← Сира

Сира · id 96964

وا محمداه إن شانئك هو الأبتر

سيد حسين العفاني

Полный текст (2 668 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

° شانئو محمدٍ ﷺ هم أعداءُ الفطرة .. أعداءُ البشريَّة والحياة. إنَّ هذه البشرية -وهي مِن صنْع الله- لا تفتحُ مغاليقُ فطرتِها إلاَّ بمفاتيحَ من صنع الله، ولا تُعالج أمراضُها وعِلَلها إلاَّ بالدواء الذي يَخرجُ من يده -سبحانه-، وقد جَعل في منهج الإسلام الذي أرسل به محمدًا ﷺ وحدَه مفاتيحَ كلِّ مُغلق، وشفاءَ كلِّ داء، ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، ولكن هذه البشريةَ لا تريدُ أن تَرُد القفلَ إلىَ صانعه، ولا أن تَذهبَ بالمريض إلى مُبدِعه، ولا تَسلكَ في أمرِ نفسِها، ولا في أمرِ إنسانيَّتها، وفي أمر سعادتها أو شِقْوَتِها ما تعوَّدت أن تسلكَه في أمرِ الأجهزة والآلات الماديَّة الزهيدة التي تستخدمها في حاجاتها اليوميَّة الصغيرة. ومن هنا جاءت الشِّقْوةُ للبشرية الضالَّة .. البشريةِ المسكينة الحائرة، البشريةِ التي لن تجد الهدى، ولن تجدَ الراحة، ولن تجدَ السعادة، إلاَّ حين تَردُّ الفطرةَ البشريةَ إلى خالقها الكبير .. وتنحيةُ الإسلام ورسولِه ﷺ عن قيادةِ البشرية نكبةٌ قاصمة، نكبة لم تعرفْ لها البشريةُ نظيرًا في كل ما ألَمَّ بها من نكبات .. نكبةٌ فسَدَت بها الأرضُ، وأسنت الحياة، وتعفَّنت القيادات، وذاقت البشرية الويلاتِ من القيادات المتعَفِّنة، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس. ° شانئو محمدٍ ﷺ أعداء "السلام": ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ

стр. 142

وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦]. ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾: ما أدقَّ هذا التعبيرَ وأصدقَه! إنه "السلام"، هو ما يسكبُه محمدٌ ﷺ ودينُه في الحياة كلِّها .. سلامُ الفرد، وسلامُ الجماعة، وسلامُ العالَم .. سلامُ الضمير، وسلامُ العقل، وسلامُ الجوارح .. سلامُ البيت والأسرة، وسلامُ المجتمع والأمَّة، وسلامُ البشرِ والإنسانية .. السلامُ مع الحياة، والسلامُ مع الكون، والسلامُ مع اللهِ ربِّ الكونِ والحياة .. السلامُ الذي لا تجدُه البشرية -ولم تجِدْه يومًا- إلاَّ في هذا الدين؛ وإلاَّ في مَنهجه ونِظامه وشريعتِه، ومجتمعِه الذي يقومُ على عقيدته وشريعته. ولا يُدرِكُ عُمقَ هذه الحقيقة ومذاقَها المُريحَ كما يُدرِكُها مَن ذاق سُبلَ الحرب في الجاهليَّات قديمًا، أو الجاهليَّة الصليبية أو اليهودية حديثًا .. لا يدرِكُ عُمقَ هذه الحقيقةِ كما يدركها مَن ذاق حَربَ القلقِ الناشئِ عن عقائدِ الجاهلية في أعماقِ الضمير .. وحربِ القلقِ الناشئِ من شرائع الجاهليةِ وتخبُّطِها في أوضاعِ الحياة، والويلاتِ التي تذوقها البشرية من كلِّ ألوان الحروب في الضمائر والمجتمعات قرونًا بعد قرون .. وفاءَ مَن سَبَقَ له من ربِّه الحسنى إلى ظلالِ السلام في الإِسلام .. سلام يَرِفُّ في حَنايا السريرة، وسلامٌ يُظلِّلُ الحياة والمجتمعَ، وسلامٌ في الأرض، وسلامٌ في السماء. أولَ ما يَفيضُ هذا السلام على القلب وينشأُ من اعتقادٍ صحيح عن إلهه وربِّه، فلا يخاف غيرَه، ولا يَخْشى سواه من كلِّ قوةٍ زائفةٍ زائلة .. ويَفيضُ السلامُ على القلب حين يعلم العلاقةَ بين العبدِ وربِّه، وبين الخالق والكون.

стр. 143

العقيدةُ التي تقفُ بصاحبها أمامَ النَبْتَةِ الصغيرة، وهي توحي إليه أنَّ له أجرًا حين يَرويها من عطش، وحين يُعينها على النماء، وحين يُزيلُ من طريقها العقبات: هي عقيدةٌ جميلة -فوق أنها عقيدةٌ كريمة-، عقيدةٌ تسكبُ في رُوحه السلام، وتُطلِقُه يُعانقُ الوجودَ كلَّه، ويُشيعُ مِن حوله الأمنَ والرِّفقَ، والحبَّ والسلام. ° وعقيدة الإِسلام في اليوم الآخِر، والعدلِ المطلَقِ والجزاءِ الأوفى عند الله، فلا قلق، ولا سُخْط، ولا قنوط إذا لم يُوفَّ حقَّه في هذه العاجلة بمقاييس الناس، هذا بدلاً من الصِّراع المجنون العموم الذي تُداس فيه الحرماتُ بلا تحرُّجٍ ولا حياءٍ من لصوصِ الصليبيِّين واليهود، لصوصِ المغارات أبناء الحيَّات والأفاعي. ° وغايةُ الوجود في الإِسلام عبادةُ الله في كلِّ لحظةٍ من لحظاتِ حياته، وبكلِّ نَبضٍ في جوارحه، فترفعُه العبادة إلى أُفقِها الوضيء، ترفعُ شعورَه وضميرَه، وترفعُ نشاطَه وعملَه، فهو يَعبدُ في كلِّ خُطوة، وهو يحقِّقُ غايةَ وجودِه في كلِّ خَطْرة، وهو يرتقي صُعُدًا إلى الله في كلِّ نشاطٍ وفي كل مجال، وهو يَسمعُ قولَ رسوله ﷺ : "إن الله تعالى يُحبُّ مَعَاليَ الأمور وأشرافَها، ويَكرهُ سَفْسَافها" (١). فأوْلَى به ألاَّ يَغْدِرَ ولا يَفْجُر، وأوْلى به ألاَّ يَغِشَّ ولا يَخدع، وأَوْلى به ألاَّ يطغى وألاَّ يتجَبَّر، وأَوْلَى به ألاَّ يستخدمَ أداةً مُدَنَّسَةً ولا وسيلةً

стр. 144

خسيسة .. وأَوْلى به كذلك ألاَّ يستعجلَ المراحلَ، وألاَّ يتعسَّفَ الطريق. ° وشعورُ المؤمن بالقضاء والقَدَر، وأنه في طاعةِ الله، لتحقيقِ إرادةِ الله .. وما يَسكُبُه هذا الشعورُ في رُوحِه من الطمأنينة والسلام والاستقرار. ° والتكاليفُ التي يفرضُها الله على عبده كلُّها من الفِطرة، ولتصحيح الفطرة، لا تتجاوزُ الطاقةَ، ولا تتجاهلُ طبيعةَ الإِنسانِ وتركيبَه، ولا رُوحَه ولا جسده، تلبِّي حاجةَ الرُّوح والجسدِ في يُسرٍ وسماحة. ° والمجتمعُ المتوادُّ المتحابُّ المترابطُ المتكافل، هذا المجتمع الذي حقَّقه الأسلامُ في أرقى وأصفى صورةٍ تربِطُه آصِرةُ العقيدة، وتذوبُ فيه الأجناسُ والأوطانُ والألوانُ، فالمؤمنون إخوة. ° المجتمعُ الذي بناه رسولُ الله ﷺ لا تشيعُ فيه الفاحشة، ولا يتبجَّحُ فيه الإغراء، ولا ترُوحُ فيه الفتنة، ولا تلتفتُ الأعيُنُ فيه إلى العَوْرات، ولا ترِفُّ فيه الشهواتُ على الحرمات، ولا ينطلقُ فيه سُعارُ الجنسِ ولا عرامةُ اللحم والدم، فتأمنُ الزوجةُ على زوجها، ويأمنُ الزوجُ على زوجته، ويأمنُ الأولياءُ على حُرماتهم، ويأمنُ الجميعُ على أعصابهم وقلوبهم، حيث لا تقعُ العيونُ على المفاتن، ولا تقودُ العيونُ القلوبَ إلى المحارم، لا رغائبَ مكبوتة، ولا قلقَ للأعصاب، ولا أمراضَ للنفوس، وإنما مجتمعٌ نظيف عفيفٌ آمِنٌ ساكن، تَرِفُّ عليه أجنحةُ السِّلم والطُّهْر والأمان. ° وهو المجتمعُ الذي يكفلُ لكلِّ قادرٍ عملاً ورِزْقًا، ولكلِّ عاجزٍ ضمانة للعيش الكريم، ولكلِّ راغب في العِفَّة زوجةً صالحةً .. والذي يَعتبِرُ أهلَ كلِّ حيٍّ مسؤولين مسؤوليةً جنائيةً لو مات فيهم جائع، حتى لَيرى

стр. 145

بعضُ فقهاءِ الإسلام تغريمَهمُ الدِّية. ° المجتمع المسلم الذي بناه رسول الله ﷺ وأرسى قواعدَه في دنيا الإسلام عَبْرَ التاريخ: مجتمعٌ تكْفَل فيه حُريَّاتُ الناس وكراماتهم وحُرماتهم وأموالُهم بحكم الشرع الحنيف، بعد كفالتها بالتوجيه الرَّباني المُطاع .. فلا يُؤخذُ واحد فيه بالظِّنَّة، ولا يُتَسَوَّرُ على أحدٍ بيته، ولا يَتجسَّسُ على أحدٍ فيه متجَسِّسٌ، ولا يَذهبُ فيه دمٌ هَدَرًا، والقِصاصُ حاضر، ولا يَضيعُ فيه على أحدٍ مالُه سرقةً أوْ نَهْبًا، والحدودُ حاضرة، وعَدلُ اللهِ قائم. ° مجتمعٌ تَشِيعٌ فيه الشورى ويتساوى فيه الناس حُكَّامًا ومحكومين أمامَ شرع الله . ° لقد أقام النبيُّ ﷺ مجتمعًا لأول مرةٍ في التاريخ لا يعادلُه عَبْرَ التاريخ أيُّ مجتمع آخَرُ .. وأقامَ ﷺ دولةً كأحسنِ ما تُقامُ الدول، حتى استمرَّ امتدادُها لأكثرَ من ألفٍ وثلاثِمئةِ عام وهي مؤهَّلةٌ للعَودة والاستمرار، كمعجزةٍ باقيةٍ لإنسانٍ واحد، هي في الحقيقة من أعظم معجزاته التي غَفَل عنها الغافلون. * قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى .. ﴾ الآية [الرعد: ٣١]. لقد صَنع رسولُ الله ﷺ بالقرآن الذي عليه وبسُنَّته المباركة في نفوس المؤمنين به -الذين تلقَّوا هذا الوحيَ العظيمَ وتكيَّفُوا به- أكثرَ من تسيير الجبال وتقطيع الأرض وإحياءِ الموتى .. لقد صَنَع في هذه النفوس وبهذه النفوس

