← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 96948

الانتهاء لمعرفة الأحاديث التي لم يفت بها الفقهاء

عبد السلام علوش

Полный текст (436 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ثم إن النسائي نفسه قد أخرج طريق أبي داود، والبغوي، عن محمد بن بشار قال: حدثنا يحيى بن سعيد فذكره. وكذا من طريق محمد عن يحيى قال: حدثنا جامع بن مطر الحبطي عن علقمة به. فتابع جامعٌ حمزة وعوفاً فيه. وله طرق عنده أخرى، وألفاظ، لا تخرج عما تقدم من الألفاظ، فأغفلنا ذكرها. ب - ومنها حديث أنس بن مالك. وهذا الحديث تفرد به ضمرة عن عبد الله بن شوذب، عن ثابت البناني عن أنس. قال النسائي في الصغرى والكبرى: أخبرنا عيسى بن يونس قال حدثنا ضمرة عن عبد الله بن شوذب عن ثابت عن أنس بن مالك: أن رجلاً أتى بقاتل وليَّه رسول الله ﷺ . فقال النبي ﷺ : " اعف عنه ". فأبى. قال: " خذ الدية ". فأبى.

стр. 212

قال: " اذهب فاقتله فإنك مثله ". فذهب، فلُحِق الرجلُ فقيل له: إن رسول الله ﷺ قال: " اقتله فإنك مثله " فخلى سبيله، فمر بي الرجل وهو يجر نسعته. وهذا إسناد رجاله ثقات، وهو حديث حسن لأجل ضمرة. فهو صدوق يهم قليلاً. وأخرج الحديث ابن ماجه من طريق عيسى بن محمد النحاس، وعيسى بن يونس، والحسن بن أبي السري العسقلاني، ثلاثتهم عن ضمرة بن ربيعة به. وقال في آخره: قال أبو عمير في حديث - هو عيسى بن محمد -: قال ابن شوذب عن عبد الرحمن بن القاسم: فليس لأحد بعد النبي ﷺ أن يقول: " اقتله فإنك مثله ". قال ابن ماجه: هذا حديث الرمليين ليس إلا عندهم. قلت: نعم، هو كما قال ابن ماجه، لأن الحديث من أفراد ضمرة، وهو فلسطيني، قليل الطلب، فاقتصر على روايته أهل الرملة. وقد ذكر أبو نعيم هذا الخبر في الحلية قال: حدثنا عبد الله بن جعفر ثنا إسماعيل بن عبد الله، ثنا الحسين بن رافع ثنا ضمرة به.

стр. 213

ثم قال أبو نعيم: قال ابن شوذب فذكرت ذلك لعبد الله بن القاسم فقال: ليس لأحد بعد النبي ﷺ مثله. قال أبو نعيم: تفرد به عن ابن شوذب ضمرة. انتهى. قلت أنا أبو عبد الله: هذا هو الصواب عبد الله بن القاسم، فهو المذكور في كتب الرجال في الرواية عنه، دون عبد الرحمن. ولما صح لنا هذا الحديث، وكان شاهده عند مسلم، ولم نر له من الروايات ما يعلّه، ضربنا على الباقي.

стр. 214

الوصل الثاني: في بيان عدول الأئمة عن القول بظاهر هذا الخبر: ولسنا نعني بظاهره القول بأن ليس للوالي، أو القاضي، الطلب من ولي المقتول العفو، فهذا سائغ، متفق على العمل به. وإنما المقصود ترك الفتوى بظاهره، هو ما في قوله ﷺ : " القاتل والمقتول في النار، كما في لفظ مسلم، وبقوله " إن قتله فهو مثله ". فإن في هذين اللفظين من الزجر الشديد عن اختيار ولي المقتول للقتل، خلاف سائر الآيات والأحاديث الصحيحة الصريحة في أن المقتول له: هو بخير النظرين، بين الإرش والقتل. كما سياتي ذكر ذلك في سبب ترك الفقهاء القول بظاهر هذا الخبر. بل إن في هذا الحديث في أوله، ذكر التخيير، فتناقض آخر هذا الخبر مع أوله. وقد استقرينا فتاوى الفقهاء فوجدنا أن الجميع على جواز القود، والعمل بالتخيير.

стр. 215

الوصل الثالث: في ذكر حججهم التي أفتوا بها، وجوابهم عن الحديث: فأول ما احتجوا به قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى). وقوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ). وقوله ﷺ : " من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إمّا أن يودى، وإما أن يقاد ". فأجمع العلماء لهذه النصوص على أن ولي الدم مخير بين القصاص، وبين أن يعفو عن القصاص ويأخذ الدية - واشترط بعضهم لهذا موافقة القاتل - وبين أن يعفو الولي مجاناً. وبعد أن حكى النووي في شرح مسلم نحو هذا، حاول الجواب عن حديث الباب فقال: " وأما قوله ﷺ : " إن قتله فهو مثله " فالصحيح في تأويله، أنه مثله في أنه لا فضل ولا منّة لأحدهما على الآخر، لأنه استوفى حقه منه، بخلاف ما لو عفى عنه، فإنه كان له الفضل والمنة وجميل الثناء في الدنيا، وجزيل الثواب في الآخرة. وقيل: فهو مثله: في أنه قاتل، وإن اختلفا في التحريم والإباحة، لكنهما استويا في طاعتهما الغضب، ومتابعة الهوى، لا سيما وقد طلب النبي ﷺ منه العفو.

стр. 216

وإنما قال النبي ﷺ ما قال بهذا اللفظ الذي هو صادق فيه، لإيهام مقصود صحيح، وهو أن الولي ربما خاف، فعفا، والعفو مصلحة للولي والمعقول في دينهما، لقوله ﷺ : " يبوء بإثمك وإثم صاحبك "، وفيه مصلحة للجاني، وهو إنقاذه من العقل. فلما كان العفو مصلحة توصَّل إليه بالتعريض. وقد قال الضمري وغيره من أصحابنا وغيرهم: يستحب للمفتي إذا رأى مصلحة في التعريض للمستفتي أن يعرض تعريضاً يحصل به المقصود. . . ثم قال النووي: وأما قول النبي ﷺ : " القاتل والمقتول في النار "، فليس المراد به في هذين، فكيف تصح إرادتهما، مع أنه إنما أخذه ليقتله بأمر النبي ﷺ ، بل المراد غيرهما، وهو إذا التقى المسلمان بسيفيهما في المقاتلة المحرمة، كالقتال عصبية ونحو ذلك، فالقاتل والمقتول في النار، والمراد به التعريض كما ذكرناه، وسبب قوله ما قدمناه لكون الولي يفهم منه دخوله في معناه، ولهذا ترك قتله، فحصل المقصود، انتهى. قلت أنا أبو عبد الله: جوابه عن اللفظ الأوّل مقبول، وأما جوابه عن الثاني فظاهر الفساد والبطلان، وقد كنت أربأ بالنووي عن أمثال هذا، فالعجب العجب!.

