Полный текст (436 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الوصل الثالث: في بيان مذاهب العلماء وذكر حججهم في دفع
القول بظاهر الحديت:
أ - أما القائلون بضعف رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، فغير محتاجين للجواب عنه.
ب - وكذا القائلون باشتراط المتابع وعدم التفرد، فالحديث فرد لا متابع له في النقص.
ج - وأما الذين يصححون الحديث فطرفان:
منهم من يعتبر الوهم فيه من أبي عوانة، كابن المواق، وغيره. فهم يصححون الحديث دون هذه الزيادة، ويعتبرونها من الأوهام، أو منكرة كما نقل عن مسلم.
ومنهم من يصرفه عن ظاهره بتأويل: كأن يحمل على نقص غسل بعض الأعضاء بالكلية، قاله السيوطي. أو يحمل بأنه ظلم نفسه بما فوتها من الثواب الذي يحصل بالتثليث. حكاه الشوكاني في " النيل ".
قال الشوكاني: وأما توجيه الاعتداء فمشكل.
стр. 177
الحديث الخامس في التيمم إلى المناكب والآباط
وهذا الحديث لست أعرفه في شيء من الكتب المصنفة التي وقفت عليها إلا من رواية ابن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود. ليس هو من غير هذه الطريق.
الوصل الأول: في بيان صحته، وذكر طرقه:
لهذا الحديث ثلاث طرق لا رابع لها:
° الطريق الأولى: وهي التي من رواية ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن عمار.
أ - أخرجها أبو داود قال:
حدثنا أحمد بن صالح، أخبرنا عبد الله بن وهب حدثني يونس عن ابن شهاب قال: إن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، حدثه عن عمار بن ياسر أنه كان يحدث أنهم تمسَّحُوا وهم مع رسول الله ﷺ بالصعيد لصلاة الفجر.
فضربوا بأكفهم الصعيد، ثم مسحوا وجوههم مسحة واحدة، ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى، فمسحوا بأيدهم كلها إلى المناكب، والآباط من بطون أيديهم ".
ب - وأخرجها ابن ماجه مختصرة المتن قال:
حدثنا أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح، ثنا عبد الله بن وهب، أنبأنا يونس بن يزيد. . . فذكر الحديث إلى قوله " بأيديهم " الأولى، ولم يزد.
стр. 178
ج - وأخرجها عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، بتمام اللفظ، ومن طريقه أحمد.
د - وأخرجها البيهقي في السنن، تامة المتن قال:
أخبرنا الأستاذ أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك، أنا عبد الله بن جعفر، ثنا يونس بن حبيب ثنا أبو داود ثنا ابن أبي ذئب عن الزهري عن عبيد الله عن عمار بن ياسر قال:. . . . إن الناس طفقوا يومئذ يمسحون بأكفهم الأرض فيمسحون وجوههم ثم يعودون فيضربون ضربة أخرى فيمسحون بها أيديهم إلى المناكب والآباط، ثم يصلّون كذلك.
هـ - وهذه طريق أبي داود الطيالسي فإنه قال حدثنا ابن أبي ذئب فذكره ...
(حكم هذه الطريق):
وهذه الطريق منقطعة، لأن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة لم يدرك عمار بن ياسر.
وهو قول سائر أهل العلم لاتفاقهم على عدم اللقاء بينهما. كما حكاه الزيلعي وغيره.
° الطريق الثانية: وهي التي من رواية الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه عن عمار، فزاد في هذه الطريق: " عن أبيه ".
стр. 179
أ - أخرجها ابن حزم فقال:
روينا من طريق العباس بن عبد العظيم، عن عبد الله بن محمد بن أسماء بن عبيد، عن عمه جويرية بن أسماء، عن مالك بن أنس عن الزهري: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبيه عن عمار بن ياسر قال: " تيممنا مع رسول الله ﷺ فمسحنا بوجوهنا وأيدينا إلى المناكب ".
وهذه الطريق هي طريق النسائي، والعباس شيخه فيه.
ب - وأخرجها ابن حبان في صحيحه قال: أخبرنا الفضل بن الحباب، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء بن أخي جويرية، قال: حدثنا جويرية، عن مالك عن الزهري. . . فذكره - ولم يذكر الوجه فيه - وإنما قال: تيممنا مع النبي ﷺ إلى المناكب ".
ج - وأخرجها الحميدي في مسنده قال: ثنا سفيان قال: ثنا الزهري فذكره كابن حبان.
د - وأخرجها ابن ماجه في سننه قال: حدثنا محمد بن أبي عمر العدني، ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن الزهري به مثل لفظ ابن حبان.
هـ - وأخرجها الشافعي عن الثقة عن معمر عن الزهري به. . فذكره.
стр. 180
و - وأخرجها البيهقي في السنن قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، ثنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا إسماعيل بن إسحاق. وأخبرنا أبو طاهر الحسن بن علي، أنا أبو جعفر، ثنا إسماعيل، ثنا زيد القاضي، ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، ثنا جويرية عن مالك عن الزهري به. . . كلفظ النسائي.
(حكم هذه الطريق):
وهذه الطريق صحيحة إن شاء الله، موصولة.
وأما قول البيهقي: شك سفيان بن عيينة في ذكر أبيه في إسناده.
فمرة يسقطه كالطريق الأولى ومرة يثبته كما هنا.
فالجواب: أنه ليس له ذكر في الروايات التي سقط فيها ذكراً عن أبيه " ولذلك لم يذكر هذه العلة أحد من أصحاب العلل، ولا المضعفين لهذه الطريق، فالوهم هنا من البيهقي، إلا أن يكون ذلك عنده من طريق لم يسقها هو، وليست هي عند أحد من الناس، وهو بعيد جداً.
نعم، الخلاف عنه في ذكراً عن أبيه " أو " عن ابن عباس " كما سيأتي في الطريق الثالثة، فقط.
هذا من وجه.
ومن آخر، أن الحديث لا يدور على سفيان من هذه الطريق الموصولة، بل تابعه على ذلك مالك كما عند النسائي وابن حبان والبيهقي.
فإن طرحت رواية سفيان بقيت رواية مالك.
