Полный текст (436 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
والخلاصة أن الطريق ضعيفة لاتفاقهم على أن القاسم لم يسمع من عبد الله بن مسعود، وهي مع ضعفها لانقطاعها.
فقد تفرد ابن مهدي بزيادة " والسلعة كما هي ".
وتفرد عبد الرزاق بلفظ " رب المال " لكنه قد يؤول على أن المراد " رب السلعة " مع تعسف هذا التأويل.
* * *
الطريق الثالثة: عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود.
وروى هذه الطريق عن القاسم جماعة منهم:
١ - ابن أبي ليلى، وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى المتقدم، سيّء الحفظ جداً.
٢ - معن بن عبد الرحمن، المتقدم، ثقة من رجال الشيخين.
٣ - الحسن بن عمارة، متروك.
٤ - ابن عباس، إن كان محفوظاً.
٥ - عمر بن قيس الماصر، صدوق ربما وهم.
٦ - أبو حنيفة النعمان بن ثابت، ضعيف.
- أما طريق ابن أبي ليلى فأخرجها أبو داود في السنن قال:
стр. 317
حدثنا محمد بن عبد الله النفيلي، أخبرنا هشيم، أنبأنا ابن أبي ليلى عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه: أن ابن مسعود، باع من الأشعث بن قيس رقيقاً، فذكر معناه، والكلام يزيد وينقص. انتهى.
قلت: كذا قال أبو داود، ولم يذكر لفظاً.
وأخرجها ابن ماجه قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ومحمد بن الصباح قالا: ثنا هشيم، أنبأنا ابن أبي ليلى، عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه، أن عبد الله بن مسعود باع من الأشعث، نذكره كلفظ الطيالسي المتقدم وزاد: " والبيع قائم بعينه ".
وأخرجها الدارمي، كما نبهنا فى آخر الطريق الثانية، وبنفس لفظ أبي داود الطيالسي لكن قال: " والمبيع قائم بعينه "، ولم يقل " وليس بينهما بينة " ولا ذكر القصة.
وأخرجها الدارقطني عن عبد الله بن محمد، ثا عثمان - شيخ ابن ماجه - كلفظ ابن ماجه.
وكذا البيهقي، من طريق ابن أبي شيبة به.
وتابع موسى بن عقبة فيه هشيماً كما عند الدارقطني من غير وجه قال:
стр. 318
حدثنا محمد بن الحسين بن سعيد الهمداني، نا أبو عبد الملك أحمد بن إبراهيم الدمشقي، نا هشام بن عمار، نا ابن عياش، نا موسى بن عقبة عن محمد بن أبي ليلى عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه عن جدّه: أن رسول الله ﷺ قال: " إذا اختلف المتبايعان في البيع والسلعة كما هي لم تستهلك، فالقول قول البايع أو يترادان البيع ".
ثم ذكره الدارقطني من وجهين آخرين عن إسماعيل بن عياش عن موسى به.
وكذا أخرج هذه الرواية الهيثم بن كليب في مسنده.
وقد أخطأ الدارقطني في قوله في " العلل ": وزاد - يعني موسى - لفظة لم يأت بها غيره فقال: " والسلعة قائمة كما هي ". وكان الصواب أن يقول: " لم تستهلك "، فهذا الذي تفرد به موسى، أما " السلعة قائمة كما هي " فقد ذكرناها في رواية ابن مهدي عند أحمد في الطريق الثانية.
هذا مع أنه وقع في سنن الدارقطني إسناد عجيب جداً، فيه سقط، ولفظ عجيب جداً، من طريق ابن أبي ليلى، قال الدارقطني: ثنا ابن صاعد، نا محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ قال: " إذا اختلف البيعان والمبيع مستهلك، كان المبتاع بالخيار، إن شاء أخذ، وإن شاء ترك ".
قال الدارقطني: تفرد بهذا اللفظ أبو الأحوص القاص، عن هشام. انتهى.
стр. 319
قلت: بين ابن صاعد ومحمد ابن أبي ليلى مفاوز، وخلق ليسوا دون الأربعة، ولا يبعد أن يكون السند هكذا: حدثنا ابن صاعد - هو يحيى بن محمد بن صاعد - نا محمد بن الهيثم بن حماد - هو أبو الأحوص القاضي -، نا هشام - هو ابن بهرام - نا إسماعيل بن عياش، نا موسى بن عقبة، عن محمد بن أبي ليلى. . . باللفظ الذي أوردناه.
وعليه فيكون كما قال الدارقطني: تفرد بهذا اللفظ أبو الأحوص عن هشام.
وأياً ما كان السند فيه على ما استظهرته، أو بخلافه، ففي رواية إسماعيل عن أهل الحجاز كلام كما ذكر ذلك البيهقي وغيره، وابن أبي ليلى سيّء الحفظ ضعيف في الرواية، كثير التخليط باتفاق. فلا يقبل شيء من هذه الألفاظ.
- وأما طريق معن بن عبد الرحمن فأخرجها الطبراني قال: حدثنا محمد بن صالح النرسي، ثنا علي بن حسان العطار، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا سفيان عن معن بن عبد الرحمن عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة بعينها، فالقول قول البائع، أو يترادان ".
وتابع ابن مهدي على ذلك - ولا تهمنا متابعته إلا في الوقوف على أول السند - أبو حذيفة، موسى بن مسعود - وهو صدوق سيّء الحفظ، وكان يصحف - عن الثوري عن معن به، كما ذكر هذه المتابعة الدارقطني في العلل، وقال: قاله أحمد بن يونس الضبي عنه.
стр. 320
قلت: وأحمد هذا ثقة، لكن ما عرفنا بقية السند.
نعم رأيته في آخر العلل عن أبي القاسم الشيرازي - وثقه الدارقطني - عن أحمد به، فبقي في السند موسى.
ورواية الطبراني فيها علي بن حسان العطار، قال الهيثمي: لم أعرفه، قلت: وأنا كذلك، فلينظر.
ومحمد بن صالح النرسي مثله.
لكن ذكر في اللسان: علي بن الحسن بن حفص العطار، قال ابن أبي الفوارس: توفي سنة ست وسبعين وثلاثمائة، وكان مخلطاً في الحديث.
قلت: فهو مستبعد جداً لتأخر وفاته عن الطبراني بست عشرة سنة.
ومحمد بن صالح النرسي، وقفت على ذكر له غير شاف.
فقال ابن ناصر الدين في توضيح المشتبه: شيخ للطبراني، هو ابن صالح بن الوليد بن نصر، حدث عن عبد بن عبد الله الصفار، وعمرو بن علي الفلاس وغيرهما.
وأغفله صاحب الأنساب السمعاني.
والخلاصة أن السند لمعن غير ثابت.
