Полный текст (436 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
٥ - ٦ - حديث شرحبيل بن أوس ﵁ ومعه حديث آخر عن صحابي لم يسمّ.
وقد روى هذا الخبر عن شرحبيل:
عمران بن مخمر أو مخبر - أو هو نمران لا عمران -
أخرج طريقه الإمام أحمد في مسنده قال: حدثنا علي بن عياش وعصام بن خالد، قالا: ثنا حريز، قال حدثني عمران بن مخمر، وقال عصام: " ابن مخبر "، عن شرحبيل بن أوس - وكان من أصحاب النبي ﷺ أنه قال: قال النبي ﷺ : " من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاقتلوه ".
وأخرجه الطبراني قال: حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، ثنا أبو المغيرة، وعلي بن عياش الحمصي، قالا ثنا حريز بن عثمان، ثنا أبو الحسن نمران بن مخمر عن شرحبيل بن أوس الكندي فذكره.
وأخرجه ابن شاهين قال: حدثنا أحمد بن محمد بن المغلس، قال نا عبد الكريم بن الهيثم، قال: نا أبو اليمان، قال نا حريز عن أبي الحسن نمران بن محمد عن شرحبيل بن أوس وكان من أصحاب النبي ﷺ ، عن رسول الله ﷺ أنه قال: " من شرب الخمر فاجلدوه، ومن شرب الخمر فاجلدوه، ومن عاد فاقتلوه ".
стр. 387
فجعل القتل في الثالثة.
وأخرجه الحاكم قال: حدثنا أبو علي عبد الله بن إسحاق الخراساني، ثنا محمد بن أحمد بن برد الأنطاكي، ثنا الحكم بن نافع البهراني، ثنا جرير بن عثمان، عن أبي الحسن نمران بن محمد عن شرحبيل فذكر الخبر، وفيه أن القتل في الرابعة.
الثاني عن يزيد بن أبي كبشة:
قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة عن أبي بشر قال سمعت يزيد بن أبي كبشة يخطب بالشام قال سمعت رجلاً من أصحاب النبي ﷺ يحدث عبد الملك بن مروان في الخمر أن رسول الله ﷺ قال في الخمر: " إن شربها. . . " وفيه " ثم إن عاد في الرابعة فاقتلوه ".
ولم يسمّ الصحابي.
لكن أخرج الحاكم هذا الخبر فقال: أخبرني أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه، ثنا محمد بن غالب، ثنا خلف بن سالم، وعبد الله بن عمرو العراقي، قالا: ثنا محمد بن جعفر فذكره مثل لفظ الإمام أحمد.
стр. 388
ثم قال الحاكم: فسمعت أبا علي الحافظ - يعني الدارقطني - يحدثنا بهذا الحديث فقال: في آخره: هذا الصحابي من أهل الشام هو شرحبيل بن أوس.
قال الحاكم: فحدثنا بصحة ما ذكره أبو علي عبد الله بن إسحاق، وساق الرواية المتقدمة له.
قلت: وهذا الذي رجحه الدارقطني، ثم الحاكم غير مقطوع به كما هو بين، بل ظاهر الرواية يخالفه، وإنما رجحا ذلك لأن شرحبيل بن أوس الكندي معدود فيمن سكن الشام، وهذا كما هو بين غير كافٍ، فقد سكن جماعة من الصحابة كثيرون الشام تجاوز المشهورون منهم المائة على ما ذكر ابن سعد في الطبقات وغيره من المصنفين في معرفة الصحابة، فاحتاج الجزم إلى دليل آخر.
وقد أخرج ابن شاهين هذه الطريق فقال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن محمد الزيني، قال نا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: نا خالد - يعني ابن الحارث، قال نا شعبة عن أبي بشر قال: سمعت ابن أبي كبشة يحدث قال: سمعت رجلاً من أصحاب النبي ﷺ يحدث أن رسول الله ﷺ قال: " إذا شربها فاجلدوه، فإن عاد فاقتلوه ".
فجعل القتل في الثانية.
هذا ما وقفت عليه من طرق هذا الخبر، وكان الحافظ ابن حجر ذكر
стр. 389
في الإصابة في ترجمة شرحبيل ﵁ أنه خبره هذا رواه سوى من قدمت: البغوي وابن السكن، فلينظرهما من وقف عليهما.
وقد أشار الحافظ لمن ذكر الخلاف في شرحبيل بن أوس، وأنه هو أوس بن شرحبيل، ومن عدهما اثنين، ورجح الثاني، وذكر أن الأول - الذي هو شرحبيل بن أوس - له حديث حد شارب الخمر هذا، يرويه حريز عن نمران عنه، وأن أوس بن شرحبيل هو صاحب حديث " من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج من الإسلام ". انتهى.
ثم وقفت في معجم الطبراني على حديث أوس بن شرحبيل، فوجدت الطبراني أخرج حديث " من مشى. . . " ثم أردفه بحديث الخمر هذا قال: حدثنا أبو زرعة الدمشقي، ثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، وعلي بن عياش، قالا ثنا حريز بن عثمان ثنا نمران بن مخمر عن شرحبيل بن أوس، عن رسول الله ﷺ قال: " من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه ".
فكأنه أشار إلى أنهما واحد عنده، مع أنه لم يورد في مسند شرحبيل بن أوس إلا حديث الخمر من الطريق المتقدمة التي سقناها من قبل.
وعلى كل حال، فليس من اختلاف في حديث شرحبيل وإسناده، إلا في والد نمران كما سيأتي، سواء كان هو أوس بن شرحبيل أم لا.
لكن بقي الفصل بين حديث ابن أبي كبشة، وحديث شرحبيل، الذي جزم الدارقطني والحاكم أنهما واحد.
فقد رجعت لمن ترجم ليزيد بن أبي كبشة فما رأيت أحداً منهم ذكر أنه روى عن شرحبيل بن أوس أو أوس بن شرحبيل، حتى إن المزي يقول في
стр. 390
" التهذيب ": " روى عن مروان بن الحكم وأبيه ورجل له صحبة ولم يسمّه.
ولما ذكر البخاري في التاريخ الخلاف في اسم شرحبيل، لم يورد غير الحديثين الذين سقتهما من قبل: حديث المشي مع الظالم، وحديث الخمر، من طريق نمران.
ثم إني وددت لو وجدت ضالتي في معرفة وفاة شرحبيل، وهل أدرك خلافة عبد الملك بن مروان، لكن انقطعت بي الطرق.