стр. 181
نعم، الخلاف عن سفيان إنما هو بذكر عمرو بن دينار مرة، وترك ذكره مرّة.
وقد ذكر هذا البيهقي وغيره.
والجواب أنه لا مانع من أن يكون سفيان سمعه من عمرو أولاً عن الزهري، ثم سمعه من الزهري نفسه، فأسقط الواسطة.
ومما يؤكد صحة هذا، ما ذكره الحميدي في مسنده بعد الحديث المذكور، من هذه الطريق التي سقناها عنه قال: حضرت سفيان وسأله يحيى بن سعيد القطان فحدثه وقال فيه - القائل سفيان -: حدثنا الزهري.
ثم قال سفيان: حضرت إسماعيل بن أبي أمية أتى الزهري فقال: يا أبا بكر إن الناس ينكرون عليك حديثين يتحدث بهما.
فقال الزهري: ما هما؟
قال: تيممنا مع النبي ﷺ إلى المناكب.
فقال الزهري: أخبرني عبيد الله بن عبد الله عن أبيه عن عمار.
ثم سأله إسماعيل عن الحديث الآخر. . .
قلت: فتبين من هذا أن سفيان قد سمعه من الزهري في هذا المجلس، إن لم يكن سمعه أيضاً في آخر.
ولما كان سفيان شيخ الحميدي - راوي هذه القصة في مسنده - وهو
стр. 182
من أجل شيوخ البخاري - لم يعد من إسناد أصح من هذا الإسناد، لهذه القصة، فقطعنا بصحة سماعه منه لهذا الحديث بعينه.
وسيأتي بعد ذكر تصحيح الحافظين أبي حاتم وأبي زرعة لهذه الطريق، عند ذكر الطريق الثالثة:
° الطريقة الثالثة: وهي التي عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمار بن ياسر.
أ - أخرجها أبو داود قال:
حدثنا محمد بن أحمد بن أبي خلف، ومحمد بن يحيى النيسابوري في آخرين، قالوا: أخبرنا يعقوب أخبرنا أبي، عن صالح عن ابن شهاب حدثني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمار بن ياسر: " أن رسول الله ﷺ عرّس بأولات الجيش ومعه عائشة، فانقطع عقد لها من جزع ظفار، فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الفجر، وليس مع الناس ماء، فتغيظ عليها أبو بكر ﵁ وقال: حبست الناس وليس معهم ماء، فأنزل الله تعالى ذكره على رسوله رخصة التطهر بالصعيد الطيب، فقام المسلمون مع رسول الله ﷺ فضربوا بأيديهم الأرض ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من التراب شيئاً، فمسحوا بها وجوهم وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الأباط ".
زاد يحيى في حديثه: قال ابن شهاب في حديثه: ولا يعتبر بهذا الناس. وأخرجها ابن الجارود في المنتقى قال:
стр. 183
حدثنا محمد بن يحيى قال ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال: ثني أبي عن صالح. . فذكره مثل رواية أبي داود.
ب - وأخرجها النسائي قال:
أخبرني محمد بن يحيى. . . فذكره - إلا قول ابن شهاب الذي في آخر الحديث " ولا يعتبر الناس بهذا ".
ج - وأخرجها البيهقي قال:
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أحمد بن جعفر القطيعي ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي عن صالح عن ابن شهاب. . فذكره.
د - وهذه الطريق مروية عن الإمام أحمد كما ترى، وقد أخرجها في مسنده هكذا.
هـ - وقد روي هذا من طريق محمد بن إسحاق عن الزهري.
وظاهر كلام بعض الأئمة ومقتضاه أن هذا اللفظ قد روي أيضاً من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري به، كما سيأتي مع مناقشته.
ولم أقف على هذه الطريق.
(حكم هذه الطريق):
ظاهرها الصحة والسلامة، إلا أن الحفاظ يعفونها بالطريق الثانية المتقدمة، يجعلون الثانية هي الصواب، وأن الثالثة خطأ.
стр. 184
فقد رأيت ابن حاتم في " العلل " يقول: سألت أبي وأبا زرعة، عن حديث رواه صالح بن كيسان وعبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمار عن النبي ﷺ في التيمم، فقالا: " هذا خطأ، رواه مالك وابن عيينة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه عن عمار، وهو الصحيح، وهما أحفظ ".
قلت - القائل ابن أبي حاتم -: قد رواه يونس وعقيل وابن أبي ذئب عن الزهري - عن عبيد الله بن عبد الله عن عمار عن النبي ﷺ ، وهم أصحاب الكتب.
فقالا: " مالك صاحب كتاب، وصاحب حفظ ". انتهى.
قلت: فاستفدنا من مناقشة هؤلاء الحفاظ لهذه الطرق الثلاثة أشياء:
- أولها: أن الطريق الأولى ليست تروى عن سفيان، كما قررناه في الرد على البيهقي.
وذلك أن ابن أبي حاتم، لم يذكره عند محاولته إعلال الطريق الثانية، فإنه من واجب من قام مقامه أن يذكر أجل من روى الطريق الأولى، فما كان له أن يعدل عن ذكر سفيان، ويذكر يونس وعقيلاً وابن أبي ذئب، ويغفل عن سفيان.
- ثانيها: أن الطريق الثالثة كالأولى، ليست تروى عن سفيان، فإن ابن أبي حاتم لم يذكر ذلك في أول سؤاله.
стр. 185
وكذلك فإنهما لما أجاباه بصحة الثانية، ذكرا فيها سفيان بن عيينة مع مالك، ولو كان سفيان روى غير الثانية - كالأولى أو الثالثة مثلاً - لما ناسب ذكره في الطريق الثانية، لأنه عند ذلك يكون ذكره من الإعلال لا من التصحيح، وهما إنما أرادا تصحيح الخبر لا إعلاله.
وهنا يبقى الجواب عما ذكره أبو داود في سننه فإنه قال: " وشك فيه ابن عيينة: مرة قال عن عبيد الله عن أبيه، أو عن عبيد الله عن ابن عباس: ومرة قال: " عن أبيه "، ومرة قال: (عن ابن عباس) انتهى.
