← Адаб

Адаб · id 9693

الساق على الساق في ما هو الفارياق

الشدياق

Полный текст (294 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ليت شعري أليس وجود مائة كتاب بدارك في الأقل خيراً من وجود كذا وكذا قصبة للتبغ وكذا وكذا أركيلة. مع أن ثمن المائة كتاب لا يوازي ثمن ثلاث قطع من الكهرباء. أليس وجود مطبعة في بلادك أولى من هذه الطيالس الكشميرية وتلك الفراء السمورية وهذه الآنية النفيسة والحلي الفاخر. فإن الإنسان إذا نظر إلى الحلي لا يستفيد منه شيئاً لا لبدنه ولا لرأسه. وغاية فرحه به إنما هو الشهر الذي اشتراه فيه فإذا مضت عليه أشهر استوى عنده وسقط المتاع فلم يبق منه ما يسره من وجوده سوى بيعه. فأما الكتاب فأنه كلما مرت عليه السنون زادت قيمته وكثرت منافعه. أو ليس إطلاعك على التاريخ والجغرافية وآداب الناس زينة لك بين إخوانك ومعارفك تفوق على زينة الجواهر أليس تعليم اهلك وذويك شيئاً من ذلك ومن قواعد لازمة لحفظ الصحة من كتب الطب يكسبك عند الله أجراً ويؤمنك من مضار كثيرة تتطرق إليهم لجهلهم بها. فإن قلت إنه ليس عند الإفرنج مختصة بالنساء والأولاد يؤلفها الرجال الفاضلون المهذّبون. فلمَ تشتري من الإفرنج الخزّ والمتاع ولاتشتري منهم العلم والحكمة والآداب. ثم إنك مهما بالغت في أن تبرقع زوجتك عن رؤية الدنيا فلن تستطيع أن تخفيها عن قلبها. فإن المرأة حيثما كانت وكيفما كانت هي بنت الدنيا وأمّها وأختها وضرّتها، لا تقل لي أن المرأة إذا كانت شريرة لا يصلحها الكتاب بل يزيدها شرّة، وإذا كانت صالحة فما من حاجة إليه، فإني أقول إن المرأة كانت أولاً بنتاً قبل أن صارت امرأة. وإن الرجل كان من قبل ولداً. ولا ينكر أحد أن التعليم على صغر كالنقر في الحجر. وإنك إذا ربَّيت وُلدك في العلم والمعارف والفضائل والمحامد يربون على ما ربّيْتهم عليه. وتكون قد أدّيت ما فرضه الله عليك من تأديبهم. فتفارقهم بعد العمر الطويل وخاطرك مجبور وبالك رخي مطمئن. فلم يبق لك إلا أن تقول أن أبي لم يعلمني وكذا جدي لم يعلم أبي وإني بهما أقتدي. فأقول لك أن الدنيا في عهد المرحومين جدك وأبيك لم تكن كما هي الآن. إذ لم يكن في عصرهما سفن النار ودروب الحديد التي تقرب البعيد، وتجدد العهيد. وتصل المقطوع. وتبذل الممنوع. ولم يكن يلزم الإنسان في ذلك الوقت أن يتعلم لغات كثيرة فكان كل من يقول خوش كلدي صفا كلدي يقال فيه إنه يصلح لأن يكون ترجماناً في باب همايون. وكل من كان يكتب خطاً دون خطي هذا الذي سودت به هذا الكتاب، لا الذي تقرأه الآن فإني بريء من هذه الحروف، كان يقال عنه إنه كاتب ماهر يصلح لأن يكون منشئ ديوان فأما الآن فهيهات. هذا الفارياق حين نوى السفر من الجزيرة إلى بلاد الإنكليز كان بعض الناس يقول له أنك سائر إلى بلاد لا تطلع عليها الشمس. وبعضهم يقول إلى أرض لا ينبت فيها القمح ولا البقول. ولا يوجد فيها من المأكول إلا اللحم والقلقاس. وبعض يقول إني أخاف عليك أن تفقد فيها رئتك لعدم الهواء. وبعضهم يقول أمعاك لعدم الأكل. وبعضهم صدرك أو عضواً آخر غيره. فلما سار إليها وجد الشمس شمساً والهواء هواء. والماء ماء. والرجال رجالاً والنساء نساء. والديار مأهولة والمدن معمورة. والأرض محروثة أريضة كثيرة الصُوى والأعلام. خضلة الغياض والرُبُض والآجام. ناضرة المروج. زاهية الحقول. غضة البقول. فلو إنه سمع لأولئك الناس لفاته رؤية ذلك اجمع. فإن خشيت أن تفوتك هناك لذة الاركيلة ولذة تكبيس الرجلين قبل الرقاد. فاعلم إن ما ترى هناك من العجائب ينسيك هذا النعيم. ويلهيك عمّا ألفته في مقامك الكريم. كيف ترضى لنفسك أن تفارق هذه الدنيا ولم ترها وأنت قادر على ذلك. وقد قال أبو الطيب المتنبي ولم أرَ في عيوب الناس شيئاً ... كنقص القادرين على التمام

стр. 212

أم كيف تقتصر على معرفة ربع لغة ولا تتشوق إلى علم ما يفكر فيه غيرك. فلعل تحت قبعته أفكاراً ومعاني لم تخطر بما تحت طربوشك. بحيث إنك إذا استوعبتها تودّ لو أنك عاصرت صاحبها وتشرفت بمعرفته وصنعت له مأدبة فاخرة زينتها بصحاف الرز والبرغل. وكيف تبلغ من عمرك ثلاثين سنة ولم تؤلف شيئاً يفيد أهل بلادك. فما أرى بين يديك إلا دفاتر بيع وشراء وفناديق دخل وخرج. ورسائل فاسدة المعاني ركيكة الألفاظ تنظر فيها في كل صباح ومساء. فأما قصدت السفر لمجرد التفاخر فقط بأن تقول مثلاً في مجلس زارك فيه أصحاب الكرماء وأقرانك العظماء. قد رأيت مدينة كذا وشاهدت شوارعها النظيفة الواسعة وديارها الرحيبة ومراكبها الحسنة وأسواقها البهيجة وخيلها المطهمة ونساءها الرائعة وعساكرها الجرارة. وأكلت فيها في اليوم الأول كذا وشربت في اليوم الثاني كذا. ثم ذهبنا بعد ذلك إلى بعض الملاهي ثم إلى إحدى الملهيات. وبت معها على فراش وطئ.

стр. 213

وكان قبالة السرير مرآة كبيرة في طول الفراش وعرضه فكنت أرى نفسي فيها كما كنت في الفراش. ثم قمت في الصباح وجاءتنا خادمة صبيحة بصبوح أو فطور. ثم عدت إلى محلي فوجدت فيه فلانا ينتظرني وكان كذلك نحو الساعة الحادية عشرة أي قبل الظهر بساعة. فتوجهنا معاً إلى البستان المسمى بالبستان السلطاني وبينما نحن نمشي فيه وننظر إلى الشجر الباسقة والزهور المدبجة إذا بالفتاة التي بت عندها تماشي رجلاً يغازلها. فلما رأتني تبسمت وسلمت عليّ. وكأن سلامها لم يسؤ الرجل فإنه نزع لي قبعته فعجبت جداً من عدم غيرته. إذ لو كانت الفتاة عندي لحجبتها عن النور. فذلك كله يسمى في العربية هذراً وهراء وهفتاً وهرجاً وهلجاً وسقطا وهيشا وخطلا واخلاء ولخي وطفانين وهذيانا وثرثرة وفرفرة وحذرمة وهبرمة وهثرمة وخزربة وخطلبة وغيذرة وشمرجة ونفرجة وهمرجة وثغثغة وفقفقة ولقلقة ووقوقة وهتمنة وفي المتعارف عند العامة فشارا وعلكا. إذ لا فائدة فيه لأحد من الناس. بخلاف ما إذا قلت لهم أن الغيساني من الرجال هناك إذا حضر مجلساً فيه نساء لا يغمز إحداهن بعينه ولا يتبظرم ولا يبتهر. ولا يقول لها أنه يزور النساء المحصنات بعلم بعولتهن وبغير علمهم ويأكل عندهن ويشرب. ثم يخلو بهن في مضاجعن ويرجع إلى منزله مسروراً. وكأي من مرة وضع يده في جيبه فوجد فيه كيساً ملآن من الدنانير أو كاغد حوالة على بعض الصيارفة. وإنه إذا مرّ في الاسواق تتهافت على رؤيته البنات من الرواشن والشبابيك والكوى والسهاء والإجلاء. فمنهم من تشير إليه بيدها أو برأسها. ومنهن من تجهله بعينها ثم تضع يدها على قلبها. ومنهن من ترميه بوردة. وأخرى بباقة من المنثور أو برقعة فيها شعر. أو أنه يقول بحضرتهن قد انحلت تكتي أو حكني رفغني لكون حشو سراويلي غليظاً. أو يحك أسته أو يرطل عياره أو يتمطى ويتمتى ويتمطط ويتمدد ويتمطل ويتمتأ ويتمتت ويتمأى ويتنطط ويتمعط ويتمغط ويتبسط ويتبأط. بل إنما يكلمهن متأدباً محتشماً غاضّ الطرف خافض الصوت. ويسأل كبيرتهن عما طالعت يومها ذاك من الأخبار والحكايات النوادر الأدبية وإنه شرع في تأليف كتاب مفيد يشتمل على ذكر آثار الأقدمين وأخبارهم ثم يلقي على صغيرتهن أحجية أدبية ليلهيها بها وبمثل ذلك يدخل مكرماً ويخرج محموداً. وبخلاف ما إذا قلت لهم أيضاً أن التاجر المثري هناك لا يتختم بخواتم الماس والزمرد. ولا يتحلى بسلاسل الذهب. ولا يقتني النادر من الأثاث والماعون والفرش. بل إنما ينفق أمواله في سبيل البر وإغاثة الملهوفين وإمداد الأرامل واليتامى وفي إنشاء المدارس والمستشفيات. وفي تصليح الطرق وتحسين المدينة وإزالة الأوساخ والعفونات منها. وفي أن يربي ولده بالأدب والعلم والفضائل. فترى منهم من سنة اثنتا عشرة سنة يكلمك بما يكلمك به من سنه منا أثنتا عشرة سنة بعد العشرين. وبخلاف ما إذا تفضلت بذكره فقلت أن لكل إنسان عندهم ممن لا يعد من الأغنياء والفقراء خزانة كتب نفيسة في كل فن وعلم. وما من بيت إلا وفيه إضبارة من صحف. وإن الرجل منهم أخبر بالبلاد الأجنبية مناهلها. وإن اكثر فلاحيهم يقرءون ويكتبون ويطالعون الوقائع اليومية ويعرفون الحقوق الرابطة بين المالك والمملوك والحاكم والمحكوم وبين الرجل وامرأته. وإن من هذه الوقائع المطبوعة ما تبلغ عدة نسخه أربعة عشر مليوناً في العام. وما يدفع عليها لخزنة الدولة على طبع إجازتها يبلغ أكثر من خمسين ألف ليرة. وإنها لو عرّبت نسخة واحدة منها لجاءت أكثر من مائتي صفحة. وإن صاحب العائلة منهم إذا جلس صباحاً على المائدة مع زوجته وأولاده يقبل كلا منهم ويسألهم عن صحتهم. ويفيدهم بعض نصائح وتنبيهات تكون لهم إماماً في ذلك اليوم. وإنهم يكلمونه وهم مبتهجون فرحون ويرون حضوره فيهم سلواناً. وإنهم لا يخالفون له أمراً ولا يستثقلون منه تكليفاً. وهم مع ذلك يدلون عليه بالبنوّة ويهابونه للأبوّة.

стр. 214

فهذا وأمثاله أصلحك الله ينبغي أن تشنّف به مسامع أصحابك الكرام. عسى أن ينشطوا إلى إنشاء مدرسة أو ترجمة كتاب أو لإرسال ولدهم إلى بلد يتأدبون فيها بالآداب المحمودة والمناقب الكريمة. وإياك يا سيدي من أن تميل قبل كل هذا كله إلى أن تأخذ عن بعضهم الخصال الذميمة كالطيش والنزق والبخل والفسق والكبر ومد الرجلين في وجه جليسك فقد ذكرت لك آنفاً أن البلاد التي تكثر فيها الفضائل تكثر فيها الرذائل أيضاً وإنه ليس من إنسان إلا وفيه عيب بل عيوب. غير إنه ينبغي لكل منا أن لا يزال يجد ويسعى في طريق الكمال وفي تهذيب أخلاقه وحواسه الباطنة بكل ما يبدو لحواسه الظاهرة. وكما أن لذة الحواس لا يشعر بها الإنسان إلا في مقدم جسمه دون مؤخره كذلك ينبغي لكل ذي جسم من الحيوان الناطق أن يعتمد على التقدم في المعارف والدراية. والمحامد إلى الغاية. وكنت أود لو أن أحداً من أهل بلادنا نقل فضيلة أو مأثرة عن هؤلاء الناس إلى إخوانه ومعارفه كما تنقل الأخبار والروايات. وبودي لو يستحيل أصناف الماس والزمرد والياقوت والدهنج والثعثع والدر والعقيان والكهرباء والمها وقلنسوة الراهب معها حالة كونها معدودة من الجواهر والتحف إلى كتب ومدارس ومكاتب ومطابع. وداع

стр. 215

لما حان سفر الفارياق أخذ يودع زوجته بعد أن أوعى القاموس والأشموني في صندوقه ويقول. اذكري يا زوجتي أنَّا عشنا معاً برهة طويلة من الدهر. قالت ما أذكر إلا هذا. قال فقلت أذكر ناكرٍ أم شاكر. قالت نصف من هذا أو نصف من ذاك قلت يرجعنا النحت إلى الأول قالت أو يرجع الأول إلى النحت. قلت أي أول أضمرت؟ قالت ما لك ولتأويل المضمر. قلت حسبي أن تبيِّني الحقيقة ذلك. قالت إذا فكرت في أنك لي ولغيري كنت من الناكرين وإلا فمن الشاكرين. قلت أنك كنت نهيتني عن المعاملة بالقسم وهاأنت الآن تأتينه. قالت بل هو يأتيني. قلت أما فيك لفظة لا. قالت أن لفظتها كانت نعم. قلت إن لا من المرأة إلى. قالت وأن نعم نعم. قلت أجعلت هذا دأبك. قالت ودأبت في هذا الجعل. قلت هذا لا يليق بذات ولد. قالت ولا تلد من لا تليق. قلت من مادة. قالت أن كانت المادة غير زيادة متصلة أحوجت إلى اختلاف الصور. قلت وكيف تبقى متصلة على اختلاف الأشكال. قالت لا أشكال في كيفية الأشكال فإن واحداً منها يغني عن الجميع. وغنما الكلام على رسم الكمية. قلت ما الحدّ. قالت في الجد الهزل وفي الهزل الجد. قلت أرأيتك لو أقمت نائباً عني في ذاك مدة غيابي. فضحكت وقالت على ما أحب أنا أم على ما تحب أنت. قلت بل على ما تحبين أنت. قالت لا يرضى الرجل بذلك إلا إذا كان غير ذي غيرة ولا يكون غير ذي غيرة إلا إذا كره امرأته وكلف بغيرها فأنت إذا كلف بغيري. قلت ما أنا بالكلف ولا بالطرف. لكن الرجل إذا كان شديد الحب لامرأته ودّ لو أنه يرضيها في كل شيء. على أن الغيرة لا تكون دائماً المحبة كما نصَّوا عليه. فإن بعض النساء يغرن على أزواجهن عن كراهية لهم وأعنات. مثال ذلك إذا منعت المرأة زوجها عن الخروج إلى بستان أو ملهى أو حمَّام مع عدة رجال متزوجين. وهي تعلم أنهم في هذه المواضع لا يمكنهم الاجتماع بالنساء فهي إنما تفعل ذلك تحكماً عليه ومنعاً لهمن ذكر النساء مع أصحابه والتلذذ بما لا يضيرها. وكذا إذا حضرته عن النظر من شباكه إلى شارع أو روضة حيث يكثر تردد النساء وكذا الحكم على الرجل لو فعل ذلك بامرأته. فهذا عند الناس يعد غيره لكنه في الواقع بغضة. أو ربما كان آخر الغيرة أول البغض كما أن إفراط الضحك هو أول البكاء وكيف كان فإن الرجل لا يمكن أن يحب زوجته إلا إذا أباح لها التلذذ بما شاءت وبمن أحبَّت قالت أيفعل ذلك أحد في الدنيا. قلت نعم يفعله كثير في بلاد غير بعيدة عنا. قالت بأبي هم ولكن ما شأن النساء أيفعلن ذلك أيضاً لأواجههن. قلت لا بد حتى يعتدل الميزان. قالت أما أنا فلا أرضى بهذا الاعتدال فالميل عندي أحسن. قلت وكذا عندي في بعض الأحوال. قالت ولأحوال البعض. قلت فلنعد إلى السفر إنني أسافر اليوم. قالت نعم إلى بلاد فيها البيض الحسان. قلت أتعنيهم أم تعنيهن. قالت أعني نوعاً ويعنيني آخر. قلت ولمَ يعنيك وأنتن المطلوبات في كل حال ولذلك يقال للمرأة غانية. قال في القاموس الغانية المرأة التي تطلب ولا تطلب. قالت ما أحسن كلامه هنا لولا أنه قال قبل ذلك العواني النساء لأنهن يظلمن فلا يُنتصرن. غير أن هذه النقطة شفعت في تلك. قلت حبكن التنقيط دأب قديم. قالت مثل دأب الرجال في التحريف وكيف كان فإن مطلوبيتنا هي أصل العناء. فإن المطلوبة لا تكون إلا ذات العرض والإحصان فويل لها أن خانت محصنها. وويل لها أن حرمت طالبها وباتت تلك الليلة مشغولة البال بحرمانه وخيبته وبكونها صارت سببا في أرقه وجزعه وحسرته. والطالبة تعود غير مطلوبة. قلت ليست أخلاق الرجال في ذلك سواء. قالت إنما أعني الرجال الذين يطلبون ويكلفون بمن يطلبونه لا أولئك الطَرفِين الشنقين المسافحين الذين دأبهم التذوّق والتنقل من مطلوب إلى آخر ونفع أنفسهم فقط دون مراعاة نفع سواهم. ولكن هيهات هل في الرجال من يقيم على الوداد ولا يميل عنه كل يوم. لعمري لو لكانت النساء تطلب الرجال طلب الرجال للنساء لما رأيت فيهم غير مفتون. قلت هل في النساء من تقيم على الوداد ولا تجنح عنه كل يوم ألف مرة هذه الكتب كلها تشهد للرجال بالوفاء وعلى النساء بالخيدعية. قالت من كتب هذه الكتب أليس الرجال هم الذين لفّقوها. قلت ولكن من بعد التحري والتجربة، قالت من يأت الحكم وحدة يفلج قلت بل أوردوا على ذلك شواهد وكفى بما ورد عن سيدنا سليمان برهاناً ودليلاً.

стр. 216

فإنه قال قد وجت بين ألف من الرجال صالحاً فأما بين النساء فسلم أجد صالحة. قالت أن سيدنا سليمان وأن يكن قد أوتي من الحكمة ما لم يؤته غيره أن بائع المسك لطول ائتلافه بالرائحة القوية تضعف منه حاسة الشم بحيث لا يعود يشم الرائحة اللطيفة. وأما إيراد الأدلة من الرجال على النساء دون إيراد أدلة النساء على الرجال فمحص ظلم وبطر. قلت نعم كان الأولى مناقصة هذا الإيراد ولكن سبحان الله أنتن تتهمن الرجال في كل شيء ثم تتهافتن عليهم. قالت لولا اضطرار الأحوال لما شغلن بذلك الأبوال. قال فضحكت وقلت أي جمع هذا قالت قسته على غيره. قلت وهل استوى المقيس بالمقيس عليه. قالت لا فرق. قلت بل كله فرق فإن اللغة لا تؤخذ بالقياس. ولو صح ذلك لم تكن مناسبة بين الذكر والأنثى ولا بين الأنثى والذكر. ولا بين تذكير حقيقة التأنيث وتأنيث ما هو غير مقابل بمثله. قالت وهذا أيضاً من بطر الرجال وتشويشهم فلا يكادون يأتون أمراً مستقيماً. قلت قد رجعت إلى لومهم. قالت والله، لقد حرت في الرجال. قلت والله لقد حرتُ في النساء.

