Полный текст (294 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
كان قد بلغ مسامع حاكم الجزيرة أن الفارياق قدم إليها لتعبير الأحلام وإنه خبير بهذا الفن جداً. وأن به ملكة أيضا على إصلاح البخر. فبعث إليه ذات يوم بعض حجاّبه يقول لهان الحاكم يدعوك إليه لمسألة مهمة فلابد من أن تفد عليه. فلما حانت الساعة توجه الفارياق إليه وهو موجس من أن يكون الحاكم قد حلم حلما حكيماً جليلا يعسر عليه تعبيره. لأن العظماء لا يحلمون إلا الأحلام العظيمة. فهم منزهون عن جلاهق القنّبيط ووهي المفتاح والصرع وغير ذلك من الأحوال الخسيسة اللائقة بالصعاليك. فلما مثل بمجلس الحاكم قال له قد بلغني قدومك إلى هذه الجزيرة عند الخرجي. وإنه قد ضايقك بكثرة أحلامه وما كفاه ذلك حتى علم زوجته أيضاً أن تحلم مثله. فهل لك الآن في تعاطي مصلحة لدينا تخفف عنك أحلامه وتثقل كيسك. قال ما هي يا سيدي؟ قال إن عندنا في هذه الجزيرة قوما بخرا لا يطيق أحد أن يفهم منهم شيئا إذا تفوهوا لشدة بخرهم. وقد سمعت انك قادرا على علاجهم فهل لك في إصلاحهم ولك عندنا مكافأة الحسنة. قال الأمر إليك يا سيدي ولكني كاهن المعّبر. قال أنى باعث الآن إلى الخرجي من يخبره بذلك فلا تخش منه ضيرا. قال جزاك الله خيراً أنك أهل للخير والفضل. ثم انصرف من حضرته من غير أن يرجع القهقري. لان حكام الإفرنج لا ينكرون على الرجل أن يروا منه قفاه أو ظهره أو بطنه لا بل بطونهم أظهر من ظهورهم.
فلما بلغ إلى منزله واخبر زوجته بذلك وكانت قد ابتدأت تتهجى قالت. بورك من يوم أني رأيت فيه بدكان جوهري عقدا نفسياً. وكأني رأيت عليه حروفاً ظهر لي أنها ك س ب ال ب خ ر فهل يخرج منها معنى. قال يخرج منها معنى أني اشتريه لك من الدراهم التي تحصل لي من وظيفة البخر. قالت نعم فإني كنت أسمع أمي تقول لأبي أن الرجل إذا بذل رأس ما يتحصل بيده من الأموال في شراء حلي ولباس لزوجته بارك الله له في ذنبها. أي في ذنب الأموال لا في ذنب امرأته. قال فما الفائدة إذاً من هذا البذل إذا لم تشمل البركة الطرفين؟ قالت لزيادة جمال زوجته. قال أما أنا فراض بما فيك من الحسن الطبيعي فلمن هذه الزيادة. قالت هي تزيدك حباً إليّ. وتبعث غيرك أيضا على أن يحسدوك عليّ. ويتمنوا لو أني كنت لهم. قال اللهم اكفني شر المزيد. ولكن لابد من شراء العقد. فهو أولى من انحلال العقد. فوعدها بذلك فاتعدت بحمد الله ولمست جيدها. فلما مضى الشهر وقبض المرتب له أنجز لها وعده. فقالت هو من دراهم البخر ولكنه أحسن من الندّ. لقد قسم الله بيننا أعدل قسمة خذ أنت دراهم الهُلج واعطني دراهم البخر. فقد رضيت بهم. قال فقلت لها لا تقولي بهم ولكن بها. فإن بهم يرجع إلى البخر. قال فهي نمت بكلام لم اسمعه كله وإنما سمعت من آخره قولها وأي ضرر من هم. فقلت لها وأي حيزبون أنت. فالتفتت إلى الباب فلم تر أحداً فقالت أين الزبون؟ ثم استمر الفارياق في الوظيفتين المذكورتين معبراً ومصلحاً مدة مكنته من حل مشاكل زوجته. وأتخذ له متاعاً فاخراً وآنية وصار يدعو ويصنع لهم ولائم.
стр. 177
وكان للحاكم عادة أن جميع المعروفين في خدمته إلى ليلة عيد يرقص فيها الرجال والنساء بحضرته. وكان من جملة المدعوّين الفارياق وزوجته. فلما رأيت الرجال يرقصون وهم مخاصرون للنساء قالت لزوجها. هل هؤلاء النساء أزواج هؤلاء الرجال قال منهن هكذا ومنهن بخلاف ذلك. قالت وكيف يخاصرونهن إذاً. قال هذه عادة القوم منا وفي سائر بلاد الإفرنج. قالت وبعد المخاصرة ما يكون منهم. قال لا أدري ولكن بعد انفضاض الناس يذهب كلّ إلى منزله. قالت أشهد بالله أنه ما خصر رجل امرأة إلاّ وباطنَها. قال لا تسيئي الظن إنها عادة قد مشوا عليها. قالت نعم هي عادة ونِعْمت العادة. ولكن كيف يكون إحساس المرأة حين يلمسها رجل جميل في خصرها. قال فقلت لا أدري إنما أنا رجل لا امرأة. قالت ولكن أنا أدري أن الخصر إنما جعله الله في الوسط مركزاً للإحساس الفوقي والتحتي. ولذلك كانت النساء عند الرقص والقرص في أي موضع كان من أجسامهن يبدين الحركة من الخصر ثم تنفست الصعداء وقالت يا ليت أهلي علموني الرقص. فما أرى فيه لأنثى نقص. فقلت لو فتحت الصاد في كل من المصراعين لكان بيتاً مطلقاً. فقالت يا للفضيحة بين الأنام. أتقول هذا الكلام في مثل هذا المقام. قلت هيت إلى البيت. فقد كفاني ما سمعت الليلة وما رأيت. قالت لا بد من أن أرى ختام الرقص. قال فلبثنا إلى الصباح ثم انصرفت بها فكانت تقول وهي سائرة نساء مع رجال راقصات. رجال مع نساء راقصون. راقصات راقصون راقصات. فقلت فاعلات فاعلون فاعلون فاعلات. قالت الرجال والنساء والبنون والبنات. كيف- متى- أين.
ثم وبعد أيام ورد على الفارياق حلم مشكل في وحش ذي قرون وأذناب كثيرة وشيات وبقع شتى في جلده. وأراد صاحب المعبر أن يعرف تأويل كل قرن وسرّ كل بقعة. إيشاؤه فذهب إلى منزله مبتئساً متسخطاً. فقالت له زوجته ما بك قال همّ ونكد. قالت ما سببه قال كلما تخلصت من ورطة وحلت في أخرى شر منها. قد كنت من قبل مداحاً للسري بما لم أرد ثم صرت عشير المجانين. ثم معبّر الأحلام. ثم مصلح البخر. وكل ذلك على غير ما أورم فما أنكد هذه المعيشة وأضيق هذه الدنيا عليّ. أليس في الأرض مندوحة عن هذا. قالت خفف عليك يا سيدي أن كل إنسان في الدنيا له نصيب من الحزن والهم. حتى المرأة أيضاً لا تخلو من الهمّ فدأبها كل يوم أن تزجج حاجبيها. وتكحل عينيها. وتورد خدّيها. وتخفف خطو قدميها. وتنظر في المرآة مائة مرة كيلا شعرة قد انفردت عن سائر شعرها. ثم تخاطب نفسها في المرآة وتضحك وتتبسم وتُهلس وتغمز وتلوي جيدها وعطفها وتتنفس الصعداء وغير ذلك لتعلم كيف تبدو منها هذه الأفعال في عيون الناس. قال فقلت أهذا وقت الجد أم الهزل أنا أقول لك أن للوحش أذناباً وقروناً وشيات لا تحتمل التأويل وأنت تذكرين الغمز والابتسام والتكحيل. قالت ليس في كل يوم يأتيك وحش مثل هذا وإنما هّم النساء في كل صباح ومساء ضربة لازب. وحسبنا بالغربة هّماً وحزناً.
стр. 178
قالت أما أنت قريرة العين هنا وقد تمتّعت بالحرّية في الخروج وحدك. وفي رؤية الناس وفي رؤيتهم لك بما لم تعديه من قبل في دولة البرقع والحبرة. قالت إنما ينغصني كوني لا أستطيع أن أبلغ أهل مصر أي النصارى منهم قبطيهم وشاميهم ما يراد من الزواج مما لم يعرفوه بعد فإنهم يحسبون أن الله تعالى إنما خلق المرأة لمرضاه الرجل في فراشه وخدمته بيته فترى طلعة الرجل منهم إذا جاء منزله وواجه امرأته كطلعته حين غاب عنها سواء. وإنه ليقعد بعيداً عنها قعدة المستريب المتفكّن. وإذا نظر إليها فما ينظر إلا إلى شعرها ليرى به شعث أو لا. ثم هو لا يصلحه لها أمام الناس إذا شعثته الريح وغيرها. ولا يلبسها ولا يأخذ بذراعها إذا تماشيا بل قلما يمشي معها إلا إذا سارت لتنظر أهلها غيرة عليها من أن يكلمها أحد في الطريق أو يراها فترجع حبلى من النظر بفذّ ومن الكلام بتوأمين. فإذا حضر الطعام تعشى وهو ساكت وجم كأنما يأكل شيئاً مسموماً. وربما كلفها غسل رجليه قبل النوم أو تكبيسهما حتى يجيئه النعاس. وفي خلال ذلك يرمش ويرضك ويتثاءب ويتمطى. ثم يرقد دون عفز ولا حفز. وكلما كان عيد لأحد مناجيف الرهبان تابل عنها ويلزمها أن تقول له بحضرة الناس نعم يا سيدي. وأحسنت يا سيدي. وربما كان ذلك السيد سيداً عملَّساً. أو كان من أكبر الحمقى وكانت هي رشيدة لبيبة فلا يسعها إلاّ أن تتبعّل له. ولا يمكنها إذا رأت منه غواية أن ترده إلى طريق الصواب. فقد تقرر في عقول النَّوكي المآفيك أن عصيانهن طاعة لله. حتى إذا وقع منكوساً على أم رأسه رجع إلى امرأته باللوم والتبكيت. قال قلت قد روى عن النخعي إنه قال من أشرا الساعة طاعة النساء. فقالت كأني بالإفرنج قد حشروا أو يحشرون الليلة. ثم استمرت تقول وأقبح من هذا كله أن الرجل عندنا إذا كان كهلاً لا يستحي أن يتزوج ببنت لم يأت عليها بعدُ نصف عمره. فإذا استقرت عنده شرع في تربيتها وتنبيتها وتوليدها من ذي أُنُف وعاملها بالنفاق والدهان. فقد يكون خبيثاً فاجراً ويوهمها إنه ذو صلاح وتقوى يتّورع من اللهو والسماع وعشرة الفتيان الكيّسين. وما يخطر بباله أن مغايرة السنّ بين الرجل وامرأته هي أعظم الأسباب الباعثة لها على فركه. بل يعتقد أن مجرد كونه فاعلاً وكونها مفعولاً يقضي له بالمزية والفضل عليها. فقلت ان دعوى الفاعلية ما أراها إلاّ باطلاً. فإن المفاقمة والمباضعة وأخواتها تدّل على إن الفعل مشترك بين أثنين. وإنما الأفضلية باعتبار البادئ. قالت ليس الابتداء متعيناً على واحد دون الآخر فأيهما بدأ صحَّ. فلا مزية لأحدهما على صاحبه. هذا وكم من مرة لمجرد هذا الوهم يغادر الرجل امرأته وحدها في البيت ويقضي ليلته عند أحد أصحابه. فيتعاطى معه المدام حتى يسكر ويذهب ما عنده من قليل العقل. فلا يقدر على الرجوع إلاّ إذا حمل بين أثنين كالجنازة. ثم هو لا يفرق بين أن تكون زوجته حبلى أو غير حبلى. فتراه يكلمها وهي في تلك الحالة بعين الكلام الذي كان يكلمها بهمن قبل. وربما دمق عليها كالضاغب فمناها بمرعبة. أو اسمعها الضَّبَعْطَي والضَّبَغْطَي والضَبَغْطَرَى وأية ودُخْدُخ وهَجاجَيْك وهذاذيك. أو كان عليها دَبُوقاء أو لزاقاً وطبَاقاء أو عَباقاء أو عَياباً أو عَباماء.
стр. 179
فنهاية رفقة بها وشفقته عليها إنما هو أن يشتري لها جارية أو يستخدم وصيفة. وليس المقصود مجرد تخفيف الشغل عنها وإنما المقصود جعل الأمَةَ أو الخادمة رقيبة عليها حتى لا تخونه في عرضه. ولا أقول في ماله لأنه لا يخرج من البيت إلا بعد أن يقفل صناديقه. مع أن الجارية لا تكون إلاّ ذات ضلع مع سيدتها عليه وان شتمتها بين يديه وإهانتها: لأنها لا يهمها كون سيدتها تحب واحداً من الرجال أو أثنين أو عشرة. بل يهمها أن تنال عندها الطيب من المأكول والمشروب. فإذا كانت زلّة سيدتها كما يقال تحت يدها أدلَّت عليها بتلك الزلة وتجرأت على أن تطلب منها ما تشاء. لا بل تتمنى أن سيدتها تكثر من العشاق ما استطاعت. لأنها تؤمل منهم الصلة والإحسان. ومعلوم إنه كلما كثرت العشاق كثرت الصلات. وبعدُ فإن من طبع النساء في كل زمان ومكان الارتياح إلى شواغل الهوى وبواعث العشق وان يرين أهل الدنيا كلها مسترسلين إليها ومنهمكين فيها فالجارية التي تكون عند سيدة حرّة على فرض صحة ذلك لا تلبث أن تغاضب سيدتها حتى تغري زوجها ببيعها فيقع نصيبها عند أخرى غير حرّة. غير أن الرجال مغفلون. نعم هم مغفلون. فأما تبجحهم بكونهم يشترون لأزواجهم حلياً في ربيع يُسْرهم فذلك عائد إلى خبرهم. لأنهم لا يلبثون أن يسلبونهن إياها في خريف عسرهم وأفلاسهم. فأية امرأة ترضى لنفسها بان تقعد في بيتها كالفرس المسرج المعدَّ للركوب وهي محرومة من معاشرة الناس. قال فقلت والله ما قلت كلاماً أحسن من هذا. وهذه آثار النجابة بدت تسطع من طباعك فحيّاك الله وبيّاك. قالت وما بياك قلت ليس بشيء. قالت ولكنها عندي حسنة للازدواج. قلت كأنك تقولين إنه من قبيل تزويج لفظة بأخرى فيشم منه رائحة الزواج. قالت نعم الزواج سارَّ حتى في الألفاظ. قلت ولكن بقي لي عليك اعتراض وهو انك عرّضت في أول خطبتك هذه البليغة التي أفادتني اكثر من خطب صاحب المعّبر بأني اصلح شعرك وثيابك أمام الناس. أو بأنه يلزمني أن أفعل ذلك وهو مما فات فكري. قالت انك لمَّا تفعله ولكن ستفعله أن شاء الله عن قريب. فأني أراك تقدر النساء ولا تبخسهن حقهن وإني واحدة من عباد الله هؤلاء.
سفر ومحاورة
стр. 180
ثم لما كان الغد ذهب الفارياق إلى المعبر وهو موجس من تعبير الوحش. فجاءه الرئيس يقول قد عنّ لي أن أسافر إلى أرض الشام لأجل تغيير الهواء. فإن هواء ذلك القطر والأحلام فيه تصح ويسهل تعبيريها. وأني أراك مثلي ضعيف القوى ناحل الجسم فتجهز للسفر فعسى الله أن يوفق لنا أسبابه ونعود بخير. فاستأذن الفارياق الحاكم في ذلك فأذن له كرماً وتفضيلاً. فأقبل على زوجته يودعها ويقول: عهدي إليك يا زوجتي بادئ بدء أن تتذكري السطح فيبعثك على حفظ العهد والوداد. وأن تعني بأمر الذي أغادر عندك معه كبدي. وإذا أتاك فاسق بنبأ عني فتثبتي. إي إذا قال لك غداً أحد ممن حسدني عليك قد مات زوجتك في البحر وأكله الحوت ولم يبق في علم الوجود سوى أسمه فلا تركني إليه قبل أن يرد إليك كتاب مني تعتمدين عليه قالت ولكن تكتب لي إذا كان الخبر صحيحاً. قال فقلت يكتبه لك صاحب المعبّر. ولكني أرجو أن أصل سالماً وتقر عيني برؤية أهلي وأهلك وأبلغهم سلامك. قالت إلا تعين لي مدة لإرسال الكتاب. قلت شهرين. قالت هذا دهارير أية امرأة تصبر شهرين. قلت نحن سائرون في سفينة الريح فإن الطبيب قال لصاحب المعبر أنها أوفق من سفينة النار لما في هذه من رائحة الفحم التي تضر بالمصدورين. قالت أفعل ما بدأ لك ولكن أحذر من أن تفيق وتهوى غيري. قلت إنما أحذر من الثانية لا من الأولى. قالت لا بل مني فأحذر. قلت إنما عنيت أني أحذر من الهوى. قالت نعم إياك وإياه فأنه يزيدك ضني. قلت ليست البلاد التي نقصدها مظنّة لذلك. كهذه الجزيرة. قالت النساء والرجال في جميع البلاد سواء. ولا سيما أنك الآن في زي غريب والنساء كلهن تهافتن على الغريب. كما أن الرجال يتهافتون على الغريبة. قلت قد فهمت هذا التعريض غير أن المرأة المصونة إذا دخلت بين جيشين تخرج كما دخلت. قالت نعم تدخل امرأة. قلت وأين المصونة أراكِ حذفتها. قالت في زمن الفِطَحْل. قلت وما الفطحل. قالت دهر لم يخلق الناس فيه بعدُ. قلت من أين علمت هذه اللفظة الغربية. قالت سمعتك مرة تقولها فحفظتها وهو دليل على التهافت على الغريب. ثم سكنت مفكرة ثم ضحكت. فقلت لها ممّ تضحكين أمن الفطحل؟ قالت لا وغنما ذكرت حكاية عن امرأة سافر عنها زوجها فضحكتُ. قلت وما هي قلت كانت امرأة متزوجة برجل يربيها في بعض أحواله ولم تكن على يقين مما رابها منه. وأتفق أنه سافر عنها فحزنت لفراقه لكنها ظلت واحدة عليه. فجعلت مرة تدعو له وأخرى تدعو عليه. وقالت وأن كان بريئاً بلغته دعواتي الصالحة وإلا فيلحقه غيرها. فقلت هل في نيّتك إذاً أن تحاكيها. قالت معاذ الله أن أدعو. قلت قولي لك أو عليك حتى يفهم المعنى. قالت عليك قلت لله أنت ما أرى لي من يديك منجي. فالتفتت إلى الباب وقالت ما جاء أحد. قلت دعيني بحقك من الزبون ومن جاء فأنا الآن على جناح السفر. قالت سِرْ في أمن الله ولا ترتَبْ فإن للهزل وقتاً وللجد وقتاً وعرض المرأة هو من الأخير. قلت وهذا أيضاً كلام موجه كأنك تقولين أنه ليس من الأمور المقدمة. قالت ألا كن مطمئناً سواء كان من هذا أو ذاك فإنك ستجدني كما فأرقتني إن شاء الله. قال فوّدعتها والدمع هامل على جيدها وبكت هي أيضاً لفراقي فإنها كانت أول غيبة عنها. وكان من خلقها إذا بكت أن تبدو في طلعتها لوائح وجد شائقة. وملامح حسن رائقة. والنساء أشوق ما يكون إذا بكين. ولكن لا يكن كلامي هذا باعثاً على ضربهنّ شلت يدا من مسهن عن غضب. قال فتزايد بكائي لبكائها وأحسست ح بلوعة الفراق.