стр. 217

وأغرب الخطابي، فأدخل هذا الحديث في حديث آخر فيه أن رجلا قتل على عهد النبي ﷺ فدفعه ولي المقتول للنبي ﷺ ، فقال القاتل: يا رسول الله ما أردت قتله، فقال رسول الله ﷺ للقاتل: أما إنه إن كان صادقا ثم قتلته دخلت النار، قال: فخلى سبيله. قال الخطابي: يحتمل وجهين أحدهما أنه لم ير لصاحب الدم أن يقتله، لأنه ادعى أن قتله كان خطأ أو شبه العمد، فأورث ذلك شبهة في وجوب القتل، الآخر أن يكون معناه إذا قتله كان مثله في حكم البواء فصارا متساويين لا فضل للمقتصّ على المقْتَصّ منه. انتهى. قلت: الوجه الثاني، هو قول مسلم الأول وقد حسَّناه من جواب، وأما إدخاله حديثاً في آخر في وجهه الأول، فهو مردود، لاختلاف السياقين، والتصريح الوارد في رواية مسلم بعكس الذي في حديث أبي هريرة، فإنه قال في رواية مسلم " فسبني فأغضبني فضربته بالفأس على قرنه "، وهذا لا يمكن أن يكون من شبه العمد، أو الخطأ إجماعاً. ثم لو كان صح ما ادعاه الخطابي، لما كان أمكن النبي ﷺ الرجل الولي من التخيير بين القتل والدية، لأن التخيير لا يكون إلا بعد ثبوت القتل العمد. وهذا الوجه الذي أنكرته على الخطابي، رأيت ابن حزم يقول به في المحلّى.

стр. 218

والذي قدمناه يرد هذا الادعاء من وجه. والثاني: وهو أنه ليس ما يدل على أن كلا الخبرين واحد، وذكر النسعة في الخبرين غير كاف. فكيف يحصل الجزم على ما هو بعيد الاحتمال!. الثالث: إن صح جوابكم هذا عن سبب إرادته العفو، فما الجواب عن اللفظين الواردين، وما المراد بالقاتل والمقتول، وفي القصة إن ثبت العمد: قاتلان ومقتولان. وستأتي مناقشة هذا الوجه الثالث بعد. وأما الجواب الذي أورده الإمام مسلم عن ابن أشوع كما تقدم، من أن النبي ﷺ إنما سأله أن يعفو عنه فأبى. فقد رأيت ابن حزم أجاب عنه فأجاد حيث قال: " إنه تفسير فاسد، لا يجوز ألبتة، لأنه ﷺ لا يخلو في سؤاله ذلك من أحد وجهين لا ثالث لهما: إما أن يكون شافعاً في العفو، وإما أن يكون آمراً به. فإن كان شافعاً، فليس الممتنع من إسعاف شفاعته ﷺ عاصياً لله تعالى، كما فعلت بريرة، إذ قال لها رسول الله ﷺ وقد خيرها بين البقاء مع زوجها أو فراقه، فاختارت فراقه، فقال: لو راجعته فإنه أبو ولدك، فقالت: أتامرني يا رسول الله قال: لا إنما أنا شافع، فقالت: لا أرجع إليه أبداً. فلا خلاف بين أحد من الأمة أن بريرة لم تكن عاصية بذلك. فإن كان ﵊ شافعاً في هذا القاتل، فليس الممتنع عاصياً، فإذا كان ليس عاصياً فليس في النار، ولا هو مثل القاتل الظالم.

стр. 219

وإن كان ﷺ آمراً فهو بيقين لا يأمر إلا بواجب فرض، ومن الباطل أن يأمر ﵊ بشيء، ويطلق على خلافه، ولا يمنع من الحرام الذي هو خلاف أمره، وهذا هو القضاء بالباطل وقد أبعده الله تعالى عن هذا. فإن قالوا: هو أمر الندب. قلنا: لا راحة لكم في هذا، لأن من ترك قبول الأمر بالندب الذي ليس فرضاً، فليس في النار، ولا هو مثل القاتل الظالم، فبطل تفسير ابن أشوع، انتهى. ثم إن ابن حزم، عاد لذكر جوابه الأول الذي تابعه الخطابي عليه، ولكن قصره هنا على الحكم في المسألة. وهو الصواب الذي لا يمكن أن يعدوه إن صح الجواب - ثم حاول الإجابة عن الألفاظ الواردة فيه فقال: " فإن قيل: هذا وجه الجمع بين حكمه ﵊ وقوله في ذلك، فما وجه حكمه ﵊ بأن القاتل والمقتول في النار، وأنه مثله، وكيف يكون من قتل غير مريد للقتل في النار؟ قلنا - وبالله التوفيق -: هذا إخبار من النبي ﷺ بغيب أعلمه الله تعالى إياه، لأنه ﵊ لا يقول ألبتَّة إلا الحق، ولا يقول بالظن قصدا إلى ذلك، ومن قال هذا عليه ونسبه إليه فهو كافر. فنقول: إن ذلك القاتل الذي لم يعمد القتل، كان فاسقاً من أهل النار بعمل له غير هذا القتل أطلع الله تعالى عليه نبيه ﷺ على عاقبته فيه، ولم يكن دمه يحل لهذا المستقيد لأنه لم يعمد قتل أخيه، فلو قتله على هذا الوجه

стр. 220

لكان قاتلاً بغير الحق، ولاستحق النار ولكان ظالماً كالمقتول إذ ليس كل ظالم يستحق القتل ". انتهى. قلت أنا أبو عبد الله: وهذا الذي جنح إليه ابن حزم في الآخر من جعله من خصائصه ﷺ وما أطلعه الله عليه، هو الذي تطمئن إليه النفس وتسكن، من الأجوبة المتقدمة، وهو معنى قول عبد الله بن القاسم المتقدم ﵀ حيث قال كما قدمنا في روايته: " ليس لأحد بعد النبي ﷺ مثله ". مع قولي بضعف قول ابن حزم: " لكان قاتلاً بغير الحق " لأنه لا يكون كذلك، ولو لم يكن القاتل قاتلاً ما دام هو لا يعرف ذلك. ولكني لا أحصر هذا التخصيص بهذا الخبر في ذكر اللفظ - كما يقول ابن حزم وهو ظاهر قول ابن القاسم - ولكني أعتبره في حكم هذا الخبر ولفظه سواء بسواء، حتى يصح لنا ترك القول بهذا الخبر، ومعرفة الجواب عنه بما هو غير متعقب. فإن جميع ما أوردناه من الأجوبة ومما هو في بطون الكتب مما لم نذكره متعقب. فإن قال قائل: ولكن القول بالتخصيص، لا يجب المصير إليه عند الاحتمال، ولا بد عليه من دليل، وإلا بطلت سائر أحكام الشريعة بحجة التخصيص. قلت - وبالله المستعان -: الجواب عن هذا، هو بعينه ذكر الدليل القاطع على أنه لا يصح جواب عن الحديث إلا الجواب الذي ارتضيناه من القول بالتخصيص. وذلك في قوله ﷺ " القاتل والمقتول في النار ".

