وتفانٍ عجيب، وكانت صورةُ المشهدِ تملأ الزمان والمكان، بل والتاريخ، وذوو الضمائر الحيَّة في مكةَ يَطْرَبون ويَعْجَبون من علوِّ همَّته .. رأوا رجلاً شاهقًا عليًّا .. لا يدرون: هل استطال رأسُه إلى السماءِ فلامَسَها .. أم اقتربت السماءُ من رأسه فتوَّجته؟!.
رأوا تفانيًا وصمودًا وعظمةً، ويقينًا ناهضًا فوق مِنَصَّةِ الأُستاذيَّة، يُلقِي على البشرية كلِّها أبلغَ الدروس، ويُلقِّنها أمضى مبادئها.
سَلُوا رجالَ مكة .. وسَلُوا الطائفَ عن سيِّد الرجال .. لقد كانت كلماتُه رجالاً.
أي ولاءٍ هذا الذي يحملُه الرسولُ ﷺ لدعوته!!
فرْدٌ أعزل .. تواجهُه المكائدُ أينما وَلَّى وسار!!
ليسَ هناك من أسبابِ الحياة الدنيا ما يشدُّ أزره، ثم هو يَحمِلُ كلَّ هذا الإصرار، وكلَّ هذا الصمود والولاء!!.
بأبي وأمي رسول الله ﷺ .. مَن ينطلقُ مهمومًا من أجل الدعوة بعد عودته من الطائف فلم يَستفقْ إلا وهو بـ "قرْن الثعالب" .. بأبي هو وأمي ..
وكيفَ يُسامَى خيرُ من وطئ الثرى … وفي كلِّ باعٍ عن عُلاهُ قُصورُ!
وكلُّ شريفٍ عندهُ متواضِعٌ … وكلُّ عظيمِ القريتيْنِ حقيرُ!
نعم ..
فلقد سَرَتْ مَسرى النجومِ هُمومُهُ … ومضتْ مُضِيَّ الباتراتِ عزائمُه
نعم ..
فاقَ أهلَ المعالي … وعَلا مَن عَلَاها
стр. 107
• قال رسول الله ﷺ : "مَثَلي في النبيين كَمثَل رجلٍ بني دارًا، فأحسَنَها وأكْمَلَها وأجْمَلها، وترَك فيها موضع لَبنةٍ لم يَضَعْها، فجعل الناسُ يطوفون بالبنيان ويَعْجَبون منه، ويقولون: لوْ تَمَّ موضعُ هذه اللِبنة!! .. فأنا في النبيين موضعُ تلك اللَّبِنة" (١).
° "لقد كان ﵊ يعلم علْمَ اليقين أنه جاء الحياةَ الإنسانيةَ ليُغيِّرها، وأنه ليس رسولاً إلى قريشٍ وحدها، ولا إلى العربِ وحدهم .. بل رسولَ الله إلى الناس كافَّة.
وقد فَتح الله -سبحانه- بصيرتَه على المدى البعيد الذي ستَبْلُغُه دعوتُه، وتَخفِقُ عنده رايتُه.
ورأى رأيَ اليقينِ مستقبلَ الدينِ الذي بشَّر به .. ورغم ذلك كلِّه، لم يَر في نفسه، ولا في دينه، ولا في نجاحه -الذي لن تشهدَ الأرض له مثيلاً- أكثر من "لبنةٍ" في البناء .. !!.
كلُّ هذه الحياة التي عاشها .. كلُّ جهادِه وبطولاته .. كلُّ عظمتِه وطُهْره .. كلُّ هذا الفوز الذي حقَّقه دينُه في حياته، الفوزُ الذي كان يعلم أنه سيبلغه بعد مماته .. كلُّ ذلك ليس إلاَّ "لبنة"!! لبنةً واحدةً في بناءٍ شاهِقٍ عريق .. !!.
وهو الذي يُعلن هذا ويقولُه، وُيصِرُّ على توكيده!! ثم هو لا ينتحلُ بهذا القول تواضعًا، يُغذِّي به جُوعًا إلى العظمة في نفسه، بل هو يؤكِّد هذا الموقفَ
стр. 108
باعتباره حقيقةً تشكِّل مسؤوليةُ تبليغها وإعلانها جُزءً من جوهر رسالته.
ذلك أن التواضعَ -على الرغم من أنه خُلُق من أخلاق الرسولِ ﷺ الأصيلة-، لم يكن الدليلَ الذي يدلُّ على عظمتِه وُيشير إليها؛ فإن عظمةَ الرسولِ بَلَغتْ من التفوُّق والأصالة ما جَعَلها آيةَ نفسِها، وبرهانَ ذاتِها .. ".
فرْدُ التواضعِ فرْدُ الجُودِ مكرمةً … فرْدُ الوجودِ عنِ الأشباه والنُّظَرَا
أعلى العلا في العُلا قدْرًا وأمنعُهُمْ … دارًا وجارًا واسمًا في السماءِ ذُرَا
وإذا كان التوحيدُ هو الغايةَ المطلوبة من جميع مقاماتِ الإيمان والأعمالِ والأحوال، وهو أولُ دعوةِ الرسل وآخرُها، وإذا كان أهلُ التوحيد يتفاوتون في توحيدِهم -عِلمًا ومعرفةً وحالاً- تفاوتًا لا يُحصيه إلا الله - فأكملُ الناسِ توحيدًا الأنبياءُ صلوات الله وسلامه عليهم، والمرسَلون منهم أكملُ في ذلك، وأولو العزم من الرسل أكملُ توحيدًا، وأكملُهم توحيدًا الخليلانِ محمدٌ وإبراهيم صلوات الله وسلامه عليهما؛ فإنهما قاما من التوحيد بما لم يَقُمْ به غيرُهما؛ عِلمًا ومعرفةً وحالاً، ودعوةً للخَلق وجهادًا، فلا توحيدَ أكملُ من الذي قامت به الرسلُ، ودعَوا إليه، وجاهدوا الأمم عليه؛ ولهذا أمَر الله سبحانه نبيَّه ﷺ أن يقتديَ بهم فيه.
ولمَّا فاق رسولُ الله ﷺ النبيِّين والمرسَلِين، وقام بحقيقةِ التوحيد -عِلْمًا وعملاً ودعوةً وجهادًا-، جَعَله اللهُ إمامًا للخَلْق ورسولاً للناسِ كافَّةً، بل وللثقلَيْن من الجنِّ والإنس.
وتوحيده جُعل أعلى توحيدٍ، وخاصَّةَ الخاصَّةِ، مَن رَغِب عنه فهو من أسفهِ السفهاء.
стр. 109
* رسولُ اللهِ ﷺ أعلى الناسِ همَّةً في جميع مقاماتِ الدين:
وقد كان رسولُ الله ﷺ سيدَ المجاهدين والعابدين، والصابرين والصائمين .. كان أعلى الناس توكُّلاً، وأوفرَ الناس نصيبًا منَ الرضا والحمد، والدعاءِ والشكرِ والتبتُّل، وأعلى الناس يقينًا، وكان أشجعَ الناس، وأرحمَ الناس، وأَشدَّ الناس حياءً، وكان أحسنَ الناسِ خُلُقًا ومروءةً وتواضعًا، وأكثرَ الناسِ مراقبةً لربه، وأعلى الناس خشوعًا، وأَشدَّ الناس عبادةً لربِّه، وكان أطولَ الناس صلاةً.
° وكُتبُ الشمائل المحمدية للترمذي وغيره؛ مملوءة بالأحاديث التي تكشِفُ عن هذا النور الذي أرسله الله ليضيءَ للبشرية طريقًا .. ﷺ ..