- وأما طريق الحسن بن عمارة فأخرجها الدارقطني قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، ثنا الحسن بن جعفر بن حوراء،
стр. 321
حدثني عمي طاهر، نا الحسن بن عمارة عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا اختلف البيعان فالقول ما قال البايع، فإذا استهلك فالقول قول المشتري ".
قال الدارقطني: الحسن بن عمارة متروك.
قلت: نعم، وهذا اللفظ من مفاريده.
- وأما طريق ابن عباس فإني لم أقف عليه، ورأيت بعض الناس ذكروه، ونسبوه للدارقطني، وأن البيهقي ذكر ذلك.
قلت: والحق أنه ليس عند واحد منهما، وما أدري كيف ذكر، ونبهت عليه، فلعله يكون ذكر وغفلت عنه.
- وأما طريق عمر بن قيس الماصر فأخرجها ابن الجارود قال: حدثنا أبو زرعة الرازي، قال ثنا محمد بن سعيد، قال: ثنا عمرو بن قيس، عن عمر بن قيس الماصر، عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه قال: فذكره مثل رواية الطيالسي.
وأخرجها الدارقطني في السنن قال: ثنا أبو محمد بن صاعد أملاءً وغيره، قالوا: نا محمد بن مسلم بن وارة، حدثني محمد بن سعيد بن سابق، نا عمرو بن أبي قيس، عن عمر بن قيس الماصر عن القاسم به مثل رواية الطيالسي.
وأشار لهذه الطريق في كتابه العلل وقال: رواه عمر بن قيس الماصر. حدث به عمرو بن أبي قيس.
стр. 322
وأخرجها البزار بهذا اللفظ وقال: " لا نعلم رواه عن عمر بن قيس إلا عمرو بن أبي قيس ".
قلت: فتبين أن لفظ ابن الجارود " عمرو بن قيس " هو من خطأ النساخ.
وعمرو بن أبي قيس ثقة على كلام فيه:
فقد قال أبو داود: لا بأس به، في حديئه خطأ.
وقال الذهبي: صدوق له أوهام.
ومثله قول الحافظ ابن حجر.
والباقون على توثيقه.
وأما عمر بن قيس الماصر: فوثقه ابن حبان، وابن معين، ويعقوب بن سفيان.
وقال أحمد بن صالح: ثقة إنما الطعن فيه من قبل الغلط.
وقال ابن حجر في التهذيب: " قال ابن حزم: عمر بن قيس مجهول، فما أدري أراد هذا أو غيره ".
وقال في التقريب: صدوق له أوهام.
стр. 323
قلت: فهذا السند حسن لا يتجاوزه، في الظاهر، لكن له علة فيه، وأخرى بالمقارنة والتأمل والاعتبار.
أما التي فيه فذكرها الحافظ في التلخيص حيث قال: " ورجاله - يعني هذا الإسناد - ثقات، إلا أن عبد الرحمن اختلف في سماعه من أبيه ".
قلت: قد قال بصحة السماع جماعة من الأئمة، منهم يحيى بن معين، وعلي بن المديني، والبخاري، وقيد السماع بأحاديث معينة قليلة ليس على إطلاقه جماعة منهم إسرائيل، والعجلي، ومنع من السماع وأنكره: يحيى بن معين في رواية، وسفيان الثوري، وشريك، وشعبة وقال الحاكم: اتفق مشايخ أهل الحديث أنه لم يسمع من أبيه!
وقال ابن المديني مرة: سمع من أبيه حديثين حديث الضب، وحديث تأخير الصلاة.
قلت: فالذي أجده من كلامهم أن الصحة في قول من توسط فأثبت سماع بعض الأحاديث القليلة، فقد كان سنه يوم توفي أبوه ست سنين، كما قال يحيى بن سعيد القطان، وبهذا يصح قول من أثبت السماع ولم يعين، ويصح قول من نفي أيضاً لأن السماع لحديث أو حديثين مع كثرة المنقول لا يعد سماعاً، لا سيما إن لم يعين الحديثان، وعلى فرض صحة التعيين قطعنا بضعف هذا الخبر وانقطاعه.
وبهذا الجواب تقطع حجة من قال في صحة السماع: " المثبت مقدم على النافي، ومن علم حجة على من لم يعلم " والله أعلم.
стр. 324
وأما طريق أبي حنيفة.
فأخرجها الخصكفي في مسند أبي حنيفة عن ابن أبي السري العسقلاني، عن المقري، عن أبي حنيفة، عن القاسم عن أبيه عن جده عبد الله.
وذكر الدارقطني أن عبد الله بن بزيغ تابع المقري فيه عن أبي حنيفة به.
وهذه طريق ضعيفة، لا تثبت لأوجه:
الأول: أن ابن أبي السري، هو محمد بن المتوكل صدوق، له أوهام كثيرة.
الثاني: أن عبد الله بن بزيغ، قال ابن عدي: ليس بحجة، وعامة أحاديثه ليست بمحفوظة.
وقال الساجي: ليس بحجة.
الثالث: ضعف الإمام في الرواية مع الاعتذار للحنفية، فإنه لا يجوز طرح تضعيفه الوارد عن جمهور الأئمة. وما كنت سأورد ذكر من ضعفه، لولا علمي بالطعن علي إن لم أذكر ذلك.
قال الإمام البخاري: تركوه، [التاريخ الكبير (٨/ ٣٤٦٣].
وقال الإمام مسلم: مضطرب الحديث، ليس له كبير حديث صحيح.
[الكنى: الورقة ٣١].
стр. 325
وقال الإمام النسائي: ليس بالقوي في الحديث [الضعفاء والمتروكون رقم (٦١٤].
وقال الإمام أحمد: ضعيف، [ضعفاء العقيلي ص (٤٣٢)].
وقال ابن سعد: كان ضعيفاً في الحديث [الطبقات (٦/ ٢٥٦].
وقال أبو زرعة: ضعيف [أسامي الضعفاء (٣٣٨].
وقال الدارقطني: ضعيف [السنن ص (١٢٣].
وقال عبد الحق الأشبيلي: لا يحتج به لضعفه في الحديث [الأحكام الكبرى (ق ١٧/ ٢].
وقال ابن عدي: ليس هو من أهل الحديث، وعامة ما يرويه غلط وتصاحيف وزيادات ولم يصح في جميع ما يرويه إلا بضعة عشر حديثاً، [الكا مل (٢/ ٤٥٣].
وروى الترمذي في العلل الكبير بإسناد صحيح على شرط الشيخين قال: سمعت محمود بن غيلان يقول سمعت المقري يقول سمعت أبا حنيفة يقول: عامة ما أحدثكم خطأ.
[ترتيب علل الترمذي الكبير ص (٣٨٨].