стр. 221

فإنك إذا تأملت هذه العبارة وجدت قبل قتل القاتل حالة، وبعده حالة. ورأيت أن انصرات الحديث للحالة الثانية هو الأقرب كما يدل عليه السياق، إلا أننا نجيب عنهما جميعاً لنبيّن المراد: فإننا إن سلمنا أن قوله ﷺ " القاتل والمقتول في النار " أراد به الحالة التي قبل قتل القاتل. فإن معرفة كون المقتول من أهل النار، لا تتم إلا عن طريق الوحي، والوحي من خصائصه ﷺ ". وإن سلمنا أن المراد من قوله ما بعد قتل القاتل فاللفظ منصرف إلى ثلاثة احتمالات لا رابع لها: الأول: أن يكون المراد بالقاتل والمقتول، ما قصد في الحالة الأولى، وقد أجبنا عنها. الثاني: أن يكون المراد بالقاتل ولي المقتول، وبالمقتول القاتل أولا، فإن كان هذا، فهو أيضاً لا يمكن معرفته في حق ولي المقتول أنه في النار إلا عن طريق الوحي، سيما وأنه لم يمت بعد، والتوبة مفتوحة له على رأي الجمهور القائلين بصحة توبة القاتل. فهو كالأول. الثالث: أن يكون المراد بالقاتل ولي المقتول، وبالمقتول الأول، وجواب هذا منتزع من الأول والثاني. فتبين من هذا وجوب الحكم على الحديث بأنه من الخصائص، ولم نفرق فيه بين اللفظ والحكم، لأن القصة واحدة، واللفظ كما قدمنا، والحكم عرفنا تخصيصه من مخالفته لسائر النصوص عنه الصحيحة الصريحة المستفيضة، والله أعلم.

стр. 222

الحديث الثامن في أكل البرد في رمضان، ولم يصح ذكرُ الحديث وبيان ضعفه: قال الحافظ البزار في مسنده: حدثنا محمد بن معمر، ثنا عبد الصمد، ثنا أبي، عن علي بن زيد، عن أنس قال: مطرنا برداً على عهد رسول الله ﷺ ، فكان أبو طلحة يأكل منه، وهو صائم، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: " خذ عن عمك ". قال البزار: خالفه قتادة. ثم قال: حدثنا هلال بن يحيى ثنا أبو عوانة، عن قتادة عن أنس قال: رأيت أبا طلحة يأكل البرد وهو صائم، ويقول: إنه ليس بطعام ولا شراب. قال: فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب فكرهه، وقال: إنه يقطع الظمأ. قال البزار: لا نعلم هذا الفعل إلا عن أبي طلحة. قال الحافظ ابن حجر معقباً: - قلت -: الإسناد الموقوف هو الصحيح، وعلي بن زيد بن جدعان ضعيف، لا يقبل ما ينفرد به، فكيف إذا خالف. وكذا أخرج طريق زيد الموصولة أبو يعلى فقال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثني أبي عن ثابت عن علي بن زيد بن جدعان، عن أنس بن مالك قال:

стр. 223

مطرت السماء برداً، فقال لنا أبو طلحة ونحن غلمان: ناولني يا أنس من ذلك، فقلت: ألست صائماً؟! قال: بلى، إن ذا ليس بطعام ولا شراب، وإنما هو بركة من السماء نطهر به بطوننا. فقال أنس: فأتيت النبي ﷺ فأخبرته. فقال: " خذ عن عمك ". وقال الحافظ ابن حجر في المطالب بعد أن ساقه: ضعيف، وكذا قال البوصيري. وقال الهيثمي في " المجمع ": فيه علي بن زيد، وفيه كلام، وقد وثق، وبقية رجاله رجال الصحيح. وهذا من الهيثمي هو الإنصاف، وذلك أن علي بن زيد هو أقرب إلى الضعف، وكثير ممن ترجموا له لم يطلقوا عليه الضعف، فقد قال العجلي في الثقات: بصري، يكتب حديثه، وليس بالقوي، وكان يتشيع. وقال مرة: لا بأس به. قلت فمقتضى كلام العجلي أنه مقبول إذا توبع، لكنه في هذا الحديث خالف قتادة في وقف الحديث، ورفعه، فلا يقبل منه ذلك.

стр. 224

وقال الآجري: قلت لأبي داود: أيما أحب إليك علي بن زيد، أو ابن عقيل؟ فقال: علي بن زيد. قلت: يشار إلى أن كليهما ضعيف. وقال الآجري: قال حماد بن زيد: حدثنا علي بن زيد، وكان كثير التخليط. وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا بندار حدثنا عبد الرحمن عن شعبة قال: سمعت علي بن زيد، وكان رفاعا - أي - يرفع الأحاديث - وقال الترمذي: صدوق إلا أنه ربما يرفع الشيء الذي يوقفه غيره، ثم ساق قول شعبة المتقدم. قلت: وهذه هي علته في هذا الحديث. حيث خالف فيه فرفع الحديث، والصحيح وقفه. وقال أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان: ليس بقوي. وقال النسائي: ضعيف. وقال الدارقطني مرة: ضعيف. وقال مرة: أنا أقف فيه، لا يزال عندي فيه لين.