خُلُقٌ أرقُّ مِنَ النسيم ونفحةٌ … تُغني العديمَ وتُنجِدُ المجهودَا
وسَريرةٌ مَرْضيَّةٌ وعزيمةٌ … عُلويَّةٌ سمَت السماءَ صُعُودَا
ذا البحرُ عِلمًا ذا النجومُ طلائعًا … ذا الصخْرُ حِلمًاَ ذا الغَمامةُ جُودَا
° ولله درُّ شوقي حين يقول فيه ﷺ :
وإذا رحمْتَ فأنت أمٌّ أو أبٌ … هذانِ في الدنيا همَا الرُّحَمَاءُ
* رسولُ الله ﷺ أحسنُ الناسِ عطْفًا ووُدًّا:
° يقول العقاد: "إذا كان الرجلُ مُحِبًّا للناس، أهلاً لحبِّهم إياه، فقد تمَّتْ له أداةُ الصداقةِ من طرَفَيْها .. وإنما تتمُ له أداةُ الصداقة بمقدارٍ ما رُزق من سَعَة العاطفة الإِنسانية، ومِن سلامة الذَّوْق، ومتانةِ الخُلُق، وطبيعةِ الوفاء .. وقد كان محمد ﷺ في هذه الخصالِ جميعًا مَثَلاً عاليًا بين صفوةِ خَلْق الله.
стр. 110
° كان عطوفًا يرأمُ مَن حوْله ويُوَدُّهم ويدومُ لهم على المودَّة طولَ حياته .. وليس في سجلِّ المودةِ الإِنسانية أجملُ ولا أكرمُ من حنانه على مُرضعته "حليمة"، ومن حفاوته بها وقد جاوز الأربعين؛ فيلقاها هاتفًا بها: "أُمِّي، أُمِّي"، ويَفرشُ لها رِداءَه، ويُعطيها من الإِبل والشاءِ ما يُغنيها في السَّنة الجَدْباء.
° ولقد وفدتْ عليه "هوازنُ" وهي مهزومةٌ في وقعة "حُنين"، وفيها عمٌّ له من الرضاعة؛ لأجل هذا العمِّ من الرضاعة تشفَّع النبيُّ إلى المسلمين أن يردُّوا السَّبْي من نساءٍ وأبناء، واشترى السَّبْي ممن أبَوْا رَدَّه إلا بمال.
وحضنتْه في طفولته جاريةٌ عَجماء، فلم يَنْسَ لها مودَّتها بقيَّة حياته.
• وشَغَله أن يَنْعَمَ بالحياة الزوجية ما يشغلُ الأبَ من أمر بناته ورَحِمِه، فقال لأصحابه: "مَن سرَّه أن يتزوَّج امرأةً من أهل الجنة فليتزوَّجْ أمَّ أيمن" .. وما زال يُناديها: "يا أُمَّهْ، يا أُمَّه"؛ كلما رآها وتحدَّث إليها، وربما رآها في واقعةِ قتالٍ تدعو اللهَ وهي لا تدري كيف تدعو بلكنتها الأعجميَّة، فلا تُنسيه الواقعةُ الحازبةُ أن يُصغيَ إليها ويَعطِفَ عليها.
وقد اتسع عطفُه حتى بَسَطه للأحياء كافَّة، فـ "كان يُصغي للهرَّة الإِناءَ فتشرب، ثم يتوضأ بفضلها" (١).
وكان يواسي في موت طائرٍ يلهو به أخو خادمِه (٢)، ويُوصي المسلمين
стр. 111
بالدوابِّ، وكرَّر الوِصايةَ بها.
بل شَمِل عطفُه الأحياءَ والجمادَ كأنَّه من الأحياء؛ فكانت له قَصْعَة يُقال لها "الغرَّاء"، وكان له سَيْفٌ مُحلَّى يسمى "ذا الفقار"، وكانت له دِرْعٌ موشَّحةٌ بنُحاسٍ تُسمَّى "ذات الفضول"، وكان له سَرْجٌ يسمَّى "الداج"، وبِساطٌ يسمَّى "الكز"، ورَكْوة تسمَّى "الصادر"، ومِرآةٌ تسمَّى "المدلة"، ومقراضٌ يسمَّى "الجامع"، وقضيب يسمَّى "الممشوق".
وفي تسميته تلك الأشياءَ بالأسماء معنَى الألفة، التي تجعلُها أشبَهَ بالأحياءِ المعروفين، مِمَّن لهم السِّماتُ والعناوين، كأن لها "شخصيةً" مقرَّبةً تُميِّزُها بين مثيلاتها، كما يتميز الأحبابُ بالوجوه والملامح والكُنَى والألقاب.
° وكان له ﷺ مع هذه العاطفة الجيَّاشةِ والرحمةِ الشاملة: ذَوق سليم يُضارعُها رِفعةً ونُبلاً في رعايةِ شعور الناس أتمَّ رعايةٍ وأدلَّها على الكرَمَ والجود؛ "كان إذا لَقِيه أحدٌ من أصحابه فقام معه؛ قام معه، فلم ينصرف حتى يكونَ الرجلُ هو الذي ينصرف عنه، وإذا لَقِيَه أحدٌ من أصحابه فتناول يَدَه، ناوَله إيَّاها، فلم يَنزعْ يَدَه منه حتى يكونَ الرجلُ هو الذي يَنزعُ منه .. وكان إذا وَدَّع رجلاً أخذ بيده، فلا يَدَعُها حتى يكونَ الرجلُ هو الذي يَدَعُ يده".
° "وانظرْ إلى زيد بن حارثة ﵁ الذي خُطِف من أهله وهو صغير، ثم اهتدى إليه أبوه واهتدى هو إلى أبيه على لهْفَةِ الشوقِ بعد يأسٍ طويل، فلما وجب أن يختارَ بين الرَّجْعةِ إلى آله وبين البقاءِ مع رسول الله ﷺ ،
стр. 112
اختار البقاءَ مع السيِّد على الرجْعة مع الوالد" (١).
° لقد اعتلى رسولُ الله ﷺ الذِّروةَ الساميةَ في السماحة، بسماحةِ الكريم، وما أحدٌ أرحمَ ممَّن يرحمُ المفتَرين على سُمْعةِ أهلِه وهناءةِ بيتهِ وأمانِ سِربه.
ولقد كان رسولُ الله ﷺ خيرَ الناس لأهله وزوجاتِه أمهاتِ المؤمنين ﵁.
بأبي هو وأمِّي رسول الله ﷺ حين تتسعُ نواحي العظمة، وهو الذي يحملُ همَّ دعوةِ الثقلَيْن إلى الله .. لا يَشغلُه شأنٌ عن شأنٍ حتى يسابِق زوجاته .. واللهِ، هذه فُتوة الرُّوح قبل فُتوةِ الأوصال.
* الرسولُ ﷺ قُدوةٌ للرجل المهذَّب في كلِّ زمانٍ ومكان:
لقد كان رسولُ الله ﷺ أسلمَ الناسِ طبْعًا، وأحسَنَ الناس ذوْقًا؛ وهُما الخصلتان اللَّتان كان ﷺ قدوةً فيهما لكلِّ رجل مهذَّبِ في كلِّ أمةٍ وفي كلِّ زمان؛ فلم يكن يهفُو في حقِّ أحدٍ، ولم يكن أحدٌ يشكو من مَحضَرِه بإنصاف .. وذلك هو مِلاكُ التهذيبِ الكامل في أصدقِ معانيه.
وخلاصةُ سَمْتِه وآدابِه أنها سماحةٌ في الأنظار، وسَماحةٌ في القلوب؛ فالسماحة هي الكلمةُ الواحدةُ التي تجمعُ هذه الخصالَ من أطرافها، والسماحةُ هي الصفة التي ترقَّتْ في محمد ﷺ إلى ذِروةِ الكمال.
بأبي وأمي رسول الله ﷺ !!.