لكن استأنست بفعل الهيثمي في المجمع، حيث أورد خبر شرحبيل أولاً، وعزاه لأحمد والطبراني، ثم أخرج حديث يزيد بن أبي كبشة وعزاه لأحمد وحده، ولو كانا واحداً عنده لغاير في الصنيع.
وكذا وجدت الإمام أحمد قد أخرج خبر شرحبيل في مسند شرحبيل ليس معه خبر آخر، وأخرج حديث ابن أبي كبشة مع جملة أحاديث في موضع آخر في مسند رجل من أصحاب النبي ﷺ .
قلت: فالمقتضى فصل الحديثين بموجب أصول المصطلح، غير المختلف عليها، وكما حكيت من ذلك شواهداً، في غير هذا الموضع، وأنه مذهب الحافظ ابن حجر والبوصيري وغيرهما. والله أعلم.
стр. 391
وصل في الكلام على حديث شرحبيل بن أوس:
وفيه مسائل:
المسألة الأولى في ضبط اسم عمران أو نمران واسم أبيه، والكلام عليه.
فتقدم عند أحمد أنه: عمران بن مخمر أو " مخبر ".
وعند الطبراني: " نمران بن مخمر ".
وعند ابن شاهين والحاكم: " نمران بن محمد ".
وعند الرازي في " الجرح والتعديل ": " نمران بن مخمر " وفي نسخة مخالفة " محمد " بدل " مخمر ".
وعند البخاري في " التاريخ الكبير ": " نمران بن مخمر ".
وعند ابن حجر في التعجيل كلام طويل وأسماء رجح من بينها أنه " مخمر ".
فكأن هذا هو الصواب في تسميته، وعلى فرض الاختلاف فإن ذلك غير ضار ما داموا اتفقوا على أنهم جميعاً واحد.
وقد ذكر ابن حبان نمران الرحبي هذا في ثقاته.
وقال الحافظ: شيوخ حريز كلهم ثقات، كذا قال أبو داود.
стр. 392
وأما البخاري والرازي فقد سكتا عنه.
وأما الهيثمي فقال: " عمران بن محمد لم أعرفه " فجهله لأجل تحريفه.
المسألة الثانية في الكلام على صحة الخبر:
رجاله ثقات أثبات، وكان تقدم قول الحاكم: " فحدثنا بصحة ما ذكره " فذهب إلى تصحيح الخبر، وإن لم يصرح في آخره.
ولذلك قال الحافظ في الفتح: وأما حديث شرحبيل الكندي فأخرجه أحمد والحاكم والطبراني وابن مندة في " المعرفة " ورواته ثقات نحو الذي قبله، وصححه الحاكم من وجه آخر ".
يشير لرواية يزيد المتقدمة. ولم يناقشه في ذلك، ولعله ارتضاه أن يكون من طرق هذا الحديث، ولعله لم يفعل، لكن قد ذكرت المانع من ذلك حتى يقوم البرهان، ولا برهان حتى الساعة.
المسألة الثالثة، في بيان ضعف لفظ ابن شاهين الذي فيه القتل في الثالثة.
فإن في إسناده أحمد بن محمد بن المغلس، لم أجده.
ثم إن مخالفته لسائر الروايات قاضية بردّ هذا الاختلاف، لا سيما وأن الحاكم قد أخرجه من طريق أبي اليمان - الذي هو شيخ شيخ أحمد عند ابن شاهين - فذكر الحديث على الوجه الصواب.
стр. 393
وكذا سائر من روى الخبر غير أبي اليمان كعلي بن عياش وعصام بن خالد فقد ذكراه على الصواب.
стр. 394
وصل آخر في الكلام على حديث ابن أبي كبشة:
قال الهيثمي بعد إيراده في " المجمع ": يزيد بن أبي كبشة وثقه ابن حبان، وباقي رجاله رجال الصحيح.
قلت: وهو كما قال. مع الإشارة إلى أن ابن حجر قال في يزيد: " مقبول ". .
(تنبيه).
لكن بقي التنبيه على ضعف رواية ابن شاهين التي فيها القتل في الثانية في ظاهرها.
فإن في إسناده شيخه إبراهيم بن عبد الله بن محمد الزيني مجهول.
ثم هو معلول بالمخالفة.
هذا فيما لو سلمنا بظاهر الرواية، ولكن يمكن صرف الرواية عن ظاهرها، فإن لفظه " إذا شربها فاجلدوه فإن عاد فاقتلوه " فليس فيها تعيين العود أهو في الثانية أو الثالثة أو الرابعة.
فلو أن هذه الرواية أتت بمفردها، لكان المعنى في الثانية، لأن ترك القتل في الثانية يكون إهمالاً للخبر، الذي أفاد القتل عند العود، والثانية من العود، لكن حيث جاءت الروايات الأخرى في الرابعة، لم يجز تفسير العود على المرة الثانية دفعاً لتعارض الروايات، لا سيما وأن الرواية واللفظ يقبلان ذلك، فحملنا العود على المرة الرابعة، حتى لا يتناقض الخبر.
فإن المقرر في علم الأصول، أن الواجب حمل النصوص المفسرة على التي فيها إبهام، وهو الصنيع هنا. والله أعلم.
стр. 395
٧ - حديث عبد الله بن عمرو ﵁.
ويرويه عنه الحسن وشهر:
أما طريق الحسن:
فأخرجه الإمام أحمد في المسند قال: حدثنا وكيع، حدثني قرة ورَوح، ثنا أشعب وقرّة بن خالد - المعنى - عن الحسن عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : " من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاقتلوه ".
وقال: حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا قرة عن الحسن قال: والله لقد زعموا أن عبد الله بن عمرو شهد بها على رسول الله ﷺ أنه قال: إن شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، فإذا كان عند الرابعة فاضربوا عنقه ".
قال الحسن: فكان عبد الله بن عمرو يقول: ائتوني برجل قد جلد في الخمر أربع مرات، فإن لكم عليّ أن أضرب عنقه.
والحديث أورده الهيثمي في " المجمع " وعزاه للطبراني دون أحمد، وأورد نحو السياق الذي قدمناه لكن قال: " ائتوني برجل شرب الخمر ثلاث مرات " فذكره.
وأما الحافظ فعزاه لأحمد والحاكم، ولم يذكر الطبراني.
