه أن يبوس زوجته وبناته جميعاً ولاسيما إذا كان في يوم عيد. على أن عندهم قد بمعنى ما يراد بعدها ولكن هذه عادتهم. قالت ولكن هلاّ يستحي منا حال كوننا غريبين عنه. قال إذا كان الشيء مباحاً كانت إباحته أمام القريب على حد سواء. أو لعل الرجل قد ظنانّا لا نعرف هذه الصنعة في بلادنا. قالت ما اجهل من ظن هذا فإن القبلة عندنا لا تكون إلا مع زفير وتنهد ومص وشم وتغميض العينين. فأما هذا فإني أراه يرفّ من إحساسٍ فعل المستخفّ بما تحت يده. قال قد يظهر لي من القاموس إن المكافحة والملاغفة والمثاغمة واللثم والفَغْم والكعْم والتقبيل إنما هو بوس الرجل المرأة من فمها أو التقامه له بمرّة فقالت حيّي الله العرب أئمة القبلة والقُبلة. فإن التقبيل الجبين كما يفعل هؤلاء لا معنى له. ولكن لم كان التقبيل في غير الفم والخدّ خالياً عن اللذة التي يحسّ بها المقبّل في هذين الموضعين؟ قال لأن الظمآن لا يرتوي من وضع فمه على أعلى القلة أو على جنبها. قالت فعلى ذكر الظمأ لم تصف الشعراء الريق مرة بأنه حلو ومرة بأنه يروي الظمأ وهو خُلف؟ قال لعل ذلك من مشكلات الشعر أو من المعضلات النساء. قالت فعلى ذكر المشكلات والمعضلات هل يستطيب العاشق شرب الرضاب من غير الفم؟ قال أما عند بعض العرب فلا يبعد وإما عند الإفرنج فينكرونه حتى من الفم. بل لا يعرفونه له اسما غير البصاق. قالت فعلى ذكر اختلاف الأسماء ما يقال لهذه الأمّ التي ترتاح إلى رؤية ابنتها على مثل هذه الحالة هل يقال لها قواده. قال إنما القيادة في الأصل صفة الرجل إذا كان يقود على حرمه. قالت أن وقوع هذا الأمر في شأن الأم أكثر منه في شأن الرجل. إذ الأمهّات تنشرح صدروهن عند مشاهدة عاشق لإحدى بناتهن. لان الأم عند رؤيتها عاشق بنتها تعتقد أن العاشق لا يرى في البنت جمالاً إلا ويراه في أمّها حالة كونها هي الأصل. وانه لا يكاد يحب الفرع دون محبته لأصله. ثم تماديا في الحديث حتى حان الظهر فأقبلت بنات الفرضي وبيدها كسرة خبز وقطعة جبن وجعلت تأكل وهي واقفة. ثم تولت وجاءت أخرى وفعلت مثلها. وكان للفقيه المذكور سبع بنات وعدة صبيان. فلما مضى ساعتان بعد الظهر قالت الأم للمدعوّين لعلكما جعتما فإن وقت الغداء قد فات. زوجي أبطأ. قالا ننتظره إلى أن يجيء. فلما صارت الخامسة أطن جرس الأكل ليجتمع المتفرقون من أهل البيت كما هي عادة ذوي العيال من الإنكليز. ثم مضت ساعة وأعيد إطنان الجرس ومازالت الساعات تمضي حتى نجزت الساعة الحادية عشرة. وفي خلال ذلك كانت الأم تتفقد المطبخ وتسار البنات كأنما نزل بهن نكبة البرامكة. فقال الفارياق لزوجته إن لم نذهب الآن لن نجد بعدها زورقا ولا مبيت في هذا العبر يصلح بنا. ثم نهضا ومسّيا على صاحبة البيت وركبا في زورق ودخلا البلد عند نصف الليل فتعشيا في بعض المطاعم عشاء في ضمنه غداء.

стр. 167

ثم لما كان بعض أيام قليلة قالت زوجة الفارياق له رأيت في هذا البلد أحوالاً غريبة. قال ما هي؟ أني أرى الرجال لا ينبت في وجوههم الشعر ولا يستحيون. قال كيف ذلك؟ قالت لم أرَ في وجه أحد منهم لحية ولا شاربا فهل هم كلهم مرد. قال أجهلت إنهم يحلقون وجوههم بالموسى في كل يوم، قالت لأي سبب، قال حتى يعجبوا النساء فإنهن يحبن الخد النقي الناعم قالت لا بل المرأة يلذها من الرجل كل ما دل على الرجولية، وكثرة الشعر في وجه الرجل هي كعدمه في وجه المرأة. قال وما معنى قولك انهم لا يستحيون هل طلب أحد منهم منك فاحشة. قالت ما وقع ذلك بعد، وإنما أراهم يحزّقون سراويلاتهم حتى تبدو عورتهم من ورائها، قال وذلك مما يلذ للنساء على مقتضى تقريرك. قالت نعم أن هذا الزي أقر لعين النساء من زي العرب. فإنه يظهر الفخذين والساقين والبطن والعجز غير أن المغالاة في التزنيق مخلة بالأدب عند من لم تتعوّد عليه وان يكن في نفس الأمر أحسن وأفتن. ولكن ما شأن هؤلاء القسيسين فإني أراهم أكثر مغالاة من العامة بتبابينهم هذه القصيرة فهذا لا يليق برتبتهم. وأقبح من ذلك حلقهم شواربهم مع أن الشوارب هي زينة لوجه الرجل كما أن اللحية زينة لوجه الشيخ. فما الذي أغراهم بهذه العادة وهم ليسوا متزوجين حتى يعجبوا نساءهم؟ لعمري لو أن أحداً منهم ذهب إلى مصر لظنه الناي بعض هؤلاء المخنثين المدعوّين خَوَلا الذين ينتفون شعر وجهوههم ويتحففون تشبيها بالنساء فأخزى الله كل رجل يتخنث قال فقلت وكل امرأة تتذكر. قالت نعم وكل من يتبع العادات الفاسدة. أنظر العادة هنا كيف جعلت حلق الشعر علامة على الفضل والكمال وعندنا هو سمة النقص والفساد.

