Полный текст (436 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
قلت: أكان الرجل يبصر مواقع نبله؟
قال: نعم، هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع.
وأخرجه ابن جرير قال: حدثنا أبو كريب. قال: ثنا أبو بكر عن عاصم عن زر عن حذيفة قال: قلت: تسحرت مع رسول الله ﷺ ؟
قال: نعم، لو أشاء لأقول هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع.
وحدثنا أبو كريب قال: ثنا أبو بكر، قال؛ ما كذب عاصم على زر، ولا زر على حذيفة. قال قلت له: يا أبا عبد الله تسحرت مع النبي ﷺ ؟ قال: نعم هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع.
وحدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان عن عاصم عن زر عن حذيفة قال: كان النبي ﷺ يتسحر وأنا أرى مواقع النبل.
قلت: أبعد الصبح؟
قال: هو الصبح إلا أنه لم تطلع الشمس.
وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا الحكم بن بشير، قال حدثنا عمرو بن قيس وخلاد الصفار عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش قال: أصبحت ذات يوم فغدوت إلى المسجد، فقلت. لو مررت على باب حذيفة، ففتح لي فدخلت، فإذا هو يسخن له طعام، فقال اجلس حتى تطعم.
فقلت: إني أريد الصوم.
فقرب طعامه فأكل، وأكلت معه، ثم قام إلى لقحة في الدار فأخذ يحلب من جانب، وأحلب من جانب، فناولني.
стр. 282
فقلت: ألا ترى الصبح؟
قال: اشرب.
فشربت ثم جئت إلى باب المسجد فأقيمت الصلاة.
فقلت له: أخبرني بآخر سحور تسحرته مع رسول الله ﷺ .
فقال: هو الصبح إلا أنها لم تطلع الشمس.
وأخرجه ابن ماجه في سننه قال: حدثنا علي بن محمد، ثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر، عن حذيفة قال: تسحرت مع رسول الله ﷺ ، هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع.
وأخرجه النسائي من أوجه كثيرة قال: أنبأنا محمد بن يحيى بن أيوب، قال: أنبأ وكيع عن سفيان عن عاصم عن زر قال: قلنا لحذيفة: أي ساعة تسحرت مع رسول الله ﷺ ؟ قال: هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع.
ثم أخرجه موقوفاً من طريقين:
الأول: عن شعبة عن عدي قال سمعت زراً قال تسحرت مع حذيفة. . . فذكره.
الثاني: عن محمد بن فضيل ثنا يعقوب، ثنا إبراهيم، عن صلة بن زفر قال تسحرت مع حذيفة. . .
стр. 283
وأخرجه ابن حزم في " المحلّى " قال: حدثنا حمام بن أحمد، ثنا عبد الله بن محمد الباجي، ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن، ثنا حبيب بن خلف البخاري، ثنا أبو ثور إبراهيم بن خالد، ثنا روح بن عبادة، ثنا حماد بن سلمة عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش قال: تسحرت، ثم انطلقت إلى المسجد، فدخلت على حذيفة. . .
فذكر مثل لفظ أحمد الأول، إلا أنه قال: " بعد الصبح. . . " مكان " هو الصبح. . . ".
وقال: حدثنا محمد بن سعيد بن نبات، ثنا عبد الله بن نصر، ثنا قاسم بن أصبغ، ثنا ابن وضاح ثنا موسى بن معاوية، ثنا وكيع عن سفيان الثوري عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش قلت لحذيفة: أي وقت تسحرتم مع رسول الله ﷺ ؟
قال: هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع.
وأخرجه سعيد بن منصور عن أبي الأحوص عن عاصم عن زر به، وكذا ابن أبي شيبة.
قلت: فهذه الأسانيد، لا يتطرق إليها الضعف لجهة الراوين عن عاصم بن بهدلة - وهو نفسه ابن أبي النجود، باتفاق - أمثال سفيان الثوري وعنه وكيع ومؤمل، وحماد بن سلمة وعنه روح وعفان، وأبو بكر بن عياش وعنه علي بن محمد وغيره، وغيرهم.
стр. 284
ومن فوقه زر بن حبيش عن حذيفة، - لا كلام - وأما عاصم بن أبي النجود واسم أمه بهدلة: فقد وثقه جميع الناس، ولم يختلف في عدالته أحد.
إلا أن كبار الحفاظ - ومع توثيقهم له - ينتقدون عليه مفاريده، واضطراباته، وسوء في حفظه.
قال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عنه فقال: ثقة.
فذكرته لأبي، فقال: ليس هذا محله أن يقال: إنه ثقة، وقد تكلم فيه ابن علية فقال: كان كل من اسمه عاصم سيئ الحفظ.
وقال أبو حاتم أيضاً: محله عندي الصدق، صالح الحديث، ولم يكن بذاك الحافظ.
وقال ابن خراش: في حديثه نكرة.
وقال أبو جعفر العقيلي: لم يكن فيه إلا سوء الحفظ.
وقال الدارقطني: في حفظه شيء.
وقال يعقوب بن سفيان: في حديثه اضطراب، وهو ثقة
وقال ابن رجب في شرح علل الترمذي: وممن يضطرب في حديث سماك، عاصم بن بهدلة.
стр. 285
وقد ذكر الترمذي، أن هؤلاء وأمثالهم، ممن تكلم فيه من قبل حفظه وكثرة خطأه، لا يحتج بحديث أحد منهم إذا انفرد - يعني من الأحكام الشرعية والأمور العلمية - وأن أشد ما يكون ذلك إذا اضطرب أحدهم في الإسناد فزاد فيه أو نقص، أو غيَّر الإسناد أو غيَّر المتن تغييراً يتغتر به المعنى. . . ".
قلت: فهذا أشد مما ذكر ابن رجب، فإنه وإن لم يكن مضطرباً سنداً، لكنه في سياقه اختلاف، فهو مضطرب متناً: فتارة يقول: فأمر بلقحة فحلبت.
ثم يقول: فقام إلى لقحة في الدار، فأخذ يحلب من جانب وأحلب من جانب.
وطوراً يقول: " بعد الصبح ".
ثم يقول: " هو الصبح ".
ومرة يقول: كان بلال يأتي النبي وهو يتسحر، وإني لأبصر مواقع نبلي - والمبصر حذيفة - ومرة يقول: " كان الرجل يبصر مواقع نبله " - والسائل زر.
وقد يجاب عن جميع هذا بأنه يحمل على التعدد في الواقعة، أو حكاية الرواة للحديث بالمعنى.
قلت: وهو جواب محتمل غير مدفوع، لا يقطع فيه.