стр. 217

ولكن فلنعد إلى الوداع إني أعاهدك على أن لا أخونك. قالت بل تخونني على عهد. قلت ما يحملك على سوء الظن بي. قالت إني أرى الرجال إذا كانوا في بلاد لم يُعرفوا بها أفشحوا غاية الإفحاش. ألا ترى إلى هؤلاء الغرباء الذين يأتون إلى هذه الجزيرة كيف يتهتكون في العهر والفجور. فأول ما يضع أحدهم قدمه على الأرض يسأل عن الماخور. ولا سيما هؤلاء الشاميين ولا سيما النصارى منهم ولا سيما الذين ألمّوا بعلم شيء من أحوال الإفرنج ولغاتهم فأنهم يخرجون من المراكب كالزنابير اللاسعة من هنا وهناك. قلت لعلهم كانوا في بلادهم كذلك قالت ليس عندهم أسباب الفحش هناك. قلت أو كانوا فاسدين بالطبع. قالت نعم هو عرق فساد فأول ما يستنشقون رائحة بلاد الإفرنج ينبض فيهم. ولذلك تراهم أبداً يتلمظون بذكر بلاد الإفرنج وعاداتهم وأحوالهم. مع أنك إذا سألت أحداً منهم عن طعامهم قال لا يستطيبه. أو عن ألحانهم قال لا تطربه. أو عن كرمائهم قال لم تأدبه. أو عن حمّاماتهم قال لم تعجبه. أو عن هوائهم قال لم يلائمه. أو عن مائهم قال لم يسغ له. فيكون لهجتهم بذكر بلادهم وتنويههم بمحاسنها إنما سببه الفحش. وأنت من يضمن لي طبعك عن الفساد وقد أسمعك كل يوم تُهيم بذكر الرجراجة والرضراضة والبضباضة والفضفاضة والربحلة والرعبوب والعطبول. وهي لعمري ألفاظ تسيل لعاب الحصور وتشهّي الناسك. قلت إن هو إلا كلام. قالت أول الحرب كلام. قلت أترين اعدّي عن هذه الصنعة الشائقة، والحرفة العائقة. قالت إن لم تتصور ذاتا بعينها عند الوصف فلا بأس. قلت إن لم أتصور ذاتا لم يخطر ببالي شيء. قالت إذن هو حرام. قلت ما كفارته. قالت إياي لا غير. قلت ولكن أنت خالية عن بعض الصفات التي لابد من ذكرها قالت إذا كان الرجل يحب امرأته رأى فيها الحسن كله ونظر من كل شعرة منها امرأة جميلة كما أنه إذا احب امرأة غيرها أحبّ لأجلها بلادها وهواءها وماءها ولسان قومها وعاداتهم وأطوارهم. قلت أو كذلك المرأة إذا أحبت رجلاً. قالت هو في النساء أكثر لأنهن أوفر حبا ووجداً. قلت ما سبب ذلك. قالت لأن الرجال يتشاغلون بما ليس يعنيهم. فترى واحداً منهم يطلب الولاية وآخر السيادة وآخر البحث في الأديان وفي ما غمض من السفليات والعلويات. والنساء لا شيء يشغلهن من ذلك. قلت ليتك تشاغلت مثلهم. قالت ليت لي قلبين في شغلنا. قلت أفتنظرين في الحسن كله كما زعمت. قالت أُحْسن فيك النظر: قلت فلنعد إلى الوداع لا بل فلنعد إلى التشاغل. فإني أريد أن أنهي هذه المسألة قبل أن أفصل من هنا وإلا فتكون لي شاغل الطريق وربما أفسدت شغلي عند القوم فأرجع باللوم عليك وعلى سائر النساء. قالت اعلم إن المرأة تعلم من نفسها إنها زينة هذا الكون كما أن جميع ما فيه إنما خلق لزينتها لا لزينة الرجل. لا لكونه مستغنياً عنها بذاته أو لكونها هي مفتقرة إليها لتحلو بها في عين الناظر وإذن السامع، بل لعدم جدارة الرجل بها. فإن الزينة نوع من الأخذ والتلقي والاستيعاب والزيادة وهي أحوال أنسب بالمرأة منها بالرجل. وبناء على هذا أي على أن جميع ما في الكون خُلق لها بعضه بالتخصيص وبعضه بالتفضيل والإيثار. كان من بعض اعتقادها أن نوع الرجل أيضاً مخلوق لها. لا بمعنى إنها تكون زوجة لجميع الرجال. فإن ذلك محال من وجهين. أحدهما إنها لا تطيق ذلك لأن سرية ذلك اليهودي "على ما ذكر في الفصل التاسع عشر من سفر القضاة" لم تطق أهل قرية واحدة "هي جبعة" على قلتهم ليلة واحدة. بل ماتت في الصباح وسيدها يحسبها نائمة. وهذه الحكاية ذكرت ردعاً للنساء. والثاني إنه إذا ثبت لامرأة حق في حكر الرجال والاستبداد بهم ثبت الحق الباقي. ولكن بمعنى إنها أهل لأن تعاشر جميع الرجال وتتعرف ما عندهم. فتتلهى من واحد بتملقه ومن آخر بإطراء ومن غيره بمغازلة ومن آخر بمطارحة وما أشبه ذلك. مما لا يمنعها من محبة زوجها والكلف به. لا بل -قال فقلت أتمنى هذه اللابليّة فإني أراها ترجمة لداهية من دواهي النساء وعنواناً على مكيدة من مكايدهن. فضحكت وقالت ربّما دلت على الرأي الظنون. غير إني أخشى من أن تأخذك لبيانها شفشفة ورعدة فتتأخر عن السفر. أو أن تظن إن هذا دأبي معك. معاذ الله. إني لم أخنك بضمد ولا بغيره. وإنما علمت من النساء لأن النساء لا يكتم بعضهن عن بعض شيئاً من أمور العشق وأحوال الرجال.

стр. 218

قلت أوجزي فقد قلقت وفرقت وعرقت. قالت أعلم إن بعض النساء لا يتحرّجن من وصال غير بعولتهن لسببين. الأول لعدم اكتفائهن بالقدر المرتب لهن منهم. فإنهم يعودونهن أولا على ما يعجزون عن أدائه إليهن آخراً. ولا يخفي أن من النساء المدقم وهي التي تلتهم كل شيء. ومنهن الشفيرة وهي القانعة من البعال بأيسره. ومنهن الضامد وهي التي تتخذ خليلين. ومنهن المطماع وهي التي تُطمع ولا تمكن. ومنهن المريم وهي التي تحب الرجال ولا تفجر وهو خلقي. قال فقلت اللهم أمين. قالت واللاعة وهي التي تغازلك ولا تمكنك. والسبب الثاني لاستطلاع أحوال الرجال واختبار الأبتع وغير الأبتع منهم لمجرد العلم كيلا يفوتهن حال من أحوالهم. ومنهن من تعتقد أن زوجها يخونها عند كل فرصة تسنح له. لما تقرر في عقول النساء إن الرجال لا شغل لهم إلا مغازلتهن ومباغمتهن. فهي على هذا لا تجد سبيلاً للشطح إلا وتزّف فيه. اعتقاداً إنها أخذت بثأرها جزماً أي قبل وقته الموقوت. ومع ذلك فلا يحلن عن محبة بعولتهن. بل ربما كان ذلك الشطح أدعى لزيادة حبّهن لهم. قلت لا متعني الله بحب ناشئ عن مد قميه ولا ضمد. ولكن كيف يكون هذا التخليط أدعى إلى زيادة الحبّ والمرأة إذا ذاقت البكبك والعجارم والعجارم والقازح والكباس لم تقتنع بعد ذلك بزوجها حالة كونه لا يحول عن الصفة التي فطر عليها. وكذا الرجل أيضاً إذا ذاق الرشوف والرصوف والحزنبل والعضوض والأكبس فإنه يرى زوجته بعد ذلك ناقصة. فضحكت وقالوا كانت هذه الصفات لازمة للمرأة وكان عدم وجودها فيها نقصاً لما كنت تراها في أفراد قليلة من النساء. فإن معظمهن على خلاف ذلك. فأما سبب زيادة المحبة فيما زعمن مع التخليط فهو أن الزوج لطول الفته بزوجته وضراوته عليها وحالة كون مسّ أحدهما الآخر لا يحدث في جسم الماسّ والممسوس هزة ولا رعشة ولا ربوخيّة. يمكن له معها المماتنة والإمعان والوقوف بخلاف الغريب فإنه لشدة نهمه ودهشته أو لفرط مرواحة المرأة إياه على العمل. أو لكون الحرام لا يسوغ دائما مساغ الحلال تفوته الصفتان المذكورتان. فاللذة معه جلّها ناشئ عن التصور. أي عن تصور كونه غير زوجها. كما أن نغصها مع زوجها جله ناشئ عن تصور كونه غير غريب. وإلا فالواقع أن اللذة في الحلال أقوى. غير أن التصور له موقع يقرب من الفعل. وبيانه لو اعتقدت رجل مثلاً أن امرأة غير امرأته تبيت معه ثم باتت معه امرأته بعينها وهو لا يعلم ذلك كما جرى لسيدنا يعقوب عم. لوجد امرأته تلك الليلة متصفة بجميع الصفات التي تصورها في غيرها. وكذا شأن المرأة. فبناء على ما تقدم من اعتقاد المرأة بأن جميع ما في الكون من الحسن والزينة والبهيجة يناسبها كان تصورها صفات الحسن وتشاغلها به مطلقا عاما. غير إنه إذا كان لها خاص قريباً منها تناولت ذلك الخاص متناول العام. حتى أنه كثيراً ما يخطئ فكرها واحدا منهم بخصوصه. فيتجاذبه اثنان أو ثلاثة حتى تذهل عن الشاغل والأشغل. وهو في الواقع تحوف من اللذة كمن يريد ان يشرب من ثلاث قلل يضعها على فيه في وقت واحد. قلت كلامك هذا ينظر إلى قول الشاعر:

стр. 219

إذا بت مشغول الفؤاد بما ترى ... من الغيد عيني والجمال مفرق اركبّ في وهمي محيّا يشوقني ... على قامة أولى به ثم أشبق ولكن قد نهيتني آنفاً في التغزل عن تصور ذات بخصوصها وقلت أنه حرام فهّلا قلت بحرميّة هذا أيضاً. قالت إنما حرميه ذاك لكونه ذاهباً في الكلام سدى وسرفا. على أن الغزل كله كيفما كان لا خير فيه ولا جدوى. فأما في الفعل من قبل النساء فإنه ينشأ عنه صاحبه الأولاد. ولذلك ترى انف بعضهم كأنف زيد وفمه كفهم عمرو وعينيه كعيني بكر. وهو أيضاً جواب لمن قال إن في رؤية الرجل نساء كثيرة مصلحة تعود على امرأته لاكتسابه منهن التشمير عند الإياب. بخلاف خروج المرأة فإن التشمير ملازم لها. فأما هؤلاء الحمقى الزاعمون أن تصوّر الرجل مؤثر في توزيع الولد فيلزمهم أن لا يروا امرأة أصلا غير نسائهم. لئلا تأتي ذريتهم كلها إناثا أو في الأقل خناثاً. وذلك لمناعفة التصوّرين من قبل الأب والأم. وألا وإن امرأة لا تستبدل زوجها إلا بالفكر والتخيل لجديرة بأن تكون قِبله كل مطرئ. وإن لا يفكر زوجها إلا فيها. قلت مقتضى كلامك إن النساء المقصورات عن رؤية العموم لا لذة لهن مع الخصوص. قالت أما بالنسبة إلى ناظرة العموم فلا. وأما بالنسبة إلى العدم فنعم. فإن الماء مهما يكن سخنا يطفئ النار. قلت وبالعكس أي أن النار مهما تكن باردة تسخن الماء. قالت يصح العكس لكن الطرد أولى. قلت إلى كم قسم اللذة. قالت إلى خمسة أقسام. الأول تصورها قبل الوقوع. الثاني ذكرها قبله. الثالث حصولها فعلا بالركنين المذكورين. الرابع تصورها بعد الوقوع. الخامس ذكرها بعده. وكون لذة التصور قبل الوقوع أقوى أو بعده أقوال. فذهب بعض ألا أن الأولى أقوى. لأن الفعل لمّا كان غير حاصل كان الفكر فيه أجول وأمعن فلا يقف على حدّ. وزعم آخرون إن الحصول يهيّئ للفكر هيئة معلومة وصورة معينة يعتمد عليها في قياس ما يترقب من الإعادة والتكرير. وكما حصل الخلاف في وقتي التصور حصل أيضاً فيه وفي الذكر. والعبرة بحدّة التصور وذرب اللسان. فأما اصلح الأزمنة لها فالصيف عند النساء والشتاء عند الرجال. فأما الكمية فمن الناس الموحدون ومنهم المثنوية ومنهم أهل التثليث. قلت ومنهم المعتزلة والمعطلون. قالت هؤلاء لا خير فيهم. وما هم جديرون بأن يعدّوا مع الناس. قلت ما شأن من يتزوج اثنتين وثلاثا. قالت هو أمر مغاير للطبع. قلت كيف وقد كانت سنّة الأنبياء. قالت هل نحن نبحث الآن في الأديان أو نتكلم في الطبيعيات. إلا ترى أن الذكور من الحيوانات التي قُدّر لها أن تعيش مع إناث كثيرة قدر لها أن تعيش مع إناث كثيرة قُدّر لها أيضاً القدرة على كفايتهن كالديك والعصفور مثلا. وغيرها إنما يعيش مع واحدة ويكتفي بها. ولما كان الرجل غير قادر على كفاية ثلاث لم يكن أهلا لان يحوزهن. وبعد فلأي سبب حُظرت المرأة عنان تتزوج ثلاثة رجال. قلت إِن في كثرة النساء للرجل كثرة النسل التي يتوقف عليها عمران الدنيا. وذلك مفقود في كثرة الرجال للمرأة الواحدة. على أني قرأت في بعض الكتب إن هذه العادة لم تزل مستعملة عند بعض الهمج. قالت مه مه أهؤلاء هم الهمج وانتم المتمدينون الكيسّيون. فأما دعواك بتكاثر النسل في كثرة النساء فهل سكان الأرض الآن قليلون. ألم تضق بهم البسيطة وتثقل بهم بطونها ويمزق اديمها. فما الموجب إلى هذا الإكثار سوى البطر والنهم. قلت قد عدت إلى لوم الرجال فلنعد إلى الوداع. أني مسافر عنك اليوم وتارك عندك فؤادي حتى إذا زارك أحد أحسّ به. قالت كيف تحس وما فؤادك معك. والناس يخصّون القلب بالحس والشعور. والحزن والسرور. قلت أن حسي برأسي. قالت من أي جهة. قلت من الجانب الأعلى من الرأس. قالت نعم الشيء إلى جنسه أميل. ولكن أين تتركه. قلت على العتبة كيلا يخطوها أحد. قالت فإذا طفر فوقها. قلت في الفراش. قالت فإن يكن في غيره. قلت فيك. قالت ذلك أحسن مقرّا.

стр. 220

إني أعاهدك على ما كنا عليه من الحب والوداد من أيام السطح إلى الآن. ولكن حين أحسّ واشعر من هنا بأنك تبدلت السطح بالشطح أقابلك بفعل مثل فعلك والبادي أظلم. قلت إنك كثيرة الوساوس شديدة الغيرة. فلعل شعورك يكون عن وسواس. قالت بل الأولى إن الوسواس يكون عن الشعور. قلت دار ما بينا الدور. قالت حاول إذاً فكَّه. قلت هو فرض فلابد من قضائه. قالت وقضاء لابد من فرضه. قلت أيعقد به العهد. قالت إذا عهد به العقد. قلت لا أرضى بهذه الصفة. قالت ومن لي بوصف هذا الرضى. قلت هلكان العقد في الشرط. قالت كان الشرط بلا عقد. قلت مثلنا مثل ذلك المجنون. قالت لولا الجنون ما جمعنا الزواج: قلت أكثر الناس على هذا. قالت أكثر الناس مجانين. فقلت الحمد لله رب العالمين. استرحامات شتى من كان من طبعه المين والافتراء أومن كان جاهلا بالنساء ارتاب في هذا الوداع ونسبه إلى ترقيش الشعراء ومبالغتهم. ولكن أي منكر على من جعلت دأبها وديدنها وشنشنتها ونشنشتها ومُهوأنها وهُذيرباها وأُهجورتها وفَعِلتها ومَطرتها المحاضرة والمفاكهة والمساقطة والمطارحة والمحازرة والمجازرة وسرعة الجواب. بل كثيراً ما كان يجتمع الفارياق اثنان أو ثلاثة من أصحابه فإذا خاضوا في حديث انتدبت لهم وجارتهم فيه وعارضتهم وما تنتهم. فكل فصيح أن تعارضه لم يُبن وكل بليغ أن تساجله يرتكّ. وقد علم بالتجربة أن جواب المرأة أسرع من جواب الرجل. وأن المشتغل بالعلم يكون أبطأ جواباً من غير المشتغل به. لأنه لا يقدم على ذلك إلا بعد الفكر والروية. على أن هذه العبارات التي نقلتها هذه المرأة المبينة من غير قراءة البيان هي دون الأصل بمراحل. فإني لم أقدر في نقل الحركات التي تبدو منها. وعلى أن أصوّر للمطالع عيوناً تغازل وحواجب تشير. وأنفا يرمع. وشفاها تزمع. وخدوداً تتورد. وجيداً يلوي. ويداً تومئ. ونفساً يربو ويخفت. وصوتاً يخفض وينبر. وزد عليه مسح المآق إشارة إلى الاستعبار. وتوالي الزفرات رمزاً إلى الحزن والانبهار. والتبلد إيذاناً بالأسف. والتنقل من جنب إلى جنب إعلاناً بالجزع واللهف. وغير ذلك مما يزيد الكلام قوة وبلاغة. وهذه ثاني مرة ندّمتني على جهلي صناعة التصوير. والمرة الأولى جمالهن. ويمكن إني أندم مرة ثالثة.

стр. 221

وهنا ينبغي أن أقف على قدمي منتصباً وأستميح الإجازة من ذوي الأمر والنهي لأن أقول. إنه قد جرت عادة جميع الولاة والملوك ماعدا ملك الإنكليز بان لا يدعوا أحداً يدخل بلادهم أو يخرج منها ما لم يدفع لدواوينهم أو لوكلائهم المعروفين قدراً من الدراهم بحسب خصب مما لكم. محلها. وذلك بدعوى أن المسافر إذا نزل بلادهم ساعة أو ساعتين فلابد وأن يرى قصورهم الفسيحة وعساكرهم المنصورة أو خيلهم النجية ومراكبهم الفاخرة. فيكون كمن يدخل ملهى من الملاهي. إذ ليس يدخلها أحد من دون من الملاهي. إذ ليس يدخلها أحد من دون غرامة. فإن اعتراض أحد بقوله إِنا في الملهى نسمع أصوات المغنين والمغنيات وآلات الطرب. ونرى الأنوار المزدهرة والأشكال المتنوعة ووجوه الحسان الناضرة وحركاتهن الباهرة. ونضحك حين يضحكن. ونطرب حين يرقصن. ونشغف حباً حين يغازلن فأما في رؤية إحدى مدنكم فإنا لا نرى شيئاً من ذلك. بل إنما ندخل لكي يغبننا تجاركم فتكون فائدتنا في الدخل قليلة. قالوا قد يتفق وقت قدومكم بلادنا أن تكون عساكرنا قد شرعت في العزف بآلات الطرب فهذا مقابلة في الطرب في الملهى. أما النساء فإنا نأذن لكم في التمتع بكل من أعجبتكم فاجروا وراء من شئتم بحيث يكون النقد على الحافز. ومع ذلك فلا ينبغي أن تشبه مدائننا التي تشرفت بحضرتنا ببعض الملاهي. ولاسيما أن هذه سنة قديمة قد مشت عليها أسلافنا طاب ثراهم. وتقادمت عليها السنون والأحوال حتى لم يعد ممكناً تغييرها. فإن الملك إذا أمر بشيء صار ذلك سنة وحكما ويشهد لذلك قول صاحب الزبور أن يد الرب على قلب الملك. بمعنى أن الملك لا يفكر في شيء إلا ويد الله عاصمة له فيه. هكذا شرح هذه الآية العلماء الربانيون في بلادنا ومن خالفهم فجزاؤه الصلب. وبعد فإن الملك إذا أخذ في تغيير العادات وتبديل السنن فربما أفضى ذلك إلى تغييره. فيكون مثله كالديك الذي يبحث في الأرض عن حبة قمح فيثير التراب على رأسه. وصغر ذلك تشبيها. فالأولى إذا إقرارا كل شيء في محله. ثم لا فرق بين أن يكون قاصد بلادنا غنياً أو فقيراً. صالحاً باراً أو لصاً فاجراً رجلاً كان أو امرأة. فكلهم ملتزمون بأداء الغرامة وتحمل الغبن -ولكن يا سيدي ومولاي أنا امرأة معسرة قد اضطررت إلى المرور بمدينتك السعيدة. لأن زوجي المسكين كان قد قدم إلى بلادكم الملكية ليدير مصلحة فقضى عليه الله تعالى بالوفاة. فتركت صبية لي في البيت يتضورون جوعاً وجئت لأرى زوجي الميت حالة كونه لا يراني. ومع ذلك فإني أُعدّ من الحسان اللائي يحق لهن من أمثالك العناية والإلطاف. فكيف التزم بالغرامة فضلا عن نفقة السفر وفقد زويجي الذي كان لي سنداً- ارجعي من حيث جئت فما هذا وقت الاسترحام. لأن القواعد التي تقرر في دفاتر الملوك لا تقبل التبديل ولا التحريف ولا يستثنى منها شيء- وأنا أيضاً يا مولاي رُجَيْل فقير رماني الدهر بصروفه لأمر شاءه الله. فوافيت بلادكم طمعاً في تحصيل وظيفة تقوم بأودي. وما أنا من ذوي التغاوي والفتن ولا من الباحثين في سياسات الملوك وإيالاتهم. فقصارى منيتي تحصيل المعيشة. على إني أعرف شيئاً لا يعرفه أهل بلادكم العامرة فربما كان مقامي فيها مفيداً لدولتكم السعيدة. ولو صدر الأمر العالي بامتحاني واختباري فيما ادّعيه لأكرمتم مثواي فضلاً عن الرخصة لي في دخول بغير غرامة- يا طائف يا عسس يا زبينية يا جلواز يا شرطي يا عون يا ذبي يا مسحل يا فارع يا قليع يا تورور يا ثؤرور يا أثرو يا ترتور أودع هذا السجن. إن هو إِلا جاسوس قدم يتجسس- بلادنا. وفتشوه عسى أن تجدوا معه أوراقا تكشف لنا عن خبره- وأنا كذلك يا مولاي وسيدي غليتم مسيكين قد جئت لا نظر أبي إذ بلغني إنه كان قادماً من سفره فدخل بلادكم فأصابه هواؤها الحميد بمرض شديد منعه من الحركة. فلّما علمت أمّي بمرضه أيضاً مما شملها من الحزن والكرب لطول غيابه بعثتني إليه لعلي أخدمه وأمرّضه فيطيب خاطره برؤيتي ويخف ما به. فإن رؤية الأب أبنه حال مرضه تقوم له مقام الدواء- ما نحن بمربّي الأولاد ولا بلادنا مكتب لهم حتى يأتوا إليها ويخرجوا منها من دون غرامة. أذهب وكن رجلاً بأدائها على الفور- وأنا أيضاً يا عتادي وملاذي. وثمالي ومعاذي. وملجإِي وملتحدي. وسندي ومعتمدي. وركحي وركني. وعزي وأمني. رجل من الشعراء الأدباء كنت قد مدحت بعض