стр. 168

قال صدقت ولكن أريد أن أسألك عن شيء من حيث أن الكلام أفضى بنا إلى ذكر ما يشوق الرجل وما يشوق المرأة من الرجل. ومن حيث إني أراك قد نشّمت في علم هذه الفروق فقولي لي بحق السطح "وكان من عادته إذا سألها عن أمر مهم أن يحلفها بسّر السطح الذي كانت تصعد عليه قبل الزواج" وأصدقيني فيما تقولين هل لذة المرأة حين تنظر إلى جسم الرجل كلذة الرجل حين ينظر إلى جسم المرأة؟ قالت هما سيّان ولعل الأولى أعظم. قال فقلت كيف ذلك والرجل لا نعومة لبدنه ولا ملوسة. وقد خصت المرأة بمحاسن كثيرة خلا عنها الرجل وذلك كرقة البشرة ودقة الأصابع وتسوية البنان والأنامل وقد شبهت بالعِسْوَدّة والأساريع والعُذْفوط والعَنَم. وكالدَّسْع ولين الكَعْس والرواحب وتغطيه الرواهش باللحم بحيث يبدو في كل أشجع نونة. وكلطف اليدين وصغر الرجلين ورخاصتها. وامتلاء الرسغين والكعبين وسهولة المشطين. ونعومة العرْش والعسيب، وجدل الذراعين ومكر الساقين وعظم الحماتين ودملجة الداغصتين. وضخم الوركين والماكمتين والفخذين والبتلية والبطن. وكنحول الخصر ولطف الكتفين وانحطاط المنكب وصقل الترقوة والترائب والمفاهر. وكالعَنَط والعَطف وصلاتة الجبين وطول الشعر. وكونها رخيمة ذات نشر خالية عن الحارّ والرَّيش والغفر والسُّربة والاْسب وكون أذنها صمعاء حشرة تدمرية أو مقذَّذة أو مؤلَّلة مصْنعَّة. وما أحلاها يا عيني مشنفّة. وأعظم من ذلك كله وأبدع بروز النهدين ونهودهما. وحَجْمهما ونفجهما. وتكعبهما وتكعثبهما واصرائبابهما وتأوّبهما وتقعبهما وتكُّبهما. واكتيتابهما وتقببهما وتأتبهما وتزيبهما. وتدملكما وتدملقمها وتزلّقهما. وسملكتها وصعلكتهما. وزهلهما وتضافطنهما وتدملجهما وتمذجهما وتصعنجهما ورتوبهما ونبوتهما. وخظوّهما وتَوبهما. ونتوبهما وكعوبهما. وتموكهما ودموكهما. وبزوغهما وصبوغهما. وشخوصهما ودخوصهما ونعوجهما وتكوّفهما وتقبيهما، وتخذّيهما وتكظّيهما. وتوهّجهما وتعلجهما، وتصدرهما وتضبيرهما، وانتبازهما وتكوزهما، وتعرزّهما وتلززهما، وتملهما وتشرزهما، وتعلدهما وتمغدهما، وتأصصهما وتدلصهما، واجعانهما وتنشزهما، وتجبنهما وتشزنهما، وتكتلهما وتململهما وتزيمهما وتركركهما وارتكاكهما وتشويكهما وترهرهما وتلّوههما. واندماجهما وانفراجهما وإقبالهما وأعبالهما. وارتبازهما واكتنازهما، ونّصهما وعصهما. ودَأضهما وضَنَطهما وقد قيل لهما من جملة اسماء كثيرة المرازان لاحتمال رَوْزهما باليد أو الفكر. وشبّها بالرمان والقُرموط. وشبهّت حلمتاهما بالسعدان. وقد -قالت قف هنا فقد أسهبت في وصفهما وفاتك أحسن ما يراد منهما قلت أفيدي. قالت لو جئت بكلمة تدل على التقامهما أو قطفهما لكانت خيرا من كثير من هذه الصفات، قلت ليس الذنب عليّ في ذلك فإني لم أجد هذه الدرة في القاموس. ثم قلت هذا وان المرأة إذا كان في وجهها شعر ناعم أو زغب ولا سيما على شفتها تستحب عند جميع الناس. فأما الأجرد منا أو السناط والأزطّ فمكروه عند الله والناس، قالت أما أوَّلا فلانّ المرأة من حيث كانت تعلم أنه لاشيء في الدنيا يسَّد عندها مسد الرجل كان يشوقها منه أدنى شيء، حتى لو نطقت مثلا أمام امرأة بالرَّ بعد قولك أعوذ بالله من الشيطان لسبق وهمها إلى الرجل، فعلاها على الفور الاصفرار أو الاحمرار بحسب توجيهات خواطرها إليه وكذا لو ابتدأت بنطق الرَّ بعد قولك بسم الله. اللهم لطفك وعصمتك. هذا قرحان الطبع وقريحته فكيف بيانعه. ثم قالت أما الصفات الحسنة الموجودة في المرأة دون الرجل على ما ذكرت أنت وشبب به الشعراء وتباهى به المصورون فعدم وجودنا فيه ليس بمانع من أن يحبَّ لأن المرأة تعلم أنه لاشيء يقر عينها غير الرجل فوجوده على أية صفة كانت مشوّق لها كما ذكرت آنفاً. ألا ترى أن نساء السودان رجالهنّ أبلغ من حب النساء لبعولتهن في بلادنا وغيرها. ومثل ذلك مثل من عنده كتب كثيرة فيها حكايات ونوادر مختلفة. ومثل آخر ما عنده إلا كتاب واحد يطالعه. فصاحب الكتب الكثيرة تراه منتقلا من كتاب إلى آخر حتى يأتي على آخرها وما علق بذهنه منه شيء. ثم يملّ من إعادة قراءتها. وصاحب الكتاب الواحد من حيث كان يعلم إنه إذا فرغ من كتابه لا يجد آخر فإذا طالع صفحة منه لن ينتقل منها إلا بعد أن يمعن النظر فيها. ويحدّس في معانيها. ويحفظها ويعيها

стр. 169

ويترسمها ويتذكرها. ويتمثلها ويتدبرها. ويمتحنها ويتوقمها. ويتصورها ويفلّيها ويطفّلها. وإنما ضربت لك المثل بالكتب لأني أراك مبتلى بالمطالعة وعندي أمثال كثيرة غير ما ذكرت. وبعد فإن في الرجل محاسن كثيرة ذاتية ليست في المرأة. منها فردسة صدره والزَّبب عليه. وارتفاع كتفيه وسعة صدره وشطط قوامه وشبح ذراعيه وكثرة العضل فيها وعظم يديه وكونه قوياً شديداً جلدبا زخزبا شصلبا شنزبا عرزبا عصلبا كنثبا قسباقزبا قعنبا هقبقبا إصليتا صفتيتا مصتيتا صنتيتا قنعاتا علنكدا قسودا أزبر جحاشرا ذيمريا سبطرا قبعنرا عبهرا عشنزرا قوعسا صثمُلاّ عَنَبلا جرهاما بهمة حسميا شظيما عجرما عرزما عرضما عردمانا عشرَّما فسحما شرنبثا قاهيا قنعاسا مجلجلا ذا جهارة وجشة. فهذه كلها نعدّها نحن النساء محاسن في الرجل. وفيه محاسن أخرى اعتبارية وهي صعوده المنبر مثلاً خاطباً. وركوبه الجواد وتقلده السلاح. وما أحسن الرجل إذا مشى وسيفه يمسّ الأرض. ثم قالت لو كنت أعرف القراءة والكتابة لألّفت على الرجال والنساء أكثر مما ألّف في جميع العلوم ذلك الشيخ الذي ذكرت لي اسمه سابقا وقد نسيته لكونه ميتاً. قلت هو الإمام السيوطي ﵀. قالت نعم أكثر من السيوطي ومن جميع السوطيين. قلت ومن السوطيين أيضاً. قالت ولكن الذنب على من غادرني بغير تعليم. لان العرب يزعمون أن علم القراءة مفسدة للنساء. وإن المرأة أول ما تستطيع ضم حرف إلى آخر تجعل منهما كتابا إلى عاشقها. مع أنها لو خليت وطبعها كان لها من حيائها وحشمتها عاضل أشدّ من الأب والزوج. بخلاف ما إذا حُظرت وحُجرت فإنها لا تنفك تحاول التملص والتغطي مما حُصرت فيه. فمثلها كمثل الماء كلما زاد انبعاثاً وجرياناً زاد صفاء وانسياغاً. أو كمثل السائر المسرع فإنه كلما زاد إسراعاً زاد حسّه ببرودة الهواء اكثر. قال فقلت في نفسي والله لقد أحسنوا لو أنها تعلمت القراءة والكتابة لما بقي في شعري بيت إلا وشطّرته وخمسته على غير ما قصدت. اللهم انقل معارفها إلى معارفها إلى ما يفيد واكفني شرّ المزيد.