стр. 146

خوارقَ أضخمَ وأبعدَ آثارًا في أقدارِ الحياة، بل أبعدَ أثرًا في شكل الأرض ذاتِه .. فكم غَيَّر الإسلامُ والمسلمون من وجهِ الأرض، إلى جانبِ ما غيَّروا من وجهِ التاريخ؟!. لقد سَيَّر رسولُ الله ﷺ بالقرآن ما هو أضخمُ من الجبال، وهو تاريخُ الأمم والأجيال، وقَطَع به ما هو أصلبُ من الأرض، وهو جُمودُ الأفكار، وعَفَنُ الشِّرك والكفر، وأحيى به وبسُنَّته ما أُخمد من الموتى، وهي الشعوبُ التي قَتَل رُوحَها الشِّركُ، وظلمُ الطواغيت، وأوهامُ الأوثان. إنَّ التحوُّل الذي تَمَّ في نفوسِ العرب والمسلمين وبهم، ونَقَلهم تلك النَّقْلةَ الضخمةَ على يدِ رسول الله ﷺ وما جاء به، فأقام بهم أطهرَ وأعفَّ وأجملَ مجتمعٍ ودولةٍ في التاريخ .. أضخمُ بكثير من تحوُّلِ الجبالِ عن رُسوخها، وتحوُّلِ الأرض عن جُمودها، وتحوُّلِ الموتى عن الموات!. * شتانَ ما بين مجتمعِ الإِسلام ومجتمع الخوفِ والجريمةِ وحضارة الدَّجال الأعور: ° هذا الطُّهرُ والعفافُ والمَثَلُ الأعلى في دنيا الناس، أين منه حضارةُ الجريمة والخوف، فعلى الخوف ينامُ الغرب، وعليه يصحو، وصَدَق فيه قولُ الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]. ° في تصريح لرئيس الندوة الدولية لمكافحة الجريمة والإرهاب الجنرال "أناتولي كوليكوف": "إن هناك حوالي (٤٠٠) ألف جريمة تُرتَكب يوميًّا

стр. 147

في العالم، وإن الجريمة قد نَمَت خلالَ الأعوام الثلاثين الأخيرة حوالي ثماني مرات في الولايات المتحدة الأمريكية، وسَبْع مراتٍ في بريطانيا والسويد، وأربع مرات في جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، ومرَّتين في اليابان". وطبقًا لإِحصائيات الجريمة في الولايات المتحدة الأمريكية فإنَّ معدلَ الجرائم لديها كان: وقوع جريمة سرقة عادية كلَّ (٣) ثوان، جريمة سَطْو كلَّ (١٤) ثانية، سرقة سيارة كلَّ (٢٥) ثانية، سرقة مقترنة بالعنف كلَّ (٦٠) ثانية، جريمة اغتصاب كلَّ (٦) ثوان، قتل كلَّ (٣١) ثانية. وتُقدَّرُ كُلْفةُ الجريمة في أمريكا (١٠٥) بلايين دولار، تُنفق في علاج الضحايا، و (٣٥٠) بليون دولار للتعويضات والتأمين، و (١٢٠) مليون دولار تُصرَف على الشرطة، و (٣٥) بليون دولار تُصرف على السجون، وهناك (١٤) مليون متعاطٍ للمخدِّرات. وتشير إحصائية السجون الأمريكية الصادرة عن وزارةِ العدلِ الأمريكية إلى أنه خلال عام ٢٠٠٣ م ازداد عددُ النزلاء في سجون أمريكا (٢٠٣٧٠) نزيلاً عن العام الأسبق، ومع نهاية ٣١ ديسمبر ٢٠٠٣ قُدِّرت نسبة الزيادة في الطاقة الاستيعابية للسجون الأمريكية المحلية بـ (+١٦%) عن طاقتها التصميمية الاستيعابية، في حين كانت نسبة الفَرق في السجون الفدرالية (+٣٩%) عن طاقتها الاستيعابية، ومع نهاية عام ٢٠٠٣ بلغ عددُ النساء المودَعاتِ السجون (١٠١١٧٩)، نزيلة من مجموع (٦ ملايين و ٩٠٠ ألف) سجين أمريكي (أي نسبة ٩.٦% من عموم النزلاء)، بمعنى أن وجود حوالي ٧ ملايين نزيل أمريكي سجين داخل الولايات المتحدة عام ٢٠٠٣

стр. 148

يدل على أنَّ مِن بينِ كلِّ (٣٢) مواطنًا أمريكيًّا بالغًا هناك سجين واحد" (١). ° وانظر إلى حضارة "الدجَّال الأعور" المادية المزيَّفة التي كَفَرت بمحمدٍ ﷺ رسول السلام .. الذي قال عنه ربه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] فرفضوا شرعَه، وسَخِروا منه، واستهزؤوا به، وهو الطُّهْرُ كلُّ الطهْر يَدُبُّ على الأرض .. والأمنُ معه، فماذا حصَّلوا: "جرائم غسل الأموال المتحصِّلة من الجريمة "المخدِّرات والجريمة المنظمة" تُكَلِّف المجتمعَ الدوليَّ سنويًّا (١٥٠٠) مليار دولار. كثيرٌ من دُول العالم المتقدِّم صارت نسبةُ الشرطة فيها إلى السُّكان تتراوحُ بين (٥٠٠ إلى ١٠٠٠ عنصر أمن) لكل ١٠٠.٠٠٠ نسمة من السكان" (٢) ومع هذا فشِلوا!!. ° "عددُ الذين يتعاطَون المخدِّرات في أمريكا (٩٦ - ٩٧) مليون نَسمة" (٣). ° "ونقل العلاَّمة المودودي عن "دائرة المعارف البريطانية" أنه في الأربعينيات كان (٩٠%) من الشباب الأمريكي مصابًا بالزُّهري، و (٦٠%) من الشباب الأمريكي مصابًا بالسَّيلان .. " (٤). ° نسبةُ المرضى عقليًّا وعصبيًّا ونفسيًّا في السويد -أرقى بلدان العالم ماديًّا- (٢٥%) من سكان السويد، وتُنفِقُ الدولةُ (٣٠%) من ميزانيتها على

стр. 149

علاجهم، ونسبةُ الموظَّفين الذين يَخرُجون من وظائفهم بسبب هذه الأمراض يُساوي (٥٠%) من مجموع المخرَجين. ° ويقول (سي. وبيرس): "إن شخصًا من كلِّ ٢٢ شخصًا من سكان نيويورك يجبُ إدخالُه أحَدَ مستشفيات الأمراض العقلية بين آنٍ وآخر". ° يوجد (٩٥) مليون مُدمن في أمريكا، ونصفُ حوادثِ السيارات التي تؤدِّي إلى الموت والتي بلغ عددُها (٥٥.٥٠٠) حالة موت كانت ناتجةً عن سُكر السائق، أو المشاة. ° ويقول الدكتور "سيدلي كاي" في كتابه "علم السموم": "إن الخمر هي السببُ المباشرُ وغيرُ المباشر في (٥٠%) من مجموع حالات الوفاة التي نفحصها بمعمل الطب الشرعي بولاية "فرجينيا" بالولايات المتحدة". ° ولعل أصدق كلمة عن مجتمع الغرب ما قاله الكاتب الإِنجليزي "أوسبورن": "نحن موتى، مكدودون، مضيَّعون، نحن سكِّيرون، مجانين، نحن حمقى، نحن تافهون" (١). ° قال وزير العدل الأمريكي: "وارن بيرجر" في فبراير سنة (١٩٨١): "إن هناك حُكمًا من الإرهاب يسودُ المدنَ الأمريكية"، ثم يتساءل: "أَلَسْنا رهائنَ داخل حدود بلادنا المستنيرة المتحضِّرة"؟!. ° ويقول مدير شركة "هوستون" الأمريكية بولاية "تكساس": "الخوف من الجريمة يهدد تدريجيًّا بشلل الحياة في المجتمعِ الأمريكي .. لقد سَمَحنا لأنفسنا بالتحلُّل والتفسُّخ إلى الحدِّ الذي أصبحنا فيه نعيشُ مثلما

стр. 150

تعيشُ الحيوانات .. فنحن نعيشُ وراءَ قضبانٍ حديدية تحمينا مِن وصولِ اللصوص إلينا، ومجموعةٍ من الأقفال المثبَّتةِ في الأبواب وأجهزة الإنذار، ثم نرقدُ على الفراش، وبجوارنا مسدسٌ محشوٌّ بالرصاص، وبعد هذا نحاولُ أن نَحصلَ على شيءٍ من الراحة .. يا للسخرية!!. * والانتحار: تحظى الولاياتُ المتحدةُ بنصيبِ الأسد في عدد المُقدِمين على الانتحار، فقد بلغ عددهم خلالَ عامٍ واحدٍ ما يقاربُ الرُّبعَ مليون شخص، أيْ بمعدَّل ١٢٠ شخصًا يوميًّا، وهذا بدون شكٍّ يفوقُ عددَ جرائم القتل التي تقعُ في نفسِ الفترة الزمنية. ° وأعلى نسبةٍ للانتحار هي في أكثر الدول رُقِيًّا ماديًّا كالسويد وسويسرا .. رخاءٌ ماديٌّ عجيب ثم انتحار!!! يا للعجب العُجاب!!. وشعب الدانمارك -الذي سَخِرت صُحُفه من رسول الله ﷺ هو كشعب السويد مهدَّدٌ بالانقراض، فالنسلُ في تناقصٍ مطَّرد، بسبب فوضى الاختلاطِ والتبرج .. والجيل الجديد يُدِمِن المُسكِرات والمخدِّرات ليُعوِّضَ خَواءَ الروح من الإِيمان وطمأئينةِ القلب بالعقيدة، والأمراضُ النفسيةُ والعصبيةُ والشذوذُ بأنواعه يفترسُ عشراتِ الآلافِ من النفوس والأرواحِ والأعصاب، وظنك بجرائم الاغتصاب والإِجهاض والانتحار. إنها الشِّقوةُ النَّكدةُ المكتوبةُ على كل قلبٍ يخلو من بشاشةِ الإيمان وطمأئينةِ الإِسلام، فلا يذوق طعمَ السِّلم الذي يُدعى المؤمنون ليدخلوا فيه كافةً، ولِينعموا بالأمن والظلِّ والراحةِ والقَرار والسلام.