стр. 181
ثم أقلعنا وما كادت تغيب الأرض عنا حتى ثارت لواعج الأشواق في صدري وخطر ببالي كل ما قلته لي مصبوغا بالوسواس والهواجس. قال ومن كان حِلْس بيته لم يفارقه ولم تبرح رائحة زوجته منخريه لم يدرِ ما ألم الفراق بعد ليالي الوصل والعناق. ولا سيما إذا جرى ذلك أول مرة. فينبغي إذاً أن أصور لخاطر صاحبنا هذا الحلسيّ المغفومي بعض ما يقاسيه المحب من لوعة البين. عسى أن يرق فيدعو لجميع النائين عن أحبابهم بقرب الوصل وجمع الشمل فأقول: أن الفراق طالت مدته أم قصرت قربت طيّته أم بعدت عبارة عن فصل أحد المتواصلين وحرمانه من أنس صاحبه. وقد تكون لوعته اشد من لوعة الموت لأن فراق الميت مقرون بالأسف والتحسّر. وفراق الحيّ بهما وبالغيرة أيضا. وهي في مقابلة اليأس المتسبب عن فراق الميت بل هي أشد مضضا منه. هذا في حق المتزوجين المتحابين فأما في حق الكارهين فلا آسف ولا حسرة على كلا الحالين. ثم أن المحب المفارق إذا فارق حبيبه ورغد عيشه في غير وطنه. من طعام لذيذ يأكله أو مسامرة مطربة أو سماع غناء يتلذذ بهما أو رؤية أشياء بديعة ووجوه ناضرة سنيعة تقرّ بها عينه. فأول ما يخطر بباله إنما هو حبيبه النائي فيقول في نفسه ألا ليته الآن حاضر عندي ليشاركني في هذا النعيم. فإني احسبه اليوم محروماً منه بل ربما كان على قلبه غشاوة من الحزن والكمد. فكيف يتأتى لي أن ألهو وأفرح وهو محزون. وكيف يمرئني الطعام ويسوغ لي الشراب وهو الآن لعله مُقْهٍ عنهما وحشة واكتئابا إلى غير ذلك من الخواطر المكدرة والأفكار المحّسرة. فأما إذا قاسى جهداً ونكداً بعد فراقه فإنه يقول ويَبْاً لي وويحاً وويخاً وويساً وويلاً وويهاً. إن عيشي الآن نكد ذميم. وحالتي موحشة وفؤادي كليم. وقد جرى بيني وبين أليفي الاتفاق على أن نكون شركاء في السراء والضراء والنعماء والبأساء. وأحسبه الآن مفنّقا منعّما. مترفها برثا برجا بَرِعا طَرحا يسامره في الليل كل ربيز ظريف. ويجالسه في النهار كل كيس لبيب. ألا وكأني به أي بها تبتسم الآن ابتسامة رضى وإعجاب لمن طرأ على محاسنها وجمالها فقال لها. ليتك كنت تتخذين عوذة لتردّ عنك عين الحسود فإني لا أسمح بهذا الوجه المنير الوضّاح أن يراه كل أحد من الناس. ولا ينكر أن يتشهق عليك من ابتلى بامرأة دميمة فإن العين حق وإن جمالك فريد فما يكون جوابها له إلا أن تقول له: ما أحسن عينيك فإنهما تريان الشيء كما هو. فأما عينا زوجي فإن عليهما غشاوة. وإن من مذهبه الفاسد أن يقول إن العين إذا ألفت شيئاً مهما كان بديعاً في الحسن قلّ اشتياق النفس إليه. أو كما تقول العامة ما تملكه اليد تزهد فيه النفس. غير إني أخشى من إنك إذا أكثرت من النظر إليّ والقرب مني لا تلبث أن تتمذهب بمذهبه فتراني على غير ما أنا عليه الآن. فيقول لها معاذ الله هذا كلام الجهال. فأما الصادقون مثلي في الحب وهيهات مثلي. فإنهم أبداً يتمثلون بقول أبي نواس:
يزيدك وجهها حسنا ... إذا ما زدته نظرا
стр. 182
وإني أشهد الله عليّ وهو خير الشاهدين. وملائكته المقرّبين. وأنبياءه ورسله المكرمين. إنك إذا عاشرتني العمر كله فلن ترى عيني بشراً أحسن منك. فتقول له هذا شأن الرجال دائماً من إنهم يتملقون المرأة ليفتنوها ويخدعوها. فمرة يقولون لها تبارك الخلاق. ومرة افدي الغزال الشارد. ومرة يا سعد من كنت له. أو طوبى لمن رأى طيفك في المنام. وتارة ينظرون إليها وقد غرغرت أعينهم بالدمع. وتارة يزفرون وينحبون. كل ذلك حتى يتمكنوا منها مرة أو مرتين ثم هم من بعد ذلك عنها معرضون. وبسَّرها بائحون. فنحن منكم على حذر. ولا يخفي علينا ما بطن منكم وما ظهر. فيقول لها معاذ الله. حاشى لله. استغفر الله. ما شأني شأن المتملقين الملاذّين. ولا طبعي طبع الفاسقين. بل أن لساني في هواك ليقصر عنبيان ما تجنه سرائري. وما يخطر بخاطري. فيا ليتني اعرف لغة اعبّر بها عن فرط وجدي بك وتوقاني إليك. ولو اطّلعت على ضميري لصدّقتني وعلمت إني لست كأحد الناس وإن غرامي فوق كل غرام. فأطيلي عشرتي ولو بدون وصال ليتأكد لك صحة ما أقول. فتقول له وقد فتحت لهاتها وزال ضَرَسها. وما الفائدة في ذلك فإن المرأة ليست نجماً يرصد طلوعه وغروبه. ولا برقاً يشام ليعلم هل هو خلّب أو ماطر. ولا أحجية يحاول فكّها وإيشاؤها. وما يهمّها أن تكون أجمل من سائر النساء وجهاً وإنما يهمّها أن تكون أشوق للرجال وأفتن. فإن التشويق لا يتوقف على الجمال قدر ما يتوقف على حسن الشمائل والمحاضرة والملاطفة والمؤانسة والغنج والدلال والافترار والحدقلة والترنجح والغرنقة والوكوكة والترأد. فيقول لها نعم سبحان من جمع جميع هذه الأوصاف الحميدة فكل ما فيك شائق وكل ما في مشوق. فتقول له وقد أزدهر وجهها سروراً وإعجاباً. قد يقال أن نبض العاشق يكون مضطرباً فدعني أجسَ نبضك لأعلم هل ما قلته صدق أو لا فيقول لها نعم نعم خذي يدي فجسيّها وأجعل يدك واجعلي يدك الأخرى على قلبي. فتفعل ذلك. فيقول دعيني إذا أفعل بك كما فعلت بي لتنكشف هذه الحقيقة لكل منا. فتهجث وتحمر عند سماعها قوله أفعل بك ويضطرب نبضها ثم تسكن وتمد له يدها. فيجسها بإحدى يديه ثم يضع الثانية على قلبها ثم يرفعها قليلاً وقد حملاقه وأندلع لسانه. ثم يزفر زفرة طويلة ويقول:
لك الله من قرموطة ملأت يدي ... لقابضها قبض على كُرة الأرض
لا سجمها إنسان مقلتي الفدا ... وكل عزيزٍ من متاع ومن عرْض
стр. 183
فتقول له وقد دُغدغت ولكن عروق الإنسان النابضة فيه ليست في يده وقلبه فقط بل هي في سائر أعضائه. فينبغي على هذا أن نجس كل عضو فينا لنعلم أيّنا أكثر حركة وانتفاضاً ونفضاناً ونبضا وإزاء ونَيْضاً وأُزوح وحبَضاً. إذ لا يصح الحكم على شيء إلا بعد الاستقراء والاستقصاء. فيقول لها وقد طرب وجداً وحبوراً نعم نعم نعم القول ما قلتِ. غير أنه لما كان الإنسان يجهل حاله وكان من طبعه أن يلاحظ في غيره ما لا يلاحظ في نفسه كان لابد من أن يكون هذا الاستقراء بالتخالف أي -فتبتره قائلة قد فهمت ما عنيت وهو معلوم بالبديهة ومستغن عن التفسير وهذا هو الذي قصت. فهامت يدك وخذ يدي. حتى إذا جالت الأيدي بالجتّ والجس. والمَثّ والمس. والنجث والنجش والبحث والمعش. والضبث واللمس. والطمث والملش. والفحث والفتش. والقبث والمتش. والمرث والمرش. والمغث والمعش. والنبث والنبش. والنقث والنكش. والنث والنتش. قالت وقد قوي حبضها ألا هيت لك. إلا هيت. فإن قولك على أي الحالين صدق. فيقول لها لبيك وسعديك لقد طالما شبحت يدي بالدعاء لأن أسمع هذه الدهوة المنعشة وهذه النعمة المطربة- أعلى هذا كان الفراق. أم من أجل هذا حسنت لي السفر بأن قلت لي ذات ليلة أني أرى بك يا رجل فتوراً. فلو سافرت إلى أرض طيبة الهواء لعاد نشاطك القديم. فعندنا إلى ذلك النعيم أفكانت هذه حيلة منك على تغيبي ليخلو لك الميدان فتمرحي فيه كيفما شئت وتتعاطى علم جس النبض وحركات الأعضاء. ألم يكن لي نبض كسائر الناس فتتعلمي به هذا العلم الجليل. أم تزعمين أنه ضعيف لا يصلح لأن يتعلم عليه. على أنه إن كان قد ضعف فإنما ضعف بسببك. وعهدي به من قبل ليلة عرسنا له ضربان وانتفاض وانتغاض. أفهكذا يفعل المتفارقون. وبمثل هذا يخون المترافقون. أيحل لك من الله أن تتنعمي الآن وأنا في حالة البؤس والشقاء. بطراً تجسين العروق وأنني عرق المجسة أن بي عُرَواء ألم يكفِ ما كنت أقاسيه معك في البيت حين كنت أغدو منه كادحاً وأرجع إليه رازحاً. وكانت همومك كلها عليَّ ولَوْمك كله متوجّهاً أليّ. فكنت أنصب لراحتك. وآرق لاجحاحتك وألغب لتشبعي. وأجهد لترتعي. وأبرد لتدفئي. وأقلق لتهدئي وأتهجَّد لتتهجدي. وأنحل لتمغدي. فقد تبين الآن أينا ذو أمانة ومداهنة وخيانة. وإذ كنت أقول لك أن الأمانة في النساء أقل منها في الرجال. فأن الرجل أبداً مشغول البال. مضعضع الأحوال. يليه عن اللذات كده ونجله. ويصرفه عن هواه رشده وعقله. والمرأة لا همّ لها إلاّ تشويق الرجال. وفتنتهم بها في كل حال. كنت تقولين لا بل المرأة أكثر حشمة وحياء. وأقل نهمة ورياء. وأميل طبعاً إلى التعفّف. وأبعد خلقاً عن التكلف. فإن جمعنا الدهر يوماً وأفضنا في حديث الوفاء. والمودة والصفاء حججتك بما لا تقدرين معه على الجواب. وأظهرت فضل الرجل على كل ذات نقاب. الخائنات الحانثات. المائنات الغادرات: فإن أبيت إلا الجحد والمكابرة. فالهراوة لديّ حاضرة. واليد للّطم واللّكم مبادرة. فإذا أمسكت بناصيتي أو جيبي. وأذعت بين الجيران عيبي، جعلت لك من الشجاب صلبياً أو من الذأط نصيباً ومتى خطر بباله ذلك هاج بع الغيظ كل هياج. وودّ لو يطير إلى بيته مع العجاج. فينقلب فرحه ترحاً وصفاؤه تكديراً. قال غير أن للحزن في مبادئه فائدة. وهي ذود شوارد الآمال المغررة والأماني المحالة إلى مراح البصيرة والرشد. بحيث يسكن البال عن الحوم على موارد المحال. ويستقر الحال على فطم النفس عن الاحتيال. وإلى هذا أشرت بقولي:
وربَّ حزنٍ القلب عن سفه ... كما يصون إناءَ واهياً صدأه
وما انقضى عن لذاذات الهوى عجلا ... سيّان غايته عندي ومبتدأه
стр. 184
قال وأروق الأفكار وأبدعها ما يخطر في ثلاثة أحوال: الأول في مبادئ الحزن. والثاني في الفراش قبيل النوم. والثالث في بيت الخلاء. فإن هذه الحال لما كانت عبارة عن تحليل مواد متكاثفة تتنفس عنها الأمعاء والأعفاج. كان هذا التحليل والتنفس أسفل مؤثراً في تحليل ما تعقد في طبقات الدماغ العليا في وقت واحد ومكان واحد. فيكون بعض المواد داهباً سفلاً وبعض الصُوَر صعداً. كالبخار الذي يصعد من الأرض فيعقد سحاباً ماطراً. فقد عرفت مما مرّ أنه يتحصل من الحزن من الفوائد ما لا يتحصل من الفرح. لأن الفرح يبعث على الطيش والذهول وتشتت الخواطر في أهواء النفس وأوطارها المنتشرة. فهو عبارة عن تعدّد أهواء وتفريق خواطر. والحزن عبارة عن ضمّها ولمّها ولهذا كان جل العلماء من الصعاليك المبتئسين وقل من نبغ في المعرف من الأغنياء في المعارف من الأغنياء والمترفين. إلا أن يكون قد غرس في طباعهم نوع من الزهد والعزوف المقترن بالحزن. قال وأحسن ما سنح لي من الخواطر إنما كان عن كان إنما كان عن بواعث أشجان، وخوالج أحزان. أما من وحشة فراق أو من خيبة وحرمان. أو من حسد على علم وبراعة، أمّا على مال وثروة فلا. اللهمّ إذا كان لمصلحة كإنشاء مدارس ومؤاساة محتاج.
وأني لا عجب من هؤلاء الرهبان فأنهم مع ما هم فيه من الوحشة والحرمان فما أحد منهم نبغ في علم أو مأثرة. ولو كنت راهباُ لملأت الدير نظماً ونثراً والّفت على العدَس وحده خمسين مقامة. ليت شعري كيف يمكن لبشر إذا خلا في صومعته ورأى تحتها الغياض المدهامّة والبحر الساجي والجواري المنشآت. وعن يمينه وشماله الجبال الشامخة المكللة بالثلج وفوقه الرقيع الصافي وأمامه القرى والمنازل أن يقضي نهاره كله وهو يرمش ويرضيك ويتثاءب ويتمطى ويملد معدته من دون تأليف ونظم ولا سيما أن من حسن ساكنات تلك الديار ما يشرح الصدر ويروج عن البال. فإذا كانت هذه المناظر البهيجة كلها لا تهيج هؤلاء النسّاك على تأليف كتاب فأيّ شيء بعدها يهيجها. هذا وأن كثيراً من المسجونين قد ألفوا وهم في الضنك تآليف بديعة، يعجز عنها سكان القصور الوسيعة. فأما ما قيل عن عبد الله بن المعتز من أنه كان ينظر إلى أواني داره ويشبه بها فليس كل كعبد الله. فأنّا نرى الناس الآن كلما زاد ثراهم قل حجاهم. والحاصل أن وحشة الفراق تبعث الخاطر على ابتكار المعاني الدقيقة. وكذلك الصدّ والهجران والأعراض والمطل والعتاب والشفون والدلال والتمنع والتعزز من طرف المحبوب. ولكن ليس محصول هذا الحاصل إغراء الحبيب بهجر محبَّه حملا له على النظم. أو تعمد الفراق بعثاً له على وصف ما يجده من الشوق واللوعة. فإنه أحسنه ما جاءت به المقادير دون تعريض له. وها أنا أبرئ نفسي عند العاشقين والمتزوجين وأقول: أنه إذا جرى بينكم وحشة أوجبت الفراق، أوفراق أوجب الوحشة. أوصدّ أو هجر أو لجاج. أو جدال أو اعتلاج أو تقافس أو صراع بالشَغْربية والشغزبية والقرطبي والألهاد والدهشرة والظُهارية والمبأشة والبأش والعُرْضة والنُقَض والمراسغة والتنسّف والتعرُّق والاعتقال فما يكون عليَّ في ذلك عتاب ولا ملام.
стр. 185
انتهى كلام الفارياق وقد أحسن فيه. إلا أنه لم يحكِ عن نفسه أنه كان عند الحزن جزعاً جَرِعاً كثير والهواجس قليل الحيلة والتدبير غير ثابت الرأي ولا مُضب على ما في نفسه فإنه لم تكد أرض الجزيرة تغيب عنه حتى طفق يشكو من النساء ومن بطرهن عند غياب بعولتهن عنهن. فسمعه الخرجي وزوجته فقالا له ما بالك تشكو لا خوف عليك من تعبير الوحش مدة السفر كلها. وإذا بلغت أرضكم إن شاء الله فلا أحلم إلا الأحلام البينة. قال ما شكواي من الوحش ولا الجن بل من الأنس. فأني سمعت اليوم كذا وأوجست كذا ولعلي أرجع وأجد كذا أو لا أجد كذا أو لا أرجع ولا أجد البتة. فلما سمعت بذلك ثارت زبانية سقر من أنفها فقالت له. هل بلغ من طيشك أن تسيء الظنّ في النساء المتزوجات. قال قد ظنّ فيهن من ذلك من قبلي الحليم الرزين. قالت ليست هذه الخلة عندنا نحن معاشر الإفرنج هذا زوجي ما يخامره ريب فيّ. قال أن السيد مشغول بالأحلام بحيث لم يبق في رأسه موضع لغيرها. أليس أن عالمكم بيرون يقول أخْون ما تكون المرأة ما إذا غاب عنها زوجها. قالت أنه شاعر وأن كلام الشعراء لا يؤخذ به في حكم على النساء إلا إذا كان نسبياً وغزلاً. ثم بينما هم كذلك إذا بالريح هاجت الأمواج فاضطربت السفينة ومادت أيّ ميد. فلزم كل مكانه مدة أربعة أيام حتى ذهل كل من ركابها عما وراءه وقدامه.
وبعد سفر أثني عشر يوماً بلغوا مدينة بيروت وهم جياع تعبون شاحبون مبتئسون. والهالج يترقب أو فرصة من الدهر لهبوط الأحلام. فلما دخلوا البلد كان أول ما طرق مسامعهم من كلام أهلها الركيك قول المخبّر أن أهل الجبل قد ربقة الطاعة لوالي مصر وتجندوا عليه. فكان أهل المدينة في شغب واضطراب. وكان دوار البحر والفراق لم يزل يميد براس الفارياق. فصعد إلى جهة الجبل ليرى أهله فلقي بظاهر المدينة عسكر الأهلين مخيما فهول عليه أحدهم بإطلاق بندقيته فطار نصف قلبه من صدره ولم يزد قلب المهول شيئا. لكن بعض الناس يرتاح للأذى إن لم يحصل له فائدة. ثم لطف الله به وأنقذه من القوم فبلغ منزل أهله. فلما علم قدومه عند أهل القرية أقبلوا يسلمون عليه مثنى وثلاث ورباع فكان ينظر إليهم ويتعجب منهم لبعد عهده بعاداتهم. فإن النساء كن يأتين ويقعدن على الأرض. فمنهن من كانت تقعد بين يديه القُرْفصاء أو الهَبْنقة أو الأربعاء أو الفرشحة أو البرثطة أو البرقطة أو الفرشطة أو القَعْفَزي. أو ثَبْجا أو احتفازا أو إمتعاسا أو إستيفازا أو إقعاء كقعدة القرد وهي مشمرة قميصها فتشفّ سراويلاتها عن ومّاحها. وهي عادة ألفنها ولا يرين فيها عيباً. وأكثرهن تبدي ثدييها سواء كانت كاعبا أو هضلاء أو طرطبة. ويومئذ افرغ عليه شحن المسائل فمن قائلة مالك يافارياق نحيلا. ومن قائلة وقد صرت ضئيلاً. وأخرى ما لسحنتك قد كلحت. وغيرها ولطلعتك قد قَبُحت. ولا سنانك قد قلحت. وجبهنك لتُحت. وأرنبتك فُطِحت. وأساريرك ازحت. وبشرتك قسحت. وشفتك تقرّحت. وعنقك شقُحت. وعينك لَجحت. وقامتك تقنَّحت. وشعراتك تصوّحت. وعجيزتك رَسحت. وذقنك طُحّت. ولهجتك قَحْقحت. قال فتشاءمت من هذه القوافي وقلت لم يبق بعد تعدد هذا الحت إلا أن يقلن وتلك قد نكحت. ثم قالت واحدة منهن إيه وهذه هَنَة قد زادت فيك. فقالت أخرى أوه وهذا شيء نقص منك. ثم جعلن يقلبنه ويعرضنه كم يقلب الشاري السلعة. وكلهن يقلن بنغمة واحدة يا فارياق يا فارياق أين الطنبور وأوقات السرور. أين أبياتك في العقوص والطنطور. أنسيت يوم كذا وليلة كذا. قال فكنت مسروراً بمؤانستهن وسلامة ضمائرهن عن المنكر كما هو خلق نسا تلك البلاد فإنهن لا يأبين من لمس الرجال والدنو منهم ومماسة الرُكْب دون المركب. إلا أنه كثرت مسائلهن عليّ. وطال قعودهن بين يدي. وإنا محتاج إلى الراحة والانفراد. ومع ذلك فمجلس النساء مؤنس على كل حال ولاسيما لمن مضى عليه في البحر اثنا عشر يوماً من دون رؤيتهن. فلو نتفن بعد هذا العهد الطويل لحيته وشواربه بالمسائل لما لحقه من ذلك أذى.
стр. 186
قال وأعجب من ذلك إني كنت أرى الأمراء يقعدون على الحصير وعند النوم يرقدون فوقه على فراش واحد. وربما اجتزءوا بالبيض والأرز واللبن عن الحمام والفراخ والدجاج من دون شراب ولا فاكهة ولا نقل. وأرجلهم ظاهرة فإذا قعدوا على الحصير خلعوا نعالهم بالقرب منه فتبقى منه بمرأى منهم. وترى بعض خدمهم يقوم على رؤوسهم أي بازائها لا فوقها وفي حزامه الملعقة. وآخر في جيبه الطاس من فضة إشارة إلى غنى الأمير وإلى كونه كأحد الناس غير مستغن عن اللعق والشرب. وهو قاعد مطرق لا كتاب عنده فيطالعه ولا سمير له فيسامره ولا آلة لهو تطربه. وقد يقضي ساعات من النهار هكذا بل يوماً وأياماً ولا يرى من امرأة أصلا حتى تعمش عيناه ويظلم فكره وتلقس نفسه وتحرض معدته. فأين هذا من مجالس الإفرنج التي تزين بالمتكآت النفسية وتفرش بالزرابي الفاخرة وتوطأ بالنعال. ولا تزال الحسان مقبلات عليها مدبرات. فمن هيفاء تشرفها بوطأة. ومن غيداء بطفرة. ومن زهراء بزفنة. ومن وطباء بحركة. ومن دهسار باضطجاعة. فمن يصبر على هذه الحال فيا أمير الناد. وواحد الأمجاد. وراكب الجواد. ورامي الجريد على العباد. قل لخادمك حامل الطاس ينح نعليك من أمامك. بل البسهما وتعال معي إلى بلاد الإفرنج لتنظر الأمراء منهم مخاصرين لأزواجهم وأولادهم سائرين بهم إلى المنارة والحدائق ومواضع اللهو واللعب والطرب. ولا حرج على أزواجهم أن يبتسمن أو يملن أعناقهن أو يتفرَّسن أو يوكوكن أو يحدقلن أو يحرجلن أو يفرجلن أو يهرجلن أو يهركلن أو يتبازين أو يُكْببن. ولا على أولادهم أن يطفروا ويمرحوا. حتى إذا كحلوا أعينهم برؤية الكحل باتوا ليلتهم تلك على الوثير من الفرش مع وتائرهم. ليت شعري لم لا تضم إليك مع جملة هؤلاء الحفّان والوُصفاء والبساتقة والساتقة والهبانقة والمهنة والمناصف والنَصَف والحفَدَ والمقاتِورة والخدم والحشم الذين حولك ثلاثة نفر من العازفين بالات الطرب، ليجلوا عن خاطرك صدأ همّ الوحدة والاعتزال في كل يوم عند الأصيل أو في العشاء. وأذن لي في استعطافك لأن تأذن لجيرانك في أن يأتوا هم أيضاً ويطربوا لطربك. فيدعوا لك بتأييد دولتك، وتخليد غبطتك. ودوام بقائك وسمو ارتقائك وفي أن أسألك لمَ لا تعيّن في العام عيداً لمولدك أو لمولد السيدة أو الأولاد المحروسين. فيكون يوم فرح وحبور لك ولجميع من ينتمي إليك. بحيث تصطنع فيه مأدبة وتدعو إليها دعوة جفلي لا نقري، أي خير في رمي الجريد وأصابتك به كتف خويدمك الهبد الحقير أو ضرسه حتى تعطله عن الأكل وأنت لاه عن أحسن الرمي وأصوبه وأصرده وأمرقه. وأنت آمن هناك من أن يقال لك بَرْحى برحى بل يقال لك مرحى مرحى. هذا ما عدا إيلام أبطك الفاخر العاطر برمي الجريد. وما الفائدة من وقوف الخويدم بين يديك وفي حزامه الملعقة أو على رأسه الخوان أو على صدره القصعة والباطنة أو بيده العُس والقعب أو على عاتقه المائدة أو على عنقه القدر. وأنت لا تأكل مع السيدة وأولادها ولا تأخذ ولدك وتضعه على ركبتك. ولا تحمله على ظهرك ولا تتطأطأ له لثيب فوق رأسك. ولا تحتجره ولا تحتضنه ولا تتوركه ولا تعانقه ولا تحول له خدك ليبوسك. ولا تمكنه من أن يبعث بشاربيك أو يعص إصبعك أو أنفك ليضحك قليلاً فأضحك أنا كثيراً. ولا تطعمه بيدك ليعرف إنك محسن إليه. ولا تأكل شيئاً مما يلوكه. ولا تركبه على جحش وتقوده به الجحش ولا تغني له في الليل ليرقد على نغمتك فيقوم في الصباح يغني لك غناء أطرب من غناء الفقنّس ومعبد وأبي البَدَّاح وسواط والعثعث وخليلان وعمر بن بانة والزّنام وممدود عبد الواسط الرباني وزلزل وعرفان والجرادتين وابنة عفزر وسَلامة وشَمُول وأبن جامع السهمي ودُبيس ورقيق وأبن مُحرز والمشدود وهاشم بن سليمن ودحمان الأشقر وطويس وابن شريح والدلال بن عبد النعيم وأبن طنبور اليمني وحكم الوادي وإبراهيم الموصلي. وأشجى من
الرُنُم ومن صوت كل دُعْبب غريض ... الرنم المغنيات المجيدات والغريض
المغني المجيد ومثله الدعبب.