لكن من يرى كالترمذي - على ما حكى ابن رجب - أن من كان سيئ الحفظ، أو كثير الخطأ، يرد ما جاء عنده من تفرد زائد على الخبر، فمن باب أولى أن يرد الحديث إذا كان الخبر كله مما تفرد به هذا الراوي.
стр. 286
ومع هذا فإن الحافظ ابن حجر في الفتح يصحح هذا الخبر فيقول: " روى سعيد بن منصور عن أبي الأحوص عن عاصم عن زر عن حذيفة قال: تسحرنا مع رسول الله ﷺ ، هو والله النهار غير أن الشمس لم تطلع، وأخرجه الطحاوي من وجه آخر عن عاصم نحوه، وروى ابن أبي شيبة وعبد الرزاق ذلك عن حذيفة من طرق صحيحة.
قلت: وإني متوقف في صحة هذا الخبر، لما تقدم.
стр. 287
وصل فيما يستفاد من الخبر على فرض ثبوته وتسمية القائلين به، والجواب عنه:
اعلم أن قول حذيفة في الخبر " إلا أن الشمس لم تطلع " غير مفيد إلا للإسفار في التسحّر، إسفاراً مبهماً غير مفسر، فالسحور على كل حال لا تطلع عنده الشمس، وقوله " إلا " مفيد للقرب قدراً من الزمن يختلف الناس في تحديده وتعيينه اختلافاً كبيراً، بحسب الطباع والعادات، واختلاف تعابير الناس واصطلاحهم في اللفظ، وباختلاف البلدان، بل وباختلاف البلد الواحد، بل وربما القرية الواحدة، بحسب قرب القائل من الوديان أو الجبال وبعدهم عنها، أو المقيمين عليها أو فيها. وكذا يختلف في أيام السنة، وصفاء الجو، ومطالع القمر ومواقيته.
إنما المحدد في هذا الخبر: قوله " هو الصبح " أو " بعد الصبح " فأما الأول فلا إشكال فيه، لأنه هو المقصود ببداية حل الصلاة وتحريم الطعام، فهو موافق للآية والأخبار المتقدمة، إذ الصبح يطلق على الفجر، كما في الأحاديث الصحيحة الكثيرة، كما في صحيح مسلم وغيره " من صلى الصبح فهو في ذمة الله ".
وأما الثاني " بعد الصبح " فهو المشكل جداً الذي لا يرد - على التحقيق - إلا بالمخالفة والشذوذ، وما قدمناه من الإعلال.
أو أن يحمل هذا اللفظ على الأذان الأول، وفيه بعد، ويصرفه ما بعده " إلا أن الشمس لم تطلع " فمثل هذا لا يقال في الأذان الأول مطلقاً.
وما علمت من الفقهاء أحداً يقول بظاهر هذا الخبر البتَّة، وإنما هو
стр. 288
منقول عن بعض الصحابة، بل عن أبي بكر قطعاً بالأسانيد الصحيحة، وعن على احتمالاً مع صحة السند إليه، فإنه قال مرة بعدما صلى الصبح: " الآن حين تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود " رواه عنه ابن المنذر بسند صحيح.
فقطع بعض الناس أن المراد صحة ذهابه إلى جواز السحور بعد الصلاة، وهو غير مقطوع به على الصحيح، للخلاف المشهور في حتى، هل هي تفيد الوصول أو الغاية، فبالقول الأول هي موافقة لظاهر القرآن، وما عينته السنة من أن الأذان بالصبح هو انتهاء وقت إباحة الطعام.
وكذا خبر علي في قصة تسحره في العسكر، فإنه محتمل إن صح له الخبر، وكذا خبر ابن مسعود محتمل أيضاً، لا يقطع فيه بمثل قول أبي بكر ﵃ أجمعين.
فإني لا أحل النقل عن علي وابن مسعود، بمثل النقل عن أبي بكر، وأما من التابعين فهو الأعمش، ولم يكن يعمل به، كما هو ظاهر كلامه فإنه قال: " لولا الشهرة لصليت الغداة ثم تسحرت، فمفهومه أنه كان يراه ولا يفعله، ومعناه منقول عن أبي بكر بن عياش راوي هذا الخبر كما قدمنا، ولم يصل إلينا إن كان عمل به أم لا.
لذلك صح تعقب الحافظ على الموفق وغيره في نقلهم الإجماع على خلاف ما ذهب إليه الأعمش.
قلت فصح هذا الحديث على شرطنا، إن كان قال به واحد أو اثنان من الفقهاء أو المحدثين.
стр. 289
الحديث الحادي والعشرون
في توريث المولى الأسفل معتقه
اعلم هدانا الله وإياك لفصل الخطاب، وتحقيق الصواب، أننا إنما قلنا الأسفل فيما ترجمنا به تبعاً للمدققين من أصحاب المعرفة في تبين المراد.
فالمولى كلمة تطلق على المعتق - بكسر التاء، والمعتق - بفتحها - فكانت مبهمة، فقيدوها بالأسفل لبيان المراد، وأن المقصود بالمولى: المعتق - بفتح التاء - لا سيّده الذي أعتقه.
واعلم أن هذا الحديث مسألته خاصة، ولا تعلق لها بغيرها من المسائل التي يوردها بعض العلماء في باب واحد من غير تفريق، وهو خطأ محض، ويقع الشراح في ذكر الفتاوى فيها في أخطاء لعدم التفرقة والتمييز بين المسائل.
فأكثر ما يقع الاشتباه بين هذه المسألة في توريث المولى الأسفل من سيده، وبين مسألة توريث الرجل ممن أسلم على يديه.
فخلط في هاتين المسألتين الشوكاني في النيل، والسندي في حاشية ابن ماجه، ومن المعاصرين إن شئت قلت سائرهم إلا قليلاً جداً.
وأما أهل التحقيق من المحدثين والفقهاء فكلامهم فيه بيّن جداَ مفصّل، في تقسيم الأبواب، وفي نقل مذاهب العلماء، كعبد الرزاق، وابن أبي شيبة وابن ماجه، وابن حزم، والبيهقي، وابن حجر وغيرهم.
والذي أوقع من ذكرناهم في هذا، إنما هو إيراد هذه الأحاديث من بعض المحدثين دون تفريقها تحت باب ميراث ذوي الأرحام، كما يفعل أبو داود وغيره، فوقع الوهم عند من لم يتدبر.