стр. 222

أمرائنا بقصيدة فأجازني عليها مائة دينار. فاشتريت بنصفها مؤونة لعيالي. ووفيت بربعها ما كنت استدنته لكسوتهم وبقي معي ربع. وإذ سمعت بمحاسن مملكتكم الخصية البهيجة وبما فيها من التحف والطُرف التي لا توجد في بلادنا رمت أن أسرح ناظري وأنزه خاطري في هذا النعيم أياماً قليلة. عسى أن يخطر ببالي عند رؤيته معاني بديعة ما سبقني إليها أحد فأصوغ منها بادئ مديحة بليغاً في جنابك الرفيع. ومقامك السني. وأنتشر الثناء عليك في جميع الأقطار. في الليل والنهار. وأجيد وصف مكارمك في الأسفار- ما أكثر الشعراء الغاوين في بلادنا وما أكثر أقاويلهم وأقل رزقهم. أما أن تدفع الغرامة وأما أن ترجع على عقبك وأما أن نؤويك إلى دار المجانين. ولكن هيهات أن تشرف مسامع المسترحم الحقير من سيده الجليل الخطير بمثل هذه الأجوبة السلبية. فإن السلب من مقام الكبير منة. وإنما الغالب أن يكون جوابه برغم الأنف أو بالقفد. أو باللكم على الخرطوم. أو بهثم سن. أو ببقر بطن أو بطنان ساق. أو بانتقاض ظهر. ولهذا لما عزم الفارياق وكان ممن لا يستغني عن أحد أعضائه التمس من خمسة قناصل أن يشرفوا جوازه بختومهم. فحتم عليه كل من قنصل نابلي وليكورنه ومدينة أخرى في مملكة البابا وقنصل جنوا وفرنسا لأن سفينة النار تمرّ على مراسي هذه المدن كلها وترسي فيها بعض ساعات. أما مدينة نابلي فهي مشهورة بكثرة ما فيها من العجلات والمراكب والحدائق والغياض. وأما ليكورنه فبطيب هوائها وارتفاع بنائها وكذلك مدينة جنوا قال وهي عندي أحسن منهما. وأنحس ما يكون مدينة البابا إذ ليس عليها رونق المُلك ولا الملكوت وما بها شيء يقرُّ العين. فلما وصل الفارياق إلى مرسيلية أخذ صندوقه إلى ديوان المكس وأشير إليه أن يتبعه. ثم طلب منه المكّاسون أن يفتحوه ليفتشوه فظن أنهم يريدون ان يفتشوا في كراريسي ليعلموا ما فيها فقال. أنا ما هجوت سلطانكم ولا مطرانكم فلم تفتشون في كراريسي. فلم يفهمه أحد منهم وهو لم يفهم أحداً. فلما فرغوا أشاروا إليه أن أقفل صندوقك فثلج صدره. ثم أنبري واحد منهم يمسح بيديه على جنبه فظن أنه يتمسح به أي يتبرك لكونه وجد كراريسه بخط غريب. لكنه علم من بعد ذلك أنهم كانوا يفتشونه ليعلموا هل كان مدّخراً من التبغ والمسكر.

стр. 223

ثم سافر من مرسيلية إلى باريس ففُتش أيضاً هو وصندوقه في ديوان مكسها. فكان مكاسي هذه المدينة كما يحسبون أن رفاقهم في تلك قد ناموا عن قيام الليل. فبال الشيطان في آذانهم. فعمشت عيونهم عن رؤية ما في الصندوق. أو أنهم يرتشون كسائر أصحاب الوظائف. فأقام في باريس ثلاثة أيام في داره سفارة الدولة العلمية وفيها حظي بتقبيل أيدي الوزيرين المعظمين والمشيرين المفخمين رشيد باشا وسامي باشا. شروط الرواية لم يمض على الفارياق في مدى عمره مدة هي أنحس وأشقى من المدة التي قضاها في تلك القرية. لأن قرى بلاد الإنكليز ليس فيها من محل لهو واجتماع وأنس وحظ البتة. وإنما اللهو والحظ في المدن الكبيرة. وفضلاً عن ذلك فليس في القرى شيء يباع للمأكول والمشرب سوى ما لا احتفال به. ومن كان عنده دجاجة أو طرفة بعث بها إلى إحدى المدن القريبة. فمن شاء أن ينقطع عن الدنيا أو يترهب فعليه بها. أما النساء هناك ففيهن من تشفي من القمة بل تمني بالقرم. إلا أن الغريب محروم منهن. إذ كل ذات ظلف ملازمة لفحلها فليس من سائب مبهل إلا العجائز. ثم بعد مضي شهرين عليه وهو على هذه الحالة المشؤومة أنتقل إلى مدينة كامبردج مصدر القسوسة وعلم الكلام. فإن جل قسيسي الإنكليز يمضون إليها أو إلى أكسفورد ليتعلموا فيها الإلهيات والمناظرة. وفي هاتين المدينتين أيضاً سائر طلاب العلم على اختلاف طبقاتهم ودرجاتهم. ومن إحدى مدارس كامبردج نبغ نيوطون الفيلسوف المشهور. فاكتري الفارياق فيها مسكنين في دار كما هي العادة ومكث يترجم بقية الكتاب الذي مرّت الإشارة إليه سابقاً. وكان في تلك الدار جارية دعجاء كاعب وكذا سائر الوصائف غالباً. فكان الفارياق يراها كل ليلة تطلع إلى غرفة أحد السكان ثم بعد هنيهة ليست بأطول من قولك عمت مساء يسمع لها نغمة إيغافية. وكانت صاحبة المنزل تراها نازلة من عند الرجل في الساعة العاشرة ونحوها من الليل ولا تكثرت بطلوعها ولا بنزولها. فإذا جاءت في الصباح لتصلح فراش الفارياق حملق فيها وحدق فلم يرَ علامة تدل على أنها كانت هي صاحبة النغمة. فيظن أن ذلك كان وهماً منه نشأ عن اللهج بالإيغاف. فإذا جاء الليل عادت النغمة وعاد اليقين. فإذا كان الصباح عادت الحملقة وعادت التصاون وعاد الشك والحيرة وهلم جرا. حتى كاد ذلك يشوش عقل الفارياق ويفسد عليه الترجمة التي طالما كان يخشى عليها الخلل والفساد من قضية ما نسائية. وهنا ينبغي أن أقرفص وأقول.

стр. 224

إن هذه المزية السنورية أي الأكل خفوة وأن يكن وجودها ملحوظاً في النساء على الأعم إلا أنها في نساء الإنكليز على الأخصّ. فإن المتصفة منهن بما اتصفت به السيدة المدقم في فصل حد نبدي تتظاهر في النهار بصفات الورع والتقوى والنفورية والقذورية وتنظر إلى تبعها نظر المتجاهل. وتوهم الناقد إنها متبتلة معتزلة للرجال. وربما حفظت أحاديث دينية وروايات نسكية تلقيها على الناس فيعظمونها ويعتقدون فيها الصلاح. وإذا دخلت بيتها وجدت على مائدتها التوراة والإنجيل وكتبا أخرى في العبادة والزهد. وربما وسّخت الظاهر من ورقها لتوهم إنها كثيرة الدراسة لها ولا يمكن للرجل أن يذكر بين يديها اسم عضو من أعضائه. فتكون لذة هؤلاء على مقتضى قاعدة الفارياقية غير تامة وذلك لخلوها عن ركن الذكر. وعنها أيضاً أن ذكر اللذة لا بد من أن يكون مطابقاً للواقع فإن كان الوقوع مثلاً من ذي مقام ليلاً ذُكرت فيه لذات مقام. وإن يكن من دونٍ صباحاً ذكرت فيه لدون من النساء. وقس على ذلك سائر التباين في الأوقات والأشخاص. اللهمّ إلاّ أن خشي فوات الفرصة. أي إذا حصلت مثلاً ليلاً ولم يمكن ذكرها في الليل فيصح الذكر في الفجر أو الصباح. أو أن حصلت من ذي مقام ولم يتهيأ وجود نظيره فيصح ذكرها لدون ولا يفسد لذة الذكر بذلك. فأما على فرض كونها لم تجد أحداً من هذه الأصناف فيصح ذكرها لنفسها. وذلك بأن تدخل رأسها في زير فارغ أو في بئر أو جبّ أو قبوة ونحو ذلك مما له صدى وتنطق بلسان فيصبح مبين بما مرّ لها. حتى إذا رجع الصدى قام لها مقام النديم الكليم. فأما إذا بقي في صدرها فيخشى عليها من الصدارة والذباح. ويشترط أيضاً عندها أن تكون الرواية مطابقة للفعل. فللنبرة نبرة. وللهمز. همزة. وللحركة. وللسكون سكون. وللمد مدّ. وللهذهذ وللترخيم ترخيم. وللترسل ترسل. وإن يبلغ التشديد على الذال إذا كانت الرواية بلغتنا هذه الشريفة. وأن يكون في العينين مغازلة. وفي اللعم فيضان. وفي اللسان بله. وفي اليدين تلقح. وبما تقرّر علمت من أن هذه الخلة المذكورة الموجودة في نساء الإنكليز إخلال بشرط اللذة. ويمكن أن يقال أن لذة التصور عندهن قوية جداً بحيث تقوم مقام لذتين. أو أنهن يضعن رؤوسهن في خابية ونحوها. وعن الفارياق أن الجمال في النساء على اختلاف أنواعه له نطق ونداء ودعاء وإشارة ورمز. فمنه ما يقول لناظره لست أبالي بالمراود. ومنه ما يقول إلا اغتنمتم الآن الفرصة -للتأخير آفات- لن تراني من الكثير ملولا- لا يغرّنك الشفون - هيتَ لك- مَنْ لي به الساعة- ما أرى كفايتي عند أحد- أن دواء الشق أن تحوصه- أين أين المشبع- أين أبن الغز- أين أبن بني أذلغ- لديّ يذل الصعب- بعد جهدك لا تلام- لكل مجتهد نصيب- من أطعم أشبع- من ذاق عرف- من مس هرف - من سبق فقد ربح- العود أحمد- من عدّ عاد- من وصل وُصل. ومنه ما يشير أن أستعمل الحيلة - تلطف في الزيارة - كن من الجار على حذر - من تأني نال ما تمنى- بكر بكور الغراب وغير ذلك.

стр. 225

فجمال نساء الإنكليز هو مما عنوانه أين أين الغز. أين أين المشبع. لدي يذل الصعب. فإنك ترى المرأة منهن تمشي وهي صفوح منزة سامدة مساندة شاردة معبدة شامرة نافرة جافلة جامزة آبزة نافزة ناقزة معتزة ساربة عاسجة طامحة جامحة شامخة خانفة مشمّة شافنة مُهْطعة مُرشقة منتالعة هابعة متعاطفة متطلقة مخرنطمة مستحنفرة مجلوّذة مجلوّظة مذلعبة مجرهدّة مرمئدة مثمعدّة مصمعدّة مسبئرّة مسبكرّة مسمهرة مشفترة مسجئرَّة مسجهرة متمهلة متمئلة مشمعلة مصمئلة مقلهفة مزلئمَّة. ومع أن القدرة الخالقية قد خصتهن بآلاء ألا يا سابغة ضافية على ما روت الرواة فإنهن يتخذن لها المرافد ويعظمنها بها تعظيماً يوقف المستوفر بحيث يقف كالجابه الحيران. فلا يتماسك عن أن تصطك ساقاه تعجباً وأعظاماً لهذا التعظيم. وأن تحترق أسنانه ويندلع لسانه. وتنضنض لهاته. وتلتوي عنقه. وتنتفخ أوداجه ويحمرّ حملاقه. ويغان على قلبه ويَطْنى. وتأخذه القشعريرة والرعدة والأفكل والهزة والاضطراب والرجفان والنغشان والغشيان والغميان والفشيان والنحواء والدوار والميدان واللبم والأختلاح والترنح والارتعاج والارتعاش والارتهاش والرغس والارتعاس والترأد والترجيد والأصيص والبصيص والكصيص والأرْض والعُسوم والنفيضي والقل والأرزيز والزَّمَع والزقزقة والشفشفة والصعفة والقرقفة والقفقفة. وتهيج به الأخلاط الأربعة فيطلب كل خلط عظامة. وتنهال عليه الخواطر والوساوس. وتتجاذبه عوامل الأماني. وتجرضه مجرضات النزة. وتطفره خوالج الشهوة. ويميل به مميل التشوق والتلهف على حد قول الشاعر: علمتك الباذل المعروف فانبعثت ... إليك بي واجفات الشوق والأمل فيبقى حائراً بائراً مبهوتاً مهفوتاً سادراً داهلاً مدهوشاً ذاهلاً. بحيث إذا رجع سالماً إلى منزله يحسب كل شاخص فيه عظامة أو ما عُظّم بها. وكان الفارياق إذا خرج وأبصر هذه الروابي الخصيبة عاد إلى مأواه وفي رأسه ألف معنى يشغله. فمما أنشده في بعض هذه الفتن. يا للعجاب وكل عُجْب ... فليقل يا للعجابِ ما أن يرى في ذا المكان ... سوى المرافد من روابي كلا ولا من غوطة ... من دون ذياك الجناب كلا ولا قرموطة ... تشرى سوى كعب الكعاب من كل ذات تبهكن ... تدعو الحصور إلى الدعاب الشوق يقدم بي وخوف ... العجز من غَلَم ناي بي ماذا يقول الناس عّمن ... خار عن مَلْء الوطاب أم كيف تضعف معدة ... عربي عن قحف العقاب من لي بصُنبور فأترعه ... بمنزفة الحباب من لي بقبَّة مرفد ... في ليلتي من ذي القباب من لي يحت ألية ... من ذي الالايا في مآبي هذا لعمرك شأن ذي ... قطم وهذا الداب دابي فضل النساء وكما إن نساء تلك البلاد اختصصن بهذه المزية كذلك اختصت رجالها بألطافهم الغريب بعد معرفتهم له. فأما قبل المعرفة فإنه إذا حيّى أحداً منهم فما يكون جوابه إلا الشزر والشصر. ولهذا لما سمع أحد طلاّب العربية منهم بوجود الفارياق وكان قد قُري عليه حسبه ونشبه أتى ليزوره. وطلب منه أن يذهب معه إلى منزله فيقيم عنده مكرماً معززاً وكان مقامه بعيداً عن كامبردج. فأجابه الفارياق إلى ذلك لأن أهل المدينة على كثرة المدارس عندهم والمعالم هم اشدّ الناس نفوراً من الغريب. ولاسيما إذا كان مخالفاً لهم في الزّي. فكانوا يسخرون من قبعته الحمراء حتى كان كثيراً ما يقتبع في غرفته ولا يخرج منها إلا ليلاً. وقال في ذلك. رمتني النوى في كمبريج ملازماً ... لبيتي نهاراً أن تراني أوباش فتبعث بي حتى إذا الليل جنّني ... خرجت على أمْن كأني خفاش ولأن الكلاب أيضاً كانت تشم فروته وتلازمه. فقال فيها. ولي فروة تأتي الكلام تشمها ... ولم تندفع عنها إذا ما دفعتها تهرّ علي تمزيق جلدي وجلدها ... كأني من آبائها قد صنعتها ولأن أهل الدار التي نزل فيها كانوا يشاركونه في طعامه ولا يشركونه في لحمهم وشحمهم. فقال فيهم: ولي عيلة في كمبريج خفيّة ... تؤاكلني من حيث ليس عيان فعهدي باسم الآكلات فلانة ... وعهدي باسم الآكلين فلان ولأنه لم يقدر على أن يحرَّد إلى إحدى تلك القبب. فقال فيها:

стр. 226

وما نفع الوثير من الحثايا ... وليس عليه وثَرْ إذ تهش وما نفع الشعار بلا شعار ... وحسن الحفش إن لم يلف حفش وما نفع الحياة بغير حيّ ... فنعشك دونه ما عشت نعش فسارا في سكة الحديد وبلغا المنزل ليلاً وما كاد الفارياق يدخل حجرته التي أعدت له حتى رقشها بهذين البيتين: لله درب الحديد كم كفل ... ربا به والثديّ قد رجفت لو لم يكن غير تلك فائدة ... لنا به دون أتوه لكفت ثم لما قام في الغد رأى المنزل بعيداً عن الدار. فاستعاذ بالله واسترجع وأضبّ على ما نفسه. لأن الشكوى ليس لها هؤلاء القوم إذن واعية. حتى إنه لما شكا يوماً طول غيبته عن زوجته قال له صاحبه بعد أيام قد فرط منك بالأمس كلام فقلت إني مشتاق إلى امرأتي. وكان الأولى أن تقول إلى أولادي. فقال له الفارياق ما المانع من أن يذكر الرجل امرأته كما يذكر ولده. ولولا المرأة لم يكن الولد بل لولا المرأة لم يكن شيء في الدنيا لا دين ولا غيره. قال مه مه قد أفحشت. قال أرغن لما أقول. لولا بنت فرعون لم ينج موسى من الغرق. ولولا موسى لم تكن التوراة. ولولا المرأة لم يمكن ليوشع أن يدخل أرض الموعد ويستولي عليها. ولولا المرأة ما حظي إبراهيم عند ملك مصر ونال منه الصلات والهدايا فتمهد لليهود النزل إلى مصر من بعده. ولولا المرأة لم ينج داود من يد شاول حين أضمر قتله وإن كان ذلك قد تمّ بحيلة وضع صنم في فراشه. ولولا داود لم يكن الزبور. نعم ولولا المرأة أعني زوجة نابال ما تقوى داود على أعدائه ولولا حيلة بت شبع على داود لم يملك سليمان ابنه ولم يبن هيكل الله بأورشليم. ولولا المرأة لو يولد سيدنا عيسى ولم يذع خبر انبعاثه. ولولا المرأة لم يستتبّ مذهب الإنكليز كما هو اليوم. هذا وأن المصوّرين عندكم يصوّرون الملائكة بصورة النساء. والشعراء عندكم ما زالوا يتغزلون في المرأة ولولاها لم ينبغ شاعر. قال أن أراك إلا هائجاً على النساء وكان العرب كلهم على هذه الصفة. قال نعم أنا راموزهم وقطاطهم وكل من ينطق بالضاد يكلف بالضاد. فاطرق مليّا ثم قال لعلكم ارشد ممن عدل إلى اليم. فقد بلغني أن في بلادكم قوماً ميميّين يعدلون عن سواء السبيل إلى مضايق ذميمة وهو أقبح ما يكونوا أقبح من ذلك أن بعض المؤلفين من العرب قد ألفوا في ذلك كتباً وتمحّلوا لا يراد أدلة على تفضيل الحرفة الميمية. قال نعم ومن جملتها كتاب عثرت به في خزانة كتب كامبردج ورأيت مكتوباً عليه عنوانه بالإنكليزية كتاب في حقوق الزواج. فكأن شاريه لم يفهم مضمونه. ومن اسخف ما ورد من الأدلة على ذلك قول بعضهم: أنا لست اجزم باللواط ولا الزنا ... لكن أقول مقال من قد حررا إن اللذاذة كلها في أقذر ال ... جارين فأختر إن عرفت الأقذرا وسبب تأليف هذه الكتب من مثل هؤلاء العتاولة إِما للعّنينية فإن النساء يعرضن عمّن يبتلى بذلك. أو للبخل لأن النفقة على المرأة أكثر. أو لقصر اليد عن هصرهن أو لفساد آخر. أما سليم الطبع فلا يميل عن هذا المذهب أصلاً. ثم أن الفارياق لبث عند صاحبه مدة في خلالها آدب إلى مآدب فاخرة عند بعض الأعيان. ومن عادتهم في الولائم أن تقعد النساء على المائدة مكشوفات الأذرع والصدور بحيث يمكن للناظر أن يرى المفاهر واللبّان والبادلة والبَهْو. وإذا تطالل واشرأب وكان حسن الأهطاع رأى اللعَوْة أيضاً أي آية الحلم. وهي من جملة العادات التي تحمد من وجه وتذم من وجه آخر. حيث كان هذا الكشف مطّرداً للصبايا بل العجائز عند الإفرنج ولاسيما الإنكليز يكتشفن ويتفتّن ويتعيّلن أكثر الصبايا. ثم قلت الدعوات وكثر قلق الفارياق لأن من نظر إلى سحنته مرة لم يرد أن ينظر إليها مرة أخرى. فرأى الرجوع إلى كامبردج أوفق. فسافر إليها فوجد القبب قد رَبَت نحو ثلاثة قراريط. وذلك إِما لبعد عهده بها أو لكون زيادة قرصة البرد أوجبت ذلك.