стр. 151

* ونبي الإِسلام ﷺ نبي السلام، وأعدؤاه وشانؤوه أعداء السلام في كلِّ زمانٍ ومكان، وما نَشَر النبيُّ ﷺ الإِسلامَ بحدِّ السيف، بخلاف أعداء السلام من اليهود والنصارى: هل انتشر الإِسلامُ بالسيف، وهل كان رسول رسول الله ﷺ متعطشًا للدماءِ، كما يقول شانؤوه من لصوص المغارات أبناءِ الحيات والأفاعي وشياطينِ البشرية وثعالبها وذئابها المتعطشون للدماء الذين يَصدُقُ فيهم قول القائل: "رَمَتْني بدائها وانْسَلَّتْ"!. • قالوا عنه هذا، وهو القائل يومَ الحديبية: "والله لا تَدْعُوني قريشٌ إلى خُطَّةٍ تُوصَلُ فيها الأرحامُ، وتُعظَّمُ فيها الحرماتُ، إلاَّ أعطيتُها إِيَّاها". • بأبي هو وأمي، أليس هو القائلَ ﷺ : "اغزُوا بسم الله، وفي سبيل الله، وقاتِلوا مَن كفر بالله، اغزُوا، لا تغُلَّوا، ولا تغدِروا، ولا تُمثِّلوا، ولا تَقتلوا وليدًا .. " (١)!!. ° انظروا إلى إشراقِ الرسول ﷺ ورحمتِه وسُمُوِّه حتى نِزاله وضَربه وقتاله. ° لقد قال ثعالبُ وذئابُ الغرب عن رسول الله ﷺ : "إنه دمويٌّ، وإنه بربريٌّ، وإنه نَشَر الإِسلام بِحَدِّ السيف". والتاريخُ وسيرةُ الرسول ﷺ يَشهدانِ بكذِبهم ودَجَلهم .. نَسوقُ رقم

стр. 152

قتلى كلِّ الغزوات التي انتصر بها الإِسلامُ على الشرك والوثنية، وغيَّر بها مَجرى التاريخ .. والتي لا يتعدَّى رقمها ٣٨٦ قتيلاً، هم جملةُ قتلى المشركين وشهداء المسلمين .. لنقارنَه برقم المليونيْن من الضحايا في الحروب الدينية التي أورد أخبارها الكهنةُ في أسفارِ العهد القديم، وزيادةً في التوثيق، نقدِّم هنا جدولاً بالغزوات الإِسلامية التي تمت في العصر النبوي .. وآخَرَ بالحروب التي وَرَدت أخبارُها وأرقامُ ضحاياها في العهد القديم .. أما فتوحاتُ الإِسلام خارجَ إطارِ الشرك الوثنيِّ في شِبه الجزيرة العربية، فلقد كانت جميعُها حروبَ تحريرٍ لشعوبِ الشرق من القَهر الدينيِّ والسياسي والحضاري الذي مارسته قُوى وإمبراطورياتُ الاستعمارِ البِيزنطيِّ والفارسيِّ ضدَّ تلك الشعوب .. ولقد دارت جميعُ معاركِ هذه الفتوحات ضدَّ جيوشِ الاحتلال البيزنطيِّ والفارسيِّ .. ولم تَدُرْ معركةٌ واحدةٌ منها ضدَّ شعوبِ تلك البلاد .. بل لقد حاربَت شعوبُ تلك البلاد -وهي على دياناتها القديمة- مع العرب المسلمين ضدَّ الروم والفرس .. لتحريرِ بلادها .. ولتحريرِ ضميرِها من القهر والاضطهاد. * * *

стр. 153

غزوات الإسلام التي حدث فيها قتال رقم … الغزوة … تاريخها … عدد قتلى المشركين … عدد شهداء المسلمين … ملاحظات ١ … غزوة بدر … ٢ هـ … ٧٠ … ١٤ ٢ … غزوة السويق … ٢ هـ … - … ٢ ٣ … بعث كعب الأشراف … ٣ هـ … ١ … - ٤ … غزوة أحد … ٣ هـ … ٢٢ … ٧٠ ٥ غزوة حمراء الأسد … ٣ هـ … ١ … - ٦ … بعث الرَّجيع … ٣ هـ … - … ٧ ٧ … بعث بئر معونة … ٣ هـ - … ٢٧ ٨ … غزوة الخندق … ٥ هـ … ٣ ..... ٦ ٩ … غزوة بني قريظة … ٥ هـ … - … - الـ ٦٠٠ الذين قتلوا من بني قريظة لم يقتلوا في الحرب .. وإنما قتلوا قضاء بالتحكيم - الذي ارتضوا - جزاء على خيانتهم .. فلا يحبون في قتلي المعارك. ١٠ … بعث عبد الله بن عَتيك … ٥ هـ … ١ … - ١١ … غزوة ذي قَرَد … ٦ هـ … ١ … ٢ ١٢ … غزوة بني المصطلِق … ٦ هـ … - … ١ … ١٣ … غزوة خيبر … ٧ هـ … ٢ … ٢٠ ١٤ … غزوة وادي القرى … ٧ هـ … - … ١ ١٥ … غزوة مؤتة … ٨ هـ … - … ١١ ١٦ … فتح مكة … ٨ هـ … ١٧ … ٣ ١٧ … غزوة حنين ٨ هـ … ٨٤ … ٤ ١٨ غزوة الطائف … ٨ هـ … - … ١٣ المجموع … ٢٠٣ … ١٨٣ .... المجموع الكلي من الجانبين ٣٨٦ (١)

стр. 154

ضحايا حروب العهد القديم مسلسل … عدد ضحايا اليهود … المصدر ١ … ١٢.٠٠٠ ضحايا عاي … بشوع ٨/ ٢٥ ٢ … ١٠.٠٠٠ من الكنعانيين والفرزويين … قضاة ١/ ٤ ٣ … ١٠.٠٠٠ من موآب … قضاة ٣/ ٢٩ ٤ … ١٢٠.٠٠٠ من مديان … قضاة ٨/ ١٠ ٥ … ١٠٠٠ من شكيم … قضاة ٩/ ٤٩ ٦ … ٣٠ من أشقلون … قضاة ١٤/ ١٩ ٧ … ١٠٠٠ من الفلسطينيين … قضاة ١٥/ ١٧ ٨ … ٣٠٠ من الفلسطينيين … قضاة ١٦/ ٢٧ ٩ … ٢٠ من الفلسطينيين … صموئيل أول ١٤/ ١٤ ١٠ … ٢٠٠ من الفلسطينيين … صموئيل أول ١٨/ ٢٧ ١١ … ٢٢.٠٠٠ من آرام … صموئيل ثان ٨/ ٥ ١٢ … ١٨.٠٠٠ من آرام … صموئيل ثان ٨/ ١٣ ١٣ … ٤٠.٠٠٠ من آرام … صموئيل ثان ١٠/ ١٨ ١٤ … ١٠٠.٠٠٠ من آرام … ملوك أول ٢٠/ ٢٩ ١٥ … ١٠.٠٠٠ من أدوم … ملوك ثان ١٤/ ٧ ١٦ … ١٨٥.٠٠٠ من آشور … ملوك ثان ١٩/ ٣٥ ١٧ … ١.٠٠٠.٠٠٠ من الكوشيين … أخبار الأيام الأول ١٤/ ٩، ١٣ ١٨ … ٥٠٠ من الفرس … إستير ٩/ ٥ ١٩ … ٧٥.٠٠٠ … إستير ٩/ ١٦ ٢٠ … ٣٠٠ من الفرس … إستير ٩/ ١٥

стр. 155

مسلسل … عدد ضحايا اليهود في حروبهم الداخلية أو مع الأجانب … المصدر ٢١ … ٤٢.٠٠٠ من أفرايم … قضاة ١٢/ ٦ ٢٢ … ٢٢.٠٠٠ من إسرائيل … قضاة ٢٠/ ٢١ ٢٣ … ١٨.٠٠٠ من إسرائيل … قضاة ٢٠/ ٢٥ ٢٤ … ٢٥.٠٠٠ من بنيامين … قضاة ٢٠/ ٣٢ ٢٥ … ٣٠ من إسرائيل … قضاة ٢٠/ ٣٩ ٢٦ … ١٨.٠٠٠ من بنيامين … قضاة ٢٠/ ٤٢ ٢٧ … ٢.٠٠٠ من بنيامين … قضاة ٢٠/ ٤٥ ٢٨ … ٤.٠٠٠ من إسرائيل … صموئيل أول ٤/ ٢ ٢٩ … ٣٠.٠٠٠ من إسرائيل … صموئيل أول ٤/ ١٠ ٣٠ … ٥٠.٠٧٠ من بيتشمن … صموئيل أول ٦/ ١٩ ٣١ … ٨٥ من الكهنة … صموئيل أول ٢٢/ ١٩ ٣٢ … ٢٠ من عبيد داود … صموئيل أول ٢/ ٣٠ ٣٣ … ٣٦٠ من رجال أبنير … صموئيل أول ٢/ ٣٠ ٣٤ … ٢٠.٠٠٠ من إسرائيل … صموئيل ثانٍ ١٨/ ٧ ٣٥ … ٤٢ من إخوة أخزيا … صموئيل ثان ١٠/ ١٣ ٣٦ … ٥٠ من الجلعاديين … صموئيل ثان ١٥/ ٢٥ ٣٧ … ١٢٠.٠٠٠ من يهوذا … أخبار الأيام الثاني ٢٨/ ٦ ٣٨ … ٧٠ من إخوة أبيمالك … قضاة ٩/ ٥ مجموع الضحايا من اليهود ٨٢٧، ٣٥٢ .. والمجموع الكلي للضحايا - المحصاة - من الجانبين ٤٧٧، ٩٨٨، ١ قتيلاً! (١)