وأما ابن معين، فاختلف قوله، فمرة يوثق ومرة يضعف.
والحاصل أن تتبع ذكر من ضعّفوه يطول.
وما قد جاء في ذكر مناقبه ومآثره، والثناء عليه في دينه واجتهاده، ما يطول جداً، وليس هو من جنس رواية الأحاديث والحكم بالضبط والإتقان والحفظ في الرواية، فهذا شأن آخر.
وأما طرح كلام كل هؤلاء الأئمة في تضعيفه في رواية الحديث فقط، فطعن في معرفتهم، وشك في دينهم وصلاحهم.
стр. 326
ومعاذ الله أن يداخلنا الريب في صدق هؤلاء الأئمة.
وأما العلة التي تعرف بالمقارنة.
فقد تبين أن القائلين بقول " عن أبيه " في رواية القاسم خمسة:
الأول: سيّء الحفظ جداً، وهو ابن أبي ليلى.
والثاني: لم يصح السند إليه، وهو معن.
والثالث: متروك، وهو الحسن.
والرابع: لم يثبت، هو ابن عباس، إن كان ذكر.
والخامس: له أوهام، هو ومن قبله، واختلف في صحة سماع من
بعده، وهو عمر بن قيس.
السادس: النعمان ضعيف، والسند إليه غير ثابت.
وأما بمقابلة المسقطين لقول " عن أبيه ". مع المثبتين:
الأول منهم: كالأول في المثبتين، وهو ابن أبي ليلى.
والثاني منهم: كالثاني في المثبتين، لكن صح السند إليه، بخلاف الأمر عند الإثبات.
والثالث منهم: المتروك، قابله عبد الملك عند المثبتين مجهول، والجهالة أحسن حالاً من الترك.
والرابع منهم: المجهول عند المثبتين، قابله المسعودي صدوق اختلط، فمثله حسن الحديث.
والخامس منهم: صدوق له أوهام، قابله أبان بن تغلب ثقة عند المثبتين.
والسادس: ضعيف السند إليه غير ثابت، وللنافين أبو العميس، ثقة.
стр. 327
فرجحنا المسقطين لقول " عن أبيه " لكثرتهم، وثقتهم، وأعللنا رواية عمر بالمخالفة، لمخالفته الثقات ذوي العدد. كما يعل أئمة هذا الشأن زيادة الثقة بمثل هذه العلة، مع اعترافهم وقولهم بأن الزيادة من الثقة مقبولة، لكن حيث القوة فيها من غير وهن ولا مخالفة.
ولا ينكر وهن هذا الموصول هنا أحد وقف على الذي حررناه.
وبهذا تعرف صحة من أنكر أن يكون لهذا الحديث طريق صحيح موصول، كما قال الإمام الشافعي، والبيهقي، وابن حزم، وابن حجر وغيرهم.
وبقي القول أن القاسم توبع في هذا الخبر، بالشعبي، ولكن ما صح السند للشعبي، وهي الطريق الرابعة. ثم هي منقطعة بين عبد الرحمن وأبيه عند الأكثر.
* * *
الطريق الرابعة عن الشعبي عن عبد الرحمن عن أبيه عبد الله بن مسعود.
أخرجها الطبراني قال: حدثنا عبد الله بن ناجية، ثنا إبراهيم بن محشر، ثنا أبو بكر بن عياش عن أبي سعد البقال، عن الشعبي، عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا اختلف البيعان فالقول قول البائع ".
стр. 328
وذكر هذا، الدارقطني، ولم يسنده.
لكنها لا تصح، فأبو سعد هو سعيد بن المرزبان، ضعيف ومدلّس
* * *
الطريق الخامسة: عن ابن لعبد الله بن مسعود عن أبيه.
أخرجها الدارقطني قال: ثنا أبو بكر النيسابوري، نا محمد بن غالب الأنطاكي، نا سعيد بن مسلمة، نا إسماعيل بن أمية عن عبد الملك بن عبيدة، عن ابن لعبد الله بن مسعود، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا اختلف البيعان، ولا شهادة بينهما، استحلف البايع، ثم كان المبتاع بالخيار، إن شاء ترك وإن شاء أخذ ".
وأخرجها البيهقي قال: أخبرنا أبو الحسن بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد، ثنا عياش بن الفضل، ثنا الحكم بن موسى ثنا سعيد بن مسلمة فذكره - وليس عنده لفظ -.
وأخرجها من وجه آخر قال: أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد، ثنا أحمد بن علي، ثنا يعقوب بن حميد، ثنا يحيى بن سليم عن إسماعيل بن أمية عن عبد الملك بن عمير، عن بعض بني عبد الله بن مسعود. . . فذكره بمثل لفظ الدارقطني.
стр. 329
وهي ضعيفة من وجهين:
الأول: في الاختلاف على عبد الملك بن عمير أو ابن عبيدة، كما قدمنا في الطريق الأولى، وأن الأول تغير حفظه، وربما دلس، مع ثقته، والآخر مجهول، والسند لابن عمير فيه أحمد بن علي لم أعرفه.
الثاني: ما ذكره ابن حزم بعد ذكر هذه الرواية قال: وهذا لا شيء، لأن أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود سئل: أتذكر من أبيك شيئاً؟
قال: لا.
قال ابن حزم: ولم يكن لعبد الله ﵁ من الولد إلا ثلاثة: أبو عبيدة وهو أكبرهم، وعبد الرحمن تركه ابن ست سنين، وكان عتبة أصغرهم، وعبد الملك بن عبيدة مجهول، فسقط القول. انتهى.
وقال البخاري في تاريخه: عبد الملك بن عبيد عن بعض ولد عبد الله بن مسعود، روى عنه إسماعيل بن أمية، مرسل.
* * *
الطريق السادسة عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود ﵁.
أخرجها الدارقطني: نا أبو القاسم بدر بن الهيثم، نا محمد بن عبيد بن عبد، نا أحمد بن مسبح الجمال، نا عصمة بن عبد الله، نا إسرائيل عن الأعمش عن أبي وائل، عن عبد الله قال: " إذا اختلف البيعان والبيع مستهلك، فالقول قول البائع " ورفع الحديث إلى النبي ﷺ .
стр. 330
قلت: لم أعرف شيخ الدارقطني فيه، ولا شيخ شيخه، ولا شيخ شيخ شيخه، ولا شيخ شيخ شيخ شيخه.
وكأنه لجهالة رواة هذه الطريق، لم يذكرها الدارقطني، في ذكره لطرق هذا الحديث في العلل.
فَأَسْقِط بها من طريق.
* * *
الطريق السابعة عن علقمة عن عبد الله بن مسعود.