стр. 227

وهنا ينبغي ذكر فائدة وهي أن كامبردج واكسفورد لما كانتا مشهورتين بمدارس العلم كما ذكرنا آنفاً وكان جلّ الطلبة فيهما من الأغنياء وفي كل منهما نحو ألفي طالب. كانت البنات الحسان من قرى الفلاحين المجاورة ينتبن سوق هاتين المدينتين لترويج ما عندهن من الصبى والجمال. فترى فيهما من الجمال الرائع والحسن الباهر مالا تراه في سائر المدن. غير أنه لكل ساقطة لاقطة. فلهذا كانت مشايخنا الطلبة ينظرون إلى من زاد به عدد أهل البلد نظر الهرّة التي يؤخذ منها جراؤها. فمن ثم ترحّل الفارياق عن هؤلاء السنانير وهرّاتهم لا سيما وقد ورد في الأمثال إذا دخلت أرض الحُصيب فهرول وأقام في لندن نحو شهر. وصف لندن أولندرة عن الفارياق هاهي ذات التيه والدلال. الخاطرة على الفحول من الرجال. تنظر إليهم شزرا. وتجر أذيالها وشالها جرا. كما قلت من قصيدة قامت تجر من الدلال ذيولا ... جرّا أضاف إلى العميد نحولا وهي لا ترى لها من بينهم كفؤا. وتهلس منهم سخرية وهزؤا ألا فاذكري إن بينهم الأقوى الأقدر. الأسرى الأيسر. الأسرع الأعسر. الأقرش الأقشر. الأصرع الأعصر. الأسرد الأدسر. الأرشف الأشفر. الأبرز الأزبر. الذي إذا ضمّ زفرّ. وإذا شمّ نخر. وإذا هيج زأر. أو غمز بدر. وإذا رأى طبلا زمّر. أو ذات تدهكر دهشر. اذكري أن بينهم عربياً ذا غرام. وهيام وأوام. ومغازلة وبغام. ومداعبة وكعام. وتمشير وانكماش. واندساس في الأعشاش علام نتملقك وأنت معرضة كبرا. ونعدك فتتخذين كلامنا هترا. ألم تعلمي أنا إليك متودّدون. وعلى مثلك متعوّدون. كم من صعب رُضناه. ومتحكم أرضيناه. وأبي أملناه. وقرم أشبعناه. وجامح استوقفناه وشاك أشكيناه. وعاتب أعتبناه. وكم من متعنّتة آبت وهي شاكرة. ثم انثنت زائرة. ألا لا يغوينّك الشطاط إلى الشطط. والعَيَن إلى الشحط. والعيط إلى اللغط. وصهوبة الشعر. إلى إنكار القدر. وتفليج الثنايا إلى ألت المزايا. وتورد الخدين. إلى احتقار اللجين. وتفليك الكعب. إلى التيه والعجب. وبضاضة البشرة. إلى النهم والشره. وفعومة الساعدين. إلى عنجرة الشفتين. وجدل الساقين. إلى الاستنكاف من مض لناقد عين. وعميد غين. يكفتهما ويتطوق بهما أو يعتم بهما على زَنبهما. وينزه زغبهما عن الحلت والنتف. والحصّ والحفّ. وعن مسّ السقف. ألا ولا يضلنّك الجاهض من وراء الازدراء. ولا النافج من أمام إلى منع التحية والسلام. أن لدينا من المزر والفقاع. ما يروي كل مقاع. ويسكر كل ذات قناع. ومن الشوا، ما يزيل الخوا. ومن الدينار، ما ينفث في عقد الإزار. فيحلها حلاّ. ويبلّها بلاّ. فمن البل بلل. ومن الحل حلل. فبحق من أولاك هذه المحاسن. فتنة كل سامع ومعاين. إلا ما أحسنت في عشاقك الظنّ. وأقللت لهم من هذا التزليق والفتن. فكلهم إلى وصالك حنّ ومن وصلفك أنّ. وبعدُ. فإن هي إلا مرّة. فإن أحمدت اللقاء فاجعليها عادة وأنت على كل حال حرّة. وإلا فما أكثر طرق هذه المدينة وما أطولها. وما أوفر القادمين إليها. وما أوسع حوانيتها وساحاتها. وندحاتها وباحاتها: وحدائقها وغياضها. ومماشيها ورياضها. وما أبهج ملاهيها وملاعبها. وأجرى عجلاتها ومراكبها. وما ارحب كنائسها وما احفل مجالسها. وما اعمر مساكنه. وامخر سفائنها. فاجر فيها حيث يعجبك من هنا ومن هنا. كل امرئ يسعى ليدرك الهنا. محاورة وبعد أن فرغ الفارياق من عمله في هذه المدينة الغاصة بالغواني سافر إلى باريس فأقام فيها ثلاثة أيام لا تكفي لمعرفة وصفها. فلهذا نضرب هنا عن ذكره فإن حق الوصف أن يكون مستوعباً. ثم سافر منها إلى مرسيلية ومنها إلى الجزيرة. وأتاح له الله بفضله العميم أن رأى زوجته في نفس الدار التي غادرها فيها. وقد كان يظن إنها طارت مع عنقاء مغرب أو مع الغنجول وبنى بها هذه المرة السادسة. فإن المرة الثانية كانت بعد قدومه من الشام والثالثة بعد رجوعه من تونس والرابعة بعد خروجه من المعتزل مع سامي باشا المفخم والخامسة بعد رجوعها من مصر. ثم أنشد: من يُرد في زوجه ... ينكح أزواجاً عديدة فليغب عنها زمانا ... يلقها عرسا جديدة

стр. 228

فقالت لكن المرأة لا ترى من زوجها بعد إيابه عرساً جديدة. قال فقلت إنما هو من مخالفتهن الرجال في كل شيء قالت نعم ولولا هذا الخلاف ما حصل الوفاق. قلت كيف يكون عن الخلاف وفاق؟ قالت كما أن المرأة خُلقت مخالفة للرجل في الخلق كذلك كان خلافها له في الخلق. وكل من هذين الخلافين باعث له على شدة الكلف بها والحرص عليها. إلا ترى أن المرأة إذا كانت تفعل كل ما يريد زوجها أن تفعله كانت كالآلة بين يديه فلا يكترث بها ولا يقبل عليها إنها موقوفة على حركة يده أو عينه أو لسانه زيادة على حركة يده في الآلة. بخلاف ما إذا عرف منها المخالفة والاستبداد بأمرها فإنه حٍ بها ويداريها. قلت هذا غير ما عهد عند الناس. قالت بل هو معهود عند النساء من القديم. ولذلك تراهن جميعهن متحليات بهذه الحلية. قلت ولكن إذا كثر الخلاف وطال أورث التقاطع والملال. قالت أن عيني المرأة لا تبرحان ناظرتين أو حقهما أن تكونا ناظرتين إلى موضعي القطع والوصل. وإلا استطال أحدهما على الآخر فوقع ما قلت. قلت بل في دوام الوصل دوام الوفاق. قالت لا بل هو باعث على السآمة والضجر. فإن الإنسان مطبوع على ذلك. قلت أي سآمة من وصل الحبيب. قالت السآمة غالبة على الإنسان في كل شيء بحيث يود تبديل حالته الحسنى بحالة سوأى. قلت أو قد سئمت من حالتك هذه. قالت ثم حلت عن السأمة قلت ما بال الناس كلهم يقولون يا قرة العين. قالت نعم إن العين تقرّ بشيء ريثما يعنّ لها آخر فتطرف إليه. قلت وما شأن القلب قالت هو متقلب ومتحيز معها. قلت فما شأن العميان. قالت أن لهم في بصائرهم عيوناً اشد حملقة من العين الباصرة. قلت من أسرع الناس تقلب قلب. قالت أكثرهم فكرا فإن العجماوات اثبت واصبر من الناس إذ ليس لها فكر. قلت فإذاً ينشأ عن النفع ضر. قالت نعم كما إنه ينشأ عن الضر نفع: قلت أي نفع في المرض. قالت سكون العقل والدم والفكر عن الهوى والشهوات. قلت أي نفع في الفقر. قالت الكف عن الشراهة والسرف المهلكين. فإن الذين يموتون من زيادة الأكل والشرب أكثر من الذين يموتون لقلتهما. قلت أي نفع في الزواج بامرأة دميمة. قالت كف رجل جارك عن دارك وصرف عين أميرك عن مراقبة حالك. على أنها لا تعدم طالباً مثلها ولكن بعض الشر أهون من بعض. قلت أي نفع في دمامة الأولاد قالت إذا علموا ذلك من أنفسهم رغبوا عن اللهو إلى العلم واقبلوا على تحسين خُلقهم ليشفع في خلقهم. قلت وأي نفع من مشيب أعلى الإنسان قبل أسفله مع أن شعر الأسفل ينبت قبل شعر الأعلى. قالت أشعاره بأن الحيوانية المطلقة أقوى فيه من الحيوانية المقيدة. ولذلك كان أول ما يشيب فيه رأسه الذي هو محل الناطقية. وأقوى ما يحسّ منه باللذة أسفله. قلت وما نتيجة ذلك قالت إقلاله من الفكر. قلت وما الفائدة في كونه يعوز إلى أوقية من اللحم يملأ بها وجهه فيجد رطلاً في عجزه. قالت هو من النوع الأول. قلت كأنك تقولين أن الرجل لم يخلق إلا لأجل المرأة. قالت نعم كما أن المرأة لم تخلق إلا للرجل. قلت أي نفع في تحتّت الأسنان. قالت الأكل على هينة فيمرؤ الطعام. قلت أي نفع في تعميش العينين. قالت عدم رؤية الحسان ليلاً فإنهن أروع فيه وافتن. قلت وأي نفع في العرج. قالت الراحة من الجري وراء القرصافة الزقزاقة. قلت أي نفع في السدة. قالت الذهول عن العقبة. قلت وفي الصمم. قالت عن الرمم. قلت وفي الجهل. قالت توفر الصحة للبدن والراحة للبال. فإن الجاهل لا يفكر في الأمور الدقيقة المتعبة. فإذا نام أهنأه النوم وإذا طعم شيئاً امرأة. لأكدابك في الهنيمة أناء الليل وأطراف النهار فما اسمع منك إلا تعديد قوافي. وذكر نؤيٍ وأثافي. ودوارس عوافي. وظغائن خوافي. وإذا جلست للطعام أتيت بالكتاب معك فجعلت الصفحة تلو الصفحة. فتأكل لقمة. وتقرأ فقرة. وتكرع من الشراب كرعة وتتلو أُسطورة. ولذلك- قلت قد فهمت من هذا الاكتفاء عدم الاكتفاء. ولكن كثرة القراءة ينشأ عنها كثرة التصور الباعثة على كثرة التشوق. قالت ولكن كثرة التشوق ينشأ عنها الترويلية أو الزمالقية والمقصود الجحادية اللحكية. وقد طالما أحوج وجود الأولى إلى البحث عن وجود الثانية. ولكن دعنا من هذه الملاحك والمغامس.

стр. 229

كيف وجدت مدينة لندن. قلت رأيت فيها النساء اكثر من الرجال وأجمل. قالت لو ذهبت إليها امرأة لرأت بعكس ذلك فإن نساء الإنكليز في هذه الجزيرة لسن حساناً والحسن كله في الرجال. قلت هؤلاء نخبة البلاد انتقتهم الدولة حساناً ليخيفوا العدو في الحرب. قالت بل الأمر بالعكس فإن الجميل لا يخيف وأن يكن عدواً وإنما القبيح هو الذي يخيف. ألا ترى انهم يقولون رجل باسل ومتبسل أي شجاع وهو في الأصل الكريه المنظر. قلت وقد قالوا أيضاً راعه بمعنى أعجبه وأخافه. قالت المعنى واحد فإنه مأخوذ من الروع أي القلب فرؤية الجميل تصيب القلب بل وسائر الجوارح. ثم قالت وكيف رأيت دكاكينها وأسواقها. قلت أما الدكاكين فملآنه من الخز والحرير والتحف البديعة. قالت هل من هو فيها. قلت فيها نساء بيض حسان. قالت أنا أسألك عن شيء وأنت تخبرني عن غيره. قد عرفت أنك زائغ البصر فلن أسألك بعد عن الناس وما اسأل إلاّ عيني. هذه خصلة فيكم معاشر الرجال إنكم لا ترون في جنسكم حسناً. قلت هي مثل خصلتكن معاشر النساء في إنكن لا ترين في جنسكن جمالا. قد تكافأنا. قالت كيف تكافأنا وبيننا خلاء. قلت كل آت قريب. قالت وكل قريب آت. قلت لا أرضى بهذه الكلية بل قولي بعض القريب. قالت إذا ساغ البعض لم يغصّ بالكل. ثم قالت اخبرني عن الأسواق فقلت طويلة عريضة واسعة نظيفة كثيرة الأنوار بحيث لا يمكن للرجل أن ينفرد بامرأة أصلاً. حتى كان الضباب ينجلي بها في الليل أيضاً قالت هو من بعض المنافع الضارة. ألا ليت لي جداً فانظر مرة محاسن هذا المصر من قبل أن أقضي. قلت لا تقنطي فإني أرجو أن نسافر إليها جميعاً بعد مدة. قالت حقق الله لنا هذه الأمنية. فلما أمسى المساء وبات كل منهما ثملا بذكر لندن على ما مال إليه خاطره قامت في الغداة تقول قد رأيت لندن في المنام وإذا برجالها اكثر من نسائها. وطرقها واسعة كما قلت كثيرة الأنوار. ولكن يمكن للرجل فيها أن ينفرد بامرأة وكأنك إنما تقولت هذا لكيل أسيء فيك الظن. ولكن ما كنت لأصدقك من بعد أن تحققت إنك غير أمين في الرواية الأولى ثم بعد محاورة طويلة باتا تلك الليلة على اسم لندن. فأصبحت تقول: قد حلمت إني اشتريت من أحسن دكاكينها ثوب ديباج أحمر أحمر أحمر. قال إنك لا تزالين لاهجة بهذا اللون وأهل لندن لا يحبونه لا في الحرير ولا في الآدميين. قالت ما سبب ذلك؟ قلت لأن الحمرة في الناس تكون عن كثرة الدم وكثرة الدم مظنة بكثرة الأكل والشرب. وهي دليل على الرغب والنهم. وإنما يحبون اليلق الأمهق. وكذلك العرب يحبون هذا اللون فقد قال أعظم شعرائهم: كبكر المقاناة البياض بصفرة ... غذاها نمير الحيّ غير محلّل فقالت إن كان هذا الاستكراه من طرف الرجال فهو لخشية عزة النساء عليهم باللون الأحمر الدال على القوة والنشاط والاشر والبتع والكرع. فيوهمهم ذلك عجزهم عن كفايتهن. وإن يكن من النساء وقد نطقن به فما هو إلا مواربة ومغالطة. فإن الإنسان بالطبع يحب اللون الأحمر كما يشاهد ذلك في الأطفال. وناهيك أن الدم الذي هو عنصر الحياة أحمر. قال فقلت ولكن خلاصة الدم وصفوته هو في ذلك اللون الذي يرغب فيه أهل لندن. قالت فهذا هو السبب إذاً. الآن قد حصحص الحق وبأن. أما أنا فعلى مذهبي لن احول عنه. وللناس فيما يعشقون مذاهب. فقلت بودي لو كنت أحمر أحمر أحمر حتى تحبيني وإن كنت أحمق أحمق أحمق. قالت وما انتفاعك بالمحبة إذا كنت أحمق. وإنما يعود النفع لي في تركك إياي مع الأحمر.

стр. 230

قلت أتزعمين أن العلم يمنع المرأة عن إجراء ما تضمره وإن الحمق يمكنها منه. قالت لا والله بل ربما كان في الحمق لها اكثر. فإن الأحمق يلازم امرأته ويظل محملقاً فيها والعالم يحملق في كراريسه وكيفما كان فلم ار اسفه ممن يحرّج على امرأته ويلازمها. فإن الرجل كلما اعنت المرأة ونكنك عليها بالملازمة والكنكنة زادت هي في تماديها فلا يردها شيء عما أرادته سوى حشمتها وحيائها. وأكثر الرجال حمقاً وسخافة من إذا أوجس من زوجته الميل إلى شخص قال لها تزهيداً فيه. أن فلاناً متهتك مستهتر فاحش لا يبالي بما يقول ويفعل. فإذا حضر مجلس ذوي الأدب فأول ما يفوه به قوله قد راودت فلانة وخلبتها وفتنتها. وقد عشقتني وعشقتها. كأنه أي الزوج يحذرها من الاسترسال إلى هواه مخافة أن تنفضح بين الناس أو أن يقول لها أن فلاناً ورع تقيّ يتقي مغازلة النساء اتقاء الأفاعي كأنه يقول لها أنك إن تعرضت له فيالهوى جبهك وندهك وفضحك. فقد تقرر في عقول الرجال أن كل أمر من أمور الدنيا والآخرة يشين عرض المرأة ويهتك حجابها. مع أنه لا شيء يدغدغها مثل سماعها عن رجل أنه مسرف مشط في حال من الأحوال بحيث لا يلحقها منه أذى: فهي والحالة هذه تزيد حرصاً على فتنته لتصرفه عن تلك الحال إليها فيرجع إسرافه في محبتها. قال فقلت نعم أن كيد النساء كان عظيماً. الطباق والتنظير الإنسان كما قالت الفارياقية مجبول على السآمة والملل. ومتى ظفر بالغرض استحوذ عليه الغرض. وما دام الرجل المتزوج جلس بيته ويسمع من زوجته هات واشتر وجدّد واصلح ودَّ لو أنه يكون عزباً ولو راهباً في صومعة فإذا تغرَّب عنها ورأى الرجال يمشون مع النساء سواء كن حليلات أو خليلات أنف من الصومعة. وهاج به الشوق إلى أن يكون له امرأة يماشيها مثل أولئك وإن كان مشيهم وقتئذ للتحاكم والتخاصم لدى جناب القاضي. فينبغي للزوج الملازم لكنه والحالة هذه أن لا يزال متصوراً إنه غريب في أرض بعيدة عند أناس يخدعونه ويغبنونه ويهيجونه بمرافدهم أو إن زوجته قد سافرت عنه إلى أناس يعاقرونها المدام ويرقدونها على فرش من ريش النعام. ويغازلونها فتغزلهم. ويباعلونها فتبعلهم. فإذا فعل ذلك هانت عليه نغمات هات واشتر وهذا جدول عن الفارياق بيّن فيه الأحوال التي يقول فيه المتزوج: يا ليت ما عندي امرأة إذا تزبرقت وتزبرجت وتزلقت وتبرجت وتعطرت وتبغنجت وقالت له قم بنا إلى المثابة والمحافل والمحاشد والملاهي والمراقص. إذا خرج معها وقد نفّجت صدرها وأحكمت مرفدها ثم طفقت تتبازى وتوكوك وتميس وتزوزك وتميل عنقها ورأسها. إذا مشى معها فرأت نقطة ماء في الطريق فشمّرت عن ساقيها لتبدو حماتاهما. إذا سار معها في يوم ذي ريح وعمدت إلى كشف الثوب عن صدرها وعجزها. إذا جعلت دأبها أن توقع منديلها أو تربط شراك نعليها ثم تكبّ فتبدي عجيزتها. إذا جعلت شيئاً في فمها تلوكه وهي ماشية توهم من يعجبها من الفتيان إنها تشير بقبلة أو غمزت أحداً ورمزت ولمزت. إذا صادفت رجلاً من معارفها في الطريق فطفقت تعاتبه على طول غيابه عنها ثم أمسكت بيده وغمزتها غمزاً شديداً. إذا لقيت امرأة في الطريق عليها ديباج نفيس فجعلت تسألها عن سعره وعمن يبيعه. إذا صادف أحداً في الطريق فأشارت إليه أن اتبعنا فأخذ يمشي عن يمينها فحولت وجهها عن زوجها وجعلت جلّ الكلام مع الزبون. إذا رجعا إلى البيت وصرّحت له أو عرضت بشراء الديباج ولم يكن عنده دراهم تكفي. إذا قالت له وهما على المائدة لتغصصه ما أجمل فلاناً الذي ماشانا وما ألطفه وأبرّه وأطرّه وأحرّه وأدرّه. إذا بات تلك الليلة وهو تعب موجع الرأس حتى إذا أغفى قليلاً أحسّ بحركة منها في جنبه فقضى دينه متكارها. إذا سكن منزلاً وكان جاره الأدنى منه فتى جميلاً فجعل يتردد عليه بعلة الجاريَّة. إذا مرض ولزم فراشه وهو يشكو ويئن فلزمت هي الشباك وهي تمكو وتحن. إذا جاء وقت الصيف ففتر وفدر وجفر وحَصِر واسترخت عروقه فأثر أن يبيت وحده. إذا عنّ له سفر لا بد منه ولم يمكن له مصاحبة زوجته. إذا غاب رجل عن زوجته أو غابت هي عنه فجعلت تكتب له ما تغيره به وتكيده وتقهره. إذا قرأ في الكتب أن النساء كلهن خائنات وإن عقولهن في فروجهن.