стр. 396
واقتصر المباركفوري بعزوه لأحمد كما في شرح الترمذي، وكذا غيره، حتى كدت أظن أنه ليس عنده، لكن بين في نصب الراية أن الحديث في الطبراني، وبيّن فيه طريقه كما سيأتي.
والحديث أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده قال: حدثنا النضر بن شميل، ثنا قرة بن خالد عن الحسن، مثل لفظ أحمد الثاني، مع قول عبد الله فيه.
وأخرجه عبد الرزاق فيما ذكره الزيلعي قال: حدثنا وكيع عن قرة عن الحسن عن عبد الله بن عمرو، ولم يذكر لفظه، لكن نبّه في عون المعبود أن المرفوع منه سواء، وأن الموقوف كلفظ " المجمع "، ولم أقف عليه في المصنف، فلينظر.
ثم قال الزيلعي:
ومن طريق إسحاق بن راهويه، رواه الطبراني في معجمه، وكذا في " عون المعبود ".
قلت: وأخرجه ابن شاهين من هذا الوجه قال: حدثنا عبد الله بن محمد البغوي، قال: نا أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة، قالا نا وكيع عن قرة، - يعني ابن خالد - عن الحسن فذكره كلفظ " مجمع الزوائد ".
стр. 397
وأما رواية شهر:
فقد أخرجها الإمام أحمد قال: حدثنا عفان، حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن شهر، عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: " من شرب الخمر فاجلدوه. . . " فذكره على الصواب.
وأخرجها الحاكم من طريق إسحاق بن راهويه قال: حدثنا أبو زكريا يحيى بن محمد العنبري، ثنا محمد بن عبد السلام، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأ معاذ بن هشام، حدثني أبي عن قتادة عن شهر بن حوشب عن عبد الله بن عمرو فذكره على الصواب.
وأخرجها الحازمي من هذا الوجه.
حكم طريق الحسن: هي منقطعة بين الحسن وعبد الله، فإنه لم يسمع منه كما جزم بذلك علي بن المديني وغيره، كما في " نيل الأوطار ".
وقد أشار الحافظ ابن حجر لهذا فقال في الفتح: " أخرجه الحاكم وأحمد من وجهين في كل منهما مقال ".
قلت: وهو بين كما في لفظ لأحمد قال: " زعموا أن. . . " فبين أنه لم يسمع هو، وثمة واسطة.
стр. 398
حكم طريق شهر:
قد تقدم لك قول الحافظ أن فيها مقالاً، وإنما المقال في شهر، فقد اختلفوا فيه كثيراً جداً، ما بين تارك ومضعف وموثِّق، وأما قتادة وإن كان مدلّساً، فإنهم لم يذكروا له تدلسياً عن شهر، وإنما ذكروا أسماء غيره. وكذا فإنهم ذكروا أن شهراً يرسل عن جماعة من الصحابة، لم يذكروا بينهم عبد الله بن عمرو.
وقد لخص الحافظ حال شهر في التقريب فقال: صدوق كثير الإرسال والأوهام، فهو محتجٌ به عنده، وعند كثير من الأئمة، منهم من يجعله في الحسن، ومنهم من يجعله في الضعيف المحتج به، الذي يرتقي إذا جاء معه ما يساويه، أو ما هو فوقه.
حكم حديث عبد الله بن عمرو: هو حسن عند طائفة من العلماء، حتى عند من يقول بضعف رواية شهر، عند غير واحد من العلماء، منهم الرازي في المحصول، وأما حفاظ الحديث فذكر بعض الناس في " مناهج المحدثين " أنه قول بعضهم أيضاً، وسمى منهم الزيلعي والبيهقي وابن حجر، وليس ما قاله بمسلّم، وليس هذا موضع بسطه.
والصواب أن الإمام الشافعي اشترط لاعتضاد المرسل أن يكون عاضده مرسل صحيح، كما حكاه الزركشي وغيره عنه.
وأما متنه فصحيح بالشواهد، كما قدمنا ذلك مراراً.
(تنبيه):
قال الشوكاني في نيل الأوطار: " حديث عبد الله بن عمرو أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده، ومن طريقه أخرجه ابن حزم. . . ".
стр. 399
قلت: هو القدر الموقوف، وأما مرفوعاً فما أخرجاه، والقدر الموقوف ذكرناه في رواية الإمام أحمد وغيره.
стр. 400
٨ - حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁.
ويرويه عنه اثنان: ابنه، وخالد بن حزم وهو نفسه الأول.
أما رواية ابنه:
فأخرجها ابن شاهين قال: حدثنا عبد الله بن زياد بن محمد النيسابوري، قال: نا أحمد بن حفص بن عبد الله، قال: نا أبي، قال: نا إبراهيم بن طهمان، عن سماك بن حرب عن أخيه محمد بن حرب عن ابن جرير عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : " من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب في الرابعة فاقتلوه ".
قال الشيخ: وهذا حديث غريب لا أعلم أن سماكاً حدث عن أخيه إلا هذا، وابن جرير هذا اسمه: خالد بن جرير.
وأخرجها الطبراني قال: حدثنا محمد بن شعيب الأصبهاني، ثنا عبد السلام بن عاصم الرازي، ثنا الصباح بن محارب، ثنا داود الأودي عن سماك بن حرب عن خالد بن جرير عن أبيه فذكره.
ثم قال: حدثنا محمد بن صالح بن الوليد النرسي، ثنا محمد بن المثنى، ثنا مكي بن إبراهيم، ثنا داود الأودي وذكره.
стр. 401
وذكره البخاري في تاريخه فقال: قال مكي. . . . وذكر الخبر.
وأما رواية خالد بن حزم وهي تصحيف.
فأخرجها الحاكم في المستدرك قال: أخبرنا بكر بن محمد الصيرفي بمرو، ثنا عبد الصمد بن الفضل، ثنا مكي بن إبراهيم، ثنا داود بن يزيد عن سماك بن حرب عن خالد بن حزم عن جرير فذكره.
وقد أورد الزيلعي إسناد الحاكم في نصب الراية كما أوردناه وفيه " خالد بن حزم " وكذا هو في تلخيص الذهبي.
لكن لم أجد خالد بن حزم فيمن روى عن جرير، ولا فيمن روى عنهم سماك، بل لم أجد من اسمه خالد بن حزم.
فتبين أن الرواية بهذا غير مستقيمة، وأن جريراً تصحفت إلى حزم.