فالظاهر أن هذه الطريق التي حكاها أبو داود ولم يروها هو، ولم نقف عليها، ولم يستدل بها الحفاظ، قد جاءت من طريق ضعيفة جداً غير معتبرة، فأسقط الحفاظ ذكرها لعدم ثبوتها، فمثلها لا يستدل به، وذكرها أبو داود في جملة ما اعترض به على رواية سفيان، أو أنها جاءت مغايرة اللفظ، والله أعلم.
ثالثها: أن الحديث محفوظ صحيح من الطريق الثانية بحمد الله تعالى، كما هو قول ابن خزيمة وابن حبان وابن حزم والبيهقي وغيرهم.
стр. 186
الوصل الثاني: بيان ترك القول بهذا الحديث:
قد تقدم لنا قول ابن شهاب: " ولا يعتبر بهذا الناس ".
أي لا يعتبرون بهذا الحديث ويعملون به. وقد قال صاحب عون المعبود: " ولم يذهب أحد إلى التيمم إلى الآباط والمناكب، هكذا قال الزهري، وأما هو - يعني الزهري - فقد ذكر ابن المنذر والطحاوي وغيرهما أنه كان يرى التيمم إلى الآباط " انتهى.
قلت: وقد استقرينا مذاهب الناس فلم نجد من يقول بهذا الخبر، وإنما يفتون بأحاديث مسح الوجه الكفين.
وقد قال أبو سليمان الخطابي ﵀: لم يختلف أحد من العلماء في أنه لا يلزم مسح ما وراء المرفقين.
قلت أنا أبو عبد الله: هذا تفصيل من الخطابي دقيق، لأن القول بمسح المرفقين، كما أشار قد قال به ابن عمر، والحسن، والشعبي، وإبراهيم، وعبد الرزاق.
أخرج جميع ذلك عنهم عبد الرزاق في المصنف وغيره، ولذلك لم نذكر أحاديث المرفقين في هذا الكتاب لأنها ليست على شرطنا. والله أعلم.
стр. 187
الوصل الثالث: في ذكر الأوجه التي ردوا بها هذا الخبر:
الوجه الأول: في ثبوت ما أهو أصح منه بغير هذه الكيفية، وجعله ناسخا له.
قال الحافظ في الفتح: الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح منها سوى حديث أبي جهيم وعمار، وما عداهما فضعيف أو مختلف في رفعه ووقفه، والراجح عدم رفعه.
فأما حديث أبي جهيم فورد بذكر اليدين مجملاً.
وأما حديث عمار: فورد بذكر الكفين - فقط - في الصحيحين.
وبذكر المرفقين في السنن، وفي رواية إلى نصف الذراع، وفي رواية إلى الآباط.
فأما رواية المرفقين، وكذا نصف الذراع ففيهما مقال.
وأما رواية الآباط، فقال الشافعي وغيره: إن كان وقع بامر النبي ﷺ ، فكل تيمم صح للنبي ﷺ بعده فهو ناسخ له.
ثم قال: ومما يقوي رواية الصحيحين في الاقتصار على الوجه والكفين، كون عمار كان يفتي بعد النبي ﷺ بذلك، وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره، ولا سيما الصحابي المجتهد، انتهى.
стр. 188
الوجه الثاني: لمن يشترط عدم مخالفة الراوي لروايته.
فقد عرفت من الجواب الأول أن عماراً كان يفتي بخلافه، فلم يتحقق به هذا الشرط عند القائلين به.
الوجه الثالث: في أن هذا التيمم كان من فعلهم، ولم يكن عن أمر النبي ﷺ .
وهذا حكاه كثيرون من شراح الحديث والفقهاء، فقالوا: ليس في القصة نص بيان أن رسول الله ﷺ أمر بذلك، ولا نص بيان بأنه ﵊ عرف به بعد فأمرَّه.
وهذا منقول عن الشافعي، والبيهقي، وابن حزم، والسندي، والسيوطي، وكثيرين.
стр. 189
الحديث السادس: في الذي يقع على جارية امرأته من حديث سلمة بن المحبِّق
وهذا الحديث في سائر طرقه يدور على الحسن البصري، ليس يعرف إسناد له، لم يذكر فيه الحسن.
الوصل الأول: في بيان طرقه
وقبل الشروع في تفصيل طرقه، فإننا نذكرها موجزة جداً فنقول: قد روي هذا الحديث عن الحسن على ثلاثة أوجه:
الأول: عنه عن جون عن سلمة.
روى ذلك عنه قتادة.
الثاني: عنه عن قبيصة عن سلمة.
روى ذلك عنه قتادة، وسلَّام بن مسكين. والفضل بن دلهم ومنصور بن زاذان، وعمرو بن دينار.
الثالث: عنه عن سلمة مباشرة.
روى ذلك عنه عمرو بن دينار، وهشام، وقتادة، ويونس ومنصور.
° (الطريق الأولى): التي من رواية الحسن عن جون عن سلمة.
أخرجها الطبراني في الكبير قال:
حدثنا عبدان بن أحمد، ثنان نصر بن علي، ثنا بكر بن بكار، ثنا شعبة، عن قتادة عن الحسن عن جون بن قتادة، عن سلمة بن المحبِّق، عن
стр. 190
النبي ﷺ في رجل وقع على جارية امرأته: " إن كان استكرهها فهي حرة،
وعليه مثلها، وإن كانت طاوعته، فهي له وعليه مثلها ".
وأخرجها البيهقي من طريق بكر بن بكار فقال: حدثنا أبو الحسن محمد بن الحسين إملاء، أنبأ أبو حامد أحمد بن محمد الحافظ، ثنا علي بن سعيد النسوي، وأحمد بن سعيد الدارمي، قالا: ثنا بكر بن بكار. . . فذكره بلفظ " إن استكرهها فهي حرة، ولها عليه مثلها، وإن كانت طاوعته فهي أمة، ولها عليه مثلها ". انتهى.
قلت: وهذا اللفظ مفسّر. وأخرجه الطبراني من طريق آخر عن قتادة، عن سعيد بدل شعبة فقال: حدثنا محمد بن العباس الأخرم الأصبهاني، حدثنا أحمد بن عبيد الله بن الحسن العنبري ثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. . . فذكر الحديث - بمثل لفظه الأول -.
