Полный текст (436 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
قلت: فبهذا يجاب عن قول ابن عباس بأن معاوية أول من نهى عن ذلك، أي أن نهيه، إنما كان للتحريم، ونهي من قبله لم يكن كذلك.
ولا ينقضي عجبي، كما لم ينقض عجب ابن عباس له، كما في لفظ أحمد لخبر ابن عباس المتقدم وفيه: قال ابن عباس: " وقد حدثني - يعني معاوية - أنه قصر عن رسول الله ﷺ بمشقص ". وإنما كان التقصير لعمرة قطعاً، أو في حجته.
فأما في العمرة فلا وجه لعجب ابن عباس.
وأما في الحج، فمع اختلافهم في كونه ﷺ كان مفرداً، أو قارناً، أو تمتعاً - على عبارة من يطلق التمتع على القِران مجازاً - فإنهم لم يختلفوا أنه لم يتحلل بعد إحرامه إلى أن قضى حجه، وقال: " لولا أني سقت الهدي لأحللت ".
فعرف من هذا أيضاً أن تقصير معاوية للنبي ﷺ في حجته، ليس للتمتع. وصرح أبو داود في روايته أنه في الحج.
فالعجب من عجب ابن عباس!
ثم حديث معاوية في التقصير، لولا أنه في البخاري ومسلم، وتأبى هيبة الصحيح الكلام عليه، لقالوا بانه لم يكن في حجته تقصير منه ﷺ ، وإنما هو حلق يوم النحر، ليس قبله تقصير ولا بعده، إلا أن يكون الخطأ في رواية أبي داود.
ومما يقوي أنه كان في عمرة، رواية للنسائي صرح فيها بذلك.
стр. 352
وفي أخرى للنسائي: قال قيس - أحد رواة الخبر -: والناس ينكرون هذا على معاوية.
لكن لعل ابن عباس كان يرى في قوله: أن النبي ﷺ تمتع: التمتع الذي فيه إحلال، حتى يصح تعجبه.
فهذا والله أعجب منه، مع سعة علمه وتحريه في المسائل. والله أعلم، ويا ليتنا نقطة في بحره.
الخلاصة:
وملخص ما تقدم أن القول بظاهر الخبر الذي أوردناه، لا يثبت إلا عن معاوية ﵁، وعن ابن الزبير احتمالاً.
стр. 353
الوصل الأخير في ذكر من ذكر أن الإجماع على خلاف الخبرين وجواب أهل العلم عنها:
قال البغوي: أجمع العلماء على جواز تقديم العمرة على الحج، وقد روي أن النبي ﷺ نهى عن العمرة قبل الحج، وفي إسناده مقال. وإن ثبت فيحتمل أنه أراد على طريق الاختيار أمر تقديم الحج، لأنه أعظم الأمرين وأهمهما ووقته محصور، وأيام السنة كلها وقت للعمرة. انتهى.
وقال النووي: وقد انعقد الإجماع بعد هذا على جواز الإفراد والتمتع والقران من غير كراهة، وإنما اختلفوا في الأفضل. انتهى.
وقال ابن القيم: وأبو شيخ راوي الخبر ولو كان حافظاً لكان حديثه هذا معلوم البطلان، إذ هو خلاف المتواتر عن رسول الله ﷺ من فعله وقوله، فإنه أحرم قارناً، رواه عنه ستة عشر نفساً من أصحابه، وخير أصحابه بين القران والإفراد والتمتع، وأجمعت الأمة على جوازه.
ولو فرض صحة هذا عن معاوية، فقد أنكر الصحابة عليه أن يكون رسول الله ﷺ نهى عنه، فلعله وهم، أم اشتبه عليه نهيه عن متعة النساء بمتعة الحج، كما اشتبه على غيره. انتهى.
стр. 354
الفصل الثاني: في ذكر الأحاديث التي لم يفت بها الفقهاء، وليست على شرط الكتاب لجهة القول بنسخها فقط
١ - منها أحاديث في الغسل:
الأول: " إنما الماء من الماء " وما روى في معناه.
أ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرجت مع رسول الله ﷺ يوم الاثنين إلى قباء، حتى إذا كان في بني سالم، وقف رسول الله ﷺ على باب عتبان بن مالك، فصرخ، فخرج يجر إزاره، فقال رسول الله ﷺ : " أعجلنا الرجل ".
فقال عتبان: يا رسول الله، أرأيت الرجل يعجل عن امرأته، ولم يمن، ماذا عليه؛
قال رسول الله ﷺ : " إنما الماء من الماء ".
أخرجه البخاري ومسلم - واللفظ له - وأبو داود وابن ماجه وغيرهم.
ب - حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إنما الماء من الماء "، أخرجه النسائي وابن ماجه وغيرهما.
وفي الباب عن غيرهما.
стр. 355
وصل في بيان حصول الاختلاف علي القول بهذا الخبر بين الصحابة ثم رجوعهم عن ذلك ، وقول من قال ذلك من التابعين ثم اتفاق الفقهاء من بعد علي ترك الفتوى بهذا الخبر:
قال البخاري ﵀ في الصحيح:
" باب غسل ما يصيب من فرج المرأة ".
ثم أورد حديثين:
أولهما: حديث زيد بن خالد الجهني أنه سأل عثمان بن عفان فقال: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته فلم يمن؟ قال عثمان: " يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره ".
قال عثمان: سمعته من رسول الله ﷺ .
قال زيد: فسألت عن ذلك علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وأبي بن كعب ﵃، فأمروه بذلك.
وثانيهما: حديث أبي بن كعب أنه قال: يا رسول الله ﷺ إذا جامع الرجل المرأة فلم ينزل؟
قال: " يغسل ما مس المرأة منه، ثم يتوضأ ويصلي ".
قال البخاري: الغسل أحوط، وذلك الآخر، وإنما بينا لاختلافهم.
قال ابن حجر: قوله " الآخر " أي آخر الأمرين من الشارع أو من اجتهاد الأئمة.
стр. 356
ثم قال الحافظ: وقوله " لاختلافهم " اللام تعليلية، أي حتى لا يظن أن في ذلك إجماعاً، ثم قال: واستشكل ابن العربي كلام البخاري فقال: إيجاب الغسل أطبق عليه الصحابة ومن بعدهم، وما خالف فيه إلا داود، ولا عبرة بخلافه، وإنما الأمر الصعب مخالفة البخاري، وحكمه بأن الغسل مستحب. وهو أحد أئمة الدين وأجلة علماء المسلمين. . .