ليس للنوع البشريِّ أصلٌ من أصول الفضائل يَرمي إلى مقصِدٍ أسمَى
стр. 113
وأنبلَ من تقديسِ تلك المناقب، التي كان رسولُ الله ﷺ قدوة فيها للمقتدين.
أما في الزهد وعزيمةِ الإِيمان: فقد كان رسول الله ﷺ في المقام الأول بين الرجال؛ في المقام الأول بخِلقته، وفي المقام الأول بنيَّته، وفي المقام الأول بعَمَله؛ وفي المقام الأول بالقياس إلى المُشْبِهين له في دعوته.
لقد زَهِد رسولُ الله ﷺ شحْذًا للعزيمة، وإعذارًا إلى الله فيما تجرَّد له من إصلاحٍ، لقد كانت هدايةُ الناس إلى الله هي جُملةَ أمانيه وغايةُ آمالِه في دار الدنيا .. لقد كان رسول الله ﷺ رجلاً لا كمِثْلِه الرجال ..
فمبْلَغُ العلمِ فيهِ أنَّهُ بشَرٌ … وأنه خيرُ خَلقِ اللهِ كُلِّهِمُ
* رسول الله ﷺ في التاريخ:
إن التاريخ كلَّه بعد رسول الله ﷺ متصلٌ به مرهونٌ بعمله .. كان التاريخُ شيئًا فأصبح شيئًا آخر .. لقد كان لعلوِّ همَّته أثرٌ في الأحداثِ العِظام في تاريخ بني الإِنسان .. بمِقدارِ ما في هذه الأحداث من فُتوحِ الرُّوح، لا بمِقدارِ ما فيها من فتوح البلدان، لقد تفتَّحت للإِنسان آفاقٌ جديدةٌ في عالَم الضمير، ارتفع بها فوقَ طِباق الحيوانِ السائم، ودنا به مرتبةً إلى الله.
لقد كانت فتوحُ رسول الله ﷺ فتوحَ إيمان، وكانت قُوَّته قوةَ إيمان، وما من سِمَةٍ لعمله أوضحُ من هذه السِّمَة.
لقد حَكَم التاريخُ لرسول الله ﷺ أنه كان في نفسِه قدوةَ المهذَّبين، وكان في عملِه أعظمَ الرجالِ أثرًا في الدنيا، وكان في عقيدته أفضلَ الناس
стр. 114
إيمانًا، وصاحبَ الدين الحقِّ، الذي يبقى ما بَقِيَ في الأرض دِين. سيطلُع في الأُفقِ هلالٌ ويَغيب هلال، وتُقبِلُ السَّنةُ القمريةُ بعد السَّنةِ القمرية بمَعْلَمٍ من معالم السماء، يُوميء إلى بقعةٍ من الأرض هي غارُ يوم الهجرة، ويومئُ إلى يومٍ لرسول الله ﷺ هو أجملُ أيامه؛ لأنه أدلُّ الأيامِ على عُلوِّ همَّته، وأخلصُها لعقيدته ورجاءُ سريرته .. يومَ أن تَرك رسولُ الله وراءَه كلَّ شيء من أجل دينه ودعوته.
إن مِن سَعةِ نفْسه ﷺ ، وآفاقِ نفْسِه الواسعة: أنها شَملت كلَّ ناحيةٍ من نواحي العاطفةِ الإنسانية، وهي المقياسُ الذي يُبدي من العظمةِ ما يُبديه الجِدُّ في أعظمِ الأعمال .. لقد نَهَض رسولُنا ﷺ بأعظم الأمور؛ وهو إقامةُ دينِ اللهِ وإصلاحُ الثقليْن، وتحويلُ مجرى التاريخ، ثم يَطيبُ نَفسًا في مُزاحٍ مع إخوانه أو مع أولاده أو مع عَبيده، فكان المثالَ الفذَّ في كلِّ هذا .. وأريحيَّةً لا تُدانيها أريحية، تدلُّ على منتهى نقاءِ السريرة في بني الإنسان.
* عظمةُ العَظَماتِ عند رسولنا ﷺ -:
لقد تمَّت لرسول الله ﷺ معجزتُه التي لم يصارعْه فيها أحد قبله .. لقد رَبَّى رسول الله ﷺ نُخبةً من ذوي الأقدار تجمعُ بين عظمةِ الحَسَبِ، وعظمةِ الثروة، وعَظَمة الرأي، وعَظَمة الهمة، وكلٌّ منهم ذو شأنٍ في عظمته تقومُ عليه دولة وتَنهضُ به أُمَّة؛ كما أثبت التاريخُ من سِيَر أبي بكر وعمرَ وعثمانَ وعلي، وأبي عُبيدة وسعدٍ والزبيرِ وطلحة، وخالدٍ وأسامةَ وابنِ العاص ﵃ .. وسائر الصحابة الأوَّلِين ..
أئمَّةٌ شرَّفَ اللهُ الوجودَ بهمْ … سامُوا العلا فسَمَوْا فوقَ العلا رُتَبَا
стр. 115
ربما عَظُم الرجُل في مَزِيَّةٍ من المزايا، فأحاط به الأصدقاءُ والمريدون من النابغين في تلك المزيَّة، كإحاطةِ الحكماءِ بسقراطَ .. بل ربَّما أحاط الصالحون بالنبي العظيم كما أحاط الحواريون بالمسيح ﵇، وكلُّهم من معدِنٍ واحدٍ وبيئة واحدة .. أمَّا عظمةُ العظَمات، فهي تلك التي تجذبُ إليها الأصحابَ النابغين في كلِّ معدنٍ وكلِّ طراز، بل تربِّي الأصحابَ، وتستشفُّ قدراتِ كلِّ منهم، وتؤهله لإبراز هذه المزية .. تربيةً تخرج رجالاً يتفاوتون في مزاياهم مثلَ التفاوتِ الذي بين أبي بكر وعمر، وبين عثمانَ وعلي، وبين خالدٍ ومعاذ، وأسامةَ وابنِ العاص؛ كلُّهم عظيم، وكلُّهم مع ذلك مُخالِفٌ في وَصْفِ العظمةِ لسواه.
تلك هي العظمةُ التي اتَّسعت آفاقها وتعدَّدت نواحيها، حتى أصبحت قُطْبًا جاذِبًا لكلِّ معدِن، وأصبحت تَجمع في تربيتها لأصحابها بين البأس والحِلْم، وحِنْكَة المسِنِّ وحَمِيَّة الشباب.
° ولله درُّ مَن قال:
يبني الرجالَ وغيرُهُ يبني القُرَى … شَتَّانَ بين قُرًى وبين رجالِ
° لقد كان رسول الله ﷺ أصفى الناسِ بصيرةً، فاستخرج مكنوناتِ وذخائرَ الصحابة -كلٌّ على قَدْرِه-، صِدْقُ الصدَّيق، وحياءُ عثمان، وصراحةُ الفاروق وهيبته وشِدَّته، وزُهْدُ عليٍّ، وشجاعةُ الزبير، وأمانةُ أبي عبيدة، وسخاءُ طلحة، وتواضُع أبي ذَرٍّ، وحكمةُ أبي الدرداء، وعِلْمُ معاذ، وإيمانُ عمَّار، وعُلُوُّ هِمة سلْمان، وتبتُّل ابنِ مظعون، وصِدْقُ سعدِ ابنِ معاذ، وصلاحُ وجُودُ ابن الزبير .. وكلُّ خصلةٍ من هذه الخصال خيرٌ من الدنيا وما فيها.
стр. 116
ربَّاهم الرسول ﷺ وهو أدرى الناسِ بالرجال، فظهر منهم الجيلُ القرآني الفريد؛ "ما كان حديثًا يُفترى، ولا فُتُونًا يتردَّد، ذلك الحديث الذي رَوى به التاريخُ أنباءَ أعظم ثُلَّةٍ ظَهَرتْ في دنيا العقيدة والإيمان!! فالعظمةُ الباهرةُ لأولئك الرجال الشاهقين من أصحاب رسول الله ﷺ ليستْ أساطير، وإن بدَت من فرْطِ إعجازها كالأساطير!!!.