стр. 225

فهذا محصل كلامهم فيه، كما قدمنا. قلت: وعلي لم يخالف فيه قتادة فحسب، كما ذكر البزار، بل إنه خالف فيه حميداً أيضاً، وذلك فيما أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائده قال: حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن قتادة وحميد عن أنس، قال: مطرنا برداً، وأبو طلحة صائم، فجعل يأكل منه، قيل له: أتأكل وأنت صائم؟! قال: إنما هذا بركة. قلت: وهذا إسناد صحيح لا علة له. ولذلك قال ابن حزم في " المحلّى ": روينا بأصح طريق عن شعبة وعمران القطان، كلاهما عن قتادة عن أنس: أن أبا طلحة كان يأكل البرد وهو صائم، وقال عمران في حديثه: ويقول: ليس طعاماً ولا شراباً!!. قال ابن حزم: وقد سمعه شعبة من قتادة، وسمعه قتادة من أنس. انتهى. قلت: نعم هو كما قال: سمعه قتادة من أنس، وذلك أن قتادة وإن ذكروا له تدليساً، لكن عن غير أنس. فلم يعد يضرنا كذلك تدليس حميد لأنه متابع. وابن حزم مع قوله بصحة هذا الأثر، فإنه لم يقل به، وإنما ساقه للرد على الحنفية والمالكية، فهو لا يحتج بالموقوفات، كما هو قول عامة الفقهاء.

стр. 226

وقد سئل الإمام الحافظ الدارقطني عن هذا الحديث فقال: الموقوف أصح. وأما الجوزقاني في الأباطيل فقال: هذا حديث باطل. وأورده ابن الجوزي في العلل المتناهية وقال: هذا حديث لا يصح. قلت: أي المرفوع.

стр. 227

الحديث التاسع في زكاة الإبل الوصل الأول: في ذكر الأخبار التي عليها أهل العلم والفتوى في زكاة الإبل: إعلم رحمك الله، وأبان لك وجه الصواب، والعمل به، أن أحاديث فرض زكاة الإبل، قد جاءت عن غير صحابي، وفي الصحيحين وغيرهما، وأن هذه الأحاديث جميعها اتفقت على أن في كل خمس من الإبل شاة - وفي العشرة من الإبل شاتان، وفي الخمس عشرة ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه - فإذا بلغت أربعاً وعشرين ففيها بنت مخاض، فإن لم يكن بنت مخاض، فابن لبون ذكر، فإذا بلغت ستاً وثلاثين إلى خمس وأربعين، ففيها بنت لبون أنثى، فإذا بلغت ستاً وأربعين إلى ستين ففيها حقة، طروقة الجمل، فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت ستاً وسبعين إلى تسعين ففيها ابنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائة، ففي كل أربعين ابنة لبون، وفي كل خمسين حقة، ومن لم يكن معه إلا أربعة من الإبل، فليس فيها صدقة. فأخرج حديث أنس بن مالك أن أبا بكر الصديق ﵁ لما استخلف كتب له - حين وجهّه إلى البحرين - هذا الكتاب، وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر: " محمد " - سطر -، و " رسولاً - سطر -، و " الله " - سطر -: بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ . . . " البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وابن خزيمة، وابن الجارود، والبيهقي، والدارقطني، والبغوي وغيرهم.

стр. 228

وأخرج حديث ابن عمر بهذا، الأربعة إلا النسائي، والحاكم، والبيهقي، ومن قبلهم جميعاً الإمام أحمد في المسند، وغيرهم. وهو بمعنى حديث أنس. وأخرج ابن ماجه هذا الحديث بهذا المعنى عن أبي سعيد الخدري، وهو عند غيره أيضاً.

стр. 229

فهذه الأحاديث الثلاثة هي أصح ما روي في هذا الباب، وقد اتفقت جميعها على النص الذي قدمناه في زكاة الإبل، ومضى الحكم بها عند سائر العلماء من غير اختلاف. لكن قد جاءت روايتان قد خالفتا نص الحديث السابق، ولم تعتبرا، إلا واحدة عند الحنفية. * الحديث الأول الذي فيه الرواية الأولى هو حديث عمرو بن حزم. أخرجه ابن حبان في صحيحه فقال: أخبرنا الحسن بن سفيان، وأبو يعلى، وحامد بن محمد بن شعيب في آخرين قالوا: حدثنا الحكم بن موسى، حدثنا يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، حدثني الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جدّه: أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن. . . . فذكر الحديث مطولاً جداً. وأخرجه الحاكم بمثل ما عند ابن حبان قال: أخبرنا أبو نصر أحمد بن سهل، ثنا صالح بن عبد الله بن محمد الحافظ، ثنا الحكم بن موسى. وحدثنا أبو زكرياء يحيى بن محمد العنبري، ثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعيد العبدي، ثنا أبو صالح الحكم بن موسى. . . وساق الخبر. وكذا هو عند البيهقي قال: حدثنا أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي، ثنا محمد بن

стр. 230

المؤمل، ثنا الفضل بن محمد. وحدثنا أبو عبد الرحمن وأبو نصر عمر بن عبد العزيز بن قتادة، قالا: أنبأنا أبو عمر ومحمد بن جعفر بن محمد بن مطر ثنا أبو عبد الله أحمد بن الحسين الصوفي. قالا: يعني الفضل وأحمد -: ثنا الحكم بن موسى. . . فذكر الحديث بتمامه. قلت - أنا أبو عبد الله -: وهذه الطريق التي سقتها في خبر عمرو بن حزم هي أصح طرق هذا الخبر المطول، ليس في الدنيا أصح منها في خبر عمرو بن حزم هذا في الصدقات والديات بهذا الطول. على خلاف في ثبوتها لما سيأتي. وسائر روايات هذا الخبر الباقية، إما مختصرة المتن، وإما لا يخلو إسنادها من ضعف أو إعضال أو إرسال. وقد أخرج هذه الروايات جماعات من المحدثين لا يحصون منهم مالك في الموطأ، وابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، وأحمد، والدارمي، والنسائي، وأبو داود في المراسيل، والدارقطني، والبيهقي، وابن خزيمة والبغوي، وغيرهم. وقد اختلف أهل العلم اختلافاً كبيراً في صحة هذا الخبر: فصححه من قدمنا ذكرهم: ابن حبان والحاكم والبيهقي، وصححه الإمام أحمد، أو جنح لصحته، كما في سننن البيهقي حيث قال:

стр. 231

أخبرنا أبو سعيد الماليني، أنبأنا أبو أحمد بن عدي الحافظ، قال سمعت عبد الله بن محمد بن عبد العزيز يقول سمعت أحمد بن حنبل، وسئل عن حديث الصدقات هذا الذي يرويه يحيى بن حمزة: أصحيح هو؟ فقال: أرجو أن يكون صحيحاً. قال ابن عدي: وسمعت عبد الله بن محمد بن عبد العزيز يقول: وقد حدثنا الحكم بن موسى عن يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود عن الزهري بحديث الصدقات فقال: أخرج أحمد بن حنبل هذا الحديث في مسنده عن الحكم بن موسى عن يحيى بن حمزة. قال ابن عدي: وقد روى عن سليمان بن داود يحيى بن حمزة وصدقة بن عبد الله من الشاميين، وأما حديث الصدقات فله أصل في بعض ما رواه معمر عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم فأفسد إسناده. قال: وحديث سليمان بن داود مجوّد الإسناد، وقد أثنى على سليمان بن داود الخولاني هذا: أبو زرعة الرازي، وأبو حاتم الرازي، وعثمان بن سعيد الدارمي وجماعة من الحفاظ، ورأوا هذا الحديث الذي رواه في الصدقة موصول الإسناد حسناً. انتهى. قلت أنا أبو عبد الله: فهذا فيه أيضاً ذكر قبول ابن عدي وأبي حاتم وأبي زرعة والدارمي لهذا الخبر، لكن ابن التركماني في " الجوهر النقي " ما زال يحشد اتهاماته على صحة هذه الأخبار الواردة في سنن البيهقي كحديث أنس وابن عمر وأبي سعيد، وهذا الذي نحقق القول فيه، وذلك لتصحيح مذهبه، مذهب أكثر الحنفية، والقول بصحة الذهاب لحديث إسحاق بن راهويه في هذا الخبر، ولو لم يصرح هو بذلك، وما هذا بنافعه كما سيأتي، فإنه قال:

стр. 232

في " الكمال " للحافظ عبد الغني: قال الدارقطني: قد روي عنه - يعني سليمان بن داود - حديث عن الزهري عن أبي بكر بن حزم الحديث الطويل، ولا يثبت عنه. وقال ابن المديني: منكر الحديث، وضعفه. وقال ابن خزيمة: لا يحتج بحديثه إذا انفرد. وروى النسائي هذا الحديث من حديث يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود عن الزهري ثم رواه من حديث يحيى عن سليمان بن أرقم عن الزهري، ثم قال: هذا أشبه بالصواب. وسليمان بن أرقم متروك الحديث. وذكر المزي في أطرافه هذا الحديث ثم قال: رواه أبو داود في المراسيل عن هارون بن محمد عن أبيه وعمه كلاهما عن يَحيَى بن حمزة عن سليمان بن أرقم عن الزهري، ثم قال: وعن ابن هبيرة قرأت في أصل يحيى بن حمزة حدثني سليمان بن أرقم بإسناده نحوه. وعن الحكم بن موسى عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود عن الزهري نحوه. قال أبو داود: وهذا وهم من الحكم - يعني قوله ابن داود. وفي الميزان للذهبي: " قال أبو زرعة الدمشقي: الصواب سليمان بن أرقم. وقال أبو الحسن الهروي: الحديث في أصل يحيى بن حمزة عن سليمان بن أرقم غلط عليه الحكم. وقال ابن مندة: رأيت في كتاب يحيى بن حمزة بخطه: عن سليمان بن أرقم عن الزهري، وهو الصواب. وقال صالح جزرة: ثنا دحيم قال: نظرت في أصل كتاب يَحيَى،

стр. 233

حديث عمرو بن حزم في الصدقات فإذا هو عن سليمان بن أرقم، قال صالح: فكتب هذا الكلام عني مسلم بن الحجاج. قال الذهبي: ترجح أن الحكم وهم فيه ولا بد، فالحديث إذاً ضعيف ". وقال ابن معين: سليمان الخولاني لا يعرف، والحديث لا يصح، وقال مرة: ليس بشيء. ومرة: شامي ضعيف. وقال ابن حنبل: ليس بشيء. وفي التمهيد لابن عبد البر: قال أحمد بن زهير سمعت ابن معين يقول: سليمان بن داود الذي يروي عن الزهري حديث الصدقات والديات: مجهول لا يعرف. وقال الطحاوي: سمعت ابن أبي داود يقول: سليمان بن داود، وسليمان بن أبي داود الحراني ضعيفان جميعاً. انتهى ما أورده ابن التركماني ﵀. قلت أنا أبو عبد الله: قد انحصرت أقوال من تقدمت اعتراضاتهم في أمرين: الأول: ضعف سليمان بن داود. الثاني: وهم الحكم حيث أبدل سليمان بن أرقم بسليمان بن داود.

стр. 234

أما الاعتراض الأول فغير مكتمل، لأنه قد ثبتت عدالته عند غير واحد من الأئمة فأما قول الإمام أحمد: " ليس بشيء " على ما قال ابن التركماني - إن صح - فقد قابله ما نقله البغوي عنه، وقدمناه، من قوله: " أرجو أن يكون الحديث صحيحاً " مع تصريحهم بالسند الذي فيه يحيى عن سليمان. وأما قول الدارقطني: فيه إقرار بثقة سليمان وتشكيك بصحة الخبر عنه، هذا ظاهر الذي نقله ابن التركماني عنه، حيث لم يغمز من قدر سليمان وإنَّما شكلك في صحة الخبر عنه حسب. وقد جاء عن الدارقطني أنه قال مرة: ضعيف، وقال مرة: لا بأس به، وقال في ترجمة سليمان بن أرقم: وقيل: هو سليمان بن داود في حديث الصدقات. فالدارقطني مرة يثبت أن الحديث غير ثابت، ومرة يشك في كون ابن أرقم هو ابن داود في حديث الصدقات فيقول: وقيل. ومرة يوثق سليمان، ومرة يضعفه. وأما قول ابن معين، فمرة يقول مجهول لا يعرف، ومرة يقول: ليس بشيء، ومرة يقول شامي ضعيف، فالظاهر من كلامه أنه عنده مجهول الحال، فأطلق الضعف عليه، ومثل هذا غير قادح إذا عرفه غيره، وقد حصل. ثم إن في كلام ابن معين ما يشعر أنه موافق لصحة هذا الخبر عنه،

стр. 235

حيث قال: يروي عن الزهري حديث الصدقات، ولم يتعقب ذلك، فكأنه أقره. وأما في مقابل قول من ضعفه، فقد وثقه من هم أكثر منهم عدداً. فقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال ابن حبان: ثقة مأمون. ووثقه الحاكم، والبيهقي، وابن عدي، والدارمي، وابن حجر وغيرهم، فهو مختلف فيه كما قدمنا، ولذلك قال الذهبي: مختلف فيه، ولم يزد. وأما الجواب عن العلة الثانية فهو ما حكاه عبد الرحمن أبو محمد في علل الحديث حيث قال: " سألت أبي عن حديث رواه يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جدّه: أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن بصدقات الغنم. . . قلت له: من سليمان هذا؟ قال أبي: من الناس من يقول سليمان بن أرقم. قال: وقد كان قدم يحيى بن حمزة العراق، فيرون أن الأرقم لقب، وأن الاسم داود. قال: ومنهم من يقول سليمان بن داود الدمشقي شيخ ليحيى بن حمزة، لا بأس به.