ثم قال ابن العربي: ويحتمل أن يكون مراد البخاري بقوله: " الغسل أحوط " أي في الدين، وهو باب مشهور في الأصول، وهو أشبه بإمامة الرجل. انتهى كلام ابن العربي.
قال الحافظ معقباً: وهذا هو الظاهر من تصرفه، فإنه لم يترجم بجواز ترك الغسل، وإنما ترجم ببعض ما يستفاد من الحديث من غير هذه المسألة، كما استدل به على إيجاب الوضوء فيما تقدم.
ثم قال الحافظ: وأما نفي ابن العربي الخلاف فمعترض، فإنه مشهور عن الصحابة ثبت عن جماعة منهم. انتهى كلام الحافظ.
قلت: نعم ثبت هذا عن بعض الصحابة، لكن ثبت رجوع كثير منهم عن هذا القول، وربما رجع جميع من كان قال بذلك، فعندها يصح قول ابن العربي.
فقد أخرج الترمذي من حديث أُبي بن كعب قال: " إنما كان الماء من الماء " رخصةً في أول الإسلام ثم نهي عنه.
وأخرجه أبو داود بلفظ: " أن رسول الله ﷺ إنما جعل ذلك رخصة للناس في أول الإسلام لقلة الثياب، ثم أمر بالغسل ونهى عن ذلك، قال أبو داود: يعني " إنما الماء من الماء ".
стр. 357
وفي لفظ آخر لأبي داود: إن الفتيا التي كانوا يفتون: " إنما الماء من الماء " كانت رخصة في أول الإسلام ثم أمر بالاغتسال بعد "، وبنحوه لفظ ابن ماجه.
وهذا حديث حسن صحيح كما قال الترمذي، وهو مفهم أن كثيراً منهم إنما قال ذلك في أول الإسلام ثم رجع عن ذلك.
وقد صرح بذلك زيد بن ثابت في حق أبي في الموطأ فقال: " إن أُبيّ بن كعب نزع عن ذلك قبل أن يموت.
وثبت في صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁، أن جماعة من الصحابة اختلفوا في ذلك وقال الأنصاريون: " الماء من الماء "، فذهب هو لعائشة ﵂ فسألها عن ذلك، فأخبرته بوجوب الغسل فأخبرهم.
فيبعد بعد هذا أن يكونوا بقوا على قولهم، والله أعلم، سيما وقد أخرج عبد الزراق بسند صحيح عن سهل بن سعد: إنما كان قول الأنصار: " الماء من الماء " رخصة في أول الإسلام ثم أخذنا بالغسل بعد ذلك إذا مس الختان الختان ".
ثم قال الحافظ: وادعى ابن القصار أن الخلاف ارتفع بين التابعين، وهو معترض أيضاً، فقد ذكر الخطابي من التابعين الأعمش وتبعه عياض، لكن قال: لم يقل به أحد بعد الصحابة غيره.
قال الحافظ: وهو معترض أيضاً، فقد ثبت ذلك عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وهو في سنن أبي داود بإسناد صحيح.
стр. 358
قلت: وثبت في الموطأ أيضاً أن أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قد سئل عائشة عن ذلك فأخبرته بالصواب ووجوب الغسل، وعنَّفته، فلعله رجع عن ذلك، كما هو مشهور عنه في غالب ما كان يسأل عنه عائشة ﵂.
ثم قال الحافظ: وجاء هذا القول عن هشام بن عروة عند عبد الرزاق بإسناد صحيح.
قلت: قول هشام في الخبر غير بيّن، ولفظه فيه: "لقد أصبت أهلي فأكسلت، فلم أنزل فما اغتسلت ".
فهذا محتمل لا مؤكد، لأنه ربما حكى واقعة حال كانت منه، لا أنه ذهب ذلك المذهب، وقد رأيت وضع عبد الرزاق لهذا الأثر، في موضع مناسب تماماً، يدل على عظيم توخيه فإنه أورد الأثر بين أحاديث الغسل من التقاء الختانين، وبين أحاديث الماء من الماء، حيث أنه لم يفصل بين الأحاديث بباب، وأوردهم جميعاً في باب واحد. مما يدل على توقفه - والله أعلم - في معرفة مذهب هشام بهذا الخبر، وهذه نكتة لطيفة عجيبة، كان الحافظ يتوقف عند أمثالها في الفتح.
ومعلوم أن علم هشام من أبيه عروة في غالبه، وكذا غالب علم عروة من عائشة، وجاء الحديث عن عائشة من رواية عروة عنها، كما عند ابن شاهين، والحازمي وغيرهما (وأنه كان يفتي بفتواها)، فاستبعدنا أن يكون مذهب هشام على الأمر المنسوخ، أو أنه قال بذلك ثم تراجع، فحكى واقعة حالٍ سابق له كما قدمنا.
ثم قال الحافظ: وقال عبد الرزاق أيضاً عن ابن جريج عن عطاء أنه
стр. 359
قال: لا تطيب نفسي إذا لم أنزل حتى أغتسل من أجل اختلاف الناس حتى آخذ بالوثقى.
قلت: فيه أن مذهبه مذهب الجماعة، وأما إثبات الخلاف فقد قدمنا الكلام عليه.
ثم قال الحافظ: وقال الشافعي في اختلاف الحديث: حديث " الماء من الماء " ثابت، لكنه منسوخ، وقد خالفنا بعض أهل ناحيتنا - يعني من الحجازيين - فقالوا: لا يجب الغسل حتى ينزل.
قال الحافظ: فعرف بهذا أن الخلاف كان مشهوراً بين التابعين ومن بعدهم، لكن الجمهور على إيجاب الغسل، وهو الصواب، والله أعلم.
انتهى كلام الحافظ.
قلت: حيث لم يذكر الشافعي مخالفه، فإننا ما اعتدينا بخلافه، لاحتمال كونه ممن لا يعبأ بخلافهم.
ولهذا فقد يصح - ولا نجزم بذلك - إطلاق من أطلق أن الإجماع منعقد بين الصحابة على إيجاب الغسل، كما نقله ابن عبد البر عن بعضهم ونقلناه من قبل عن ابن العربي، وكان أجمل ما فصلناه فقال: " فإن الصحابة اختلفوا فيها، ثم رجعوا عنها ".