وكان المزي أغفل ذكر خالد في أولاد جرير الذين رووا عنه، كما في التهذيب، وذكر البخاري في التاريخ، خالد بن جرير، وذكر إسناده كما قدمنا، عن خالد بن جرير عن جرير، وساق الخبر، فما أشار إلى أنه ولده.
أما الرازي فقال:
" خالد بن جرير بن عبد الله البجلي، روى عنه سماك بن حرب، ومنهم من يدخل بينه وبين سماك أخاه ".
стр. 402
وكذا نسبه ابن حيان في الثقات نحو أبي حاتم.
فتبين أن الإسناد للحديث واحد، لكن على الخلاف المتقدم.
فابن طهمان أدخل أخا سماك واسطة بين سماك وخالد، وخالفه الأودي فأسقطه.
حكم الخبر:
وإبراهيم بن طهمان ثقة، بخلاف الأودي فهو ضعيف، فالقول قول ابن طهمان بإثبات الواسطة.
وقد جاء في العلل لابن أبي حاتم قال: سئل أبي عن حديث رواه أحمد بن حفص النيسابوري، قال حدثنا أبي عن إبراهيم بن طهمان عن سماك بن حرب عن أخيه محمد بن حرب عن خالد بن جرير عن جرير بن عبد الله البجلي عن النبي ﷺ قال: " من شرب الخمر فاجلدوه "، ورواه الأودي عن سماك عن خالد بن جرير عن جرير بن عبد الله عن النبي ﷺ .
قال أبي: حديث إبراهيم بن طهمان أصح لأنه زاد فيه رجلاً. انتهى.
قلت: فتبين أن الحكم على هذا الحديث إنما هو لهذا السند الذي فيه محمد بن حرب، وهو إسناد رجاله موثقون، على كلام في بعضهم يسير لا يضرّ.
لكن في النفس شيء من خالد بن جرير، وأن يكون هو من أولاد
стр. 403
جرير، والظاهر عندي أن من نسبه لأبيه نسبه ظناً لا يقيناً، لما رأى من التناسب بين الأسماء.
ولذلك فإنني وقفت في معجم الطبراني له على صنيع عجيب جداً، فإنه قال:
" ما روى ولد جرير عن جرير ".
ثم أورد ما رواه المنذر وعبيد الله وإسماعيل وإبراهيم وعبد الله، ثم إنه ذكر خالداً، وأورد له هذا الخبر الواحد، ثم أخرج حديثاً عقبه مباشرة، وتحت نفس الباب الذي بوب له لخالد: عن أيوب بن جرير عن أبيه - ووقع في بعض النسخ عن جدّه، والصواب حذفها، كما هو بين ومعلوم من أن جريراً ليس له أب مسلم -
فكأنه جعلهما واحداً، أو أنه سقط من المطبوع ترجمة ولده أيوب، والله علم.
ثم رأيت محقق كتاب الثقات قال عند قول ابن حبان: " محمد بن حرب أخو سماك يروي عن ابن جرير عن أبيه عن. . . ".
قال محققه شارحاً قوله: " عن ابن جرير " قال: هو عبيد الله بن جرير بن عبد الله البجلي كما في التهذيب.
قلت: وهو كما قال: فإن في التهديب إنه روى عن عبيد الله لا عن خالد.
وحيث أن الطريق الأصح الأعلى، هي الأولى التي فيها: " عن ابن جرير " دون تسمية، وفي سياق مساءلة أبي حاتم في العلل سمّاه، فأنا متوقف في تعيين الابن هذا.
стр. 404
٩ - حديث غضيف بن الحارث ﵁.
ولا يرويه عنه إلا عياض ولده.
أخرج حديثه ابن شاهين قال: حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد، قال: نا محمد بن عوف بن سفيان، قال نا الحكم بن نافع، قال نا إسماعيل بن عياش وسعيد بن سالم الكندي، عن معاوية بن عياض بن غضيف عن أبيه عن جدّه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إذا شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن عاد فاجلدوه، ثم إن عاد فاجلدوه، ثم إن عاد فاقتلوه ".
وأخرجه البزار قال: حدثنا عمر بن الخطاب السجستاني ثنا أبو اليمان - هو الحكم بن نافع - ثنا إسماعيل بن عياش عن سعيد بن سالم عن معاوية فذكره، ولم يقل: " ثم إن عاد في الرابعة فاقتلوه ".
ثم قال البزار: لا نعلم روى غضيف إلا هذا.
قال ابن حجر معقباً: بل إسماعيل ضعيف.
قلت: لكن حيث ذكره الهيثمي في المجمع ذكره بطوله مع الجملة الرابعة، وعزاه للطبراني والبزار معاً.
وأخرجه الطبراني قال: حدثنا أبو زيد أحمد بن عبد الرحيم الحوطي، ثنا أبو اليمان الحكم بن نافع فذكره بتمامه مع الجملة الرابعة.
стр. 405
قلت في الحديث مسائل:
الأولى: في قول ابن شاهين " إسماعيل بن عياش وسعيد. . . " فالذي عند الطبراني والبزار: " عن سعيد ".
وهذا هو الصواب - والله أعلم - لأنه لو كان " وسعيد " لما كان من معنى لقول الحافظ المتقدم: " إسماعيل ضعيف، لأنه حينئذٍ يكون متابعا بثقة، ولا معنى لتضعيف المتابع بثقة في إسنادٍ واحد، على تفصيل يأتي.
ثم قد ذكره الحافظ في الإصابة في موضعين على الصواب:
" إسماعيل بن عياش عن سعيد بن سالم. . . ".
وعزاه للطبراني وابن شاهين وابن السكن وأبي خيثمة كلهم من هذه الطريق.
وأما في ثقات ابن حبان فوقع تصحيف قبيح قال: " وروى عن معاوية إسماعيل بن سالم الكندي "!، لكن سيأتي أنه ذكره على الصواب في موضع آخر.
الثانية: في تحديد اسم الصحابي هل هو غضيف بالضاد، أو غطيف.
فالذي عند ابن شاهين بالثاني، وكذا الطبراني، وخالفهما البزار فقال الأول. هو متردد بينهما في مصادر كثيرة.
وقد كشف النقاب عن هذا التردد غير واحد، وذكروا أن الناس اختلفوا فيه مع آخر كندي وقيل سكوني.
وقد فرق بينهما ابن حجر فقال: " والذي يظهر لي أن السكوني غير
стр. 406
الكندي "، ثم ذكر للسكوني حديثاً في وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، بعد أن كان ذكر أن السكوني هو الذي اسمه غضيف، وأن الكندي هو الذي اسمه غطيف.