ولا تبابئه ولا تغازله بابا قال له بأبي أنت.
ولا تناغيه ولا تباغمه باغمه حادثه بصوت رخيم.
ولا تنادغه ولا ترأمه نادغه غازله ورئمت الناقة ولدها عطفت عليه ولزمته.
ولا تنغّره ولا ترخمه نغّر الصبي دغدغه كنغّزه ورخمت المرأة ولدها لاعبته.
стр. 187
ولا تهينم لهولا ترعمّه رعّمه مسح رعامه أي مخاطه غير أن صاحب القاموس خصه بالمرأة بل المتبادر من عبارته أنه مسح رعام الرُعموم للمرأة الناعمة فالعفو مرجو منهما على كل حال.
ولا ترزم لِرزَمته أرزمت الناقة حنَّت على ولدها والرزمة صوت الصبي.
ولا تتجنّث عليه تجنث عليه رئمه وأحبه وتلفف على الشيء يواريه ولا تقرمه ولا تسمتّه التقريم تعليم الأكل والتسميت الدعاء للعاطس ولا تُفدى له ولا تُصهْيه أفدى فلان رقص أبنه وأصهاه دهنه بالسمن ووضعه في الشمس.
ولا تدسم له نونته النونه النقرة في ذقن الصبي الصغير وكذا الفحصة وتدسيمها تسويدها كيلا تصيبها العين.
ولا تبدي له البجبجة البجبجة شيء يفعل عند مناغاة الصبي.
ولا الحَوْفَزي الحوفزي أن تلقي الصبي على أطراف رجليك فترفعه.
ولا تقول له حَلْقة قولهم للصبي إذا تجشَأ حلقة أي حلق رأسك حلقة بعد حلقة.
ولا بحباح بحباح كلمة تنبي عن نفاذ الشيء وفنائه.
ولامَحْماح هو كقولهم بحباح ومثله حَمْحام وهمهام.
ولا كخْ كخْ يقال عند زجر الصبي عند تناول شيء.
ولا تَعنى بدَنَعه دنع الصبي جُهد وجاع واشتهى وطمع وخضع وذلّ ولؤم.
ولا بقَقَته صوت يصوت به الصبي أو يصوت به إذا فزع.
ولا تكترث لبأبأته ولا لببّته بأبأ الصبي قال بابا وبّبه حكاية صوته.
ولا لتغتغته ولا لثغثغته التغتغة حكاية صوت الضحك والثغثغة عضّ الصبي قبل أن يتّغر.
ولا لتأتأته ولا لدأدأته تأتأة حكاية صوت وهي ايضاً مشي الطفل والدأدأة صوت تحريك الصبي في المهد.
ولا لدَعْبعَه ولا لحَتارشه دعبع حكاية لفظ الطفل الرضيع وحتارش الصبي حركاته.
ولا لادْرامه أدرم الصبي تحرك أسنانه ليستخلف آخرَ.
ولا لفصيصه ولا لأنتداغه فصَّ الصبي فصيصاً إذا بكى بكاء ضعيفاً. وانتدغ ضحك خفّياً.
ولا تبالي بمعِقْاده المعقاد خيط فيه خرزات تعلق في عنق الصبي.
ولا بِقرْزَحلته من خرز الصبيان.
ولا بدرَّاجته الدراجة الحال التي يدرج عليها الصبي إذا مشى.
ولا بحقابه الحقاب خيط يشد في حقو الصبي لدفع العين.
ولا بصُمتته الصُمتة ما أصمت به الصبي من طعام ونحوه ومثلها السُكتة.
فبحق عبوديتي لك يا سيدي ودالّتي عليك إلا ما وضعته يوماً على ركبتك أو أركبته على ظهرك. ثم لا بأس في أن تدعه يلعب مع أولاد من هم متسّمون بشرف خدمتك فإنه لم يزل بعدُ صغيراً لا يعلم هذه الفروق. ثم لا بأس أيضاً في أن تسهر هذه الليلة مع حريمك المحترم مع بعض رجال قريتك وأزواجهم ممن يتأدبون في المحاضرة بحضرة النساء. فإني أرى صدر السيدة قد ضاق من الوحدة وما عندكم من كتب أو لهو حتى ينشرح بها. ولا غرو أن تستفيدا كلاكما من مسامرة رعيتكما شيئاً. فإن رأس الفقير ليس بأضيق ولا اصغر من رأس الأمير عن أن يشتمل على أراء سديدة مما يخلو عنه رأس غيره وأن يكن اكبر عمامة منه وأغلظ قذالاً. وكيف ترجو أن تكون السيدة وبناتها ذوات رشد ودراية وهن مقصورات في الدار العامرة. أم كيف ترضى لهن وحاشاك الجهل والغباوة.
وانتم يا سادتي الحكام والمشايخ والكبراء والمطارنة جربوا مرة أن تجتمعوا بأهلكم وأزواجكم مع أهل جيرانكم. "ولكن المطارنة ليس لهم أزواج لتنزههم عن ألواج" وأن ترفعوا فرق المذاهب من بينكم فذلك أدعى لكم إلى الحظ والسرور. إنما الدنيا النساء إنما الدنيا البنون. أعلموا رحمكم الله إن الاجتماع بالنساء لا يخل بشرف المنصب. اعلموا هداكم الله إن فرق الآراء في الأديان لا يمنع من الألفة والمخالّة اعلموا أصلحكم الله إن في حمل الإنسان ولده على ظهره وتطوّقه برجليه اللطيفتين للَذة اعظم من لذة تطويل الجُبب وتوسيع الأكمام وتكوير العمامة ومن وقوف الخدمة وأيديهم على صدورهم. اعلموا فقهكم الله إن العرب لم تخصّ حركات الطفل بأسماء إلا وهي تريد أن تلاحظوها وتتنبّهوا لها. حتى إنها وضعت لحدثه حرفين غريبين في التركيب لا ثالث لهما في اللغة كلها وهما الصَّصَصُ والقَقَقُ. اعلموا وفقكم الله إن مستر ومسيو وهر وسنيور أنعم منكم بألا وأحسن حالا اعلموا نصركم الله إن الفارياق رجع الآن إلى بيروت وإني أنا العبد الحقير كاتب سيرته مفكر في إنشاء مقامة تسرّ العزب منكم والمتزوج معاً.
стр. 188
"حاشية أظن سادتنا المشار إليهم ما سمعوا النصيحة فراح كلامي معهم في الريح" "تنبيه قد أطلت الكلام في هذا الفصل المؤذن بالفراق ليقابل فصل الزواج".
مقامة مقيمة
حدس الهارس بن هثام قال سوّل لي الخناس، "أعوذ بالله من هذا الافتتاح" الذي يوسوس في صدور الناس كل غميس وغماس. إن تزوجت امرأة خرّابة ولاجة هيّاجة نبّاحة مِرغامة معذامة. لوّامة رطّامة. خُبَعة طُلَعة. خليعة جلِعة. تجاوب ولا سؤال وتبارز ولا قتال وتقترح علي أشياء يعجز عنها الدينار وترميني في مهالك دونها النار فكأن دأبي إن أصبر مرة عليها عذيراً وأخرى أن أشكو إليها فلا تزداد الأشرة ونفوراً. أو لا ينجع العتب فيها نقيراً. فقلت تالله لأجْفرنّ عنها واوهم إن بي جفورا أو لأضربن في الأرض لا علم هل أرى لها نظيراً. فاخترت الرأي الثاني. بعد التعوذ بالمثاني. وخرجت من بيتي كئيباً مبتئساً، ساخطاً على جميع النساء. فبينا إنا في بعض الطريق، إذ مر بي سرب منهن يخطر بالثوب الصفيق، والحلي ذي البريق. وقد أرجت الأرجاء بطيبهن العتيق فرأيت من بينهن الهيفاء والبدين. والغرَّاء الزهراء ضرة حور العين، ومهندة العينين. فتاقت نفسي إلى وصالهن. وتبلبل بالي بجمالهن. ونسيت ما لقيت من لكاعي في البيت. وقلت ليتكنّ لي لو تنفع ليت. ثم أنشدت:
أرى للنساء الماشيات حلاوة ... فهل هن حلوات كذا في المقاصير
ولست أرى في إِلْقتي إن مشت وإن ... أقامت سوى مقت وكره وتمرير
أراها بعيني حيث كانت بعينها ... فهل ذو عمى غيري يراها من الحور
فابتدرت إليّ واحدة منهن لها عنق كعنق الغزال، وحاجب كالهلال.
وقالت خفف عنك فما أنت وحدك في الرجال. إن زوجي قد قال.
أفكّر في لئامة طبع زوجي ... فأكره كل أنثى في النساء
واحسب إنهن مغايرات ... لها فأحّبهن على السواء
ثم التفت إليّ أخرى وجبينها يلمع كالصباح، ولحظها يدمي كالصفاح.
وقالت اسمع ما قاله زوجي فيّ. ولاتك من قارفيّ:
تخوض زوجي في كل الفنون وما ... تخشى خطاء ولا ردذا مع الظرفا
تكون غالطة في كل مسألة ... وليس تغلط يوما أن تقول كفى
ثم تقدمت إليَّ أخرى وحبب عرقها كاللآلي. وحالك فرعها كالليالي. وقال دونك ما نظمه فيّ بعلي. وانظر هل يصدق ذلك في مثلي.
تودّ زوجي شططا أنني ... عبد مخيليق لمرضاتها
وإن تشهت حاجة لم تُنَل ... أكون خلاّقا لحاجاتها
ثم دنت مني أخرى وهي تهتز عُجباً ودلالا. وتبسم عن شنب ما رأى الناظر له مثالا. وقالت هاك ما أنشدنيه كفيحي من أول ليلة. آذن منها بالبثور والويلة.
لزوجي خلقة أضعاف مالي ... من الشفتين والفم واللهاةِ
فكيف يُتاح لي إشباعها وهي ... تصرخ كل وقت هات هات
فأما أن تضعَّف لي أداة ... وإلاّ فارتكاب الترهات
ثم أقبلت عليّ الخامسة. وهي من الخفر كالظبية المكانة. وقالت أنشدك ما قال في شيخي في الليلة السادسة. وهو
إن قال غيري قد يقال زوجة ... فإنني أقول زوجي دون ها
إذ لا أرى التأنيث في أخلاقها ... بل الفحول في العراك دونها
ثم تقدمت السادسة، باشة آنسة. وقالت اروِ هذين البيتين، عن حليلي الذي اعتاد قول المين. وهما
تراقبني زوجي عليلا وسالما ... نهاراً وليلاً نائيا وقريبا
فصرت إذا عانقت في النوم طيف ... من أحبّ أراها بالوصيد رقيبا
ثم دلفت السابعة وكانت ذات حقيبة سابغة وطلعة رائعة. وقالت وفي معناهما قال زوجي المفتري. واجترأ عليّ بما لم يكن رجل على امرأته يجترئ. وذلك قوله:
تغار زوجي عليّ حتى ... إذا رأتني مرضت تمرض
فما رأتني في حالة ما ... إلاّ وكانت لها تَعَرَّض
ثم انبرت الثامنة وهي على ما ظهر لي رافنة زافنة. وقالت قد سمعت زوجي بهذين البيتين، بعد أسبوعين. وهو مطرق إلى الأرض كمن فقد العين. وبُثّر بالحين. وهما:
تودّ زوجي أن لي ... شانين من مفاضحا
هَن حمارٍ قازحاً ... وقرن ثور ناطحا
ثم استقبلتني التاسعة وهي تفتر عن لآلئ ناصعة. وقالت ونحوهما ما قاله في أبو ولدي. وقد حفظه كثيراً في بلدي وفي غير بلدي.
إن زارني عالم أو جاهل بدرت ... زوجي إليه وخاضت معه في الجَدَل
стр. 189
فإن تجده خبيراً بالبعال تقل ... كل العلوم انطوت في صدر ذا الرجل
ثم تصدت لي العاشرة. وهي ذات قامة معتدلة وعين جائرة. وقالت وافظع من ذلك. ما ينشده رجلي في المنازل والمسالك. وهو قوله:
إن يزرني يوما فتى ذو صلاح ... أفسدته زوجي فراح خليعا
أو خليع مستهتر أطمعته ... وعليه غارت وحامت ولوعا
ثم دعتني الحادية عشرة، وهي متمايلة مسبكرّة. وقالت إن زوجي السيئ الظن قد جازف الكلام فيّ بما لاح في باله وعنّ. فقال:
ترى زوجي الرجال فتتّقيهم ... وليس الأمر عن حبّ الصلاح
ولكن خوف أن يغشى عليها ... من القرم الشديد إلى السفاح
ثم مالت إليّ الثانية عشرة، وكانت قصيرة حادرة. تارة حارة. وقالت عُقماً وعقرا. عن مثل زوجي الهرّا. فإنه هجا النساء طرّا. إذ قال:
ليس العَفاف من النساء سجيّة ... لكنه سبب إلى الإفساد
كالضرس تقلعه ليسلم غيره ... وعلى الذي باينت حزنك بادِ
فقلت لا جرم لأقصدنّ منتاب الشعراء. ولاتخذنهم لي عشراء. فعسى إن آنس منهم رشداً. واجد عند نارهم هدى. فإن من كلامهم لحكماً ومن أمّهم لأمماً. وكان من عادتهم أن ينفردوا عن القوم في كل يوم. ويتذاكروا أمور الدنيا من العصر إلى المساء. ولاسيما أمور النساء. فاستقصيت عن محشدهم. ودُللت على مقصدهم. فإذا هم بجملتهم قاعدون على دكة عند البحر. وقد ضربوا لهم سرادقاً يقيهم من الحر. فسرت إليهم. وسلمت عليهم. وقلت هل لكم في أن تجالسوا من يُمتّ إليكم بالوداد. وقد بلغه من كلامكم ما وخّاه إليكم عن رشاد. قالوا مرحباً بالقادم. وإن يكن غير منادم. فلما استقر بي المجلس انبرى واحد منهم ينبس. قال: لا بدّ لي من أن أنهي ما شرعت فيه. وظهر لكم مكنونه وخافيه. نعم لمن خُلق هذا الكون إلا لهن. وأي رجل ما ناله محالهن. وعنّاه وصالهن. ومنّاه محالهن. فهن المتمتعات بدرز الدنيا ونعيمها. ولذّاتها وطعومها. وحليها وجواهرها. وتحفها ونوادرها. يقترحن علينا الممكن والمحال. ويكلفننا أموراً دونها دق أعناق الرجال. لكل عضو من أعضائهن حَلي يزينه. وربما اتخذن له اثنين وثلاثة ولا تزينه. ثم ابتسم كاشراً عن نابه. واستمر خطابه. وبكل جارحة جراح منهن لا تؤسى. وحزازات لا تنسى يتهالك في حبهنّ المالك والمملوك. وسواء في الحاجة إليهن الغني والصعلوك. وإنهن يرمين الرجال في مهالك ومضايق ومرابك. ليكفوهن مؤنة الأطيبين.
стр. 190
ويفيزوهن بفرص البين. فيخوضون البحار. ويقتحمون الكفار. ويعرضون أنفسهم لحد السيف. ولحرّ الصيف. وبرد الشتاء. وذل الاختتاء. ودهمات الاعداء. ودغمات الأرداء. ومقاساة الظمأ والسغب. ومعاناة الشقاء والتعب ومداراة الرقيب. ومباراة المعيب. والإغضاء عن الشين. والإفضاء إلى الحين وطالما قفل أحدهم إلى بيته فوجد في قفل عرضه مفتوحاً وسر أمره مفضوحاً. فرأى في موضعه ضَيْزنا وزبونا. وكثيرا ما آب وقد شُتر شدقه. أو وقُصت عنقه. أو كسرت ساقه. أو إِيف حملاقة أو ضاع ماله. وساءت حاله. فأول ما تبتدره به من الكلام. قولها له قبل السلام. أين الطُرقة. وكم من نُحْلى وتحفة. ولو انك كسوتها حلة بوران. وأسكنتها قصر غمدان. وأطعمتها أفخر الألوان. وسقيتها من الرحيق من يد الولدان. وطرّبتها بالعيدان ونزّهتها في رياض الجنان. وحملتها على الأكتاف. وواليت عليها الألطاف. لما رأيتها عنك راضية. ولا لحاجتك قاضية. والويل لك أن ناهزت الخمسين. وعجزت عن التموين. أو بدا الشيب في عارضك عند الأربعين. أو أصابك مرض في بعض السنين. وهي عند ذلك تتفتَّى وتصبى. وتتصبّى من يرضى ومن يأبى. فتغادرك في الفراش منهوكا. وتلازم الشباك وتشير منه إلى من يلبيّها وشيكاً. إن اغتنم من الدهر هذه الفرصة. فما من دونها غصّه. إذ هو في الفراش لا يعقل ولا يعي. ولا يبصر من يكون معي. ثم تأتي إليه فتقول أوص يا رجل فقد أزف رحيلك. وجفاك طبيبك وخليلك. وملك عائدك ومقيلك. وأنت خبير يا ذا الحليلة. بأنه لن يعجزها في الإجهاز عليه حلية. وإنها إذا رامت أن تتخذ في كل يوم خليلاً ألفته وراء الباب عتيداً فعولاً. معاوداً وصولاً. فوسيلتها إليه غمزة بعينها. ومنُتها لديه شُخبة تطفي أو أم غنيها. بخلاف الرجل فإنه لا يزال بحرقته مشغولاً مكبّلاً بهمه معقولاً. أو يخشى انقباضا وترويلاً. أو صرف درهم أن يجد منه بديلاً. فكيف يقال ان الرجل والمرأة في التكفيل بأدل المعارم سيان. وفي التكلف لحمل المغارم عديلان. فهل فيكم من مجيب عن هذا الأمر المريب. فتصدى له الذي هجا النساء جميعاً. وقال دونك الجواب سريعاً. فكن له سميعاً، وللحق مطيعاً. إني إنما هجوت النساء لا من حيث إنهن اسعد منا واسلم آفات. أو اقدر على اللذات. وأفوز بالمسرات. بل من حيث إنهن خلقن لنا فتنة وضلالاً. وعذاباً ونكالاً. فما قلته فيهن فقد قلته عن حسد. وما أقوله الآن فهو عن تحرّ ورشد. إن المرأة ما دامت في بيت أبويها عانسا لا تزال محظورة لا ترى لها أليفاً ولا مؤانساً. وأخوها إذ ذاك يرتع ويلعب. ويلهو ويطرب ويسافر ويتغرب. يألف من يألف ويصحب من يصحب وكلما زاد مرحاً ذاد أبوه ابتهاجا به وفرحا. فإذا تزوجت صارت تحت حظر بعلها وصار هو مالك ناصيتها وولي فعلها. فلا تكاد تخرج من بيتها إلا بأذنه. ولا تأتي أمراً إلا إذا استوثقت فيه من أمنه. فإن قال لها لك أن تفعليه. كان كالممتنّ عليها بتراث أبيه. وإن قال لن تفعلي رجعت وعبرتها كالولي وبنار حسرتها تصطلي. ثم إن عليها أن تتملقه إذا سخط مخافة بطشه. وأن تقوم بخدمة رحله وحفشه وتطبخ له كل يوم ما يقترح عليها. وتجدد له من قديم متاعه ما يلقيه إليها. وتحفظ نَضَده. وتقوم أوده وتربي ولده. فكم ليلة تبيت تداريه فيها وهو يملأ المكان غطيطا. وجخيفا ونحيطا فهي التي ترضعه وتفطمه وترشحه وتسرهده. وترعاه وتتعهده. وتوقظه وترقده. وتلعّبه وتلهّيه. وتعلله وتراضيه. وتؤانسه وتسليه. وتجالسه وتمنيه وتنظفه وتمشطه. وتمّرضه وتحوّطه. وتمشيه وتحمله وتستدرجه وتنقله. وتغسله وتلبسه وتعطره وتطوسه. وتدفئه وتُلْبئه. ألبأه أطعمه اللبا لأول اللبن. وتدأدئه وتُهْدئه الدادة التحريك والتسكين والإهداء التسكين.