стр. 360
وصل آخر في بيان تركهم القول بهذا الخبر من جهة النسخ:
فإنهم اتفقوا على القول بنسخ هذا الخبر كما قدمنا، مما أفقده شرطنا في الكتاب، وأصح ما جاء في أحاديث النسخ:
أ - حديث أبي موسى الذي قدمنا ذكره عند مسلم أنه سأل فيه عائشة عن ذلك.
ب - حديث أبي هريرة عند الشيخين مرفوعاً: " إذا جلس الرجل بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب عليه الغسل " وزاد وأحمد: (وإن لم ينزل). والحديث عند سائر الستة إلا الترمذي.
وفي الباب عن غيرهما، كما قدمنا.
فهذا هو الحامل لهم على القول بنسخ ذاك الخبر.
وقد وقع تفسير لابن عباس لهذا الخبر صرفه به عن ظاهره بغير دعوى النسخ فقال: (إنما الماء من الماء في الاحتلام).
أخرجه الترمذي عنه وقال: هو حديث حسن صحيح.
قلت: لو صح هذا أنه في الاحتلام لم ينازع في ذلك، والفتوى في الاحتلام كقول ابن عباس عند سائر الفقهاء، ولكن ثبت كما قدمنا أن الحديث ليس على هذه الصورة.
стр. 361
استلحاق:
وقد جاء أحاديث أخرى في وجوب الغسل من الحجامة، وللعيدين، وعرفة، لكن ليست على شرطنا لاتفاقهم على ضعف هذه الأخبار، ففاتها شرطنا. ونبهنا عليها للفائدة فلتعرف. والله أعلم.
стр. 362
أحاديث قتل شارب الخمر في الرابعة وفيه عن ستة عشر صحابياً سوى المراسيل
١ - حديث معاوية بن أبي سفيان ﵁، وهو أصح ما في الباب، ولرويه عنه اثنان:
أ - ذكوان أبو صالح السمان.
ب - عبد الرحمن بن عبد.
أما طريق ذكوان:
فأخرجها عبد الرزاق قال: عن الثوري عن عاصم بن أبي النجود عن ذكوان عن معاوية بن أبي سفيان عن النبي ﷺ أنه قال: " من شرب الخمر فاجلدوه - قالها ثلاثاً - قال: فإن شربها أربع مرات فاقتلوه ".
ومن طريق عبد الرزاق أخرجها أحمد: قال ثنا عبد الرزاق عن سفيان به مثله، لكن قال: " فاضربوا عنقه ".
ثم أخرجها من طريق هاشم بن القاسم قال: ثنا هاشم بن القاسم قال: ثنا شيبان عن عاصم فذكره نحو اللفظ الأوّل.
стр. 363
وأخرجها من طريق آخر عن عاصم قال: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة أنه سمع عاصم بن بهدلة - هو ابن أبي النجود - فذكره بلفظ ". . . ثم إذا شربوا الرابعة فاقتلوهم ".
وأخرجها أبو داود قال: حدثنا موسى بن إسماعيل أخبرنا أبان عن عاصم فذكره بمثل الذي قبله.
وأخرجها الترمذي قال: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم. فذكره " فإن عاد في الرابعة فاقتلوه ".
وأخرجها ابن ماجه قال: حدثنا هشام بن عمار، ثنا شعيب بن إسحاق، ثنا سعيد بن أبي عروبة عن عاصم فذكره.
وأخرجها النسائي قال: ثنا عمرو بن زرارة عن محمد بن حميد عن سفيان عن عاصم نحوه.
وأخرجها الطبراني قال:
стр. 364
حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري عن عبد الرزاق فذكره، بمثل لفظ عبد الرزاق المتقدم.
ثم قال: حدثنا حجاج بن عمران السدوسي، ثنا أبو سلمة يحيى بن خلف الجوباري، ثنا عبد الأعلى عن سعيد بن أبي عروبة عن عاصم، فذكره بنحو الذي قبله.
وأخرجها ابن شاهين قال: حدثنا عبد الله بن محمد البغوي، قال نا عثمان بن أبي شيبة، قال نا أبو بكر بن عياش عن عاصم فذكره.
وأخرجها ابن حزم في المحلى من طريق أبي داود قال: نا عبد الله بن ربيع: نا محمد بن إسحاق، نا ابن الأعرابي، نا أبو داود فذكره، لكن بلفظ: " إذا شربوا الخمر فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاقتلوهم ".
فذكر القتل في المرة الثالثة لا الرابعة.
ثم قال: حدثنا حمام، نا ابن مفرج، نا ابن الأعرابي، نا الدبري، نا عبد الرزاق، نا سفيان الثوري عن عاصم به ولفظه في آخره: " ثم إن شرب الرابعة فاضربوا عنقه ".
стр. 365
وأخرجها ابن حبان قال: أخبرنا محمد بن الحسن بن الخليل، قال حدثنا هشام بن عمار، فذكره مثل رواية ابن ماجه.
وأخرجها الحاكم قال: حدثنا الحسن بن يعقوب العدل، ثنا يحيى بن أبي طالب، ثنا عبد الوهاب بن عطاء أنبأ سعيد عن عاصم فذكره، ولفظه في آخره: " ثم إن شربوا الرابعة فاقتلوهم ".
وأخرجها البيهقي بإسنادٍ عالٍ من طريق أبي داود قال.
أخبرنا أبو علي الروذباري، أنبأ أبو بكر بن داسة، ثنا أبو داود، ثنا موسى فذكره مثله.
وأخرجها الطحاوي عن ابن عطاء مثل رواية الحاكم.
ب - وأما طريق عبد الرحمن بن عبد.
فأخرجها الإمام أحمد في المسند قال: حدثنا عارم، ثنا أبو عوانة عن المغيرة عن معبد القاص، عن عبد الرحمن بن عبد عن معاوية به.
ثم قال:
стр. 366
حدثنا هاشم عن مغيرة عن معبد فذكره نحوه.
وأخرجها النسائي قال: ثنا أبو بكر إسماعيل بن حفص الأبقي، عن معتمر بن سليمان عن أبيه عن مغيرة عن معبد به.
وقال: حدثنا عمرو بن منصور، ومحمد بن يحيى بن عبد الله، كلاهما عن محمد بن عبد الله الرقاشي عن أبي عوانة عن مغيرة به.