стр. 156

° وهذه النصوصُ التي زوَّروا بها أسفارَهم، واختلقوا التاريخَ هي كما يقول "روبرت كارول" في دراسته عن الحرب في العهد القديم: "نصوصٌ بشرية عِبرية تمثِّل إنتاجًا فكريًّا للمجتمعات القديمة .. ونصوصُ الحرب فيها إنما تنتمي إلى إنتاجاتٍ فكريةٍ لكتاب العهد القديم أكثرَ من كونها أوْصافًا للحرب التي حدثت في الواقع والتاريخ" (١). بل إنَّ مأساةَ الكذب ومَلْهاته لَتبلغُ الذِّروةَ عندما نقرأ أرقامَ قتلى هذه الحروب الدينية، التي حَلَم بها "واخترع" لها "واقعًا" هؤلاء الذين كتبوا هذه الأسفار .. فلقد بلغوا بضحايا تلك الحروب المشتهاة أرقامًا ربما فاقت أرقامَ تِعدادِ سُكَّانِ مسرح أحداثها عدَّةَ مرات -في ذلك التاريخ القديم-، بلغوا فيها نحو مليونين من الضحايا .. ناهيك عن الضحايا الذين لم يتمَّ إحصاءُ أعدادهم -في زمنٍ كان حالُ الإحصاءِ فيه على نحوِ ما يعرفُ الجميع-! (٢). ° انظر إلى كذبِ اليهود وجُرأتهم على الله في أسفارهم، ورُوحُ الانتقام من كلِّ الأغيار عندهم: "إن سمعت عن إحدى مُدُنِك، التي يُعطيك الربُّ إلهُك لتسكنَ فيها، قولاً فضرْبًا تضربُ سُكَّانَ تلك المدينة بحدِّ السِّيف وتحرِّمها [أي: تدمرها وتبيدها] بكل ما فيها من بهائمها بحدّ السيف، تجمع كلَّ أمتعتها إلى وسط ساحتها، وتَحرقُ بالنار المدينةَ وكل أمتعتها كاملةً للربِّ إلهِك، فتكونُ تلاً إلى الأبدِ لا تُبنى بعدُ -لكي يرجعَ الربُّ عن حُمُوِّ غضبه وُيعطيك رحمة" سفر التثنية إصحاح ١٣: ١٢، ١٥ - ١٧.

стр. 157

° ويقولون كذبًا: "وحين تقتربُ من مدينةٍ لكي تحاربَها استدعِها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك، فكلّ الشعبِ الموجود فيها يكون لك للتسخير، ويُستعْبد لك، وإن لم تسالمك، بل عمِلت معك حربًا فحاصِرْها، وإذا دفعها الربّ إلهُك إلى يدك، فاضربْ جَميعَ ذكررها بحدِّ السيف، أما النساءُ والأطفالُ والبهائم وكلُّ ما في المدينة، كلّ غنيمتها، فتغتنمها لنفسك، وتأكلُ غنيمةَ أعدائك التي أعطاك الربّ إلهك، هكذا تفعل بجميع المدن، فلا تَسْتبقِ منها نَسَمةً ما، بل تحرمها [أي تبيدها] " .. سفر التثنية. إصحاح: ٢٠: ١٠ - ١٦. ° وانظر إلى سفر التثنية .. إصحاح ٧: ١ - ٣، ٦، ٧، ١٤ - ١٦: "سَبعُ شعوب دفعهم الربّ إلهك أمامَك وضربتهم، فإنك تحرِّمهم [أي تبيدهم وتدمرهم] .. لا تقطع لهم عهدًا، ولا تُشفق عليهم، ولا تصاهرِهم، لأنك شعبٌ مقدَّسٌ للربِّ إلهك .. إياك قد اختار الربُّ إلهُك لتكون له شعبًا أخصَّ من جميع الشعوب التي على وجه الأرض .. مباركًا تكونُ فوقَ جميع الشعوب لا يكونُ عقيمٌ ولا عاقرٌ فيك ولا في بهائمك، ويردّ الربُّ عنك كلَّ مرضٍ وكلَّ أدواءِ مصرَ الرديئة التي عرفتها لا يضعها عليك، بل يجعلُها على مبغضيك، وتأكلُ كلَّ الشعوب الذين الربّ إلهُك يدفعُ إليك .. لا تشفِق عيناك عليهم". ° وأفتى الحاخام "العقيد. أ. فيدان زيمبل" في سبعينات القرن العشرين فتوى نشرتها قيادةُ المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي -التي تقع الضفَّة الغربية الفلسطينية تحت سُلطتها- يحضّ فيها على قتل حتى "المدنيين الطيِّبين من الفلسطينيين" باعتبار ذلك تكليفًا دينيًّا، والتزامًا

стр. 158

"بالهالاكاه" -الشريعة-، وفي هذه الفتوى يقول الحاخام: "في حالة احتكاك قوَّاتنا بمدنيين خلال الحرب، أو خِلال مطاردة، أو غارة، إذا لم يتوافر دليلٌ بعدم إلحاقهم الأذى بقواتنا، هناك إمكانية لقتلهم، أو حتى ضرورة للقيام بذلك حسب "الهالاكاه" .. بل تحضُّ "الهالاكاه" على قتل حتى المدنيِّين الطيبين" (١). تلك هي حقيقةُ الانحرافِ اليهودي نحو الحرب الدينية .. والتراثِ اليهوديّ الحالِم بإبادة الآخرين، والمشتهِي لإبادةِ كل الأغيار .. والصياغاتِ الفكرية .. والخيالات والأمنيات اليهودية في هذا الميدان. فالربُّ -في هذا التراث- هو "رب الجنود" "المحارب" و"الساخط على كل الأمم"- غير اليهود .. شعبِه المختار .. والمقدَّس .. دونَ كلِّ الشعوب وفوق جميع الشعوب -، وهو الذي يُبيدُ كلَّ الأم، ويدفعهم للذبح .. "فقتلاهم تطرح، ووجِيَفُهم تَصعدُ نتانتُها، وتَسيلُ الجبالُ بدمائهم، ويُغِّني كلُّ جُندِ السماوات للرب الذي امتلأ سيفُه دمًا"! .. وهو قد اختار اليهود "ليأكلوا كل الشعوب أكلاً .. دون أن تُشفِقَ عليهم الأعيُنُ أو أن يقطعوا لهذه الشعوب عهدًا"!. وهو "تراث وتاريخ" نُنزِّه اللهَ ، ونُنزه رسولَه موسى ﵇، وننزِّهُ شريعةَ موسى الحقَّةَ عن هذا الذي كتبوه، وصَدق الله العظيم: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة:٧٩].

стр. 159

* الحربُ الدينية في تراث النصرانية: ° ثم نأتي إلى الطرفِ الثاني من غير المسلمين الذي تشدَّقوا كثيرًا بالسلام والمسالمة إلى حدِّ القول: "سمعتم أنه قيل عَينٌ بعين وسِنٌّ بسن، أمَّا أنا، فأقول لكم: لا تقاوموا الشر، بل مَن لَطَمَك على خَدك الأيمنِ، فحَوِّل له الآخَرَ أيضًا .. ومَن أراد أن يخاصمَك ويأخذَ ثوبَك، فاتركْ له الرِّداءَ أيضًا .. ومَن سَخَّرك مِيلاً واحدًا، فاذهب معه اثنين .. سمعتم أنه قيل: تحب قريبك وتبغض عدوك .. وأما أنا، فأقول لكم: أحبوا أعداءكم، وبارِكوا لاعِنِيكم، أحسِنوا إلى مُبغضِيكم، وصَلُّوا لأجل الذين يُسيؤون إليكم ويطردونكم، لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات". إنجيل متى. إصحاح ٥: ٣٨ - ٤١، ٤٣ - ٤٥ ° ولكنَّ الواقعَ والتاريخَ خيرُ شاهدٍ بكذِبهم، فهم وحوشٌ ضاريةٌ حتى مع بني ديانتهم: لقد مارست كنيسةُ النصرانية الغربية، ومعها الدولة الرومانية والبيزنطية -بعد تديُّنِ هذه الدولة بالنصرانية-، مارستا حَربًا من الاضطهاد البشع ضدَّ النصرانية الشرقية -والمصرية منها على وجه الخصوص-، حتى لقد اعتبر النصارى المصريُّون هزيمةَ الدولةِ البيزنطية أمامَ الفتح الإسلاميِّ عقابًا إلهيًّا لهذه الدولة وكنيستها على الاضطهاد الذي مارسوه ضدَّ نصارى مصر، عندما أصبحوا -في هذا الاضطهاد الدينيِّ والحضاريِّ- طعامًا للنار والأسود وأسماك البحار! .. وصُبَّتْ عليهم كلُّ ألوانِ التعذيب! .. فكتب "ميخائيل السرياني" يقول: "لم يسمح الأمبراطورُ لكنيستنا "المونوفيزتية" -[أي القائلة بالطبيعة لواحدة للمسيح]- بالظهور، ولم يُصْغ إلى شكاوى

стр. 160

الأساقفة فيما يتعلق بالكنائس التي نُهبت، ولهذا فقد انتَقم الربّ منه .. لقد نَهب الرومانُ الأشرارُ كنائسَنا وأَدْيِرَتَنا بقسوةٍ بالغة، واتهمونا دونَ شفقة، ولهذا جاء إلينا من الجنوب أبناءُ إسماعيل -[أي العرب المسلمون]- لينقذونا من أيدي الرومان، وَتَركَنا العربُ نمارسُ عقائدنا بحرية، وعشنا في سلام" (١). فبسبب اختلاف المذهب، وقفت الكنيسة الرومانية مع دولتها الاستعمارية، ومارست القَهْرَ المديني والحضاري للنصارى الشرقيين. ° كذلك شَنَّت الكنيسة الغربيةُ ضدَّ الشرق الإسلامي حربًا صليبية "مقدسة" استمرت حملاتُها قرنين من الزمان [٤٨٩ - ٦٩٠ هـ ١٠٩٦ - ١٢٩١ م]، وأشركت فيها الملوكَ وأمراءَ الإقطاع والرَّعاعَ من سائر أنحاء أوروبا- حتى كأنها أولى الحروب العالمية التي مارسها الغرب ضد الشرق! -، وفي هذه الحرب الصليبية استَخدمت الكنيسة الدينَ لتحقيق المقاصدِ الاستعمارية، ولإعادةِ اختطافِ الشرقِ من التحرير الإسلامي الذي أنقذ الشرقَ ونصرانيتَه من إبادةِ الاضطهاد "الأغريقي- الروماني" الذي دام عشَرةَ قرون - من الإسكندر الأكبر [٣٥٦ - ٣٢٤ ق. م] في القرن الرابع قبل الميلاد، إلى الفتوحات الإسلامية في القرن السابع للميلاد-. ° إنها حربٌ قادتها الكنيسةُ، وأعلنها البابا الذهبي "أوربان الثاني" [٥٨٨ - ١٠٩٩ م] عندما خاطب فرسانَ الإقطاع الأوروبيين سنة ١٠٩٥ م في "كلير مونت" بجنوبي فرنسا- قائلاً: "يا مَن كنتم لصوصًا، كونوا اليوم