وتزقزقه وتباغمه الزقزقة الترقيص كالزهزقة والمباغمة تقدم ذكرها.
وتربّته وتهمهمه التربيت ضرب اليد على جنب الصبي قليلاً لينام والهمهمة تنويم المرأة الطفل بصوتها.
وتهدهده وترعمه هدهد الصبي حركه لينام والترعيم تقدم ذكره.
وتداعبه وتطايبه وتدندن له وتقاربه. قاربه ناغاه بكلام حسن.
وتّنه وتصربه هدّن الصبي أرضاه والصرب عقد البطن الصبي ليسمن.
وتدغره وتضّببه الدغر رفع المرأة لها الصبي بإصبعها وضّبب الصبي أطعمه الضبيبة. وهي سمن ورُب يجعل له في عكة.
стр. 191
وتدرّبه وتذرّبه التذريب حمل المرأة طفلها حتى يقضي حاجته.
وتجلسه وتنسسه نسّس الصبي قال له إسْ ليبول أو يتغوّط. قلت والقياس أن يقال أيسه.
وتعوَّذه وتنجسه التنجيس تقدم ذكره في الفصل السادس عشر من الكتاب الأول.
وتقمّطه وترسَعه رسع الصبي شد في يده أو رجله خرزاً لدفع العين.
وتزينه وتزهنعه هذا ولو لم يكن للمرأة من غصّة في الأجل غير الحبل لكفي وذلك لمقاساتها بعده إذا كان من بعلها. ما لا يقدره غير مثلها. ولافتضاحها به من غيره. على فرض عدم شعورها بضيره. فقد قالت العلماء أن وضع المرأة جنينها من غير حليلها غير ذي ألم. لكنما يعقبه بعض السَدم. ثم أن المرأة ممنية ماعدا ذلك بأحوال عسيرة، وأخطار كثيرة. وذلك كأحمالها وحِسّها وعنيفتها وأفلها وتوجيبها وكأحشائها ودحاقها. وإسقاطها وأزلاقها. قبل الوضع وبعده وكنفاسها مدّة. هي برزخ بين الموت والحيوة وعدّه. وكالقرء الذي يأتيها في كل شهر. وغير مرة يمنيها بالبُهر. لأنه إذا تأخر عن وقته أضنى ظهرها. وإن قل أو كثر أضنك صدرها. وأذهب صبرها. وكوحمها وتفرّثها. وتأنفها شهوات في مدة الحبل كثيرة. لا يمكنها الصبر عنها وإن تكن ذات مريرة. وهي حٍ جائشة النفس ضَبستها.
وجاشيئتها ولقستها. واهية القوى. واهنة الشوى؛ وغير ذلك من العلل والأحوال. التي سلمت منها الرجال. ومن نظر بعين الرشد والإنصاف. لم يتمحّل للخلاف.
قال الهارس فكأن الخصم انكسرت شوكته وفترت سوْرته فعارض بالمواربة ثم خشي المشاغبة. فقام أحدهم وقال حسبنا يا قوم ما سمعنا ودعوا الفصل إذا ما رجعنا. ثم انفضّوا والأدلة معتلة والعقدة غير منحلة. فقلت عسى أن أصادف من عنده بذلك الخبر اليقين. وأكفى مؤنة السؤال والتخمين فقد رأيت الاثنين كفرسي رهان وفارسي علم وبيان إني أخالهما قد نطقا عن الهوى. ولم يتحريا الصدق الذي ينبغي لمن حدث وروى وإذا بالفارياق يهرول في بعض الأسواق. وبيده زنبيل يودعه من المأكول ما حسن لعينيه وراق. فأمسكت من فرحي بالزنبيل. وقلت الدليل الدليل. قال هوجوع بُرْقوع. يُرْقوع بركوع. لا ينبغي أن يقام عليه دليل ولا برهان. ولا بيّنة ولا شاهدان. وإن القاضي نفسه لأجوع الناس إلى اللُمْجة. واسبقهم إلى الغُمجة. وإن شئت فقل إلى الغَنِجة. فقلت إنما الدليل على تلك. ولك الأمان على ما في زنبليك من الملك. قال ما خطبك. وممّ كربك. أفي حديث النساء كنت تخوض مع الخائضين. وتحرض مع الحارضين. قلت بلى لأمر ما جدع قَصيرُ أنفه. وللمقدور غادر الأليف إلفه. ثم أخبرته بما جرى لي في البيت ومع النساء وعند الشعراء. وقلت أفدني الجواب بغير مراء. فأطرق ساعة. وقال هاكه على قدر الاستطاعة. فإن الجوع قد أبدى فيّ خراعة. ولم يغادر بي للشعر خواطر صداعة. وهو:
تكافأ الزوجان ف اللذات ... واستويا في أُرَب الحياة
قومي اقعدي مِثْلُ لهاتِ هاتِ ... وطاوعني ندَّ لآتِ آت
والمرء في الصبي على النِزَّات ... اقدر أو أجْرا من الفتاة
لأنها كثيرة العِلات ... غير القروء ساء من شكاة
حتى إذا ما قيْل عات ... دار لها الدَّوْرَ إلى ميقات
غايته الستون للشطات ... وبعدها عُدّا من الرُفات
نعم يسوء المرء بين النات ... ضعف له إذ ذاك في الأداة
لكن لها من أعظم الغصّات ... المجرضات جَرَض الممات
أن تِبْعها يأتي من اللّدات ... وهي تريده فتى الأرَّات
كل له سهم من الهنَّات ... مُؤرّبُ حتى إلى الممات
ثم عدا بزنبيله، وجعل يتحوّفه ويعيث في قليله. قال فصَدَعني بالحق أيَّ صدع. وعلمت أنه غير ذي ضلع. فملت إلى موادعة زوجتي. وتسكين هوجي ونوجتي. فأتيت منزلي. فوجدتها دائبة في علمي. فأكببت على عناقها معانقة المشتاق. وأنبأتها بما قاله الشاعران والفارياق. فقالت جزاه الله عني خيراً. ولا أراه في غربته ضيرا. ثم أقمنا على الوفاق. وتعاهدنا على حفظ الرفاق.
جوع دَيْقوع دهقوع
стр. 192
لما رأى الخرجي أن سكناه في بيروت لا تصلح لجسمه ولا لرأسه عزم على الشخوص منها إلى الجبل. فألقي في روعه أن يسكن في دير للروم. فسار بزوجته وبالفارياق فأقاموا في قرية تحت الدير يومين. وكان يأنس بالفارياق بعض الحسان منها ويواكلنه. فلما علمت إحداهن إنه صاعد في الغد إلى الدير طفقت تبكي. فكأنما ظنت إنه نوى الرهبانية. فظهر له إنها خالفت عادة النساء لأنهن يحببن الرهبان أكثر من العامة. فإن فتنة النساك العباد تتوقف على روم وكيد أبلغ وهو مما يلذ النساء أو بالعكس. حتى إذا رأينهم طوعاً لهن رجعن بعد ذلك إلى ما كنَّ عليه ليختبرن جميع ضروب الحبّ فلا يفوتهن منه شيء والحاصل أن الفارياق بُكي على فراقه هذه ثاني مرة في عمره حتى صار يحسب في عداد المحبوبين. وإنه ذهب في الغد إلى الدير واتخذ له فيه صومعة بلا قفل ولا مفتاح فصار من جماعة باعرْ باي "الذين ليس لأبوابهم إغلاق. قلت وهو بناء غريب" وكان ذلك الدير منتابا لجميع أهل القرى المحيطة به. فإنهم كانوا يودعون فيه أمتعتهم خوفاً من هجوم العساكر المصرية عليهم. لأن الدير حرم آمن.
وكانوا إذا جاءوا إليه يدخلون جميع الصوامع من غير محاشاة ومن جملتها صومعة الفارياق. فكانوا إذا وجدوا على فراشه أوراقاً فيها تفسير حلم أو غيره تلفقوها وقرءوها. فمنهم من كان يفهم منها قدر ما يدور به لسانه. وآخر قدر ما يدور به رأسه. وآخر قدر ما يدور به جسمه كله فيوليه ظهره ويخرج. ومنهم قدر ما تدور به يده فيرفعها ليبطش بالكاتب والمكتوب معاً. ومنهم من كان يسخر منها ويقول إنما هي أضغاث أحلام. ومنهم من كان يقول إنها لا تصلح لوقت الحرب ولم يجد منهم من استحسنها. وكان يدخل أيضاً مع هؤلاء الدامقين دامقات فيهن من يحب تلقيها بأهلا وسهلا ومرحبا. وفيهن من تجدر بواحد من ذلك فقط. وفيهن من تجدر باثنين مواترة. وفيهن من لا تصلح لشيء.
وكل ذلك كان يمكن تحمله إذا حُمل بعضه على بعض. إلا الجوع الذي تسبّب عن تعطيل الطرق فإنه كان لا يطاق. مع أن الفارياق كان قد خرج من عناء سفر البحر الذي مناه بالصيام أياماً متوالية. فكان لا بدّ له من اللمج فمن ثم كان يذهب إلى القرية وينادي يا من عندها دجاجة للبيع فتبيعني إياها. فكان بعض النساء يجبنه هذه الدجاجة السارحة مع الدجاج في الحقل أريد بيعها. فإن أردتها فاسع إليها واقبضها بيدك. فكان يسعى وراء الدجاج ويطفر معها على الجدران. فإن ساعده الحظ على كسر ساق إحداها أو إعيائها قبض عليها. وكان عند جريه وراءها يجري معه خاطره فيقول في نفسه.. أنا اجري الآن وراء دجاجة فهل زوجتي تجري في الجزيرة وراء ديش.
وينبغي لي أن أقف قليلاً عند هذا الجري وأقول. قد ذكرت سابقاً إن الفارياق كان ذا هَوَج ونزق وجزع. فكان من طبعه إذا غاب عن أهله أن لا يزال يقابل حاله بحالهم بالمقابلة الاطّرادية وبالمقابلة الامتيّة. مثال الأولى قوله أنا اجري وراء دجاجة فهل زوجتي وراء ديش. وقوله مثلاً وهو لابس هل هي في هذا الوقت عريانة. وفي حالة كونه قائماً هل هي الآن مضطجعة. وقس على ذلك. ومثال الثانية أنا اجري الآن وراء دجاجة فهل يجري وراءها ديش.
على أن خبز الدير والقرى ح كان مخلوطا بالزؤان. فكان الفارياق إذا أكل منه خيّل له انه لم يزل في السفينة عرضة للتنانين. ويتأكد عنده ذلك بدخول أحد الرهبان عليه وهو تلك الحالة. فلما ضاق بها ذرعاً نظم أبياتاً وبعث بها إلى رئيس دير غير الدير المذكور وكان يظن أن عنده غناء. وهي:
ليت شعري ماذا يفيد البيان ... مع خواء البطون والتبيان
وفنون البديع من غير أكْل ... تستشيط اللهى بها واللسان
هاك ألف استعارة برغيف ... وبخسّ تخس تفتازان
أيها المعربون هبّوا فما من ... ضرب زيد عمرا يرص الخوان
أين أين الكباب والرز والبر ... غل تصغوا من فيضهن الجفان
ذهبت دولة الطبيخ وجاءت ... نوبة الجوع أمّها لبنان
يالها من معرة نبعث الدنيا ... ر ما إن يعبا به إنسان
ليس بيع ولا شراء بأرض ... قد قضى عيشها وعاش الزوان
طال مكثي في الدير حتى كأني ... راهب لا ترضى به الرهبان
إذ رأوني وحولي الكتب وألاق ... لام مَّما عنه نهى المطران
стр. 193
أنا في وحشة من الإنس وحدي ... لا تراني فلانة وفلان
عيشة لو أريتها في منام ... ما شجتني من بعدها الألحان
فبعث إليه الرئيس بأرغفة لازوان فيها ومعها هذان البيتان:
وصلتني الأبيات يا فرقيان ... إنما نحن في الدنيا رهبان
ما عندنا طعام كما تشتهي ... ولا نبيذ ولا نسوان
فهرول إليه الفارياق ليعاتبه على تغيير اسمه. فرأى في الدير إحدى نساء الأمراء كانت قد جاءت إلى الدير استئماناً من العساكر فلما رآها قال له قد شفع الخبز سيدي في وزن البيتين ولكن لم غيرت اسمي. ثم تذكر السيدة فقال وقلت أيضاً أنكم رهبان وما عندكم نسوان. وها أنا أرى عندكم سيدة زهراء قد ملأت الطنفسة شحماً ولحماً قال إنما غيرت اسمك لأجل القافية وهو جائز للشعراء. وأما قولي ما عندنا نسوان أي ليس لنا أزواج. ولكن لا ننكر أن عندنا نساء غيرنا يزرننا أحياناً للبركة. قال أيكم يحصل ذلك. فلم يفهم لكن السيدة فطنت لذلك ودعته إلى الاركيلة المعروفة فلبث عندها ساعة شفعت في تغيير اسمه أيضاً.
وآب إلى صومعته راضياً. فوجد رئيس المعّبر قد تعكبش في رأسه غصن من أغصان الحلم الأول فزاده خبالا. فكان يقول إذا سمع صوت الطبول من خيام العسكر وإذا ابصر بريق سلاحهم. ألا تسمعون طبل الشيطان. يضرب به بعض الرهبان. ألا تبصرون قرون الشيطان. كيف تتقد منها النيران. إذ تحتك بها النسوان. والسيدة زوجته غير مكترثة بصراخه ولا بتخييم العسكر قرب الدير لأن حب الغصن لم يدع في قلبها موضعاً لغيره ثم منّ الله تعالى بإصلاح الحال فسارت العساكر من البلاد وأمنت الطرق والمسالك وسكن صاحب المعبر. فرأى أن يذهب إلى مدينة دمشق ويمر ببعلبك ليرى قلعتها العجيبة. فاكتروا لهم خيلاً وبغالاً وعزموا على السفر.
السفر من الدير
стр. 194
ركب كل من الفارياق والغصن بغلاً وكل من السيدة وزوجها فرساً. وانضم إليهم ركب وساروا يقصدون دمشق. حتى إذا كانوا بعض الطريق أجفل بغل الفارياق لوهم خطر له فقمص به وشمص. فألقاه على ظهره فوقع على وركه على صخر فقام يخمع من الخامعين. فجزع عليه صاحب المعبّر إشفاقاً من تعطيل مصلحة التعبير. وشتمت به زوجته إذ كانت تحسبه رقيبا عليها وعلى غصنها. وكذا مساءة الرجل قد تكون مسرة المرأة. وهنا ينبغي أن تضيف إلى معلوماتك الواسعة هذه القضية. وهي إنه لا شيء من أنواع السفر اشق من الركوب على هذه البغال العاتية فإنها بلا سروج ولا لجم ولا ركُب. وقد جعل لها هؤلاء المكارية المقى بدل اللجم حبالاً تتصل بسلاسل من حديد جافية. يمسك الراكب بيده سلسلة فإذا شرد البغل وهنت يد الممسك بها عن كبحه. والعادة إنه متى شرد بغل سائر البغال. ثم أجفل بغل الغصن فمال عن ظهره وتعلقت رجله بحبل فتدلى رأسه يخبط على الأرض. فذهب ما عند السيدة من قليل الصبر عنه. ولم يقدر أحد على رد البغل. فكنت ترى عينها في جهة وقلبها في جهة أخرى. وكبر منها ما كبر. وصغر ما صغر. وجف ما جف. وقف ما قف. وابتل ما ابتل. وانحل ما انحل. واقشعر ما اقشعر. وازبأر ما ازبأر. وتنغّض ما تنغّض. وانتفض ما انتفض. وتنضنض ما تنضنض. وتلمظ ما تلمظ وتلظلظ ما تلظلظ. وضجم ما ضجم. وشخم ما شخم. وغدت تتململ وتتلوّى. وتتقلب وتتحوى. ودخل في رأسها أول مرة في عمرها مُنيةُ أن تكون رجلاً لتجيره. ثمهون الله الصعب ووقف البغل فاستوى عليه الغصن وساروا حتى وصلوا إلى بعلبك والفارياق على رمق فذهب وتفيَّأ في ظل شجرة فهوّم به النسيم فنام فقام منهوكا. ثم ركبوا وبلغوا دمشق وهو مريض فاكترى غرفة في خان وبقي أياماً لا يقدر على الخروج فلما نقه توجّه إلى منزل أهل زوجته وعرّفهم بحاله ففرحوا به. ثم عاودته الحّمى ثم أفاق فرأى أن يذهب إلى الحمام ليغتسل فلمّا رجع رجعت إليه. واتفق إنه انزل يوماً إلى المرحاض فأغمى عليه فيه فوقع وقد دخل رأسه فيشق المرحاض فجعل يصرخ ويقول: ألا إن رأسي في الشق. إلا أن الشق في رأسي. فبادروا إليه فرأوه على تلك الحالة. فمنهم من ضحك منه ومنهم من رقّ له. ثم عوفي قليلاً فبدا له ولصاحبه السفر. ولكن لا بدّ لي قبل رحيله من هذه المدينة الشريفة أن أرهقه وأغسره حتى يصف لنا محاسن نسائها إذ هو لا يحسن شيئاً غيره. فأما الكلام على خوّاص نبات الأرض ومعادنها وهوائها وعدد سكانها وعلى الأمور السياسية فليس من شأنه.
стр. 195
قال دخلت دمشق وبي حّمى صحبتني من بعلبك. وما كدت انقه حتى سافرت منها فلا أستطيع وصف نسائها إلا وصفاً سقيماً. فإن رضيتم به أقول. أني لما دخلتها نزلت في خان يسمى خانفارس. فعّين لي صاحب الخان عجوزاً لخدمتي فلحظت من طبّها وشَمْظها أي خلطها الكلام الليّن بالشديد. إن للعجائز يداً طويلة في المعاملات النسائية. أعني أنهن يدخلن الديار بحيلة أنهن يبعن للنساء ثياباً ليكتسين بها. فيخرجن من عندهن وقد تعاهدن على تعريتهن رأساً فهن السبب الأقرب والذريعة الوثقى في الجمع بين العاشق والمعشوق. فأما نساء المسلمين فقد ظهر في بادئ الرأي أنهن أجمل من نساء النصارى. كما أن الرجال من المسلمين أجمل من النصارى وأفصح لهجة وكذا هم في سائر البلاد الإسلامية. ولون النساء عموماً البياض المشرب بالحمرة. والغالب عليهن الطول والشطاط. غير أن هذا الإزار الأبيض الذي يتزرن به عند خروجهن من ديارهن لا يحلو للعين كحبر نساء مصر. وكلاهما مخفٍ لمحاسن القد ولعلهن يلبسن ذلك عمداً لتأمن الرجال فتنتهن فلهنّ الشكر عليه. ولكن ما هذه المغازلة والاتلاع. وما هذا التبهكن والتبدح. أفليس للقلب عينان يبصر بهما ما وراء ذلك؟ أيخفي الشمس غيم وهي لولاه لم يمكن لعين أن تراها. فأما زيهن في الديار فأشوق وأفتن ما يكون. قال وقد ظهر لي أيضاً وأنا موعوك بالحمّى بعد أن خرجت من الخان وشممت رائحة الزائرات من النصارى إنهن مؤانسات حلوات الحديث والشمائل مناطيق. حتى اعتقدت أن شفاي يكون بذلك. ولولا أني خشيت من التبخيل بالاستغناء عن الطبيب ولا سيما إن أبي كان قد توفي بدمشق فألقى في روعي إني ألحق به لما احتجت إلى علاج آس. وحين كنت أسارق النظر إليهن وأنا على الوسادة كنت المح في صدورهن حين يتنفسن شيئاً يربو ويشبو. ثم رأيت بعض أعيان المسلمين يزورون رب الدار وينبسطون معه في الكلام. وهم من الهيبة والوقار بمكان. فلا أدري ما الذي حسّن للمطران جرمانوس فرحات حتى قال في ديوانه:
فكأنني حلب برقة طبعها ... وكان طبعك بالغلاطة جلّق
ولهذا القائل الأحمق أن يقول الحلبي شلبي. والشامي شومي. مع أن أهل الشام أرق طبعاً من أهل حلب وأزكى أخلاقاً وأطلق لساناً ويداً ومحيا وأوفر سخاء وكرما. والدليل على ذلك أن دمشق مع كون النبي شرفها بقدمه وكانت مثوى لبعض الصحابة واصبحت وصيداً للكعبة ومازالت من ذلك العهد منزلا للحجاج. فإن النصارى فيها يتبوءون داخلها الديار الرحيبة والمنازل الفسيحة. بخلاف النصارى في حلب فإنهم لا يمكنون من السكنى إلا بخارج المدينة ولا يدخلونها إلا للبيع والشراء. هذا وقد حرس الله قطر الشام عن الزلازل التي يكثر وقوعها بحلب. وعن هذه الحبّة المشئومة المتسببة عن مائها. حتى إنها كثيراً ما تشوه وجه من يصاب بها. فهل مراد المطران أن يقول أن نصارى حلب وحدهم ارق طبعاً. أم يصح أن نبخس الناس حقوقهم لأجل السجع والتجنيس. فيقال مثلا الجاثليق هَندليق. والمطران قَطران والقسيس لهيس والراهب ناهب. والسوقي بوقي. والخرجي دُرجي. فأما اللغة فليس لعمري من مناسبة بين فصاحة أهل دمشق وركاكة أهل حلب. لأن حلب لما كانت متاخمة لبلاد الترك دخل في كلام أهلها كثير من الألفاظ العجمية. كقولهم أنجق بيكفي يخرجون الجيم في أنجق مخرج الجيم التركية ويتقلنّه أي يستعمله وخوش خيو وما أشبه ذلك ما عدا لكنتهم ولخلختهم فينطق الألفاظ العربية.