وأخرجها الطبراني قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، ثنا عمرو بن عون الواسطي ثنا هشيم عن مغيرة عن معبد به، لكن قال: " من شرب الخمر فاضربوه، فإن عاد فاضربوه، ثم إن عاد فاقتلوه ".
فجعل القتل في الثالثة.
ثم قال: حدثنا إبراهيم بن هاشم، ثنا كثير بن يحيى، ثنا أبو عوانة عن مغيرة عن عبد الرحمن بن عبد الجدلي به، وفي آخره: " فإن عاد الرابعة فاضربوا عنقه ".
стр. 367
ثم قال: حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، ثنا إسماعيل بن حفص، فذكره كالنسائي.
ثم قال: حدثنا عبد الرحمن بن سلم الرازي، ثنا محمد بن حميد، ثنا حكام بن مسلم عن سفيان، عن معبد به، ولفظه في آخره: " فإن ربّع فاقتلوه ".
وأخرجها ابن حزم قال: حدثنا أحمد بن قاسم، نا أبي قاسم بن محمد بن قاسم، نا جدي قاسم بن أصبغ، نا أحمد بن زهير، نا إبراهيم بن عبد الله، أنا هشام، أنا المغيرة عن معبد بن خالد عن عبد بن عبد عن معاوية رفع الحديث قال: " من شرب الخمر فاضربوه، فإن عاد فاضربوه، فإن عاد فاقتلوه".
قلت: فجعل القتل في الثالثة.
قال ابن حزم بعد إيراده: قال أحمد بن زهير: هكذا قال عبد بن عبد، وعبد بن عبد: هو أبو عبد الله الجدلي، قال أحمد بن زهير: سألت يحيى بن معين عن أبي عبد الله الجدلي قال: " هو فلان ابن عبد، كوفي ثقة، من قيس "، لم يحفظ يحيى اسمه.
والحديث عند الطحاوي من هذا الوجه أيضاً. وكذا عند الحازمي في الاعتبار وبهذا انتهت الطرق التي وقفت عليها من روايات هذا الخبر.
стр. 368
حكم الطريق الأولى: قد ذهب جماعة من الحفاظ والناس إلى تصحيح هذه الطريق بمفردها، فأخطأوا وما أصابوا، كيف وفي هذه الطريق عاصم بن أبي النجود الذي اتفقوا إلا من شذ أن في حفظه شيء:
فقال ابن سعد: كان ثقة، إلا أنه كان كثير الخطأ في حديثه.
وقال يعقوب بن سفيان: في حديثه اضطراب وهو ثقة.
وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عنه فقال: ثقة، فذكرته لأبي فقال: ليس هذا محله أن يقال: إنه ثقة، وقد تكلم فيه ابن علية فقال: كل من كان اسمه عاصم سيّء الحفظ.
وقال: ذكره أبي فقال: محله عندي محلّ الصدق، صالح الحديث، ولم يكن بذاك الحافظ.
وقال ابن خراش: في حديثه نكرة.
وقال أبو جعفر العقيلي: لم يكن فيه إلا سوء الحفظ.
وقال الدارقطني: في حفظه شيء.
وقال ابن معين مرة: ليس بالقوي في الحديث، وقال مرة: لا بأس به، ولم يزد.
وأما الإمام أحمد فكأنه أشار لذلك إشارة فقال: كان خيراً ثقة، والأعمش أحفظ منه، وكان شعبة يختار الأعمش عليه في تثبيت الحديث.
فإذا تقرر هذا في حق عاصم علم أن الحديث من هذه الطريق بمفردها لا يكون إلا حسناً، كما تقرر في المصطلح وعلومه.
فإن محمد بن عمرو بن علقمة، حاله كحال عاصم تماماً، ثقة في
стр. 369
حفظه شيء، وترجم لهما ابن حجر بقوله: " صدوق له أوهام " وكان يرى هو ومن بعده السخاوي، ومن قبلهما ابن الصلاح، وغيرهم: أن حديثه في عداد الحسن ليس إلا، فإن جاءه متابع معتبر التحق بالصحيح.
قلت: فيصح قولهم إن أرادوا بذلك الطريق ومتابعها، إن صح المتابع متابعاً.
الخلاصة:
والحاصل أن الطريق الأولى حسنة، إلا رواية ابن حزم التي فيها أن القتل محلّه المرة الثالثة، فهذه الطريق مردودة من وجهين:
الأول: أن أبا داود الذي الرواية من طريقه، لم يروه بهذا اللفظ، وكذا البيهقي الذي أخرجها من طريق أبي داود، ليس عنده هذا اللفظ.
الثاني: جهالة عبد الله بن ربيع شيخ ابن حزم فيه.
حكم الطريق الثانية:
صحيحة إن ثبت سماع معبد من عبد الرحمن بن عبد، فإن هذا السماع لم يذكره المزي في التهذيب، ولا البخاري ولا الرازي في تاريخهما، ولا ابن حبان في ثقاته، وقد جاء الحديث معنعناً في سائر الطرق التي أوردناها.
ففي القلب شيء من صحة هذا السماع، وإن لم يكن لمعبد ذكر في كتب المدلسين.
ولعله لأجل هذه العلة العليلة، ترك أصحاب السنن إخراجه منها، مع
стр. 370
كونها في الظاهر أسلم، وأما رواية ابن حزم المخالفة، فمعلولة كالسابقة، بالمخالفة لسائر الرواة، وجهالة في بعض رواتها أو ضعف.
الحكم على حديث معاوية بطريقيه:
هو في أقل مراتبه حسن، كما في الطريق الأولى، إن قلنا بانقطاع الثانية، وأما بالقول والمجازفة بصحة الثانية، فالحديث صحيح من غير نزاع، وهو عندي مستبعد.
ولنرجع الآن إلى ما حكاه الحفاظ من الكلام على صحة هذا الخبر:
أ - فقد قال الترمذي: سمعت محمداً - يعني البخاري - يقول: حديث أبي صالح عن معاوية عن النبي ﷺ في هذا أصح من حديث أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ .
قلت: فهذا تقديم صريح من البخاري، للطريق الأولى على الثانية، فكأنه أشار للعلة التي أفصحنا عنها، وإلا فكان الواجب تقديم رواية معبد عن عبد عن معاوية، على رواية عاصم عن أبي صالح عن معاوية. لأن رواية معبد لو صح فيها السماع مقدمة على رواية عاصم المتكلم في حفظه، فرواية معبد تكون صحيحة، ورواية عاصم لا تتجاوز درجة الحسن.