إنها عظمةُ ما غَرَسه رسولُ الله ﷺ فيهم لتسموَ وتتألَّق، لا بقَدْرِ ما يريدُ لها الكُتَّابُ والواصفون، بل بقَدْرِ ما أراد لها أصحابُها وذَووها، وبقدْر ما بذَلوا في سبيل التفوق والكمال؛ مِن جَهدٍ خارقٍ مبرور.
ولا يزعم أيُّ إنسان لنفسِهِ القُدرةَ على تقديم هذه العظمةِ كاملةً .. إذ حَسبه أن يُومِئَ إلى علوِّ هِمَّتهم وسماتِ عظمتهم، ويتطلَّعَ إلى سمائها.
لم يشهدِ التاريخُ -ولنْ يشهد- رجالاً مِثلَ صحابة رسول الله ﷺ ، رباهم نبيُّهم ومعلِّمُهم ﷺ على غاياتٍ تنهاتْ في العدالة والسموِّ، وعقدوا على ذلك عزْمَهم ونواياهم، ونَذَروا لها حياتَهم على نسَقٍ تناهى في الجَسارة والتضحية، والبذْل ومكارمِ الأَخلاق.
لقد جاء رسولُ الله ﷺ الحياةَ وجاؤوا معه في أوانهم المرْتَقَب، ويومِهم الموعود؛ لقد كان أصحابُ محمدٍ ﷺ ذخائرَ الله من خلْقه، وخيرَ قرونِ هذه الأمة.
كيف أنْجَزَ رسولُ الله ﷺ بهم ومعهم ما أنجزه في بِضْع سنين؟! كيف دمدموا على العالَم بإمبراطوريَّاتِه وصَوْلَجَانه، وحَوَّلوه إلى كِثيبٍ مهيل؟!.
كيف شادوا بالقرآن -كلماتِ الله- عالَمًا جديدًا، يهتزُّ نَضْرةً ويتألقُّ
стр. 117
عظمةً ويتفوَّقُ اقتدارًا؟!.
وقبل هذا كلِّه، وفوق هذا كلِّه: كيف استطاعوا في مِثْلِ سرعةِ الضوءِ أن يُضيؤوا الضميرَ الإِنسانيَّ بحقيقةِ التوحيد، ويكنِسوا منه إلى الأبد وثنية القرون؟!.
تلك هي معجزةُ نبيِّهم ﷺ وكراماتهم الحقَّة.
إن معجزةَ المعجزاتِ تتمثَّل في تلك التربيةِ التي ربَّاهم نبيُّهم ﷺ عليها وصاغ بها فضائلَهم، واعتصموا هُمْ بإيمانهم على نحوٍ يَجِلُّ عن النظير!!.
على أن كلَّ معجزاتِهم التي حقَّقوها، لم تكن سِوى انعكاسٍ متواضع للمعجزة الكبرى التي أهلَّتَ على الدنيا يومَ أَذِن الله لقرآنه الكريم أنه يتنزَّل، ولرسوله الأمين ﷺ أن يُبلِّغ؛ ولموْكبِ الإِسلام أن يبدأ على طريقِ النور خُطاه!!.
لقد ربَّى الأمينُ -كلُّ الأمين- ﷺ أولئك الرجالَ الأبرار، لنستقبلَ فيهم أروعَ نماذجِ البشريةِ الفاضلةِ وأبهاها .. ولِنرى تحتَ الأسمالِ المتواضعةِ أسمى ما عرفتِ الدنيا من عظمةٍ ورُشد .. فللَّه درُّهم من كتائبِ حقٍّ طوْتِ العالَمَ بإيمانها، زاحمةً جوَّ السماء براياتها تُعلِنُ للكونِ كلِّه: كمْ كانت همَّةَ مَن ربَّاهم ﷺ عاليةً .. وكم كانت شمائلُه غاليةً .. وكمْ كانت حياتُه ساميةً .. وكم كانت أمانته زاهية!!.
بأبي هوْ وأُمي!! كم علَتْ همَّته في البَذْل الذي بَذَل، والهَولِ الذي احتمل؛ لتحرير البشرية من وثنية الشركِ والضمير، وضياع المصير .. فجزاه الله خيرَ ما جزى نبيًّا عن أُمته .. وجَعَله أعلى النبيين درجة، وأَقربَهم منه وسيلةَ، وأعظمَهم عنده جاهًا، وتوفَّانا على ملَّته، وعرَّفَنا
стр. 118
وَجْهَه في رِضوانه والجنة، وحشَرَنا معه غيرَ خزايا ولا نادمين، ولا شاكِّين ولا مبدِّلين ولا مرتابين".
* السلام عليك أيها النبيُّ ورحمةُ الله وبركاته:
° للإِمام ابن القيم ذوقٌ عالٍ، وهو يُبينُ الحكمة في السلام على النبي ﷺ في التشهُّد بصيغة الخطاب، فقال ﵀: "وأمَّا السلام عليه، فأتى بلفظِ الحاضرِ المُخَاطَب تنزيلاً له منزلةَ المُواجَه لحكمةٍ بديعةٍ جدًّا؛ وهي أنَّه لما كان أَحبَّ إلى المؤمن من نفسِه التي بيْن جنبيْه، وأَوْلَى به منها، وأقربَ، وكانت حقيقتُه الذِّهنيةُ ومثالُه العِلميُّ موجودًا في قلبه بحيث لا يَغيبُ عنه إلاَّ شخصه كما قال القائل:
مِثالُك في عَيني وذِكرُك في فَمي … ومَثْوَاك في قلبي فأين تغيبُ!
ومَن كان بهذه الحال فهو الحاضرُ حقًّا، وغيرُه -وإن كان حاضرًا للعيان- فهو غائبٌ عن الجَنان، فكان خِطابُه خطابَ المواجهةِ والحضورِ بالسلام عليه أَوْلَى من سلامِ الغَيبة، تنزيلاً له منزلةَ المواجَهِ المعايَنِ لقربه من القلب، وحلوله في جميع أجزائه بحيث لا يبقى في القلب جزءٌ إلاَّ ومحبَّته وذِكرُه فيه، كما قيل: "لو شُقَّ عن قلبي يُرى وسطَه ذكرُك"، ولا يُستنكر استيلاءُ المحبوبِ على قلب المحبِّ وغَلبتُه عليه حتى كأنه يراه، ولهذا تجدُهم في خطابهم لمحبوبهم إنما يعتمدون خطابَ الحضور والمشاهَدة مع غايةِ البُعد العياني لكمالِ القرب الرُّوحي، فلم يَمْنَعْهم بُعْدُ الأشباحِ عن محادثةِ الأرواح ومخاطبتها، ومَن كثُفت طباعُه فهو عن هذا كلِّه بمعزل، وإنه لَيَبلغُ الحبُّ ببعضِ أهلِه أن يَرى محبوبَه في القرب إليه بمنزلة رُوحه التي لا شيء
стр. 119
أدنى إليه منها كما قيل:
يا مقيمًا مدى الزمانِ بقلبي … وبعيدًا عن ناظري وعياني
أنت رُوحي إن كنتُ لستُ أراها … فهيَ أدْنى إِليَّ من كلِّ دانِي
° وقال آخر:
يا ثاويًا بين الجوانح والحَشَا … منِّي وإنْ بَعُدَتْ عَلَيَّ ديارهُ
° وإنه لَيَلْطُفُ شأنُ المحبَّة حتى يرى أنه أدْنَى إليه وأقربُ من رُوحه، ولي من أبياتٍ تلمُّ بذلك:
وأدْنَى إلى الصَّبِّ مِن نفسِه … وإنْ كانَ عن عينه نائيا
ومَن كان مع حُبِّهِ هكذَا … فأنَّى يكون له ساليا
ثم يلطفُ شأنُها وَيقهرُ سلطانُها حتى يغيب المحبُّ بمحبوبهِ عن نفسِه، فلا يشعر إلاَّ بمحبوبه ولا يشعر بنفسه" (١).