أخرجها الطبراني في الكبير قال: حدثنا محمد بن هشام المستملي، نا عبد الرحمن بن صالح، نا فضيل بن عياض، عن منصور، عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله عن النبي ﷺ قال: " البيعان إذا اختلفا في البيع ترادا البيع ".
قال الحافظ: " رواته ثقات، لكن اختلف في عبد الرحمن بن صالح، وما أظنه حفظه، فقد جزم الشافعي أن طرق هذا الحديث عن ابن مسعود ليس فيها شيء موصول ".
قلت: نعم الخلاف في عبد الرحمن قوي حتى قال أبو داود: لم أر أن أكتب عنه، وضع كتاب مثالب في أصحاب رسول الله ﷺ .
وقال موسى بن هارون: شيعي محترق، حرّقت عامة ما سمعت منه، يروي أحاديث في مثالب أصحاب رسول الله ﷺ ".
* * *
стр. 331
وقال مرة: كان ثقة، وكان يحدث بمثالب أزواج رسول الله ﷺ وأصحابه.
وقال صالح بن محمد: كوفي صالح، إلا أنه كان يبغض عثمان.
والرجل وثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وأبو حاتم، وابن حبان وغيرهم.
واختصر كلامهم ابن عدي فقال: " معروف مشهور في الكوفيين، لم يذكر بالضعف في الحديث، ولا اتهم فيه، إلا أنه محترق فيما كان فيه من التشيع ".
قلت: فهذا شيعي داعية، والمذهب الأعدل رد روايته على مذهب الجمهور، والخلاف في هذا مشهور كما اختصر الكلام عليه الحافظ في مقدمة الفتح فلينظر.
ثم شيخ الطبراني، ما وقفت على توثيقه، وإنما وقفت على قول الهيثمي: محمد بن هشام المستملي، لم أجد من ذكره.
* * **
الطريق الثامنة: التي عن عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث عن أبيه عن جدّه عن ابن مسعود.
أخرجها أبو داود قال: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، أخبرنا عمر بن حفص بن غياث، أنبأنا أبي عن أبي عميس قال: أخبرني
стр. 332
عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث عن أبيه عن جدّه قال فذكر نحواً من لفظ الطيالسي الذي سقناه أول الطرق.
وأخرجه النسائي قال: حدثنا محمد بن إدريس قال حدثنا عمر بن حفص فذكر المتن من غير قصة.
وأخرجه ابن الجارود قال: حدثنا محمد بن يحيى قال: ثنا عمر بن حفص بن غياث، بالقصة والمتن.
وأخرجه الدارقطني قال: ثنا محمد بن مخلد، نا العباس بن محمد، نا عمر بن حفص بن غياث به، فذكره بالقصة والمتن.
وأخرجه البغوي بإسناده إلى أبي داود، بالقصة والمتن.
وأخرجه الحاكم قال: حدثنا محمد بن صالح بن هانئ، والحسن بن يعقوب، وإبراهيم بن عصمة قالوا: ثنا السري بن خزيمة ثنا عمر بن حفص بن غياث به، بالقصة والمتن سواء.
ومن طريق الحاكم أخرجه البيهقي قال: أخبرنا محمد بن عبد الله - يعني الحاكم - فذكره مثله.
قال الحاكم بعد إخراجه: " هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ".
وقال البيهقي: " هذا إسناد حسن موصول، وقد روي من أوجه بأسانيد مراسيل إذا جمع بينها صار الحديث بذلك قوياً ".
стр. 333
لكن ابن التركماني تعقبه، فجمع ما انتقد على هذه الرواية فقال:
" في كل من حسنه واتصاله نظر ":
أ - فإن عبد الرحمن وأباه وجدّه محمداً حالهم مجهول، كذا قال ابن القطان.
ب - وقال ابن عبد البر: إسناده ليس بحجة، وفيه مقال من جهة انقطاعه، وضعف نقلته.
ج - وذكر ابن القطان أنه عنى بجده: محمد بن الأشعث، وأن الانقطاع بينه وبين ابن مسعود.
د - وما حكاه البيهقي عن الشافعي أنه قال: " لا أعلم أحداً يصله عن ابن مسعود " يدل على انقطاعه.
هـ - وفي " المحلى ": الحديث مرسل، محمد بن الأشعث لم يسمع من ابن مسعود، وعبد الرحمن ظالم من ظلمة الحجاج لا حجة في روايته، وإنما هو عبد الرحمن بن محمد بن قيس بن محمد بن الأشعث، وهو مجهول ابن مجهول، وأيضاً فلم يسمع منه أبو عميس شيئاً لتأخر سنّه عن لقائه، انتهى كلام ابن حزم.
قال ابن التركماني: والسند الذي أخرج البيهقي هذا الحديث به، قال فيه عن أبي عميس أخبرني عبد الرحمن بن قيس، وهذا يرد على ابن حزم، ويدل على سماعه منه.
ثم قال: وقال المزي في أطرافه: رواه يعقوب بن سفيان عن عمر بن
стр. 334
حفص وقال: عبد الرحمن بن محمد بن قيس بن محمد بن الأشعث، ويظهر من مجموع ما تقدم الاختلاف في نسبة عبد الرحمن،. انتهى كلام ابن التركماني.
خلاصة القول في الخبر:
والخلاصة أن الخبر لا يتصل من وجه صحيح من الوجوه، وأن الإرسال هو المحفوظ، كما قطع بذلك الدارقطني في العلل، والشافعي في رواية المزني وغيره، على البيان الذي فضلناه، وأن الحكم بصحته واتصاله، هو قول من تعجّل.
إلا أن مجموع طرقه يدل على أصل، كما ذكر صاحب التنقيح، والزيلعي، وغيرهما، حتى أودعه مالك في الموطأ بلاغاً.
(تنبيه):
قد أنكر بعض الناس أن يكون في الخبر قد وقع ذكر الحلف.
والحق أنها موجودة كما ذكرنا ذلك في الطريق الأولى لهذا الخبر، عند أحمد والنسائي والدارقطني والحاكم، ففيه " فأمر البائع أن يستحلف ".
وكذا وقع في رواية الدارقطني، التي عن بعض بني عبد الله بن مسعود. كما في الطريق الخامسة.
والطريقان اللذان وقع فيهما ذكر الحلف ضعيفان جداً، أقلنا بالإرسال أو الاتصال.
стр. 335
نعم، الذي لم يقع في شيء من الأخبار، هو أن يستحلف كل واحدٍ منهما الآخر، على نحو ما يذكر في فتوى بعض العلماء.
وهو اللفظ إنما ذكره في الأحاديث، الفقهاء، لا أصحاب الأسانيد، كما هو في المغني، والوسيط وغيرهما.
فالحديث على فرض صحة وصله أو إرساله، لا يثبت فيه ذكر الحلف، ولا التحالف.