ورأيت محقق " العلل " للترمذي أشار إلى ترجيح للدارقطني بمثل ترجيح البخاري، وليس عندي الجزء المحكي فيه هذا، فلينظر.
ب - والزيلعي في نصب الراية لم يشر إلا للطريق الأولى، دون الثانية، ونقل في الخبر التصحيح، وهذا منه بين في تعليله للطريق الثانية، وإلا لأشار لها في أدنى الأحوال.
стр. 371
ج - والحاكم سكت على الخبر، فقال الذهبي في التلخيص: " قلت: صحيح ".
د - وقال ابن حزم: فكانت الرواية في ذلك عن معاوية وأبي هريرة ثابتة تقوم بها الحجة، وباللَّه تعالى التوفيق.
стр. 372
٢ - حديث أبي هريرة ﵁:
ويرويه عنه اثنان:
أ - أبو سلمة بن عبد الرحمن.
ب - أبو صالح السمان.
أ - أما طريق أبي سلمة عنه، فيرويها جماعة منهم الحارث بن عبد الرحمن، وعمر بن أبي سلمة، وخالد بن الحارث - وهي وهم -.
فأما طريق الحارث فأخرجها الإمام أحمد قال: حدثنا يزيد أنا ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إن سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاضربوا عنقه.
هكذا ذكره في موضع، ثم إنه أعاده في آخر وزاد: قال الزهري: فأُتي رسول الله ﷺ برجل سكران في الرابعة فخلى سبيله.
قلت: وليس الزهري في سند هذا الخبر، ثم هذا مرسل إن صح السند للزهري كما سيأتي، وبسط الكلام عليه إن شاء الله، ولم يذكر أحد قول الزهري بعد حديث أبي هريرة هذا غير الإمام أحمد، فإنه أتى به ليشير إلى النسخ، كما هو معروف في مذهبه ﵀.
وأخرجها أبو داود الطيالسي قال:
стр. 373
ثنا ابن أبي ذئب فذكر الخبر.
وأخرجها ابن ماجه قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا شبابة عن ابن أبي ذئب به، ولفظه في آخره: ". . . فإن عاد في الرابعة فاضربوا عنقه ".
وأخرجها أبو داود قال: حدثنا نصر بن عاصم الأنطاكي، أخبرنا يزيد بن هارون الواسطي، أنا ابن أبي ذئب فذكره، بمثل لفظ ابن ماجه.
وأخرجها النسائي قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا شبابة حدثنا ابن أبي ذئب عن خاله الحارث بن عبد الرحمن به، بمثل لفظ أبي داود وابن ماجه.
وأخرجها الدارمي قال: حدثنا عاصم بن علي ثنا ابن أبي ذئب فذكره نحوهم.
وأخرجها ابن حزم قال: حدثنا يونس بن عبد الله بن مغيث، أنا أبو بكر بن أحمد بن خالد، أنا أبي، نا ابن وضّاح، نا أبو بكر بن أبي شيبة، فذكره بمثل ابن ماجه والنسائي.
стр. 374
وأخرجها ابن حبان قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، مثل رواية النسائي.
وأخرجها من قبل ابن الجارود قال: حدثنا محمد بن يحيى، قال ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا ابن أبي ذئب، فذكره مثلهم.
وأخرجها البيهقي قال: أخبرنا أبو بكر بن فورك أنبأ عبد الله بن جعفر، ثنا يونس بن حبيب ثنا أبو داود الطيالسي فذكره.
ثم قال: وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس، محمد بن يعقوب، ثنا العباس بن محمد الدوري ثنا يزيد بن هارون، فساقه مثل أحمد، دون قول الزهري.
وأما رواية عمر بن أبى سلمة عن أبيه أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة.
فأخرجها الإمام أحمد في المسند قال: ثنا سليمان بن داود، أنا أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة، فذكر نحو ما تقدم.
стр. 375
وأخرجها ابن شاهين قال: حدثنا محمد بن غسان بن حبلة العتكي بالبصرة، قال: نا خالد بن يوسف قال نا أبو عوانة فذكره.
وأخرجها البيهقي قال: أخبرنا أبو علي الروذباري، أنبأ أبو بكر بن داسة قال: قال أبو داود السجستاني، وكذا حديث عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة.
قلت: فذكره بالإسناد السابق لأبي داود وساقه معلقاً كما علقه أبو داود بعد الرواية السابقة، من طريق الحارث عن أبي سلمة.
وأما رواية خالد بن الحارث عن أبي سلمة، فتفرّد بها الحاكم قال: أخبرنا أبو بكر بن إسحاق أنبأ أبو المثنى، ثنا القعنبي، ثنا ابن أبي ذئب عن خالد بن الحارث بن عبد الرحمن عن أبي سلمة فذكره.
ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم، ولم يخرجاه. ونقل ذلك عنه الذهبي في التلخيص.
قلت: والظاهر أنه وهم أو تحريف، فليس في رجال مسلم ولا البخاري من اسمه خالد بن الحارث بن عبد الرحمن، بل وما عرفت له ذكر في سائر كتب الرجال، فلينظر.
وكذا فما عرفت في شيوخ ابن أبي ذئب من اسمه خالد بن الحارث بن عبد الرحمن، فلعل الصواب عن خاله الحارث - لأنه خاله - فتصحفت من النُّساخ، والله أعلم.
стр. 376
ب - وأما طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة.
فأخرجها عبد الرزاق قال: عن معمر عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: إذا شربوا، فاجلدوهم - قالها ثلاثاً - قال: فإذا شربوا الرابعة فاقتلوهم.
وأخرجها الإمام أحمد قال: ثنا عبد الرزاق فذكره.
وأخرجها النسائي قال: حدثنا محمد بن رافع عن عبد الرزاق به.
وأخرجها ابن حزم قال: حدثنا عبد الله بن ربيع، نا محمد - بن معاوية نا أحمد بن شعيب - يعني النسائي - ومن طريقه المتقدم ساق الخبر.
ثم قال: حدثنا حمام، نا ابن مفرج، نا ابن الأعرابي، نا الدبري، نا عبد الرزاق فذكره.