* لا تنقطع عن نبيِّك الكرِيم ﷺ ولو ثانيةً من الزمان .. وعِش فيه أبدًا:
° قال الرافعيُّ ﵀: "عجيبٌ أن يجهلَ المسلمون حِكمةَ ذِكرِ النبي العظيم ﷺ خمسَ مراتٍ في الأذان كلَّ يوم، يُنادَى باسمه الشريف ملءَ الجو؛ ثم حكمةَ ذِكرِه في كل صلاةٍ من الفريضة والسنة والنافلة، يُهمَس باسمِه الكريم ملءَ النَفْس! وهل الحكمةُ من ذلك إلاَّ الفرضُ عليهم ألاَّ ينقطعوا من نبيهم ولا يومًا واحدًا من التاريخ، ولا جُزْءً وحِدًا من اليوم، فيمتد الزمنُ مهما امتدَّ والإسلامُ كأنه على أَوَّله، وكأَنَّه في يومِه لا في دَهْرٍ بعيد، والمسلمُ كأنه مع نبيِّه بين يديْه تبعثُه رُوح الرسالة، ويَسطعُ في نفسِه
стр. 120
إشراقُ النُّبوَّة، فيكونُ دائمًا في أمره كالمُسلِم الأوَّل الذي غَير وجه الأرض، ويظهرُ هذا المسلمُ الأولُ بأخلاقه وفضائله وَحَمِيته في كل بقعةٍ من الدنيا مكانَ إنسانِ هذه البقعة، لا كما نرى اليوم؛ فإن كلَّ أرض إسلاميةٍ يكادُ لا يظهر فيها إلاَّ إنسانُها التاريخي بجهله وخرافاتِه وما وَرِث مِن القِدَم؛ فهنا المسلمُ الفرعوني، وفي ناحيةٍ المسلمُ الوثني، وفي بلدٍ المسلمُ المجوسي، وفي جهةٍ المسلمُ المعطَّل .. وما يريدُ الإسلامُ إلا نفسَ المسلم الإنساني.
أيها المسلم!.
لا تنقطعْ من نبيك العظيم، وعِشْ فيه أبدًا، واجعَلْه مَثَلَكَ الأعْلَى؛ وحين تذكرُه في كل وقت فكُن كأنك بن يديْه؛ كنْ دائمًا كالمسلم الأول؛ كنْ دائمًا ابنَ المُعْجِزَة ..
أُحَيْبابَ قلبي هل سواكم لِعِلَّتي … طبيبٌ بداءِ الهائمين خَبيرُ؟!
جيوشُ هُدَاكمُ كل لَمْحَةِ ناظِرٍ … على حضنِ قلبي بالغرام تُغيرُ
ودَمْعي غزيرُ السَّكْب في عَرَصاتِكُمْ … فكيفَ أَكُفُّ الدَّمْعَ وهوَ غزيرُ!
وإن تباريحي بكم وصَبَابتي … لَهُنَّ رَواحٌ في الحشا وبُكورُ
أَحِنُّ إذا غَنَّت حمائِمُ رَوْضِكم … وينزعُ قلبي نحوَكم ويَطيرُ
عَدِمنا على الدنيا وجودَ نَظيركُم … لقدْ قل مَوْجودٌ وعَزَّ نظيرُ
وكيف يسامَى خيرُ مَن وطئ الثرَى … وفي كل باعٍ عن عُلاكَ قُصورُ
وكل شريفٍ عندكم متواضِعٌ … وكُلُّ عظيم القَرْيَتين حقيرُ
إذا ذُكر ارتاحتْ قلوبٌ لذكركم … وطابتْ نفوسٌ وانشَرَحْنَ صدورُ
* * *
стр. 121
* تَضيقُ بنا الدنيا إِذا غبتُمُ عنا:
العيشُ مع محمد ﷺ يَسكُبُ في القلوب الطاهرةِ أجملَ ما يُسكَب ..
فأيُّ طمأنينةٍ وأيُّ سكينةٍ يُفيضُها على القلب؟! وأيُّ ثقةٍ في الحق والخيرِ والصلاح؟! وأيُّ قوةٍ واستعلاءٍ على الواقع الصغير يسكبُها في الضمير؟!.
العيشُ مع محمدٍ رسول الله ﷺ وسُنَّتِه نعمة ترفع العمرَ وتُباركه وتُزكِّيه، يَعيشُ المسلمُ هادئَ النفس .. مطمئنَّ السريرة، قريرَ الضمير، في ملاذٍ أمين، ونجوةٍ من الهواجس والوساوسِ والشياطين .. فعِشْ معه ﷺ ، وفيه، ولا تَغِبْ عنه طرفةَ عين ..
تَضيقُ بنا الدُّنْيَا إذا غِبْتُمُو عَنَّا … وَتْزهَقُ بالأشواقِ أرواحُنا مِنَّا
بعادكمُ مَوْتٌ وقُرْبُكُمو حَيَا … وإِنْ غبْتُمو عَنَّا ولوْ نَفَسًا متْنَا
نعيشُ بذكْراكمْ إِذا لَمْ نَرَاكُمُو … أَلَا إِنَّ تِذْكارَ الأحِبَّةِ يُنْعشنَا
يُحَرِّكُنَا ذَكرُ الأحاديثِ عَنْكُمُو … ولولا هَواكُم في الحَشَا ما تَحَرَّكنَا
ولولا مَعَانِيكم تَرَاها قلوبُنا … إذا نحنُ أيقَاظٌ وفِي الليل إِنْ نِمْنَا
نموتُ أسًى من بُعْدِكُم وصَبابَةً … ولكنَّ في المعنى مَعَانِيكمُو مَعْنَا
إِذَا لم تَذُقْ ما ذاقتِ النَّاسُ فِي الهَوَى … فَبِاللَّهِ يا خاليَ الحَشَا لا تُعنِّفْنَا
أما تَنْظُرُ الطَّيْرَ المُقَفَّصَ يا فَتَى … إِذَا ذكَر الأوطانَ حَنَّ إلى المَغْنَى؟!
وَفَرَّجَ بالتَّغْرِيدِ مَا في فُؤادِهِ … فيُفْلِقُ أربابَ القُلوب إذا غَنَّى
كذلكَ أرواحُ المُحِبِّين يا فَتَى … تُهزْهزُها الأشواقُ لنبيِّنا الأسْنَى
° "فسبحان مَن جَعَل الرسولَ ﷺ لأدواءِ القلوب شافيًا، وإلى الإيمان وحقائقه مناديًا، وإلى الحياة الأبديَّةِ والنعيمِ المقيمِ داعيًا، وإلى طريق الرشاد
стр. 122
هاديًا .. لقد أسمع منادي الإيمان ﷺ لو صادف آذانًا واعية، وشفت مواعظُ القرآن لو وافقت قلوبًا خالية، ولكن عَصَفَتْ على القلوب أَهوِيةُ الشبهاتِ والشهوات، فأطفأت مصابيحَها، وتمكَّنت منها أيدي الغفلة والجهالة فأغلقت أبوابَ رُشدِها وأضاعت مفاتيحها، وران عليها كسبُها فلم ينفعْ فيها الكلام، وسَكِرت بشهوات الغَيِّ وشبهاتِ الباطل، فلم تُصْغِ إلى الملام، ووُعِظت بمواعظَ أنكى فيها من الأسِنَّة والسِّهام، ولكن ماتت في بحرِ الجهل والغفلة، وأَسْرِ الهوى والشهوة، وما لِجُرحٍ بميت إيلام" (١).