ثم أن الفارياق سافر هو وصاحبه إلى بيروت ومنها إلى يافا. فدعاهما وربان السفينة نائب قنصل الإنكليز بها "هو غير الخواجا أسعد الخياط اللبيب البارع" ليشربوا عنده الماء بالسكر المعروف بالشربات مما اشتهر أيضاً بهذا الاسم عند المؤلفين من الإفرنج واستعملوه في كتبهم لا في ديارهم فساروا معه فاحضر لكل منهم كأساً تليق به بحسب ضخامة جثته. فلما فرغت الدعوة اقلعوا إلى الإسكندرية ثم إلى الجزيرة وأقاموا في معتزلها. فبعث الفارياق إلى زوجته يخبرها بوصوله ويستدعيها للاعتزال معه. أنا لا أحب الاعتزال ولا الكسل. ثم وافت بعد ذلك ولما استراح الفارياق من ألم السفر استروح منها رائحة النساء.
النشوة
هي رائحة أمّ دَفار. استوى فيها ما دبّ وطار. وسلك في البحار. وتفضيلها في العنوان فهل أنت ذو استذكار.
الحض على التعري
стр. 196
ثم دخلا البلد ورجع الفارياق إلى التعبير وإصلاح البخر. وبعد مدة وجيزة قدم على صاحب المعبَر رجل من العجم قيل أنه كان مسلما ثم تنصّر وإنه شاعر مفلق ذو شهرة بين علماء فارس. فسار ومعه الفارياق ليسلما عليه في المعتزل وإذا به جحشوش حتروش حزقّة ألحَي. فلما دخل البلد أقام في المعبّر فرأى الرئيس بادئ أن يحلق لحيته. فجيء بالحلاق واعمل فيها الموسى فلما انتهى إلى شاربيه سترهما بيديه فأقبل إليه صاحب المعبر وبيده كتاب ليحجّه منه على لزوم حلق الشوارب. فدار بينهما البحث والجدال حتى رضي الرئيس بنصف الشعائر. فلما كان ذات يوم من الأيام المشئومة ذهب الفارياق إلى المعبر فوجد الرئيس قد تعرّى من ثيابه بالكلية وجعل يطوف الدار على هذه الحالة ويحض الناس على الاقتداء به. ويقول يا أيها الناس ما جعلت الثياب إلا لستر العورة. ولا عورة لمن كان طاهراً بريئاً من الذنوب والمعاصي. فأن آدم لما كان في الفردوس في حالة العصمة والبراءة لم يكن له حاجة بالثياب فلما انتهى إلى زوجته ليغريها بالتعرّي قالت له إن النساء لا عصمة لهن إلا في الليل فلا بدّ لهن من الستر نهاراً. فرآه العجمي على تلك الحالة فسأل الفارياق قائلاً ما بال صاحبنا قد غيّر اليوم زيّه الأسود وتردّى بهذا الزيّ الأحمر. قال هو من جنود الخرج والجند هنا يلبسون اللباس الأحمر. ثم اشتد اللمم بكل منهما واستحكم. فخافت الزوجة أن يتلاقيا في مأزق وينشب ما بينهما الجدال أو الجلاد. فرغبت إلى الفارياق في أن يضم إليه العجمي. وكان الغصن قد قدم إليها في أثناء ذلك من الديار الشامية وهو مترجم عن جني شهي، وجذع قوي. فبوّأته عندها مقاماً كريماً. وحاولت أن يخلو لها معه المعبر خلوّاً مستديماً. ولو بدوام لمم بعلها. وفقد أهلها فأقام الغصن في أرغد عيش وأهنأ حال. وظلت هي معه أشغل من ذات النحيين في أصفى بال وظل زوجها يحض على التعري. وأنه من شعار المتزكي المتبرّي. ولبث العجمي في منزل الفارياق. وإنما قبله عنده لدمامته وضعفه ولغلبة السكوت عليه. فلما كان ذات ليلة وقد رأى عند زوجة الفارياق نساء حساناً أنحلت عقدة لسانه ونطق بكلام دل على أنه لم يتنصر عن هدى وإنما أضطره إلى ذلك أبو عمرة ثم بات تلك الليلة وقد أضطرم الغرام في قلبه فخرج ليلاً يقصد غرفة الفارياقية. فأحسّ به زوجها فبادره بحبل وهو لا يستطيع دفاعاً عن نفسه فلما كان الغد شاور زوجته في أمره. فقالت أظن أن هذا العجمي إنما جنّ لعدم الزواج وكذا سائر المجانين. إلا ترى أنه رأى البنات عندنا البارحة تهلل وجهه وتكلم؟ فقلت ما أرى الحق معك هذه المرة فإن صاحبنا الخرجي جنّ من بعد الزواج قالت لكن عقله كان قبل ذلك مختلاّ بأحلام. ولما تزوج لم يؤد الزواج حقه فأقتصّ الحق منه فلأعتبر به غيره. قلت من أين علمت هذا؟ قالت أن المتزوج لا ينبغي له أن يكون فضولياً يتعرض لغير ما هو فيه. قلت هذا تعطيل المصالح الخلق. قالت لا تعطيل فإني لا أمنعهم عن العمل بل عن فضول الكلام. واللهج بالأحلام. فأن التمحّل لعلم خرق العادات، أجهد من التحمّل لعمل عادات الخرق. ألاّ ولو كان الأمر ألي لداويت المجانين كلهم بالنساء ومن النساء وعن النساء. قلت أكل حروف الجرّ للنساء. قالت نعم كل الجرّ في النساء. قلت قد حذفت الحروف قالت بل هي باقية قلت دعيني من المطارحة وافقيني في أمر هذا المجنون. قالت ردّه إلى المعَّبر وإني أكره طول مكثه عندنا مخافة أن أحبل فيأتي الولد على شكله. قلت ما مدخل الجنون في الجنين. قالت أو ليس الأولاد يأتون بيضاً صباحاً ووالدهم قباح. فلو لم يكن لعين الأم من فاعلية عند توّحمها لما كان ذلك. قلت هذا رأي يؤدي إلى الكفر والمحال أما الكفر فلأنك تزعمين أن المرأة مشاركة في خلق الإنسان. وأما المحال فلانّ المرأة لو كان لها فاعلية في ذلك لأشبهت الأولاد آباءهم أو لجاءوا كلهم صباحاً. قالت أما جواب الكفر فلا ينكر أن يكون الله قد خلق هذه الخاصية في المرأة وهو مسبب الأسباب. بمعنى أن القوة الوحمية التي أودعها فيها الخالق القدير تكون مؤثرة في كونية الولد. وأما جواب المحال فلأن المرأة أبداً تشتهي أن يأتي ولدها على غير هيئة أبيه. وما تراه منهم مشبهاً أباه فالغالب أنه البكر. قلت كثر الله من أمثالك ما كأنك قرأت الكلام إلا على الأشعري قالت نعم
стр. 197
الكلام هنا في الأشعري لا في الجميش ولا النميص قلت المجنون المجنون ودعيني إلى المجنون فقد كدت تلحقينني به بكلامك هذا المعصود قالت متى كنت تكره العصد، وهو لك غاية القصد. أما المجنون فليس إلاّ ما قلت أنطلق به إلى المعبر ودعه هناك من غير أن تخبر به أحد. قال فانطلقت به وأدخلته في إحدى الحجر وقفلت عليه الباب. فلما جاع طفق يعالج الباب ليخرج فسمعه الخادم فأخرجه. فتوصلت زوجة صاحب المعبر في أن رجعته من حيث جاء وعزمت على السفر بزوجها إلى بلادها. وناب عنه آخر من بلاده في المصالح التعبيرية ولكن لم تطل مدته لأسباب يأتي بيانها. وقبل إيرادها ينبغي أن نختم هذا الفصل بما نظمه الفارياق حين كان رئيس المعّبر يحض على التعرّي وهو
ألا تريد صاح أن نجنّا ... ونخلع اليوم الثياب عنا
ولا تنام ليلنا أن جنّا ... ولا نسي بالنساء الظنّا
ولا نرى متى يجي حنا ... وإن يغب نقل مريض مَنّا
وأن أتانا فاسق وزنّا ... نركبه الخيل فلا يعنَّى
ونجعل الزوج له مجنّا ... تقيه من كل معَنّ عنّا
ولا نبالي أن رأينا قرنا ... قد طنّ في أصداغنا ورنّا
فقد رأيت العقل يضنى الطُنّا ... ويحرم الحرّ الذي تمنى
ولن ينال الحظ مطمئنا ... إلا الذي باح بما أكنّا
مه أيها الشيخ الذي أسنّا ... ما أنت والغناء والأغنّا
تدخل في مضايق وتعنى ... وما تبالي لو لقيت وهنا
ماذا لقيت من نزير جنّا ... ومن طواف ههنا وهنّا
وأفيتنا في شهر نحس أخنى ... على المحبين فقلنا أنّا
لم تخل دار بتّ فيها معنا ... من حادث غارة سوء شنّا
يشكوك كل ذي عيال منا ... أوردتهم من كل رزء فنّا
فمن مجانين أبانوا الهنّا ... ومن مصاب بالحمام أطْنى
ومن عليل دنف أنا ... حتى رثى الضدّ له وحنّا
قدك اتئد أوقدت فينا الحزنا ... وقد شحنت المصر همّا شحنا
فاضعن هداك الله وأرحل عنا ... من قبل أن تقطع عنه الطحنا
وتنضب الماء وتنفي اليمنا ... عن بلد من قبل كان أمنا
وأختر بغير ذا المكان كنّا ... تأوي إليه مستريحا طمْنا
فما عليك أن أصبت غبنا ... ثمَّ ودَعّا أو لقيت زبْنا
أو كنت تأتي هذّرا وأقنا ... وتنظر القبيح منك حسنا
بحيث لا تبصر يوماً قرنا ... وكاشحا أخفى عليك ضغنا
كما أصبت ههنا خُبُنّا ... أصدأ منك الضرس ثم السنّا
لو استطاع لقراك سجنا ... تصبح فيه للرزايا رهنا
شيطانه عليك قد تجنى ... يقول من تبغك قد أسنّا
جعلت في دار الصلوة فرنا ... دخانه عمَّ وأعمى الرعنا
وقال قوم تفله أصنَّا ... ولحنه يبلغ ضرّا منا
فليبغ في دار سواها خدنا ... وما علينا أن سخا أو ضنّا
وأن بكى من شؤمه أو غنّى ... أو أخلص الدعا لنا أو لعنا
أو خار من جوع وذلَّ وهنا ... أو قال صرنا بعد ما قد كنا
أنك يا مغرور لم تعشقنا ... ولم تعرّ بنا ولم تشُقنا
فلا جزاك الله خيراً عنا
بلوعة
стр. 198
لما فرغ الفارياق من تعبير الأحلام كلّف أن يترجم كتاباً للِجْنة في بلاد الإنكليز فترجمه لهم بلغتنا هذه العربية على ما اقتضته قواعدها. وأتفق وقتئذ أن سافر المطران أتناسيوس الحلبي التتونجي مؤلف كتاب الحكاكة في الركاكة إلى تلك البلاد في بعض مصالح ثرتمية. فتعرف باللجنة المذكورة وأفادهم أن لغة الفرياق فاسدة رأسا. وذلك لخلوها مما أشترطه على المترجمين والمعربين في كتاب المذكور. وأن النصارى يحبون الكلام المعسلط المعسطل. وأنه قد ربا في هذه الصنعة مذ عهد طويل وربى فيها كثيرين في مدرسة عين تراز وفي غيرها.
وأن لأسفار الكنيسة منهجا ... يخالف أسفار الورى ويغاير
وأن لفي اللفظ الركيك يبرّكا ... ويُمْنا لقوم عنهم العار ظاهر
وأن غناء اللحن في القول عندهم ... لكان للحن في الإيقاع والأصل ظاهر
وإن نسبة المولى إلى الله منكرُ ... ومن ولوُا الأدبار كلّ يحاذر
وأن تكاة جمع متكئ أتى ... وأن مَصُونا لا مصانا لنادر
وللشعب القوم معنى مشهر ... وفي ملك لا في ملاك كبائر
وأن عبيداً لا عباداً مضافةً ... إلى الله أوْلى ما لذا الحكم ناكر
وأن عذاباً كالركاكات جمعه ... وإن لم يرادف باقي الشيء سائر
وما واعظيها قيل بل موعظينها ... ومن قال أدوّا دون ودّوا مكابر
ومن ردّ قل إن شئت صوغ اسم فاعل ... مُردّ كذا قال النصارى الأواخر
ويظهر يلغيه يبان نظيره ... وصرنا بنيْنَا بالتذخّر كاثر
وجمع مصَفّ للإله مسبّح ... وبعد كما للعطف واو تباشر
ومن بعد إذ جزم المضارع واجب ... ونعت المثنى بالذي متواتر
وإثبات باء الأمر من ناقص كما ... حكاه له قس الشوير المعاصر
وإثبات نون الرفع في الفعل بعد كي ... وأن مستفيض هكذا نص زاخر
ومن بعد يعطى نصب نائب فاعل ... وجوباً وحذف الفاء في الشرط دائر
وطلب من اللجنة المذكورة أن يفوضوا إليه تعريب الكتاب الذي مرّ ذكره ليحظى عند النصارى بالقبول وإلاّ فلا. فلما رأوه ذا لحية ولا سيما أنه متحلّ بجلاء مطران والمطران عندهم لا يكون إلاّ علماً فاضلاً اعتقدوا فيه الفضل والعلم وفوضوا إليه العمل. ولهذا السبب خاصة بطل المعبّر ولم يبق للفارياق إلا مرتبه من وظيفة إصلاح البخر. وهنا ينبغي أن يلاحظ أن الإنكليز أشد الناس حرصاً على الألقاب. فإذا زارهم أحد من البلاد الأجنبية متصفاً بلقب أمير أو شيخ أو مطران حظي عندهم الحضوة التامة. ولا سيما إذا كان يتكلم باللغة الفرنساوية. أما لقب المطران فهو عندهم من الألقاب التي تغني صاحبها عن توصية وتنويه. إذ ترجمة هذه اللفظة تجري لديهم مجرى قولهم رئيس أساقفة. ومن حصل على هذه الدرجة منهم حصل على دخل أربعة آلاف ذهب من الليرة. فأما طول اللحية فهو عند العرب ليس بدليل على الحلم والنباهة كما يتبين من حكاية المأمون مع الفقيه علويه. ولكن عادة العجم غير عادة العرب.
стр. 199
ثم أن الفارياق لما آن وقت بطالته من إصلاح البخر وهو ثلاثة أشهر الصيف في كل سنة عزم على أن يسافر إلى تونس. فركب في سفينة رئيسها من أهل الجزيرة الذين هم بين السوقيين والخرجيين مرة. ومرة بينهم وبين الفلاسفة. وبعد سفر أثني عشر يوماً كلها خطر وعناء بلغوا حلق الواد. فكان بعض الملاحين يقول في أثناء الطريق أنه إنما وقع لهم ذلك بخلاف العادة لكون الرئيس سافر يوم الجمعة خلافاً لسائر الرّبّانيين فأنهم لا يسافرون فيه أصلاً أما احتراماً له أو تشاؤما منه. لكن الفارياق كان يعلم حقيقة السبب وهو هبوط طالعه. وأن نية سفره سواء كانت قريبة أو غير قريبة لا يبلغ إليها إلا في عدة أثني عشر يوماً. وإنما كتم ذلك عنهم. قال أما المدينة فإنها ضيقة الأسواق صغيرة الحوانيت. غير أنها طيبة الهواء والمأكول والمشروب كثيرة الفواكه. وأهلها طيبون خيرون يكرمون الضيف ويحبون الغريب. رفيها من المغنين والعازفين بآلات الطرب كثير ومعظمهم من اليهود. ونساؤهم حسان سمان بيض دعج برغم النصارى القائلين أن الله لعنهم ومسخهم بعد صلبهم سيدنا عيسى ﵇ ونزع منهم كل حسن باطني وظاهري. غير أني أظن أن القسيسين إذا نظروا يهودية جزلة بضّة ربحلة يبدّعون صاحب هذا المذهب ويفنّدونه. وإنما يقول ذلك منهم من كان لزق النصرانيات ولم يرَ غيرهن. ومعلوم أن النفس ترغب في الحاضر الموجود عن الغائب المفقود. أو لعلهم يريدون أن المسخ إنما نزل بالرجال دون النساء فلْيُسألوا. وأن كثيراً من هؤلاء الغير الممسوخات غير بعيدات عن الغصن والهصر. ومن عادتهنّ أن يمشين غير متبرقعات مكشوفات السوق. ثم لمّا أزف رحيل الفارياق من المدينة قال له بعض معارفه من أهلها لو مدحت وإليها المعظم. فأنه أكرم من أعطى وأنعم. وأكثر الناس ارتياحاً إلى الجود والمعروف. قال قد نويت الآن السفر فلم يعدلي ممكناً غيره. ثم رجع إلى الجزيرة وكان من جملة الركاب الذين رجعوا معه رجلان نمساويان أحدهما أبن أحد التجار الأغنياء والآخر من قواد عسكر البابا. وكان هذا قد أخذ من الفارياق واحدة من هذه النبخات الدقاق فردها عليه بعد يومين. فلما استقر الفارياق بمنزله خطر بباله أن ينظم قصيدة في مدح جناب المولى المشار إليه. فأنشأ قصيدة طويلة ذكر فيها كل ما شاقه هناك من المحاسن ولكن من دون تعرّض لذكر محاسن نساء اليهود. فلم يشعر بعد أيام إلا والمولى المشار إليه بعث له بهدية من الماس تضن بها الملوك على ندمائهم. ومعها كتاب من ناموسه المعظم ووزيره المفخم مصطفى باشا خزندار. هذه صورته "المحبّ الذي رعى المودة شأنه. والكمال سجية قام بها عمله ولسانه. الأديب الأريب. الآخذ من كل فنٍّ أوفر نصيب. حسن الأخلاق. والحائز في مضمار البلاغة قصب السباق. البارع الفارياق. لا زالت محاسنه نيّرة الإشراق. وبلاغته كواكب آفاق. أما بعد نعمتنا ومولانا وسيدنا المشير أحمد باشا باي أمير الإيالة التونسية. لا زالت بوجوده محمية. بلغ لرفيع جنابه من آدابكم قصيدة تحلىّ بها شعركم. واتضح بها فخركم. ويدوم بها ذكركم. فلله در منشيها ومبدعها وموشيها. حيث ملك من البلاغة دانيها وقاصيها وألقت لديه مقاليدها ونواصيها. والمولى أيده الله حسن لديه موقع خطابكم. وأثنى عن بلاغتكم وآدابكم. روجه لكم من حضرته العليا حكة تتذكر بها وداده وإيالته وبلاده. فأقبلها من أفضاله ومن نزور نواله. والله يحرسكم بعين عنايته. ويسبل عليكم ستر عاقبته. وكتبه الفقير إلى ربه تعالى مصطفى خزنة دار الدولة التونسية في الرابع والعشرين من ذي الحجة الحرام سنة ١٢٥٧."
стр. 200
وفي أثناء ذلك قدم المطران التتونجي إلى الجزيرة فبلغ الفارياق قدومه ولم يكن يعرف ما افتئت عليه به عند الإنكليز فذهب ليسلم عليه وأدبه إلى وليمة أعدها له. وأقام المطران في بعض المنازل يشتغل بترجمة ذلك الكتاب الذي زاحم الفارياق عليه. وظل الفارياق ينتابه حيناً بعد حين وهو غير موجس منه شيئاً. فلما كان بعد أيام ثارت في الجو حاصب ومتشغزبة ومنسبة منشبة ونكباء وهَبُوبة وحُرجوج وخجَوْجاة ودرّوج وسَهوُج وشجوجاة وبارح وسَناخة وخِنذيذ وصَرْصضر ومشتكرة وأعاصير ومعتكرة وُهباريّة وروامس وزوابع وزُعزعان وهَيْرع وجَفجف ورفَزْاف ومسفسفة ومُسّنفة وعواصف وخَرْفا وزِحْلق وسَهْوق وحاشكة وساهكة ورَعْبَليل وطيَسْل وعَياهل وسَهام وسَفُون وَوَرْهاء وميْلاء وسافياء. ثم جاء على عقبها روائح هنبيّة صُماحية زنجية سنخية إِفاخيّة عَبَاديّة خَجرية ذفرية عدارية امدرية امذرية خُنازية طَفاسية حُطاطية عفّاطية عفَطانية شِياطية ناِضفية زَهْمَقية خبراقية صَليّة خَيْغامية صَنَمية قنمية عجانية لخنية نَجْوية مختلطة بُطْمطمانية ولخْلخانية ورُتيَّة ولغلغانية وقلقلانية وكسكسية وكشكشية. وإذا بالمطران المزبور قد غاص في بالوعة فوهاء في تعريب ذلك الكتاب. ولما كان جاهلا تصليح الطبع زيادة على جهله باللغة كان لابد من تبليغ هذه الروائح الخبيثة منزل الفارياق. فإن مدير المطبعة كان من أصحابه فكلَّفه بأن يصحح غلط الطبع من دون تعرض لتصحيح الغلط في الترجمة وحٍ عرف سبب قدوم المطران ومكايده. فصرّ بعض هبَّات كريهة من تلك الروائح وبعث بها إلى اللجنة المذكورة وأقام ينتظر الجواب.