وأخرجها الحاكم قال: حدثنا الحسن بن يعقوب العدل، ثنا يحيى بن أبي طالب ثنا
стр. 377
عبد الوهاب بن عطاء، أنبأ سعيد عن سهيل، فذكره. قال الحاكم: هذا الإسناد صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
ثم عاد فأخرجه قال: حدثنا أبو زكريا العنبري، ثنا أبو عبد الله البوشنجي، ثنا أحمد بن حنبل فذكره مثله.
حكم الطريق الأولى:
صحيحة إن شاء الله، لا علة لها، أعني التي ذكرتها أولاً عن ابن أبي ذئب، عن الحارث عن أبي سلمة عن أبي هريرة، فرجالها ثقات لا مغمز فيهم، سمع بعضهم من بعض، إلا أن يقال - ولم أر من قال ذلك - إنها جاءت مرسلة، كما سيأتي في آخر الأحاديث، لكن كثرة الواصلين للخبر تقطع دابر حجة من يعلل بذلك. أما التي من طريق عمر فلا تصح لضعفه، وكذا خالد بن الحارث فهو مجهول إن صحت التسمية فيه، وإلا فهي وهم من أهلها كما بينا.
حكم الطريق الثانية:
صحيحة على شرط مسلم دون البخاري، فإنه لم يخرج لسهيل إلا مقروناً، وكان النسائي صاحب السنن أحب أن يخرج له البخاري.
قلت: والحق مع البخاري في ذلك، فإن في سهيل كلاماً، ربما جعل حديثه في عداد الحسن لا الصحيح. أو هو متردد بينهما. والله أعلم.
حكم حديث أبي هريرة ﵁:
قد تبين مما قدمنا أنه حديث صحيح لا ينزل عن درجة الصحة عند سائر الناس.
стр. 378
وقد تقدم تصحيح ابن حزم لهذا الخبر فيما تقدم، عند الكلام على حديث معاوية ﵁.
وكذا تقدم تصحيح الحاكم.
وكذا ابن حبان حيث أورده في صحيحه.
стр. 379
٣ - حديث عبد الله بن عمر ﵄: - وضمنه أيضاً حديث النفر، فعدوه حديثين - وقد رواه عنه ثلاثة:
أ - نافع مولاه.
ب - عبد الرحيم بن إبراهيم.
ج - عبد الرحمن بن أبي نعم.
فأما رواية نافع عنه:
فأخرجها أبو داود قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، أخبرنا حماد عن حميد بن يزيد عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال بهذا المعنى - هكذا قال أبو داود - قال: " وأحسبه قال في الخامسة إن شربها فاقتلوه ".
وأخرجها أحمد من طريق ساوى فيها رواية أبى داود من غير علوٍّ قال: حدثنا عبيد الله بن محمد التيمي، أنا حماد بن سلمة عن حميد بن يزيد أبي الخطاب، عن نافع عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: من شرب الخمر فاجلدوه، فإن شربها فاجلدوه، فإن شربها فاجلدوه، فقال فى الرابعة أو الخامسة فاقتلوه.
وأخرجها البيهقي بالإسناد المتقدم لأبي داود مثله، وكذا الحازمي في الاعتبار.
стр. 380
ووقع عند ابن حزم رواية كأنها بالمتابعة لحميد بن يزيد قال: نا أحمد بن محمد بن عبد الله، نا ابن مفرج نا ابن الأعرابي، نا الدبري، نا محمد بن أيوب نا أحمد بن عمر بن عبد الخالق البزار، نا محمد بن يحيى القطيعي، نا الحجاج بن المنهال، نا حماد بن سلمة عن جميل بن زياد عن نافع عن ابن عمر عن النبي " قال: " من شرب الخمر فاجلدوه ثلاثاً، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه ".
قلت: جميل بن زياد لم يذكره أحد فيمن روى عنهم حماد، ولا في الرواة عن نافع، وما أراه إلا من تحريف النساخ، وأنه هو هو حميد بن يزيد.
ثم لو ثبت هكذا لكان مجهولاً، فلم أقف على من اسمه جميل بن زياد إلا في اللسان قال: يكنى أبا حسان، ذكره الطوسي في رجال الشيعة ووثقه.
قلت: فلا هو معروف إن كان رجلنا، وما ندري ما طبقته، ولا عمن حدّث أو حدّث عنه، ثم لو ثبت أنه هو ما فرحنا بتوثيق الطوسي ولا بصاحبه.
وأما رواية عبد الرحيم بن إبراهيم.
فأخرجها ابن حزم قال: حدثنا عبد الله بن ربيع، نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب، نا إسحاق بن إبراهيم - هو ابن راهويه - أنا جرير - هو ابن عبد الحميد - عن المغيرة بن مقسم عن عبد الرحيم بن إبراهيم عن عبد الله بن عمر ونفر من
стр. 381
أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: قال رسول الله ﷺ : " من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاقتلوه ".
قلت: هذه الرواية ظاهرة أنها طريق النسائي، وهي مروية عنه، وقد أخرجها النسائي بهذا الإسناد، لكن لم يقل: " عبد الرحمن بن إبراهيم " وإنما قال: " عبد الرحمن بن أبي نعيم ".
كذا في السنن الصغرى.
وفي التحفة " عبد الرحمن بن أبي نعم "، وكذا في التهذيب والتقريب على الصواب.
فتبين أن " عبد الرحيم بن إبراهيم " وهم.
ودل عليه أنه لا يعرف في الرواة عن ابن عمر من اسمه " عبد الرحيم بن إبراهيم "، ولا فيمن روى عنهم المغيرة.
فرجعت هذه الرواية لرواية النسائي التي عن عبد الرحمن بن أبي نعم.
وقد أخرجها مع النسائي، الحاكم قال: حدثنا إبراهيم بن عصمة بن إبراهيم، ثنا أبي، ثنا يحيى بن يحيى، أنبأ جرير عن مغيرة عن عبد الرحمن بن أبي نعم عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " من شرب. . . " فذكره مثل لفظ ابن حزم والنسائي السابق.
стр. 382
حكم الطريق الأولى التي عن نافع:
لم يروها عن نافع: إلا حميد بن يزيد، كما قدمنا، وهو مجهول كما قال ابن القطان والذهبي وابن حجر فالطريق ضعيفة.
حكم الطريق الثانية التي عن عبد الرحيم بن إبراهيم:
هي ترجع للطريق الثالثة كما قدمنا، فهي وهم وليست بصحيحة أصلاً.