قلت: ويؤيد قوله هذا ما قاله ابن عبد البر في الاستيعاب، فإنه بعد أن ذكر السكوني الأول غضيف - أو غطيف، على خلاف - ذكر صاحبنا الثاني الكندي وقال: غطيف بن الحارث الكندي والد عياض - وهو آخر - تفرد بالرواية عنه ابن عياض فيما ذكر الموصلي. . . ".
قلت: فعلى مقتضى قول الموصلي هو آخر كما جزم الحافظ وابن عبد البر وغيرهما، لأن راوي حديث وضع اليد عن غضيف هو يونس بن سيف.
المسألة الثالثة في الكلام على ضعف إسماعيل الذي ذكره الحافظ ولم فإن إسماعيل لا يصح إطلاق الضعف عليه أصلاً، فالعجب من قول الحافظ، وهو القائل في التقريب: صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلط في غيرهم "، لكن لعله قال حاكياً حكمه في هذا الخبر خصوصاً كما سيأتي.
فالصواب في إسماعيل أنه ثقة ضابط في الشاميين، لا سيما الحمصيين - فهو حمصي - نبه على هذا الأساطين كيحيى بن معين في قول،
стр. 407
وأحمد بن حنبل، ودحيم، وعمرو بن علي، ومنهم البخاري والدولابي وابن عدي وغيرهم.
فإنهم اتفقوا على قبول روايته في الشاميين خاصة.
والذي روى عنه إسماعيل هو سعيد، وكندة أصله، وما ذكروا ما يعرف به موطن السماع منه. فالله أعلم وقد أخرج هذا الحديث ابن حبان في الثقات عن آخر، لكنه متروك من نفس الطريق عن سعيد قال: حدثا ابن قتيبة، ثنا عبد الوهاب بن الضحاك، قال ثنا إسماعيل بن عياش فذكر الحديث لإسناده ومتنه على الصواب.
فالحاصل أن الواجب قبول أو رد رواية إسماعيل في هذا الخبر بحسب حال سعيد، وطرح تضعيف الحافظ له مطلقاً، إلا أن يكون جزم بأن عداده ليس في الشاميين فيصح إطلاقه هذا على المعنى الذي ذكرناه.
الحكم على الخبر:
رجاله ثقات، مع التنبيه إلى أن سعيداً ومن بعده تفرد ابن حبان بتوثيقهم، فهذا حديث عهدته على إسماعيل. وتوثيق ابن حبان إذا لم يوجد متابعه، ولم يكن الموثق معروفاً إلا في حديث أو حديثين، وليس فيه جرح، لم يبلغ التوثيق مرتبة الصحة، هذا إن لم يكن في الخبر نكارة - والله أعلم -
هذا مع التنبيه على أن الحافظ كثيراً ما يترجم لمن تفرد ابن حبان بتوثيقه، وكان حاله كالذي هنا بقوله " مقبول " - يعني إذا توبع احتج بحديثه وإلا فهو ليّن.
стр. 408
١٠ - حديث الشريد بن أوس الثقفي ﵁. أو هو الشريد بن سويد، والثاني أصح. والأول ذكره الحافظ في الفتح والثاني هو المذكور في التحفة والتهذيب.
ويرويه عنه عمرو ولده.
أخرج حديثه الإمام أحمد قال: حدثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال حدثني عبد الله بن أبي عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي، أن عمرو بن الشريد حدثه أن أباه حدثه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " إذا شرب الرجل فاجلدوه، ثم إذا شرب فاجلدوه - أربع أو خمس مرار - ثم إذا شرب فاقتلوه ".
وأخرجه الدارمي قال: حدثنا محمد بن عبد الله الرقاشي، ثنا يزيد - هو ابن زريع - ثنا محمد - هو ابن إسحاق - ثنا عبد الله بن عتبة بن عروة بن مسعود الثقفي فذكره على الصواب ". . . فإن عاد في الرابعة فاقتلوه ".
وأخرجه الطبراني قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، ثنا محمد بن عبد الله الرقاشي. وحدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني عبيد الله بن عمر القواريري.
قالا: ثنا يزيد بن زريع فذكره مثل الدارمي، سواءً بسواء.
стр. 409
وأخرجه النسائي قال: أخبرنا محمد بن يحيى بن عبد الله، قال ثنا محمد بن عبد الله الرقاشي، فذكره كالدارمي.
قال في الأطراف: كذا في رواية ابن الأحمر ولم يذكره أبو القاسم. وجاء في النكت للحافظ عليه مثله لكن قال: " عبد الله بن عطية بن عمرو الثقفي " وهو خطأ من النساخ.
وكذا أخرجه ابن حزم من هذا الوجه قال: حدثنا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية، نا أحمد بن شعيب - يعني النسائي - فذكره على الصواب كما قدمنا في النسائي.
وتابع الزهريُّ عبد الله عند الحاكم فإنه قال: حدثنا أبو عبدَ الله الصفار، ثنا محمد بن مسلمة، ثنا يزيد بن هارون، أنبأ محمد بن إسحاق عن الزهري عن عمرو بن الشريد عن أبيه فذكره على الصواب.
ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وسكت عليه الذهبي في المختصر حيث أورد كلام الحاكم ولم يتعقبه.
حكم الخبر عن الشريد:
هو كما قال الهيثمي في " المجمع ": فيه عبد الله بن عتبة بن عروة بن مسعود الثقفي، لم أعرفه، وباقي رجاله ثقات.
стр. 410
قلت: وكذا أنا لم أجد عبد الله بن أبي عاصم المذكور في سند أحمد، ولعله هو نفسه ابن عتبة، فهذا حال الطريق الأولى.
وأما متابعة الحاكم فكانت مقبولة لولا محمد بن مسلمة، فقد قال فيه الحافظ: " أتى بخبر باطل اتهم به، وقال أبو القاسم اللالكائي: ضعيف، وساق له ابن عدي أحاديث تستنكر، وأورد ابن الجوزي حديثاً فقال: رواته ثقات سوى ابن مسلمة، وقال الخطيب: في أحاديثه مناكير بأسانيد واضحة، وهو غير ثقة، وقال الخطيب: رأيت هبة الله الطبري يضعفه، وكذا سمعت أبا محمد الخلال يقول: هو ضعيف جدا. انتهى ما أورده الحافظ ملخصاً من اللسان.
نعم، قد ذكر أيضاً أن الدارقطني قال: " لا بأس به ".