стр. 170

حاشية من مرادف القوي الشديد أو الصلب الشديد وما في معناهما العتعت الكنبث الكندث المكلث المليث المغث العُضافج العفضج العُلَّج الهَمرَّج الصلودح الصلنقح الصمحمح الصميدح الكردح الكلدح الدحوح المجلندي الجلعد الجلمد الصلخد الصمقد الضهيد العربد العصلد الأقود الذفرّ الذمرّ الذيمري الزبرّ الزمرّ الصمعريّ الضَّبير الضبطر الضبغطري العيزار العشنزر القبعثري القناصر الكُماتر التيز الجليز الجلافز الخزاخز التُّرامز الدَّخْر الضبارز العضمَّز العلكز العلنكز الفيز الكلز الملزَّز الحُمارس الدخنس الدُراهس الدَلَهْمس المتشمسْ العترَس العكندَس العَمَرس القلمَّس القناعِس الهكَلسَّ الهملَّس الفُرافِص الكيص المتخمَّط الضَّبنَطي الضفطّ المعلّط الضَّليع الصَّنق الدمكمك الصَّمكيك الصَّملك العبَنَّك العَراك الجنعدل الحوّل العَرَنْدل العُنُثل الكمتلّ الكُنبل الكَنهدل النبتل البُهصم الدلظم المرجم الضرغامة العردم الفيم القرشم الهيزم الهيصم. الحرتة قد كان الكلام في الفارياق حالة كونه فردا مبرما فكيف به وقد صار الآن زوجاً. فأرى الآن تركه على الحالة الزوجية أولى. لأن حديثهما هذا كان في الليل فلا ينبغي التكدير عليهما فيه إلى أن يصبحا ويذهب هو إلى معبره أي موضع التعبير لذي عين له. ولعل الجناب الكريم أيضا متأهب بعد حُرتة هذه الأبازير إلى الفراش. فارقد هنيا. وإن حلمت ليلتك شيا فابلغه مسامع الفارياق فإنه أصبح اليوم من كبار المعبرين. الأحلام

стр. 171

ها هو الفارياق جالسا على كرسي وأمامه مائدة عليها كتب كثيرة ليسبينها صفحة من الطعام، وبين أصابعه قلم طويل وبين أصابعه قلم طويل وبين يديه دواة فيها حبر كالزفت. وقد شرع في تفسير أحلام رآها رئيس المعبر في منامه. الحلم الأول رأى الهالج المشار إليه إنه سافر إلى بلاد الهند فوجد فرسا في الطريق طاعنة في السن ولا سرج عليها. فلما رأته الفرس دنت منه ووقفت وهي تحمحم فجاوزها بعض خطي وإذا بها جرت وراءه فلما أدركته وقفت أيضاً فقال إن لهذه الفرس شأناً. أنى أريد أن أمسك بناصيتها لأنظر ماذا يكون من أمرها. فلما مسّها تطأطأت له كالمشيرة إليه أن اركب ولا تخف لعدم السرج. فركبها حيث كان قد أعيا من المشي وسار غير بعيد. وإذا هو بدكان سروجي فنزل عنها واشترى لها سرجا ثم ركب وسار في مضيق حرج فيه أشجار كثيرة. فنشب في رأسه بعض أغصان الشجر ومنعه من السير. فحاول أن يتقدم فلم يمكن له وأشفق أن يهمز الفرس للإقدام فوقف يتفكر فيما عرض له وهو متعجب جدّاً. واتفق انه مدّ يده وقتئذ ليحك رأسه فإذا به قد نبت له ستة قرون، اثنان من أمام على كل صدغ واحد واثنان من خلف واثنان في الوسط، وكان ذلك الغصن مشتبكا بها كلها. فتوصَّل إلى أن قطع الغصن من الشجرة لكنه بقي ناشبا في القرون. ثم سار وهو على هذه الحالة فكان كل من رآه يتعجب منه ويقول انظروا هذه القرون الستة في رأس هذا الرجل، وهو غير مكترث بهم، حتى إذا دخل في مأزق مظلم تشرف عليه صخور وجنادل صدم بعض الصخور أربعة من القرون. فانكسرت وسقطت وبقي له قرنان من أمام فقط، ولكن كان أحدهما يميل إلى الثاني ويماسه ثم صارا يتحاكان ويصطكان وكلما اصطكا سمع لهما صوت عظيم، فأقبلت الناس من بعيد تنظر إليه وتتفرج عليه. فلما ضاق بهم ذرعا ورأى كثرة الزحام مانعة له من السير عزم على الرجوع، فأبت عليه الفرس ذلك وصارت تثب وتطفر قدما وكلما ركلها برجله ازدادت وثبا وتقدما. فنظر إليها كالمتعجب منها فإذا بلونها قد تغير عن اصله. فقال في نفسه لعل هذه الفرس غير الدابة التي ركبتها أولا، فنزل عنها ليكشف عن سنها. فلما أراد أن يضع يده في حنكها رفسته وكدمته كدمة شديدة غشى عليه منها. قال فكانّ الفرس حين أبصرته مجندلا مصروعا رقت له فجعلت تنفخ في منخريه وتلحس مواضع القرون المكسورة منه حتى أفاق قليلاً. فطفق يئن ويجأر بالدعاء إلى الله لان ينجيه مما ألمّ به. فأشارت إليه الفرس برأسها أن اركب لنرجع من الطريق التي أتينا منها. فقام متجلداً وركب فلما وصل إلى ذلك الموضع الحرج نبتت فيه تلك القرون المكسورة وعادت كما كانت فكان يلمس عليها وهو سائر. فلما أمسى عليه المساء نزل في خان ليبيت فيه ليلته تلك. وأمر صاحب الخان بان يُعنى بدابته ويحضر له ولها عشاء. ولما انتبه صباحا وجد السرج قد سرق. فقال لصاحب الخان قد فقدت عندك سرج فرسي وما يتأتى لي أن أركبها بدونه. قال بل أنت مبطل فيما تدعيه فإنك حين قدمت كنت معرورياً لها. فلجّ بينهما الخصام وتماسكا بالجيوب. فلما علم انه لا ينتفع بشيء رضي من الغنيمة بالإياب. وقام إلى الفرس وركبها وبقي سائراً إلى المساء فوجد خانا آخر في الطريق فبات فيه. فلما اصبح الصباح وأراد أن يركب لم يجد اللجام. فجرى له مع صاحب الخان هذا ما جرى له مع ذلك ثم بات الليلة الثالثة في محل آخر وعند الصباح وجد فرسه بلا ذنب. وبقي كلما بات ليلة فقد عضوا من أعضاء الفرس حتى بلغ مدينته ساعيا على القدم وغابت عنه الفرس بالكلية. فأما القرون فزال منها أربعة بزوال الفرس وبقي منها الاثنان المتقدمان.