حكم الطريق الثالثة التي عن عبد الرحمن بن أبي نعم:
هي حسنة إن شاء الله، لأجل كلام غير كبير في عبد الرحمن المذكور، وأما تدليس المغيرة، فخصُّوه بالنخعي، ولم يطلقوه، والله أعلم.
خلاصة القول في خبر ابن عمر:
والحاصل أن خبر ابن عمر في عداد الحسن كما في الطريق الثالثة، ولا يتقوى بما قبله. وقد تقدم تصحيح الحاكم له. والحق أنه لا يتجاوز الحسن لما قدمناه، لكن رأيت الحاكم كثيراً ما يطلق الصحيح على الحسن فكأنهما عنده بمعنى، والمعنى مقبول من حيث الاحتجاج عند جمهور الفقهاء والمحدثين، لكن فيه ما فيه عند أهل المصطلح.
أو لعله حكم عليه بشواهده، فصحيح عندها قوله: " صحيح ".
وعرف مما تقدم أن لفظ القتل في الخامسة غير مقبول بمفرده، فكيف إذا خالف.
стр. 383
٤ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
أخرجه ابن حبان في صحيحه قال: أخبرنا أبو يعلى، قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من شرب الخمر فاجلدوه، ومن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاقتلوه ".
قلت: ولم أقف على هذا الخبر عند غير ابن حبان، حتى إن أبا يعلى شيخ ابن حبان فيه، لم يخرجه، وكذا لم يخرجه أبو داود ولا ابن ماجه، مع أنهما أكثرا كثيراً عن عثمان بن أبي شيبة، لا سيما ابن ماجه، فإن غالب ما يرويه عن أخيه أبي بكر بن أبي شيبة، ثم عنه.
وكأنهم إنما تركوا إخراج هذه الرواية، لأن المحفوظ فيها عن معاوية بن أبي سفيان، لا عن أبي سعيد.
فقد روى حديث عاصم عن أبي صالح عن معاوية جماعة، منهم:
١ - سفيان الثوري، عند عبد الرزاق وأحمد والنسائي والطبراني وابن حزم.
٢ - شيبان، عن أحمد.
٣ - شعبة، عند أحمد.
٤ - أبان، عند أبي داود وابن حزم.
٥ - سعيد بن أبي عروبة، عند ابن ماجه والطبراني وابن حبان
والحاكم.
стр. 384
وقد تقدمت روايات هؤلاء جميعهم. في حديث معاوية.
أما أبو بكر بن عياش فاختلف عنه.
أ - فرواه الترمذي عن أبي كريب حدثنا أبو بكر بن عياش. . . فجعله في مسند معاوية.
ب - أما عثمان، فمرة يجعله في مسند معاوية، كما تقدم عند ابن شاهين، ومرة يجعله في مسند أبي سعيد كالذي هنا.
فتبين من هذا أن عثمان لم يحفظ الخبر على وجهه، وأنه اضطرب فيه، هذا من وجه.
ومن وجه آخر تبين أن أبا بكر بن عياش تفرد بهذه الرواية عن أبي سعيد.
ومن وجه ثالث تبين أن أبا كريب، الذي هو أحفظ من عثمان، روى الخبر على الوجه الصواب.
فهذه ثلاث علل - ما رأيت أحداً من الناس نبّه عليها - وإن كان فعلى سبيل الموافقة لا المتابعة - قاضية بتضعيف هذا الخبر عن أبي سعيد، ولله الحمد على التوفيق.
وكأن ابن حبان كان قد سمع من يطعن في رواية أبي بكر بن عياش لخبر أبي سعيد، فقال بعد أن أورد الحديث السابق:
" ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذا الخبر تفرد به أبو بكر بن عياش " ثم ساق الخبر عن محمد بن الحسن، عن هشام بن شعيب، عن سعيد بن أبي عروبة عن عاصم عن ذكوان عن معاوية!!. كما تقدمت روايته.
ثم قال: سمع هذا الخبر أبو صالح عن معاوية وأبي سعيد جميعاً.
انتهى.
قلت: لكن الظاهر جلياً من صنيعه أنه ما فهم مراد المعترض، فظن أن
стр. 385
الاعتراض على الحديث نفسه الذي هو في قتل شارب الخمر فى الرابعة، لذلك جاء به من طريق سعيد لكن عن معاوية، لأن الخبر واحد.
والأمر البيّن الجلي أن الاعتراض إنما هو على حديث أبي سعيد فقط، والصواب مع المعترض حيث لم يروه عن أبي سعيد إلا أبو بكر بن عياش، أما الخبر جميعه فرواه جماعة كما قدمنا أسماءهم منهم الثوري وشعبة وأبان وغيرهم.
وأما إن كان عرف مراد المعترض - وما أظن ذلك - فما يليق هذا الجواب من مثله وأنا أربأ به عنه.
وانفصلنا على أن هذا الخبر ضعيف بمفرده، وإن كان ظاهره السلامة والحسن، وتسلسل بالحفاظ الأئمة.
وأما متنه، فلا شك أنه صحيح بشواهده.
نعم الآن وقفت على قول الحافظ ابن حجر في " الفتح " مؤيداً ما حققته، قال: أخرجه ابن حبان عن أبي سعيد من رواية عثمان بن أبي شيبة عن أبي بكر، وأخرجه الترمذي عنه فقال: " عن معاوية " بدل " أبي سعيد " وهو المحفوظ. انتهى.
стр. 386
٥ - ٦ - حديث شرحبيل بن أوس ﵁ ومعه حديث آخر عن صحابي لم يسمّ.
وقد روى هذا الخبر عن شرحبيل:
عمران بن مخمر أو مخبر - أو هو نمران لا عمران -
أخرج طريقه الإمام أحمد في مسنده قال: حدثنا علي بن عياش وعصام بن خالد، قالا: ثنا حريز، قال حدثني عمران بن مخمر، وقال عصام: " ابن مخبر "، عن شرحبيل بن أوس - وكان من أصحاب النبي ﷺ أنه قال: قال النبي ﷺ : " من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاقتلوه ".
وأخرجه الطبراني قال: حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، ثنا أبو المغيرة، وعلي بن عياش الحمصي، قالا ثنا حريز بن عثمان، ثنا أبو الحسن نمران بن مخمر عن شرحبيل بن أوس الكندي فذكره.