стр. 336
وصل في بيان أن الفتوى على غير معنى هذا الخبر، وذكر حجتهم في ذلك:
قال في المغني: إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة، فقال البائع بعتك بعشرين وقال المشتري بل بعشرة ولأحدهما بينة حكم بها.
وإن لم يكن لهما بينة تحالفا، بهذا قال شريح وأبو حنيفة والشافعي ومالك في رواية.
وعنه - يعني عن مالك - القول قول المشتري مع يمينه، وبه قال أبو ثور وزفر.
قال: وقال الشعبي: القول قول البائع أو يترادان البيع، وحكاه ابن المنذر عن إمامنا ﵀، والمشهور في المذهب الأول، ويحتمل أن يكون معنى القولين واحداً، وأن القول قول البائع مع يمينه، إذا حلف فرضي المشتري بذلك أخذ به، وإن أبى حلف أيضاً وفسخ البيع، لأن في بعض ألفاظ حديث ابن مسعود " إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة، ولا بينة لأحدهما تحالفا ". انتهى.
قلت: وهذا الذي استغربه ابن قدامة من نسبة هذا القول بظاهر الحديث لأحمد، وأنه خلاف ما يعرفه هو في المذهب، هو الصواب.
فإن ابن المنذر قال: ما علمت أحداً قال بظاهره غير الشعبي.
стр. 337
قلت: وهو كما قال، فسائر الأئمة والفقهاء، أدخلوا الحلف في حال الاختلاف، إما على البائع، وإما على المشتري، وإما عليهما معاً، سواءً مع البينة أو بدونها، وسواءٌ استهلكت العينة أم لا. كما هو مبسوط في كتب الفقه.
стр. 338
الحديث الرابع والعشرون والخامس والعشرون
في النهي عن التمتعِ بالحج، أو النهي عن العمرة قبل الحج، والآخر في النهي عن القِران
وكلاهما أخرجه أبو داود في سننه:
الحديث الأول:
قال: حدثنا أحمد بن صالح، أخبرنا عبد الله بن وهب أخبرني حيوة، أخبرني أبو عيسى الخراساني عن عبد الله بن القاسم عن سعيد بن المسيب، " أن رجلاً من أصحاب النبي ﷺ أتى عمر بن الخطاب ﵁ فشهد عنده أنه سمع رسول الله ﷺ في مرضه الذي قضي فيه ينهي عن العمرة قبل الحج ".
وقد أخرجه البيهقي وغيره من هذه الطريق، ولا أعرف له غيرها.
وهي معلولة من وجوه:
الأول: الاختلاف في سماع سعيد من عمر بن الخطاب، فمن مقتضى قبول هذا الخبر إثبات صحة سماع سعيد من عمر، ولو لم يكن الحديث عن عمر.
الثاني: الاختلاف في عبد الله بن القاسم، فهو وإن وثقه ابن حبان، فقد قال ابن القطان فيه: " مجهول "، ولذلك قال الحافظ ابن حجر في التقريب: مقبول. يعني إذا توبع، وليس هو متابع في هذا الخبر.
стр. 339
الثالث: الاختلاف في أبي عيسى، فهو كذلك عند ابن حبان وابن القطان، وابن حجر.
ولذلك قال ابن القيم في شرح أبي داود:
" وهذا حديث باطل، ولا يحتاج تعليله إلى عدم سماع ابن المسيب من عمر. . . وقد قال أبو محمد بن حزم: هذا حديث في غاية الوهي والسقوط، لأنه مرسل عمن لم يسمّ، وفيه أيضاً ثلاثة مجهولون: أبو عيسى الخراساني، وعبد الله بن القاسم وأبوه، ففيه خمسة عيوب، وهو ساقط لا يحتج به من له أدنى علم.
وقال عبد الحق: هذا منقطع ضعيف الإسناد ". انتهى.
قلت: قوله: " مرسل عمن لم يسمّ " وإعلاله بذلك، غير مقبول، لأنه صرح بصحبته، فلا تضر جهالة الصحابي.
وقوله: " وأبوه " لا معنى للقول بمعرفته أو جهالته، إذ المقصود ولده، لا هو، إلا أن يكون وقع في بعض طرق الحديث: " عن أبيه " ولم أقف على ذلك.
فرجعت الخمسة التي ذكرها ابن حزم إلى الثلاثة التي أوردناها.
وقد اكتفى البغوي في شرح السنة بقوله: " في إسناده مقال ".
وهو قول أبي الطيب شمس الحق محمد.
стр. 340
وأعله المنذري بالعلة الأولى، تبعاً لسائر القائلين بعدم صحة السماع، فهؤلاء جميعهم يضعفون الخبر بهذا.
الحديث الثاني:
قال أبو داود: حدثنا موسى أبو سلمة، أخبرنا حماد عن قتادة عن أبي شيخ الهنائي، حَيْوان - أو خيوان - بن خلدة، ممن قرأ على أبي موسى الأشعري من أهل البصرة، أن معاوية بن أبي سفيان قال لأصحاب النبي ﷺ : " هل تعلمون أن رسول الله ﷺ نهى عن كذا وكذا، وعن ركوب جلود النمور؟ قالوا: نعم.
قال: فتعلمون أنه نهى أن يقرن بين الحج والعمرة؟
فقالوا: أما هذه فلا.
قال: أما إنها معهن ولكنكم نسيتم ".
وأخرجه أحمد في المسند قال: ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن قتادة عن أبي شيخ الهنائي أن معاوية قال فذكره ولفظه فيه: " وتعلمون أنه نهى عن المتعة " - يعني متعة الحج - قالوا: اللهم لا.
ثم أخرجه عن محمد بن جعفر قال: ثنا سعيد، عن قتادة عن أبي شيخ الهنائي أنه شهد معاوية فذكره ولفظه في آخره: " وتعلمون أن رسول الله ﷺ نهى عن جمع بين حج وعمرة؟
стр. 341
قالوا: اللهم لا.
قال: فوالله إنها لمعهن.
ومن هذه الطريق أخرجه البيهقي.
وله طريق آخر أخرجه النسائي في الكبرى، بعد أن كان ساق له طرقاً كثيرة في الصغرى والكبرى ليس في شيء منها ذكر المتعة.
قال: أخبرنا أبو داود قال: ثنا يزيد بن هارون قال: أنا شريك، عن أبي فروة عن الحسن قال: خطب معاوية الناس فذكره وفيه: " وسمعته ينهي عن المتعة، قالوا: لم نسمع.
قال: بلى، وإلا فصمت ".
وأما سائر الطرق لهذا الخبر فليس فيها ذكر المتعة، وإنما فيها النهي عن لبس الذهب والحرير وركوب المياثر وجلود النمور.
وقد أخرج جميعها النسائي.