стр. 236

قال: فلا أدري أيهما هو، وما أظن أنه هذا الدمشقي، ويقال: إنهم أصابوا هذا الحديث بالعراق من حديث سليمان بن أرقم، انتهى. قلت أنا أبو عبد الله: فإن ثبتت هذه النكة العجيبة في أن الأرقم هو لقب له، ما ضره ما تقدم من ثبوت لفظة الأرقم في أصل يحيى الذي ما زال يحكيه أهل العلم، ونسأل الله أن يكون هذا الحديث حسناً، وإلا فقد اكتفينا بما ثبت في ذلك بالأحاديث الأخرى المتقدمة. وإلى هذا الموضع فجميع ما قدمنا من الأحاديث متنها واحد، على النحو الذي سقناه في أول الأخبار، من غير اختلاف.

стр. 237

الوصل الثاني: في ذكر الرواية المخالفة الضعيفة التي أفتى بها الحنفية والثوري والنخعي خلافاً للجمهور: وقد وقع الخلاف الأول في المتن بتحديد صدقة الإبل، فيما أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده، وعمل بما فيه - أكثر - الحنفية، ولولا ذلك لحشرناه في زمرة الأحاديث التي لم يفت بها الفقهاء. فأخرج الشيخ الإمام إسحاق بن راهويه في " مسنده " وأبو داود في " مراسيله "، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " وابن حزم في " المحلى " جميعهم من طريق: حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن محمد بن عمرو بن حزم. ولكن اختلفت عباراتهم: فعند إسحاق: قال حماد: هذا كتاب كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم في فرائض الإبل والغنم: " وفي الغنم. . . " الحديث. وفيه: وفي الإبل في خمس وعشرين بنت مخاض، فإن لم توجد فابن لبون، فإذا بلغت ستاً وثلاثين ففيها بنت لبون، فإذا بلغت ستاً وأربعين ففيها حقة، حتى تبلغ ستين، ثم فيها جذعة، حتى تبلغ خمساً وسبعين، فإن فيها بنتي لبون حتى تبلغ تسعين، فإذا زادت ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإذا زادت فعد إلى أول الفريضة في الإبل؛ في كل خمس من الإبل شاة، حتى تبلغ عشرين ومائة، فإذا كثرت ففي كل خمسين حقة. قال حماد: أخبرنا بذلك قيس بن سعد، عن أبي بكر بن عمرو بن حزم.

стр. 238

وأما عند أبي داود: قال حماد: قلت لقيس بن سعد: خذ لي كتاب محمد بن عمرو بن حزم، فأعطاني كتاباً، أخبر أنه أخذه من أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: " أن النبي ﷺ كتب لجدّه، فقرأته، فكان فيه ما يخرج من فرائض الإبل، فقص الحديث إلى أن يبلغ عشرين ومائة، فإذا كانت أكثر من ذلك، فعد في كل خمسين حقة، وما فضل فإنه يعاد إلى أول فريضة الإبل. . . . ". قلت - أنا أبو عبد الله -: فقد اختلفا اختلافاً بيناً في فرائض الإبل بعد المائة والعشرين. هذا في المتن. وأما في السند، فإنه ألغى الإخبار الذي في مسند إسحاق، وبين أن المأخوذ هو كتاب، عن طريق المناولة. وأما عند ابن حزم: عن حماد أنه أخذ من قيس بن سعد كتاباً عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن رسول الله ﷺ كتب لجدّه عمرو بن حزم ذكر ما يخرج من فرائض الإبل: فذكره. . . بمثل رواية أبي داود. وعند الطحاوي نحو ما تقدم. وله شاهد: فأخرج عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن النبي ﷺ كتب لهم كتاباً فيه: ". . . فإذا كانت أكثر من ذلك - عشرين ومائة - فاعدد في كل خمسين حقة، وما كان أقل من خمسة وعشرين ففي كل خمس شاة.

стр. 239

قلت: وهذا اللفظ موافق لما عند إسحاق. وهذه الأحاديث لا يصح منها شيء البتَّة، ولو أعلت بالشذوذ قبل النظر لإسنادها لصح ذلك، لكنها غير صحيحة من جهة الإسناد أيضاً. أما حديث عبد الرزاق فمعضل سقط منه أبو عبد الله، وأبوه، وهو كما قال ابن عدي وقدمنا كلامه: " قد أفسد معمر إسنادهاً فتارة يرويه هكذا معضلاً، وتارة عن الزهري عن أبي بكر ". وأما رواية حماد المذكورة، فقد ردّها غير واحد من العلماء وبينوا علتها، وأكثر من ذكر في الرد عليها الزيلعي فإنه قال في " نصب الراية ": " قال ابن الجوزي ﵀ في " التحقيق ": هذا حديث مرسل، قال هبة الله الطبري: هذا الكتاب صحيفة ليس بسماع، ولا يعرف أهل المدينة كلهم عن كتاب عمرو بن حزم إلا مثل روايتنا التي رواها الزهري وابن المبارك وأبو أويس، كلهم عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جدّه، مثل قولنا، ثم لو تعارضت الروايتان عن عمرو بن حزم بقيت روايتنا عن أبي بكر الصديق ﵁، وهي في الصحيح، وبها عمل الخلفاء الأربعة. وقال البيهقي: هذا حديث منقطع بين ابي بكربن حزم وبين النبي ﷺ ، وقيس بن سعد أخذه عن كتاب لا عن سماع، وكذلك حماد أخذه عن كتاب لا عن سماع، وقيس بن سعد وحماد بن سلمة، وإن كانا من الثقات، فروايتهما هذه تخالف رواية الحفاظ عن كتاب عمرو بن حزم

стр. 240

وغيره، وحماد بن سلمة ساء حفظه في آخر عمره، فالحفاظ لا يحتجون بما يخالف فيه، ويتجنبون ما ينفرد به وخاصة عن قيس بن سعد وأمثاله، وهذا الحديث قد جمع الأمرين مع ما فيه من الانقطاع، والله أعلم. قال البيهقي في المعرفة: الحفاظ مثل يحيى القطان وغيره، يضعفون رواية حماد عن قيس بن سعد. ثم أسند عن أحمد بن حنبل قال: ضاع كتاب حماد بن سلمة عن قيس بن سعد، فكان يحدثهم من حفظه، ثم أسند عن ابن المديني نحو ذلك. قال البيهقي: ويدل على خطأ هذه الرواية أن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم رواه عن أبيه عن جدِّه بخلافه. وأبو الرجال محمد بن عبد الرحمن الأنصاري رواه بخلافه. والزهري مع فضل حفظه رواه بخلافه في رواية سليمان بن داود الخولاني عنه موصولاً، وفي رواية غيره مرسلاً. قال البيهقي: وإذا كان حديث حماد عن قيس مرسلاً ومنقطعاً، وقد خالفه عدد، ومنهم ولد الرجل. والكتاب بالمدينة بأيديهم يتوارثونه بينهم. وأمر به عمر بن عبد العزيز فنسخ له فوجد مخالفاً لما رواه حماد عن قيس، موافقاً لما في كتاب أبي بكر وما في كتاب عمر.