стр. 172

لما ألقي هذا الحلم القرني على الفارياق أخذ يعبث بشاربيه على عادته ويفرك جبينه بيده ويزوي ما بين عينيه. إلى أن اهتدى إلى تعبيره فكتب بجانبه ما صورته. هذا ما عّبر به العبد الذليل المسمى بالفارياق لجناب المولى المكرم السيد ذاهول بن غافول عن حلمه الذي رآه في منامه. إن الفرس كناية عن امرأة. والمشي والإعياء كناية عن العزوبة. والسرج كناية عن أدب المرأة. واللجام عن عرضها. والمكان الحرج كناية عن الولائم والمآدب والزيارات التي يتجشمها المتزوج ويدخل فيها رأسه ورأس امرأته. والغصن كناية عن بعض المدعوين الذين ينشبون في الزوجة. والقرون كناية عن الحالة الزوجية التي يكون عليها الرجل والمرأة. ونبتها واضمحلالها كناية عن تغيير تلك الحالة ورجوعها إلى ما كانت عليه. ومبيته في الخانات عن سفره بزوجته. وغياب الفرس كناية عن فقدها. وباقي الحلم مفهوم بالفحوى والله أعلم. فلما أخذ التعبير وأمعن النظر فيه مليا رجع إلى الفارياق عجلاً وعلى طلعته آثار الغيظ وقال: أن في تعبيرك خطأ من وجوه. الأول أن عبارتك موجزة بخلاف عادة المعبرين. والثاني أن الفرس ليست كناية عن المرأة فإن المرأة عندنا لا تكون دون الرجل أي تحته بل هي أعلى منه. فيجب أن يكون تعبيرك بحسب اصطلاحنا لا بحسب اصطلاحكم. والثالث أن اللجام لا يكون كناية عن عرض المرأة فإن اللجام إنما يوضع في الفم وعرض المرأة لا يكون في فمها. ولكن ينبغي الآن أن تدع هذا وتأخذ في تعبير الحلم الثاني . فاجتهد في التحرير والإسهاب. فعسى أن تصيب وتحرز الثواب. الحلم الثاني

стр. 173

رأى صاحب المعبر أطال الله بقاه. وعظم مقامه بين الهاجلين وأعلاه. أنه أراد يوماً أن يكتب خطبة يتلوها على القوم في يوم عيد. فأخذ القلم والقرطاس وكتب حرفاً واحداً وإذا بامرأة تدعوه من حجرتها ليجوربها. فترك الكتابة وحفد إليها. فلما حوربها ورجع رأى أن قد ضُمّ إلى ذلك الحرف حرف آخر بحبر غير حبره. فقال في نفسه ترى من دخل حجرتي وخط هذا الحرف الذي ناسب ما أردت من المعنى. ثم أخذ القلم وكتب حرفاً وإذا بامرأته تدعوه ليربط لها شراك نعلها. فقام إليها وفعل ما أمرته به ورجع فوجد حرفاً آخر قد أضيف إلى الثلاثة الأولى حتى تمت به الكلمة فزاد تعجبه من ذلك. ثم أخذ القلم وكتب كلمة تامة وإذا بامرأته تدعوه أيضاً ليمشطها الكُعْكُبة أو والله أعلم المقدّمة. فقام ومشطها برفق ولين ثم رجع كلمة تامى أضيفت إلى كلمته متلائمة بها. فأخذ القلم وكتب كلمتين فدعته امرأته ليجمرها. فترك الكتاب وقام ولما رجع وجد كلمتين ناميتين. فلما تكامل له سطر دعته أمرته ليعقد لها عظامتها. ثم رجع فوجد سطراً بجملته. حتى إذا تكامل له صفحة دعته امرأته أيضاً ثم رجع فوجد صفحة كاملة. وعند انتهاء الكراس وجد كراساً وقس على ذلك إلى أن كمل الكتاب. وكانت امرأته قد فرغت من تفلخها وزينتها. فحمل الكتاب إليها وأخبرها بما جرى له ففرحت بذلك فرحاً لا يوصف. وقالت له إنما حصل هذا ببركة خدمتك لي ومساعدتك إياي على إلباسي. فينبغي يا عزيزي أن تواضب عليها. فلما كان في الغد فعل ما فعله أمس من الكتابة والخدمة ووقع له فيهما عين ما وقع أولاً. فزاد سرور كل منهما به. فلما حان العيد صعد إلى المنبر وتلا الكتاب الأول فأدهش السامعين ببلاغته وانسجام عبارته ودقة معانيه، حتى إذا فرغ أخذ الناس يطرون عليه ويقولون له ما طرق مسامعنا كلام أبلغ من كلامك قط. فقال لهم هذا بيُمن الشراك فلم يفهموا ثم رجع إلى بيته مبتهجاً متهللاً وأخبر زوجته بما جرى. فقال له أن نصحني لك يا عزيزي أن تهجد في الخدمة والكتابة فإذا تكامل لك خمسون كتاباً نقصد بها بعض البلدان البعيدة فتتلوها هناك. لأنه لا يمكن لك في هذا البلدان أن تتلو خطبة إلا في يوم عيد والأعياد هنا غير كثيرة. ويكون من الخسران أن تبقي هذه الكتب الجليلة غير متلوّة. فقال لها الرأي ما رأيت. ثم أنهما للسفر إلى بعض البلاد المشرقية. ومعهما تلك الكتب قد ضمنت صناديق من خشب الساج نفسية وأنفقا عليها مبلغاً جزيلاً. فلما بلغا طيتهما اكتريا لهما داراً رحيبة مطلة على الحدائق الناضرة. وأرسل منادياً ينادي في الأسواق أن أحضروا يا قوم خطبة المولى ذاهول بن غافول في يوم كذا وساعة كذا. ليسمعكم من المعاني البديعة ما لم يطرق مسامعكم قط. فحشدت إليه الناس أفواجاً أفواجا ولما استقروا في المجلس صعد سلما كان قد نصب له فيه. وفتح ذلك الكتاب الأول الذي كان أعجب به قومه وإذا به ممحو لم يشترك إلا على الحروف التي كتبها بيده. فحاول أن يصل بعضها ببعض ليستخرج منها معنى ما فلم يمكن له. فنزل عن المنبر خجلاً وهكذا انتبه من نومه. التعبير هذا ما يعبره الفقير الفارياق للمولى ذاهول بن غافول. أن ما توهمته من ضم الحروف والكلمات والسطور والصفحات والكراريس والأسفار إلى كلامك الذي أعجب به قومك لم يصلح في غير بلادك لارتباطه بربط العظامة والشراك. والله أعلم فلما بلغت هذه العبارة للمشار إليه أقبل إلى الفارياق وهو يخبط الأرض برجله ويشمخ بأنفه قائلاً. هذا التعبير أفسد من التعبير الأول. وهذه العبارة أخصر من تلك فلا يكاد أحد يفهم ما نقول. وإذا تعبير الأحلام غامضاً مبهماً كالأحلام فلا موجب معبرين وتكليف الناس قراءة ما لا يفهم. فقال له الفارياق هكذا جرت العادة في بلادنا التي هي معدن الأحلام ومنبت التعبير. فإن رؤوسكم لم تكتسب هذه الخاصية إلا من رؤوسنا. ولولا حلماً واحداً. قال فكأن الرجل أنتبه من غفلته وسكن من ثورته. ثم قال قد بقي عليك الآن حلم واحد فهاكه. الحلم الثالث