فأما مسألة توريث الرجل ممن أسلم على يديه، ففيها حديث تميم الداري، وأبي أمامة وغيرهما، ولفظ حديث تميم: سألت رسول الله ﷺ عن
стр. 290
الرجل: من أهل الكفر يسلم على يدي الرجل من المسلمين، ما السنة فيه , قال: هو أولى الناس بمحياه ومماته.
ولفظ حديث أبي أمامة: " من أسلم على يديه رجل فهو مولاه ".
стр. 291
في الباب عن عمر عند إسحاق بن راهويه، وسعيد بن منصور، وعن عمرو بن العاص عند الطبراني، وعن راشد بن سعد مرسلاً، عند مسدد وسعيد بن منصور.
وفيه آثار أيضاً.
وهذه المسألة هي التي ينقل أهل العلم، أن الجمهور على خلاف هذه الأحاديث كما في المغني لابن قدامة فإنه قال: فإن أسلم الرجل على يدي الرجل لم يرثه بذلك، في قول عامة أهل العلم، منهم الحسن والشعبي ومالك والشافعي وأصحاب الرأي، وقد روي عن أحمد رواية أخرى أنه يرثه، وهو قول إسحاق، وحكي عن إبراهيم أن له ولاءه ويعقل عنه، وعن ابن المسيب: " إن عقل عنه ورثه، وإن لم يعقل عنه لم يرثه ".
وعن عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز ﵄ أنه يرثه وإن لم يواله.
لما روى راشد بن سعد قال: " قال رسول الله ﷺ " من أسلم على يديه
رجل فهو مولاه يرثه ويدي عنه " رواه سعيد، وقال:
стр. 292
حدثناه عيسى بن يونس ثنا معاوية بن يحيى الصدفي عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : " إن أسلم على يديه رجل فله ولاؤه ".
وروى بإسناده عن تميم الداري أنه قال يا رسول الله ما السنة في الرجل يسلم على يدي الرجل من المسلمين؟ فقال: " هو أولى الناس بمحياه ومماته " رواه أبو داود والترمذي وقال: لا أظنه متصلاً.
قال ابن قدامة: ولنا قول النبي ﷺ : " إنما الولاء لمن أعتق " ولأن أسباب التوارث غير موجودة فيه، وحديث راشد مرسل، وحديث أبي أمامة فيه يحيى، وحديث تميم تكلم فيه الترمذي، انتهى.
قلت: وليس الأمر عند الحنفية على إطلاقه هنا، فلهم فيه شروطا ذكروها.
والحاصل هنا أن هذا الحديث على غير شرطنا لكثرة القائلين به، وأننا قد ميزنا بينه وبين حديث ابن عباس وهو الآتي في توريث العبد من سيده.
ذكر حديث ابن عباس الذي على شرطنا وليست الفتوى عليه.
وله طريقان:
الأولى: عن عمرو بن دينار، عن عوسجة مولى ابن عباس، عن ابن عباس: أن رجلا مات على عهد رسول الله ﷺ ، ولم يدع وارثاً إلا عبداً هو أعتقه، فأعطاه النبي ﷺ ميراثه.
أخرجها عبد الرزاق عن ابن جريج قال أخبرني عمرو بن دينار فذكره بلفظ: " إن رجلاً مات ولم يدع أحداً يرثه، فقال النبي ﷺ : " ابتغوا، فلم يجدوا أحداً يرثه، فدفع النبي ﷺ ميراثه إلى مولى له أعتقه الميت، هو الذي
стр. 293
له الولاء، هو الذي أعتق.
وأخرجها عن ابن عيينة:
أحمد عنه، باللفظ الأول.
وعبد الرزاق عنه، مثل أحمد.
وابن ماجه عن إسماعيل بن موسى عنه، مثلهما.
والترمذي عن ابن أبي عمر عنه، مثلهم.
والبيهقي من طريق ابن المديني عن سفيان به، مثلهم.
وشيخه الحاكم من طريق الحميدي عن سفيان مثلهم وغيرهم.
وأخرجها عن حماد بن سلمة: أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل أخبرنا حماد، باللفظ الأول والبيهقي عن شيخه الحاكم من طريق يزيد بن هارون عن حماد به، كذلك.
стр. 294
الثانية: عن عمرو بن دينار عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، بنحو اللفظ الثاني أخرجها الحاكم في مستدركه قال: أخبرني أبو الحسين محمد بن أحمد الخياط، ثنا أبو قلابة، ثنا أبو عاصم، أنبأ ابن جريج أخبرني عمرو بن دينار عن عكرمة فذكره.
قال الحاكم: هذا إسناد صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه، إلا أن حماد بن سلمة وسفيان بن عيينة، روياه عن عمرو بن دينار عن عوسجة عن ابن عباس. انتهى.
وقد قال البيهقي أيضاً بعد إيراد هذه الطريق: " وهو غلط لا شك فيه.
قلت: وهو الحق الأبلج، لأن الثقات عن ابن جريج ذكروه على الاستقامة كالطريق الأولى، فأخرجه أحمد عن روح عنه بالطريق الأولى، وكذا عبد الرزاق عنه.
ثم لو فرضنا صحته عن ابن جريج من جميع الوجوه، لما أمكننا القول بصحة هذه الطريق لمخالفة ابن جريج لمن هو أوثق منه كابن عيينة، وموافقة حماد لابن عيينة.
فرجع الحكم على الحديث من جهة الطريق الأولى حسب.
وهي ضعيفة من وجهين:
الأول: الكلام في عوسجة.
الثاني: عدم سماع عمرو من عوسجة.
стр. 295
أما الكلام على عوسجة، فلما ذكر أبو حاتم والنسائي، قالا: ليس بمشهور وقال الذهبي: مجهول.
وذكره العقيلي في الضعفاء، وساق له هذا الخبر وقال: لا يتابع عليه.
قلت؛ وهو كلام لا يفيد ضعفاً، لأن عدم الشهرة غير كافية للراوي في رد خبره، وجهالة الذهبي له مردودة، وقد عرفه غيره، بل ووثقه جماعة منهم أبو زرعة، وابن حبان، وذكر له ابن عدي غير حديث من طريق عمرو عنه.
نعم، هذا ينزل بالخبر عن الصحة إلى الحسن لو صح سائره، لكن بقيت العلة الثانية التي ذكرها البخاري.
العلة الثانية:
قال الإمام البخاري: روى عنه عمرو بن دينار ولم يصح.
وهنا أسجل مسألة عبد الرحمن لأبيه عن هذا الخبر، قال: سألت أبي عن حديث رواه حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن عوسجة مولى ابن عباس أن رجلاً توفي على عهد رسول الله ﷺ ولم يدع وارثاً إلا مولى هو أعتقه. . . الحديث.