قلت: هيهات بعد الذي ذكر.
وبالمناسبة فالدارقطني يقبل الخبر الذي فيه مجهول العين، إذا توبع ولو بضعيف، أو مثله، ولم يصرح مدى هذا القبول.
وأنا أستبعد أن يكون يريد بذلك الحسن لغيره، لأنه عندها لا يكون من فارق بين الحديث الضعيف المحتج به، وبين ما هو دونه.
فلعله يريد أن يكون مقبولاً للاحتجاج كالضعيف الذي يرتقي، إذا تابعه مثله، واللَّه أعلم بالذي أراد.
والحاصل عندي أن مثل هذا الخبر بمفرده غير قابل للتحسين، وكذا عند جمهور أهل الحديث.
وأما بشواهده فحسن كما قدمنا مراراً.
стр. 411
١١ - حديث أبي الرمد البلوي. أو أبو الربداء.
لم أقف على حديثه من أول إسناده، لكن فيه ابن لهيعة فاستغنينا عن ذلك على رأي من يطلق التضعيف على عبد الله. وكذا لجهل مولى أم سلمة.
ذكره الحافظ ابن حجر في ترجمته قال:
وأخرج أبو اليسر الدولابي، وابن مندة من طريق ابن وهب عن ابن لهيعة عن ابن هبيرة عن أبي سليمان مولى أم سلمة أن أبا الربداء حدثه أن رجلاً منهم شرب، فأتوا به النبي ﷺ فضربه، ثم عاد فشرب الثانية فضربه، ثم عاد فشرب الثالثة، فأُتي به لا أدري في الثالثة أو الرابعة، فأمر به فحمل على العجل فوضع عليها فضرب عنقه.
وذكره الدولابي بالميم والدال المهملة - يعني أبا الرمد - وقال عبد الغني بن سعيد: هو تصحيف وإنما هو بالموحدة والذال المعجمة!!.
قال الحافظ: وأخرجه البغوي في الكنى بالميم والمهملة وقال: سكن مصر، وساق الحديث من طريق ابن لهيعة، وقال في سياقه: عن أبي سلمان، وفي رواية أخرى: عن أبي سليمان، وقال في المتن: فأُتي به فيما أرى في الثالثة أو الرابعة فأمر به فحمل على العجل فضربت عنقه. انتهى.
الحكم على الخبر:
ضعيف، لأن فيه أبا سليمان، أو أبا سلمان، مولى أم سلمة، وهو مجهول الحال كما قال ابن القطان، ونقله عنه الحافظ في اللسان.
وفيه عبد الله بن لهيعة، مختلف فيه كثيراً، وبعضهم يحسن حديثه عن العبادلة كما هنا، فتبقى علة الحديث في جهالة مولى أم سلمة.
стр. 412
١٢ - حديث أبي موسى الأشعري ﵁:
أخرجه عبد الرزاق في المصنف قال:
عن محمد بن راشد قال سمعت عمرو بن شعيب يحدث أن أبا موسى الأشعري حين بعثه النبي ﷺ إلى اليمن سأله قال: " إن قومي يصنعون شراباً من الذرة، يقال له المزر، فقال النبي ﷺ : " أيسكر "؟.
قال أبو موسى: " نعم ".
قال: " فانههم عنه ".
قال: " قد نهيتهم، فلم ينتهوا ".
قال: " فمن لمن ينته في الثالثة فاقتله ".
حكم الخبر:
هو مرسل أو معضل، لأن عمراً قد روى عن بعض الصحابة، كالربيع بنت معوذ، وأم كرز الكعبية وغيرهما.
ثم في عمرٍو كلام مشهور، استغنينا عن ذكره لشهرته.
وأصل الحديث عند الشيخين وأصحاب السنن إلا الترمذي، بغير هذا الإسناد وهذه السياقة، وليس فيه ذكر القتل قط.
ثم إن له جواباً خاصاً، يأتي في الحديث الذي بعده عن أم حبيبة ﵂.
стр. 413
١٣ - حديث أم حبيبة أم المؤمنين ﵂.
أخرجه الإمام أحمد قال:
ثنا حسن قال ثنا ابن لهيعة، قال ثنا دراج عن عمر بن الحكم أنه حدثه عن أم حبيبة بنت أبي سفيان: أن أناساً من اليمن قدموا على رسول الله ﷺ ، فأعلمهم الصلاة والسنن والفرائض.
ثم قالوا: يا رسول الله، إن لنا شراباً نصنعه من القمح والشعير.
فقال: الغبيراء؟
قالوا: نعم.
قال: لا تطعموه.
ثم لما أرادوا أن ينطلقوا سألوه عنه.
فقال: الغبيراء؟
قالوا: نعم.
قال: لا تطعموه.
قالوا: فإنهم لا يدعونها.
فذكره
قال: من لم يتركها فاضربوا عنقه.
وتابع حسناً فيه يحيى بن بكير عند الطبراني قال: حدثنا عبد الملك بن يحيى بن بكير المصري، ثنا أبي، ثنا ابن لهيعة مختصراً ليس فيه ذكر آخرهاً قالوا: فإنهم لا. . . الحديث ".
стр. 414
لكنه عاد فأخرجه من طريق أحمد نفسها، فذكره بتمامه قال: حدثنا يحيى بن عثمان، ثنا حسان بن غالب، ثنا ابن لهيعة فذكره مثل أحمد باختصار يسير.
وأخرجه أبو يعلى من هذا الوجه أيضاً. وكذا البيهقي.
الحكم على الخبر:
هو كما قال الهيثمي في " المجمع ":
" فيه ابن لهيعة وحديثه حسن، وفيه ضعف، وبقية رجال أحمد ثقات ".
قلت: لكن يتعقب عليه، بأن ابن لهيعة حديثه حسن إذا روى عنه أحد العبادلة - على الرأي المختار - وبعضهم يطلق التحسين، وهو هنا ليس كذلك.
وأما من ضعف الخبر بأبي السمح فليس بصحيح، لأن روايته ضعيفه في أبي الهيثم خاصة. وليس هو هنا كذلك.
(تنبيه):
والظاهر في هذا الخبر والذي قبله، أن الحكم إنما هو في حق منكر الحرمة لشرب هذه الأنواع من الخمور، ولذلك لم يجئ فيهما عدد معين، وظاهر السياق في ذلك بيّن.