стр. 174

رأى صاحب المعبر أطال الله مدة نياته عن الهالجين. وحقق أحلامه مع الفالجين. أن قد نصب له ذات يوم سلّم عال يشتمل على مائة درجة ليصعد إليه ويخطب القوم من أعلاه. فلما حلق لحيته وشاربيه ولبس ثيابه السلّمية أرسل من جمع القوم إلى موضع معيّن. وكانوا كلهم قد علموا بذلك من قبل وسبقوه إليه لما انه لبث ساعة امرأته حتى تقوم من الفراش فيرعّمها ويعانقها قبل توجهه. ثم تأبط كتابه وأقبل يجري إلى ذلك المحشد العظيم ولم يلتف يمنة ولا يسرة. فلما بلغ الموضع ورأى السلّم منصوباً والناس مجتمعين حوله كاد يطير من الفرح. فقال في نفسه هذه فرصة ما سمح الزمان لغيري بمثلها. فسأردّ اليوم هؤلاء القوم إلى بيوتهم بقلوب مثل قلبي وأخلاق كأخلاقي. ولو لم أعمل من الصالحات غير هذا لكفى. فقد كُتب اجري عند الله. ثم تمادى في الأفكار. وثمل من الاستبشار. واستقبل السلم وهو مدهوش. وما كاد يصل إليه إلا وقد مدّ رجله متفشّخاً إلى أول درجة منه دون أن يسلم على أحد من الحاضرين. ثم افتتح الخطبة بقوله الحمد لله الذي أمر بنصب السلم وارتضاه له عرشاً. فسمع أحد القيام هذا الاستهلال فأنكره. وقال لمن يليه ما أظن خطيبنا اليوم إلا معتوهاً. فلست أشاء أن أسمع منه أكثر من هذا ثم ولىّ. فصعد الخطيب الدرجة الثانية وقال: وجمع الناس هذا المحفل المبارك وكلهم فارش أذنيه للاستماع فرشاً. فسمع كلامه آخر من الوقوف فقال هذه الفقرة شرّ من الأولى. فإني لا أبالي بكون السلّم عرشاً أو نعشاً وإنما لإذني أن أفرشها ثم ولىّ. وما زال الخطيب يقول عند صعود كل درجة فقرة ركيكة مثل هذه وينفضّ عنه شخص وهو غير منتبه لما شمله من الفرح الذي أذهله من رؤيتهم حتى بلغ درجة المائة وقد انفض الناس كلهم عنه. فلما استقر عليها التفت يميناً وشمالاً فلم ير أحداً. فقال في نفسه قد الفت خطبتي وجمعت لها القوم. وهاهم قد تولوا وبقيت الخطبة معي فما لي لا أتلوها جهراً في هذا الموضع الشريف المترفع عن نجاسات الأرض وقذرها. فإن لم يسمعوها هم يسمعها الله وملائكته. فإنه يقال كلما بعد الإنسان عن الأرض زاد تقربه إلى السماء. ولست أرى موضعاً يصلح للخطب أكثر من هذا. ولعلَّ أحداً من المارين يلتقط كلمة مما أقول فتكون سبباً في خلاص نفسه ونفوس ذويه وجيرانه ومعارفه. فإن لفظة واحدة من فم واحد قد يكون فيها الموت والحياة.. ومن العيب أن أعود إلى زوجتي وأقول لها أن الخطبة بقيت غير متلوة. ثم انه مسح عرقه واصلح صوته وثيابه بعد أن جعل الخطبة على الكتاب وجثا يصلي قليلاً ويدعو الله لأن يلهم أحداً من الناس أن يمرّ به ويسمعه ثم قال ناشطاً مسروراً وقال. اسمعوا يا أخوتي الأحباء وأنصتوا اليوم لما أنا قائلة لكم. واتفق وقتئذ إن مر به رجل من الشعراء الغاوين. فلما سمعه يقول ذلك ولم ير عنده أحداً وقف وقال من أطلع هذا المجنون إلى رأس هذا السلّم. وأين اخوته الذي يخاطبهم أم عساه يكلم الجنّ في الهواء أن في هذا لعجبا. ثم صاح به انزل يا راجل ولا تعرض نفسك للهزء والسخرية إذ ليس يسمعك من عباد الله أحد. فلم ينتبه له الخطيب لأنه كان شاخص البصر نحو السماء. فاعتقد الرجل بأن به لمماً. فأراد أن ينزله بأية وسيلة كانت وأخذ في قطع أوتاد السلم وإطنابه. فلم يشعر إلا والسلم قد تقوض وسقط معه الخطيب وكتابه على رأسه أي على رأس الشاعر. فتهشم كل منهما وتحطم. التعبير لا ينبغي للخطيب أن يكون ثرثاراً. وإن داوم المولى الطرّاد على الثرثرة فلا يأمن منان يسقط سقطة تدق بها عنقه والله اعلم. فكان هذا التعبير أنكى له وأقهر مما تقدم وذلك لنهيه عن كثرة الكلام ولو جازة العبارة. فلما كان بعد أيام جاءه برقعة فيها ما صورته: حلمت أن رجلاً من أصحابي قد أهدى إليّ قنبيطا مما ينبت في سهل الأردنّ. فاتخذت منه عشاء وبت فرأيت أني دككت أسوار مدينة في الجو تشبه مدينة أريحا في حصانتها ومناعتها. فكتب الفارياق بجانبه. إذا ما تعشَّى القُنَّبِيط جراضم ... رمى الجوَّ من برج أسته بجلاهق فيفعم ثقْبي منخريه عجاجها ... فيرجع أيضاً سبكها كالبنادق

стр. 175

فطالع امرأته بذلك فقالت لعلّ الرجل قد ألف الآن هواء البلاد فإني أراه ابتدأ يصيب. وقد ذهبت عنه تلك الحدة التي كانت تظهر سابقا في حركاته وكلامه. فسأجربها أنا الآن بنفسي في حلم رأيته البارحة. ثم أخذت رقعة وكتبت فيها. رأت السيدة ورها زوجة السيد ذاهول بن غافول ان بيدها قفلاً مصقولاً مجلوّاً ذا ثقوب كثيرة. وبيد زوجها مفتاح ذو ثقب واحد وقد صدئ. فكتب الفارياق تحته: المرء والمرأة سيان في الميل ... إلى العشق وحبّ السفاح لكنّ ذا مفتاحه يهي ... وتلك مأمون لها الانفتاح فلما اطلّعت على المعنى قالت لزوجها هذا ما خطر ببالي قبل تعبيره. فما أقربه الآن إلى الصواب فخذ هذه الرقعة الأخرى. فتناولها الفارياق وإذا فيها: رأت السيدة ورها إن قد كتبت على جبين زوجها عدد اثنين. فلما ابصر نفسه في المرآة حاول أن يمحوهما. فبادرته وأمسكت يده فلم يقدر إلا على محو واحد فقط ولكن بقي الأخر غير ظاهر ظهوراً بيناً. فكتب تحته: فرض علي الزوج أن يكفي حليلته ... في كل ليل ونفل بعده يُرضي فإن تبدَّل لفظ الفَرض بالرفض ... تبدَّلت هي معنى العِرض بالعَرض فاستحسنت البيتين جداً ثم ناولت زوجها رقعة أخرى كتبت فيها. رأت السيدة ورها سيدة السيد ذاهول بن غافول أنها ترى الأسود بعينها اليمنى أبيض. والأبيض بعينها اليسرى اسود. فكتب تحته: رضاء الزوج صعب أي صعب ... ولاسيما إذا رأت المعَنّى فتنظر فيك كل الحسن قبحا ... وتنظر فيه كل القبح حسنا فاستظرفتهما وقالت لزوجها أراه يحسن تعبير الأحلام النسائية القصيرة. فاحلم لي الآن يا عزيزي حلماً قصيراً واكتبه في رقعة وأنا أنا وله إياها لننظر هل يستمر على هذه الطريقة معك أو لا. فلما كان الغد جاءته برقعة فيها. رؤى في المنام شيء مطاول. ثم ظهر لعين الرائي مستديراً ثم مطاولاً ثم مستديراً وهلم جرّا. فكتب الفارياق تحته. قد كنت أحسب هيئة الدنيا ... نظير الفرج إذ في القدر يشتبهان حتى استبانوا أنها كالإست ت ... ويراً فقلت تقارب الشَبهان فلما أطلع زوجته عليهما ضحكت وقالت أراه لا يتأدب إلا معي. وأنه ليشمّ الأمور النسائية شما فإن هو إلا زير نساء. ولكن لا بأس في أن تجربه بحلم آخر وبعد ذلك نرى ما الذي ينبغي أن نصنعه معه. فلما كان الغد جاءه برقعة فيها. قد رأيت أن يدا خطت على صدغي عدد ثلاثة ثم توارت. فمددت يدي إلى صدغي لأحكه فمحت من العدد سنّين فصار الباقي واحدا ذا عوج. فكتب الفارياق تحته. تكلفني زوجي ثلاثا ولم أطق ... سوى صرعة العجز من ذاك لامني فقلبي وطرفي لا يملان بتّة ... كمهبلها لكن ذلك لا يغني فأخذ الجواب واقبل يهرول إلى امرأته. فلما اطلعت عليه ضحكت وقالت إنه لا يزايد معك إلا جنونا وسفاهة. فينبغي الآن أن تدعه حتى حين وقم أنت إلى الصرعة. فقاما إليها واستراح الفارياق منهما أياما. إصلاح البخر