فمرة يقول: عن أبي شيخ الهنائي عن أبي حمّان أن معاوية.
ومرة يقول: عن أبي شيخ الهنائي عن أخيه حمان عن معاوية.
ومرة يقول: عن أبي شيخ الهنائي عن حمّان عن معاوية.
ومرة يقول: عن أبي شيخ الهنائي عن ابن عمر.
فاختلف النقل عنه كثيراً. وذكر المنذري هذا وزاد.
стр. 342
ولذلك أطال ابن القيم الكلام في رد هذا الخبر فقال.
" وقال عبد الحق: لم يسمع أبو شيخ من نعاوية هذا الحديث، وإنما سمع منه النهي عن ركوب جلود النمور، فأما النهي عن القِران فسمعه من أبي حسان عن معاوية. ومرة يقول: عن أخيه حمان ومرة يقول: حمان، وهم مجهولون،.
فلت: قوله أنه سمع النهي عن ركوب جلود النمور دون المتعة، بعيد جداً، ولا يوافقه نقل ولا عقل، أما النقل فالمثبت في الرواية ذكر المتعة دون واسطة بين أبي شيخ ومعاوية، وعكسه الحاصل، وجود الواسطة عند عدم ذكر المتعة.
وأما العقل فبعيد جداً عند ذوي الحجى أن يكون سمع الخبر هو بنفسه، ثم بواسطة حمان أو غيره بزيادة ذكر المتعة، فيروي الذي سمعه هو بذكر الواسطة، ويطرحها إذا روى الزيادة التي من طريق الواسطة.
ثم كيف يصح أن يكون سمع الخطبة هو، ثم يخبره غيره بما لم يسمع منها، لا سيما مع المناقشة والسؤال الحاصل بين معاوية والناس، وبالأخص مع رفض الناس لسماع ذلك. والسؤال عن المتعة إنما هو بعد السؤال عن لبس الذهب والحرير والجلود، فاستبعدنا أن يكون حضر بعد السؤال عن المتعة، وليس بين السؤال عن هذه المسائل ما يتيح المغادرة، فهو مستبعد جداً، والتحكم والقطع في مثل هذا لا يدرك بما هو مستبعد الحصول، وهو محتاج لبراهين، لا لتخامين.
وأما قوله: وهم مجهولون، فيحتاج لأن يذكر معه توثيق ابن حبان.
стр. 343
ثم قال ابن القيم ﵀:
" وقال ابن القطان: يرويه عن أبي شيخ رجلان، قتادة ومطرف لا يجعلان بين أبي شيخ ومعاوية أحداً. ورواه عنه بيهس بن فهدان، فذكر سماعه من معاوية، ولفظ النهي عن ركوب النمور خاصة، وقال النسائي: ورواه عن أبي شيخ يحيى بن أبي كثير، فأدخل بينه وبيه معاوية رجلاً اختلفوا في ضبطه، فقيل: أبو حماز، وقيل: حمان، وقيل: جمان، وهو أخو أبي شيخ ".
قلت: فأشارا للخلاف، على رأي من يعل الخبر بالاختلاف مطلقاً، أو على رأي من يتوقف في الاختلاف الكثير. والجمهور على أن هذا غير قادح عند إمكان الترجيح ومعرفة من حفظ ممن لم يحفظ، والنسائي يذكر الاختلاف في سننه كثيراً مع قوله بصحة الخبر.
ثم قال ابن القيم ﵀:
" وقال الدارقطني: القول قول من لم يدخل بين أبي شيخ ومعاوية فيه أحداً، يعني قتادة ومطرفاً وبيهس بن فهدان ".
قلت: وهو الصواب البين جداً، المنبلج مداً، فمخالفة هؤلاء الأساطين لا تقوم برواية يحيى الذي مرة يوافق ومرة يخالف.
ثم قال ابن القيم:
" وقد رواه النسائي في سننه - فذكر طريق الحسن التي قدمناها - ثم قال: فهذا أصح من حديث أبي شيخ، وإنما فيه النهي عن المتعة، وهي -
стр. 344
والله أعلم - متعة النساء، فظن من ظن أنها متعة الحج، فرواه بالمعنى، فأخطأ خطأ فاحشاً ".
قلت: هذا التأويل من ابن القيم ﵀ باطل من وجهين:
الأول: أنه خلاف سائر الروايات التي فيها ذكر التصريح بمتعة الحج، وهو الذي فهمه سائر الرواة، بل وأصحاب السنن كأبي داود وغيره، فأورده في المناسك، وكذا سائر من اعتمد على هذا الخبر، وحتى لو سلمنا بصحة رواية النسائي، فالمقرر عند سائر علماء الأصول حمل المبهم على المفسر، لا على نقيض المفسر من غير قرينة في نفس الخبر.
الثاني: أننا لو سلمنا بصحة قول ابن القيم، فكيف يكون الجواب عن قول من حضر من الصحابة: " أما هذه فلا ".
فإنه لا يصح أن يكون السؤال عن متعة النساء ثم يقولوا: " أما هذه فلا ".
فتبين ضعف تأويل الشيخ.
ثم كيف هو قوله: " فهذا - يعني طريق الحسن - أصح من حديث أبي شيخ ".
وحديث أبي شيخ الذي في طريق أحمد الأولى رجاله رجال الشيخين، غير أبي شيخ وقد وثقه ابن حبان، وابن سعد من قبله، والعجلي وغيرهم.
وحديث الحسن فيه أبو فروة وهو مسلم بن سالم ضعيف!.
стр. 345
وصل في معرفة المراد من الخبرين:
قال ابن القيم:
" وقع في بعض نسخ أبي داود " نهى أن يفرق بين الحج والعمرة " بالفاء والقاف.
قال ابن حزم: هكذا روايتي عن عبد الله بن ربيع، وهكذا في كتابه وهو - والله أعلم - وهم، والمحفوظ يقرن ".
قلت: فلا خلاف في أن المراد من ظاهر خبر معاوية وجهان:
فأما على ما وقع في سنن أبي داود فالنهي إنما هو عن القران كما في ظاهر الخبر. وكذا في رواية محمد بن جعفر عند أحمد.
وأما رواية أحمد الأخرى، فالنهي فيها عن التمتع.
ولكن يمكن حمل رواية محمد بن جعفر على التمتع، لأنه أطلق الجمع بينهما، ولم يعين قِراناً ولا تمتعاً، وأما حمل رواية أبي داود على ذلك ففي ذلك تعسف لا يخفى، لأنه صريح بلفظ القران، إلا أن تعتبر من تصرف الرواة.
هذا عن حديث معاوية.