فقلت: إن ابن عيينة، ومحمد بن مسلم الطائفي يقولان: عن عوسجة
стр. 296
عن ابن عباس عن النبي ﷺ ، فقلت له: اللذان يقولان: ابن عباس، محفوظ؟
فقال: نعم، قصر حماد بن زيد.
قلت لأبي: يصح هذا الحديث؟
قال: عوسجة ليس بالمشهور. انتهى.
قلت أنا أبو عبد الله: فظاهر مسألة عبد الرحمن أن في نفسه من رواية الإرسال شيء، التي هي من طريق حماد بن زيد، وقد أخرجها البيهقي وغيره، وكذلك ذكره مرسلاً روح بن القاسم، فتابع حماد بن زيد، والرواية عند البيهقي أيضاً. وأنه قد خطر عنده إعلاله برواية الإرسال، فلم يوافقه أبوه.
فإني منفصل هنا على أن الخبر لا يصح.
стр. 297
وصل في أن الفتوى ليست علي هذا الخبر، والجواب عنه:
قال ابن حزم في " المحلّى ":
مسألة: والعبد لا يرث، ولا يورث ماله كله لسيده، هذا ما لا خلاف فيه، وقد جاء به نص نذكره بعد هذا إن شاء الله، وروينا عن بعض الصحابة أنه يباع فيعتق فيرث، وهذا لا يوجبه قرآن ولا سنة فلا يجوز القول به. انتهى.
وقال ابن قدامة في المغني: " ولا يرث المولى من أسفل معتقه في قول عامة أهل العلم، وحكي عن شريح وطاووس أنهما ورثاه لما روى سعيد عن سفيان عن عمرو بن دينار عن عوسجة عن ابن عباس أن رجلاً. . . الحديث.
قال الترمذي: هذا حديث حسن، وروي عن عمر نحو هذا.
قال ابن قدامة: ولنا قول النبي ﷺ : " إنما الولاء لمن أعتق " ولأنه لم ينعم عليه فلم يرثه كالأجنبي، وإعطاء النبي ﷺ قضية عين يحتمل أن يكون وارثاً بجهة غير الإعتاق، وتكون فائدة الحديث أن إعتاقه له لم يمنعه ميراثه.
ويحتمل أنه أعطاه صلة وتفضلاً ". انتهى.
وبمثل جواب ابن قدامة الأخير، أجاب القاري، فقال: وهذا الجعل
стр. 298
مثل ما سبق في حديث عائشة ﵂ في الذي أعطوا ميراثه رجلاً من أهل قريته بطريق التبرع لأنه صار ماله لبيت المال. انتهى.
وقول المباركفوري مثله في شرح الترمذي وكذا السندي على ابن ماجه. قلت: وحديث عائشة أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي وحسنه، والنسائي في الكبرى والبيهقي في السنن، وغيرهم.
ومثل هذا حديث بريدة في الذي توفي من الأزد فلم يجدوا له وارثاً فقال رسول الله ﷺ : " ادفعوا ماله لأكبر خزاعة "، خرجه أحمد وأبو داود وغيرهما.
فقد ذكر أهل العلم أن هذه وقائع عين، يتخير فيها الإمام في صرف هذا المال على هذا النحو، وذهب بعضهم لظاهره.
стр. 299
الحديث الثاني والعشرون
استرقاق ولد الزنا من الحرة
وله طرق:
الأولى: أخرجها عبد الرزاق في مصنفه قال:
أخبرنا إبراهيم بن محمد - أبو إسحاق الأسلمي - عن صفوان بن سليم عن سعيد بن المسيب عن رجل من الأنصار يقال له بصرة قال: تزوجت امرأة بكراً، فدخلت عليها فإذا هي حبلى.
فقال النبي ﷺ : " لها الصداق بما استحل من فرجها، والولد عبدٌ لك، فإذا ولدت فاجلدها ".
وتابع عبد الرزاق عليه إسحاق بن إدريس عند الدارقطني: حدثنا إسحاق بن محمد بن الفضل الزيات، نا محمد بن سنان، نا إسحاق بن إدريس، نا أبو إسحاق الأسلمي، عن صفوان بن سليم عن سعيد بن المسيب، عن نضرة بن أبي نضرة الغفاري أنه تزوج امرأة بكراً في سترها فوجدهاً حاملاً، ففرق رسول الله ﷺ بينهما، وأعطاها الصداق بما استحل من فرجها، وقال إذا وضعت فأقيموا عليها الحد.
فخالف إسحاقُ عبد الرزاق في اسم الصحابي، وذكر التفريق، ولم يذكره عبد الرزاق، وأبهم الحد وفسره عبد الرزاق، ولم يذكر استرقاق الولد، فهذه أربعة أمور.
стр. 300
لكن إسحاق المذكور هو أبو يعقوب البصري، متروك، تركه ابن المديني.
وقال أبو زرعة: واهٍ
وقال البخاري: تركه الناس.
وقال الدارقطني: منكر الحديث.
ثم فيه محمد بن سنان الأموي، كذبه أبو داود وابن خراش.
وقال الدارقطني: لا بأس به.
فطرحنا هذه المتابعة ومخالفاتها.
وتابعه بسطام بن جعفر عند البيهقي قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن داود الرزاز ببغداد، ثنا جعفر بن محمد بن نصير، ثنا إبراهيم بن علي العمري الموصلي، ثنا بسطام بن جعفر بن المختار، ثنا إبراهيم بن محمد المديني، عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن المسيب عن بصرة بن أبي بصرة الغفاري أنه تزوج امرأة بكراً، فدخل بها فوجدها حبلى، فذكر ذلك للنبي ﷺ ففرق بينهما ثم قال: " إذا وضعت فاجلدوها الحد " وجعل لها صداقها بما استحل من فرجها.
فوافق بسطام إسحاق بن إدريس فيما خالف فيه عبد الرزاق غير اسم الصحابي، فإنه ذكره على الوجه الذي ذكره عبد الرزاق.
ولكن إسناد البيهقي هذا فيه مجاهيل.
بسطام بن جعفر لم أقف عليه، وإبراهيم بن علي المعمري، أو العمري
стр. 301
الموصلي، لم أجده، بل كل من اسمه إبراهيم بن علي ممن وقفت عليهم ضعفاء.
وكذا جعفر بن محمد بن نصير، لم أعرفه، فهذا إسناد ساقط، لا عبرة له، وبقيت لنا رواية عبد الرزاق من الطريق الأولى لا منازع لها.
الطريق الثانية:
وهي التي عن ابن جريج عن صفوان عن سعيد بن المسيب عن الرجل الأنصار ".