стр. 176

كان قد بلغ مسامع حاكم الجزيرة أن الفارياق قدم إليها لتعبير الأحلام وإنه خبير بهذا الفن جداً. وأن به ملكة أيضا على إصلاح البخر. فبعث إليه ذات يوم بعض حجاّبه يقول لهان الحاكم يدعوك إليه لمسألة مهمة فلابد من أن تفد عليه. فلما حانت الساعة توجه الفارياق إليه وهو موجس من أن يكون الحاكم قد حلم حلما حكيماً جليلا يعسر عليه تعبيره. لأن العظماء لا يحلمون إلا الأحلام العظيمة. فهم منزهون عن جلاهق القنّبيط ووهي المفتاح والصرع وغير ذلك من الأحوال الخسيسة اللائقة بالصعاليك. فلما مثل بمجلس الحاكم قال له قد بلغني قدومك إلى هذه الجزيرة عند الخرجي. وإنه قد ضايقك بكثرة أحلامه وما كفاه ذلك حتى علم زوجته أيضاً أن تحلم مثله. فهل لك الآن في تعاطي مصلحة لدينا تخفف عنك أحلامه وتثقل كيسك. قال ما هي يا سيدي؟ قال إن عندنا في هذه الجزيرة قوما بخرا لا يطيق أحد أن يفهم منهم شيئا إذا تفوهوا لشدة بخرهم. وقد سمعت انك قادرا على علاجهم فهل لك في إصلاحهم ولك عندنا مكافأة الحسنة. قال الأمر إليك يا سيدي ولكني كاهن المعّبر. قال أنى باعث الآن إلى الخرجي من يخبره بذلك فلا تخش منه ضيرا. قال جزاك الله خيراً أنك أهل للخير والفضل. ثم انصرف من حضرته من غير أن يرجع القهقري. لان حكام الإفرنج لا ينكرون على الرجل أن يروا منه قفاه أو ظهره أو بطنه لا بل بطونهم أظهر من ظهورهم. فلما بلغ إلى منزله واخبر زوجته بذلك وكانت قد ابتدأت تتهجى قالت. بورك من يوم أني رأيت فيه بدكان جوهري عقدا نفسياً. وكأني رأيت عليه حروفاً ظهر لي أنها ك س ب ال ب خ ر فهل يخرج منها معنى. قال يخرج منها معنى أني اشتريه لك من الدراهم التي تحصل لي من وظيفة البخر. قالت نعم فإني كنت أسمع أمي تقول لأبي أن الرجل إذا بذل رأس ما يتحصل بيده من الأموال في شراء حلي ولباس لزوجته بارك الله له في ذنبها. أي في ذنب الأموال لا في ذنب امرأته. قال فما الفائدة إذاً من هذا البذل إذا لم تشمل البركة الطرفين؟ قالت لزيادة جمال زوجته. قال أما أنا فراض بما فيك من الحسن الطبيعي فلمن هذه الزيادة. قالت هي تزيدك حباً إليّ. وتبعث غيرك أيضا على أن يحسدوك عليّ. ويتمنوا لو أني كنت لهم. قال اللهم اكفني شر المزيد. ولكن لابد من شراء العقد. فهو أولى من انحلال العقد. فوعدها بذلك فاتعدت بحمد الله ولمست جيدها. فلما مضى الشهر وقبض المرتب له أنجز لها وعده. فقالت هو من دراهم البخر ولكنه أحسن من الندّ. لقد قسم الله بيننا أعدل قسمة خذ أنت دراهم الهُلج واعطني دراهم البخر. فقد رضيت بهم. قال فقلت لها لا تقولي بهم ولكن بها. فإن بهم يرجع إلى البخر. قال فهي نمت بكلام لم اسمعه كله وإنما سمعت من آخره قولها وأي ضرر من هم. فقلت لها وأي حيزبون أنت. فالتفتت إلى الباب فلم تر أحداً فقالت أين الزبون؟ ثم استمر الفارياق في الوظيفتين المذكورتين معبراً ومصلحاً مدة مكنته من حل مشاكل زوجته. وأتخذ له متاعاً فاخراً وآنية وصار يدعو ويصنع لهم ولائم.