стр. 201
ثم اتفق بعد مدة أن قدم إلى الجزيرة السيد المعظم سامي باشا المفخم المشهور بالمناقب الحميدة. وكان للفارياق دالّة عليه فسار إليه ليهنئه بقدومه. فكلفه المشار إليه بأن يمكث عنده مدة اعتزال فأخبر زوجته بذلك. فقالت له كم مرة أقول لا خير في الاعتزال. قال لا بأس به إذا كان مع أمير فإن شرف الاسم يكفي. قالت لا يغني الاسم عن الفعل شيئاً. قال فقلت بل اجتز به كثير. قالت أمع جارٍ له. قلت لا أدري. قالت لو كان الاسم يغني لكانت المرأة تكتب على موضع من جسمها لفظة أمير. قلت أعوّض ما يمضي. قالت وإلا فأمْض على العوض. قلت ما أعجل النساء. قالت وما احبَّهن للإبطاء وأن يكون صبوراً. قالت لو لم تكن النساء اصبر من الرجال ما كنَّ يعمرن في الأرض أكثر منهم على ما يلحقهن من أوجاع الحبل والولادة. قلت ليس هذا هو السبب وإنما هو أن الصالح من الناس لا تطول حياته على الأرض بخلاف الطالح. قالت هل في الرجال صلاح وما من فساد إلا والرجال مخترعوه. هل تفسد الإناث في الإناث ما تفسده الذكور في الذكور. وهل يفسد النساء غير الرجال. ومن ذا الذي يتصبّاهن ويتآلفهن ويتنقثهن ويغازلهن ويغويهن بالمال والوداد والوفاء غيرهم. حتى إذا استوثق أحدكم بأحدنا فأحرز سرّها ذهب في الحال وباح به وربما سكر مع بعض معارفه أو تساكر فأفتخر أمامهم بإفشاء ما يجب كتمانه وبهتك ما يلزم صونه. إلا وإن الرجل الرجل منكم ليعتمد على ما خصّه الله به من القوة والبأس فيعتقد أنله الفضل على المرأة في كل شيء ولو كان الفخر بالقوة لكان الفيل افضل من الإنسان. نعم إنا ليسرنا أن نرى الرجل شيظما أيَّدا ولكن لا يليق به والحالة هذه إن يأتي امرأته الضعيفة المسكنية فيعاملها بالخيعرة والدغمرة والدنقرة والزنترة والزنخرة والزمجرة والزنهرة والشنزرة والشنصرة والشنظرة والشمصرة والعجهرة والغذمرة والغثمرة والغيثرة والخزربة والخطلبة والخظلبة والدحقبة والدعربة والدنحبة والزغدبة والسقلبة والشغزبة والشهجبة والصرخبة والصعنبة والطغربة والعثلبة والعصلبة والغسلبة والقحطبة والقرطبة والنيربة. ثم إذا ذهب إلى أخرى أوهمها إنه أسيرها وعانيها وقنّها ورقيقها وقَيْنها وقَنّورها وماهنهِا وقُنْجلها ومملوكها وذليل حبّها ودنف غرامها وعميد عشقها وصريع هيامها وميت هواها وشهيد حبّها. وإن الله تعالى لم يخلقه في الدنيا إلاّ لمرضاتها. قال فقلت إذا كان الرجل مخطئا في ذلك فالمرأة غير بريئة أيضاً لتصديقها إياه وانقيادها له. قالت إنما تصدّقه من صفاء سريرتها وسلامة صدرها. فإن الصادق لا يرتاب في كلام غيره وإن الكريم ينخدع. ولو أن الناس سمعوا مثلا بأن امرأة متزوجة تحب غير زوجها لأنكروا عليها ذلك كل الإنكار. واستفظعوه غاية الاستفظاع. فتطبّل به الطبول وتزمر الزمور وتكتب الكتب. ولا يبقى في البلد أحد إلا ويروي عنها حكاية أو ترّهة. فأما إذا سمعوا عن الرجل إنه يحب غير زوجته فإنهم يحملون فعله على وجه مرضي ويعتذورن عنه بقولهم أن امرأته غير زافنة. أو أنها جُخنّة مِنفاض. أو ميراص أو منشاص. أو خذنفرة أو غبوق أو زخّاخة خقوق. أو فتقاء غقوق. أو رتقاء غفوق. أو نجّاخة فشوش. أو منخار حَضُون. أو جَخْواء أخْجَى. أو جْخراء رهَوْىَ. أو مُجْخرة ضحياء. أو ضَهْواء ضهياء. أو هَرعِة رفغاء. أو سَلَقْلق أو متكاء. أو قَشْوَرا أو مصواء. أو ناسعة شقّاء. أو مهلوسة أو لصَّاء أو لثية. أو لَخْجم. أو خَيْق ذات عَفْلقَ أو قَلْذَم. أو حمق وعَفَل أو ذقناء. أو ميقاب أوفجواء أو لَقْوة أو خَثْواء. أو قَنْشورة أو ذناء. أو قرثع أو سلتاء. أو خرُور أو قعماء. أو عائط أو شرماء. أو عنبلة أو لخواء أو مجيّأة أو رَمضة وغير ذلك من العيوب ولا يرون في فعله هذا سماجة. مع إن للمرأة أسبابا تحملها على الشطح أكثر من أسباب الرجل. قلت تفضلي بذكرها كي أجانبها. قالت أوّلها ما إذا لم يقم الرجل بوفاء حق زوجته. وهو حق الزواج الذي من أجله تترك أباها وأمها وأهلها ووطنها وبلادها وغير مرة دينها. قلت اللهم لطفك وعصمتك ثم ماذا. قالت ومنها إهماله أمورها وقلة اهتمامه بما فيه راحتها وانشراح صدرها وتطيب خاطرها. وتلهيتها وتسليتها وترويتها وتحليتها وتدفئتها وتطريتها وتأسيتها وتقويتها وتمشيتها وتغديتها وتمزيتها وتمنيتها وتمليتها وتهنئتها وتوقيتها. قلت
стр. 202
نعم وتعريتها وتمذيتها وتمريتها وتنديتها وتنفيتها وتسميتها وتنجيتها. قالت نعم كل هذا وأكثر حالة كونها أسيرة بيته طول النهار قائمة بخدمته متعهدة لأموره. وهو يطوف في البلد من مكان إلى مكان وينتقل من سوق إلى سوق. حتى إذا جاء منزله انطرح كالمغشي عليه وقال أن الشغل جهده والجهد شغله وإنه عرض له كذا وجرى عليه كذا. مع أنه هو الذي تعرض لذلك الكذا وجرى على ذلك الكذا. مع أنه هو الذي تعرض لذلك الكذا وجرى على ذلك الكذا. ومنها رقة فؤاد المرأة والشفقة التي فطرها عليها الباري تعالى. فلا يمكن لها أن تقابل رجلا عن مودته لها إلا بالوداد أو عن تملقه إليها إِلاَّ بالميل إليه والإقبال عليه. وناهيك ما في الرحم والرحمة من الاشتقاق والمجانسة. قلت وأعجب من احتجاجك بهذا الاشتقاق التناسب بين معاني الكَيس. قال في القاموس الكَيْس خلاف الحمق والجماع والطبّ والجود والعقل والغلبة بالكياسة. وبين السّر والسرور والبسط والشرح والبُضع والشعور والمشاعرة واللمج والقمط. وخصوصا بين أبي ادْراس وأبي إدريس دامت الفتهما في اللفظ والمعنى. فقهقهت وقالت شرف الله لغتنا الجامعة بين كل متناسبين ومتجانسين. قلت ولكن قد يلازم ذلك أحيانا ما يسوء أو ما لا يليق. نحو أرّ فإنه بمعنى جامع ورمى بالسلح. وجنّح رمى ببوله ومسح جاريته. ومعط جامع ونتف الشعر وحبق. وجلخ جامع وبطنه سحجه وفلانا بالسيف بضع من لحمه. بضعة. ومتخ جامع وبسلحه رمى. وملخ جامع وجذب الشيء قبضا أو عضا وتردد في الباطل. وملق جامع وضرب بالعصا وجظ جامع وطرد وصرع وبالغصة كظّة. وحج جامع وبسلحه رمى. ولخب جامع وفلانا لطمه. ومتر جامع وبسلحه رمى. وجلد جامع وفلانا ضربه بالسوط وأصاب جلده. وعصد جامع ولوى وفلانا أكرهه على الأمر. وضفن جامع وبغائطه رمى. ومحن جامع وضرب. ومشن جامع وخدش. وأسْوى احدث وخزى وفي المرأة أوعب. وكذا حشأ وحطأ وحلأ وخجأ ورطأ وزكأ ولتأ وغير ذلك مما لا يحصى. قالت كل صعب في جنب ذلك يهون. ولا بدّ لجاني العسل من أن تأبره النحل. ثم إني فهمت من فحوى كلامك أن هذه الأفعال في لغتنا الشريفة أكثر من أن تعدّ. وإن أكثر المعاني قد وضع له فيها ألفاظاً كثيرة تسميها العلماء إردافية على ما ذكرت ليسابقاً. قلت لم اقل لك هذا وإنما قلت مترادفة. وإن هذا الفعل بخصوصه له أكثر من مائتي لفظة. فكل لفظ دل على دفع أو نهز أو ضغط أو إدخال دل عليه أيضاً. قالت فهل تستطيع أن تذكر لي حرفاً يدل بالخصوص على الامتناع عن النساء عفَّةً وتقوى. قلت لم يمرّ بي حرف بهذا المعنى وإلا لحفظته فإني مُولَعُ بحب الحروف النسائية. والظاهر أن العرب لم تكن تعرف ذلك. غير إن تَبتّلَ وبَكُمَ يدلان عليه في أحد معانيهما. قالت في أحد لا يغني شيئاً. ثم استمرت تقول ومنها وهو مستفيض عند اكثر النساء إن المرأة إذا أحسّت بإعراض زوجها عنها أو بفدوره أو بالجفوة لها مع تحببها إليه وإقبالها عليه وحالة كونها له عطيفاً هلوباً بعيجاً عروباً متبعّلة رعبليباً آنسة باهشة متبشبشة متهشهشة ذات رشرشة ومشمشة ونشنشة ووشوشة مدربخة وازكة منصعة واكعة مصوصا حارقة إن لم أقل علوقا وغير عازمة مالت إلى غيره لتغيره وترده إلى قديم محبتها. فإن من الرجال الحمقى من لا يعرف قدر امرأته إلا إذا رأى الناس يحبونها. فتكون محبتها لغيره علاجاً لمحبته هو. وهذا يسمى عندنا دغدغة وزغزغة وسغسغة. فأما عيوب الرجل فهي لعمري اكثر من عيوب المرأة ولو لم يكن به غير الزمالقية لكفى. وهل والحالة هذه يجب حل عقدهما أو يجوز أو يمتنع أقوال. فالنصارى على منعه مع إنهم يقولون إن المقصود من الزواج بالذات الإنتاج وحفظ النسل. والطبائعيون والفلاسفة على وجوبه أخذاً بهذا القول عينه ومراعاة لأداء حق المرأة الواجب على الرجل وهو أمر طبيعيّ لا بد منه ولا محيص عنه. وبقي الجواز في عهده غريمي الزواج. إن شاء بقيا على ما هما عليه وإلا افترقا وهو الأصلح. ولعمري إن المرأة التي ترتضي بأن تقيم مع زوجها من دون قضاء حقها لجديرة بأن يعيّد لها عيد في رأس كل سنة. أليس أن أستاذك صاحب القاموس الذين تستشهد بكلامه في كل مشكل نسواني قد قال الرجل م والكثير الجماع. فإذا كان الزوج غير رجل فأنَّى يحل له أن يجوز عنده امرأة لا يؤدي لها حقها. أيحل لرجل أن يقني دابة إذا لم يقدر على علفها.
стр. 203
استغفر الله عن هذا التشبيه. أو لصاحب أرض أن يغادر أرضه غير محروثة ولا مزروعة ولا مسقية. أفلا يجب حٍ على الحاكم الشرعي أن يشتريها منه ويوليّ عليها من يتعهّدها ويستغلها. وإذا كان الإنتاج وحفظ النسل مشتركاً بين الرجل والمرأة بل جلّ أركانه مختص بها ومتوقف عليها فلمَ لا يكون الطلاق مشتركاً بينهما أيضاً إذا اقتضت الأسباب ذلك. إذ الطلاق عندي من غير سبب إن هو إلاّ بطر وسفه. أقبح من ذلك إن رؤساء النصارى يأذنون في مثل هذه الحال في فراق الزوجين. ولكن لا يأذنون لهما في الزواج وإِن يكن داء الرجل عضالاً لا يرجى له علاج في مدة انفصاله عن زوجته. فأي حكمة في ذلك وأي ضرر من تزوجها بغيره ليولدها البنين والبنات. فلعلما يأتي من يفوق غيره بالكسل والركاكة فيصير راهباً أو مطراناً. وعسى أن يأتي من بناتها من تتحمس بالوساوس والهواجس والأحلام فتصير راهبة. هذا وقد ورد في التوراة حكاية عن الباري تعالى أنه قال تكاثروا واملئوا الأرض على مبالغة فيه. فإن مَلء الأرض بشراً يوجب خرابها لا عمرانها. وقال مار بولس إن المرأة تخلص نفسها بتربيتها البنين الصالحين. فهل تعليق الزوج والزوجة عن الزواج مطابق لنص هذين الحكمين. انظر إلى أهل هذه الجزيرة فإنك تجد أكثر الرجال منفصلين عن أزواجهم وعائشين بالسفاح. وقسيسوهم مصرّون على أن ذلك أوفق من الزواج الشرعي. مع أن القسيسين لا يعرفون الحقوق الزوجية لأنهم غير متزوجين. أيصح ترئيس رؤساء على الجند ممن لا يحسنون صنعة الحرب والمبارزة. فقلت لله درّك من أين لك هذا كله وقد طالما اشتبه عليك الأمرد والمحلوق اللحية عند قدومنا هذه الجزيرة. قالت ربّ شرارة أضرمت أتوناً. أني كنت اعرف من نفسي أني لا البث أن أنبغ في هذا. وذلك لكثرة ما كنت أرى واسمع عن المتزوجين من الخلاف والمعاسرة. والشكو والمنافرة. لا سيما وقد رأيت الآن بلداً غير بلدي وأناساً غير ناسي. واختبرت عادات جديدة وأحوالاً غريبة. فتوهّجت تلك الشرارة التي كانت مودعة في خاطري تحت دمان الوحدة والانفراد حين هبت عليها نكباء الأحوال المتغايرة والشؤون المتباينة. ولا سيما في ليلة الرقص التي لا تنسى. ومذحٍ خطر ببالي إن أملي عليك كتاباً في حقوق الرجال والنساء ولا بد من الشروع فيه. قال سأفعل ذلك إن شاء الله ولكن الأمير ينتظر قدومي عليه في المعتزل غداً فلا بد من التوجه إليه قبل إنشاء الكتاب. قالت قد تشفّيت الآن قليلاً بما قلته فأذهب إليه وأرجو أن لا تعاودني هذه الاهتقاعة إِلا وأنت هنا. فاستغاث واستوزع. واستعاذ واسترجع. ثم ذهب إلى الأمير المشار إليه وبعد أن قضى معه مدة الاعتزال سافر معه إلى إيطاليا ثم رجع إلى الجزيرة محفوفاً بإكرام الأمير وإنعامه.
стр. 204
عجائب شتى
بُلَعْبيس حدَنبَدي علمص خُزَغبلة. فلْق فليق عبرة آدْب بَطيْط فِتْكِر عجب فَنْك ضحْك بَهْرِ هتْر هكْر إِدْ بُجْر. زَوْل عَيْثى بَجَل طِمّ افَتْ غَرْو فَريّ. إن الإنسان لا يعرف نفسه. هذه سيدتي الرسحا المسحا الرقعا الرفغا الرصعا المردا المصلا المزوا العصلا الجخرا الزلاّ القعوا النقوا الثطّا الضهيا الجخوا الجبّا المِزْلاج الكَروا العَصُوب المِنْداص الفلسحة تتخذ المراقد والحشايا وكبّة قطن تنفج به قميصها عن ثدييها لتوهم الناس إنها دهساء وطباء. ولكن من أين جاءتك يا سيدتي هذه الحلية المباركة وهذا اللحم القَدِي. ونحن نرى ذراعيك كاليراعة أو كعود التُكاعي. وعنقك كالعصا ويديك كالمشط ووجهك كالصابونة التي غسل بها القصّار ثياب القَديدين والفَدّادين والداجّ والداجَة وترائيك كالقفص وكتفيك مؤلّلتين مهلهلتين مرققتين مدققتين محدّدتين مسربطتين مسمرتين. فكيف غلطت فيك الطبيعة وسمّنتك في هذين الموضعين الكريمين وعميت عن الباقي. وهذه سيدتي البُلْقوطة الدُعْشوقة الزُلُنْقطة الجَحَنْبرة الزَّبازاء الجَعْبرة الحُرَنْقِفة الدِنّامة الزَفَيان العَشَبة الحُدُحّة الزُحَنة الضرزّة الزَّونه. البُهْترة الجُبّاعة القُمَهْزيّة البُهْصُلة الدَّرّامة القَفنْزعة القُرنبضة الفنئل القنئل القَعنبة القنبعة القزمة القذعْملة الحَبنطاة الدودري القُرزحة الكعتة القلَّى الجائز القنبضة القرزحلة الحزقة إذا مشت تطفر وتثب وتهطع وتتالع وتعسج وتهبع وتتطالل وتشرئب وتصلهبّ وتشمل وتترقص وتزمهلّ. وتحسب إن الناظرين لا يشبرونها بأعينهم. ولا يفترونها ولا يذرعونها بخواطرهم. ولا يدرون أي فراش يليق بها. وهذه سيدتي السوداء المسخّمة المدلهمة المطرخمة الفاتحة القاحمة الدهماء المدهامة الحتماء المبرطمة الدلماء المدلامة السحماء الدجناء الدخناء الحفدلس تطلي وجهها بالخمرة والغمرة والغمنة والحور والرينة. ثم تصعر خدها للناس وتنظر إليهم شزرا. وتتيه عليهم دلالا وكبرا. فإذا حاولوا أن يروا موضعا آخر من جسمها أدارت لهم ذلك الموضع المطلي المحمر المنقش المزورّ.. وجعلته شافعا في سائر أعضائها. وأوهمتهم أن المغطى منها أشد بياضا من المكشوف وإن لونها في الليل يكون أزهى منه في النهار. ولا سيما عند الخلوة. فإنه يزداد بهاء وجلوة. وربما حكت حكاية طويلة تدل على أنها لما قامت في الغداة لم يكن لها وقت لإصلاح شأنها. فلبست ثيابها على عجل وخرجت وهي لا تدري كيف خرجت. وهذه سيدتي العجوز المتهدّمة. القُحلة الشهربة. الطهمل اللحبة. العفثليل الصهصليق. الجلفزير الشفشليق. الخنظير الشمشليق. الدردبيس الطرطبيس. الشلمَّق الجحرط. الشمَّلق الجخرط. الحربش اللطلط. الهيعرون الكحكح. الهرشفة الجلبح. ذات القنثلة والنقثلة. والنعثلة والنغظلة. لم تزل حشورة عزهاة تتفتى وتتصبى وتحزّق ثوبها من عند خصرها. وتهلس إذا جلس إليها فتى في وكرها. وهذه سيدتي الجميلة البضة الغراء. السنيعة الغضة الفرا الصبيحة الزهراء العبهر الغيداء. الخضلة الدعجاء. الخريدة الموقونة العجزاء. الرشوف الشنباء. الخنبة الذلفاء. السَّلمة الكاعب. المصقولة الترائب. الحلوة الابتسام. الرخيمة الكلام. التي تسكر بمغازلتها. وتفتن بمباعلتها. وتصبي فؤاد من لم يصب عمره. وتتبله وتتيّمه. وتعبده وتهيمه. وأن أخذ منها حذره واستحصر رشده وصبره ودينه وحجره. تراها تمشي والخفر قدنكس رأسها وغضّ طرفها فأذهلها عن أن تحس خطوها وتبدي زهوها. وليس بها شيء من التغنج والتضرج والتبرّج والتغوّج والتحلّج والتدبج والتخفج والتدعلج والتدحرج والتبغنج والترجرج والتزجج والتسرج والتموج والتنفج. مع إنها لو دخلت على حضرة الملك لقام لها احتفالا. وناولها الميحار والمخصرة إجلالا. وانشدها
فديتك من مملكة علينا ... يحق لتحتها تخت الخلافة
خذي تاجي بأدنى لثمة من ... ملاغم فيك أو أدنى ارتشافه
أو على حضرة ناموسه المفخم. ووزيره المكرم. لدهش عن شغله إكبارا لها وإعظاما. وألقى إليها الخاتم استسلاما. وانشدها
إليك الفصل في كل الأمور ... على أسرى أمير أو وزير
فما الدستور إلا دسّ تَور ... إليك فهل سبيل للشغور
ولو دخلت مجلس قاضي القضاة. لا هدي إليها الكنز والدر وما ملكت يداه. وانشد:
стр. 205
لها عليَّ في الهوى ... حظان لا للذكر
فإن لي سؤالين منها ذا وذاك وطري
ولو دخلت على طبيب يعالج تيتاء لوصف له مسّ رأنفتها. وشم سالفتها. وأنشد:
دهن السقنقور والترياق للعلل ... رضاب فيك وللعنين ذي الفجل
حتى إذا لم يدع في الريق من وشل ... أرشفته الخمر نعم الخمر من بدل
ولو خطرت على منجم لرمي الاسطرلاب من يده حيرة وذهولا، وبلبلة وغفولا. وانشد:
لسنا نرى إلا جمالك في الضحى ... فهومنير بجنح ليل اظلما
قد بلبل الفلكي منك مفلّك ... فعليك تقويم الذي ما قوّما
أو على فيلسوف لذهبت معه حكمته سدى. ولم يجد للصبر عنها رشدا.