أخرجها الطبراني قال: حدثنا محمد بن يزداد الثوري البصري، ثنا محمود بن غيلان، ثنا عبد الرزاق، ثنا ابن جريج عن صفوان بن سليم عن سعيد بن المسيب عن بصرة قال: تزوجت امرأة بكراً في خدرها، فوجدتها حبلى، فقال النبي ﷺ : " أما الولد فعبدٌ لك، فإذا ولدت فاجلدوها مائة، ولها المهر بما استحل من فرجها ".
وأخرجها الدارقطني قال: حدثنا أبو إسماعيل بن يونس بن ياسين، نا إسحاق بن أبي إسرائيل، نا عبد الرزاق عن ابن جريج عن صفوان به.
وأخرجها أبو داود قال: حدثنا مخلد بن خالد، والحسن بن علي، ومحمد بن أبي السري، المعنى، قالوا: أخبرنا عبد الرزاق أنبأنا ابن جريج عن صفوان بن سليم به.
стр. 302
وأخرجها البيهقي من طريق ابن أبي السري به. ومن طريق إسحاق بن أبي إسرائيل كذلك.
الطريق الثالثة المرسلة عن سعيد بن المسيب.
أخرجها أبو داود قال: حدثنا محمد بن المثنى، أخبرنا عثمان بن عمر، أخبرنا علي بن المبارك، عن يحيى، عن يزيد بن نعيم، عن سعيد بن المسيب، أن رجلا يقال له بصرة بن أكتم نكح امرأة، فذكره بمعناه - كذا قال أبو داود، يعني مثل اللفظ الأول لعبد الرزاق - وزاد: " وفرق بينهما ".
قال أبو داود: وحديث ابن جريج: أتم.
وأخرجها البيهقي من طريق أحمد بن نجدة عن سعيد بن منصور، ثنا عبد الله بن المبارك، ثنا علي بن المبارك عن يحيى فذكره.
قال أبو داود: روى هذا الحديث قتادة عن سعيد بن يزيد عن ابن المسيب.
ورواه يحيى بن أبي كثير عن يزيد بن نعيم عن سعيد بن المسيب.
ورواه عطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب.
أرسلوه كلهم عن النبي ﷺ .
وفي حديث يحيى بن أبي كثير: أن بصرة بن أكثم نكح امرأة، وكلهم
قال في حديثه: " جعل الولد عبداً ". انتهى.
стр. 303
وصل في الكلام على الحديث، والحكم على طرقه:
١ - بيان ضعف الطريق الأولى من أجل إبراهيم بن محمد الأسلمي، أبي إسحاق المدني.
قال البخاري فيه: كان يرى القدر، وكلام جهم، تركه ابن المبارك والناس.
وقال العجلي: رافضي جهمي لا يكتب حديثه.
وقال النسائي: متروك الحديث.
وقال الدارقطني: ضعيف.
وقال مرة: متروك.
وقال ابن عدي: أحاديثه موضوعة.
وقال الذهبي: ساقط متهم.
وضعفه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو حاتم وأبو زرعة، وتركوا حديثه.
стр. 304
٢ - بيان ضعف الطريق الثانية، وأنها ترجع للأولى.
فقد عنعن ابن جريج في سائر روايات هذه الطريق، وهو مع إمامته مدلّس كبير.
وقد سئل عنه الدارقطني سؤالاً، فأجاب عنه كأنما يعني هذا الخبر بعينه، حيث قال: يتجنب تدليسه، فإنه وحش التدليس، لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح، مثل إبراهيم بن أبي يحيى - هو الذي في طريقنا الأولى - وموسى بن عبيدة وغيرهما.
وقد سئل أبو حاتم عن حديثنا هذا، فأجاب بمقتضى كلام الدارقطني - وكأن الدارقطني أخذ عبارته من مفهوم كلام أبي حاتم وغيره -
قال عبد الرحمن في العلل: سئل أبي عن حديث رواه سعيد بن المسيب عن نضرة بن أكثم أنه تزوج بكراً، فإذا هي حبلى، فقال النبي ﷺ : " لها الصداق بما استحللت من فرجها، والولد عبد لك، فإذا ولدت فارجمها " وقال بعضهم: وفرق بينهما.
ما وجه هذا الحديث عندك؟
فأجاب أبي فقال: هذا حديث مرسل ليس بمتصل، ورواه يحيى بن أبي كثير عن يزيد بن نعيم، عن سعيد بن المسيب، لا يجاوزه، مرفوع.
وما رواه ابن جريج عن صفوان بن سليم عن ابن المسيب عن نضرة بن أكثم ليس هو حديث صفوان بن سليم، ويحتمل أن يكون من حديث ابن جريج
стр. 305
عن إبراهيم بن أبي يحيى - يعني: ابن محمد الأسلمي - عن صفوان بن سليم، لأن ابن جريج يدلس عن ابن أبي يحيى عن صفوان بن سليم غير شيء، ولا يحتمل أن يكون منه. انتهى.
ولذلك قطع البيهقي بما احتمله أبو حاتم، ونبه عليه شيخ شيخه الدارقطني، فقال في السنن بعد إخراجه لهذا الحديث: هذا الحديث إنما أخذه ابن جريج عن إبراهيم بن أبي يحيى عن صفوان بن سليم.
ثم أسند هذا الذي قطع به هو لعبد الرزاق قال - بعد ذكر إسناده -
قال عبد الرزاق: وحديث ابن جريج عن صفوان، هو ابن جريج عن إبراهيم بن أبي يحيى عن صفوان. انتهى كلام عبد الرزاق، وبه ينتهي كلام البيهقي.
قلت أنا أبو عبد الله: وقد ظفرت بما يقطع الشك في ضعف هذا الخبر، إذ الاحتمال لا يقوم مقام الدليل مهما بلغ، حتى وقفت على صحة هذه الدعوى، وجاءك عبد الرزاق بالخبر اليقين فيما ذكر، وتابعه عليه أبو حاتم، والدارقطني والبيهقي وغيرهم فأخرج في مصنفه قال: عن ابن جريج قال: حُدِّثت عن صفوان بن سليم عن سعيد بن المسيب. . . . وذكر الخبر.
فقامت الأساطين تحمل صدق البراهين، وقُطع الشك باليقين.
وحكمنا بالرجوع من هذه الطريق للأولى الضعيفة.
стр. 306
٣ - الطريق الثالثة المرسلة.
وإن شئت قلت الطرق المرسلة، وهي صحيحة رجالها ثقات، يحتج بها من يحتج بالمرسل، ووافق شروطه فيه.