стр. 231

إذا ركبه الضفف فلم يقدر على كفاية عائلته ولم تكن امرأته جميلة لتنفعه. إذا جاء من محترفه وقابلته امرأته بالصخب والمشارزة والنقار والضجيج والجؤار. إذا غاب عن بيته ورجع فوجد فراشه مشوّشاً وشعر امرأته مشعّثاً بعد أن كانت أصلحتهما قبل خروجه. إذا رآها تسارّ الخادم أو الخادمة وتأنس بهما وتتساهل معهما. وتحسن إليهما. إذا رآها تتوقف في المشي كلّما مرّ بها جميل بدعوى ضيق نعليها أو غيره. إذا اضطجعت حتى ينظرها من هو أعلى منها أو أسفل وأشوق ما تكون المرأة ما إذا اضطجعت على جنبها. إذا كانت ذات هوى وضلع مع جيل بخصوصه ولا تزال تلهج بذكره. إذا غاب عن بيته ثم رجع فلم يجد امرأته وإذا قرع الباب ولم تفتح له في الحال. إذا سمعت آلات الطرب فغدت تترنج وتترقص وتقول آه أوه أيه. إذا كانت تسهب مع الفتيان في الكلام وتضحك معهم حتى تقول طيخ طيخ وعيناها إذ ذاك مغازلتان ووجنتاها محمرّتان. إذا كتبت على قميصها حروفاً أنكرها أو رأى في شفتيها أثر العض والكعام. إذا سمعها تذكر أسماء رجال في المنام أو إذا تحالمت فذكرت ما كان يعجبه ويرضيه. إذا رآها تكره ولده وتلهى عنه وعن أمور البيت بزينتها وتبرجها. إذا قعدت بالشباك لتخيط شيئاً فجعلت تدرز درزة وتنظر منه نظرة حتى جاء عملها فاسداً فاضطرت إلى فتنة وإصلاحه. إذا وضعت القدر على النار لتطبخ شيئاً ثم شرعت في الغناء حتى تهوست فنسيت القدر والطبيخ فتشيّط. إذا تمنت أن تكون في المواضع التي يكثر فيها تردد الرجال كفندق وخان ونحوهما. إذا كانت تصرّح أو تعرّض لزوجها بأنها تحب السمان الطوال من الرجال مثلاً وهو ليس منهم. إذا كانت تعيب على زوجها أنه غير متصف بالمِلثية ولا بالقُمُدية. نظرات وظفرات فجاء عملها محكماً من أول وهلة. إذا وافى منزله وقت الغداء أو العشاء ساغباً لاغباً فلم يجد شيئاً يأكله لأن زوجته لهيت عن الغداء بتصليح ثيابها زيّها وعن العشاء بلبسها وجلوسها بالشباك لتنظر وينظرها المارون. وما أشبه ذلك. ويا ليت عندي امرأة إذا سار وحده إلى المثابة والمحافل والمحاشد والملاهي والمراقص ورأى النساء فيها متزبرقات متزبرجات الخ. إذا سار وحده ورأى من قد نفجت صدرها وأحكمت مرفدها ثم غدت تتبازى وتوكوك الخ. إذا مشى وحده فرأى من شمرت عن ساقها عند رؤيتها نقطة ماء في الطريق الخ. إذا سار وحده في يوم ذي ريح وأبصر من عمدت إلى كشف الثوب عن صدرها. إذا سار وحده فرأى من تكب لتربط شراك نعليها أو تلتقط منديلها فتبدي عجيزتها. إذا أبصر من تلوك شيئاً وهي ماشية وحسب ذلك إشارة إليه بقبلة ثم غدت تغمز وترمز وتلمز وتابز وتنفز وتنقز. إذا رأى امرأة تعاتب رجلاً على طول غيابه عنها ثم أخذت يده وغمزتها غمزاً شديداً حتى أحمر الغامز وأصفر المغموز أو بالعكس إذا لقي امرأتين تمس أحدهما الأخرى وتلك الملموسة تشير بيدها اللطيفة إلى مكان. إذا وجد رجل بين امرأتين أو امرأة بين رجلين ففي الحالة الأولى طلباً للمرازمة وفي الثانية ثقة بالكفاية لأن طعام اثنين يشبع ثلاثة. إذا رجع إلى البيت ورأى أن عنده مالاً وليس من تلبس الديباج وتجلس إلى جانبه. إذا جلس للطعام وحده وجعل يفكر ويقول في نفسه ما أجمل فلانة التي رأيتها تمشي مع فلان وما ألطفها وأترّها وأطرّها وأدرّها. إذا بات تلك الليلة وهو مستريح ناشط ثم أحسّ بحركة منه فمد يده فجأة على الحائط أو على مسمار أو وتد فدميت. إذا سكن منزلاً وكانت جارته فتاة جميلة ولم يمكن له أن يمت إليها بوسيلة الجاريَّة. إذا رأى جاره مريضاً في الفراش يشكو ويئن وزوجته بجنبه تحنّ وتهنّ. إذا جاء وقت الشتاء واستد وامتد واختد ونبضت عروقه فآثر أن يبيت مع من تنفخ في وجهه. إذا رأى جاره قد سافر وترك زوجته خبعة طلعة راغية ثاغية. إذا غاب رجل عن زوجته أو غابت هي عنه فجعلت تكتب له ما تصبره به وتسليه وتمنيه. إذا سمع عن امرأة أنها لم تخن زوجها وأنها ردت في حبه هدايا عشاق كثيرين. إذا رأى امرأة جميلة تماشي ولدا لها صغيراً بزيعاً فيقع في الأرض فتنهضه بيدها فيبكي قليلاً حتى يحمر خداه.

стр. 232

إذا رأى جاره قد آب من محترفه فسمع له ولزوجته رَتَلا وزَجَلا وهَمْساً ورِكزاً ومباغمة ثم رفَشاً. إذا رجع إلى البيت فائزاً بوطر ووجد فرشه موضوناً وليس من تملاه شحماً ولحماً ثم رأى في جملة ذخائره خصلة شعر. إذا رأى امرأة لا تسارّ الخادم ولا الخادمة ولا تبتسم لهما ولا تخلو بأحد منهما. إذا رأى امرأة تماشي زوجها وطرفها إليه ولا يزعجها من يمرّ بها كائناً ما كان. إذا رأى امرأة قد اضطرت إلى الاضطجاع وأبت ذلك حياء وحشمة سواء كان ذلك في حضور زوجها أو في غيابه. إذا كانت المرأة غير ذات ميل وحذل مع أحد وعندها أن زوجها يغنيها عن غيره. إذا رأى جاره كلما رجع إلى منزله وجد امرأته مقبلة على الشغل ولا يكاد يطرق الباب إلا يُفتح له. إذا سمع امرأة تقول وقد سمعت آلات الطرب أن صوت ابنها الصغير أشجى منها. إذا رأى امرأة تكلم الحاضرين كلاّ بحسب مقامه ولا يسمع منها طيخ طيخ ولا يبدو في سحنتها احمرار ولا اصفرار. إذا سمع إن امرأة تكتب على قميصها اسم زوجها ولم يُرَ في شفتيها أو خدّيها أثر ما قط. إذا بلغه أن جاره يكاعم امرأته ويشاعرها فلا تحلم له ولا يحلم لها. إذا رأى امرأة تحب ولدها وتحمله ولا تلهى عنه ولا عن بيتها. إذا رأى امرأة تخيط لزوجها أو لولدها شيئاً من غير أن تتخلل الدرزات إذا رأى امرأة تضع القدر على النار ولا تلهى عنها فيأتي الطعام. قديا مشهّياً معيناً على ألباه والرقاد. إذا كانت تبتعد عن المثابة ولا تشتهي أن تدخل في زحام ليقرصها واحد ويغمزها آخر. إذا كانت المرأة تقول زوجها أو غيره بأنها لا تحب الطوال من الرجال حاله كون زوجها قصيراً. إذا كانت إمرأة مفسّلة تعفّفاً وشكت من ملثية زوجها وقمديّته. إذا وافى منزله وقت الغداء أو العشاء فوجد على مائدته كل ما تشتهيه النفس فأكل وشرب وطابت نفسه ثم رأى من شباكه جارته تلبس ثيابها وتنظر إلى ورائها لتعلم هل الثوب والعجيزة هما كشنّ وطبقة أو لا. وما أشبه ذلك. سفر معجل وهينوم عقمي رهبل وظل الفارياق معالجا للبخر وقد ضاق ذرعاً. إذ لم يحصل من علاجهم فائدة فأصبح يحاول التملص من هذه الحرفة ولا سيما إنه كان مطبوعا على الملل والجزع. واتفق في غضون ذلك أن سافر إلى فرنسا المولى المعظم أحمد باشا باي والي إيالة تونس المفخم. وفرق على فقراء مرسيلية وباريس وغيرهما أموالاً جزيلة شاع ذكرها ثم رجع إلى مقامه. فرأى الفارياق أن يهنئه بقصيدة فنظم القصيدة. وبعث بها على يد من بلغها لجنابه. فلم يشعر بعد أيام إلا وربان السفينة حربية يطرق بابه. فلما دخل واستقر به المجلس قال الفارياق قد بلغت قصيدتك لجناب سيدنا الأكرم. وقد أمرني أن أحملك إليه في البارجة. فلما سمع ذلك استبشر بالفرج من حرفته وقال لعمري ما كنت احسب إن الدهر ترك للشعر سوقاً ينفق فيه. ولكن إذا أراد الله بعبد خيراً لم يعقه عنه الشعر ولا غيره. ألا فاهزقي يافارياقية المهزاق. واسلقي فما يضرني اليوم اسلاق. ونفجي ما استطعت أن تنفجي. وضرجي وضمجي ودبجي. هذا يوم يعبق فيه المكتغن. ويبشق فيه من وهن. ويشمق منه ذو الددن. ويفاز بالغدن. هذا يوم تستحسن فيه الربوخ. ويلقح فيه من ملوخ. وتتئم الجلهوب والسلقلق. وتنجب الشريم ثم العفلق. هلمي فاتخذي مذ اليوم ظيرا. فإني أرى في الزند أيرا. فقال الربان وقد استعجم عليه الكلام ما هذه اللغة التي يتكلمون بها لعمر الله ما فهمت شيئاً مما قلتم، أهذا اللسان تحمل في رأسك إلى تونس. وبهذه الألفاظ تخاطب سيدنا وأهل الفضل من رجال دولته. قال لا وإنما هذه لغة اصطلحنا عليها فلا نستعملها إلا نادراً. فقال الرّبان ينبغي أن تتأهب إلى السفر ولك أن تستصحب أيضاً عائلتك إذا شئت. فإن سيدنا أكرم لا يسوءه ذلك. فتأهب الفارياق هو وعائلته وركبوا في السفينة وبعد مسير أثني عشر يوماً والريح مخالفة كما جرت العادة بذلك بلغوا حلق الواد. فأمر المولى المشار إليه بنزولهم في أمير البحر.

стр. 233

وهنا ينبغي أن نلاحظ مزية الكرم التي خص الله تعالى بها جيل العرب دون سائر الأجيال. وذلك أن استدعاء الولي إليه لم يكن لجميع من دبّ ودرج بمنزل الفارياق بل كان خاصاً به وحده إلا أنه بلغ مسامعه الكريمة قدوم مادحه بأهله لم يستأ من ذلك ولم يقل ما أقل أدب هذا المدعو وما أصفق وجهه لقدومه علينا مزوياً. ولم يقل لربانه قد خالفت القوانين السياسية والأوامر الملوكية فلننزعن عن كتفيك هدّاب منصبك حتى تكون عبرة لمن أعتبر. بل يقي الربان متشرقاً بهدّابه. والفارياق متمتعاً بأهدابه. وبوّئ أكرم مبوّأ في داره أمير البحر وأجرى عليه الرزق الكريم. والخير العميم. ولو أن أحد أعيان الإفرنج دعا شخصاً وأتاه ذلك الشخص ومعه غير نفسه لجبهه عند اللقاء بل لم يكن ليلقاه قط. لا بل نساؤهنّ لما كان يدعون الفارياق كن يقلن لها أنك أنت المدعوة فقط إشارة إلى عدم إزوائها بخادمتها وطفلها. وليت شعري أين من تكرم من ملوكهم بإرسال بارحة لاستحضار شاعر ولغمره إياه بالمال والهدايا النفيسة. فلعمري أن مادح ملوكهم لا جائزة له من عندهم غير تسفيهه وتفنيده. مع أنهم أشد الخلق حرصاً على أن يشكرهم الناس ويمدحوهم. ولكنهم يأنفون من أن يمدحهم شاعر يريد نوالهم فلمن هذا المال الذي يدّخرونه. ولأية داهية من الدواهي يعتدونه. وهم الطاعمون الكاسون. الحاسون اللاسون. أم يخشون أن يلمّ بهم ضفف أو قشف. أم يحسبون أن صلة الشاعر من السرف. ولهذا أي لكون الكرم مزية خاصة بالعرب لم ينبغ في أمة من الأمم شعراء مفلقون كشعرائهم على اختلاف الأمكنة والأزمنة. وذلك من زمن الجاهلية إلى إنقراض الخلفاء والدولة العربية. فإن اليونانيين يفتخرون بشاعر واحد وهو أواميروس Homere والرومانيين بفرجيل Virgilius والطاليانيين بطاسو Tasso والنمساويين بشلَر Schiller والفرنسيس براسين وموليير Racine et Moliere والإنكليز بشكسبير وملطون وبيرون Shakespeare Milton et Byron. فأما شعراء العرب المبرزون على جميع هؤلاء من أن يُعدّوا. بل ربما كان في عهد واحد في زمن الخلفاء مائتا شاعر كلهم بارع فائق. وذلك لأن اللهى كما قيل تفتح اللهى. على أنه لا مناسبة بين الشعر العربي وشعرهم. لأنهم لا يلتزمون فيه الرويّ والفاقية وليس عندهم قصيدة واحدة على قافية واحدة ولا محسنات بديعية مع كثرة الضرورات التي يحشون بها كلامهم. فنظمهم في الحقيقة أقل كلفة من نثرنا المسجّع. وما أحد من الشعراء الأفرنج إستحق أن يكون نديماً لملكه. فغاية ما يصلون إليه من السعادة والحظوة عند ملوكهم إنما هو أن يرخَّص لهم في إنشاد شعرهم في بعض الملاهي. فأي هوان يلحق جناب الملك المعظم من اتخاذه نديماً وكليماً. أم يقال أن شعراء الإفرنج كثيرون بحيث لا يمكن لملك أن يختار واحداً منهم على غيره. أروني أين هم هؤلاء الكثيرون على خزنته السعيدة. كم في بلاد الإنكليز الآن من ناثر. وكم في بلاد فرنسا من ناظم. وهنا ينبغي أيضاً أن أضف ملاحظة أخرى فأقول. أنه قلما ينبغ شاعر عربي أو عجمي ويعجب الناس جميعاً. فأن من الشعراء من يحب الكلام الجزل الفخم دون ابتكار المعنى. وبعضهم يعني بالمعاني دون الألفاظ. وبعضهم يتحرى اللفظ الرقيق والعبارات المنسجمة. وبعضهم الغزل وغير ذلك. ولا تكاد تجتمع هذه المزايا في شاعر واحد أو تجتمع عليها أخلاق الناس كلهم. فإن من كان من بني نظري ذبَّ الرياد شحما لحِما مُخضعا متصندلا زير النساء وخلبهن وشيْعهن ونِسأهن وحِدْثهن وطلحهن وطلبهن وخدنهن وعلهن ورنْوهن وحُرْ قوصهن فأقحا إياهن حيث سرن. وكارزا لهن أيان برزن، لاتهمه الحماسة ولا منازلة الأقران. فعنده أن قال أمرؤ القيس: إذا ما بكى من خلفها انصرفت له ... بشق وتحتي شقها لم تحوّل أحسن من قول عنترة: فطعنته بالرمح ثم علوته ... بمهند صافي الحديدة مخِذم ومن يكن عرْوا أو حصوراً أو عتولاً مُقطَعاً أو متأبداً أو عنكشاً عثيلاً أو صيقماً صمكمكا كيْكآ ليس به حمضة إلى العبهرة العجنجرة والعياذ بالله من ذلك. صرف ذهنه إلى الزهديات والحكميات. انتهى.

стр. 234

ثم الفارياق انتقل إلى المدينة وهناك تعرّف بجماعة من أهل الفضل والأدب. منهم من أدبه ومنهم كم أترفه وهناك حظي بتقبيل يد المولى المعظم ونال منه الصلات الوافرة. وسأله وزير الدولة هل تعرف اللغة الفرنساوية. قال لا يا سيدي ما عنيت بها. فإني ما كدت أتعلم لسان الإنكليز حتى نسيت من لغتي قدر ما تعلمته منه. فقد قُدّر على رأسي أن يسع قدراً معلوماً من العلم فمتى زاد من جهة نقص من أخرى. فلما أخبر زوجته بذلك قالت له ألم أقل لك غير مرة عَدّ عن الغزل بالنساء وتعلم هذه اللغة المفيدة وما كنت لترعوي عن هواك. ماذا تريد من الغزل وعندك زافنة. قال فقلت نعم ورافنة. ثم ماذا يفيدك وصف العين بالحوَر ولست منهن تقضي الدهر من وطر. أليس وراءك مني رقيب قريب. قلت بلى والله أني ما خلوت قط بامرأة في الحلم إلا ورأيتك وراءها. حتى كثيراً ما شاهدتك تمزقين ثوبها وتنتفين شعرها ثم تتبوئين مكانها وترسلينها فارغة. فقالت الحمد لله على أن ألقي رُعبي في قلبك في اليقظة والمنام. قلت قد بدأ لي أن أنتقل من التغزل بالنساء إلى هجوهن فعسى أن أنتقل بذلك إلى حال أحسن. قالت أفعل ما بدأ لك ولكن إياك من أن تدخلني في الجملة. ولكن قف قف لا تذكر النساء لا في النسيب ولا في الهجاء. فأنك أول ما تذكر اسمهن يدور رأسك وينبض فيك العرق القديم، كلاّ ثم كلا. قلت ولكن في مدح سيدنا الأمير قد ذكرت اسم امرأة. فقالت وقد اتقدت عيناها من الغيظ. مَن هذه الفاعلة الصانعة. قلت هو اسم عربي. قالت آه هو من ضلالك القديم. ولو كان اسماً عجمياً لقمت الآن واحترقت ديوانك هذا الذي هو عليّ أشد من الضرّة لأنك تصرف فيه نصف الليالي. فقلت لكن هذا النصف ليس بمانع من كله. قالت لكن ذاك الكل حق لي وضعفي مثله. قلت صدقت ما خُلق الليل إلا للنساء وما خلقن هن إلا لليل. قالت سلمتُ بالأولى ولا أسلم بالثانية. فإن النساء خلقن للنهار أيضاً. قلت نعم ولكل ساعة منه وليس للرجل همّ في الدنيا غير امرأته. قالت الأولى أن تقول اهتمام. قلت في كل اهتمام همّ. قالت هذا عند الرجال من فشلهم وليس كذلك عند النساء. قلت هو من خفة عقولهن وثقل نهمهن فإن اللذة تذهلهن عن الدين والدنيا معاً. قالت بل هن يجمعن بين الثلاثة في مكان واحد وآن واحد. وأما أنتم فمتى كلفتم بواحدة منها أغلفتم الأخرى. وهذه من المزايا التي مزّانا بها الباري تعالى عليكم ألا ترى أن المرأة إذا سمعت مثلاً خطيباً جميلاً يخطب في الناس ويزيدهم في الدنيا تلذذت بكلامه وشغفت حباً بجماله وبكت زهداً في العالم. قلت بودي لو كانت النساء يخطبن على المنابر كالرجال قالت لأبكينهم دماً. ولكن هيهات فإن الرجال من أثرتهم استبدوا بجميع الأمور المعاشية والمعادية وبمراتب العز والجاه. وحرموا النساء من أن يشاركنهم فيها. فما كان أبهج الكون وأعمره لو كانت النساء تتولى هذه الرتب. وكما أن الدنيا مؤنثة وكذا السماء والأرض والجنة والحياة والروح والنفس والنبوة والرسالة والسعادة والحظوة والغبطة والعزة والنعمة والرفاهية والأبَّهة والعظمة والخطابة والفصاحة والبلاغة والسماحة والشجاعة والفضيلة والمروءة والحقيقة والملة والشريعة والأيالة والولاية والزعامة والرئاسة والحكومة والسياسة والنقابة والنكابة والعرافة والإمارة والخلافة والوزارة والمملكة والسلطنة وأخص ذلك المحبة واللذة والشهوة. فما كان أجدرها بأن تشرف بالنساء. قلت قد نسيت العفة والحصانة. قالت لم تخطر لي ببال وإلا لذكرتها. قلت ولكن البعال مذكر. قالت أين أنت من المباعلة. قلت والهكهكة. قالت وما الهكهكة. قلت مضاف هكّ هك أي هني هني أي طحز طحز أي فعل فعل. قالت هي أحسن مما تقدم. قلت فتقولي إذاً أخيرّاً وإلا فهو كفر وخمج. قالت على النساء لا حرج فإن منهن الفرج. قلت نعم للفرج إذا أبصرن ذا فرج. قالت والأرج. قلت والمرج. قالت وهنّ أحق بذي برج. قلت وبمن نيرج. قالت الجميع بينهما بلج. قلت والثاني عند تعذر الأولى هو الأفلج. قالت وبه اللسان الهج. ثم عزما على الرجوع فسفرهما المولى المشار إليه في سفينة النار. الهيئة والأشكال

стр. 235

وبعد أن وصل الفارياق إلى منزله جاءه بعض معارفه وسأله عن سفره. فأسرّ إليه وعينه ناظرة إلى الباب غرفة زوجته أن النساء اليهود في تونس ما زلن حساناً. وأنه وأن يكن قد أنزل بهذا الجيل مسخ كما تزعم النصارى فأنه إنما نزل بالرجال فقط. فقالت امرأته من وراء الباب ما تقول بل المسخ وقع على النساء. قال حيث قد سمعت نجوانا ولا يخفى عليك مني خافية فضمي نفسك إلينا لنخوض في هذا الحديث المستجب. قالت أجل أنه ما يخفى عن أذني همهمة. ولا عن عيني سمسمة. ثم أنها تصدرت في المجلس وقالت. قد أعجبني من زي الرجال في تونس أن سراويلهم قصيرة بحيث تظهر سيقانهم. قال فقلت بل زي النساء أعجب وأشوق. فإن الرجال قد يكسون سيقانهم من الجوارب ما يغطيها ومع ذلك فالسراويل تخفي خصورهم وما يلبها. فأما النساء فسوقهن بادية ولا شيء يستر حقائبهن. فترى المرأة تمشي في أوان الحر وثوبها يشف عما تحته عما من مكَّبب ومقبّب. ومعقب ومقوّب. ومكعَّب ومكعثب. فقالت بودي لو كان زي النساء كهيئة أجسامهن. قلت هذا يكون فاحشاً من وجهين. لأن المتزيية به أن كانت ركراكة عندلة لفّاء كانت فتنة للناس وعطّلت عباد الله عن أعمالهم. وأن كانت دردحة أو رسحاء كانت وباء على الناس وأحجرتهم في بيوتهم تطيراً منها. قالت ما سبب كون الرجال في هذا البلد يتزيون بزي كهيئة أجسامهم ولا لوم عليهم ولا محظورة من رؤيتهم. أفكل ما تفعله الرجال يسوغ وما تفعله النساء يغصّ به. لعمري أن هذا الزي أحسن من زي رجال بلادنا.