(حكم هذه الطريق):
هي بعينها، لا تصح، ولكنها متابعة.
ففي طريق الطبراني الأولى، وهي طريق البيهقي: بكر بن بكار القيسي.
قال أبو زرعة: ليس بالقوي.
وقال النسائي مثله، ومرة قال: ليس بثقة.
стр. 191
وقال ابن معين: ليس بشيء.
وقال ابن حبان: ثقة ربما يخطئ.
وقال أبو حاتم: ليس بالقوي.
وأما جون بن قتادة فهو مقبول كما في التقريب.
وجون هو في الطريق الثانية التي للطبراني، ومعه: أحمد بن عبيد الله بن الحسن العنبري:
قال في " اللسان ": عن أبيه، وعن الحسن بن علي، وإبراهيم، وحماد، وعلي بن سعيد الرازي وآخرون.
قال ابن القطان: مجهول.
قلت - القائل ابن حجر -: ذكره ابن حبان في الثقات فقال: روى عن ابن عيينة، وعنه ابن الباغندي لم تثبت عدالته.
وابن القطان تبع ابن حزم في إطلاق التجهيل على من لا يطلعون على حاله، وهذا الرجل بصري شهير، وهو ولد عبيد الله القاضي المشهور.
انتهى.
قلت أنا أبو عبد الله: فانتفت جهالة عينه، وبقيت جهالة حاله. فهو علة هذا الإسناد.
стр. 192
° (الطريق الثانية): المروية من طريق الحسن عن قبيصة بن حريث عن سلمة.
أخرجها عبد الرزاق في مصنفه قال: حدثنا معمر عن قتادة عن الحسن عن قبيصة بن حريث عن سلمة بن المحبِّق قال: قضى رسول الله ﷺ في رجل وطئ جارية امرأته: إن كان استكرهها فهي حرة وعليه مثلها، وإن كانت طاوعته فهي له، وعليه لسيدتها مثلها " انتهى.
ومن طريق عبد الرزاق أخرجها أحمد في مسنده.
ولعبد الرزاق فيها إسناد آخر قال: عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال: سمعت الحسن يحدث عن قبيصة بن حريث عن سلمة بن المحبق عن النبي ﷺ مثله.
- وأخرجه أيضاً الطبراني من طريق عبد الرزاق المذكورة قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الحسن عن قبيصة بن حريث عن سلمة بن المحبق قال: قضى رسول الله ﷺ في رجل وطئ جارية امرأته: " إن كان استكرهها
стр. 193
فهي حرة، وعليه لسيدتها مثلها، وإن كانت طاوعته فهي له أمة، وعليه لسيدتها مثلها ".
وهذا لفظ مفسر جداً، لذلك أوردناه بتمامه.
- وأخرجه النسائي في الصغرى والكبرى عن عبد الرزاق قال: حدثنا محمد بن رافع النيسابوري، قال: ثنا عبد الرزاق. . . فذكره كاللفظ السابق.
- وأخرجه أبو داود عن عبد الرزاق أيضاً قال: حدثنا أحمد بن صالح أخبرنا عبد الززاق. . . فذكره بألفاظه.
- وأخرجه البيهقي من طريق أبي داود وغيره فقال: أخبرنا أبو علي الروذباري، أنبأنا أبو بكر بن داسة، ثنا أبو داود فذكره، قال: وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى عن إسماعيل بن محمد الصفَّار، ثنا أحمد بن منصور، ثنا عبد الرزاق به.
وقد أخرج الطبراني هذه الطريق بإسناد آخر قال.
حدثنا يوسف القاضي ثنا القاسم بن سلام بن مسكين حدثني أبي قال سألت الحسن عن رجل يقع بجارية امرأته، فقال حدثني قبيصة من حريث. . . فذكره.
стр. 194
ومن طريق يوسف أخرجها البيهقي قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المقري، أنبأنا الحسن بن محمد بن إسحاق، ثنا يوسف. . . فذكره.
وأما طريق الفضل بن دلهم ومنصور بن زاذان عن الحسن عن قبيصة عن سلمة فقد ذكرهما البخاري.
(حكم الطريق الثانية):
هذا إسناد رجاله أئمة اثبات، إلا قبيصة بن حريث، فهو ليس بإمام لكنه صدوق. وذكره الآجري وغيره من مشايخ الحسن.
وذكره ابن حبان في الثقات.
وذكره العقيلي في " الضعفاء " وساق له هذا الخبر وقال: (في هذا الحديث اضطراب).
وقال الحافظ ابن حجر في (التهذيب): جهله ابن القطان.
وقال النسائي: لا يصح حديثه.
стр. 195
وذكر أبو العرب التميمي أن أبا الحسن العجلي قال: قبيصة بن حريث تابعي ثقة.
وأفرط ابن حزم فقال: ضعيف مطروح،. انتهى.
قلت أنا أبو عبد الله: فكان ملخص القول عند الحافظ أنه صدوق كما في التقريب.
وقد قال البخاري: في حديثه نظر.
قلت: وللناس مذاهب في قول البخاري: " وفي حديثه نظر ".
فالذهبي والعراقي يريانها من أعظم ألفاظ الجرح، وخالفهما في هذا كثيرون، إذ الصواب ليس معهما ".
والمسألة طويلة الذيل، فنحيلك على موضع هذه المسألة، مع مزيد بسط يفي بالمقام إن شاء الله تعالى، فتلطف بالرجوع " للرفع والتكميل ".
وملخص جميع ما تقدم أن قبيصة قد اختلفوا فيه، فمثله لا يرد حديثه، سيما وقد توبع في الطريق الأولى.
وأما قتادة، فمع اشتهاره بالتدليس، لم يذكر أحد من العلماء أنه كان يدلس عن الحسن قط. وهو متابع بسلام وعمرو وغيرهما، فهو حسن إن شاء الله. وسيأتي في آخر الطريق الثالثة ذكر من رجح هذه الطريق الثانية من العلماء وشهد لها بالصحة.
стр. 196
° (الطريق الثالثة): التي عن الحسن عن سلمة.