وانشد:
من حكاك الجسمين تقتدح النار ... كذا مذهب الذي قد تفلسف
وهي دعوى فإن جسمي إذا احتك بهذي أسال ماء فأنزف
أو على مهندس لأشكلت عليه الأشكال. وتبلبل منه البال. وأنشد:
يفدي المكعَّب منك كل مكعب ... ومحدَّب ومقعر في العالم
يا ليت ذا الشكل الهلالي الذي ... فيك استقر على عمودي القائم
أو على منطقي لخرج عن القياس. وخبط في الالتباس. أنشد:
على اللديدين مني ساقها وضعت ... يا حسن ذلك موضوعاً ومحمولا
أصبحت تاليها ابغي مقدّمها ... إذ كان كل سرور فيه مأمولاً
أو على نحو لما ميَّز الفاعل من المفعول. ورأى أن معرفة ذلك من الفضول: وأنشد:
رويدك إِنني ما جئت نكرا ... لديك وليس لي ذنب فيذكر
برئت من النحاة وحق ربي ... لقولهم بتغليب المذكر
أو على عروضي لتقطع فؤاده، وكثر زحافه وإسناده. وانشد:
هنَّدتني يا ذات كل ملاحة ... وتركت قلبي بالغرام يعلل
أرعى النجوم الليل فيك وأنني ... مستفعل مستفعل مستفعل
أو على شاعر لدلع لسانه تلزّحاً. ثم تلمظ وتمطق ثمعض بنانه قسحا. وأنشد:
كم تاه صبّ بفرط العجب والتيه ... لكن حياؤك تأليهي وتوليهي
إن يولني منك تجنيسي مجانسة ... أحمدت توريتي واخترت توجيهي
إلا ولو أنها مسحت على عنق كل مني ومنك أيها القارئ لأغناهما عن الحضيض. ومصح ما بهما من الورم والنفاخ والنفطة والغدد والعقد والقمد والقفد والحثر والعجر والعاذور والبجر والجدر والغبر والكعر والثغر والزور والحبر والقصر والنعفة والسلع. والنكف والغبب والغلب والذربه والترؤد والعصل والمقط والقسط والتشنج والتحجنّ والتغضف التغضن والتصعفر والتقبض والقفص والرَّدن والتشنن والكنع والتكربش والتكرش والتكمش والاشخاص والقره والقله والثأي والجما والحروة والتنبج والذُّباح والرثية والضواة والزرّة والخضعة والشاكّة والادل والاجل والحدل والصمغة والقروح والخراج والدملوالعنبه والبثور والثآليل والخنازير والالتواء والهنع والحبُون والندب والعثم والوكس والحبط والأجور والندم والعرب والعازر والأثر والطليا والعلب والعصب والقوباء والجرو والدغام والخدش والجلف والحشفة والحفت والقطوف والزَّرف والكدم والنسوف والغلصمة والحولق والحلاق والفرك والكتاف والهيض والخناق.
стр. 206
وهذه سيدتي الزَنمْرة العَنجرد الدَلعُوس الألقة السلقة الملقاع الحفنس الحنفس العنفص البلقع السلفع الهروم المهضهضة الشنظيان البنظيان البهرج الطَّليف المسُجل الظلف الفانكة المنملة المتياح المزعاج المعنة الخطالة الخالجة الرَّدة الزلزة المِخناث الهلُوك المتهالكة المتهتكة المستهترة الباغزة الحوسة العواسة الدردم الدردب المتوهجة المتلعجة اللفَّوت العجينة المقفاطة الجلوط الخروط الخلطة الجليع الجلعة الخريع الجلقة الشنقه الشنيقة المعفاص المعقاص الجنبْثة البطريرة البظرير الدمراء القاشرة الجلبانة العنقفيز السُّلخوت الهمري النعارة الهيعرة الهيرعة الهوزورة الزاغية السعوة الساعية الخيتروع الخيتعور العسوس الضنَّوط المماجن الخُجأة الملألئة الشرُوب القعرة المستعربة المستضربة المستنخبة القفخة الوذاح المدربخة المُردّة الضامد المستعقدة الفخذاء الثامدة المستدرة المستذرة المستضورة المستطبرة المستظئرة الشفرة القعرة القرور الهوسة المبلاس المنعظة الكرعة الواكعة التَّبْعى المختلعة القمعة الهكعة الهقعة المتهقّعة الضبَّعة الظالع الوتغة الهينغ المستولغة المراغة الصارف الحلقية المستحلقة المستودقة الحارقة الشبقة المتفككة المداركة المفلكة المستجعلة المستوبلة المبُذم المُدقم المبُلم المهُدم القطمة الهدمة العظمة المستحرمة الغَيلم المتوسّنة المستأتية الحانية المتسداة التي قد علم كل واحد من أهل البلد حين تخطر في أسواقه وشوارعه وأزقته ودروبه وردوبه إنها تدعوهم بعينها وبجميع جوارحها إلى التمشير إلى القراب إلى الإشعار إلى الاقلعفاف إلى الاشمعطاط إلى الاشتماذ إلى الإفضاء إلى الاقتعاء إلى الكفاح إلى العراض إلى التلفيع إلى الدهفشة إلى النشنشة إلى الهكاع إلى السباع إلى التشيط إلى الحصحصة إلىالاسواء إلى الايعاب إلى الرفش والقفش إلى المحش إلى المسح إلى الأجفان إلى الافطاء إلى الانقاش إلى القزب إلى الرّكّ إلى البكّ إلى المهك إلى الهك والهكهكة إلى الرهك إلى الحرث إلى الهقّ إلى الزجل إلى الاماهة إلى الزعب إلى الخوق إلى الدعم إلى الرَّطم إلى الكوس إلى الاقحاط إلى الومس إلى الدعظ إلى الدعمظة إلى السَّغم إلى الاكسال إلى الاطمار إلى الغفق إلى الخفق إلى الوجس إلى الافهار إلى الظَّلم إلى التداؤم إِلى التنسي إلى القمقم إلى التجبية إلى الابراك إلى التدبيخ إلى الانسداج إلى الانسراح إلى الانشداح إلى التنوّخ إلى الدربخة إلى الدهشرة إلى المَشق إلى السَّلق إلى الصلق إلى السَّلقاة إلى المزد إلى الحرش إلى الشقية إلى المحارقة إلى الكشر إلى النخب إلى التفنشخ إلى الظُهاريّة إلى الترفغ إلى التفشغ إلى الفشاغ إلى المُزمعة إلى القرفطة إلى القرفصة إلى الكابوس إلى الخط إلى ليّ العرفجه إلى التكويذ إلى الشَّفر إلى التشفير إلى التدليص إلى التفخيذ إلى التحييض إلى الحسف إلى التلجيف إلى دحّ دح إلى أرّ إلى أزّ أز إلى باظ باظ تقعد في مجلس رئيسة بنات النَّقري وتطفق تعيب على جاراتها إنهن ينظرن من الشباك ويضحكن ويلبسن ويتعطرن ويتحلين ثم يخرجن ويمشين الخيلاء. ولكن أنسيت يا سيدتي يوم قلت لشيخك ما أحد يعشق إِلا ويتغير لونه عند ذكر معشوقه. فقال لك ليس ذلك بمطرد. فكابرت وأصررت على قولك فكابر هو أيضاً وأصرَّ على إنكاره. فقلت له حتى تحجيّه لو انك ذكرت لي اسم- انتبهت وسكت. فقال لك وقد طنّ قرن دماغه اسم من. فضحكت وقلت لا أدري. ويوم خرج بك ليفرج عنك الهمّ في يوم راح فخرجت وقد كشفت نصف صدرك ولمعت الترائب والمفاهر واللعوة وهو لا يدري لغفلته. فلما التفت إليك ووجدك على هذه الحالة قلت أن الريح فعلت ذلك. ويوم كان يماشيك فقلت وأنت ذاهلة لغلبة الهوى افدي بروحي وجه من أهوى. فلما سألك قلت ما هو إلاّ أنت وما أنت إلا هو. ويوم أرسلت خادمك. ويوم بعثت خادمك. وغداة كتبت رقعة دعوت فيها من شاقك وضحوة تأخرت. وعشية تعطرت. وساعة أعتذرت، وفينة فرّمت. وليلة أوهمت وجمجمت. وتنة همت وهمهمت وهينمت. وتوّة تزبرجت وتعلمت. وتفئة ارتمت. وفيئة زممت وسلمت. وحينه استحرمت حتى دعمت. ألم تكن هذه القوافي كلها مكافئة لنظر جارتك من الشبّاك.
стр. 207
وهذا المطران أتناسيوس التتونجي قد صار الآن مترجماً معرباً كاتباً منشئاً وهو أضيق أستا من أن يفعل. ولم يبال أن جرّ عليه بتعريبه أست الكلبة وقد حسب مضايق الحرف كلها سواء. وتعنى وتعمل. ولهوج ولهوق. وطرمذ وطرطر. وتفيّش وتحرّش. وقرمش وفشفش. وهربج وهلج. وسفسف وهمرج. واخترص وثمثم. وتورّه وضهيأ. وأنهأ ونيأ. وتكسّس وتزبب وتنفج ولبلب. وخرشب وخشرب. وتحذلق وتأبب. وتصوّك وتزنح. وتندخ وتزنخ. ومردل وافجس. ومرطل وعطرس. وتفهيق وتشدق وعفك وبشك. وخرق وحزق. وربك ولبك. وصد ولفت. وهو أعظم في نفسه من المتشمة أليس في الكون من مرآة وزجنجل وسجنجل وعناس ومنظار ووذيلة ولجة وماريّة وزلفة ومذية أو زجاجة أو صفيحة فتنظر سيداتي هؤلاء فيها وجوههن وما هنّ عليه من الأحوال. أليس في الشرق من سيبويه فيصفع. أما في الغرب من أبن مالك فيقدع. ألا أخفش فيغار على هذه اللغة. ويرضن رأس هذه الوزعة. كيف يظن الإنسان أنه علم ولم يتعلم. وأديب ولم يتأدب. وفقيه ولم يتفقه. نعم أنه لا يرى جهله في مرآة كما يرى وجهه ولكن أليست الكتب هي مرآة العقل. فمتى قرأ كتب العلماء ولم يفهمها عرف حد ما وصل غليه من العلم. غير أن المطران أتناسيوس التتونجي مطران طرابلس الشام المقيم في جميع البلدان إلا فيها لم يطالع شيئاً من مؤلفات العلماء. فغاية ما علمه من النحو باب الفاعل والمفعول ومن البيان نوع التجريد. ومن الفقه باب النجاسات. ومن العروض الوتد المتحرك. ومن البديع رد العجز على الصدر. هذا حد ما عرفه وتبجح به في مدرسة عين تراز حين كان قيم تلامذتها. فأما سبب فراره منها إلى رومية ثم من رومية إلى مالطة إلى باريس ثم فراره من باريس إلى لندرة ثم فراره من لندرة إلى مالطة. ثم فراره هذه السنة إلى لندرة من بعض مدن النمسا حين كان يطوف فيها وعلى عاتقه الشلاق. وتشهيره هناك وتجريسه في الأخبار اليومية حتى حرم من تعاطي هذه الحرفة التي ألفها مذ سنين كثيرة. وتسببه في زمن موسم لندرة في أن جمع جماعة مغنين ومغنيات من بيت أشق باش بحلب. وإغواؤه إياهم على أن يقصدوا الموسم طمعاً في الربح. ودخوله معهم ومع شركائهم أولاً في شروط المصروف والتجهيز. ثم استرجاعه المبلغ الذي كان أداه إليهم وأشترطه عليهم إياه في الفائدة من دون أن يشاركهم في التعب. وذلك في مقابلة إغوائه وسعيه هذا الذميم الذي كان سبباً في تخسير رئيسي هذه الزمرة خسارة زائدة فلا يمكن شرحه في هذا الكتاب. وربما فال قائل هنا أنك أيها المؤلف قد عبت على الناس جهلهم أنفسهم. وقد أراك جهلت نفسك في هذا الفصل فأوردت فيه كلاماً لا يليق بالنساء فقد تجاوزت أبن عتيق وأبن حجاج. قلت الحامل على ذلك أمران. أحدهما إبراز محاسن لغتنا هذه الشريفة. والثاني أني قصدت تشويق القارئين ممن ملئوا حيطان ديارهم من قصب التبغ إلى شراء كتاب في اللغة. فيا قارئاً ويا سامعاً. ويا راقئاً ويا عامساً. قل للمتعنت أن من كان فيه مرارة لم يستطب الحلاوة. وبعد فإني أترامي على أقدام سيدتي المدقم وسيدتي الدعشوقة وسيدتي الفلحسة وسيدتي المسخمة وأطلب منهن العفو عن طغيان القلم إذ لا يمكن لي أن أبيت هذه الليلة وهن عليّ غضاب.
سرقة مطرانية
стр. 208
لما رجع الفارياق من عند الأمير المشار إليه أخبر زوجته بما أحسن به إليه وبأنه وعده بوظيفة حسنة في مصر. فقالت أنا أسبقك إذا وأنت تنتظره هنا فأني قد اشتقت إلى أهلي فدعني أسافر إليهم. قال لا بأس. فلما أزف الفراق أخذ يودعها ويقول: اذكري يا زوجتي أن لك في الجزيرة حليلاً يرعاك وخليلاً لا ينساك. فقالت من لي بهذا. قال فقلت أيّ هذا تعنين. قالت إنما أعنيك. قلت بل المتبادر غيري. قالت هل الحقائق على بوادركم أنتم العرب. وما زال دأبكم نبش ما في صدور النساء من الأسرار. وفقس ما في يوافيخهن من الأفكار. ومؤاخذتهن بالدثّ والوهم. ومعاملتهن بالحدس والقسم. ومعالجتهن بالهجس والزعم. والرضخ والرجم. والتذقح واللغم. والرسيس والوغم. بدل العَمس والعَسم. والجلهزة والرأم. والحزم والوزم والجمش والفغم. والضم والدعم ولو أن الله تعالى يؤاخذ العباد باللغو مثلكم لما بقي على وجه الأرض من بشر أكثر هذه المشاحنات ناشئ عن لغتنا فأن كل منها تحتمل عدة معان لسعتها. قالت ليتها كانت ضيقة قلت وهذا أيضاً من ذاك. قلت وكذا ذاك في هذا. قلت وكذلك عليه. قالت وتحته فالأولى إذاً السكوت. قلت ليس عند ذلك. قالت أنتم الرجال كلكم منخاريّون فطافطيون رفثيون. قلت من أين علمت ذلك. قالت قد رجعنا إلى الوهم والقسم. قلت بل فلنعد إلى الوداع. قالت نعم أني أسافر وليس لي من آسف عليه. قلت هل أنافي جملة غير المأسوف عليهم قالت ما أنت كأحد الناس. قلت وهذا أيضاً مبهم الست برجل. قالت في أحد المعنيين. قلت هل بقي لك عليّ شيء. قالت جمعهُ. قلت أعندك حساب ذلك في دفتر. قالت نعم قد غرّنا تلحزكم في الشعر يا شعراء فزعمناكم قوالين فعالين. فإذا بكم لا تحسنون إلا الوصف. قلت ومن يحسن الفعل. قالت ومن لا يحسن الوصف. قلت وأين حق الأدب. قالت في مجالس العلماء لا في مجالس النساء. قلت ذلك يفضي إلى الانبتات. قالت وهذا إلى الانبتات. قلت كيف يمكن الفراق إذاً. قالت أن شئت الوزم الآن وإلا فدعه إلى أن تأتي مصر. قلت كيف يتأنى وزم أعوام في ساعات أو أيام؟ وأشفق أن أحين وعليّ ذبابة. قالت إذا كنت لم تخش من الدين، فما أخالك تخشى من الحين. قلت لقد أذكرت ناسياً وطالما حسبت الناس كلهم مثلي. قالت وأنت أنسيت ذاكرة لكوني لم أر لي مثلاً. قلت اذكري السطح واصفحي. قالت ليس الصفح إلا من ذكر السطح. قلت أني أردت السطح القديم. قالت إنما أريد الحديث. قلت يقال في الأمثال لا بركة إلا في قديم قالت يقال في الأمثال لكل جديدة لذة. قلت كيف الفراق وفي قلبك ضغن قالت يا حبذا الضغن. قلت إذا كان بمعنى الشوق أليّ. قالت نعم هي من الألفاظ الغربية التي تعلمتها منك كالعقيون والفطحل والحبرة. قلت لعلك أنست من العقيون والعقيان ومن الفطحل الفحل ومن الحبرة الحبرة. قالت لا تأنس الحبرة بالحبرة. قلت قد وقع ذلك فأنهم قالوا النعمة من النعومة. قالت وقالوا أيضاً التسديد من السداد. قلت لميرد في النهي عن ذلك أمر. قالت هو مقيس على نقيضه. قلت هذا بذر في أرض سباخ. قالت وذلك قراح بلا حرث. قلت الكلام على البذر. قالت لا يمرؤ الطعام ما دام في الحلق ولا يسوغ الماء إلا إذا مرّ على الزلقوم.
стр. 209
ثم توادعا بعد مباراة الذمم وشيعها إلى سفينة النار ثم رجع إلى منزله كئيباً مستوحشاً. لأنها كانت كثيراً ما تدله على الرشاد وتنهج له الرأي السديد. ثم لم يشعر بعد أيام إلا وروائح المطران قد انتشرت وهي أشد أذى من الأولى. فبعث منها آخر إلى اللجنة المذكورة وكتب لهم. أن لم تقطعوا هذه الرائحة من هذا الجو شكاكم كل ذي خيشوم. فلما بلغهم كتابه وعرضوه على الطلاب العلم عندهم وجدوا أن قوله الحق. فبدأ لهم أن يسدوا مسام المطران عن إخراج ذلك الخبث. وأن يحضروا إليهم الفارياق لإعادة ترجمة الكتاب الذي تقدم ذكره. هذا وقد كان الفارياق ألّف في أحوال أهل الجزيرة كتاباً وعاب عليهم فيه بعض عادات ورسوم دينية ودنياوية مما تفردوا به على نصارى بلاده. وذلك كتغطيسهم أجراس الكنائس في ماء المعمودية وإطلاق أسماء القديسين عليها. وكخروجهم بالدمى والتماثيل نهاراً وإيقاد الشموع أمامها وما أشبه هذا. وكان قد أعار الكتاب المذكور رجلاً من المسلمين ممن كان المطران يتردد عليه. فأتفق أن زاره المطران يوماً فرأى الكتاب على الكرسي وقد عرف خط مؤلفه. فغافل الرجل حتى خرج من الحجرة وتناول الكتاب وقطع منه الأوراق التي اشتملت على ذكر تلك العادات. ثم بعث بها إلى رئيس مصلح البخر وكتب عليها باللغة الطليانية. أنظر أيها الرئيس أن كان قائل هذا الكلام يصلح لأن يكون تحت رئاستك أو لا. إلا أن الرئيس المذكور لما كان لا يعرف ما اشتملت عليه تلك الصحائف مع عدم قدرته على عزل المتوظفين في خدمة الدولة. كان لا بد من إعادة الأوراق إلى المؤلف. وكان المطران قد فر من الجزيرة قبل إعادتها وطهر الجوّ من روائحه. ولو بقي بعد ذلك لعوقب على هذه السرقة معاقبة تليق بأمثاله. ووقتئذ عزم الفارياق على السفر لقضاء تلك المصلحة أعني ترجمة الكتاب وأرسل إلى زوجته يعلمها بما استقر عليه الرأي. وأشار عليها بالرجوع إذ كان يرجو أنه يبقى في بلاد الإنكليز بعد إنهائه الكتاب. غير أنه جرت العادة في بلاد الإفرنج بأن مدرسي اللغات في مدارسهم الجامعة لا يكونون إلا منهم وأن كانوا جاهلين. وبعد أن رجعت الفارياقية تأهب الفارياق للسفر. وهاهو الآن يوعي القاموس والأشموني في صندوقه. وهاأنا منطلق لقضاء حاجة لا بد منها فاسمحوا لي أن أستريح قليلاً.
الكتاب الرابع
إطلاق بحر
من لم يسافر في البحار ويقاس فيها الأنواء والأمواج فلا يقدر ترفه المعيشة في البر حق قدرها. فينبغي لك أيها القارئ البريّ أن تتصور في بالك كلما أعوزك الماء القراح واللحم الغضيض والفاكهة الطريئة والبقول الخضلة والخبز اللين أن إخوانك ركاب البحر محرومون من هذا كله. وإن سفينتهم لا تزال تميد بهم وتتقلب وتصعد وتهبط. فدون كل لقمة يسترطونها غصة. وفي كل رقدة يرقدونها مغصة. وأنه متى وضع بين يديك لون واحد من الطعام فلا تفكر إلا فيه. وأعتقد أن غيرك يغتذي بمثله في تلك الساعة بل بأقل منه. فبذلك يحصل لك التأسّي والتسلي. فأما إذا نظرت إلى قصور الملوك والأمراء وصروح الوزراء وفكرت فيما يأكلون ويشربون فإنك لا ريب تتعب نفسك وتعنيها لغير فائدة. ولكن أتحسب أن المعتقة التي يشربها الأمير ألذّ من الماء الذي تشربه أنت. حالة كونك عارفاً بأمور المعاش والمعاد. مضطلعاً بإدارة مصلحة لك تكفيك وأهلك المؤونة. وحالة كون زوجتك تجلس قبالتك أو عن يمينك وشمالك. وولدك الصغير على ركبتك. تارة يغني لك. وتارة يناولك بيده اللطيفة ما سألت عنه أمه. وإذا خرجت شيعاك إلى الباب وإذا قدمت صعدا معك وأجلسك على أنظف متكأ في الدار.