стр. 161

جنودًا! لقد آن الزمانُ الذي فيه تُحوِّلون ضدَّ الإسلام تلك الإسلحةَ التي أنتم لِحَدِّ الآنَ تستخدمونها بعضُكم ضدَّ بعض .. فالحربُ المقدَّسةُ المعتمَدةُ الآن هي في حقِّ الله عينه .. وليست هي لاكتسابِ مدينةٍ واحدة .. بل هي أقاليمُ آسيا بجُملتها، مع غناها وخزاينها العديمة الإحصاء. فاتخذوا مَحَجَّةَ القبر المقدس، وخلِّصوا الأراضي القدسةَ من أيادي المختلسين، وأنتم املكوها لذواتكم، فهذه الأرض -حسب ألفاظ التوراة - تَفيضُ لبنًا وعسلاً .. ومدينة "أورشليم" هي قطبُ الأرض المذكورة، والأمكنةِ المخصبةِ المشابهةِ فردوسًا سماويًّا. اذهبوا وحارِبوا البربر -يقصد المسلمين! - لتخليص الأراضي المقدسة من استيلائهم .. امضُوا مُتَسَلِّحِين بسيفِ مفاتحي البطرسية -أي: مفاتيح الجنة التي صنعها لهم البابا! -، واكتسبوا بها لذواتكم خزائن المكافآت السماوية الأبدية، فإذا أنتم انتصرتم على أعدائكم، فالمُلكُ الشرقيُّ يكون لكم قَسْمًا وميراثًا. وهذا هو الحينُ الذي فيه أنتم تَفْدُون عن كثرة الاغتصابات التي مارستموها عدوانًا .. ومن حيث إنكم صبغتم أيديَكم بالدم ظلمًا، فاغسلوها بدمِ غير المؤمنين" (١). فهي حرب "دينية- استعمارية"، يذهبُ إليها فِرسانُ الإقطاع الأوروبيون، اللصوص المصطبغةُ أيديهم بدماءِ المظلومين، ليغسلوا أيديَهم

стр. 162

بدماء المسلمين!! .. وهم في حَملاتهم الصليبية المقدسة هذه، يحملون مفاتيحَ الجنة -المفاتيح البطرسية التي صنعها لهم البابا الذهبي" أوربان الثاني" -ليفتدوا أنفسهم من كثرةِ الاغتصابات التي مارسوها عدوانًا .. وأيضًا ليتملَّكوا ويرِثوا- بهذه الحرب "المقدسة" - التي هي "في حق الله عينه" -أي في سبيل الذات الإلهية!!! حسب تعبير الباب - كل أقاليم آسيا ذات الخزائن الغنية التي تفوق الأحصاء، والتي تَفيض لبنًا وعسلاً!! .. والتي تشابهُ في الخصوبة فردوسًا سماويًّا!!. هكذا تحولت المقاصدُ الدينية المقدسة إلى سبُلٍ وآلياتٍ وطاقاتِ شَحنٍ لتحقيق الاستعمار والنهب والاستغلال .. وأصبحت الآخرةُ في خدمة لصوص الدنيا .. وحملت الأيدي المخضبةُ بدماء المظلومين مفاتيحَ الفردوس الإلهي الأعلى!. وفي موقعة احتلال الصليبيين لمدينة القدس وحدَها سنة ١٠٩٩ م تمت مَجزرةُ الإبادة الكاملة لسكَّانها المسلمين -ومعهم اليهود- بالقتل والذبح والإحراق .. ونحن ننقلُ عن شهودِ العِيان النصارى، الذين حَفِظت لنا مشاهداتِهم المصادرُ النصرانية، لمحةً من لمحات هذه الحرب الدينية النصرانية على الإسلام والمسلمين. ° تقول هذه الشهادات -في كتاب "تاريخ الحروب المقدسة في الشرق، المدعوة حرب الصليب": "إن ديوانَ المشورة العسكرية الْتَيَم -أي: اجتمع- وقَطع حُكمًا مرهبًا، هو: أن يُمات كلُّ مسلم باقٍ داخلَ المدينة المقدسة .. وهذا الحكم المَهيل قد تَباشَرَ بالعمل .. ودامت هذه الملحمة مدةَ سبَّب -أي: سبعة أيام- كاملة"!!.

стр. 163

وحتى الذين هَربوا واحتمَوا بالمسجد - مسجد عمر بن الخطاب - "قبة الصخرة" - ذبحهم الصليبيون في المسجد .. وبعبارة شهود العيان: " .. على أنه باطلاً -أي: عبثًا-كان الإسلامُ -أي: المسلمون- في "أورشليم" يجدُّون مفتِّشين عن مَهْرَبٍ يحمُون به حياتَهم .. فعددٌ كليٌّ منهم قد هربوا إلى جامع عمر ظانين أنهم هناك يحمُون ذواتَهم من الموت، ولكنَّ ظنَّهم خاب، إذ إن الصليبيين -خيَّالةً ومُشاةً- قد دخلوا الجامع المذكور، وأبادوا بحد السيف كل الموجودين هناك .. حتى استوعب الجامعُ من الدم بحرًا متموِّجًا، علا إلى حدِّ الرُّكَب، بل إلى لجُم الخيل .. وذلك مما فَتكت به سيوفُ الجيوش الصليبية أرقابَ -أي: رقاب- الإسلام -أي: المسلمين - .. " (١). ° وبعد أن "كَلَّت أيدي الصليبيين من سفك الدماء"!! -كما يقول مؤلف هذا الكتاب رجل الدين النصراني "مكسيموس مونروند" -: "ذهبوا إلى كنيسة القيامة - التي حرَّرها عمر بن الخطاب، وتحرَّج أن يُصلِّيَ فيها، كي تظلَّ خالصةً للنصرانية والنصارى - ذهب الصليبيون إلى كنيسةِ القيامة، وهم سُكارى، يرددون الصلوات، وأيديهم غارقةٌ في دماء المسلمين الذين ذبحوهم في مسجد عمر بن الخطاب"!! .. وبعبارة شهود العيان النصارى: " .. ولما حَلَّ المساء، اندفع الصليبيون يبكون من فَرْطِ الضحك-!! - بعد أن أتوا على نبيذ المَعَاصر-!! - إلى كنيسة القيامة، ووضعوا أكفَّهم الغارقة في الدماء على جُدرانها، ورددوا الصلوات .. "!!. ثم كتبوا إلى البابا الذهبي "أوربان الثاني"، الذي صَنع لهم مفاتيح

стр. 164

الجنة لقاءَ هذا الذي صنعوا بالإِسلام والمسلمين .. فقالوا: "يا ليتك كنتَ معنا لتشهدَ خيولَنا وهي تَسبحُ في دماء الكفار -أي: المسلمين- .. "!!. وإذا كانت هذه شهادةً نصرانيةً قديمة، توكِّدُ على توسُّل الكنيسةِ الغربية بالدين لإعادة اختطافِ الشرق من الإسلام، لِنَهْبِ ثرواته .. فإن شهادةً نصرانيةً معاصرةً تؤكِّدُ -هي الأخرى- على الطابع المديني لهذه الحرب الصليبية -التي دامت قرنين ضدَّ الإسلام- وفي هذه الشهادة المعاصرة يقول الدكتور "جاك تاجر": "إن ضخامةَ الوسائل التي أعدها الصليبيون، وتعدُّدَ هجماتهم، تدل بلا شك على أن الحروبَ الصليبيةَ كانتا محاولةً لمحو نفوذِ الإسلام في الشرق، فقد شُنَّت هذه الحرب أولَ ما شُنَت لانتزاع حمايةِ القبرِ المقدَّس من الخلفاء، ولكنها ما لَبِثَتْ أن تحوَّلت إلى قتالٍ عامٍّ بين جيوش الإسلام وجيوشِ المسيحية، أي: بين الشرق المسلم والغرب المسيحي" (١). * وصفحة أخرى -دامية- من صفحات الحروب الدينية للكنيسة الغربية، تلك التي تمثَّلت في نَشْرِ النصرانية بحدِّ السيف، وإبادةِ كلِّ مَن لم يتدينْ بدينِ المَلِكِ أو الأمير الذي اعتنق النصرانية! .. ° فالملك "شارلمان" [٧٤٢ - ٨١٤ م،] فَرَض النصرانيةَ على السكسونيين بحد السيف! .. ° وفي الدنمارك، استأصل الملك "كنوت - Cnut " [٩٩٥ - ١٠٣٥ م] الدياناتِ غيرَ المسيحيةِ من بلادِه بالقوة والإرهاب!.

стр. 165

° وفي روسيا، فَرَض الأمير "فلاديمير- Vldimir " [٩٨٠ - ١٠١٥ م] المسيحية الأرثوذكسية على كلِّ الروس غداةَ اعتناقه لها سنة ٩٨٨ م!. ° وفي الجبل الأسود، ذبح "دانيال بيتروفيتش- D.petrovich " غيرَ المسيحيين -بمن فيهم المسلمون- ليلةَ عيدِ الميلاد سنة ١٧٠٣ م!. ° وفي المجر أرغم الملك "شارل روبرت" [١٣١٦ - ١٣٧٨ م] غيرَ المسيحيين على التنصر أو النفي من البلاد سنة ١٣٤٠ م!. ° وفي إسبانيا -قبل الفتح الإسلامي لها - أقسم الملوكُ على التنفيذ بالقوة لقرار "المجمع الكنسي السادس" -في "طلَيطلة"- تحريم كل المذاهب المخالفة للمذهب الكاثوليكي!. . * أما الحروبُ الدينية التي قادتها وخاضتها الكنائسن الغربية بعضها ضدَّ البعض الآخر -أي في داخل النصرانية، وبين أتباع مذاهبها، التي أصبح لكلِّ مذهبٍ فيها "قانون للإيمان" يحتكرُ الخَلاصَ لأبناء المذهب دون سواهم - هذه الحروب التي اشتَعلت لإبادة المخالِفين في المذهب، أو إكراهِهم على تغييرِ عقيدتهم .. فإنها شهيرة، حتى لقد مَثلت "عصرًا" من عصور الحضارة الغربية! .. وهي قد امتدَّت أكثرَ من قرنين، بين الكاثوليك وبين البروتستانت .. واشتُهر منها إحدى عشرة حربًا-[١٥٦٢ - ١٥٦٣ م] و [١٥٦٧ - ١٥٦٨ م] و [١٥٦٩ - ١٥٧٠ م] و [١٥٧٢ - م ١٥٧٣] و [١٥٧٤ - ١٥٧٦ م] و [١٥٧٦ - ١٥٧٧ م] و [١٥٨٠ م] و [١٥٨٥ - ١٥٩٤ م] و [١٥٨٦ م] و [١٦٢١ م] و [١٦٢٥ - ١٦٢٩ م] .... ولقد ذهب ضحية لهذه الحروب ٤٠% من سكان وسط أوروبا ..