стр. 307
وصل آخر في كلام ابن القيم على هذا الحديث:
قال ﵀:
هذا الحديث قد اضطرب في سنده وحكمه، واسم الصحابي راويه.
أما في اسم الصحابي فقيل: بصرة بالباء الموحدة، والصاد المهملة.
وقيل: نضرة، بالنون المفتوحة، والضاد المعجمة.
وقيل: نضلة، بالنون والضاد المعجمة واللام.
وقيل: بسرة، بالباء الموحدة، والسين المهملة.
وقيل: نضرة بن أكثم الخزاعي.
وقيل: الأنصاري.
وذكره بعضهم: بصرة بن أبي بصرة الغفاري، ووهم قائله.
وقيل: بصرة هذا مجهول.
وله علّة عجيبة - وذكر العلة التي ذكرناها عن عبد الرزاق وأبي حاتم وغيرهما -
وله علة أخرى: وهي أن المعروف أنه يروى مرسلاً عن سعيد، ذكر عبد الحق هذين التعليلين، ثم قال: والإرسال هو الصحيح. انتهى كلام ابن القيم.
قلت: وفي بعض ما قاله نظر.
стр. 308
وصل ثالث في الكلام على ما يستفاد من الحديث، وأن قول أهل العلم بخلاف استرقاق المولود من الحرة ولو كانت زانية به والجواب عنه:
قال ابن القيم: قد اشتمل هذا الحديث على أربعة أحكام:
أحدها: وجوب الصداق عليه بما استحل من فرجها، وهو ظاهر لأن الوطء فيه غايته أن يكون وطء شبهة، إن لم يصح النكاح.
الثاني: بطلان نكاح الحامل من الزنا، وقد اختلف في نكاح الزانية، فمذهب أحمد بن حنبل أنه لا يجوز تزوجها حتى تتوب، وتنقضي عدتها، ومذهب الثلاثة أنه يجوز أن يتزوجها قبل توبتها، والزنا لا يمنع عندهم صحة العقد. . .
الثالث: وجوب الحد بالحبل، وهذا مذهب مالك، وأحمد في إحدى الروايتين عنه. . .
الرابع: إرقاق ولد الزنا، وهو موضع الإشكال في الحديث، وبعض الرواة لم يذكره في حديثه، كذلك رواه سعيد وغيره، وإنما قالوا: ففرق بينهما، وجعل لها الصداق، وجلدها مائة.
وعلى هذا فلا إشكال في الحديث.
وإن ثبتت هذه اللفظة فقد قيل: إن هذا لعله كان في أول الإسلام حين كان الرق يثبت على الحر المدين، ثم نسخ.
وقيل: إن هذا مجاز، والمراد به استخدامه. انتهى.
стр. 309
بيان من ذكر من أهل العلم أن الإجماع على خلاف هذا الخبر وجوابهم عنه
قال الخطابي في معالم السنن: هذا الحديث، لا أعلم أحداً من الفقهاء قال به، وهو مرسل، ولا أعلم أحداً من العلماء اختلف في أن ولد الزنا حر، إذا كان من حرة، فكيف يستعبده؟.
قال: ويشبه أن يكون معناه - إن ثبت الخبر - أنه أوصاه به خيراً، وأمره باصطناعه وتربيته واقتنائه، لينتفع بخدمته إذا بلغ، فيكون كالعبد له في الطاعة مكافأة له على إحسانه وجزاءً لمعروفه.
وقيل في المثل: بالبرّ يستعبد الحر، انتهى.
وقال البيهقي: أجمع أهل العلم على أن ولد الزنا من الحرة يكون حراً، فيشبه أن يكون هذا الحديث منسوخاً.
стр. 310
الحديث الثالث والعشرون
في المتبايعين إن اختلفا
يرويه جماعة عن عبد الله بن مسعود ﵁، وله طرق.
- الأولى: عن أبي عبيدة عن ابن مسعود، وهي منقطعة.
أخرجها أحمد في المسند قال: حدثني محمد بن إدريس الشافعي أخبرنا سعيد بن سالم - يعني القداح - أخبرنا ابن جريج أن إسماعيل بن أمية أخبره عن عبد الملك بن عمير أنه قال: حضرت أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وأتاه رجلان يتبايعان سلعة، فقال هذا: أخذت بكذا وكذا، وقال هذا: بعت بكذا وكذا، فقال أبو عبيدة، أتي عبد الله بن مسعود في مثل هذا فقال: حضرت رسول الله ﷺ أتي في مثل هذا، فأمر البائع أن يستحلف ثم يخير المبتاع، إن شاء أخذ وإن شاء ترك.
وأخرجه الدارقطني من طريق أحمد قال: ثنا أبو بكر النيسابوري، ونا الحسين بن صفوان قالا: نا عبد الله بن أحمد حدثني أبي. . . فذكره.
ثم قال عبد الله بن الإمام أحمد: إني أخبرت عن هشام بن يوسف في البيعين في حديث ابن جريج عن إسماعيل بن أمية عن عبد الملك بن عبيدة، وقال حجاج الأعور: عن عبد الملك بن عبيد.
وكذا من طريق أحمد أخرجه البيهقي مع تفصيل عبد الله في آخره لكنه عكسه فقال: أخبرت عن هشام بن يوسف عن ابن جريج عن إسماعيل بن أمية عن عبد الملك بن عبيد، قال أحمد: وقال حجاج الأعور: عبد الملك بن عبيدة. وكذا هي في المسند.
стр. 311
وأما شيخه الحاكم، فأخرج الحديث عن أبي العباس محمد بن يعقوب عن الربيع تلميذ الشافعي عن الشافعي به، بالسند والمتن، وقال فيه " عبد الملك بن عبيد " ثم ذكر الحاكم الخلاف في عبد الملك هل هو ابن عبيدة أو ابن عبيد، لكن النساخ حرفوها فجعلوها " ابن عبيد " في الموضعين، وهو خطأ بين وتحريف.
فلم نفد من ما ذكر الحاكم، حكم جهل النساخ أو سهوهم.
إلا أن الدارقطني أخرج الحديث عن ابن جريج من وجه آخر قال: ثنا أبو بكر النيسابوري، نا يوسف بن سعيد، نا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني إسماعيل بن أمية، عن الملك بن عبيدة فذكره.
وخالفه النسائي في الصغرى والكبرى في عبد الملك فقال: حدثنا إبراهيم بن الحسن، ويوسف بن سعيد وعبد الملك بن خالد، واللفظ لإبراهيم قالوا: حدثنا حجاج قال: قال ابن جريج أخبرني إسماعيل بن أمية عن عبد الملك بن عبيد فذكره.