стр. 241

وكتاب أبي بكر في الصحيح. وكتاب عمر أسنده عنه سفيان بن حسين، وسليمان بن كثير عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي ﷺ ، ولم يكتبه عمر عن رأيه، إذ لا مدخل للرأي فيه، وعمل به عمر وأمر به عمّاله، فعملوا به، وأصحاب النبي ﷺ متوافرون، وأقرأه ابنه عبد الله بن عمر، وأقرأه عبدُ الله ابنه سالماً، ومولاه نافعاً، وكان عندهم حتى قرأه مالك بن أنس. أفما يدلك ذلك كله على خطأ هذه الرواية. انتهى كلام البيهقي، وبه ينتهي ما جاء في " نصب الراية ".

стр. 242

الوصل الثالث: في ذكر الحديث المخالف، الذي ليس العمل عليه عند سائر الفقهاء: وهو ما أخرجه أبو داود في سننه قال: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، أخبرنا زهير، أخبرنا أبو إسحاق عن عاصم بن ضمرة، وعن الحارث الأعور عن علي ﵁، قال زهير: أحسبه عن النبي ﷺ أنه قال:. . . . فذكر الحديث. وفيه: ". . . وفي خمسة وعشرين - من الإبل - خمسة من الغنم، فإذا زادت واحدة ففيها ابنة مخاض. . . ". وأخرجه البيهقي من غير طريق عن سفيان الثوري، وعن شعبة وزهير بن معاوية وغيرهم عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة أن عليا ﵁ قال: ". . . وفي خمس وعشرين من الإبل خمس شياه. . . ". رووه هكذا موقوفاً، ثم ساق البيهقي الرواية الموصولة من طريق أبي داود. وأخرجه أبو عبيد في الأموال كذلك بهذا موقوفاً من طريق أبي بكر بن عياش عن أبي إسحاق. وأخرجه عبد الرزاق في المصنف موقوفاً عن معمر عن أبي إسحاق.

стр. 243

قلت أنا أبو عبد الله: حديث أبي داود له عنده إسناد آخر مبهم غير مفسر قال فيه أبو داود: حدثنا سليمان بن داود المهري أنبأنا ابن وهب أخبرني جرير بن حازم - وسمى آخر - عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة والحارث الأعور عن علي عن النبي ﷺ ببعض أول هذا الحديث قال: فإذا كانت لك مائتا درهم. . . الحديث. وللحديث طريق موقوف أيضاً عن أبي الأحوص، رواها ابن أبي شيبة وذكرها من روايته ابن حزم في المحلى. ثم قال ابن حزم: وقد أسند زهير بن معاوية من طريق الحارث عن علي ﵁، والحارث كذاب، ولا حجة فى قول أحد دون رسول الله ﷺ ، انتهى كلام ابن حزم. قلت أنا أبو عبد الله: قد فتح ابن حزم طرق تضعيف هذا الحديث بأمرين - أصلهما واحد -. الأول: إعلاله بالوقف. الثاني: إعلاله بأن الرافع للخبر هو الحارث الأعور وهو كذاب، فكأنه لم يثبت الرفع. والذي حمله على هذا أن سائر رجال أبي داود الذين وصلوا الخبر، هم أئمة أو ثقات، بل إنه جاء في ترجمة عبد الله بن محمد النفيلي: قال أبو الفضل يعقوب بن إسحاق: سمعت أحمد بن سلمة يحكي عن مسلم بن وارة قال: أحمد بن حنبل ببغداد والنفيلي بحرّان. . . أركان الدين. وقال أحمد بن حنبل: أهل أن يقتدى به.

стр. 244

وقال ابن نمير: هو رابع أربعة ابن مهدي ووكيع والفضل بن دكين. وقد جاء عن أحمد بن حنبل أنه ثبت جداً في زهير. وأما زهير فقال فيه ابن عيينة: ما بالكوفة مثله. وقال أحمد: من معادن الصدق. وقال ابن معين: ثقة. وغلا شعيب بن حرب فقال: كان زهير أحفظ من عشرين مثل شعبة!! ثم الناس متفقون على توثيقه. فلذلك لم يعلّه ابن حزم بغير هذا. ثم رأيت ابن القيم في شرح أبي داود يقول: قال ابن حزم: حديث علي هذا، رواه ابن وهب عن جرير بن حازم، عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة والحارث الأعور، قرن فيه أبو إسحاق بين عاصم والحارث، والحارث كذاب، وكثير من الشيوخ يجوز عليه مثل هذا، وهو أن الحارث أسنده، وعاصم لم يسنده، فجمعهما جرير، وأدخل حديث أحدهما في الآخر، وقد رواه شعبة وسفيان ومعمر عن أبي إسحاق عن عاصم موقوفا عليه، وكذلك كل ثقة رواه عن عاصم إنما وقفه على عليّ، فلو أن جريرا أسنده عن عاصم أخذنا به. هذه حكاية عبد الحق الإشبيلي عن ابن حزم، وقد رجع عن هذا في كتابه المحلّى فقال في آخر المسألة:

стр. 245

ثم استدركنا فرأينا أن حديث جرير بن حازم مسند صحيح لا يجوز خلافه. وأن الإعتلال فيه بأن أبا إسحاق أو جريراً خلط إسناد الحديث بإرسال عاصم هو الظن الباطل الذي لا يجوز، وما علينا في مشاركة الحارث لعاصم، ولا لإرسال من أرسله، ولا لشك زهير فيه، وجرير ثقة، فالأخذ بما أسند لازم،. انتهى كلام ابن حزم وبه ينتهي كلام ابن القيم. ثم رجعت إلى إمام الدنيا في العلل فوجدته يعلّ هذا الخبر، ويقطع أنه موقوف. قال الإمام الدارقطني ﵀: يروي حديث الصدقات أبو إسحاق، واختلف عنه. فرفعه أبو أحمد الزبيري عن أبي إسحاق - يعني عن عاصم بن ضمرة - عن علي، شك في رفعه، ووقفه غيره عن الثوري. ورواه عبد المجيد عن معمر عن أبي إسحاق مرفوعاً. وشك زهير في رفعه، كذلك قال الحسن بن موسى الأشيب عن زهير. قلت: وكذا قال أبو داود أو النفيلي - كما قدمنا -. قال الدارقطني: ورواه أبو بدر شجاع بن الوليد عن زهير عن أبي إسحاق عن عاصم والحارث عن علي، فرفع بغير شك، إلا أنه لم يذكر في

стр. 246

حديثه إلا زكاة البقر فقط ورفعه الحسن بن عمارة عن أبي إسحاق عنهما عن علي عن النبي ﷺ . ورفعه سلمة بن صالح، وأيوب بن جابر عن أبي إسحاق عن عاصم عن علي. ووقفه شعبة، وأشعث بن سوار، وعلي بن صالح، وأبو بكر بن عياش وغيرهم عن أبي إسحاق، والصواب أنه موقوف عن علي. انتهى كلام الدارقطني. قلت أنا أبو عبد الله: فوجب عندي رد الحديث المرفوع من تسعة أوجه: إما لقلة الرفاعين عن عدد الواقفين. وإما لضعف الرفّاعين له كالحسن بن عمارة وسلمة بن صالح وأيوب بن جابر، وإما للاختلاف على الرافع كما يذكر عن الثوري ومعمر، وإما للشك كما يذكر عن زهير، وإما عدم وجود المتن الشاهد لفرائض الإبل، كما في رواية جرير،

стр. 247

وإما لوجود الحارث الأعور مع عاصم، فلم ندر من الرافع منهما للخبر، وإما لكون زهير حدث عن بي إسحاق بعد الاختلاط، وهذه العلة السابعة هي قاصمة الظهر، فقد ذكر الرازي في الجرح والتعديل عن صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه قال: زهير فيما روى المشايخ ثبت، وفي حديثه عن أبي إسحاق لين سمع منه بأخرة. وقال أبو زرعة: ثقة إلا أنه سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط وقال أبو حاتم: زهير أحب إلينا من إسرائيل في كل شيء إلا في حديث أبي إسحاق. وأما الثامن فيما ذكره الحافظ في التلخيص قال: ونبه ابن الموّاق على عفة خفية فيه، وهي أن جرير بن حازم والحارث بن نبهان عن الحسن بن عمارة عن أبي إسحاق فذكره. قال ابن المواق: والحمل فيه على سليمان شيخ أبي داود فإنه وهم في إسقاط رجل. - قلت أنا أبو عبد الله -: ومما يؤكد هذا عدم ذكر الحديث عند الدارقطني من طريق الحارث بن نبهان عن أبي إسحاق، مع سعة إطلاعه، وإنما اكتفى بذكر الحسن بن عمارة الراوي المتروك، عن أبي إسحاق، فصح هذا الذي ذكر ابن المواق، والله أعلم. فإذا أضفت لهذه الوجوه الثمانية، المخالفة، علمت أن الخبر لا يثبت رفعه.

стр. 248

الوصل الرابع: في ذكر من ثقل الإجماع علي خلاف هذا الخبر، وترك العمل به: قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال، بعد ذكر حديث علي موقوفاً: وهذا قول ليس عليه أحد من أهل الحجاز، ولا أهل العراق، ولا غيرهم نعلمه. وقال الإمام البيهقي: وقد أجمعوا على ترك القول به. قلت: وقد بينا من قبل اختلاف الناس على غير هذا القول.

стр. 249

الحديث العاشر إلى الحديث العشرين، في السحور بعد الأذان الأصل في هذه المسألة قول الله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ). وقد جاءت السنة ففسرت هذا، كما في حديث ابن مسعود المخرج في الصحيحين وغيرهما: أن رسول الله ﷺ قال: " لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن بليل، ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم، وليس الفجر أن يقول هكذا - وجمع بعض الرواة كفيه - حتى يقول هذا، ومد إصبعيه السبابتين ". وفي لفظ لمسلم: " إن الفجر ليس الذي يقول هكذا، وجمع أصابعه ثم نكسها إلى الأرض، ولكن الذي يقول هكذا، ووضع المسبحة على المسبحة ومد يديه ". وأخرج مسلم وغيره فيما يصح تفسيراً للآية من حديث سمرة ﵁ قال: " لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال، ولا بياض الأفق المستطيل هكذا، حتى يستطير هكذا " وحكاه حماد بن زيد بيديه قال: يعني معترضاً. وقال أبو داود الطيالسي في رواية النسائي: بسط يديه يميناً وشمالاً، ماداً يديه. وأخرج الترمذي وأبو داود عن طلق بن علي مرفوعاً: كلوا واشربوا، ولا يهيدنّكم الساطع المصعد حتى يعترض لكم الأحمر ".

стр. 250

وهذه الأحاديث الثلاثة هي العمدة في اختيار بيان طلوع الفجر ووجوب الإمساك، وعليها الفتوى في سائر الأمصار، فقالوا: ذلك الفجر المعترض في الأفق يمنة ويسرة. وأثبتها الأول ثم الثاني والثالث، وما دونهما من الأحاديث لا يرقى لنحوها في الصحة مما رفعوه وهي غير قليلة، وفيها حسن أيضاً، وذلك أن هذه الثلاثة قد جاءت مفسرة للآية بما يقطع الشك، فوق الذي جاء في حديث زيد بن ثابت، وأنس بن مالك عند الشيخين الأول، والآخر عند البخاري والنسائي، وتفرد البخاري بحديث عن سهل في الباب، فإنها فيه ذكر السحور داخل الوقت، لا في تعيينه وتحديده. وكذا القول في حديثي عائشة وابن عمر، وهما في الصحيحين أيضا، فإن التعويل فيهما على الأذان الذي عند طلوع الفجر، فعلقا الأذان على الطلوع، وهو غير مفسر في حديثيهما، فكانا عامين في المسألة كالآية، فعاد المصير لما قدمنا. لأجل هذا ذهب الأئمة الأربعة، وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم للقول بهذه الأخبار، فيما نقله عنهم ابن المنذر وزاد: وبه قال عمر بن الخطاب، وابن عباس وعلماء الأمصار، وبه نقول.
следующие страницы →