← Сира

Сира · id 96964

وا محمداه إن شانئك هو الأبتر

سيد حسين العفاني

Полный текст (2 668 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

كشفُ ألاعِيبه"! (ص ٣٦٢ - ٣٦٣). ° ثم يقول الدجَّال: "وحَلُم جبريل بهذا: ظهر جبريلُ للنبيِّ وسط أشجارِ نخيل الواحة "يثرب"، ووجد نفسَه يتدفَقُ بتشريعات تشريعات .. بدأ سلمانُ يشكو لبعل ويقول: الوحيُ -القرآن- عَلَّم المؤمنَ مِقدارَ ما يأكلُه، وأن الأوضاعَ الجنسيةَ بين الرجل والمرأة كلُّها مقبولةٌ، عدا أن تكونَ المرأةُ فوق الرجل!. ولقد حدَّد كبيرُ الملائكة -جبريلُ- الطريقةَ التي تُوزَّعُ بها ثروةُ المتوفَّى، حتى إن سلمانَ بدأ يتساءل: أيُّ إلهٍ هذا الذي يبدو كرجلِ أعمال؟! .. وكان ذلك بدايةَ الفكرةِ التي حَطَّمت إيمانَه"! (ص ٣٦٤). ° "ونظرًا لتعليم سلمانَ الراقي، فقد صار هو الكاتبَ الرسميَّ لماهوند، ومِن ثمَّ صار هو المسؤولَ عن كتابةِ تلك التشريعاتِ المتكاثرة .. وتكلَّم سلمانُ عن حَثِّه النبيَّ على حَفْرِ خندقٍ كبيرٍ حولَ الواحة "يثرب". وبعد هزيمةِ الجاهليين، قال سلمانُ لبعل برِثاءٍ: أين التكريمُ الشعبيُّ لي؟! أين اعترافُ ماهوند لي بالجميل؟! لماذا لم يَذكُرْني كبيرُ الملائكة في رسائله؟! ولا لفظةً واحدة؟!. ثم اشتكى سلمانُ لبعلٍ من أنَّ وَحْيَ جبريل كان ينزلُ مؤكِّدًا المواقفَ والتشريعاتِ التي يتَّخذُها ماهوند، ولذا بدأ يشُمُّ رائحةً كريهة .. بعد ذلك أخرج سلمانُ زجاجةَ مُسكِرٍ حارٍّ من عباءته، وبدأ هو وبعل يَعُبَّانِ منها عبًّا .. " (ص ٣٦٥). ° وقال سلمان لبعل: "إن هذا الرجل -ماهوند- ساحر، لم يَقدِرْ أحدٌ على مقاومةِ إغرائه .. وعلى أيِّ حالٍ -قالها سلمانُ وهو يتجرَّعُ بقيةَ [الزجاجة]-

стр. 1227

قرَّرتُ أن أختبرَه. فعندما جلس تحت قَدَمَي محمد ليكتبَ له الوحي، بدأ يُغيِّرُه خِلسةً .. لم يلاحظ ماهوند هذه التغييرات، وبهذا بدأتُ أُلَوِّثُ كلمةَ الله بكلماتي الدنسة!. بعد ذلك عَرفتُ أن أيامي في "يثرب" صارت معدودة، فرحلتُ عنها قبلَ الفجر على جَمَلٍ .. ولم يَعُد يُهِمُّني أن أرتبطَ ثانيةً بمدينةِ الجاهلية "مكة" .. إن ماهوند سيعودُ إليها منتصرًا، وأنا أعلمُ أني سأفقدُ حياتي .. " (ص ٣٦٧ - ٣٦٨). ° "بعد أن فَتَحَ ماهوند مدينة الجاهلية، وأمر بتطهيرِ بيتِ الحَجَرِ الأسود من أصنام الجاهلية -٣٦٠ صنمًا-، جاء الناسُ إليه يُسلِّمون وُيعلنون: "لا إله إلا الله"، همس ماهوند في أُذُن خالد: شخصٌ واحدٌ لم يأتِ لِيركعَ أمامي، سلمانُ، ألم تَجِدوه؟!. وفي اليوم التالي، يُسحَب سلمانُ إلى حَضرةِ النبيِّ، يُمسِكُه خالدٌ من أُذُنه، وقد مَدَّ سِكِّينًا على رَقَبته، ويُحضِرُه باكيًا متشنِّجًا: وجدتُه أخيرًا مع مومسٍ تصرخُ في وجهه لأنه لم يَدفعْ أُجرتَها، وها هي رائحتُه نَتِنَةٌ من الخمر. "سلمان الفارسي"! قالها النبيُّ في بداية نُطقِه بالحُكم بإعدامه، لكنْ هذا الأسيرُ يصَرخُ بصوتٍ عال: "لا إله إلا اللهَ"! فيَهُزُّ ماهوند رأسَه قائلاً: إن تحريفَك يا سلمان لا يمكنُ غُفرانُه: أنْ تَضَعَ كلمتَك بَدَلَ كلمةَ الله! يُقسِمُ سلمان على تجديدِ إخلاصه للنبيِّ، ثم يَهمِسُ إليه باسمِ بعل "وشاية" .. وهنا يتدخل بلال لصالحه، فيعفو عنه النبيُّ. عندئذ يذهبُ خالدٌ للبحث عن بعل: من بيتٍ إلى بيت .. " (ص ٣٧٤ - ٣٧٥).