فتلخص أنه يرويه عن أبي عبيدة ثلاثة:
١ - عبد الملك بن عمير.
٢ - عبد الملك بن عبيد.
٣ - عبد الملك بن عبيدة.
الأول تغير حفظه، وربما دلس، وهو في نفسه ثقة، والآخران
стр. 312
مجهولان. وقد قال البخاري:: عبد الملك بن عبيد عن بعض بني عبد الله بن مسعود، مرسل، فاعتل الخبر بهذا الاختلاف.
والعلة الثانية قاصمة الظهر أن أبا عبيدة لم يدرك أباه عبد الله بن مسعود كما ذكر ذلك البيهقي، وابن حزم، وغيرهما من الأساطين، وقد سئل: أتذكر من أبيك شيئاً؟ قال: لا.
وغفل الحاكم عن ذلك فصحح الخبر، ولم يهمه إلا أن يكون سعيد بن سالم حفظ في إسناده عبد الملك بن عبيد!
كذا قال واهتم!!!
والطريق غير متصلة، ولا صحيحة أحفظه سعيد أم لم يحفظه.
* * *
- الطريق الثانية: طريق القاسم بن عبد الرحمن عن عبد الله بن مسعود، وهي منقطعة أيضاً. وقد رواها عن القاسم جماعة.
١ - المسعودي، وهو عبد الرحمن بن عبد الله. صدوق اختلط.
٢ - أبو العميس عتبة بن عبد الله المسعودي، وثقه أحمد وغيره، وسكت عنه البخاري وابن أبي حاتم.
٣ - عبد الملك بن عبيدة، مجهول الحال.
٤ - معن بن عبد الرحمن، ثقة من رجال الشيخين.
٥ - أبان بن تغلب، ثقة، على تشيع فيه.
٦ - ابن أبي ليلى، إن كان محفوظاً، صدوق سيّء الحفظ جداً.
стр. 313
أما المسعودي: فأخرج طريقه أبو داود الطيالسي قال: حدثنا المسعودي عن القاسم: بايع عبدُ الله الأشعثَ بن قيس برقيق من رقيق الإمارة، فأرسل إليه يتقاضاه، فقال الأشعث: بعتني بعشرة آلاف.
وقال عبد الله: بعتك بعشرين ألفاً.
ثم قال عبد الله: اختر بيني وبينك رجلاً، فقال الأشعث: أما والله لأختاره، أنت بيني وبين نفسك.
فقال عبد الله: أما والله لأقضين بيني وبينك بقضاء سمعته من رسول الله ﷺ : " إذا اختلفا البيعان، ولم يكن بينهما بينة، فهو بما يقول رب السلعة أو يتتاركان ".
وأخرج طريقه - أعني المسعودي - مع أبي عميس، البيهقي قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ - وغيره - ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة، أنا جعفر بن عون، أنا أبو عميس وعبد الرحمن - يعني المسعودي - عن القاسم بنحوه.
وكذا أخرج الدارقطني طريق أبي العميس: عن محمد بن مخلد، نا عباس بن محمد، نا عمر بن حفص نا أبي عن أبي العميس به.
وأما عبد الملك بن عبيدة فأخرج طريقه أحمد قال: أخبرت عن هشام بن يوسف في البيعين في حديث ابن جريج عن إسماعيل بن أمية عن عبد الملك بن عبيد، وقال حجاج الأعور:
стр. 314
عبد الملك بن عبيدة، قال: وحدثنا هشيم قال: أخبرنا ابن أبي ليلى عن القاسم بن عبد الرحمن عن ابن مسعود، وليس فيه عن أبيه.
قلت: ولم يذكر أحمد لفظاً فيه.
وأما معن بن عبد الرحمن فأخرج طريقه أحمد قال: حدثنا ابن مهدي، قال حدثنا سفيان، عن معن عن القاسم عن عبد الله عن النبي ﷺ : " إذا اختلف البيعان - والسلعة كما هي - فالقول ما يقول صاحب السلعة، أو يترادان ".
قلت: فاختصر معن القصة، وزاد: " والسلعة كما هي "، في رواية ابن مهدي عن سفيان هذه.
وأخرج طريقه أحمدُ عن عمر بن سعد قال: حدثنا عمر بن سعد أبو داود، حدثنا سفيان عن معن به، باللفظ الأول للطيالسي وذكر القصة.
وأخرج طريقه عبد الرزاق قال: أخبرنا الثوري عن معن بن عبد الرحمن عن القاسم بن عبد الرحمن أن ابن مسعود. فذكره باللفظ الأول للطيالسي والقصة، لكنه قال: " رب المال " ولم يقل " رب السلعة ".
وأما أبان بن تغلب فأخرج طريقه البيهقي قال: " وكذلك رواه معن بن عبد الرحمن أخو القاسم، وأبان بن تغلب عن القاسم ". ولم يذكر سنداً.
стр. 315
قلت: هي طريق أبي يعلى في مسنده.
وأما طريق ابن أبي ليلى فأخرجها البغوي قال: أجاز لي أبو الحسن عبد الرحمن الداوودي، أنا أبو محمد بن عبد الله السرخسي، أنا أبو عمران عيسى بن عمر السمرقندي الدارمي، أنا أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي السمرقندي، أنا عثمان بن محمد، نا هشيم، نا ابن أبي ليلى عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عبد الله قال: سمعت رسول الله " يقول: " البيعان إذا اختلفا، والمبيع قائم بعينه، ليس بينهما بينة، فالقول ما قال البائع أو يترادان البيع ".
قلت: وطريق ابن أبي ليلى عن القاسم هذه فيها عندي شك: فقد روى البغوي هذا الإسناد عن الدارمي صاحب السنن، والحديث عند الدارمي بهذا اللفظ وهذا الإسناد، وفيه " عن أبيه ".
وكذا أخرجه أبو يعلى من طريق هشيم عن ابن أبي ليلى عن القاسم عن أبيه عن ابن مسعود.
نعم، ذكر الدارقطني في العلل طريق البغوي فقال: رواه هشيم عن ابن أبي ليلى عن القاسم عن ابن مسعود مرسلاً، قال: قال ذلك أحمد بن حنبل وسعيد بن منصور عن هشيم.
قلت: فكأنه لم يقف على هذه الطريق هو، والله أعلم.
стр. 316
والخلاصة أن الطريق ضعيفة لاتفاقهم على أن القاسم لم يسمع من عبد الله بن مسعود، وهي مع ضعفها لانقطاعها.
فقد تفرد ابن مهدي بزيادة " والسلعة كما هي ".