فهذان الحديثان والآتي بعدهما، يصح عليهم جواب ابن حبان الذي سنورده في آخر المقام وقوله: " معناه - أي الحديث -: إذا استحل شربه - يعني الخمر - ولم يقبل تحريم النبي ﷺ ".
стр. 415
حكاه عقب حديث أبي هريرة المتقدم، فحمل ﵀ هذا الخبر على خبر أبي هريرة ومعاوية كعادته في الجمع بين الآثار.
فكأنه ذهب إلى أن من شرب الخمر أربعاً، كان كالذي استقر عنده حلُّه، فاستحق القتل، على ما سيأتي ذكره والجواب عنه إن شاء الله تعالى.
стр. 416
١٤ - حديث ديلم الحميري الجيشاني ﵁.
أخرجه الإمام أحمد في مسنده قال:
حدثنا عبد الكبير بن عبد الحميد أبو بكر الحنفي، قال: حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزني، أن ديلم أخبرهم أنه سأل رسول الله ﷺ قال: يا رسول الله، إننا ببلد بارد، وإنا نشرب شراباً نتقوى به؟
فقال له رسول الله ﷺ : فهل يسكر؟
قال: نعم.
قال: لا تقربوه.
قال: فإنهم لن يصبروا عنه.
قال: فمن لم يصبر عنه فاقتلوه.
ثم أخرجه قال: حدثنا الضحاك بن مخلد قال: حدثنا عبد الحميد فذكره مثله.
وقال: حدثنا محمد بن عبيد، ثنا محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب فذكره وفي آخره: فقلت: إن الناس غير تاركيه.
قال: " فإن لم يتركوه فاقتلوهم ".
وأخرجه أبو داود قال:
стр. 417
حدثنا هناد بن السري، أخبرنا عبدة، عن محمد - يعني ابن إسحاق -
فذكره وفيه:
قال: " هل يسكر؟ ".
قال: نعم.
قال: " فاجتنبوه ".
قال: قلت: فإن الناس غير تاركيه.
قال: " فإن لم يتركوه فقاتلوهم ".
وأخرجه البيهقي من طريقي أحمد مثله.
ولفظه عنده " فاقتلوهم " كما عند أحمد.
ثم أخرجه من وجه آخر مختصر قال:
أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، وأبو زكريا بن أبي إسحاق، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنبأ محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أنبأ ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب وعياش بن عباس عن أبي الخير، وهو مرثد، عن ديلم الجيشاني أنه قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إنا بأرض باردة شديدة البرد نصنع بها شراباً من القمح، أفيحل يا نبي الله؟
فقال: " أليس بمسكر؟ ".
قالوا: بلى.
قال: " فإنه حرام ".
стр. 418
هذا ما وقفت عليه من طرق هذا الخبر وألفاظه.
وكان مسلم أخرج في صحيحه، والنسائي في الكبرى، من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: إن رجلاً قدم من جيشان (وجيشان من اليمن) فسأل النبي ﷺ عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة، يقال له المزر.
فقال له النبي ﷺ : " أمسكر هو؟ ".
قال: نعم.
قال رسول الله ﷺ : " كل مسكر حرام، إن على الله عهداً لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال ".
قالوا: يا رسول الله وما طينة الخبال؟
قال: " عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار ".
قلت: فلعل هذا السائل هو ديلم، والله أعلم، وقد جزم بذلك ابن بشكوال في غوامض الأسماء، وأما حديث فيروز الديلمي عند أبي داود، فقد فرق ابن حجر بينه وبين هذا الحديث، كما في الإصابة.
حكم خبر ديلم:
إسناد الإمام أحمد الأول حسن، لأجل الكلام اليسير في خطأ عبد الحميد بن جعفر، وأما يزيد، فإنهم ذكروا له تدليساً يسيراً جداً عن واحد أو اثنين، غير مرثد بن عبد الله.
وقد تابع ابن إسحاق عبد الحميد كما في الرواية الثانية، لكنه عنعن وهو مدلس.
стр. 419
(تنبيه):
وبه يتبين أن رواية " فقاتلوهم " غير ثابتة، لأنها لم ترد إلا في حديث محمد بن إسحاق، الذي بإسناد أبي داود الضعيف.
ثم على صحة ثبوتها أو ارتقائها، فيمكن حملها على رواية " فاقتلوهم "، لأن القتل من لوازم المقاتلة.
(تنبيه):
بقي من أحاديث قتل شارب الخمر في الرابعة، حديث ذكره الزيلعي في نصب الراية، وعزاه للطبراني في معجمه من حديث ابن مسعود.
كذا قال، ولم يذكر فيه شيئاً، لا سنداً ولا متناً، ولم أجده في المعجم الكبير للطبراني، بل إنه ليس في المعجم الكبير لابن مسعود إلا بضعة أحاديث متفرقة، فلينظر في غيره من معاجمه أو في الساقط منه.
وكذلك لم أقف عليه في " المجمع " للهيثمي، ولو كان في أحد المعاجم لذكره ولوجدته. فغلب على الظن أنه من وهم الزيلعي.
وحيث أني نظرت في " نظم المتناثر من الحديث المتواتر " فلم أقف له على ذكر في هذا الخبر، ترجح عندي بما يشبه القطع، أن ليس لابن مسعود حديث في الباب.
هذا وقد بقي حديثان أحدهما عن جابر والآخر عن قبيصة يأتيان إن شاء الله.
стр. 420
باب آخر فيما جاء من المراسيل في قتل شارب الخمر
الأول: مرسل مكحول.
أخرجه عبد الرزاق في مصنفه قال:
عن محمد بن راشد قال: سمعت مكحولاً يقول: قال رسول الله ﷺ :
" من شرب الخمر فاضربوه ثم قال: من شرب الخمر فاضربوه، ثم قال في الرابعة: من شرب الخمر فاقتلوه.
قلت هو مرسل حسن، لكلام ذكروه في محمد.
الثاني: مرسل أبي سلمة بن عبد الرحمن.
أخرجه مسدد في مسنده، ولم نقف على سنده فيه، وإنما ذكره الحافظ في المطالب وقال البوصيري في " الإتحاف ": رجاله ثقات. كما بحاشية المطالب.
стр. 421
باب ما جاء من الأحاديث في قتل شارب الخمر في الرابعة ونسخ ذلك
١ - حديث جابر بن عبد الله ﵄:
ولا يرويه عنه إلا ابن المنكدر، ولا يرويه عن ابن المنكدر إلا محمد بن إسحاق.