стр. 166

ووفق إحصاء "فولتيرا " [١٦٩٤ - ١٧٧٨ م] عشرة ملايين إنسان!. . وذلك غير حربِ الكنيسة اللاتينية الغربية ضدَّ كنيسةِ "أياصوفيا" اليونانية- بالقسطنطينية-[١٢٠٢ - ١٢٠٤ م]، والتي تم فيها التدميرُ والاحتلالُ والسَّلبُ والنهب للملكة القسطنطينية بأسرها! (١). ° أما صفحةُ الحربِ الدينية التي أعلنتها وخاضتها الكنائسُ الغربية، باسم "محاكم التفتيش" عندما أَعلنت أن "خلاص" المخالفين إنما يتحقق "بتخليصهم من الحياة"!، بعد صَبِّ صنوف العذاب عليهم!! .. فلقد دامت هذه الحربُ البشعةُ من عهد البابا "إنوسنت الثالث" [١١٩٨ - ١٢١٦ م]-في القرن الثالث عشر الميلادي- حتى القرن السابع عشر!! .. وغَطَّت جميعَ ممالكِ وإماراتِ النصرانية الغربية .. وذهب ضحيَّتها ملايينُ الضحايا، الذين حَكمت عليهم الكنيسةُ "بالخلاص: الذي يخلِّصُهم من الحياة" بالإغراق- أو الإحراق .. أو الإعدام على الخازوق- الذي استمر عقوبةً للمخالفين ثلاثة قرون!! - .. (٢). ° أما أحدث صفحاتِ وموجاتِ هذه الحروب الدينية الغربية ضد الإسلام وأُمَّته وعالَمِه، فهي تلك التي أعلنها اليمينُ الدينيُّ الأمريكي، في

стр. 167

الإدارة الأمريكية، بقيادة "جورج بوش- الصغير"، بعدَ أحداث الحادي عشر من سبتمبر سنة ٢٠٠١ م- في أمريكا -. وهي حربٌ تستهدفُ بترول الشرق الإسلامي -من منطقة البحيرات الأفريقية إلى بحر "قزوين"، مرورًا بالعراق والخليج العربي- لتحقيق الهيمنة الأمريكية على العالم، وانفرادِ الإمبريالية الأمريكية بالزعامة -دون شَريك- في القرن الواحد والعشرين .. ويقودها اليمين الدينيُّ الأمريكي، برؤية تَوْرَاتية، توحِّدُ بين هذا اليمين اليروتستانتي وبين اليمين اليهودي والصهيوني. وإذا كان الجميعُ مُجمِعين على استهدافِ هذه الحربِ الاستيلاءَ على مصادر الطاقة للانفراد بالهيمنة على العالَم .. فإن الطابعَ الدينيَّ لهذه الحربِ تقومُ عليه شواهدُ وأدلةٌ وحقائق عديدة لا ينكُرها إلاَّ مُكابر. لقد وصف "جورج بوش - الصغير" هذه الحرب في ١٦ سبتمبر سنة ٢٠٠١ م - بأنها "حملة صليبية" -وهي عبارةٌ لمعناها في العقل المسلم تاريخ- ثم جَرَت محاولات -غربية ومتغرِّبة! - للتخفيف من وقع هذه العبارة على العالم الإسلامي، بالقول: إنها "زَلَةُ لسان"! .. ° لكنَّ تداعياتِ الوقائع والأحداث، في هذه الحرب الممتدة، قد جَعلت حتى الفاتيكان -وهو أكبر كنائس النصرانية- يعلِن -من خلال إذاعته الرسمية، التي تذاغ بتسع وثلاثين لغةً، وعلى لسان مديرِ هذه الإذاعة الرسمية الأب "باسكوالي بور جوميو"- يعلن أن الإدارةَ الأمريكية في حَمْلتِها على العراق، تتصرف "بلهجة ومواقف صليبية"، فيقول: "في الوقت الذي

стр. 168

يدعو الفَاتيكان إلى التعقُّل، ويشجع العملَ الديبلوماسي، ويدافعُ عن الحق الدولي، نرى في الجانب الآخر قوةً عظمى تقودها إدارةٌ خَوَّلت إلى نفسها مهمةً إنقاذيةً-[مقدسة]- واتخذت لهجةً ومواقفَ صليبية"! (١). ° أما الأنبا "يوحنا قلته "- نائب البطريك الكاثوليكي في مصر- فلقد أعلن: "أن بوش يستخدمُ المسيحَ دِرعًا والصليبيةَ ثوبًا للدفاع عن مصالحِ أمريكا المادية .. وأنه كان يقصدُ تمامًا معنى عبارة "الحملة الصليبية" .. ولم تكن أبدًا زَلَّةَ لسان" (٢). فهي "حرب صليبية" أعلنها ويقودها اليمين الدينيُّ الأمريكي .. بشهادة الفاتيكان -أكبرِ كنائس النصرانية، في الشرق والغرب-. أما السيناتور "إدوارد كنيدي" والسيناتور "بابريك ليهي"، فلقد أعلنا: أن الإدارة الأمريكية مدفوعة إلى هذه الحربِ "بحماسةٍ مسيحية" (٣). ° ولقد كَتبت "النيوزويك" -الأمريكية- عن "بوش- الصغير" (حامل البشارة)، فقالت: "إنه يؤمن أن حربَه على العراق ستكون حربًا عادلةً وِفقَ المفهوم المسيحي كما شرحها القديس أغسطين -في القرن الرابع- وفصَّلها كلٌّ من "توما الأكويني" [١٢٢٥ - ١٢٧٤ م]، ومارتن لوثر [١٤٨٣ - ١٥٤٦ م]، وآخرون، وأنه عندما استَخْدم مصطلح "الأشرار" في وصف خصومه، قد نَبَش هذه الكلمةَ مباشرةً من المزامير" و "أنه يُفَكِّر في سياسةٍ خارجيةٍ تستندُ

стр. 169

إلى الإيمان .. ويفكِّرُ في حربِ باسم "الحريَّة المدنية" -بما في ذلك الحرية الدينية- في القلب القديم للإسلام العربي .. ويحظى بدعي قوِيٍّ من قاعدته في الجَناح السياسيِّ للمؤتمر المَعْمداني الجنوبي، من أمثال "ريتشارد لاند" و"فرانكلين جراهام" الأب الروحي لبوش -والذي سَبَّ رسولَ الإسلام، وُيندِّد بالإسلام باعتباره إيمانًا عنيفًا وفاسدًا-، ولا يَخفى -مع المبشرين الإنجيليين- رغبتُهم تحويلَ المسلمين إلى المسيحية، لا سيَّما في بغداد" (١). هذا ما كتبته "النيوزويك" الأمريكية- قبل شنِّ الحرب على العراق. ° أما الـ "نيويورك تايمز" فإنها كتبت مقالَين في ٥ و ٦/ ٤/ سنة ٢٠٠٣ م -أي في ذروة الحرب على العراق- عن انخراطِ المبشِّرين الإنجيليِّين، تحت قيادة الآباء الرُّوحيين "لبوش" في الحملة الأمريكية على العراق، بصُحبة القواتِ الأمريكية الغازية .. الأمر الذي "صَبَغ الحرب على العراق بصِبغة الحروب الصليبيَّة .. وأنَّ مِن بين تلك الجماعات التبشيرية المُصاحِبة للجيش الأمريكي مبشِّرين تابعين للكنيسة المعمدانية والكنيسة المنهجية، وَكِلْتا الكنيستين كانت ضمنَ أهمّ الجماعات التي دَعَّمت الرئيسَ بوش .. وهناك ٨٠٠ مبشِّر تطوَّعوا لمصاحبة الجيش الأمريكي الزاحف على العراق، لتقديم الدعم الرُّوحي والمادي للشعب العراقي .. ومِن بين هؤلاء المبشرين "فرانكلين جراهام" الذي دشَّن حفل تنصيب جورج بوش رئيسًا .. ووالده "بيل جراهام"، الذي أثار عاصفةً داخل المجتمعات الإسلامية عندما وَصف النبيَّ محمداً بأنه "إرهابي" و"وثني" .. ولقد أعلن المبشِّرُ "فرانكلين

стр. 170

جراهام" -في القاعدة الأمريكية في الكويت-: "لقد جئتُ إلى هنا تمهيدًا لدخول العراق .. فرغم أن نسبةَ المسلمين في العراق تُشكَّل ٩٧% من إجمالي تعدادِ السكَّان، إلاَّ أننا يجبُ ألأَ ننسى أن المسيحية سَبقت الإسلامَ في دخول العراق .. إنني هنا لدعم مَسِيحِّيي العراق، لكننا في الوقت ذاته نخطط لتقديم الدعم للمسلمين، ليس باسمنا، ولكن باسم الرب". ° أمَّا والد هذا المبشر -القَس "بيل جراهام"-، فهو الأب الروحي لجورج بوش، الذي قال عنه بوش: "إنه الرجل الذي قادني إلى الربِّ .. وهو الذي جَعل بوش يواظب يوميًّا على القراءة في كتاب القَس "أوزوالد شامبرز" الذي مات سنة ١٩١٧ م وهو يَعظ الجنود البريطانيين والأستراليين بالزحف إلى القدس وانتزاعها من المسلمين" (١). ° ويكتبُ المُفكَر الاستراتيجي الأمريكي "فرانسيس فوكوياما" بعد أحداث سبتمبر سنة ٢٠٠١ م فيقول: "إن الصراع الحالي ليس ببساطةٍ ضدَّ الإرهاب .. ولكنه صراعٌ ضدَّ العقيدة الإسلامية الأصولية .. التي تقفُ ضدَّ الحداثة الغربية -وضدَّ الدولةِ العِلمانية- وهذه الأيديولوجية الأصولية تُمثِّل خطرًا أكثر حساسيَّةً -في بعض جوانبه- من الخطر الذي شكَّلته الشيوعية .. والمطلوب هو حربٌ داخلَ الإسلام حتى يَقبلَ الحداثة الغربية والعلمانية الغربية .. والمبدأ المسيحي: دع ما لقيصر لقيصر .. وما لله لله". فماذا فعلوا في حروبهم الدينية في أفغانستان والعراق؟. لقد أهلكوا الأخضرَ واليابس، وعاثوا في الأرض فسادًا، واغتصبوا النساء، وذبحوا