стр. 210
فأما أنت يا سيدي الغني فالأولى لك أن تسافر من مدينتك العامرة حتى ترى بعينك ما لم تره في بلدك. وتسمع بأذنيك ما لم تسمعه. وتخبر أحوال غير قومك وعاداتهم وأطوارهم وتدري أخلاقهم ومذاهبهم وسياستهم. ثم تقابل بعد ذلك بين الحسن عندهم وغير الحسن عندنا. ومتى دخلت بلادهم وكنت جاهلاً بلغتهم فلا تحرص بحقك على تعلم كلام الخنَى منهم أولا. أو تستحلي الأسماء من أجل المسمّيات. فأن كل لغة في الكون فيها الطيب والخبيث. إذ للغة إنما هي عبارة عن حركات الإنسان وأفعاله وأفكاره. ومعلوم أن في هذه ما يُحمَد وما يذم فأجلّك عن أن تكون كبعض المسافرين الذين لا يتعلمون من لغات غيرهم إلا أسماء بعض الأعضاء وعبارات أخرى سخيفة. لا بل ينبغي لك حين تدخل بلادهم سالماً أن تقصد قبل كل شيء المدارس والمطابع وخزائن الكتب والمستشفيات والمخاطب، أي الأماكن التي يخطب فيها العلماء في كل الفنون والعلوم فمنها ما هو معد للخطابة فقط ومنها ما يشتمل على جميع الآلات والأدوات اللازمة لذلك العلم. وإذا رجعت بحمده تعالى إلى بلدك فأجتهد في أن تؤلف رحلة تشهرها بين أهل بلادك لينتفعوا بها ولكن من دون قصد التكسّب ببيعها. ويا ليتك تشارك بعض أصحابك من الأغنياء في إنشاء مطبعة تطبع فيها غير ذلك من الكتب المفيدة للرجال والنساء والأولاد ولكل صنف من الناس على حدته. حتى يعرفوا ما لهم وما عليهم من الحقوق. سواء كانت تلك الكتب عربية أو معرّبة. ولكن أحذر من أن تخلط في نقلك عن العجم الطيب بالخبيث والصحيح بالمعتل. فإن المدن الغنّاء تكثر فيها الرذائل كما تكثر الفضائل. نعم أن من هؤلاء الناس لمن يأبى أن يرى أحداً وهو على الطعام. وإذا أضطر إلى رؤيته وهو في تلك الحالة فلا يدعوه للَوْس شيء مما بين يديه. لكن منهم من يدعوك إلى صرحه في الريف فتقيم فيه الأسبوع والأسبوعين وأنت الآمر الناهي. وأن منهم لمن يبخل عليك برد التحية. وإذا دخلت دار صديق منهم وكان في المجلس جماعة من أصدقائه لم يعرفوك من قبل فما أحد يتحلحل لك في القيام. ولا يعبأ بك ولا يلتفت إليك. لكن منهم من إذا عرفك أهتم بأمرك في حضورك وغيابك على حد سوى. وإذا ائتمنته على سرّ كتمه طول حياته. وإن منهم أن ينبزك بالألقاب أول ما يقع نظره على شاربيك ولحيتك أو على عمامتك أو يجذبك من ذيلك من وراء. ولكن منهم من يتهافت على معرفة الغريب. ويرتاح إلى الرفق به والإحسان إليه ويرى أجارته وحمايته فرضاً غليه متحتماً. وإن منهم لمن يسخر منك إذا رآك تلحن في لغته. ولكن منهم من يحرص على أن يعلمك إياها مجاناً أما بنفسه أو بواسطة زوجته وبناته. وعلى أن يعيرك ما يفيدك من كتب وغيرها ويرشدك إلى ما فيه صلاح أمرك وتوفيقك. وإن منهم لمن يحسبك قد وافيت بلاده تسابقه على رزقه فيكلح في وجهك وينظر إليك شزراً. لكن منهم من ينزلك في بلده منزلة ضيف يجب إكرامه واحترامه والذبّ عنه بحيث لا تفصل عنه وفي قلبك أدنى ألم من أهله. وإن منهم لمن يسخرك أن تترجم له أو تعلمه ثم لا يقول لك أحسنت يا مترجم أو يا معلم. لكن منهم من لا يستحلّ أن يكلمك من دون أن يؤدي إليك أجرة فتح فمك وضم شفتيك. وإن منهم لمن إذا اضطر إلى أن يدعوك إلى طعامه ثم أراك قد سعلت سلعة أو مخطت مخطة أو فنخرت فنخرة قال لزوجته ألا إن ضيفنا مريض. فلا ينبغي أن تكثري له من الطعام. فتقوم عن المائدة متضوراً ويمتنّ هو عليك بين معارفه بأنه صنع لك وليمة في عام كذا وشهر كذا ويوم كذا فيجعل تلك الليلة تاريخاً. لكن منهم من إذا عرف أنك مقيم في إحدى قرى بلاده حيث لا بيع ولا شراء ولا شيء ينال من البقول والأثمار بعث إليك من مباقله وحدائقه ما سد فاك عن الشكوى. كما كان دراموند يبعث إلى الفارياق حين قدر الله عليه بالسكنى في بعض تلك القرى فكانت شكواه منها تسمع مع دوي الريح.
стр. 211
ليت شعري أليس وجود مائة كتاب بدارك في الأقل خيراً من وجود كذا وكذا قصبة للتبغ وكذا وكذا أركيلة. مع أن ثمن المائة كتاب لا يوازي ثمن ثلاث قطع من الكهرباء. أليس وجود مطبعة في بلادك أولى من هذه الطيالس الكشميرية وتلك الفراء السمورية وهذه الآنية النفيسة والحلي الفاخر. فإن الإنسان إذا نظر إلى الحلي لا يستفيد منه شيئاً لا لبدنه ولا لرأسه. وغاية فرحه به إنما هو الشهر الذي اشتراه فيه فإذا مضت عليه أشهر استوى عنده وسقط المتاع فلم يبق منه ما يسره من وجوده سوى بيعه. فأما الكتاب فأنه كلما مرت عليه السنون زادت قيمته وكثرت منافعه. أو ليس إطلاعك على التاريخ والجغرافية وآداب الناس زينة لك بين إخوانك ومعارفك تفوق على زينة الجواهر أليس تعليم اهلك وذويك شيئاً من ذلك ومن قواعد لازمة لحفظ الصحة من كتب الطب يكسبك عند الله أجراً ويؤمنك من مضار كثيرة تتطرق إليهم لجهلهم بها. فإن قلت إنه ليس عند الإفرنج مختصة بالنساء والأولاد يؤلفها الرجال الفاضلون المهذّبون. فلمَ تشتري من الإفرنج الخزّ والمتاع ولاتشتري منهم العلم والحكمة والآداب. ثم إنك مهما بالغت في أن تبرقع زوجتك عن رؤية الدنيا فلن تستطيع أن تخفيها عن قلبها. فإن المرأة حيثما كانت وكيفما كانت هي بنت الدنيا وأمّها وأختها وضرّتها، لا تقل لي أن المرأة إذا كانت شريرة لا يصلحها الكتاب بل يزيدها شرّة، وإذا كانت صالحة فما من حاجة إليه، فإني أقول إن المرأة كانت أولاً بنتاً قبل أن صارت امرأة. وإن الرجل كان من قبل ولداً. ولا ينكر أحد أن التعليم على صغر كالنقر في الحجر. وإنك إذا ربَّيت وُلدك في العلم والمعارف والفضائل والمحامد يربون على ما ربّيْتهم عليه. وتكون قد أدّيت ما فرضه الله عليك من تأديبهم. فتفارقهم بعد العمر الطويل وخاطرك مجبور وبالك رخي مطمئن. فلم يبق لك إلا أن تقول أن أبي لم يعلمني وكذا جدي لم يعلم أبي وإني بهما أقتدي. فأقول لك أن الدنيا في عهد المرحومين جدك وأبيك لم تكن كما هي الآن. إذ لم يكن في عصرهما سفن النار ودروب الحديد التي تقرب البعيد، وتجدد العهيد. وتصل المقطوع. وتبذل الممنوع. ولم يكن يلزم الإنسان في ذلك الوقت أن يتعلم لغات كثيرة فكان كل من يقول خوش كلدي صفا كلدي يقال فيه إنه يصلح لأن يكون ترجماناً في باب همايون. وكل من كان يكتب خطاً دون خطي هذا الذي سودت به هذا الكتاب، لا الذي تقرأه الآن فإني بريء من هذه الحروف، كان يقال عنه إنه كاتب ماهر يصلح لأن يكون منشئ ديوان فأما الآن فهيهات.
هذا الفارياق حين نوى السفر من الجزيرة إلى بلاد الإنكليز كان بعض الناس يقول له أنك سائر إلى بلاد لا تطلع عليها الشمس. وبعضهم يقول إلى أرض لا ينبت فيها القمح ولا البقول. ولا يوجد فيها من المأكول إلا اللحم والقلقاس. وبعض يقول إني أخاف عليك أن تفقد فيها رئتك لعدم الهواء. وبعضهم يقول أمعاك لعدم الأكل. وبعضهم صدرك أو عضواً آخر غيره. فلما سار إليها وجد الشمس شمساً والهواء هواء. والماء ماء. والرجال رجالاً والنساء نساء. والديار مأهولة والمدن معمورة. والأرض محروثة أريضة كثيرة الصُوى والأعلام. خضلة الغياض والرُبُض والآجام. ناضرة المروج. زاهية الحقول. غضة البقول. فلو إنه سمع لأولئك الناس لفاته رؤية ذلك اجمع. فإن خشيت أن تفوتك هناك لذة الاركيلة ولذة تكبيس الرجلين قبل الرقاد. فاعلم إن ما ترى هناك من العجائب ينسيك هذا النعيم. ويلهيك عمّا ألفته في مقامك الكريم. كيف ترضى لنفسك أن تفارق هذه الدنيا ولم ترها وأنت قادر على ذلك. وقد قال أبو الطيب المتنبي
ولم أرَ في عيوب الناس شيئاً ... كنقص القادرين على التمام
стр. 212
أم كيف تقتصر على معرفة ربع لغة ولا تتشوق إلى علم ما يفكر فيه غيرك. فلعل تحت قبعته أفكاراً ومعاني لم تخطر بما تحت طربوشك. بحيث إنك إذا استوعبتها تودّ لو أنك عاصرت صاحبها وتشرفت بمعرفته وصنعت له مأدبة فاخرة زينتها بصحاف الرز والبرغل. وكيف تبلغ من عمرك ثلاثين سنة ولم تؤلف شيئاً يفيد أهل بلادك. فما أرى بين يديك إلا دفاتر بيع وشراء وفناديق دخل وخرج. ورسائل فاسدة المعاني ركيكة الألفاظ تنظر فيها في كل صباح ومساء. فأما قصدت السفر لمجرد التفاخر فقط بأن تقول مثلاً في مجلس زارك فيه أصحاب الكرماء وأقرانك العظماء. قد رأيت مدينة كذا وشاهدت شوارعها النظيفة الواسعة وديارها الرحيبة ومراكبها الحسنة وأسواقها البهيجة وخيلها المطهمة ونساءها الرائعة وعساكرها الجرارة. وأكلت فيها في اليوم الأول كذا وشربت في اليوم الثاني كذا. ثم ذهبنا بعد ذلك إلى بعض الملاهي ثم إلى إحدى الملهيات. وبت معها على فراش وطئ.
стр. 213
وكان قبالة السرير مرآة كبيرة في طول الفراش وعرضه فكنت أرى نفسي فيها كما كنت في الفراش. ثم قمت في الصباح وجاءتنا خادمة صبيحة بصبوح أو فطور. ثم عدت إلى محلي فوجدت فيه فلانا ينتظرني وكان كذلك نحو الساعة الحادية عشرة أي قبل الظهر بساعة. فتوجهنا معاً إلى البستان المسمى بالبستان السلطاني وبينما نحن نمشي فيه وننظر إلى الشجر الباسقة والزهور المدبجة إذا بالفتاة التي بت عندها تماشي رجلاً يغازلها. فلما رأتني تبسمت وسلمت عليّ. وكأن سلامها لم يسؤ الرجل فإنه نزع لي قبعته فعجبت جداً من عدم غيرته. إذ لو كانت الفتاة عندي لحجبتها عن النور. فذلك كله يسمى في العربية هذراً وهراء وهفتاً وهرجاً وهلجاً وسقطا وهيشا وخطلا واخلاء ولخي وطفانين وهذيانا وثرثرة وفرفرة وحذرمة وهبرمة وهثرمة وخزربة وخطلبة وغيذرة وشمرجة ونفرجة وهمرجة وثغثغة وفقفقة ولقلقة ووقوقة وهتمنة وفي المتعارف عند العامة فشارا وعلكا. إذ لا فائدة فيه لأحد من الناس. بخلاف ما إذا قلت لهم أن الغيساني من الرجال هناك إذا حضر مجلساً فيه نساء لا يغمز إحداهن بعينه ولا يتبظرم ولا يبتهر. ولا يقول لها أنه يزور النساء المحصنات بعلم بعولتهن وبغير علمهم ويأكل عندهن ويشرب. ثم يخلو بهن في مضاجعن ويرجع إلى منزله مسروراً. وكأي من مرة وضع يده في جيبه فوجد فيه كيساً ملآن من الدنانير أو كاغد حوالة على بعض الصيارفة. وإنه إذا مرّ في الاسواق تتهافت على رؤيته البنات من الرواشن والشبابيك والكوى والسهاء والإجلاء. فمنهم من تشير إليه بيدها أو برأسها. ومنهن من تجهله بعينها ثم تضع يدها على قلبها. ومنهن من ترميه بوردة. وأخرى بباقة من المنثور أو برقعة فيها شعر. أو أنه يقول بحضرتهن قد انحلت تكتي أو حكني رفغني لكون حشو سراويلي غليظاً. أو يحك أسته أو يرطل عياره أو يتمطى ويتمتى ويتمطط ويتمدد ويتمطل ويتمتأ ويتمتت ويتمأى ويتنطط ويتمعط ويتمغط ويتبسط ويتبأط. بل إنما يكلمهن متأدباً محتشماً غاضّ الطرف خافض الصوت. ويسأل كبيرتهن عما طالعت يومها ذاك من الأخبار والحكايات النوادر الأدبية وإنه شرع في تأليف كتاب مفيد يشتمل على ذكر آثار الأقدمين وأخبارهم ثم يلقي على صغيرتهن أحجية أدبية ليلهيها بها وبمثل ذلك يدخل مكرماً ويخرج محموداً. وبخلاف ما إذا قلت لهم أيضاً أن التاجر المثري هناك لا يتختم بخواتم الماس والزمرد. ولا يتحلى بسلاسل الذهب. ولا يقتني النادر من الأثاث والماعون والفرش. بل إنما ينفق أمواله في سبيل البر وإغاثة الملهوفين وإمداد الأرامل واليتامى وفي إنشاء المدارس والمستشفيات. وفي تصليح الطرق وتحسين المدينة وإزالة الأوساخ والعفونات منها. وفي أن يربي ولده بالأدب والعلم والفضائل. فترى منهم من سنة اثنتا عشرة سنة يكلمك بما يكلمك به من سنه منا أثنتا عشرة سنة بعد العشرين. وبخلاف ما إذا تفضلت بذكره فقلت أن لكل إنسان عندهم ممن لا يعد من الأغنياء والفقراء خزانة كتب نفيسة في كل فن وعلم. وما من بيت إلا وفيه إضبارة من صحف. وإن الرجل منهم أخبر بالبلاد الأجنبية مناهلها. وإن اكثر فلاحيهم يقرءون ويكتبون ويطالعون الوقائع اليومية ويعرفون الحقوق الرابطة بين المالك والمملوك والحاكم والمحكوم وبين الرجل وامرأته. وإن من هذه الوقائع المطبوعة ما تبلغ عدة نسخه أربعة عشر مليوناً في العام. وما يدفع عليها لخزنة الدولة على طبع إجازتها يبلغ أكثر من خمسين ألف ليرة. وإنها لو عرّبت نسخة واحدة منها لجاءت أكثر من مائتي صفحة. وإن صاحب العائلة منهم إذا جلس صباحاً على المائدة مع زوجته وأولاده يقبل كلا منهم ويسألهم عن صحتهم. ويفيدهم بعض نصائح وتنبيهات تكون لهم إماماً في ذلك اليوم. وإنهم يكلمونه وهم مبتهجون فرحون ويرون حضوره فيهم سلواناً. وإنهم لا يخالفون له أمراً ولا يستثقلون منه تكليفاً. وهم مع ذلك يدلون عليه بالبنوّة ويهابونه للأبوّة.
стр. 214
فهذا وأمثاله أصلحك الله ينبغي أن تشنّف به مسامع أصحابك الكرام. عسى أن ينشطوا إلى إنشاء مدرسة أو ترجمة كتاب أو لإرسال ولدهم إلى بلد يتأدبون فيها بالآداب المحمودة والمناقب الكريمة. وإياك يا سيدي من أن تميل قبل كل هذا كله إلى أن تأخذ عن بعضهم الخصال الذميمة كالطيش والنزق والبخل والفسق والكبر ومد الرجلين في وجه جليسك فقد ذكرت لك آنفاً أن البلاد التي تكثر فيها الفضائل تكثر فيها الرذائل أيضاً وإنه ليس من إنسان إلا وفيه عيب بل عيوب. غير إنه ينبغي لكل منا أن لا يزال يجد ويسعى في طريق الكمال وفي تهذيب أخلاقه وحواسه الباطنة بكل ما يبدو لحواسه الظاهرة. وكما أن لذة الحواس لا يشعر بها الإنسان إلا في مقدم جسمه دون مؤخره كذلك ينبغي لكل ذي جسم من الحيوان الناطق أن يعتمد على التقدم في المعارف والدراية. والمحامد إلى الغاية. وكنت أود لو أن أحداً من أهل بلادنا نقل فضيلة أو مأثرة عن هؤلاء الناس إلى إخوانه ومعارفه كما تنقل الأخبار والروايات. وبودي لو يستحيل أصناف الماس والزمرد والياقوت والدهنج والثعثع والدر والعقيان والكهرباء والمها وقلنسوة الراهب معها حالة كونها معدودة من الجواهر والتحف إلى كتب ومدارس ومكاتب ومطابع.
وداع
стр. 215
لما حان سفر الفارياق أخذ يودع زوجته بعد أن أوعى القاموس والأشموني في صندوقه ويقول. اذكري يا زوجتي أنَّا عشنا معاً برهة طويلة من الدهر. قالت ما أذكر إلا هذا. قال فقلت أذكر ناكرٍ أم شاكر. قالت نصف من هذا أو نصف من ذاك قلت يرجعنا النحت إلى الأول قالت أو يرجع الأول إلى النحت. قلت أي أول أضمرت؟ قالت ما لك ولتأويل المضمر. قلت حسبي أن تبيِّني الحقيقة ذلك. قالت إذا فكرت في أنك لي ولغيري كنت من الناكرين وإلا فمن الشاكرين. قلت أنك كنت نهيتني عن المعاملة بالقسم وهاأنت الآن تأتينه. قالت بل هو يأتيني. قلت أما فيك لفظة لا. قالت أن لفظتها كانت نعم. قلت إن لا من المرأة إلى. قالت وأن نعم نعم. قلت أجعلت هذا دأبك. قالت ودأبت في هذا الجعل. قلت هذا لا يليق بذات ولد. قالت ولا تلد من لا تليق. قلت من مادة. قالت أن كانت المادة غير زيادة متصلة أحوجت إلى اختلاف الصور. قلت وكيف تبقى متصلة على اختلاف الأشكال. قالت لا أشكال في كيفية الأشكال فإن واحداً منها يغني عن الجميع. وغنما الكلام على رسم الكمية. قلت ما الحدّ. قالت في الجد الهزل وفي الهزل الجد. قلت أرأيتك لو أقمت نائباً عني في ذاك مدة غيابي. فضحكت وقالت على ما أحب أنا أم على ما تحب أنت. قلت بل على ما تحبين أنت. قالت لا يرضى الرجل بذلك إلا إذا كان غير ذي غيرة ولا يكون غير ذي غيرة إلا إذا كره امرأته وكلف بغيرها فأنت إذا كلف بغيري. قلت ما أنا بالكلف ولا بالطرف. لكن الرجل إذا كان شديد الحب لامرأته ودّ لو أنه يرضيها في كل شيء. على أن الغيرة لا تكون دائماً المحبة كما نصَّوا عليه. فإن بعض النساء يغرن على أزواجهن عن كراهية لهم وأعنات. مثال ذلك إذا منعت المرأة زوجها عن الخروج إلى بستان أو ملهى أو حمَّام مع عدة رجال متزوجين. وهي تعلم أنهم في هذه المواضع لا يمكنهم الاجتماع بالنساء فهي إنما تفعل ذلك تحكماً عليه ومنعاً لهمن ذكر النساء مع أصحابه والتلذذ بما لا يضيرها. وكذا إذا حضرته عن النظر من شباكه إلى شارع أو روضة حيث يكثر تردد النساء وكذا الحكم على الرجل لو فعل ذلك بامرأته. فهذا عند الناس يعد غيره لكنه في الواقع بغضة. أو ربما كان آخر الغيرة أول البغض كما أن إفراط الضحك هو أول البكاء وكيف كان فإن الرجل لا يمكن أن يحب زوجته إلا إذا أباح لها التلذذ بما شاءت وبمن أحبَّت قالت أيفعل ذلك أحد في الدنيا. قلت نعم يفعله كثير في بلاد غير بعيدة عنا. قالت بأبي هم ولكن ما شأن النساء أيفعلن ذلك أيضاً لأواجههن. قلت لا بد حتى يعتدل الميزان. قالت أما أنا فلا أرضى بهذا الاعتدال فالميل عندي أحسن. قلت وكذا عندي في بعض الأحوال. قالت ولأحوال البعض. قلت فلنعد إلى السفر إنني أسافر اليوم. قالت نعم إلى بلاد فيها البيض الحسان. قلت أتعنيهم أم تعنيهن. قالت أعني نوعاً ويعنيني آخر. قلت ولمَ يعنيك وأنتن المطلوبات في كل حال ولذلك يقال للمرأة غانية. قال في القاموس الغانية المرأة التي تطلب ولا تطلب. قالت ما أحسن كلامه هنا لولا أنه قال قبل ذلك العواني النساء لأنهن يظلمن فلا يُنتصرن. غير أن هذه النقطة شفعت في تلك. قلت حبكن التنقيط دأب قديم. قالت مثل دأب الرجال في التحريف وكيف كان فإن مطلوبيتنا هي أصل العناء. فإن المطلوبة لا تكون إلا ذات العرض والإحصان فويل لها أن خانت محصنها. وويل لها أن حرمت طالبها وباتت تلك الليلة مشغولة البال بحرمانه وخيبته وبكونها صارت سببا في أرقه وجزعه وحسرته. والطالبة تعود غير مطلوبة. قلت ليست أخلاق الرجال في ذلك سواء. قالت إنما أعني الرجال الذين يطلبون ويكلفون بمن يطلبونه لا أولئك الطَرفِين الشنقين المسافحين الذين دأبهم التذوّق والتنقل من مطلوب إلى آخر ونفع أنفسهم فقط دون مراعاة نفع سواهم. ولكن هيهات هل في الرجال من يقيم على الوداد ولا يميل عنه كل يوم. لعمري لو لكانت النساء تطلب الرجال طلب الرجال للنساء لما رأيت فيهم غير مفتون. قلت هل في النساء من تقيم على الوداد ولا تجنح عنه كل يوم ألف مرة هذه الكتب كلها تشهد للرجال بالوفاء وعلى النساء بالخيدعية. قالت من كتب هذه الكتب أليس الرجال هم الذين لفّقوها. قلت ولكن من بعد التحري والتجربة، قالت من يأت الحكم وحدة يفلج قلت بل أوردوا على ذلك شواهد وكفى بما ورد عن سيدنا سليمان برهاناً ودليلاً.
следующие страницы →