وأما حديث الصحابي الذي لم يسمّ، فإنه قال فيه: " نهي عن المتعة قبل الحج " وهذا عندي له صور:
الأولى: أن يكون المراد مطلقاً تقديم العمرة على الحج، كأن يعتمر في عام من الأعوام قبل أن يكون سبق له أن حج، ثم يحج بعد عام أو نحوه.
стр. 346
والثاني: أن يقع له الاختيار بين الحج والعمرة، وهو لا يكون إلا في أشهر الحج، فيختار العمرة على الحج.
والثالث: أن يتمتع عن عام واحد قبل أشهر الحج، ثم إذا جاءت أشهره حج.
والرابع: أن يتمتع في أشهر الحج بالعمرة أولاً، ثم يحج عن نفس العام، وهو المشهور بالتمتع.
فتحصل من معنى الحديثين خمسة أقوال. سائر الفقهاء على خلافها، إلا الصورة الثانية عن حديث معاوية في النهي عن العمرة في أشهر الحج وتركه، فهذا مما لا يختلف العلماء في النهي عنه أكان نهي كراهة أو نهي تحريم، هذا مع أن اشتقاق هذه الصورة عن معنى الخبر فيه كلام لا يخفى.
стр. 347
وصل آخر في ذكر من كان يفتي بالنهي عن التمتع المشهور عند الفقهاء:
اعلم أن الفقهاء اتفقوا على جواز التمتع، واستقر عليه الإجماع من بعد عهد الصحابة ﵃، وإنما كان الخلاف في هذا بين الصحابة حسب.
وقد وقع النهي عن ذلك عن جماعة من الصحابة يظن من لم يتحر أنه مبطل لشرطنا في ذكر هذا الخبر، بل ربما جنح للقول بمقتضاه.
والصواب أن النهي قد جاء عن عمر ﵁ أولاً، لكن على وجه لا يراد منه الكراهة ولا المنع لمن تأمله وكذا مثله عن عثمان، وكذا جاء النهي عن أبي ذر، لكن له عنده معنى خاص أراده كما سيأتي، ولم يثبت النهي عن أحد من الصحابة على مطلق المنع فيما علمت إلا عن معاوية وأما عبد الله بن الزبير فلعل نهيه كنهي أبي ذر.
فأما خبر عمر بن الخطاب ﵁ في النهي عن ذلك فقد أخرجه أحمد في المسند وغيره عنه قال: " أتموا الحج والعمرة كما أمركم الله، وحصنوا فروج هذه النساء ".
ولفظ سعيد بن منصور: " أن عمر نهى عن متعة النساء ومتعة الحج "، ونحوه لفظ الطحاوي وغيره.
стр. 348
ثم صرح عمر بسنية التمتع وأبدى عذره في المنع، فأخرج مسلم في صحيحه وغيره عنه أنه قال: قد علمت أن النبي ﷺ فعله وأصحابه، ولكن كرهت أن يظلوا مع النساء تحت الأراك، ثم يروحون بالحج تقطر رؤوسهم.
وفي رواية أن أبا موسى كان يفتي بهذه الفتوى، ثم إنه ذكر بعد قول عمر: " هي سنة رسول الله ﷺ ولكني أخشى أن يعرسوا. . . ".
وبيّن عبد الله مراد أبيه من النهي فيما أخرجه أحمد وغيره، أن ناساً قالوا له: كيف تخالف أباك وقد نهى عن ذلك؟ فيقول لهم عبد الله: ويلكم، ألا تتقون الله، إن عمر كان نهى عن ذلك يبتغي فيه الخير، يلتمس به تمام العمرة. . .
ثم قال: إن عمر لم يقل لكم إن العمرة في أشهر الحج حرام، ولكنه قال: أتم للعمرة أن تفردوها عن أشهر الحج.
وأخرج مالك في الموطأ ما يشهد لهذا.
ثم ذكر الحسن أن عمر تراجع عن ذلك بعد حجاج مع أبي بن كعب، فيما أخرجه الإمام أحمد إن صح الخبر.
قلت: فليس لقائل أن يقول: إن عمر كان يفتي بمقتضى الخبر الذي أوردناه.
وأما خبر عثمان في النهي فأخرجه مسلم والنسائي وغيرهما، وفيه
стр. 349
عندهم أنه رجع عنه، رواه سعيد بن المسيب قال: حج علي وعثمان، فلما كنا ببعض الطريق، نهى عثمان عن التمتع، فقال على: إذا رأيتموه قد رحل فارتحلوا، فبقي علي وأصحابه بالعمرة، فلم ينههم عثمان، فقال علي: ألم أخبر أنك تنهى عن التمتع؟ قال: بلى، قال له على: ألم تسمع رسول الله ﷺ تمتع؟! -
قال - يعني عثمان -: بلى.
قلت: فظاهر هذا أنه كان ينهي عن ذلك على نحو ما كان ينهي عمر.
وقد جاء في البخاري عن عمران بن الحصين: " تمتعنا على عهد رسول الله ﷺ فنزل القرآن، وقال رجل برأيه ما شاء ".
فقال الحافظ: في الحديث ما يعكر على عياض وغيره من جزمهم بأن المتعة التي نهى عنها عمر وعثمان هي فسخ الحج إلى العمرة، لا العمرة التي يحج بعدها، فإن في بعض طرقه عند مسلم التصريح بكونها متعة الحج.
قلت: نعم هو الصواب، والذي قال بالنهي عن فسخ الحج إلى عمرة، وأن ذلك كان للنبي وأصحابه في حياته ﷺ ، هو أبو ذر ﵁.
وأصرح ألفاظه في هذا، ما أخرجه الدارقطني في سننه وغيره قال: لم تكن متعة الحج لأحد أن يهل بحجة، ثم يفسخها بعمرة، إلا للركب الذين كانوا مع رسول الله ﷺ .
وخبر ابن الزبير أخرجه مسلم وغيره باختصار، لكن فسره الإمام أحمد في روايته قال: خرج علينا عبد الله بن الزبير ﵄، فنهى عن
стр. 350
التمتع بالعمرة إلى الحج، وأنكر أن يكون الناس صنعوا ذلك مع رسول الله ﷺ ، فبلغ ذلك عبد الله بن عباس ﵄، فقال: وما علم ابن الزبير بهذا، فليرجع إلى أمّه أسماء بنت أبي بكر ﵂، فليسألها إن لم يكن الزبير قد رجع إليها حلالاً وحلّت.
فبلغ ذلك أسماء فقالت: يغفر الله لابن عباس، والله لقد أفحش، قد والله صدق ابن عباس، لقد حلوا وأحللنا، وأصابوا النساء ".
قلت: ظاهر كلامها أن الزبير قد حل مع من حلوا، وليس كذلك، ففي مسلم أن الزبير كان قد ساق الهدي، فلم يحل، وأما أسماء فلم يكن معها هدي فحلت، فقال لها الزبير: قومي عني، فقالت: أتخشى أن أثب عليك.