стр. 171

الأطفال، ونسفوا القرى والمدن، وبالوا على المصاحف، وسلسلوا الأسرى عُراة، وأجبروهم على الأفعال الشاذة، وأطلقوا عليهم الكلاب، وما أحداث سجن "أبو غريب" ببعيد!!. - فأيُّ الفريقين خير مَقامًا وأحسنُ نديًّا .. رسولُ الإسلام والسلام والمؤمنون .. أمِ الثعالبُ والذئاب .. من الصليبيين واليهود؟! .. سيأتي اليوم الذي يُكشَفُ فيه التاريخُ الأسوء لما فُعِل بالمسلمين على أيدي هؤلاء. * أكبر شانئي محمد ﷺ المغضوبُ عليهم وهو اليهود، والضالُّون وهم النصارى: * قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]. * وقال تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨]. * وقال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩]. قلوب كافرة سوداءُ مظلمةٌ، ظُلُماتُها بعضُها فوقَ بعضٍ لا انكشافَ لها، مخيفة لا أَمْنَ فيها، مَضْيَعَةٌ لا خيرَ فيها، ضالةٌ ضلالُها لا رجوعَ منه، أعمالُهم سَراب ضائع يلتمعُ التماعًا كاذبًا، فيتبعُه صاحبُه الظاميء، وهو يتوقَّعُ الرّيَّ غافلاً عما ينتظره هناك، يَصِلُ فلا يَجدُ ماء يَرويه، إنما يجدُ ما يُرعبه وُيقطّعُ أوصالَه، وُيورِّثه الخَبَال، ﴿وَالَّذِينَ كَفَروا أَعْمَالُهُمْ كسَرَابٍ

стр. 172

بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩)﴾ [النور: ٣٩]. وجد الله عنده .. الله الذي كَفَر به، وجَحَده، وخاصَمَه، وعادى رسولَه، وآذاه، واستهزأ به. هذه القلوبُ الكالحة، والأنفسُ الصَّلْدةُ اليابسة بِسُمِّها الزُّعاف لا تحملُ للاسلام ونبيّه ﷺ إلاَّ التحقيرَ والاستهزاءَ والسُّخريةَ وخَلْقَ أجواءِ الرِّيبة والاتهاماتِ والحقدِ على رسول الله ﷺ ، منهم رُوَّاد حركة التغريب، وكبارُ مخططيها، وأبرز دعاتها، الذين حَملوا لواءَ العمل في ميادين التبشير "التنصير والاستشراق"، والكتابات السوداء عن الإسلام ونبيِّه العظيم- ﷺ . إن النور الذي أتى به السراجُ المنيرُ ﷺ لا يقفُ له إلاَّ قلبٌ غيرُ مطموس، ولا تصمُدُ لهُ إلاَّ روحٌ غيرُ معاندة ولا مستكبرة ولا مشدودة بالهوى الجامح اللئيم. ° حَمَلة السُّمومِ والحقدِ الواضحِ -لا الدفين- الذي تطفحُ به مواقفُهم وكتاباتُهم: مكر أولىك هو يَبور .. ويبقى رسولُ الله ﷺ بنوره وبهائِه وأصالته وجذورِه القوية وكلماتِه الطيِّبة وعقيدتِه الشافعية النقية، تزولُ الدنيا بأسرها، ولا يزولُ الإسلام وتعاليمُ نبيِّه ﷺ من صدورِ مُتَبعيه ما بَقِيَت الدنيا. ° شانئو محمد ﷺ مِن العبيد والأقزام وأذنابِ الغريب من الدَّجاجلة الذين يطعنون في شريعته- ﷺ وصلاحيتها لكل زمانٍ ومكان، ويمكرون أقبحَ المكر بسُنتَّه ورجالها، ويطعنون في أكبرِ دواوينِ السُّنة وحَمَلَةِ الحديث

стр. 173

ممَن لا تساوي دنياهم قُلامةَ ظفرهم. نابتةٌ من الزنادقة الملحِدين في آياتِ الله، أو الصادِّين عن دين الله، قد سَلَكوا في الدعوة إلى الكفر والإلحاد شِعَابًا جُدُدًا، وللتشكيك في الدين طرائِقَ قِدَدًا؛ يزعمون للعِلم معنًى، إنْ لم يكن بعضُه في العلم، فأكثره في الجهل. جاؤونا في أسماء العلماء، ولكن بأفعالِ أهل الجهل، وكانوا في العلم كالنبات الذي خَبُث، وإنَّك لن تجدَ سيماهم إلاَّ في أخلاقهم، فتعَرَّفهم بهذه الأخلاق، فستُنكِرْهم جميعًا، ولتعلَمَنَّ عليهم كل سُوءٍ، ولترينَهم حَشَوا أجسامهم طينًا وحماةً، في زَعْم كَذِبٍ يُسمي لك الطينَ "طِيبًا"، والحَمأة "مِسْكًا"!، ولَتَجِدَنَّ أحدهم وما في السِّفْلَةِ أسفلُ منه شهواتٍ ونزعات، وإنه مع ذلك ليُزَوَّرُ لك ويُلَبِّسُ عليك، فما فيه من لونٍ عندك يَعيبه إلاَّ هو عندَه تحتَ لوْنٍ يَزينه، ولا رزيلة تُقبِّحه إلاَّ هي في معنى فضيلةٍ تجملِه، فخذْ منه الكَذِبَ في فلسفةِ المنفَعة، والتسفُّلَ في شعاعة الغريزة، والوقاحةَ في زَعْم الحُرِيَّة، والخطأَ في عِلَّة الرأي، والإلحادَ في حُجَّة العلم، وفسادَ الطبيعة في دعوى الرجوع إلى الطبيعة .. وبالجملة: خذْ فِعالَهم فسَمِّهَا غيرَ أسمائها، وانحَلْها غيرَ صفاتِها، واكذبْ بالألفاظ على المعاني، وقُلْ: علماءُ ومُصلِحون، وأنت تعني ما شئت إلاَّ حقيقةَ العلم والإصلاح!!. ° أيتها الحصاة، ما يَسخرُ منكِ الساخرُ بأكثر من أن يَجلُوَكِ على الناس في عُلبةِ جوهرة. يذهبُ أين ذهب، وشُعلةُ الجحيم العلميَّة تدورُ في رأسه تهفو من هنا وهناك، لا يَصلحُ إلاَّ على إفسادِ الحياة، ولا يقوَى إلاَّ على إِضعافِ القوي،

стр. 174

ولا يَعيشُ إلاَّ على غِذاءٍ من الموت، كأنَّه كان مِن قبلُ دودةً في قبر، ثم نَفَخَه الله إنسانًا، يجعله فيما يبلو به من الخلْق، ويضربُ الحياةَ به ضَرْبَ انحلالٍ وبِلى وتَعَفُّن. ومَن تراهُ قد سَخِر به القَدَرُ أشدَّ سخرية قط، فضَغْطة في قالبٍ من قوالبِ الحياة المصنوعة، فإذا هو في تصاريفِ الدنيا كاتب مُرشد متنصِّح، يَنْفث دُخانَ قلبه الأسود، ويعملُ كما تعملُ الأعاصير على إهداء الوجوه والأعين والأنفاس صُحُفًا مُنَشرَّةً مِن غُبار الأرض، إنْ لمْ تكنُ مَرَضًا فأذًى، وإن لم تكن أذًى فضِيق، وإن لم تكن ضِيقًا فلن تكون شيئًا مما يُساغ أَوْ يُقبَل أوْ يُحَبُّ، على أنك ترى أصحابَنا لا يتحاملون على شيءٍ ما يتحاملون على القرآن الكريم، فهم يخصُّونه بمكاره العلم كُلِّها ويَجفَون عنه أشدَّ جفاء" (١). ° شانئو محمد ﷺ هم شانئو القرآن الكريم الذي نزل على قلبه، فأراد المُجرمون أن يَحصُروه في المساجد تلاوةً، وهجروه تحاكمًا، وأنِفوا من تشريعه، وأرادوا فَصْلَ الدين عن دنيا الناس وسياستهم .. وهم واللهِ الجهالُ الذين لا يعلمون قَدْرَ كلام الله الذي سمَّاه الله "نورًا"، وسمَّاه "رُوحًا"، وسمَّاه "شفاء"، و"فضلاً"، و"رحمة" .. كلامُ الله الذي "يجري في الخواطر كما تصعدُ في الشجرِ قَطَراتُ الماء، ويتَصل بالرُّوح، فإنما يَمدُّ لها بسببٍ إلى السماء، وإنه لسِحْر؛ إذْ هو ألحاظٌ لم تَعْهَدْ كلْم أحداقَها، وثمراتٌ لم تَنبُتْ في قلم أوْراقُها، ونورٌ عليه رَوْنقُ الماء، فكأنما اشتعلت به الغيومُ، وماء يتلألأ كالنور، فكأنما عُصِر من النُّجوم.

стр. 175

هَلْ رَأوا إلاَّ كلاماً تضيء ألفاظُه كالمصابيح، فعَصَفوا عليه بأفواههم كما تَعَصِفُ الريح، يُريدون أن يُطفؤوا نورَ الله، وأين سراج النجم من نفخةٍ ترتفعُ إليه؛ كأنما تذهب تطفيه؟! ونور القمر من كف يَحسب صاحبها أنها في حجْمِه، فيرفعها كأنما يخفيه؟! وهيهات هيهات؛ دون ذلك دَرْج الشمس -وهي أمُّ الحياة- في كفَنٍ، وإنزالُها بالأيدي -وهي روح النار- في قبرٍ من كهوفِ الزمن .. لا جَرَمَ أن القرآنَ سِرّ السماء؛ فهو نور الله في أفق الدنيا حتى تزول، ومعنى الخلود في دولة الأرض إلى أن تدول، وكذلك تمادى العربُ في طغيانهم يَعمهون، وظَلَّت آياتُه تلْقَفُ ما يأفِكون، فوقع الحقّ وبطل ما كانوا يعملون" (١). * ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [المجادلة: ٥]: ما أفظعَ عملَ وأقبحَ موقفَ المجرمين الأقزام الذين يَتحدَّوْن اللهَ ورسوله .. ويقفون عند الحدِّ المواجِهِ لحدِّهما!! وما أقبحَ مصيرَ أولئك المتبجِّحين!! فلهم القهر والذُّلُ في الداريْن، والتاريخ خيرُ شاهد .. وكلام الملوك ملوك الكلام. * ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢٠ - ٢١]: هذا وعدُ اللهِ الصادق الذي كان ولابد أن يكونَ، على الرَّغم مما قد يبدو أحيانًا من الظاهر الذي يُخالِفُ هذا الوعدَ الصادق.