стр. 236

فإنك ترى من له سراويل منهم يمشي كالشاة للحلب. وكثيراً ما تلتف عليه من قدام ومن خلف فتعوقه عن المشي فضلاً عن الجري. ولو أنه كان مثلاً في محترفه وقال له زارك اليوم في منزلك فتى غسّاني فرهد. ولمّا لم يجدك لبث ينتظرك وما هو الآن هناك -وقد احتفلت به زوجتك وهشّت إليه وبشت وهي التي ثبّطته وأمرت الخادمة بأن تمرض أو تتمارض حتى تنفي عنك الشبهة. إذ أو بعثتها إليك وخلا لهما المكان لرابك أمرها واعتقدت أن زيارته لها إنما كانت عن موعد. وإنها هي المقصود بهذه الزيارة لا التشوق إلى رؤية سحنتك. وغير ذلك من الكلام الذي يفور به الدم وينتفخ منه الحملاق. فكيف يمكن له والحالة هذه أن يحفد إلى منزله وبين فخذيه ما يذهب به هنا وهناك. ثم ضحكت وقالت نعم ترى منهم من له جبة يمشي ويكنس الأرض بأذيالها فيلصق بها كل ما في الأرض من النجاسة والقذر حتى إذا وافى بيته ملأه بالرائحة الخبيثة فعلق بزوجته منها ما يرد الطرف عنها وإن كانت عبقة. لأن الرائحة الخبيثة تغلب على الرائحة الطيبة كما يقال. وفضلاً عن ذلك فأن جبه واحدة يعمل منها كثير من هذه التي تلبسها الإفرنج إلى خصورهم. وليس للرجل إذا لبسها من هيئة ولا شارة فإنها تخفي قوامه كله فلا يرى له خصر ولا غيره. وما خلق الله الإنسان على هذه الصورة إلا وارد أن تكون ظاهرة كما هي. قلت قد رأيت الإفرنج في بلادهم صيفاً وشتاء فإذا هم يسترون أدبارهم بهذه الجبب المزنقة. ولا يمشي أحد منهم في الخارج ظاهر الدبر كما يمشي هؤلاء القوم القليلو الحياء في هذه الجزيرة. قالت والبطون والأفخاذ قلت ظاهرة قالت قد شفع هذا في ذاك فأما سترهما معاً فشنيع لعمري أن الناس لم يهتدوا إلى الآن إلى زي حسن يوافق هيئة الجسم ويلائم للعمل وبه شارة. فإن هذه البرنيطة لا تعجبني وليست ملائمة للوجه لا في النساء ولا في الرجال لأنها أشبه بالقفة أو الزنبيل أو القِرْطالة أو السلة أو العَيْبة أو العِكْم أو المرجونة أو الجوالق أو الحُرْبة أو اللِّبيد أو الجُرْجة أو الغفر أو الجُفّ أو القفْعة أو الجُلّة أو القشْع أو المُدارة أو القَلْع أو الكنْف أو القَنْبع أو المخرف أو القِنْع أو الزكيبة أو الجِواء أو القَوْصَرّة أو الفَوْد أو التليسة أو الوفيعة أو الجِلْف أو الخصفة أو الدَوْخلّة أو السفَط أو الحَفْص أو الميضة أو الصَنّوت. وهذه العمائم دونها في القبح. وهذه الحبر التي تلبسها نساء مصر لا حسن فيها فضلاً عن غلائها. واقبح من ذلك كله هذا الحزام الذي تتحزم به الرجال فإنه يملأ الخصر والصدر ويمنع الطعام عن الهضم. واقبح منه هذا الشريط الذي يربطون به سراويلاتهم من تحت ركبهم فإنه يوقف الدم عن سريانه فيا لأرجل. وليس زي نساء الإفرنج حسن إلا كونه ملائماً للمرافد وقد طالما بتّ مشغولة البال بهذا وحاولت أن أخترع زيا يكون فيه حسن وتشويق وخفة وطلاوة وجلالة مع موافقة هيئة الجسم ما أمكن فلم يفتح الله عليّ إلى ألان وعسى أن يتجه إلى ذلك عن قريب فأكون معدودة من جملة المستنبطين في هذا العصر. قلت وهل لم يخطر ببالك الاقتصاد قط في استنباطك. قالت لا فأن خير المال ما أنفق على المرأة. قلت بل على هذه. الخزانة وأشرت إلى سهوة الكتب. قالت أو تعانق الكتاب في ليلك وتشاعره. قلت أن الرجل حين يشاعر زوجته ليلاً لا تكون متزينة باللباس والحلي بل تكون عريانة عند قوم. وفرجا أو متفضلة أو هلا عند آخرين. فيصدق عليها ما قيل شعر يتفخّل الإنسان جل نهاره ... حتى يفوز بغادة في ليله فإذا أستقر في الفراش بدت له ... جهواء مثل التيس تحت ذييله

стр. 237

قالت بل في تبرج المرأة وزينتها نهاراً تشويق وتهييج لزوجها ليلاً. قلت نعم ولجارها أيضاً. قالت بل ولنفسها كذلك. قلت ما فهمت هذا المعنى البديع هل المرأة إذا نظرت إلى زينتها تكرع. قالت لاشك فإن الزينة حسن وكل حسن فإنما يذكر بالحسن. حتى لو نظرت جواداً مطّهماً أو متاعاً نفيساً أو شيئاً آخر من زينة السماوات والأرض لكان أول ما يخطر ببالها شخصاً متصفاً بالجمال. قلت فهو إذاً تصور مطلق غير معين. قالت إن كان الأشوق في العيان. فهو الأسبق إلى الأذهان وإلا فأي كائن كان. قلت وعلى فرض حضور الزوج وشرط كونه عليه مسحة من الجمال، فهل له خطور بالبال. قالت إذا وفق إلى التمليق والتعريب فقد يخطر ولكن لا بالصفة العينية بل الصفة المطلقة. قلت قد لمحت إلى هذا المعنى سابقاً وفهمته حق فهمه. ولكن أسألك سؤال متحرّ غير ذي ضلع ولا صغا. هلا يجب على المرأة أن تقدم زوجها في الذكر والتصور من حيث أن له المزية والقفيّة. وحالة كونه شيخها وأباها وحليلها ونفاحها وكميعها وكفيحها وضجيعها وعقيدها وعهيدها وأكيلها وشريبها وجليسها وسميرها وحليفها وعشيرها وأليفها ونجيها وضمينها ووليّها وكفيلها وكليمها وعنيقها ونديمها وخليطها وعميلها وشريكها وخليلها. قالت نعم ورقيبها وسبيبها وشغيبها وعقيبها وغضيبها وكليبها ولتيبها ووثيبها وفحيصها وخصيمها ولزيمها وزحيمها ونبيزها ولقيسها وفقيسها وقفيسها وجاسوسها وعاسوسها وجاروسها ونقوسها وفانوسها وكابوسها وناطورها وناقورها. قلت قد قال مولانا صاحب القاموس دل المرأة ودلالها تدللها على زوجها تريه جرأة عليه في تغنج وتشكل كأنها تخالفه وما بها خلاف. وقال أيضاً تبعلت المرأة أطاعت بعلها أو تزينت له. وفي موضع آخر تقيأت تعرضت لبعلها والقت نفسها عليه "انتهى" فهذا الدليل على إن حركات المرأة كلها ينبغي أن تكون مقصوداً بها الزوج لا غير. قالت لا غرو إن يكون صاحبك قد قيد هذه الحركات بالزواج تفردا بها من عنده. أو أنه تابع بعض أهل اللغة المشفشفين على ذلك. فإن الرجال دأبهم أن يدَّعوا أن المرأة لم تخلق إلا لإرضاء زوجها وتعليله وتمليقه. وإن اللغة إنما وضعوها استبداداً منهم عن النساء وافتئاتا كما هو دأبهم في غير ذلك. مع أن اللغة أنثى ولو كانت من وضع النساء وهو الأولى إذ كل إنتاج ووضع لا بد له من ماهية أنثوية لكن وضعن ألفاظاً تدل على من لا يفكر في غير امرأته. وعلى قصر طرف الرجل عن النظر إلى سواها وعلى مرضه لمرضها وزحيره لزحيرها وعلى إلباسه إياها ونضوها من ثيابها. وعلى تمشيطه وإحراز مراطة منه للنظر إليها إذا غاب عنها ساعة ما. وعلى بذل جميع ما تحت يده لرضاها وعلى من يرى زوجته أحسن النساء ومن يزيد حبه لها بازدياد رؤيته لغيرها أو على من يغمض عينيه إذا تعرضت له أخرى أو يغشى عليه أو يكبّ على وجهه أو يأخذه الدوار أو الهيضة. وعلى من يتخذ صورتها فيعم بها حيطانه وكتبه ومتاعه. فتكون مرة قائمة ومرة مضطجعة ومرة مستلقية وأخرى مكبة.

стр. 238

وبعد فقد تركنا لكم اللغة تتصرفون فيها كيفما شئتم فلم لا تتركون لنا خواطرنا وأفكارنا وهي ليست من الحركة ولا السكون. فأما دعواك بالمزية والقفية فإني أخبرك خبر من لا يجمجم عليك رثاء أو حياء. إنه لا مزية للرجل على المرأة في شيء. إذ ليس من قفية للرجل إلا وللمرأة مثلها. فأما كفالته إياها فينبغي أن أقول لك هنا دقيقة قلّ من تنبه لها. وهي انه قد يجتمع مثلاً شخصان في شركة أو دعوة أو زواج ويكون قد تقرّر في بال أحدهما إن له منّة على صاحبه. وذاك الممنون عليه يعتقد باطناً وظاهراً إنه مظلوم. مثال الزواج ما إذا كانت البنت قبل زواجها تهوى شاباً ولم يمكنها أن تتزوج به فتزوجت آخر. فرأت من أفعاله وأطواره ما انكرته، فيخطر ببالها ذلك الذي فاتها فتقول في نفسها لعله كان مستثنى من هذه الأخلاق. فلو إني تزوجت به لكنت الآن في اهنأ عيش وزوجها يظن إذ ذاك أنه أسدى إليها منة عظيمة بكونه تزوجها بعد أن فاتها خليلها الأول، فكان ينبغي للرجال والنساء أن يمنعوا النظر في أحوال الزواج قبل أن يرتقبوا فيه. وعلى الرجل أن لا يتزوج من كانت تهوى آخر قبله. وعلى المرأة أن لا تتزوج بمن كان يعاف الزواج خوف الإنفاق والإملاق. أو من كان يهوى أخرى وهو أعزب. ومثال الشركة ما إذا كان أحد الشريكين هو الذي قدم رأس المال من عنده وألقى عبء المصلحة على رفيقه، فكل منهما يحسب إنه ذو منة على شريكه. ومثال الدعوة ما إذا دعاك أحد إلى الغداء في العصر وكانت أن تتغذى في الظهر. أو إذا قدم لك من الطعام ما تعافه. فقد ركز في طبع كل إنسان إن يحسب ما يستحسنه هو حسناً عند غيره. أو إِذا تكرم عليك وقت الغذاء بفديرة وكسيرة وجريعة غير عالم أن المآدب تكبر معدته عند الآدب وتتسع أمعاؤه. أو إذا دعاك إلى منزله وكان بعيداً عن المدينة فلزمك أن تكتري مركباً بما يساوي غذائين وعشائين عنده. أو إِذا كنت مثلاً عند أحد أكابر الإفرنج لمصلحة له وعلم أنه قد مضى عليك عدة ساعات من غير أكل فأمر خادمه بأن يقدم لك لهنة من الخبز ومن هذا الجبن اللَّخْنيّ. وبك إذ ذاك قرم إلى أكل دماغه فأيكما والحالة هذه الممتنّ والممتن عليه. أو أن يكون أحد في خدمة أمير فالمخدوم يعتقد أن خادمه ممنون له لكونه يأخذ ماله. والخادم يرى أن مخدومه هو الممنون لكونه يأخذ منه شبابه وصحته. أو أن يكون أحد قد زار صديقاً له ليسامره وبالمزور همّ وقلق فكل من الزائر والمزور يحسب إنه متفضل على صاحبه وقس على ذلك المعلم والمتعلم والمادح والممدوح والمغني والمغنى له. فمن ثم لا ينبغي للرجل أن يحسب أن مجرد إطعامه المرأة وإلباسه إياها منّة منه عليها. فإن حقوق المرأة أكثر من أن تذكر. قلت قد لحنت ذلك على طوله وعرضه فقولي لي أي الرجال أحب إلى النساء. قالت أن أقل لك تعربد. قلت قولي لا بأس فإنما هو بساط حديث نُشر فلا يطوى حتى نصل إلى آخره. قالت يوم النشر إذاً. فاعلم إن الكاعب من النساء تحب الغلمان والإحداث بشرط كونهم حسانا. والمُعصر تحب الشبان بالشرط المذكور. وقد تأنس بالكهل اعتقاد أن يكون بها أرفق وأعشق. ولكن ذلك لا يسمى محبة لأنه يؤول إلى نفع نفسها. ومن شرط المحبة أن تكون مجردة عن الاستنفاع. ولكن هيهات فإن كل محب إذا تحقق دوام حرمانه من محبوبه وعدم الانتفاع به ملَّه بل ربما كرهه فعلى هذا فالمحبة عندي لفظ يرادفه الفائدة. فقول القائل أنا أحب فلانة حقيقة معناه أنا استفيد منها. فأما العانس فتحب الصنفين المذكورين ومن جاوزهما في السن قليلاً بالشرط المذكور. وإما النَّصف فتحب الثلاثة والكهل أيضاً بذلك الشرط. وأما العجوز فتحب الجميع. قلت ما قولك في الشوارب. قالت هي زينة الفم كما أن الحواجب هي زينة العيون. قلت وفي اللحى. قالت حلى الشيوخ. قلت وفي العارضين. قالت بخ بخ هما زينة الناظر والمنظور إليه. قلت أي حسن فيهما وخصوصاً مع حلق الشاربين قالت هما بمنزلة الأكمام للزهر. أو الورق للغصن. أو القطيفة للثوب. أو السياج للحديقة أو الهالة للقمر.

стр. 239

وبينما هما في الكلام وإذا بطارق يطرق الباب ففتح له وإذا برجل معه كتاب من اللجنة المذكورة سابقاً يتضمن استدعاء الفارياق وأهله إليهم. فلما طالع زوجته بذلك كادت تطير فرحا وسرورا. وقالت ما أحلى صباح هذا اليوم وما أيمن شمسه. ثم قامت إلى الصندوق فأوعت فيه لوازم السفر ماعدا القاموس. فقال لها الفارياق: رويدك فإن دون هذا السفر أموراً كثيرة. فاقعنفزت وقالت أذكرها لي جملة حتى آلي بنفسي جُلها. قال اطمئني واصبري فإنك قد شوشت عقلي بكلامك الأخير. وأعوذ بالله من أن يكون سبباً في فساد ترجمة الكتاب. فتركته واشتغلت بأمرها. وأنا كذلك اتركه إلى وسواسه في العارضين إذ ليس علي أن أشاركه فيه. سفر وتفسير

стр. 240

من جملة ما لزم لهذا للسفر ما عدا القاموس كان هذا الشرط. وهو أن يغيب الفارياق عن الجزيرة عامين وإذا رجع يوظف في وظيفته الأولى. فمن ثم كتب عرضاً للحاكم وأقام ينتظر الجواب. وبعد أيام ورد الجواب بقبول هذا الشرط. فوجد كل شيء ناجزاً للسفر لأن زوجته لمتكن في تلك المدة تهمل شيئاً. فلم يبق عليهما إلا تشريف الجواز بختم القناصل وأداء الغرامة الختمية الحتمية. إلا إنه بقي مختوم عليه من قنصل ليكورنه. فلما بلغوا مرساها أراد الفارياق أن يدخل البلد فأعترضه صاحب ديوان المكس. فقال له أنا أعطيك هنا ما كان يحق أن أعطيه للقنصل في الجزيرة. قال لا بل تعطي هنا ضعفين فأبى وعزم على الرجوع إلى السفينة. فرآه وزوجته رجل يدير زورقاً فلما علم بقضيتهما قال لهما أنا أدخل بكما البلد بنصف ما طلب منكما هذا المكاس الحرامي. فركبا في زورقه وعرج بهما من مكان خفي حتى دخلا البلد. ثم رجعا إلى السفينة فسارت بهما إلى جينوى ثم إلى مرسيلية ثم سافرا إلى باريس. وفيها اجتمع بمسيو لامرتين الشاعر المشهور في اللغة الفرنساوية. وأقاما فيها أياماً تحوفت من الكيس جانباً "فائدة إذا كنت في بلاد فرنسا فلا تنزل خاناً للإنكليز وإذا كنت في بلاد هؤلاء فلا تنزل خاناً لأولئك" ثم سافر إلى لندن المحلوم بها. فلما رأت المدينة وما فيها من التحف العجيبة. والرغائب الغربية. ومن الأنوار المزدهرة. والحوانيت النضرة. قالت إيه إيه لقد قصرت الأحلام عن اليقظة. نعم الدار هي مقاماً. وحبذا العيش فيها دواماً غير أني رأيت من نسائها أمراً بدعاً. قال فقلت الحمد لله على إنك بدأت بالنساء فهو من جدّ طالع الكتاب الذي يراد ترجمته. ولكن أي بدع هو. قالت كنت أسمعك تحكي عن بعض الأئمة أن عقول النساء في فروجهن. وقد أرى نساء هذه الدنيا الصغرى عقولهن في أدبارهن قلت فسري فإني لم افهم ما أردت. قالت إذا كانت المرأة توقع نفسها بين تهاتر الصنعة والفطرة مع الاستهتار. أي أنها تفخم شيئاً بالصنعة وهو في الخلقة غير عظيم المقدار. وتهيج الناس على إكباره والفضل كله للجار. أي إذا كانت تقول بلسان الحال إن لديّ عنصر عصار كالإعصار، لا يجدي معه الاعتصار. وطبلا فيه زمارة لكل زمار. وصفارة في حالتي الشبع والصفار ودنّا مقعاراً يحتاج إلى صمام إذ قد مليء إلى الاصمار وزوراء تستدعي بالزيار. وخرتا حريا بالدسار. وجحراً أو دحلاً ينجحر فيه الخاذر أي انجحار. وحشة ذات أكوار وأوكار وورباً يأوي إليه من ليس له وجار. ووأبة مؤئبة في الليل والنهار. ونقرة ذات تنقير ونقر على ابتدار. وصرف فرث ذات صرير وصرار. وأنقوعة اشتملت على صلة ولا سيما عند الإهجار. وعزلاء لو انحل وكاؤها لمنت بالدمار. ووطباً لوفشّ لاكفهر منه الجواريّ اكفهرار. وكيراً يتطاير من نفخة الشرار. وهيفاً إذاً هبت في الصيف قال الناس الفرار الفرار. أي إذا كانت خلقت وما تاربها أحد فاتخذت لها ترباً وراءها. ليغني غناءها. أي إذا جعلت دأبها كله في تنسيم المسطح. وتقبيب المفلطح أي إذا استحمقت الناظرين اليها. وأشارت إليهم أن عندي قعيدة أو نضيدة يقعد عليها. أي إذا رمزت إليهم إن الرَّكاز. تحت الجراز أي إذا استحقبت المصادع ثم جعلت تمشي وتنظر إلى حقبيتها وتعجب منها ونزهى بها وتنافس فيها وتحرص عليها وترتاح لها وتشوق إليها. فوجدت أخرى تفخرها في ذلك ثم وجدت هذه أيضاً من غلبتها في الاستحقاب فأجدر أن يقال أن عقولهن في الحقائب. هذا معنى ما قالته والجرار عبرت عنه بالقرع، والترب بالردف والحقيبة بالعدل. ولفظة أي في الأصل. قلت هذه عادة فلا تشاحني في العادات فإن لنسائنا أيضاً عادات كثيرة مكروهة في هذه البلاد. وذلك كالتكحيل والتزجيح والتخضيب والتحنية واليرنأة والثمغ والتسيير والتوقيف والاغتماس والترقن والترثن والتقفّز والتطريف والوشم والتنوّر والامتهاش والجمش والتحفف والنمص والحلْت والاستعانة والتفريب والضياق والفرْم والإلهاط والاستطابة والتصنيع والتسمين وعقص الشعر وتقليم الأظافر وتدريمها. وكشف الصدر وتحريك الخصر لمن قرصت أو قرزت أو مرصت أو مرزت أو غمزت. والحقي به أيضاً العُقْر وبيضة العقر والاختفاض والإهتجان وغير ذلك.