стр. 1228

ذلك من مُفتَرَيات الدجَّالِ الهنديِّ سلمان رشدي على الصحابي التقيِّ سلمان الفارسي، لا لسببٍ إلَّا لكونه ينتسبُ إلى فارس "إيران الحديثة" التي اصطدمت بالغَرب كثيرًا بعد سقوط الشاه، إضافةً لتلك اللعبة الاستعمارية القديمة التي تَعمل على تفتيتِ المسلمين تحت مسمَّيات مختلفة مثل: "عَرَب وعَجَم، سُنَّة وشيعة، وسَلَفية وصوفية .. "، فجاء هذا المَسخُ من تشويهٍ لحقائقِ الإِسلام وعَبثٍ بتاريخه، خَلْطًا للأوراق وجَعْلَها في خدمةِ السياسة، التي تُعنَى بلغة ميكيافيلي "السفالة والانتهازية". وقبل ذلك وبعده، تأتي مفترياتُ هذا الدجَّال على أمين الوحي "جبريل"، وعلى خاتم الأنبياء "محمد رسول الله"، فيَسوقُها بلا حساب .. ولقد غَرَّته نفسُه فاستكبر، وطَفِقَ يَسخرُ منهما ومن قول: "لا إله إلا الله"! لقد كَذَبَ وظَلَمَ وأَجْرَم، والحقُّ والعدلُ والتاريخُ يشهدون على أنه لا جريمةَ بغير عقاب. ° إن له بُشرَى في القرآن، نَزُفُّها إليه وإلى أشياعِه الذين يُظاهِرونه، بُشرَى تقول فيه وفي أمثالِه من مَسْخِ البشر الذين يتكرَّرون عبر التاريخ: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٣٣ - ٣٩]. * وماذا عن الماخور؟!: ° يَفترى الدَّجالُ كعادته، فيقول عن "مكة" بعد أن فَتَحها النبيُّ،

стр. 1229

ودَخَل المكيُّون في الإِسلام: "عاد ماهوند إلى يثرب مع زوجاته، تاركًا المدينة "الجاهلية" تحتَ إمرةِ قائدِ جيشِه خالد .. فمنذ مُدَّةٍ فكَّر ماهوند في أمرِ خالد بإغلاقِ مواخير الجاهلية، إلَّا أنَّ "أبو سمبل" نَصَحه بألَّا يُقدِمَ على مِثل هذا الإجراءِ المتهوِّر، فَلَفَت نَظرَه إلى أن الجاهليين حديثو عهدٍ بالإِسلام: "فلتأخذِ الأمورَ بتأنٍّ" .. ونظرًا لأنَّ ماهوند يُعتبر أكثرَ الأنبياءِ واقعيةً، فقد وافق على فترةٍ انتقالية. ولهذا، اندفع الجاهليون إلى ماخورِ الحِجاب، في غيابِ النبيِّ "في يثرب" .. ولأسبابٍ واضحةٍ لم يكن من الكَيَاسة أنْ يقفَ رُوَّادُ الماخور في صفٍّ طويلٍ في الشارع، وإنما كانوا يَلتفُّون حولَ نافورةِ الغرام، في الفِناء الداخليِّ للماخور، يطوفون حولَها، كما يطوفُ الحُجَّاجُ -لأسبابٍ أخرى- حولَ الحَجَرِ الأسود القديم .. كان كلُّ رُوَّادِ الماخور لابِسِي أقنعةَّ، وكان بعل "الزوج الصوري لمومسات الماخور" يُراقبُهم من أعلى. وبعد مرور سنتَينِ ويَومٍ واحِدٍ من ممارسةِ بعلٍ لحياته الجديدة "ديوثًا"، إذا بأحدِ زبائِن "عائشة" يتعرَّفُ عليه على الرغم من تنكُّره، قائلاً: "إذَنْ، هذا هو المكانُ الذي آواك"! لقد كان هذا سلمانَ الفارسيَّ، الذي دعاه بعل -عَقِبَ ذلك- إلى رُكنٍ، وقَدَّم له زجاجةً من النَّبيذ .. قال سلمانُ: "لقد جئتُ إلى هنا، لأني تاركٌ نهائيًّا هذه المدينةَ اللعينة، ولهذا أردت أن أستمتعَ بلحظةٍ من المتعة بعد كلِّ تلك السنين الخَرَّاء! لقد قَرَّرتُ أن أرحل إلى وطني .. إني راحلٌ غدًا دون أدنى تأخير"! (ص ٣٨١، ٣٨٥).