وتفرد عبد الرزاق بلفظ " رب المال " لكنه قد يؤول على أن المراد " رب السلعة " مع تعسف هذا التأويل.
* * *
الطريق الثالثة: عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود.
وروى هذه الطريق عن القاسم جماعة منهم:
١ - ابن أبي ليلى، وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى المتقدم، سيّء الحفظ جداً.
٢ - معن بن عبد الرحمن، المتقدم، ثقة من رجال الشيخين.
٣ - الحسن بن عمارة، متروك.
٤ - ابن عباس، إن كان محفوظاً.
٥ - عمر بن قيس الماصر، صدوق ربما وهم.
٦ - أبو حنيفة النعمان بن ثابت، ضعيف.
- أما طريق ابن أبي ليلى فأخرجها أبو داود في السنن قال:
стр. 317
حدثنا محمد بن عبد الله النفيلي، أخبرنا هشيم، أنبأنا ابن أبي ليلى عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه: أن ابن مسعود، باع من الأشعث بن قيس رقيقاً، فذكر معناه، والكلام يزيد وينقص. انتهى.
قلت: كذا قال أبو داود، ولم يذكر لفظاً.
وأخرجها ابن ماجه قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ومحمد بن الصباح قالا: ثنا هشيم، أنبأنا ابن أبي ليلى، عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه، أن عبد الله بن مسعود باع من الأشعث، نذكره كلفظ الطيالسي المتقدم وزاد: " والبيع قائم بعينه ".
وأخرجها الدارمي، كما نبهنا فى آخر الطريق الثانية، وبنفس لفظ أبي داود الطيالسي لكن قال: " والمبيع قائم بعينه "، ولم يقل " وليس بينهما بينة " ولا ذكر القصة.
وأخرجها الدارقطني عن عبد الله بن محمد، ثا عثمان - شيخ ابن ماجه - كلفظ ابن ماجه.
وكذا البيهقي، من طريق ابن أبي شيبة به.
وتابع موسى بن عقبة فيه هشيماً كما عند الدارقطني من غير وجه قال:
стр. 318
حدثنا محمد بن الحسين بن سعيد الهمداني، نا أبو عبد الملك أحمد بن إبراهيم الدمشقي، نا هشام بن عمار، نا ابن عياش، نا موسى بن عقبة عن محمد بن أبي ليلى عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه عن جدّه: أن رسول الله ﷺ قال: " إذا اختلف المتبايعان في البيع والسلعة كما هي لم تستهلك، فالقول قول البايع أو يترادان البيع ".
ثم ذكره الدارقطني من وجهين آخرين عن إسماعيل بن عياش عن موسى به.
وكذا أخرج هذه الرواية الهيثم بن كليب في مسنده.
وقد أخطأ الدارقطني في قوله في " العلل ": وزاد - يعني موسى - لفظة لم يأت بها غيره فقال: " والسلعة قائمة كما هي ". وكان الصواب أن يقول: " لم تستهلك "، فهذا الذي تفرد به موسى، أما " السلعة قائمة كما هي " فقد ذكرناها في رواية ابن مهدي عند أحمد في الطريق الثانية.
هذا مع أنه وقع في سنن الدارقطني إسناد عجيب جداً، فيه سقط، ولفظ عجيب جداً، من طريق ابن أبي ليلى، قال الدارقطني: ثنا ابن صاعد، نا محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ قال: " إذا اختلف البيعان والمبيع مستهلك، كان المبتاع بالخيار، إن شاء أخذ، وإن شاء ترك ".
قال الدارقطني: تفرد بهذا اللفظ أبو الأحوص القاص، عن هشام. انتهى.
стр. 319
قلت: بين ابن صاعد ومحمد ابن أبي ليلى مفاوز، وخلق ليسوا دون الأربعة، ولا يبعد أن يكون السند هكذا: حدثنا ابن صاعد - هو يحيى بن محمد بن صاعد - نا محمد بن الهيثم بن حماد - هو أبو الأحوص القاضي -، نا هشام - هو ابن بهرام - نا إسماعيل بن عياش، نا موسى بن عقبة، عن محمد بن أبي ليلى. . . باللفظ الذي أوردناه.
وعليه فيكون كما قال الدارقطني: تفرد بهذا اللفظ أبو الأحوص عن هشام.
وأياً ما كان السند فيه على ما استظهرته، أو بخلافه، ففي رواية إسماعيل عن أهل الحجاز كلام كما ذكر ذلك البيهقي وغيره، وابن أبي ليلى سيّء الحفظ ضعيف في الرواية، كثير التخليط باتفاق. فلا يقبل شيء من هذه الألفاظ.
- وأما طريق معن بن عبد الرحمن فأخرجها الطبراني قال: حدثنا محمد بن صالح النرسي، ثنا علي بن حسان العطار، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا سفيان عن معن بن عبد الرحمن عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة بعينها، فالقول قول البائع، أو يترادان ".
وتابع ابن مهدي على ذلك - ولا تهمنا متابعته إلا في الوقوف على أول السند - أبو حذيفة، موسى بن مسعود - وهو صدوق سيّء الحفظ، وكان يصحف - عن الثوري عن معن به، كما ذكر هذه المتابعة الدارقطني في العلل، وقال: قاله أحمد بن يونس الضبي عنه.
стр. 320
قلت: وأحمد هذا ثقة، لكن ما عرفنا بقية السند.
نعم رأيته في آخر العلل عن أبي القاسم الشيرازي - وثقه الدارقطني - عن أحمد به، فبقي في السند موسى.
ورواية الطبراني فيها علي بن حسان العطار، قال الهيثمي: لم أعرفه، قلت: وأنا كذلك، فلينظر.
ومحمد بن صالح النرسي مثله.
لكن ذكر في اللسان: علي بن الحسن بن حفص العطار، قال ابن أبي الفوارس: توفي سنة ست وسبعين وثلاثمائة، وكان مخلطاً في الحديث.
قلت: فهو مستبعد جداً لتأخر وفاته عن الطبراني بست عشرة سنة.
ومحمد بن صالح النرسي، وقفت على ذكر له غير شاف.
فقال ابن ناصر الدين في توضيح المشتبه: شيخ للطبراني، هو ابن صالح بن الوليد بن نصر، حدث عن عبد بن عبد الله الصفار، وعمرو بن علي الفلاس وغيرهما.
وأغفله صاحب الأنساب السمعاني.
والخلاصة أن السند لمعن غير ثابت.
- وأما طريق الحسن بن عمارة فأخرجها الدارقطني قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، ثنا الحسن بن جعفر بن حوراء،
следующие страницы →