стр. 241

قال فما كدت أتمّ كلامي هذا الوجيز حتى استشاطت غيظاً وأحرنفشت. ثم قالت لقد أبسلك إلى التهلكة مقولك وفضحك عندي وعند الناس فضولك. من أين علمت أنهن لا يغنجن، إذا خُلجن. ولا يرقصن، إذا قُرصن. ولا يستعملن الضياق والفرم، إذا كان الفلهم ذا لهم. أو إذا كان قوأبا، ذا بقبقة مقبقبا. أو إذا كان العفلق، يسمع له جلنْبلقَ. والحُنُق أحب إلى الهُقُق لولا إنك جربت منهن ذلك. قلت هذا أمر شائع مستفيض نبهُ مشهور منوه به ذو دالة وبُثْلة وتشرير لا يخفى على أحد. فهو كقول القائل السماء فوقنا والأرض تحتنا وهو عند النحاة ليس بكلام أف تغضبين مما لا يصح أن يسمى كلاماً. قالت مالي وللكلام إنما غضبي عن الفعل. إنك عندي قوّال. وعند غيري فعّال. ما هذه صفة المتزوجين. ما هذا شأن المحصنين. يا للعجب أنت لا تستحي أن تطلب. وأنا أستحي أن أطلب. إلا ليت قاضياً يقضي بين الرجل وامرأته حتى يبين للناس كافة من الظالم والمظلوم منا قلت فقولي إذا ليت قاضية. لأن القاضي من حيث كونه والحمد لله ذكراً يحكم للرجل على المرأة. قالت بل الأمر بعكس ذلك فإن القاضي لا يرى الحق إلا للمرأة على الرجل ولا سيما إذا جاشت إليه وأجهشت وكذا كل رجل إلا نفسه قلت لله درك من امرأة خبيرة بأمور الرجال ومن رجل خبير بأحوال النساء. أني على مذهب سيدنا القاضي فأني كنت أحضر خصام رجل وامرأة وأرى الرجل منتوف اللحية مخرق الجيب ما كنت لأنظر إلى المرأة إلا نظر المبرّي. ولا سيما إذا أجهشت فكنت أود لو أفديها بروحي. ولكن رويدك لا تزبئري ولا تزمخّريولا تجذئري ولا تجظئري ولا تحزئري ولا تقدحرّي. إني لم يبق لي الآن إلا النظر فأما التفدية فلا حكم لي اليوم على نفسي. ولكن أخبريني ما هذه الخصلة الغريزية فيكن معاشر النساء. إنكن تبكين وتضحكن أيان شئتن من أي شي كان. ونحن معاشر الرجال لا نبكي إلا منكن ولا نضحك إلا لكنّ ومن أجلكن. قالت سبب ذلك هو كون النساء أرق طبعاً وأكرم خلقاً. وأدق فيهما وألطف تخيلاً. وأرأف قلباً وأحنى فؤاداً وألين جانباً وأسرع سمعا ونظراً. وأنفد فكراً وأعجل تأثراً. وأخف يداً وأعلق بالدنيا والدين. وأقبل للتلقين وأبدر إلى الرسيس. وألقف للعلق النفيس. قلت مهلاً مهلاً. وأروق بالاً. وبعالاً. قالت وأبلغ حِيَلا. قلت وتململا. قالت وأوفى صلة وغربلة قالت وأعجل الطافا. قلت وإيغافا. قالت وأكثر ترفقاً. قلت وشبقاً. قالت وأوفر كرماً. قلت وغلماً. وقالت وأطول حبّاً. قلت وقنباً. قالت وأبقى وجداً. قلت وزرداً وعصداً. قالت وأشهى عتاباً. قلت وقراباً. قالت وأبدع شمظاً. قلت ولمظا. قالت وأرخم منطقاً قلت وحمقَاً. قالت وأسبق شعوراً. قلت وشغوراً. قالت وأحلى تحدثاً. قلت ورفثاً. قالت وأغرب رتَلا. قلت وعَفْلا. ثم قلت قد كان حديثك أولاً في الحقائب بما يذهب بصبر أيوب. وينزّي المثمود والمنجوف والمنجوب. والآن أخذت في تفضيل النساء على عادتك وفي تعداد محاسنهن وستنتهين إلى كشف المغطى منهن. فهل تريدين أن أقدم على صاحبنا مجنوناً أو ذا لمم فتفسد ترجمة الكتاب. قالت أن كنت تجن هنا فلا يكون لك في البيت قرصعة كما في الشام. فإن المجانين الذين هم في بيوتهم هناك أكثر من الذين هم في أديار الرهبان. قلت لعل ذلك هو الذي أغراك بهذا التشويق المعذب. فكفّي عن هذا الحديث الملهب المحرب. بحق من أعطاك هذا اللسان الذَرِب وتأهبي للأشخاص إلى من يكون عنده شغلي. قالت أليس هو بلندن. قلت لا بل هو في الريف. قالت ويلي على الريف. وعلى الفلاحين من يطيق السفر من هذه المدينة ليسكن بين الهمج فإن الفلاحين في جميع البلاد سواء. قلت ثم ننتقل من هنالك إلى مدينة غاصّة بالرجال قالت فيها رجال بلا نساء. قلت بل فيها نساء. وإنما هن قليلات بالنسبة إلى كثرة الرجال. قالت أن القليل من النساء كثير. ثم إنهما سافراً في غد ذلك اليوم وإذ كانا سائرين في درب الحديد ذكر المنبّه اسم القرية التي يقصدانها فلم ينتبه الفارياق لاشتغال باله بتلك المساجلة. حتى إذا ساراً طويلاً وسأل أحد السكوت عن رحلته قال له قد فاتتك. فخرج حٍ وهو آسف على غفلته عن تذكير المنبّه. وما بلغوا القرية إلا بعد مشي مسافة طويلة وتعب كثير.

стр. 242

"تنبيه دروب الحديد في بلاد الإنكليز مثل خطوط الكف يسير فيها المسافر إلى أي موضع شاء طولاً وعرضاً شرقاً وغرباً" ترجمة ونصيحة ثم لبثا في تلك القرية وشرعت الفارياقية في تعلم لسان القوم. فقال لها زوجها ذات يوم أني أريد أن أنصح لك في أمر يختص بتعلم هذه اللغة الجليلة. قالت هات ما عندك فهي لعمري أول نصيحة خرجت من فمك إلى مسمعي. قال ومن قلبي أيضاً. قالت قل. قال من شأن المبتدئين بعلم اللغات الأجنبية أن يتعلموا بادئ بدءٍ ما يؤول إلى جسم الإنسان من العروق والعضلات والربلات إلى آخره. قالت قد لحنت ما تعنيه فما هذه بنصيحة. قال فقلت سبحان الله خُلق الإنسان من عجل. إنما أريد أن أقول لك أن من شاء أن يتعلم هذه اللغة ينبغي له أولاً أن يبتدئ بأسماء من في السماوات لا بمن على الأرض. فإن القوم يتظاهرون بالتقوى والصلاح. حتى إن البغيّ منهم تجأر وهي مستلقية بالدعاء مرة وبالرَفَث أخرى. قالت وقد قلقت أو هنا بغايا؟ قلت لا فإن أهل القرى الصغيرة في هذه البلاد يتزوجون كسائر الناس ولا يمكنهم السفاح. ولكن المراد أن أقول أنهم جميعاً يبدون التورّع. فلا ينبغي الآن والحالة هذه أن تسألني الربلات. وستعرفين ذلك كله بعد قليل. بل لا ريب عندي في إنك تعرفينه دون معرّف محفّظ وذلك بطريق الافتخار أو الإلهام. فأن لقنَك وحدّة ذهنك وقوة قريحتك يسهّل عليك كل أمر عسير. قالت لعمري لو كان مثل هذا الكلام نصيحة لكانت الحكمة أرخص ما يكون. أناشدك الله كم بلغت من السنين. قلت ما هذا الاستفهام عقب هذا الكلام. قالت أي فصل هذا الذي نحن فيه. قلت فصل الخريف. قالت فالذنب إذاً على الفصل. قلت أتزعمينني قد خرقت. قالت وإلا هذا القول الذي زحرت به وتحسبه نصيحة. قلت افعلي ما بدأ لك فلقد وعظت من لم يتّعظ وزجرت من لم ينزجر. ثم لما مضت أيام جاءت ذات غداة تقول للفارياق. ألا ما أحسن هذه اللغة موقعاً في السمع والخاطر وما أخفها على اللسان. فلقد حفظت اليوم منها بيني شعر من دون تكلف غير إني لم أفهم معناهما. فهل لك أن توقفني عليه. قال أهلاً بك إليه أن شئت الآن فأبرقي حتى أمطر. قالت أي لُقَعة أنت ما عنيت إلا المعنى قال فقلت وما المعنى إلا ما عنيت فإني أعلم عين اليقين إنك لم تضمري غيره أنشديني ما حفظت فقالت: Up up up thou art wanted She is weary and tormented Do her justice she is hunted By her husband she has fainted. أب أب أب ظاو آرت وانتد ... شي إز ويري أنْد طرمانتِد دُهَرْ جسْتس شي إز هنتِد ... بي هر هَزْ بَنْد شي هَز فانتِد فقلت أن الشاعر هنا يشكو من شطط امرأة عليه. ولكن لست أدري أية امرأة هي فيقول ما معناه تبغي لكاعي سدّ سمّيها معا ... إذ يفتح الثاني لسدّ الأول كالإذن أن أحكّت تهيج أختها ... وتظل هائجة إذا لم تفعل

стр. 243

فتمعّر وجهها غيظاً وقالت ما هو إلا تقوّل منك. فإنكم معاشر الرجال أبداً لهجون بالسدّ. فقلت كما أنكن معاشر النساء أبداً لهجات بالفتح. قالت أن القوم لا يقولون هذا الكلام وليس في أشعارهم هُجر وفحش كما في أشعار العرب قلت أليست أجسامنا وأجسامهم سواء. قالت الكلام هنا على الكلام لا على الأجسام. قلت من أين يأتي الفحش إلا من الأجسام. فحيثما وجد الجسم وجد منه الفعل. وحيثما وجد الفعل وجد عنه القول. هذا دين سويفت مع أنه كان في درجة هي دون درجة إلا سقف ألّف مقالة طويلة في الأست. وكذا استرن فإنه كان قسيساً وألّف في المجون. فأما جون كليلاند فإنه ألّف كتاباً في أخبار فاجرة اسمها فني. هل جاء فيه من الفحش والمجون بما فاق به ابن حجاج وابن أبي عتيق وابن صريع الدلاء ومؤلف كتاب ألف ليلة وليلة. فمما ذكره عن فحش أهل لندن أن زمرة من أعيانها كانوا قد انشئوا ماخورا جمعوا فيه عدة زواني. وكان بعضهم يفجر ببعضهن بمرأى من الباقي مناوبة. وأول من نهج طريقة المجون فيما أظن كان ربلي الفرنساوي المشهور وهو أيضاً من أهل الكنيسة. قالت ألم تقل لي آنفاً إنهم متلبسون بالورع والتقوى؟ قلت بلى ولم أزل أقول غير إن هذا التلبس قد جرى عندهم مجرى العادة. فإن الملّبس عليه يعلم ما أنطوي عليه الملّبس. ليت شعري لو أن أحداً لبس مثلاً عشرة أثواب ليوهم الناس إن ليس له قبل ولا دبر أفيخفي علم ذلك الناظر. قلت لا فإذاً هم مدهونون بالدهان. قلت نعم هذا النوع ينمي في هذه الأرض كثيراً. فتأوهت وقالت ويلي على المداهنين. كيف أطيق عشرتهم وأنا كسائر أهل بلاد المشرقية منبسطة النفس واللسان. لا اكتم ما في صدري عن عشيري. قلت إياك وذلك. وإنما ينبغي لك التكتم والتحرز دائماً. وإياك أيضاً والإهزاق فإن ضحك القوم أهمات وغت وإِهلاس وإِهناف وإِرتاء وانتداغ وارتاك وزقزقة وهرنفة وانتاغ وهنبصة. وإلا فكوني من التاغيات. قالت كيف تأمرني أن أكون من الطاغيات. وأنت لا تزال تشكو من النساء طرّا حتى من العادلات. قلت بل المراد أن تغالبي الضحك يقال تغت الجارية- فابتدرتني وقالت يكفي يكفي ما أريد أن تذكر لي الجارية ولا الجارة. قلت نعم وأكلهم نأج وتدلس وتوجُّس وهَمْس ومَدش وتبرض وهرمزة ومطع وتذوق وتطعم وتغذم. وشربهم غنثرة. ولماظ وترشف وتزحن وتزنح وترنح وتقنح وترمق وتمقمق وتمزز وتمزر وتمصص. ومتى تكلمت يجب أن تغضي طرفك وتخفضي صوتك وتبدي غاية ما يكون من الترزن والتوقر والتحرز والتحذر. والتظرف والتكيس. والتلطف والتنطس. والتأدب والتخضع. والتعزف والتخشع. والتخفر والتقزز. والتعوذ والتعزز. والتنزه والتقوش. والتمنع والتجهش. والتنسك والتنقع. والتأوّه والتنطع. والتجوب والتذمم. والتحرج والتأثم. والتحنث والتحشم. والتدلس والتكتم. والتخنث والتأنق. والتودد والتملق. والتحسب والتحري. والتوقي والتحشي. والتوخي والتخشي. والتبري والتذكي. والتحذلق والتحصي. والتوقف والتحمي. والتصلف والتكلف. والتأسف والتلهف. والتجشف والتحنف. والتعفف والتأنف. والتخيف والتخوف. والتنطف والتنظف.

стр. 244

فقالت ويك ويك ما هذا لعلك أتيت بي هذه البلاد لتسبكني وتصوغ مني امرأة أخرى. قلت فديتك فأسمعي ولا يكن كلامك في هذا الفصل من السنة إلا إِخفاساً أي قليلا. وفي الفصل القابل تزيدين عشرين في المائة. وإن حدثك رجل أو امرأة وجب عليك أن تستحسني المحدث وتحبّذيه عند ختام كل جملة. وتؤمني له وتهيمي أي تقولي له آمين آمين بسْلا بسلا. وتنعميه أي تقولي نعم نعم. وتبجليه أي تقولي بجل بجل. وتوجليه أي تقولي أجل أجل وتبسليه أي تقولي بسل بسل. ولا ينبغي لك في يوم الأحد أن تطبخي شيئاً وإنما نأكل مما فضل من يوم السبت بارداً كما تفعل اليهود. لأن الطعام الساخن يسخن الدم ويهيج الحرارة. ولأن سيدنا موسى رجم رجلاُ وجد يجمع حطباً في السبت ولا ينبغي لك الحركة في يوم الأحد. أيّة حركة كانت الحنت ذلك. قالت لحنت. قلت لا ولا ترفعي فيه الستائر عن الشبابيك لئلا يراك الناس فيكون ذلك باعثاً أيضاً على الحركة. الحنت هذا أيضاً. قالت وقد لحنته وزكنته. وفهمته ولقنته. وعلمته ودريته. وأدركته ووعيته. ولكن ما سببه وهذا اليوم عندنا يوم الفرح والسرور. والتزاور والحبور. قلت أنهم يموتون فيه لكون سيدنا عيسى أُنشر فيه من الموت. ثم أن عليك أن لا تفتري من ذكر يوم السبت أي الأحد. فإن المسمى قد يتغير بتغير اسمه. وذلك بأن تقولي مثلاً ما كان اشرف السبت الماضي وما أجلّه. من لي بالسبت القابل حتى أخلو فيه مع ربي. يا ليت كل يوم فيه ساعة من ساعات السبت أن يوم السبت ليوم عظيم. مهيب كريم. جليل وسيم. كيف كان الناس يعيشون ولا سبت لهم. كم من سبت في السنة. وكم في ساعات السبت من دقائق. وكم في دقائق السبت من ثواني. إلا ما أبهى شمس وقمره. وغلسه وسحره وأزهاره وأطياره. وحره وازمهراره. وإذا أنكرت فعلة من فعلاتهم فأياك وأن تذكريها لهم. وأطرئي ما أمكن على عاداتهم وأطوارهم ومعالمهم ومشاعرهم ومآكلهم ومشاربهم ومآدبهم وملابسهم. وعلى طول أظفارهم وأظفارهن وعلى عظم مرافدهن وعلى تفتيل سوالفهن. وعلى المنفش من شعرهن أعني على قُذلهن. وعلى كشف أدبارهم للاصطلاء. وكلما رأيت شياً في بيوتهم من إناث وغيره فاستحسنيه وأعجبي به فقولي وأنت مدهوشة. آه ما أجمل هذا. آه أجمل ذاك. ما أبهى هؤلاء آه ما أملح تلك إلا ما أذكى مراحيضكم. وأشذى بواليعكم وأنقى مرافقكم. وأنقى مثاعبكم. وأنظف أعتابكم ووصدكم. وأبهج نفقكم وسرَبكم. فهذه هي الذريعة التي يتذرع بها الغرباء هنا لاستجلاب مودتهم وكب رضاهم. وأعرف كثيرين قد استعملوها ونجحوا بها ثم ينبغي لك إذا دعينا إلى وليمة عند أحد أكابرهم أن تأكلي هنا من قبل أن تذهبي. فإن المدعوين لا يأكلون عند آدبهم حتى يشبعوا ولكن يشبعون حتى يأكلوا. وكما أن أدب الأدب عندنا أن يغصب ضيفه على الأكل ويحلفه برأسه ولحيته وشواربه أن يأكل فخذ دجاجته أو ست كُبيبات أو يلقمه إياها في فمه. كذلك كان أدب الأدب عندهم أن يراعي حركات فم الآكل ويديه ليعلم هل هو سرطم أو ذو لقف ونقف. وكلما تحرك فم أويد على المائدة- قال فابتدرتني وقالت وخصر. قلت وكفل بل أي عضو كان. وجب عليك أن تقولي لذي العضو المتحرك أنت مشكور على ذلك. أنت ممدوح. أنت محمود. أنت مفضل. أنت محسن. أنت برّ. أنت ذو منّة وما أشبه ذلك مما يؤذن بضعة المأدوب ولمده وحقارته أهوانه وذلّه وخساسته وهطرته وكَفْره وتسكسه. في مقابلة رفعة الأدب وعظمته وجلاله وأبهته وشرفه وكرمه وبذخه وعزّته. والحذر الحذر من أن تمدي يدك إلى زجاجة الخمر أو إلى جفنة الطعام فتأخذي منهما ما شئت. فإن ذلك يكون انتهاكاً لحرمة المائدة والمجلس والقرية بل وللملكة بأسرها. وإنما ينبغي أن تنتظري من كرم الآدب إن يوعز إليك في ذلك. وإذا قدم لك بضعة من أرنب قد خنق مذ شهر وعلّق فيالهواء حتى انتن فأثني على الأرض التي نشأ فيها جنس هذا الحيوان النفيس وعلى خانقه وطابخه. وإذا رأيت شيخاً ذا وقار وهيبة يخدم عجوزة فلا تنكري ذلك كما أنكره بعض الشعراء المفرّكين بقوله ورُبَّ عجوز تحاكي السَّعالي ... تشير وتنهي وتأمر أمراً يقابلها شيخها بامتثال ... ويسعى لخدمتها مستمرّا وتقعد تحكي كلاماً سخيفاً ... ومستمعوها يقولون سحراً تقول بداري كلب وهرّ ... وللهرّ ذعر إذا الكلب هرّا

стр. 245

ويرقبني الهرّ إن كنت آكل ... يُمني ليمني ويُسري ليسري وبنتي ليزا تؤاسيه مما ... لديها فمنها يلازم حجراً وقد كان عندي من قبل جرو ... تلوّن بطنا وصدراً وظهراً وكنت عليه لفي غاية الحر ... ص اسقيه ملء كؤوسي درّا فجاءت عزيزة قوم إلينا ... فرامته مني والعين شكري وكان ينام على فخذيّ ... ويلحس رُغفي إذا ما اسبطرا وكان فلان أتاني عام كذا ... بُجريّ فما عاش شهرا وتسأل أن تنس تاريخ ... ذاك النهار المعظم زيداً وعمراً إلى أن قال. فأما النساء فمما اختصصن ... به أكل ما أشبه التين نحراً ويأكلن والراح منهن بالجلد ... مستترات ويمضغن سرّا وتسمع للشاي قرقرة من ... معاهن تحكي هنا قرَّ قرّا وتأخذ في صحنها بالمشكَّة ... قدراً من اللحم يشبه ظفراً فتعلكه برهة من زمان ... ليمرأ من بعد أن يتهرّا وزوج المضيف تقول له خذ ... عزيزي مما أمامك وَزْرا فيشكرها ويقول لقد ... كثر الفضل منك عليّ ودرّا وتجلس تقسم أكل الضيوف ... فتعطيك من ذاك نزرا فنزوراً وفي كل نزر تنال تطأطئ ... رأسك رغماً وتشكر شكراً وإن يك لونان قالت لك اختر ... نصيبك مما هنّا وتحرّا كان لم يجز بين ذينك جمع ... كأنك ناكح أختين تترى فقالت هذا تكليف فوق الطاقة فما أنا بالذائقة عندهم شيئاً ولو كان المنّ والسلوى. قلت ومع ذلك فهم ذوو محامد شهيرة. وفضائل كثيرة. ليست في غيرهم من الإفرنج منها إنجاز الوعد وصدق الوفاء في الحضرة والغيبة. وتوفية أجر من يعمل لهم ومراعاة حرمته أي إكرامه لا أنهم يعفون عن زوجته. قالت لا تتكلف التفسير فما ذلك بشذوذ عن القاعدة. قلت ومنها إنهم قليلو الكلام كثيرو الفعل. حسنو المعاطاة للأمور بالترتيب والسياسة. والرشد والكياسة. ومن يأت إلى بلادهم فلا يسأل عن جواز ولا إجازة. ولا يهمه أن كان جاره قاضي القضاة أو وزير الوزراء أو شرطياً أو جلوازا. ولا يخاف أن يسكن داراً أو يدخل مثابة فيها بعض الشرطة فيرهقوه بكلام ونحوه مما يكون سبباً في سجنه أو غرامته فكل الناس في الحقوق البشرية عندهم متساوون. هذا وانهم يحبون الغريب ما خلا أوباشهم. ويشفقون على الفقير ويغيثون المحتاج. ويكرمون ذوي السيادة والمجد ويعرفون قدر ذوي العلم. ويعينون على إدراك العلوم والمعارف في البلاد الأجنبية. وعندهم جمعيات منعقدة لإجراء كل نفع وخير. وإزالة كل شر وضير. وكثير من الأطباء هنا يداوون المرضى مجاناً ما عدا المستشفيات المبثوثة في كل قطر وصقع من بلادهم. ومن ينزل نزلاً لديهم أو يستأجر غرفة في منازلهم فإن صاحبة المنزل تؤانسه وترفق به وتحفه وترفه وتمرضه. وتدعوه إلى مسامرتها ومجالستها من غير أن يستاء زوجها لذلك. وإذا اتفق وقتئذ أن زارها بعض معارفها تعرّفهم به وتنوه باسمه. وإنه إذا قدم إلى بلادهم أحد بكتاب توصية احتفل به الموصَّي إلى منزله وجعل اسمه نضبَها عند إخوانه ومعارفه. ولا يدع شيئاً في وسعه إلاّ ويبذله لراحته ورفاهيته ونخله له الود والنصح حاضراً وغائباً. فرُقعة وصاة بيد صاحبها تفيزه عندهم بأب وأم وأهل وأخوان. وفي الجملة فإن كفة محامدهم ترجح كفّة مذامهم. وليس الكامل إلا الله وحده . وليس شيء من هذه المزايا الحميدة موجوداً في غيرهم من الإفرنج لأن غيرهم محاحون ملثيون مراوغون، ذوو أيادي مغلولة والسنة مطلقة. فهم ليسوا كل صحابنا في الرشد والاستقامة ولا مثلنا في الأنس والكرم. قالت قد فهمت هذا كله فينبغي أن نعود إلى تفسير البيتين بشرط أن لا تأتي بشيء من عندك فإني أعرف تزيدك في الكلام. قلت كأنك تقولين إني ذو فضول غير فعول كما ذكرت ذلك غير مرة. قالت إذا كنت قد الفته فما يضرك الآن وإلاّ فعدّها فلتة. قلت دونك تفسيرهما من دون تزبّب. قم عجلاً قم سؤلي عندك ... وأبلغ إربا منها جهدك فلقد ضجرت ولها بعل ... يبغي أن يعسلها بعدك فقالت أنت قلت إن الشاعر يشكو من امرأة وهاهو يشكو من نفسه. وليس المرأة بملومة على ضجرها في مثل هذه الحال. قلت لمثلك تلقى مقاليد الشرح. قالت ومنه يرجى تخفيف البرح. خواطر فلسفية