أخرجها الإمام أحمد بن حنبل في مسنده قال: ثنا عفان، أنا حماد بن زيد، ثنا عمرو بن دينار، قال: سمعت الحسن عن سلمة بن المحبق قال:. . . فذكر الحديث.
وأخرجها البيهقي من طريق حماد المذكور فقال: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المقري، أنبأنا الحسن بن محمد بن إسحاق، ثنا يوسف بن يعقوب، ثنا أبو الربيع، ثنا حماد بن زيد. . . فذكره.
وأخرجها الطبراني عن عمرو بن دينار أيضاً فقال: حدثنا موسى بن هارون، ثنا داود بن عمرو الضبي، ثنا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار قال: سمعت الحسن بن أبي الحسن عن سلمة بن ربيعة بن المحبق قال: سمعت امرأة تسأل رسول الله ﷺ عن جارية لها، خرج بها زوجها إلى السفر فأصابها، فقال رسول الله ﷺ : " إن كان. . . وذكره.
وله فيها إسناد آخر قال: حدثنا أبو خليفة، ثنا علي بن المديني، ثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، عن الحسن البصري عن سلمة بن المحبق أن رجلاً. . . وذكره.
стр. 197
وأخرجه ابن ماجه والنسائي من طريق هشام عن الحسن به.
أما ابن ماجه فقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عبد السلام بن حرب، عن هشام بن حسان، عن الحسن عن سلمة بن المحبق أن رسول الله ﷺ رفع إليه رجل وطئ جارية امرأته، فلم يحده.
وأما النسائي فقال: حدثنا هناد بن السري عن عبد السلام، به.
فاختصر هشام هذا الحديث، أو من دونه.
وأخرجه أبو داود والنسائي عن قتادة عن الحسن به.
قال أبو داود: حدثنا علي بن حسين الدرهمي، أخبرنا عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن سلمة بن المحبق به. . . - بمثل اللفظ الأول التام -.
وقال النسائي في الصغرى والكبرى.
أخبرنا محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا يزيد هو ابن زريع قال: ثنا سعيد فذكره. .
وأخرجه النسائي، وعلقه أبو داود من طريق يونس عن الحسن به.
стр. 198
قال النسائي في الكبرى: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، قال ثنا ابن علية، عن يونس عن الحسن فذكره.
وأخرج الحديث من طريق منصور عن الحسن عن سلمة، ذكر ذلك أبو داود في السنن، ولم أقف على هذه الطريق. ولم أنقب عنها كما يجب.
(حكم الطريق الثالثة):
قد أطال أهل العلم النفس في تدليس الحسن، وهل سمع من الصحابة شيئاً، ومن هم الذين سمع منهم على الصحيح، واختلفوا في ذلك اختلافا بيناً.
وجميع هذه الطرق التي أوردناه معنعنة من الحسن، اللهم إلا طريقا واحداً لم نذكره فيما تقدم، وهو ما أخرجه البخاري في التاريخ الكبير في ترجمة سلمة قال: حدثني يسرة بن صفوان، نا محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار، سمعت الحسن بن أبي الحسن سمعت سلمة بن ربيعة بن المحبق سمعت النبي ﷺ : إن كان استكره جارية امرأته فهي حرة.
قال البخاري: وهم، لم يسمع الحسن من سلمة، بينهما قبيصة بن حريث، ولا يصح. انتهى.
стр. 199
قلت: قول البخاري لا يصح، غير مبين، أهو يرجع لسماع الحسن من سلمة، أم للحديث؟.
ورأيت البيهقي في السنن يقول: قال البخاري - فيما بلغني عنه -: هذا - يعني من الرواية التي كان ساقها البيهقي من طريق الحسن قال سمعت قبيصة عن سلمة - أصح من رواية من رواه عن الحسن عن سلمة.
ثم قال البخاري: قبيصة بن حريث الأنصاري سمع سلمة بن المحبق، وفي حديثه نظر. انتهى.
قلت أنا أبو عبد الله: فتبين من قول البخاري أمران:
أولهما: أنه لا يثبت سماع الحسن من سلمة، مع تصريحه بالسماع في الإسناد الذي ساقه البخاري نفسه، ومع كون رجال إسناد البخاري ثقات، سمع بعضهم من بعض باتفاق.
لكن ربما لم يقنع البخاري بهذا، لكونه لا يخلو يسرة ومحمد من كلام، ولكون حماد بن زيد، وسفيان، خالفا محمداً في ذكر هذه اللفظة عن عمرو.
ثانيهما: تصحيح اتصال السند من طريق الحسن عن قبيصة عن سلمة، على كلام في قبيصة عنده.
(ذكر المصححين لهذا الخبر).
فأنا أورد هاهنا مناقشتين لأئمة هذا الشأن في صحة هذا الخبر:
стр. 200
الأولى: رواها الطبراني قال:
حدثنا أبو خليفة، ثنا علي بن المديني، ثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن الحسن البصري عن سلمة بن المحبق أن رجلاً. . . وساق الخبر ثم قال: قال علي - ابن المديني -: فقلت لسفيان: فإن قتادة يقول: عن الحسن عن قبيصة بن حريث عن سلمة بن المحبق.
فقال سفيان: قال عمرو: بينهما إنسان أو رجل.
فقال له الهذلي - يعني أبا بكر الهذلي -: بينهما قبيصة بن حريث.
قال سفيان: إنما أعرف هذا الهذلي، إنه من قوم سلمة - لأن سلمة بن المحبق هذلي - انتهى ما أورده الطبراني.
قلت أنا أبو عبد الله: فتبين من هذا، أن ابن المديني كان يرجح رواية الحسن عن قبيصة عن سلمة، ولذلك ناقش سفيان بن عيينة فيها.
ثم إن نقل ابن المديني عن قتادة أنه يقول: عن الحسن عن قبيصة، مشعر بأن قتادة كان يقدم هذه الطريق أيضاً، لأن قتادة روى الأمرين: الحسن عن قبيصة، والحسن عن جون.
وفي الحكاية أيضاً ترجيح أبي بكر الهذلي لما رجحه ابن المديني وقتادة.
وفيها موافقة سفيان لهم، بحجة أن أبا بكر أعلم بسلمة من غيره لأنهما هذليان.