* * *
رَقَدُوا، وَغَرَّهُمُ نَعيمٌ باطِلٌ … وَنَعيمُ قَوْمٍ في القُيودِ بَلاءُ
ظَلَمُوا شَريعَتَكَ الَّتي نِلنا بِها … ما لَمْ يَنَلْ في رومةَ الفُقَهاءُ
مَشتِ الحَضارَةُ في سَناها، وَاهْتَدى … في الدِّين وَالدُّنيا بِها السُّعَداءُ
* * *
صَلَّى عَليْكَ الله ما صَحِبَ الدُّجى … حادٍ، وَحَنَّتْ بِالفَلا وَجْنَاءُ (١)
وَاسْتَقْبَلَ الرِّضْوانَ في غُرُفاتِهِم … بِجِنانِ عَدْنٍ آلُكَ السُّمَحاءُ
خَيْرُ الوَسائِلِ، مَنْ يَقَعْ مِنْهُمْ عَلى … سَبَبٍ إلَيْكَ فَحَسْبِيَ "الزَّهْراءُ" (٢)(٣)
* * *
стр. 135
إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ
стр. 136
﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾
° شائِنو محمدٍ ﷺ وجاحدو نبوَّتِه على مدارِ التاريخ هم حُثالةٌ من الرَّعاع والأقزام، تطاوَلوا على قَدْرِ عَلَم الأعلام، وسيِّد الأنام ﷺ ، وارتكسوا في الحمأةِ الوبيئة .. فأين هم من نداءِ محمدٍ العُلويِّ الجميل الذي يبارِكُ العُمرَ ويرفعُه ويُزكِّيه؟.
° شائِنو محمد ﷺ يعيشون في المستنقع الآسِن، وفي الدَّرْك الهابط، وفي الظلامَ البهيم .. فأين هم من المَرتَع الزكيِّ، والنورِ الوَضيئ، وذلك المرتقى العالي؟.
° شائِنو محمدٍ رسول الله الكريم ﷺ ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٧].
° شائِنو محمد ﷺ كبارُ المُخادعين .. أغفالٌ يَخدعون البشريَّةَ وأنفُسَهم حين يَصُدُّوها عن هاديها إلى طريقِ الحقِّ ﷺ .. هم داءُ البشرية ومَرَضُها، ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠].
° شائِنو محمد ﷺ موتى القلوب، لا وصفَ لقساوةِ قلوبهم وغلظتِها، وموتها وجفافها، وعَتَمتها وظلامها.
* قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
مَن شرح الله صَدْرَه للإِسلام ولهَدْي محمد ﷺ فللَّهِ ما أجملَ انشراحَ
стр. 137
صدِره، وتفتُّحَه ونداوتَه وبشاشتَه!! ومَن يُرِدْ أن يُضِلَّه فصدرُه مغلقٌ مطموس، ضيِّق، عنده من كُربةِ الصَّدْر، والرَّهَق المُضني ما ينوءُ به، فالكفرُ انكماشٌ وتحجُّرٌ، وضِيقٌ، وشُرود، وعُسرٌ، وجَهدٌ، ومشقة.
ومن معاني الرِّجس: العذاب، ومن معانيه: الارتكاس، يرتكسُ في العذاب، ويعودُ إليه ولا يفارقه.
° شائِنو محمدٍ ﷺ هم نَبْتةٌ ضالةٌ شيطانيةٌ، لا وشائجَ لها في تربةِ هذا الوجود ولا جذور، انقطعت صِلتهم بخالقِ الوجود بعد كُفرهم برسوله ﷺ ، فهو منقطعُ الصِّلةِ بالوجود، لا تربطه به إلاَّ روابطُ هزيلةٌ من وجودِه الفرديِّ المحدود، في أضيق الحدود، في الحدود التي تعيش فيها البهيمة، حدودِ الحِسِّ وما يُدركُه الحسُّ من ظاهرِ هذا الوجود .. والمؤمنون بمحمدٍ ﷺ وبرسالته وثيقو الصِّلةِ بالوجود، وبموكبِ الإِيمان الضارب في جذورِ الزمان، الموصول على مدارِ الزمان، فهم في ثراءٍ من الوشائج، وفي ثراءٍ من الروابط، وفي ثراءٍ من "الوجود" الزاخر الممتد اللاحب الذي لا يقفُ عند أعمارِهم المحدودة.
شتَّان بين هؤلاء وهؤلاء!!.
° شائِنو محمدٍ ﷺ عَمِيت قلوبُهم، وعندهم العمى، كلُّ العمى، وعميت بصائرهم، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: ١٩]، عَمِيتْ قلوبُهم، وعَمُوا عن رؤيةِ دلائل الحقِّ، وعَمُوا عن رؤية حقيقةِ الوجود، وحقيقة الارتباطات فيه، وحقيقةِ القِيَم والأشخاصِ والأحداثِ والأشياء.
стр. 138
قلوبٌ خامدةٌ جامدةٌ قاسيةٌ متبلِّدة، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]، مَن يعيشون بقلوبٍ مَيتةٍ فهم كأهل القبور .. واعجبًا للناس! يبكون على مَن مات جَسَده، ولا يبكون على من مات قلبه -وهو أشدُّ-!.
وقلوبُ مُحبِّيهِ أشرقت فيها الأنوارُ وخَشَعت لذكر الله، أحيى الله بمحمدٍ ﷺ أرضَ هذه القلوب بعد موتها، فنبضت بالحياة، وزَخِرت بالنبت والزَّهْر، ومَنَحت الأُكُل والثمار.
° شائِنو محمدٍ ﷺ في الظلمات حياتُهم ومماتُهم، فعندما يَبعدُ الناسُ عن نورِ الإيَمان يَقعُون في شتَّى أنواعِ الظلمات وأشكالها .. ظلماتٌ تعِزُّ فيها الرؤيةُ الصحيحة لشيءٍ من الأشياء، ظلمةُ الجهل، وظُلْمة الكفر، وظُلْمة الظُّلْم، وظُلْمةُ اتباع الهوى، وظلمةُ الشك والريب، وظلمة الجحود، وظلمة الإِعراض عن الحق الذي بعث الله به رسوله ﷺ ، والنور الذي أنزله معه ليُخرجَ الناسَ من الظلماتِ إلى النور، وظلمةُ الشبهات والخرافات، والأساطير والتصوُّرات، وظلمةُ الشهوات والنزعات والاندفاعات في التِّيه، وظلمة الحَيرة والقلق والانقطاع عن الهدى، والوحشةِ من الجَنَاب الآمنِ المأنوس، وظلمة اضطراب القيم، وتخلخل الأحكام والقيم والموازين .. فهم أعداءُ النور.
لا يشرِقُ النورُ أمامَ ثُقلة الطين في كيانهم، وظلمةِ التراب، وكثافةِ اللحم والدمِ، وعرامةِ الشهوةِ والنزوةِ الخبيثة، لَبْسٌ في الرؤية، وتردُّد في الخُطوةَ، وحيرةٌ وشرودٌ في الاتجاه، وطريقٌ بهيمٌ لا معالِمَ فيه.
° وأمَّا المؤمنون بمحمد ﷺ ، فقد عرفوا النورَ من طريقه وصراطِه
стр. 139
وكتابِه، فخالطت بشاشةُ الإِيمان وأنوارُه قلوبَهم، يعرفونها ولا يَملِكون بالكلماتِ أن يَنقِلوها إلى الآخَرين الذين لم يَعرِفوها؛ لأنها لا تُنقل بالكلمات، إنما تَسري في القلب فيستروحُها، ويَهَشُّ لها، ويندَى بها، ويَستريحُ إليها، ويستشعر الطمأنينة والسلام.