وأما خبر نهي معاوية فأخرجه الترمذي وأحمد عن ابن عباس قال: " تمتع رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان، وأول من نهى عنها معاوية ".
قلت ففي هذا فوائد، منها أن عمر وعثمان لم يكونا ينهيان عنها كما قدمنا، وإنما لهما في ذلك التأويل الذي قدمناه.
وقال النووي: كان عمر وعثمان ينهيان عن ذلك نهي تنزيه لا تحريم. وقال أبو الطيب في شرح الترمذي: ويمكن الجمع بين فعلهما ونهيهما، بأن الفعل كان متأخراً لما علما الجواز، ويحتمل أن يكون الفعل لبيان الجواز.
стр. 351
قلت: فبهذا يجاب عن قول ابن عباس بأن معاوية أول من نهى عن ذلك، أي أن نهيه، إنما كان للتحريم، ونهي من قبله لم يكن كذلك.
ولا ينقضي عجبي، كما لم ينقض عجب ابن عباس له، كما في لفظ أحمد لخبر ابن عباس المتقدم وفيه: قال ابن عباس: " وقد حدثني - يعني معاوية - أنه قصر عن رسول الله ﷺ بمشقص ". وإنما كان التقصير لعمرة قطعاً، أو في حجته.
فأما في العمرة فلا وجه لعجب ابن عباس.
وأما في الحج، فمع اختلافهم في كونه ﷺ كان مفرداً، أو قارناً، أو تمتعاً - على عبارة من يطلق التمتع على القِران مجازاً - فإنهم لم يختلفوا أنه لم يتحلل بعد إحرامه إلى أن قضى حجه، وقال: " لولا أني سقت الهدي لأحللت ".
فعرف من هذا أيضاً أن تقصير معاوية للنبي ﷺ في حجته، ليس للتمتع. وصرح أبو داود في روايته أنه في الحج.
فالعجب من عجب ابن عباس!
ثم حديث معاوية في التقصير، لولا أنه في البخاري ومسلم، وتأبى هيبة الصحيح الكلام عليه، لقالوا بانه لم يكن في حجته تقصير منه ﷺ ، وإنما هو حلق يوم النحر، ليس قبله تقصير ولا بعده، إلا أن يكون الخطأ في رواية أبي داود.
ومما يقوي أنه كان في عمرة، رواية للنسائي صرح فيها بذلك.
стр. 352
وفي أخرى للنسائي: قال قيس - أحد رواة الخبر -: والناس ينكرون هذا على معاوية.
لكن لعل ابن عباس كان يرى في قوله: أن النبي ﷺ تمتع: التمتع الذي فيه إحلال، حتى يصح تعجبه.
فهذا والله أعجب منه، مع سعة علمه وتحريه في المسائل. والله أعلم، ويا ليتنا نقطة في بحره.
الخلاصة:
وملخص ما تقدم أن القول بظاهر الخبر الذي أوردناه، لا يثبت إلا عن معاوية ﵁، وعن ابن الزبير احتمالاً.
стр. 353
الوصل الأخير في ذكر من ذكر أن الإجماع على خلاف الخبرين وجواب أهل العلم عنها:
قال البغوي: أجمع العلماء على جواز تقديم العمرة على الحج، وقد روي أن النبي ﷺ نهى عن العمرة قبل الحج، وفي إسناده مقال. وإن ثبت فيحتمل أنه أراد على طريق الاختيار أمر تقديم الحج، لأنه أعظم الأمرين وأهمهما ووقته محصور، وأيام السنة كلها وقت للعمرة. انتهى.
وقال النووي: وقد انعقد الإجماع بعد هذا على جواز الإفراد والتمتع والقران من غير كراهة، وإنما اختلفوا في الأفضل. انتهى.
وقال ابن القيم: وأبو شيخ راوي الخبر ولو كان حافظاً لكان حديثه هذا معلوم البطلان، إذ هو خلاف المتواتر عن رسول الله ﷺ من فعله وقوله، فإنه أحرم قارناً، رواه عنه ستة عشر نفساً من أصحابه، وخير أصحابه بين القران والإفراد والتمتع، وأجمعت الأمة على جوازه.
ولو فرض صحة هذا عن معاوية، فقد أنكر الصحابة عليه أن يكون رسول الله ﷺ نهى عنه، فلعله وهم، أم اشتبه عليه نهيه عن متعة النساء بمتعة الحج، كما اشتبه على غيره. انتهى.
стр. 354
الفصل الثاني: في ذكر الأحاديث التي لم يفت بها الفقهاء، وليست على شرط الكتاب لجهة القول بنسخها فقط
١ - منها أحاديث في الغسل:
الأول: " إنما الماء من الماء " وما روى في معناه.
أ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرجت مع رسول الله ﷺ يوم الاثنين إلى قباء، حتى إذا كان في بني سالم، وقف رسول الله ﷺ على باب عتبان بن مالك، فصرخ، فخرج يجر إزاره، فقال رسول الله ﷺ : " أعجلنا الرجل ".
فقال عتبان: يا رسول الله، أرأيت الرجل يعجل عن امرأته، ولم يمن، ماذا عليه؛
قال رسول الله ﷺ : " إنما الماء من الماء ".
أخرجه البخاري ومسلم - واللفظ له - وأبو داود وابن ماجه وغيرهم.
ب - حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إنما الماء من الماء "، أخرجه النسائي وابن ماجه وغيرهما.
وفي الباب عن غيرهما.
стр. 355
وصل في بيان حصول الاختلاف علي القول بهذا الخبر بين الصحابة ثم رجوعهم عن ذلك ، وقول من قال ذلك من التابعين ثم اتفاق الفقهاء من بعد علي ترك الفتوى بهذا الخبر:
قال البخاري ﵀ في الصحيح:
" باب غسل ما يصيب من فرج المرأة ".
ثم أورد حديثين:
أولهما: حديث زيد بن خالد الجهني أنه سأل عثمان بن عفان فقال: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته فلم يمن؟ قال عثمان: " يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره ".
قال عثمان: سمعته من رسول الله ﷺ .
قال زيد: فسألت عن ذلك علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وأبي بن كعب ﵃، فأمروه بذلك.
وثانيهما: حديث أبي بن كعب أنه قال: يا رسول الله ﷺ إذا جامع الرجل المرأة فلم ينزل؟
قال: " يغسل ما مس المرأة منه، ثم يتوضأ ويصلي ".
قال البخاري: الغسل أحوط، وذلك الآخر، وإنما بينا لاختلافهم.
قال ابن حجر: قوله " الآخر " أي آخر الأمرين من الشارع أو من اجتهاد الأئمة.
следующие страницы →