стр. 201
الثانية: ذكرها ابن أبي حاتم في " العلل " قال:
" سألت أبي عن حديث الحسن عن سلمة بن المحبق عن النبي ﷺ أن رجلاً وقع على جارية امرأة فرفع إلى النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : إن كانت طاوعته فهي له وعليه مثلها، وإن كان استكرهها فهي حرّة، ولمولاتها عليه مثلها.
قلت لأبي: هو صحيح؟
قال: نعم.
قلت: الحسن عن سلمة متصل؟
قالا: لا، حدثنا القاسم بن سلام عن أبيه عن الحسن قال حدثني قبيصة بن حريث عن سلمة بن المحبق عن النبي ﷺ ، فأدخلا بينهما قبيصة بن حريث، فاتصل الإسناد.
قلت: الحسن سمع من سلمة، وروى محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار عن الحسن سمعت سلمة بن المحبق.
قال: هذا عندي غلط غير محفوظ،. انتهى.
قلت أنا أبو عبد الله: فتبين من هذا، اتفاق أبي حاتم مع من تقدم على تصحيح الحديث من الطريق الثانية.
стр. 202
الوصل الثاني: في ذكر من نقل أن العلماء لم يفتوا بهذا الخبر:
قال البيهقي:
قال البخاري: ولا يقول بهذا - الخبر - أحد من أصحابنا.
قال البيهقي:
أخبرناه أبو سعيد الماليني أنبأ أبو أحمد بن عدي، قال سمعت ابن حماد يذكره عن البخاري.
ثم قال البيهقي: حصول الإجماع من فقهاء الأمصار بعد التابعين على ترك القول به دليل على أنه إن ثبت صار منسوخاً بما ورد من الأخبار في الحدود. انتهى.
وقال الخطابي: لا أعلم أحداً من الفقهاء يقول به.
قلت: ومذهب العلماء في هذه المسألة فيه اختلاف:
فروي عن عمر وعلي ﵄ إيجاب الرجم على من وطئ جارية امرأته، وهو قول عطاء وقتادة من التابعين، وذهب إليه مالك والشافعي وأحمد وإسحاق.
وقال الزهري والأوزاعي: يجلد ولا يرجم.
وقال أبو حنيفة وأصحابه فيمن أقر أنه زنى بجارية امرأته: يحد، وإن قال ظننت.
وقال الثوري: إذا عرف بالجهالة، يعزر بجلدات معلومات.
стр. 203
الوصل الثالث: في ذكر الأوجه التي ردوا بها هذا الخبر:
١ - الأول: الضعف والاضطراب، عند القائلين بضعفه ممن قدمنا ذكره.
٢ - الثاني: النسخ: وقد قدمنا قول البيهقي: ترك القول به، دليل على أنه صار منسوخاً بما ورد من الأخبار في الحدود. وأحاديث الحدود ثابتة بالكتاب والسنة الصحيحة.
٣ - الثالث: أن هذا الخبر كان قبل نزول الحدود.
وهو مروي عن أشعث، ذكره في " فتح الودود " ونقله عنه صاحب " عون المعبود ".
٤ - الرابع: درء الحد بالشبهة.
وقد قدمنا الكلام عليه في شروط العمل بالخبر.
٥ - الخامس: ثبوت ما هو أصح منه، من حيث العموم. ومن حيث الخصوص.
أما ما صح من حيث العموم من رجم المحصن، ففي منسوخ خط الكتاب، والأحاديث الصحيحة في البخاري ومسلم في قصة ماعز وغيره.
ومن جلد غير المحصن بنص الكتاب، كما في سورة النور، والأحاديث الصحيحة.
وأما من حيث الخصوص، فما جاء عن النعمان بن بشير في مثل هذه
стр. 204
الواقعة - أي فيمن وقع على جارية امرأته - ففيه " إن كانت أحلتها لك جلدتك مائة، وإن لم تكن أحلتها لك رجمتك. . . ".
خرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد وغيرهم.
وإليه ذهب أحمد وإسحاق في رواية.
(ملحق فيما ذكره ابن القيم ﵀ عن هذين الخبرين أعني حديث سلمة
وحديث النعمان):
قال ﵀ في " الزاد ": فصل في قضائه ﷺ في الرجل يزني بجاريته.
في المسند والسنن الأربعة من حديث قتادة عن حبيب بن سالم أن رجلاً يقال له عبد الرحمن بن حنين وقع على جارية امرأته، فرفع إلى النعمان بن بشير، وهو أمير على الكوفة، فقال: لأقضين فيك بقضية رسول الله ﷺ ، إن كانت أحلتها لك جلدتك مائة جلدة، وإن لم تكن أحقلّها، رجمتك بالحجارة، فوجدوه أحلتها له، فجلده مائة.
قال الترمذي: في إسناد هذا الحديث اضطراب، سمعت محمداً - يعني البخاري - يقول: لم يسمع قتادة من حبيب بن سالم هذا الحديث، إنما رواه عن خالد بن عرفطة، وأبو اليسر لم يسمعه أيضاً من حبيب بن سالم، وسألت محمداً عنه فقال: أنا أنفي هذا الحديث.
وقال النسائي: هو مضطرب.
وقال أبو حاتم الرازي: خالد بن عرفطة مجهول.
стр. 205
وفي المسند والسنن عن قبيصة بن حريث عن سلمة بن المحبق أن رسول الله ﷺ قضى في رجل وقع على جارية امرأته إن كان استكرهها فهي حرة وعليه لسيدتها مثلها، وإن كانت طاوعته فهي له، وعليه لسيدتها مثلها.
فاختلف الناس في القول بهذا الحكم، فأخذ به أحمد في ظاهر مذهبه - يعني بحديث النعمان - فإن الحديث حسن، وخالد بن عرفطة قد روى عنه ثقتان حبيب بن سالم وأبو اليسر، ولم يعرف فيه قدح، والجهالة ترتفع عنه برواية ثقتين.
والقياس والشريعة وقواعدها يقضيان القول بموجب هذه الحكومة، فإن إحلال الزوجة شبهة توجب سقوط الحد، ولا تسقط التَّغْزِير، فكانت المائة تعزيراً.