° شانئو محمد ﷺ حياتهم هجيرٌ قائظ، وشُواظٌ يَلفحُ قلوبَهم قَبلَ الوجوه، هاجرةُ الكفر وحَرورُه .. تلفحُ قلوبَهم فيه لوافحُ الحَيرة والقلق وعدمِ الاستقرار على هدف، وعدم الاطمئنان إلى نشأةٍ أو مصير، ثم تنتهي إلى حرِّ جهنم ولفحةِ العَذاب هناك .. ليس أشقى على وجه الأرضِ منهم وقد حُرِموا طمأئينةَ الأُنسِ بالله .. ليس أحدٌ أشقى منهم وهم ينطلقون في هذه الأرض مَبتوري الصِّلة بما حولَهم في الكون؛ لأنهم انفَصَموا عن العُروة الوثقى التي تربِطُهم بالله، ليس أشقى في الحياة ممَّن يَشُقُّ طريقَه وحيدًا شريدًا في فلاة، عليه أن يكافحَ وحدَه بلا ناصرٍ ولا هادٍ ولا مُعين.
° شانئو محمد ﷺ هم داءُ البشرية .. هم الوسوسةُ والقلقُ والحَيرة، والقلقُ مرضٌ، والحَيرة نَصَب، والوسوسةُ داء، فأين هم من محمدٍ ﷺ رحمةِ الله المهداة، الذي يَصِلُ القلوبَ الطاهرةَ بالله، فترضى وتستروحُ الرِّضا من الله، والرِّضا عن الحياة؟!.
° شانئو محمدٍ ﷺ كلُّهم هَوًى ودَنَسٌ وطَمَعٌ وحَسَد، ونزعاتُ الشياطين في أنفسٍ لئيمة خبيثة.
° شانئو محمدٍ ﷺ حياتهم كلُّها ضَنْك .. ضَنْكُ الانقطاعِ عن الاتِّصال بالله، والاطمئنانِ إلى حِماه، ضنكُ الحيرةِ والقلقِ والشكِّ، ضنكُ
стр. 140
الحرصِ والحَذَرِ والحسرةِ على كلِّ ما يفوت.
° شانئو محمدٍ ﷺ مَوْتَى الضمير .. انقطعوا بكُفرهم عن مَصدرِ الحياة الأصيل بتكذيبهم لِمَن أرسله، وانفَصَلوا عن الطريق الواصل.
° شانئو محمد سيِّد البشر ﷺ هم الظالمون المُظلِمون .. الفاسدون المُفسدون .. المتبَجِّحون السفهاءُ الأدعياء .. أفسدوا البشريةَ أشنعَ الفساد، واختلَّت بأيديهم كل الموازينِ والقيم .. يأنفون منَ التسليم للرسول ﷺ ورسالته، ولا يَرْضونه لمقاماتهم العِليَّة!! ينظرون إليه بأنَفَةٍ وهم السفهاءُ، ومتى عَلِم السَّفيهُ أنه سفيه؟! ومتى استشعر المنحرفُ أنه بعيدٌ عن المَسْلَك القويم؟! عندهم كلُّ اللؤمِ والمكرِ السيِّئِ والضعفِ والخسَّةِ والخُبثِ والخداع .. غمَّازون لمَّازون.
° شانئو محمد ﷺ : ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥] .. وما أبأسَ مَن يستهزئُ به جبَّارُ السمواتِ والأرضِ وما أشقاه!! يَخبطون على غير هُدًى في طريقٍ نَكِدٍ مُظلِم، لا يعرفون غايتَه، وتتلقَّفُهم أيدي الملائكة في نهايته يَضربون وجوهَهم وأدبارَهم .. فهم كالفئران الهزيلة تتواثبُ في الفخِّ، غافلةً عن المقبض المكين .. وهذا هو الاستهزاءُ الرعيب، والمصيرُ الذي تقشعِرُّ مِن هَولِه القلوب، ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور: ٣٩].
° شانئو محمد ﷺ أعرضوا عن كلِّ هُدى، وصَمُّوا آذانَهم عن السماع، وعيونَهم عن الرؤية، وعطَّلوا ألسنَتهم، فهم بُكْمٌ، لا رَجعةَ لهم إلى الحق، ولا هدايةَ لهم إلى النور، ولا أوْبَةَ لهم إلى الهدى.
стр. 141
° شانئو محمدٍ ﷺ هم أعداءُ الفطرة .. أعداءُ البشريَّة والحياة.
إنَّ هذه البشرية -وهي مِن صنْع الله- لا تفتحُ مغاليقُ فطرتِها إلاَّ بمفاتيحَ من صنع الله، ولا تُعالج أمراضُها وعِلَلها إلاَّ بالدواء الذي يَخرجُ من يده -سبحانه-، وقد جَعل في منهج الإسلام الذي أرسل به محمدًا ﷺ وحدَه مفاتيحَ كلِّ مُغلق، وشفاءَ كلِّ داء، ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، ولكن هذه البشريةَ لا تريدُ أن تَرُد القفلَ إلىَ صانعه، ولا أن تَذهبَ بالمريض إلى مُبدِعه، ولا تَسلكَ في أمرِ نفسِها، ولا في أمرِ إنسانيَّتها، وفي أمر سعادتها أو شِقْوَتِها ما تعوَّدت أن تسلكَه في أمرِ الأجهزة والآلات الماديَّة الزهيدة التي تستخدمها في حاجاتها اليوميَّة الصغيرة.
ومن هنا جاءت الشِّقْوةُ للبشرية الضالَّة .. البشريةِ المسكينة الحائرة، البشريةِ التي لن تجد الهدى، ولن تجدَ الراحة، ولن تجدَ السعادة، إلاَّ حين تَردُّ الفطرةَ البشريةَ إلى خالقها الكبير .. وتنحيةُ الإسلام ورسولِه ﷺ عن قيادةِ البشرية نكبةٌ قاصمة، نكبة لم تعرفْ لها البشريةُ نظيرًا في كل ما ألَمَّ بها من نكبات .. نكبةٌ فسَدَت بها الأرضُ، وأسنت الحياة، وتعفَّنت القيادات، وذاقت البشرية الويلاتِ من القيادات المتعَفِّنة، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس.
° شانئو محمدٍ ﷺ أعداء "السلام": ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ
стр. 142
وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦].
﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾: ما أدقَّ هذا التعبيرَ وأصدقَه! إنه "السلام"، هو ما يسكبُه محمدٌ ﷺ ودينُه في الحياة كلِّها .. سلامُ الفرد، وسلامُ الجماعة، وسلامُ العالَم .. سلامُ الضمير، وسلامُ العقل، وسلامُ الجوارح .. سلامُ البيت والأسرة، وسلامُ المجتمع والأمَّة، وسلامُ البشرِ والإنسانية .. السلامُ مع الحياة، والسلامُ مع الكون، والسلامُ مع اللهِ ربِّ الكونِ والحياة .. السلامُ الذي لا تجدُه البشرية -ولم تجِدْه يومًا- إلاَّ في هذا الدين؛ وإلاَّ في مَنهجه ونِظامه وشريعتِه، ومجتمعِه الذي يقومُ على عقيدته وشريعته.
ولا يُدرِكُ عُمقَ هذه الحقيقة ومذاقَها المُريحَ كما يُدرِكُها مَن ذاق سُبلَ الحرب في الجاهليَّات قديمًا، أو الجاهليَّة الصليبية أو اليهودية حديثًا .. لا يدرِكُ عُمقَ هذه الحقيقةِ كما يدركها مَن ذاق حَربَ القلقِ الناشئِ عن عقائدِ الجاهلية في أعماقِ الضمير .. وحربِ القلقِ الناشئِ من شرائع الجاهليةِ وتخبُّطِها في أوضاعِ الحياة، والويلاتِ التي تذوقها البشرية من كلِّ ألوان الحروب في الضمائر والمجتمعات قرونًا بعد قرون .. وفاءَ مَن سَبَقَ له من ربِّه الحسنى إلى ظلالِ السلام في الإِسلام .. سلام يَرِفُّ في حَنايا السريرة، وسلامٌ يُظلِّلُ الحياة والمجتمعَ، وسلامٌ في الأرض، وسلامٌ في السماء.