стр. 246

ثم لما مضت مدة على الفارياقية في بلاد الفلاحين حيث لا أنس للغريب ولا حظ غير خضرة الأرض عيل صبرها وضاق صدرها وعرتها السآمة والقلق. فقالت لزوجها ذات يوم: يا للعجب من هذه الدنيا ومن أحوالها. واعجب ما فيها هذا الحيوان الناطق الماشي على ظهرها كف تمر عليه الليالي والأيام والأماني تغره. والآمال تشغله وتعلله. وكلما جرى وراءها ليدركها تقدمته وبعدت عنه كظله. وكل يوم يحسب إنه في يومه أعقل منه في أمسه. وإن غده يكون خيراً من يومه. قد كنت احسب ونحن في الجزيرة أن الإنكليز احسن الناس حالاً. وانعم بالاً. فلما قدمنا بلادهم وعاشرناهم إذا فلاّحوهم أشقى خلق الله. انظر إلى أهل هذه القرى التي حولنا وأمعن النظر فيهم تجدهم لا فرق بينهم وبين الهمج. يذهب الفلاح منهم في الغداة إلى الكد والتعب ثم يأتي بيته مساء فلا يرى أحداً من خلق الله ولا يراه أحد. فيرقد في العشاء ثم يبكر لما كان فيه وهلم جرا. فهو كالآلة التي تدور مدارا محتتنا فلا في دورانها لها حظ وفوز ولا في وقفها راحة. فإذا جاء يوم الأحد وهو يوم الفرح واللهو في جميع الأقطار لم يكن له حظ سوى الذهاب إلى الكنيسة. فيمكث فيها ساعتين كالصنم يتثاءب ساعة ويرقد أخرى ثم يعود إلى بيته. فليس عندهم مثابة ولا موضع للسمر والطرب. وليست أيضاً عيشة المتمولين في الريف بأنعم من عيشة الفلاحين إذ لا يعرفون من المطاعم غير الشواء وهذا القلقاس. ولكن هيهت أين المتمولون في القرى فإنك لا ترى فيها مثريا إلا القسيس وخولي الأرض وهو الذي يضمن المزارع والحقول من مالكها. وهما أيضاً بمثابة الفلاحين.

стр. 247

ومع ذلك فإذا دخلت قصور الملوك وطفت في أسواق المدن وعاينت ما فيها من الصنائع البديعة والتحف العجيبة والآلات الظريفة والفرش النفيس والثياب الفاخرة والأواني المحكمة ولا سيما مدينة لندن، علمت أن صناعها هم القائمون بالدنيا وهم منها محرمون فإن دأب الصانع كدأب الفلاح من جهة إنه يشقى ويكدّ النهار كله ولاحظ له في الليل سوى إغماض عينيه. فكيف يزين هذا الصنف من الناس هذه الدنيا ويبهجونها ويعمرونها وهم عطل عنها ومحدودون منها. والمترفون فيها لا يحسنون عمل شيء وربما لم يكونوا أيضاً يحسنون الكلام. وإذا كان الناس عباد الله في أرضه على اختلاف أحوالهم ومراتبهم هم كالجسم الواحد باختلاف ما فيه من الأعضاء الجليلة والحقيرة فلم لا يجري العدل بينهم كما يجري بين الأعضاء. فإن الإنسان إذا أكل شيئاً أو لبس شيئاً فإنما يفعل ذلك يفعل ذلك لإصلاح الجسم كله. أم يزعم المثرون إذا وسعوا على هؤلاء الضناك الصعاليك. ونفّسوا عنهم الكرب الذي يكابدونه من جهد المعيشة ومن عدم قدرتهم على تربية أولادهم أنهم يحملونهم على إهمال شغلهم وعلى تركهم الأرض بوراً فتتعطل وتمحل فيهلكون جوعاً فما بال ذي الدولة إذا يولي المبالغ الجسيمة والجوائز الجزيلة لمن يقلده عملا ويرقيه مرتبة ولا يخاف أن يفسد عليه بكثرة ما يعطيه. لا بل أن الفقير إذا كفاه واليه أو سيده المؤونة وهو شيء بالنسبة إليه هيّن فإنه يؤدي ما يجب عليه من الخدمة والعمل عن طيب نفس. ويدعو له بزيادة الخيرات والبركات بدل ما إنه يبيت الليالي شابحا يديه بالدعاء عليه لتيقنه إن حقه ضائع عنده وأن هزاله وضواه ذاهب في تسمين غيره. وفي حمله على البطر والعتو واقتناء ما لا تلزم قنيته من الخيول المطهمة والمراكب النفيسة والأثاث المنضد. فيأكل الغني لقمته والحالة هذه مغموسة بدعاء الفقير عليه. أم يحسبون أن الله تعالى إنما خلق الفقراء لخدمتهم فقط. لعمري أن حاجة الغني إلى الفقير أشد حاجة الفقير إلى الغني. أم يأنفون من النظر من مقامهم الرفيع السامي إلى ذوي الضعة والخمول خشية أن يسري إليهم من بؤسهم ما يسوءهم. كمن ارتقى شرفاً باذخاً وتحتح هوّة عظيمة فهو يأبى من أن يتطأطأ وينظر إليها لئلا يلحقه من ذلك دوار أو غشيان فيهبط من شرفه. ليت شعري هل جرب الأغنياء حينا من الدهر أن يسعدوا الشقي بمالهم. وينعشوه برفدهم. ثم وجدوه مقابلا نعمتهم عليه بالكفران والبطالة وبإهمال ما فرض عليه من قبل الله والطبيعة. وإنما هو محض وهم دخل في رؤوسهم مع الرحيق فخرج هذا ولم يخرج ذاك. ألا فليمكنوه من أن يذوق لذة العيش ويرى الدنيا كما هي عليه شهراً واحداً في عمره في الأقل أو يوماً في العام حتى يموت راضياً قرير العين. وإذا كانوا يخشون منه الفساد لكسله وتعطله. فخوفهم من فساد نيته لفقره ومن كراهته إياهم أولى. لأن الشقاوة ادعى إلى الفساد من السعادة.

стр. 248

إلا ترى إلى هؤلاء الألوف من البنات اللائي يجرين في أسواق لندن وجميع المدن العامرة بأخلاق من الثياب، كيف يتهافت على الرائح والغادي رجاء أن ينلن ما يتقوّتن به ويتجملن به من الثياب. ولا سيما هؤلاء النواشي اللائي لم يبلغن بعد عمر خمس عشرة سنة. فهذا لعمري الاهتجان بعينه. فكيف يعيبون علينا هذه العادة في بلادنا وهي مستعملة عندنا على وجه الحلال وعندهم بالحرام. فلو كنّ مكفيات المؤونة لما فعلن ذلك. لأن البنت في هذا الحدّ من السن لا تكرع إلى الرجال. ولا تبضع للبعال. ولا سيما في البلاد الباردة. ولسلم من كيدهن وتهافتهن جشعاً إلى المال أناس كثيرون جلب عليهم شرههم إليهن مضارّ كثيرة. وماعدا ذلك فإن هؤلاء البنات الحسان لو كانت الدولة وأهل الكنيسة يُعنون بتجهيزهن بما يقدرن على الزواج الشرعي بعد تربيتهن وتهذيبهن، لكنّ يلدن الأولاد الصباح فيزين المملكة بإثمار أرحامهن كما تقول التوراة. بخلاف ما إذا بقين على حالة السفاح فما يتولد منهن إلا الخبائث والرذائل. فهن كالشجرة الناضرة التي فضلاً عن كونها لا ثمر تلثى بالسم الناقع لمن تذوقها. وكم لعمري من بنت حبلت أوّل مرّة من مبادئ شوطها في ميدان العهر. ثم أسقطت جنينها خوف الفقر. وأن منهن لمن تلد في طرق المدينة في ليالي الشتاء الباردة لعدم مأوى لها. أو أنها تبيت مع بنت أخرى على فراش واحد وهي عادة مستفيضة في لندن. وذلك لعدم قدرتها على أن تستقل بفراش وكنّ خاصّ بها. فلا تأمن والحالة هذة من أن يلحقها أذى من ضجيعتها ليلاً. نعم أن أولاد الزنا يأتون في الغالب شياظمة جبابرة كيفتاح الجلعادي الذي حلّ عليه روح الرب فأنقذ إسرائيل من بني عمون. وكوليم الفاتح الذي فتح هذه البلاد أي بلاد الإنجليز. إلا أن النفع الأكثري مع الاقتصاد والاعتدال أحق بالمراعاة والتقديم من النفع ألا ندريّ مع الإسراف والأرغال أليس يعاب صاحب أرض أريضة يغادرها بوراً ومتمرغاً للوحوش. أو صاحب أشجار مثمرة يتركها دون سياج ولا ناطور عرضه لهم كل متفكة.

стр. 249

نعم لا ينكر أن وجود الغني والفقير في الدنيا لا بدّ منه كوجود الجميل والقبيح. ولولا ذلك لوقف الكون عن الحركة وتعطلت المصالح كما أفاده المتكلمون. إلا أن الكلام هنا في الفقر الذي لا يقال فيه أنه عيش مؤدّ إلى الشره والبطر. لا في الفقر المدقع الذي يلقي الهموم والأحزان الدائمة في قلب صاحبه. فيفضي به مرة إلى الانتحار ومرة إلى الإغراق أو الخنق كما شاع فعل ذلك في هذه البلاد. أليس من العار على الرجال في هذه الأرض ارض العلوم والصنائع والتمدن والتحضر انهم لا يتزوجون المرأة إلا إذا كان عندها الجهازان. وأقبح من ذلك أن الكبراء هنا لا يتزوجون عن حب بل عن طمع في زيادة المال. فإن من كان دخله مثلاً مائة دينار في كل يوم يريد أن يتزوج من دخلها مائة دينار أيضاً تماماً. ولو كان تسعة وتسعين لم يصح. ولذلك فكثيراً ما ترى شاباً جميلاً قد تزوج نصفاً شوهاء. وهيهات فإن الرجال هنا أكثرهم مصاييف. أي لا يتزوجون إلا إذا دخلوا في حّيز الكهول فيقضون شبابهم في السفاح ومن حدّ الثلاثين والأربعين في البحث عمن عندها جدة وغنى. وتبقى الجميلة الفقيرة كاسدة وما عليهم من الاصافة من عار. مع مراعاة الولد في حق الزوجية من اعظم الأسباب الباعثة على الزواج على ما ذهب إليه الربانيون. وإن يكن توزيع الولد يتمّ بمرة واحدة في مدة تسعة أشهر. أعني أن أولاد النصف الشوهاء لا يأتون صباحاً أصحاء كأولاد الفتيّة الجميلة. وفضلاً عن ذلك من تزوج وهو في سن الثلاثين سنة مثلاً امرأة في سن ثماني عشرة فمتى بلغ الخمسين وكانت امرأته بعد لفوتاً متلعجة كان له من ولده رقيب عليها. فلأي شيء زيادة المال لمن أغناه الله بفضله. ومن يكن له في كل يوم مائة دينار فما الفرق بينه وبين من له خمسون أو عشرون. فإن من لم يكتف بهذا القدر لم يكفه ملء الأرض ذهباً. هذا وإن المرأة إذا كانت غنية فلا بدّ وأن يتبع غناها عناء. لأنها تتعمدّ حٍ الولائم والمآدب والمحافل وأن تزور وأن تزار. وأن تتخذ لها من الخدام من تقر عينها بترارته وبضاضته.. وكلما اختلج منها عضو تمارضت وتوحمت على السفر أو الأرافة. وهناك حالة كون زوجها فائر الدماغ بالأمور السياسية أو البواعث المالية ي مقره تخلو بمن تخلو وتلهو بمن تلهو. وبيد خادمها من الدينار ما يعمي عينيه ويصمّ أذنه ويقطع لسانه. أليس هؤلاء الأغنياء يُمنون بالأمراض والأدواء كالفقراء. أليس الموت يفاجئهم وهم في غمرة لذاتهم منهمكون. وإن كثيراً منهم لسرفهم ورغبتهم ونهمهم وفسادهم واستهتارهم في الشهوات يموت عن غير ولد. أو أنه إذا رزق ولداً يعيش ما عاش ضاوياً نحيفاً شقوة له وكمدا على أبويه. وقد قال أحد مؤلفيهم أن من ترى من أولاد الأعيان والأمراء هنا تاراً قوياً فإنما هو من إِلقاح بعض الحثم. وترى أولاد الفلاحين صباحاً أقوياء الرطب واليابس. ولعمري لو لم يكن لهم هذا الجزاء من الله تعالى أي رؤية أولادهم حولهم معافين محببين لكانوا في عداد الموتى. كيف بُني هذا العالم على الفساد. كيف يشقى فيه ألف رجل بل ألفان ليسعد رجل واحد. وأي رجل. فقد يكون له قلب ولا رحمة. ويدان ولا عمل. ورأس ولا رشد ولا نهية. وكيف يقع هذا في البلاد التي ضربت بعدلها الأمثال. لا جرم أن فلاح بلادنا اسعد من هؤلاء الناس بل التجار هنا أشقياء على غناهم وثروتهم. فإن أحدهم يقضي النهار كله وهزيعاً من الليل واقفاً على قدميه. وقد سألت واحداً مرة فقلت له لم لا تقعد على كرسي وعندك كراسي كثيرة. فقال لي أنها للذين يشرفوننا بالزيارة ليشتروا من عندنا. فإذا قعدت مثلهم صرت منهم. فأما في يوم الأحد فيلبثون خدري الأبدان والأفكار. سدري البصائر والأبصار فأين هذا من التاجر عندنا يعقف إحدى رجليه على الأخرى بعض ساعات على أريكته. ثم إِذا حان العصر كبّب جبته وراءه وذهب إلى بعض المنازه وهو يمشي الخيلاء. فإن كان التمدن والعلم قد سبب هذا فالجهل إذاً سعادة. غير أن الفلاحين هنا في غاية الجهل زيادة على بؤسهم.

стр. 250

ومن أين يأتيهم العلم وهم ملازمون للكدّ والترقح وليس عندهم مدارس. قد كنت أظن إنهم جميعاً يحسنون القراءة والكتابة فإذا هم لا يحسنون النطق بلغتهم. فإني أقرأ في الكتاب شيئاً واسمعه منهم مخالفاً لحقيقة استعماله. وناهيك أن أكثرهم لا يعرف اسم بلادنا ولا جنسنا. وقد قيل لأحدهم مرّة أن الملك أمر بتسفير خيل في سفن لحرب العدو. فقال أني اعجب كيف يقاتل الناس في البحر على الخيل. وكأني بهم لجلهم يحسبون أن سكان الأرض بأسرها دونهم. أو يظنون أن الرجال في غير البلاد يبيعون نساءهم أو يأكلونهن أكلاً. أو إنهم يتقوتون بالجذور والبقول. ولو إنهم عرفوا أحوال الأمم وخصائص البلدان لعلموا إنه لو كان لهم من لذات العيش أضعاف مالنا مع شدة بردهم ومنكر هوائهم ودكنة جوهم لما وفي ذلك لهم. وإن غناء الصنعة عندهم لا يقوم مقام غناء الطبيعة عندنا من طبيب الهواء والماء وصفاء الجو وزكاء الأرض وعذورها ومراءتها ولذة المطعوم والمشروب والتنزه في الرياض والحدائق. والأكل عند المياه الجارية تحت الأشجار الناضرة والتردد على الحمامات والسهر في السمر واستماع آلات الطرب. يعرف ذلك منهم من زار بلادنا وألف حظنا ونعيمنا. غير أن اللبيب من استخرج من كل ضر نفعاً، وأعتبر بكل ما جرى عليه فاستفاد وارعوى. قد تعلمت الآن مما لقيت من الوحشة في بلادهم كيف أعيش في بلادنا أن رجعت إليها سالمة. وكيف أن الطخطخة والقرقرة والهزر والكركرة والتجلق والهرهرة والأغراب والكدكدة والآهى والهزرقة والأنزاق والزغربة وطيخ طيخ وعيط عيط وتغ تغ وهاه هاه لأفْرج للهم عن القلب من أواني موضونة ومباني مرصونة. فخير البلاد ما ألفت هواءها وألفيت فيها مخلصاً لك ودّه. وكيف يكون خلوص الود من دون كشف السرائر. وكيف تنكشف السرائر وتعلن الضمائر من دون إطلاق اللسان في ميدان الكلام. والقوم هنا يتكتمون ويرون أن في ذكر الإنسان ما يحس به وما يحبه وما يكرهه طيشاً وهوجاً. إنما مثلي كمثل الثعلب الذي كان يسمع لطبل تضربه أغصان شجرة صوتاً عظيماً. فلما أتاه وعالجه حتى شقه وجده فارغاً. لا جرم لا عدت أملك خاطري سمعي. أو كراكب البحر وهو ظمآن يرى الماء حوله ولا يمكن أن يروي غليله منه. إني أرى وجه الأرض هنا أخضر ولكن لا شيء من هذه الخضرة يبيّض الوجه عند الأكل. إذ ما به من الطعب شيء لأن كل ما ينبت عندهم فإنما تغصب الأرض تنبيته غصباً من إفراط التدميل. فلو كان أحد هنا من اللاطة لسألناه عن طعم بقولهم ما هو. هذا ما عدا خلطهم المأكول والمشروب وغشهم وإفسادهم ما من الله تعالى به عليهم سائغاً طيباً. وناهيك أن الخبز الذي هو قوام هذا البدن لا طعم له. فإنهم يخمرونه برغوة نبات ويخلطونه بهذه البطاطا ثم يخفقونه بعد الاختمار خفقاً. فماذا يفيد القائل قوله إني كنت في بلاد الإفرنج وهو لم يجد فيها إلا الوحشة والنكد. بل ذكر ذلك له فيما بعد غصّة. إلى مصر إلى الشام. إلى تونس ذا العام. فهناك تلقى من يزورك أو تزوره. وهناك تلقى البشر دون تصلُّف والفضل دون توقف وتكلف. إلى آخر ما ذكرت لي من التأنف والتأفف. لا يطيب العيش للإنسان إلا إذا كان يتكلم بلغته. ليس العيش بطول الليالي ولا بكثرة الأيام ولا برؤية أرض خضراء ولا بمشاهدة أدوات وآلات. وإنما باغتنام أنس الأحباب. وعشرة ذوي الآداب الذين تصفو منهم السرائر في الحضرة والغياب. وتخلص لك مودتهم في الابتعاد والاقتراب. إنما الدنيا مفاكهة. قال فقلت ومناكهة. قالت ومنادمة قات ومشامة. قالت وملاءمة. قلت ومطاعمة. قالت وملاينة. قلت وملاسنة. قالت ومطايبة. قلت ومراضبة. قالت ومخادنة. قلت ومحاضنة. قالت ومراءمة. قلت ومفاغمة. قالت وملاطفة. قلت وملاغفة. قالت ومخالقة. قلت ومعانقة. قالت ومحاضرة. قلت ومحاصرة. قالت ومباغمة. قلت ومكاعمة. قالت ومعاشرة. قلت ومشاعرة. قالت ومؤانسة. قلت وملامسة. قالت ومساجلة. قلت ومباعله. قالت ومخالطة. قلت ومخارطة. قالت ومطارحة. قلت ومشارحة. قالت ومجارزه. قلت ومراهزة. قالت ومداعبة. قلت ومزاعبة. وهنا كان ختام الملاعبة. مقامة ممشية
следующие страницы →