стр. 176

وبعد صراع طويل مع الكفر والشِّرك والإلحاد استقرَّ الإيمانُ بالله في هذه الأرض، ودانت له البشريةُ بعد كلِّ ما وقف في طريقه من عَقَبات الشِّرك والوثنيَّة. وإذا كانت هناك فتراتٌ عاد فيها الإلحادُ أو الشركُ إلى الظهور في بعضِ بقاع الأرض، فإن الإيمانَ بالله ظلَّ هو المسيطرَ بصفةٍ عامة، فضلاً على أن فتراتِ الإِلحادِ والوثنيةِ والكفر بمحمدٍ رسول الله خاتم النبيين ﷺ إلى زوالٍ مؤكَّد؛ لأنها غيرُ صالحةٍ للبقاء، والبشريةُ تهتدي في كل يوم إلى أدلةٍ جديدة إلى صِدقِ رسالة محمدٍ ﷺ الخاتمة، ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] .. ويَهرعُ الناسُ في كلِّ مكان من أرجاء البسيطة .. إلى الدخول في الإسلام .. ولا يمرُّ يومٌ إلاَّ ويسلمُ العشراتُ بل والمئات .. فقد كَتب اللهُ على أعدائه وأعداءِ رسوله ﷺ الذّلَةَ والهزيمة، وكتب لنفسه ولرسوله الغَلَبةَ والتمكين .. والمؤمنُ يتعاملُ مع وعد الله على أنه الحقيقةُ الواقعة، فإذا كان الواقعُ الصغيرُ في جِيلٍ محدود، أو في رُقعةٍ محدودة يخالفُ تلك الحقيقةَ، فهذا الواقعُ هو الباطلُ الزائل، الذي يُوجَد في الأرض لحكمةٍ خاصة، لعلَّها استِجاشةُ الإيمانِ وإهاجتُه لتحقيق وعدِ الله في وقته المرسوم. وعَبْرَ التاريخ .. وعَبْرَ تاريخ الإسلام هل استطاعت الحروبُ التي شَنَّها أعداؤه هل استطاع القتلُ والتشريدُ والتنكيلُ وأنواعُ النكايات، واغتصابُ النساء، وبَقْرُ بطونِ المسلمات، وذَبحُ الأجنَّة .. هل استطاع أن يقتلعَ جذورَ الإيمان بالله ورسوله من قلوب المسلمين؟! حين ينظرُ الإنسانُ

стр. 177

إلى هذا الواقع في المدى المتطاوِلِ يجدُ مِصداقَ قولِ الله، يجده في الواقع ذاتِه بدون حاجةٍ إلى الانتظارِ الطويل!!. لا يخالجُ المؤمنَ شكٌّ في أن وَعْدَ الله هو الحقيقة الكائنة التي لا بدَّ أن تظهرَ في الوجود، وأنَّ الذين يُحادُّون اللهَ ورسولَه هم الأذلون، وأنَّ اللهَ ورسولَه همِ الغالبون، وأن هذا هو الكائنُ والذي لا بدَّ أن يكون، ولْتَكُنِ الظواهر غير هذا ما تكون. * قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٢ - ٣٣]. * وقال تعالي: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨]. ° قال الإمام ابن جرير الطبري: "يريد هؤلاء القائلون لمحمدٍ ﷺ : "هذا ساحرٌ مبين"، يريدون ليُبطِلوا الحقَّ الذي بَعث اللهُ به محمدًا ﷺ بأفواههم، يعني: بقولهم: "إنه ساحر، وما جاء به سحر"، ﴿وَاللهُ مُتِمُ نُورِهِ﴾، والله مُعلِن الحقَّ، ومُظهِر دينَه، وناصرٌ محمدًا ﷺ على مَن عاداه، فذلك إتمام نوره، وغنِي بالنور في هذا الموضع "الإسلام"، وكان ابن زيد يقول: عُنِي به القرآن" (١). ° وقال العلاَّمة ابن كثير: "يريد هؤلاء الكفار من المشركين، وأهل الكتاب ﴿أَن يُطْفِئُوا نورَ اللهِ﴾ أي: الذي بُعث به رسول الله ﷺ من الهدى

стр. 178

ودينِ الحق بمجرد افترائهم، فمَثَلهم كمَن يريد أن يُطفيء نورَ الشمس أو القمر بنفخة، وهذا لا سبيلَ إليه؛ فكذلك ما أُرسِل به رسولُ الله ﷺ لا بد أن يتمَّ ويظهر، ولهذا قال تعالى مقابلاً لهم فيما أرادوه ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ .. ﴿لِيظْهِرَة عَلَى الدِّينِ كلِّهِ﴾، أي: على سائر الأديان" (١). ° قال ابن كثير: "يحاولون أن يردُّوا الحق بالباطل، ومَثَلُهم في ذلك كمَثَل مَن يُريد أن يُطفيء شعاعَ الشمس بفِيه، وكما أن هذا مستحيل، فذلك مستحيل" (٢). كم صدُّوا عن سبيله صدًّا، ومَن ذا يُدافعُ السيل إذا هَدَر؟ واعترضوه بالألسِنة ردًّا، ولَعَمْرِي مَن يَردّ على الله القَدَر؟ وتخاطروا له بسُفهائهم كما تخاطرت الفحول بأذنابِ (٣) البقر، وفتحوا عليه من الحوادث كلَّ شِدْقٍ فيه مِن كلّ داهيةٍ ناب، فما كان إلاَّ نورُ الشمسِ لا يزالُ الجاهل يَطمعُ في سَرابه، ثم لا يضعُ منه قَطرةً في سِقائه، وُيلقي الصبيُّ غِطَاءَه ليخفيه بحجابه، ثم لا يزالُ النور ينبسِطُ على غِطائه. ° كم أبرقوا وأرعَدوا حتى سأل بهم وبصاحبهم السيَّل، وأثاروا من الباطل في بيضاءَ ليلُها كنهارها (٤) ليجعلوا نهارَها كالليل، فما كان لهمِ إلاَّ كما قال الله: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ الآية [الأنبياء: ١٨].

стр. 179

* المصباح الذي أناره محمدٌ ﷺ تأَلَّب عليه مليون "أبي جهل" و "أبي لهب" ليطفؤوه: إن هذا المصباحَ السماويَّ تأَلَّب عليه مليونُ "أبي جهل" و"أبي لهب"، مليونُ "حُيَيِّ بن أخطب"، مليونُ "كعب بن الأشرف"، مليون "فرناندوا" و"إيزابيلا"، مليون "أتاتورك"، ولكن هيهات هيهات .. كذلك الحقُّ يعلو في مَصَاعِدِه … حتى ينالَ الذُّرَى أو يَبْلُغَ الشَّعَفَا (١) شتَّانَ ما بين صَرح ثابت رُفِعتْ … منه القِبابُ وصَرْح واهنٍ خُسِفَا لتنصِتِ الأرضُ، ولتَسْمَع ممالكُها … ماذا يقول لها الرعْدُ الذي قَصَفا شرائعُ الخيرِ يُلقيها مُحبَّبَة … شيخُ النبيِّين يَبغي البر واللَّطفَا * ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥]: ° قال العلامة ابن كثير: "قوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٤ - ٩٥] أيْ: بلِّغ ما أُنزل إليك من ربِّك، ولا تلتفت إلى المشركين الذين يريدون أن يصدُّوك عن آياتِ اللهِ، ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩]، ولا تَخَفْهم، فإن الله كافيك إياهم، وحافظُك منهم، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧]. وروى الحافظ أبو بكر البزار عن يزيدَ بنِ درهم قال: "سمعتُ أنساً يقول في هذه الآية: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الحجر: ٩٥ - ٩٦]، قال: مَرَّ رسولُ الله ﷺ ، فغَمَزه بعضُهم، فجاء

стр. 180

جبريل ﵇، فغمزهم، فوقع في أجسادهم كهيئة الطعنة فماتوا". وقال محمدُ بن إسحاق: "كان عظماءُ المستهزئين -كما رُوي عن عروةَ ابنِ الزبير- خمسةَ نَفَر، وكانوا ذَوِي أسنانٍ وشَرَف في قومهم مِن بني أسد ابنِ عبدِ العزَّى بنِ قُصَيٍّ، الأسود بن أبي زمعةَ: كان رسول الله ﷺ فيما بلغني قد دعا عليه لِمَا كان يبلغُه من أذاه واستهزائهِ، فقال: "اللهم أعْم بَصَره، وأثكِله ولدَه"، ومِن بني زهرة: الأسود بن عبد يغوثَ بنِ وهبِ بنِ عبدِ منافِ بن زهرة، ومِن بني مخزوم: الوليدُ بنُ المغيرة بن عبد الله بن عمرو ابن مخزوم، ومِن بني سهم بن عمر بن هصيص بن كعب بن لؤي: العاص ابن وائل بن هشام بن سعيد بن سعد، ومن خزاعة الحارث بن الطُّلاطِلة بن عمرو بن الحارث بن عمر بن مَلْكان .. فلما تمادَوا في الشر، وأكثروا برسول الله ﷺ الاستهزاءَ أنزل الله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ إلى قوله: ﴿ .. فَسَوْفَ يَعْلَمونَ﴾ [الحجر: ٩٤ - ٩٦] ". ° قال ابنُ إسحاق: "وعن عروة بن الزبير أو غيره من العلماء أن جبريلَ ﵇ أتى رسولَ الله ﷺ وهو يطوفُ بالبيت، فقام، وقام رسول الله ﷺ إلى جَنبه، فمرَّ به الأسودُ بنُ عبدِ يغوث، فأشار إلى بطنه، فاستسقى بطنه، فمات منه، ومَرَّ به الوليد بن المغيرة، فأشار إلى أثرِ جِراح بأسفل كعبِ رِجله -وكان أصابَه قبل ذلك بسنتين وهو يجرُّ إزاره -، وذلك أنه مرَّ برجل من خزاعة يَريشُ نَبْلاً له، فتعلَّق سهم مِن نَبْله بإزاره، فخَدَش رجلَه ذلك الخدشُ وليس بشيء، فانتقض به فقتله، ومَرَّ به العاصُ بنُ وائل فأشار
следующие страницы →