أخرجه النسائي قال:
أخبرنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد، قال: ثنا عمي يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال: ثنا شريك عن محمد بن إسحاق عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله عن نبي الله ﷺ قال: " إذا شرب الرجل فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد الرابعة فاقتلوه "، فأُتي رسول الله ﷺ برجل منا فلم يقتله.
وقال:
أخبرنا محمد بن موسى الحرشي، قال: ثنا زيادا بن عبد الله البكائي، قال: حدثني محمد بن إسحاق عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : " من شرب الخمر فاضربوه، فإن عاد فاضربوه، فإن عاد فاضربوه، فإن عاد الرابعة فاضربوا عنقه " فضرب رسول الله ﷺ نعيماً أربع مرات، فرأى المسلمون أن الحد قد وقع، وأن القتل قد رفع.
وأخرجه البيهقي عن النسائي بهذا.
стр. 422
وأخرجه ابن حزم من وجه النسائي الأول، والثاني مثله.
ومن وجه النسائي الثاني أخرجه الحاكم، على سقط كبير وقع في أول السند في الأصل وتلخيص الذهبي.
ومن هذا الوجه أخرجه البزار والطحاوي وعلقه الترمذي.
وقال البزار في روايته " وكان ذلك ناسخاً لقتله ".
ثم قال: ولا نعلم أحداً حدث به إلا ابن إسحاق.
قلت: وقد رواه غير ابن إسحاق عن ابن المنكدر فأرسله كما سيأتي.
الحكم على حديث جابر:
وقبل الشروع في التقرب إلى الله بمعرفة حكم ذلك الخبر، وطلب التوفيق منه ذلك والسداد، وجب التنبيه على أن ابن حجر قال في الفتح بعد ذكر رواية ابن المنكدر عن جابر:
" وأخرجه البيهقي والخطيب في المبهمات من وجهين آخرين عن ابن المنكدر ".
وظاهر عبارته أن الطريقين عن غير جابر.
стр. 423
فإن كان هو المراد فسيأتي الكلام على ذلك عند الحديث عن المراسيل في النسخ.
وإلا فالحديث ليس يروى موصولاً عن ابن المنكدر عن جابر إلا من طريق محمد بن إسحاق كما ذكر البزار. ولا يرويه عن محمد بن إسحاق إلا اللذان ذكرهما النسائي في روايتيه: شريك القاضي، وزياد بن عبد الله البكائي. كما جزم بذلك ابن حزم في المحلى قال: " أما حديث جابر بن عبد الله في نسخ الثابت من الأمر بقتل شارب الخمر في الرابعة، فإنه لا يصح لأنه لم يروه عن ابن المنكدر أحد متصلاً إلا شريك القاضي، وزياد بن عبد الله البكائي، عن محمد بن إسحاق عن ابن المنكدر - يعني عن جابر - وهما ضعيفان ".
قلت: أما أنه يوجد من ضعفهما فنعم، وأما إطلاق الضعف عليهما، فليس بشيء. كيف وقد روى لشريك البخاري استشهاداً، ومسلم متابعة في صحيحيهما، وهما ليسا يحتجان بالاستشهاد والمتابعة بالضعفاء.
فأما شريك القاضي.
فقال فيه يحيى بن معين: ثقة، وقال مرة: ثقة ثقة، وقال ثالثة: هو ثقة صدوق، إلا أنه إذا خالف، فغيره أحب إلينا منه.
وقال أحمد بن حنبل نحو قول ابن معين الآخر.
وقال وكيع: لم يكن أحد أروى عن الكوفيين من شريك.
وقال ابن المبارك: شريك أعلم بحديث الكوفيين من سفيان الثوري -!
وقال علي بن المديني: شريك أعلم من إسرائيل.
стр. 424
قلت: إسرائيل ثقة.
ثم إنه تكلم فيه كثيرون لأجل سوء حفظه.
فقال يحيى بن سعيد القطان: ليس بشيء، وأفصح مرة فقال: ما زال مخلطاً.
وقال يعقوب بن شيبة: شريك صدوق ثقة، سيّء الحفظ جداً.
وقال أبو زرعة: كان كثير الخطأ، صاحب وهم، وهو يغلط أحياناً.
وقال أبو حاتم: كان له أغاليط، وقال مرة: ساء حفظه.
قلت فمن تأمل القول الجامع لهؤلاء الأئمة ﵏، لم يجد فيه تناقضاً إذا أمعن النظر وأحسن التدبر.
فليس من وثّقه نفى عنه سوء الحفظ، أو الغلط، وليس من ذكره بسوء الحفظ أنكر فيه التوثيق، من وثق روايته عن الكوفيين، فكأنه جعل الخطأ عنهم أقل من غيرهم.
والخلاصة أنه ثقة، يقع الغلط في حديثه من غير تعمد، فإذا خالف الثقات، كان غيره أحق منه بالصواب، والله أعلم.
وأما متابعة زياد بن عبد الله البكائي.
فقال فيه وكيع: هو أشرف من أن يكذب.
وقال أحمد: ليس به بأس.
وقال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال مرة: هو في ابن إسحاق ثقة.
стр. 425
وقال أبو داود: كأنه يضعّفه في غيره.
قلت: لا كأنه، فإنه فعل.
وقال مرة ثالثة: لا بأس به في المغازي.
قلت: وهذا نحو الثاني، فغالب رواية محمد بن إسحاق في المغازي.
وقال ابن المديني: ضعيف، وقال مرة: كتبت عنه وتركته.
وقال أبو زرعة: صدوق.
وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ويحتجّ به.
وقال النسائي: ضعيف، وقال مرة: ليس بالقوي.
وضعفه العقيلي، وابن حبان، وابن الجوزي.
وقد أوردت أن البخاري روى له، ووجب التنبيه أنه حديث واحد مقرون بغيره.
قلت: وملخص القول أنه صدوق في نفسه، لكن كثر غلطه فتجاسروا على القول بضعفه، وبرأه من الضعف من نظر لأحاديثه الجياد.
الخلاصة:
ومنتهى الفهم فيهما أن الأول حسن الحديث ما لم يخالف، والثاني ضعيف محتج به، لكن بقي النظر في بقية السند.
فأما محمد بن إسحاق فقد اختصر الحافظ في التقريب حاله بكلام غير شافٍ فقال: " صدوق يدلّس ورمي بالتشيع والقدر ".
وأتقن الخلاصة الذهبي فقال: " له ارتفاع بحسبه ولا سيما في السير،
следующие страницы →