أولَ ما يَفيضُ هذا السلام على القلب وينشأُ من اعتقادٍ صحيح عن إلهه وربِّه، فلا يخاف غيرَه، ولا يَخْشى سواه من كلِّ قوةٍ زائفةٍ زائلة .. ويَفيضُ السلامُ على القلب حين يعلم العلاقةَ بين العبدِ وربِّه، وبين الخالق والكون.
стр. 143
العقيدةُ التي تقفُ بصاحبها أمامَ النَبْتَةِ الصغيرة، وهي توحي إليه أنَّ له أجرًا حين يَرويها من عطش، وحين يُعينها على النماء، وحين يُزيلُ من طريقها العقبات: هي عقيدةٌ جميلة -فوق أنها عقيدةٌ كريمة-، عقيدةٌ تسكبُ في رُوحه السلام، وتُطلِقُه يُعانقُ الوجودَ كلَّه، ويُشيعُ مِن حوله الأمنَ والرِّفقَ، والحبَّ والسلام.
° وعقيدة الإِسلام في اليوم الآخِر، والعدلِ المطلَقِ والجزاءِ الأوفى عند الله، فلا قلق، ولا سُخْط، ولا قنوط إذا لم يُوفَّ حقَّه في هذه العاجلة بمقاييس الناس، هذا بدلاً من الصِّراع المجنون العموم الذي تُداس فيه الحرماتُ بلا تحرُّجٍ ولا حياءٍ من لصوصِ الصليبيِّين واليهود، لصوصِ المغارات أبناء الحيَّات والأفاعي.
° وغايةُ الوجود في الإِسلام عبادةُ الله في كلِّ لحظةٍ من لحظاتِ حياته، وبكلِّ نَبضٍ في جوارحه، فترفعُه العبادة إلى أُفقِها الوضيء، ترفعُ شعورَه وضميرَه، وترفعُ نشاطَه وعملَه، فهو يَعبدُ في كلِّ خُطوة، وهو يحقِّقُ غايةَ وجودِه في كلِّ خَطْرة، وهو يرتقي صُعُدًا إلى الله في كلِّ نشاطٍ وفي كل مجال، وهو يَسمعُ قولَ رسوله ﷺ : "إن الله تعالى يُحبُّ مَعَاليَ الأمور وأشرافَها، ويَكرهُ سَفْسَافها" (١).
فأوْلَى به ألاَّ يَغْدِرَ ولا يَفْجُر، وأوْلى به ألاَّ يَغِشَّ ولا يَخدع، وأَوْلى به ألاَّ يطغى وألاَّ يتجَبَّر، وأَوْلَى به ألاَّ يستخدمَ أداةً مُدَنَّسَةً ولا وسيلةً
стр. 144
خسيسة .. وأَوْلى به كذلك ألاَّ يستعجلَ المراحلَ، وألاَّ يتعسَّفَ الطريق.
° وشعورُ المؤمن بالقضاء والقَدَر، وأنه في طاعةِ الله، لتحقيقِ إرادةِ الله .. وما يَسكُبُه هذا الشعورُ في رُوحِه من الطمأنينة والسلام والاستقرار.
° والتكاليفُ التي يفرضُها الله على عبده كلُّها من الفِطرة، ولتصحيح الفطرة، لا تتجاوزُ الطاقةَ، ولا تتجاهلُ طبيعةَ الإِنسانِ وتركيبَه، ولا رُوحَه ولا جسده، تلبِّي حاجةَ الرُّوح والجسدِ في يُسرٍ وسماحة.
° والمجتمعُ المتوادُّ المتحابُّ المترابطُ المتكافل، هذا المجتمع الذي حقَّقه الأسلامُ في أرقى وأصفى صورةٍ تربِطُه آصِرةُ العقيدة، وتذوبُ فيه الأجناسُ والأوطانُ والألوانُ، فالمؤمنون إخوة.
° المجتمعُ الذي بناه رسولُ الله ﷺ لا تشيعُ فيه الفاحشة، ولا يتبجَّحُ فيه الإغراء، ولا ترُوحُ فيه الفتنة، ولا تلتفتُ الأعيُنُ فيه إلى العَوْرات، ولا ترِفُّ فيه الشهواتُ على الحرمات، ولا ينطلقُ فيه سُعارُ الجنسِ ولا عرامةُ اللحم والدم، فتأمنُ الزوجةُ على زوجها، ويأمنُ الزوجُ على زوجته، ويأمنُ الأولياءُ على حُرماتهم، ويأمنُ الجميعُ على أعصابهم وقلوبهم، حيث لا تقعُ العيونُ على المفاتن، ولا تقودُ العيونُ القلوبَ إلى المحارم، لا رغائبَ مكبوتة، ولا قلقَ للأعصاب، ولا أمراضَ للنفوس، وإنما مجتمعٌ نظيف عفيفٌ آمِنٌ ساكن، تَرِفُّ عليه أجنحةُ السِّلم والطُّهْر والأمان.
° وهو المجتمعُ الذي يكفلُ لكلِّ قادرٍ عملاً ورِزْقًا، ولكلِّ عاجزٍ ضمانة للعيش الكريم، ولكلِّ راغب في العِفَّة زوجةً صالحةً .. والذي يَعتبِرُ أهلَ كلِّ حيٍّ مسؤولين مسؤوليةً جنائيةً لو مات فيهم جائع، حتى لَيرى
стр. 145
بعضُ فقهاءِ الإسلام تغريمَهمُ الدِّية.
° المجتمع المسلم الذي بناه رسول الله ﷺ وأرسى قواعدَه في دنيا الإسلام عَبْرَ التاريخ: مجتمعٌ تكْفَل فيه حُريَّاتُ الناس وكراماتهم وحُرماتهم وأموالُهم بحكم الشرع الحنيف، بعد كفالتها بالتوجيه الرَّباني المُطاع .. فلا يُؤخذُ واحد فيه بالظِّنَّة، ولا يُتَسَوَّرُ على أحدٍ بيته، ولا يَتجسَّسُ على أحدٍ فيه متجَسِّسٌ، ولا يَذهبُ فيه دمٌ هَدَرًا، والقِصاصُ حاضر، ولا يَضيعُ فيه على أحدٍ مالُه سرقةً أوْ نَهْبًا، والحدودُ حاضرة، وعَدلُ اللهِ قائم.
° مجتمعٌ تَشِيعٌ فيه الشورى ويتساوى فيه الناس حُكَّامًا ومحكومين أمامَ شرع الله .
° لقد أقام النبيُّ ﷺ مجتمعًا لأول مرةٍ في التاريخ لا يعادلُه عَبْرَ التاريخ أيُّ مجتمع آخَرُ .. وأقامَ ﷺ دولةً كأحسنِ ما تُقامُ الدول، حتى استمرَّ امتدادُها لأكثرَ من ألفٍ وثلاثِمئةِ عام وهي مؤهَّلةٌ للعَودة والاستمرار، كمعجزةٍ باقيةٍ لإنسانٍ واحد، هي في الحقيقة من أعظم معجزاته التي غَفَل عنها الغافلون.
* قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى .. ﴾ الآية [الرعد: ٣١].
لقد صَنع رسولُ الله ﷺ بالقرآن الذي عليه وبسُنَّته المباركة في نفوس المؤمنين به -الذين تلقَّوا هذا الوحيَ العظيمَ وتكيَّفُوا به- أكثرَ من تسيير الجبال وتقطيع الأرض وإحياءِ الموتى .. لقد صَنَع في هذه النفوس وبهذه النفوس