стр. 1230

* مُفتَرَياتٌ حولَ موتِ النبي ﷺ -!: ° يتردَّى الدجَّالُ في قَعرِ مستنقعاتِ الفجورِ والتضليل، فيتخيَّلُ موتَ النبيِّ، ويَنسِبُه لحُلْمٍ اعترى جبريل، فيقول: "جاءت الأخبارُ أنَّ النبيَّ ماهوند قد أُصيب بمرضٍ عُضال، وأنَّ رأسَه بها دَقٌّ ثقيلٌ كما لو كانت قد امتلأت بالشياطين!. وهذا ما حَلُم به جبريلُ حَول موتِ ماهوند: عندما بَدَأت رأسُ الرسول تُوجِعُه بآلامٍ لم يَعْهَدْها من قبلُ، أدرك أنها النهاية .. ثم صَرخ قائلاً: مَن هناك؟ هل هو أنت يا عزرائيل؟!. لكنَّ "عائشة" سمعت صوتًا مرعبًا لامرأةٍ تقول: لا يا رسول الله، إنه ليس عزرائيل!. وعاد ماهوند يَسأل: هل هذا المرضُ منكِ يا أللات؟. فقالت: إنه انتقامي منكَ، وهو يُرضيني .. ثم خَرَجت تلك المرأةُ المتكلِّمة .. وتمتم الرسولُ: ومع ذلك، فإني أشكرُكِ أيتها أللاتُ على هذه المنحة!. وما هي إلَّا لحظات، حتى مات" (ص ٣٩٣ - ٣٩٤). * أما بعد .. أمَا وقد تَردَّتِ الأمورُ إلى هذا الحد، فلم يَعُدْ هناك من حديث إلَّا اللعنة، نَصُبُّها على هذا الدجَّال الهندي من "الكتاب المقدَّس"، فلعلَّ حُماتَه من "أهل الكتاب" يُفيقون قبلَ أن تدركَهم، لقد كان تعليمُ نبيِّ الله داود أن نقول في مثل هذه المواقف: "يا إلهَ تسبيحي لا تسكت؛ لأنه قد انفَتح على