فإذا لم تكن أحلتها، كان زنا لا شبهة فيه، ففيه الرجم، فأي شيء في هذه الحكومة مما يخالف القياس.
وأما حديث سلمة فإن صح تعين القول به، ولم يعدل عنه، ولكن النسائي قال: لا يصح هذا الحديث.
وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الذي رواه عن سلمة شيخ لا يعرف، ولا يحدث عنه غير الحسن - يعني قبيصة من حريث -.
وقال البخاري في التاريخ: قبيصة من حريث سمع سلمة، في حديثه نظر.
وقال ابن المنذر: لا يثبت خبر سلمة بن المحبق.
стр. 206
وقال البيهقي: قبيصة من حريث غير معروف.
وقال الخطابي: هذا حديث منكر، وقبيصة غير معروف، والحجة لا تقوم بمثله، وكان الحسن لا يبالي أن يروي الحديث ممن سمع.
وطائفة أخرى قبلت الحديث.
ثم اختلفوا فيه:
فقالت طائفة: هو منسوخ، وكان هذا قبل نزول الحدود.
وقالت طائفة: بل وجهه أنه إذا استكرهها فقد أفسدها على سيدتها، ولم تبق ممن تصلح لها، ولحق بها العار، وهذا مثلة معنوية كالمثلة الحسية أو أبلغ منها.
وهو قد تضمّن أمرين:
إتلافها على سيدتها.
والمثلة المعنوية بها.
فتلزمه غرامتها لسيدتها وتعتق عليه.
وأما إن طاوعته، فقد أفسدها على سيدتها، فتلزمه قيمتها لها، ويملكها لأن القيمة قد استحقت عليه، وبمطاوعتها وإرادتها خرجت عن شبهة المثلة.
قالوا: ولا بعد في تنزيل الإتلاف المعنوي منزلة الإتلاف الحسي، كلاهما يحول بين المالك وبين الانتفاع بملكه، ولا ريب أن جارية الزوجة إذا صارت موطوءة لزوجها فإنها لا تبقى لسيدتها كما كانت قبل الوطء.
فهذا الحكم من أحسن الأحكام، وهو موافق القياس الأصولي.
وبالجملة فالقول به مبني على قبول الحديث، ولا يضر كثرة المخالفين له، ولو كانوا أضعاف أضعافهم.
انتهى كلام ابن القيم ﵀.
стр. 207
الحديث السابع
في نهي الوالي عن قتل القاتل
وهذا الحديث يروى عن غير واحد من الصحابة.
الوصل الأول: في بيان ألفاظ هذه الأحاديث وأنها صحيحة:
أ - وأصحها حديث وائل بن حجر الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه فقال: حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا أبو يونس عن سماك بن حرب، أن علقمة بن وائل حدثه، أن أباه حدثه قال: إني لقاعد مع النبي ﷺ ، إذ جاء رجل يقود آخر بنسعة.
فقال: يا رسول الله، هذا قتل أخي.
فقال رسول الله ": أقتلته؟ فقال - الرجل أخو المقتول -: إنه لو لم يعترف أقمت عليه البينة.
فقال - القاتل -: نعم، قتلته.
قال - يعني رسول الله ﷺ : كيف قتلته؟ قال - القاتل -: كنت أنا وهو نختبط من شجرة، فسبني فأغضني، فضربته بالفأس على قرنه فقتلته.
فقال له النبي ﷺ : هل لك من شيء تؤديه عن نفسك.
قال: مالي مال إلا نسائي وفأسي.
قال: فترى قومك يشترونك؟ قال: أنا أهون على قومي من ذاك.
стр. 208
فرمى إليه - يعني النبي ﷺ بنسعته وقال: دونك صاحبك.
فانطلق به الرجل - أخو المقتول - فلمّا ولّى: قال رسول الله ﷺ : إن قتله فهو مثله.
فرجع فقال: يا رسول الله إنه بلغني أنك قلت: إن قتله فهو مثله، وأخذته بأمرك! فقال رسول الله ﷺ ، أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك؟ قال: يا نبي الله - لعله قال - بلى.
قال النبي ﷺ : فإن ذاك كذاك.
قال فرمى بنسعته، وخلى سبيله.
ثم قال الإمام مسلم: وحدثني محمد بن حاتم، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا هشيم، أخبرنا إسماعيل بن سالم عن علقمة بن وائل عن أبيه قال: أُتي رسولُ الله ﷺ برجل قتل رجلاً آخر، فأقاد ولي المقتول منه، فانطلق به، وفي عنقه نسعة يجرها.
فلما أدبر قال رسول الله ﷺ : القاتل والمقتول في النار.
فأتى رجل الرجل فقال له مقالة رسول الله ﷺ ، فخلّى سبيله.
قال إسماعيل بن سالم: فذكرت ذلك لحبيب بن أبي ثابت فقال: حدثني ابن أشوع أن النبي ﷺ إنما سأله أن يعفو عنه فأبى.
стр. 209
وأخرج أبو داود في سننه من طريق مسلم الأولى التي عن سماك، نحو لفظ مسلم.
وإننا إنما نكتفي بإخراج مسلم للحديث، للقطع له بالصحة ما لم يكن عليه اعتراض مشهور من العلماء.
ولكن حيث ثبت للحديث ألفاظ أخرى وروايات، لزمنا إخراجها لمعرفة وجه الحديث، وتحقيق مناطه، والجواب عنه.
فمن هذه الروايات ما أخرجه النسائي قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن علية، قال حدثنا إسحاق - هو الأزرق - عن عوف الأعرابي، عن علقمة بن وائل المغربي عن أبيه قال: جيء بالقاتل الذي قتل إلى رسول الله ﷺ ، جاء به ولي المقتول.
فقال له رسول الله ": أتعفو؟
قال: لا.
قال: أتاخذ الدية؟
قال: لا.
قال: القتل؟
قال: نعم
قال: اذهب.
فلما ذهب دعاه وقال: أتعفو؟
стр. 210
قال: لا.
قال: أتاخذ الدية؟
قال: لا.
قال: أتقتل؟
قال: نعم
قال: اذهب.