стр. 177

وكان للحاكم عادة أن جميع المعروفين في خدمته إلى ليلة عيد يرقص فيها الرجال والنساء بحضرته. وكان من جملة المدعوّين الفارياق وزوجته. فلما رأيت الرجال يرقصون وهم مخاصرون للنساء قالت لزوجها. هل هؤلاء النساء أزواج هؤلاء الرجال قال منهن هكذا ومنهن بخلاف ذلك. قالت وكيف يخاصرونهن إذاً. قال هذه عادة القوم منا وفي سائر بلاد الإفرنج. قالت وبعد المخاصرة ما يكون منهم. قال لا أدري ولكن بعد انفضاض الناس يذهب كلّ إلى منزله. قالت أشهد بالله أنه ما خصر رجل امرأة إلاّ وباطنَها. قال لا تسيئي الظن إنها عادة قد مشوا عليها. قالت نعم هي عادة ونِعْمت العادة. ولكن كيف يكون إحساس المرأة حين يلمسها رجل جميل في خصرها. قال فقلت لا أدري إنما أنا رجل لا امرأة. قالت ولكن أنا أدري أن الخصر إنما جعله الله في الوسط مركزاً للإحساس الفوقي والتحتي. ولذلك كانت النساء عند الرقص والقرص في أي موضع كان من أجسامهن يبدين الحركة من الخصر ثم تنفست الصعداء وقالت يا ليت أهلي علموني الرقص. فما أرى فيه لأنثى نقص. فقلت لو فتحت الصاد في كل من المصراعين لكان بيتاً مطلقاً. فقالت يا للفضيحة بين الأنام. أتقول هذا الكلام في مثل هذا المقام. قلت هيت إلى البيت. فقد كفاني ما سمعت الليلة وما رأيت. قالت لا بد من أن أرى ختام الرقص. قال فلبثنا إلى الصباح ثم انصرفت بها فكانت تقول وهي سائرة نساء مع رجال راقصات. رجال مع نساء راقصون. راقصات راقصون راقصات. فقلت فاعلات فاعلون فاعلون فاعلات. قالت الرجال والنساء والبنون والبنات. كيف- متى- أين. ثم وبعد أيام ورد على الفارياق حلم مشكل في وحش ذي قرون وأذناب كثيرة وشيات وبقع شتى في جلده. وأراد صاحب المعبر أن يعرف تأويل كل قرن وسرّ كل بقعة. إيشاؤه فذهب إلى منزله مبتئساً متسخطاً. فقالت له زوجته ما بك قال همّ ونكد. قالت ما سببه قال كلما تخلصت من ورطة وحلت في أخرى شر منها. قد كنت من قبل مداحاً للسري بما لم أرد ثم صرت عشير المجانين. ثم معبّر الأحلام. ثم مصلح البخر. وكل ذلك على غير ما أورم فما أنكد هذه المعيشة وأضيق هذه الدنيا عليّ. أليس في الأرض مندوحة عن هذا. قالت خفف عليك يا سيدي أن كل إنسان في الدنيا له نصيب من الحزن والهم. حتى المرأة أيضاً لا تخلو من الهمّ فدأبها كل يوم أن تزجج حاجبيها. وتكحل عينيها. وتورد خدّيها. وتخفف خطو قدميها. وتنظر في المرآة مائة مرة كيلا شعرة قد انفردت عن سائر شعرها. ثم تخاطب نفسها في المرآة وتضحك وتتبسم وتُهلس وتغمز وتلوي جيدها وعطفها وتتنفس الصعداء وغير ذلك لتعلم كيف تبدو منها هذه الأفعال في عيون الناس. قال فقلت أهذا وقت الجد أم الهزل أنا أقول لك أن للوحش أذناباً وقروناً وشيات لا تحتمل التأويل وأنت تذكرين الغمز والابتسام والتكحيل. قالت ليس في كل يوم يأتيك وحش مثل هذا وإنما هّم النساء في كل صباح ومساء ضربة لازب. وحسبنا بالغربة هّماً وحزناً.

стр. 178

قالت أما أنت قريرة العين هنا وقد تمتّعت بالحرّية في الخروج وحدك. وفي رؤية الناس وفي رؤيتهم لك بما لم تعديه من قبل في دولة البرقع والحبرة. قالت إنما ينغصني كوني لا أستطيع أن أبلغ أهل مصر أي النصارى منهم قبطيهم وشاميهم ما يراد من الزواج مما لم يعرفوه بعد فإنهم يحسبون أن الله تعالى إنما خلق المرأة لمرضاه الرجل في فراشه وخدمته بيته فترى طلعة الرجل منهم إذا جاء منزله وواجه امرأته كطلعته حين غاب عنها سواء. وإنه ليقعد بعيداً عنها قعدة المستريب المتفكّن. وإذا نظر إليها فما ينظر إلا إلى شعرها ليرى به شعث أو لا. ثم هو لا يصلحه لها أمام الناس إذا شعثته الريح وغيرها. ولا يلبسها ولا يأخذ بذراعها إذا تماشيا بل قلما يمشي معها إلا إذا سارت لتنظر أهلها غيرة عليها من أن يكلمها أحد في الطريق أو يراها فترجع حبلى من النظر بفذّ ومن الكلام بتوأمين. فإذا حضر الطعام تعشى وهو ساكت وجم كأنما يأكل شيئاً مسموماً. وربما كلفها غسل رجليه قبل النوم أو تكبيسهما حتى يجيئه النعاس. وفي خلال ذلك يرمش ويرضك ويتثاءب ويتمطى. ثم يرقد دون عفز ولا حفز. وكلما كان عيد لأحد مناجيف الرهبان تابل عنها ويلزمها أن تقول له بحضرة الناس نعم يا سيدي. وأحسنت يا سيدي. وربما كان ذلك السيد سيداً عملَّساً. أو كان من أكبر الحمقى وكانت هي رشيدة لبيبة فلا يسعها إلاّ أن تتبعّل له. ولا يمكنها إذا رأت منه غواية أن ترده إلى طريق الصواب. فقد تقرر في عقول النَّوكي المآفيك أن عصيانهن طاعة لله. حتى إذا وقع منكوساً على أم رأسه رجع إلى امرأته باللوم والتبكيت. قال قلت قد روى عن النخعي إنه قال من أشرا الساعة طاعة النساء. فقالت كأني بالإفرنج قد حشروا أو يحشرون الليلة. ثم استمرت تقول وأقبح من هذا كله أن الرجل عندنا إذا كان كهلاً لا يستحي أن يتزوج ببنت لم يأت عليها بعدُ نصف عمره. فإذا استقرت عنده شرع في تربيتها وتنبيتها وتوليدها من ذي أُنُف وعاملها بالنفاق والدهان. فقد يكون خبيثاً فاجراً ويوهمها إنه ذو صلاح وتقوى يتّورع من اللهو والسماع وعشرة الفتيان الكيّسين. وما يخطر بباله أن مغايرة السنّ بين الرجل وامرأته هي أعظم الأسباب الباعثة لها على فركه. بل يعتقد أن مجرد كونه فاعلاً وكونها مفعولاً يقضي له بالمزية والفضل عليها. فقلت ان دعوى الفاعلية ما أراها إلاّ باطلاً. فإن المفاقمة والمباضعة وأخواتها تدّل على إن الفعل مشترك بين أثنين. وإنما الأفضلية باعتبار البادئ. قالت ليس الابتداء متعيناً على واحد دون الآخر فأيهما بدأ صحَّ. فلا مزية لأحدهما على صاحبه. هذا وكم من مرة لمجرد هذا الوهم يغادر الرجل امرأته وحدها في البيت ويقضي ليلته عند أحد أصحابه. فيتعاطى معه المدام حتى يسكر ويذهب ما عنده من قليل العقل. فلا يقدر على الرجوع إلاّ إذا حمل بين أثنين كالجنازة. ثم هو لا يفرق بين أن تكون زوجته حبلى أو غير حبلى. فتراه يكلمها وهي في تلك الحالة بعين الكلام الذي كان يكلمها بهمن قبل. وربما دمق عليها كالضاغب فمناها بمرعبة. أو اسمعها الضَّبَعْطَي والضَّبَغْطَي والضَبَغْطَرَى وأية ودُخْدُخ وهَجاجَيْك وهذاذيك. أو كان عليها دَبُوقاء أو لزاقاً وطبَاقاء أو عَباقاء أو عَياباً أو عَباماء.