وأخرجه ابن شاهين قال: حدثنا أحمد بن محمد بن المغلس، قال نا عبد الكريم بن الهيثم، قال: نا أبو اليمان، قال نا حريز عن أبي الحسن نمران بن محمد عن شرحبيل بن أوس وكان من أصحاب النبي ﷺ ، عن رسول الله ﷺ أنه قال: " من شرب الخمر فاجلدوه، ومن شرب الخمر فاجلدوه، ومن عاد فاقتلوه ".
стр. 387
فجعل القتل في الثالثة.
وأخرجه الحاكم قال: حدثنا أبو علي عبد الله بن إسحاق الخراساني، ثنا محمد بن أحمد بن برد الأنطاكي، ثنا الحكم بن نافع البهراني، ثنا جرير بن عثمان، عن أبي الحسن نمران بن محمد عن شرحبيل فذكر الخبر، وفيه أن القتل في الرابعة.
الثاني عن يزيد بن أبي كبشة:
قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة عن أبي بشر قال سمعت يزيد بن أبي كبشة يخطب بالشام قال سمعت رجلاً من أصحاب النبي ﷺ يحدث عبد الملك بن مروان في الخمر أن رسول الله ﷺ قال في الخمر: " إن شربها. . . " وفيه " ثم إن عاد في الرابعة فاقتلوه ".
ولم يسمّ الصحابي.
لكن أخرج الحاكم هذا الخبر فقال: أخبرني أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه، ثنا محمد بن غالب، ثنا خلف بن سالم، وعبد الله بن عمرو العراقي، قالا: ثنا محمد بن جعفر فذكره مثل لفظ الإمام أحمد.
стр. 388
ثم قال الحاكم: فسمعت أبا علي الحافظ - يعني الدارقطني - يحدثنا بهذا الحديث فقال: في آخره: هذا الصحابي من أهل الشام هو شرحبيل بن أوس.
قال الحاكم: فحدثنا بصحة ما ذكره أبو علي عبد الله بن إسحاق، وساق الرواية المتقدمة له.
قلت: وهذا الذي رجحه الدارقطني، ثم الحاكم غير مقطوع به كما هو بين، بل ظاهر الرواية يخالفه، وإنما رجحا ذلك لأن شرحبيل بن أوس الكندي معدود فيمن سكن الشام، وهذا كما هو بين غير كافٍ، فقد سكن جماعة من الصحابة كثيرون الشام تجاوز المشهورون منهم المائة على ما ذكر ابن سعد في الطبقات وغيره من المصنفين في معرفة الصحابة، فاحتاج الجزم إلى دليل آخر.
وقد أخرج ابن شاهين هذه الطريق فقال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن محمد الزيني، قال نا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: نا خالد - يعني ابن الحارث، قال نا شعبة عن أبي بشر قال: سمعت ابن أبي كبشة يحدث قال: سمعت رجلاً من أصحاب النبي ﷺ يحدث أن رسول الله ﷺ قال: " إذا شربها فاجلدوه، فإن عاد فاقتلوه ".
فجعل القتل في الثانية.
هذا ما وقفت عليه من طرق هذا الخبر، وكان الحافظ ابن حجر ذكر
стр. 389
في الإصابة في ترجمة شرحبيل ﵁ أنه خبره هذا رواه سوى من قدمت: البغوي وابن السكن، فلينظرهما من وقف عليهما.
وقد أشار الحافظ لمن ذكر الخلاف في شرحبيل بن أوس، وأنه هو أوس بن شرحبيل، ومن عدهما اثنين، ورجح الثاني، وذكر أن الأول - الذي هو شرحبيل بن أوس - له حديث حد شارب الخمر هذا، يرويه حريز عن نمران عنه، وأن أوس بن شرحبيل هو صاحب حديث " من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج من الإسلام ". انتهى.
ثم وقفت في معجم الطبراني على حديث أوس بن شرحبيل، فوجدت الطبراني أخرج حديث " من مشى. . . " ثم أردفه بحديث الخمر هذا قال: حدثنا أبو زرعة الدمشقي، ثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، وعلي بن عياش، قالا ثنا حريز بن عثمان ثنا نمران بن مخمر عن شرحبيل بن أوس، عن رسول الله ﷺ قال: " من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه ".
فكأنه أشار إلى أنهما واحد عنده، مع أنه لم يورد في مسند شرحبيل بن أوس إلا حديث الخمر من الطريق المتقدمة التي سقناها من قبل.
وعلى كل حال، فليس من اختلاف في حديث شرحبيل وإسناده، إلا في والد نمران كما سيأتي، سواء كان هو أوس بن شرحبيل أم لا.
لكن بقي الفصل بين حديث ابن أبي كبشة، وحديث شرحبيل، الذي جزم الدارقطني والحاكم أنهما واحد.
فقد رجعت لمن ترجم ليزيد بن أبي كبشة فما رأيت أحداً منهم ذكر أنه روى عن شرحبيل بن أوس أو أوس بن شرحبيل، حتى إن المزي يقول في
стр. 390
" التهذيب ": " روى عن مروان بن الحكم وأبيه ورجل له صحبة ولم يسمّه.
ولما ذكر البخاري في التاريخ الخلاف في اسم شرحبيل، لم يورد غير الحديثين الذين سقتهما من قبل: حديث المشي مع الظالم، وحديث الخمر، من طريق نمران.
ثم إني وددت لو وجدت ضالتي في معرفة وفاة شرحبيل، وهل أدرك خلافة عبد الملك بن مروان، لكن انقطعت بي الطرق.
لكن استأنست بفعل الهيثمي في المجمع، حيث أورد خبر شرحبيل أولاً، وعزاه لأحمد والطبراني، ثم أخرج حديث يزيد بن أبي كبشة وعزاه لأحمد وحده، ولو كانا واحداً عنده لغاير في الصنيع.
وكذا وجدت الإمام أحمد قد أخرج خبر شرحبيل في مسند شرحبيل ليس معه خبر آخر، وأخرج حديث ابن أبي كبشة مع جملة أحاديث في موضع آخر في مسند رجل من أصحاب النبي ﷺ .
قلت: فالمقتضى فصل الحديثين بموجب أصول المصطلح، غير المختلف عليها، وكما حكيت من ذلك شواهداً، في غير هذا الموضع، وأنه مذهب الحافظ ابن حجر والبوصيري وغيرهما. والله أعلم.
следующие страницы →