فلما ذهب قال: " أما أنك إن عفوت عنه، فإنه يبوء بإثمك وإثم
صاحبه ".
فعفا عنه، فأرسله.
قال: رأيته يجر نسعته.
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات محتج بهم.
وقد رواه أبو داود السجستاني في السنن بإسناده. ومن طريق أبي داود رواه البغوي في شرح السنة من حديث عبيد الله بن عمر بن ميسرة عن يحيى بن سعيد عن عوف به، لكنه جعل حمزة أبا عمر العائذي بينه وبين علقمة.
لكن بمثل هذا لا يعل الخبر، لأن عوفاً قد حدث عن حمزة وعلقمة كليهما، فيكون سمعه من حمزة أولاً، ثم من علقمة، فعلا بإسناده.
ولفظهما مثل لفظ النسائي.
стр. 211
ثم إن النسائي نفسه قد أخرج طريق أبي داود، والبغوي، عن محمد بن بشار قال: حدثنا يحيى بن سعيد فذكره.
وكذا من طريق محمد عن يحيى قال: حدثنا جامع بن مطر الحبطي عن علقمة به.
فتابع جامعٌ حمزة وعوفاً فيه.
وله طرق عنده أخرى، وألفاظ، لا تخرج عما تقدم من الألفاظ، فأغفلنا ذكرها.
ب - ومنها حديث أنس بن مالك.
وهذا الحديث تفرد به ضمرة عن عبد الله بن شوذب، عن ثابت البناني عن أنس. قال النسائي في الصغرى والكبرى: أخبرنا عيسى بن يونس قال حدثنا ضمرة عن عبد الله بن شوذب عن ثابت عن أنس بن مالك: أن رجلاً أتى بقاتل وليَّه رسول الله ﷺ .
فقال النبي ﷺ : " اعف عنه ".
فأبى.
قال: " خذ الدية ".
فأبى.
стр. 212
قال: " اذهب فاقتله فإنك مثله ".
فذهب، فلُحِق الرجلُ فقيل له: إن رسول الله ﷺ قال: " اقتله فإنك مثله " فخلى سبيله، فمر بي الرجل وهو يجر نسعته.
وهذا إسناد رجاله ثقات، وهو حديث حسن لأجل ضمرة. فهو صدوق يهم قليلاً.
وأخرج الحديث ابن ماجه من طريق عيسى بن محمد النحاس، وعيسى بن يونس، والحسن بن أبي السري العسقلاني، ثلاثتهم عن ضمرة بن ربيعة به.
وقال في آخره: قال أبو عمير في حديث - هو عيسى بن محمد -: قال ابن شوذب عن عبد الرحمن بن القاسم: فليس لأحد بعد النبي ﷺ أن يقول: " اقتله فإنك مثله ".
قال ابن ماجه: هذا حديث الرمليين ليس إلا عندهم.
قلت: نعم، هو كما قال ابن ماجه، لأن الحديث من أفراد ضمرة، وهو فلسطيني، قليل الطلب، فاقتصر على روايته أهل الرملة.
وقد ذكر أبو نعيم هذا الخبر في الحلية قال: حدثنا عبد الله بن جعفر ثنا إسماعيل بن عبد الله، ثنا الحسين بن رافع ثنا ضمرة به.
стр. 213
ثم قال أبو نعيم: قال ابن شوذب فذكرت ذلك لعبد الله بن القاسم فقال: ليس لأحد بعد النبي ﷺ مثله.
قال أبو نعيم: تفرد به عن ابن شوذب ضمرة. انتهى.
قلت أنا أبو عبد الله: هذا هو الصواب عبد الله بن القاسم، فهو المذكور في كتب الرجال في الرواية عنه، دون عبد الرحمن.
ولما صح لنا هذا الحديث، وكان شاهده عند مسلم، ولم نر له من
الروايات ما يعلّه، ضربنا على الباقي.
стр. 214
الوصل الثاني: في بيان عدول الأئمة عن القول بظاهر هذا الخبر:
ولسنا نعني بظاهره القول بأن ليس للوالي، أو القاضي، الطلب من ولي المقتول العفو، فهذا سائغ، متفق على العمل به.
وإنما المقصود ترك الفتوى بظاهره، هو ما في قوله ﷺ : " القاتل والمقتول في النار، كما في لفظ مسلم، وبقوله " إن قتله فهو مثله ". فإن في هذين اللفظين من الزجر الشديد عن اختيار ولي المقتول للقتل، خلاف سائر الآيات والأحاديث الصحيحة الصريحة في أن المقتول له: هو بخير النظرين، بين الإرش والقتل. كما سياتي ذكر ذلك في سبب ترك الفقهاء القول بظاهر هذا الخبر. بل إن في هذا الحديث في أوله، ذكر التخيير، فتناقض آخر هذا الخبر مع أوله.
وقد استقرينا فتاوى الفقهاء فوجدنا أن الجميع على جواز القود، والعمل بالتخيير.
стр. 215
الوصل الثالث: في ذكر حججهم التي أفتوا بها، وجوابهم عن الحديث:
فأول ما احتجوا به قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى).
وقوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ).
وقوله ﷺ : " من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إمّا أن يودى، وإما أن يقاد ".
فأجمع العلماء لهذه النصوص على أن ولي الدم مخير بين القصاص، وبين أن يعفو عن القصاص ويأخذ الدية - واشترط بعضهم لهذا موافقة القاتل - وبين أن يعفو الولي مجاناً.
وبعد أن حكى النووي في شرح مسلم نحو هذا، حاول الجواب عن حديث الباب فقال: " وأما قوله ﷺ : " إن قتله فهو مثله " فالصحيح في تأويله، أنه مثله في أنه لا فضل ولا منّة لأحدهما على الآخر، لأنه استوفى حقه منه، بخلاف ما لو عفى عنه، فإنه كان له الفضل والمنة وجميل الثناء في الدنيا، وجزيل الثواب في الآخرة.
وقيل: فهو مثله: في أنه قاتل، وإن اختلفا في التحريم والإباحة، لكنهما استويا في طاعتهما الغضب، ومتابعة الهوى، لا سيما وقد طلب النبي ﷺ منه العفو.
следующие страницы →