стр. 179

فنهاية رفقة بها وشفقته عليها إنما هو أن يشتري لها جارية أو يستخدم وصيفة. وليس المقصود مجرد تخفيف الشغل عنها وإنما المقصود جعل الأمَةَ أو الخادمة رقيبة عليها حتى لا تخونه في عرضه. ولا أقول في ماله لأنه لا يخرج من البيت إلا بعد أن يقفل صناديقه. مع أن الجارية لا تكون إلاّ ذات ضلع مع سيدتها عليه وان شتمتها بين يديه وإهانتها: لأنها لا يهمها كون سيدتها تحب واحداً من الرجال أو أثنين أو عشرة. بل يهمها أن تنال عندها الطيب من المأكول والمشروب. فإذا كانت زلّة سيدتها كما يقال تحت يدها أدلَّت عليها بتلك الزلة وتجرأت على أن تطلب منها ما تشاء. لا بل تتمنى أن سيدتها تكثر من العشاق ما استطاعت. لأنها تؤمل منهم الصلة والإحسان. ومعلوم إنه كلما كثرت العشاق كثرت الصلات. وبعدُ فإن من طبع النساء في كل زمان ومكان الارتياح إلى شواغل الهوى وبواعث العشق وان يرين أهل الدنيا كلها مسترسلين إليها ومنهمكين فيها فالجارية التي تكون عند سيدة حرّة على فرض صحة ذلك لا تلبث أن تغاضب سيدتها حتى تغري زوجها ببيعها فيقع نصيبها عند أخرى غير حرّة. غير أن الرجال مغفلون. نعم هم مغفلون. فأما تبجحهم بكونهم يشترون لأزواجهم حلياً في ربيع يُسْرهم فذلك عائد إلى خبرهم. لأنهم لا يلبثون أن يسلبونهن إياها في خريف عسرهم وأفلاسهم. فأية امرأة ترضى لنفسها بان تقعد في بيتها كالفرس المسرج المعدَّ للركوب وهي محرومة من معاشرة الناس. قال فقلت والله ما قلت كلاماً أحسن من هذا. وهذه آثار النجابة بدت تسطع من طباعك فحيّاك الله وبيّاك. قالت وما بياك قلت ليس بشيء. قالت ولكنها عندي حسنة للازدواج. قلت كأنك تقولين إنه من قبيل تزويج لفظة بأخرى فيشم منه رائحة الزواج. قالت نعم الزواج سارَّ حتى في الألفاظ. قلت ولكن بقي لي عليك اعتراض وهو انك عرّضت في أول خطبتك هذه البليغة التي أفادتني اكثر من خطب صاحب المعّبر بأني اصلح شعرك وثيابك أمام الناس. أو بأنه يلزمني أن أفعل ذلك وهو مما فات فكري. قالت انك لمَّا تفعله ولكن ستفعله أن شاء الله عن قريب. فأني أراك تقدر النساء ولا تبخسهن حقهن وإني واحدة من عباد الله هؤلاء. سفر ومحاورة

стр. 180

ثم لما كان الغد ذهب الفارياق إلى المعبر وهو موجس من تعبير الوحش. فجاءه الرئيس يقول قد عنّ لي أن أسافر إلى أرض الشام لأجل تغيير الهواء. فإن هواء ذلك القطر والأحلام فيه تصح ويسهل تعبيريها. وأني أراك مثلي ضعيف القوى ناحل الجسم فتجهز للسفر فعسى الله أن يوفق لنا أسبابه ونعود بخير. فاستأذن الفارياق الحاكم في ذلك فأذن له كرماً وتفضيلاً. فأقبل على زوجته يودعها ويقول: عهدي إليك يا زوجتي بادئ بدء أن تتذكري السطح فيبعثك على حفظ العهد والوداد. وأن تعني بأمر الذي أغادر عندك معه كبدي. وإذا أتاك فاسق بنبأ عني فتثبتي. إي إذا قال لك غداً أحد ممن حسدني عليك قد مات زوجتك في البحر وأكله الحوت ولم يبق في علم الوجود سوى أسمه فلا تركني إليه قبل أن يرد إليك كتاب مني تعتمدين عليه قالت ولكن تكتب لي إذا كان الخبر صحيحاً. قال فقلت يكتبه لك صاحب المعبّر. ولكني أرجو أن أصل سالماً وتقر عيني برؤية أهلي وأهلك وأبلغهم سلامك. قالت إلا تعين لي مدة لإرسال الكتاب. قلت شهرين. قالت هذا دهارير أية امرأة تصبر شهرين. قلت نحن سائرون في سفينة الريح فإن الطبيب قال لصاحب المعبر أنها أوفق من سفينة النار لما في هذه من رائحة الفحم التي تضر بالمصدورين. قالت أفعل ما بدأ لك ولكن أحذر من أن تفيق وتهوى غيري. قلت إنما أحذر من الثانية لا من الأولى. قالت لا بل مني فأحذر. قلت إنما عنيت أني أحذر من الهوى. قالت نعم إياك وإياه فأنه يزيدك ضني. قلت ليست البلاد التي نقصدها مظنّة لذلك. كهذه الجزيرة. قالت النساء والرجال في جميع البلاد سواء. ولا سيما أنك الآن في زي غريب والنساء كلهن تهافتن على الغريب. كما أن الرجال يتهافتون على الغريبة. قلت قد فهمت هذا التعريض غير أن المرأة المصونة إذا دخلت بين جيشين تخرج كما دخلت. قالت نعم تدخل امرأة. قلت وأين المصونة أراكِ حذفتها. قالت في زمن الفِطَحْل. قلت وما الفطحل. قالت دهر لم يخلق الناس فيه بعدُ. قلت من أين علمت هذه اللفظة الغربية. قالت سمعتك مرة تقولها فحفظتها وهو دليل على التهافت على الغريب. ثم سكنت مفكرة ثم ضحكت. فقلت لها ممّ تضحكين أمن الفطحل؟ قالت لا وغنما ذكرت حكاية عن امرأة سافر عنها زوجها فضحكتُ. قلت وما هي قلت كانت امرأة متزوجة برجل يربيها في بعض أحواله ولم تكن على يقين مما رابها منه. وأتفق أنه سافر عنها فحزنت لفراقه لكنها ظلت واحدة عليه. فجعلت مرة تدعو له وأخرى تدعو عليه. وقالت وأن كان بريئاً بلغته دعواتي الصالحة وإلا فيلحقه غيرها. فقلت هل في نيّتك إذاً أن تحاكيها. قالت معاذ الله أن أدعو. قلت قولي لك أو عليك حتى يفهم المعنى. قالت عليك قلت لله أنت ما أرى لي من يديك منجي. فالتفتت إلى الباب وقالت ما جاء أحد. قلت دعيني بحقك من الزبون ومن جاء فأنا الآن على جناح السفر. قالت سِرْ في أمن الله ولا ترتَبْ فإن للهزل وقتاً وللجد وقتاً وعرض المرأة هو من الأخير. قلت وهذا أيضاً كلام موجه كأنك تقولين أنه ليس من الأمور المقدمة. قالت ألا كن مطمئناً سواء كان من هذا أو ذاك فإنك ستجدني كما فأرقتني إن شاء الله. قال فوّدعتها والدمع هامل على جيدها وبكت هي أيضاً لفراقي فإنها كانت أول غيبة عنها. وكان من خلقها إذا بكت أن تبدو في طلعتها لوائح وجد شائقة. وملامح حسن رائقة. والنساء أشوق ما يكون إذا بكين. ولكن لا يكن كلامي هذا باعثاً على ضربهنّ شلت يدا من مسهن عن غضب. قال فتزايد بكائي لبكائها وأحسست ح بلوعة الفراق.
следующие страницы →