стр. 1231

فمِ الشرير وفمِ الغُش، تكلَّموا معي بلسانٍ كَذِبٍ، بكلامِ بُغضٍ أحاطوا به، وقاتَلوني بلا سبب .. فأقم أنت عليه شريرًا، ولْيَقِفْ شيطانٌ عن يمينه، إذا حُوكم فلْيَخرجْ مذنبًا، وصلاتُه فلْتَكُنْ خَطِيَّةً، لَتكُنْ أيَّامُه قليلةً، ووظيفتُه ليأخْذها آخَرُ، ِليكن بنُوهُ أيتامًا، وامرأته أرملةً، لِيَتِهْ بنوه تَيهانًا، ويَستعطُوا، ويلتمِسُوا خُبزًا من خِرَبهم، لِيَصْطَدِ المُرابي كلَّ ماله، ولْيَنْهَبِ الغرباءُ تَعَبَه، لا يكن له باسطُ رحمة، ولا يكنْ مترأفٌ على يتاماه، لِتنقرضْ ذُريَّتُه في الجيل القادم، لِيُمْحَ اسمُهم، ليُذْكَرْ إثمُ آبائه لدى الرب، ولا تَمحُ خطيَّةَ أُمِّه، لتكنْ أمامَ الربِّ دائمًا، وليُقْرَضْ من الأرض ذِكرُهم. أَحَبَّ اللعنةَ فأَتَتْه، ولم يَسِرْ بالبركة فتباعَدَتْ عنه، ولَبسَ اللعنةَ مِثْلَ ثَوبه، فدَخَلت كمياهٍ في حَشاه .. لتكن له كثوبٍ يتعطَّفُ به، وكمِنطَقةٍ ينتطقُ بها دائمًا" (المزمور: ١٠٩). إنها حقًّا روايةٌ شيطانية، كَتَبها حشَّاشٌ في ماخور، أُصيب بانفصامِ الشخصية، فصار يتردَّدُ بين القِردِ والحشَّاش .. فحينَ ينظرُ في مِرآةٍ رأسيةٍ أمامَه، فإنه يَهذِي ويَشتدُّ هُراؤه، وحين ينظرُ في مرآةٍ أُفقيةٍ أسفَلَه، ينعكسُ أقبحُ ما فيه، فيَهيجُ ويشتدُّ جُنونُه، إنَّ قُبحَه يتضاعَف: قبحُ وجهه يُغذِّي قُبْحَ مُؤخِّرتِه، وقُبحُ مؤخِّرته يُغذِّي قُبحَ وجهه، تمامًا كدائرةٍ راديويةٍ تعملُ في حالةِ رنين .. قُبحٌ إلى ما لا نهاية (١). * "سلمان رشدي شيطانٌ من شياطين الإنس، مِمَّن نَجِدُ لعنَهُ في

стр. 1232

قول الله في القرآن العظيم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]. "لقد أَحَبَّ اللعنةَ فأَتَتْه، ولم يَسرْ بالبركةِ فتباعَدَت عنه" -كما قال داود-، "ولكلِّ امرئٍ ما نوى"، فكان هذا عدُوًّا لخاتمِ النبيين، لقد قادته نيَّتُه السيئةُ إلى المهالك، إذ أراد أن يشتريَ الشُّهرةَ والمالَ بأيِّ ثمن، فدمَّرَ نفسَه تدميرًا، ولكن: "ماذا ينتفعُ الإنسانُ لو رَبِحَ العالَمَ كلَّه وخَسِرَ نفسه؟! " -كما قال المسيح-. * لقد اختار طريقَ اللعنة، فتهيَّأت له أسبابُها، صار الشيطانُ له قرينًا، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم: ٨٣ - ٨٤]. وعندما نَقتبسُ ما جاء في الإنجيل عن إنسانِ الخيانة نقول: لقد دخل الشيطان في سلمان رشدي، وهو كان معدودًا من جُملةِ المسلمين. فمضى وتكلَّم مع رؤساءِ الكفرِ كيف يُنفِّذُ مؤامرتَهم، ففرِحوا وعاهَدوه أن يُعطُوه مالاً وشُهرةً، فواعَدَهم، وكان يَطُلُب فرصةَ أَنْ يُتِمَّ روايتَه الشيطانية، فيُفرغَ فيها كلَّ سُمومِه وسُمومِ المتآمِرِين. ولقد قام الخائنُ بتنفيذِ الدَّورِ المرسومِ له تمامًا، فاستحقَّ من سادتِه قَبْضَ الثمن: أموالاً وشُهرةً وإعلانَ حِمايةٍ، كما لو كان واحدةً من المستعمرات السابقة. ° ولكن -كما قال المسيح-: "ويلٌ لذلك الرجل .. كان خيرًا لذلك الرجل لو لم يولد".

стр. 1233

* الدَّجَّالُ الهندي يسيرُ على خُطا الدَّجَّالِ اليوناني: أخرج الدجالُ الهنديُّ سلمان رشدي روايتَه الشيطانية لأولِ مرةٍ في عام ١٩٨٨، تَطعنُ في محمدٍ رسولِ الإِسلام، وتُوجِّهُ للمسلمين أفظعَ الإِهانات. ولقد شَهِد نفسُ العام -١٩٨٨ - حَدَثًا آخَرَ له نَفسُ الأسلوب والمحتَوى والأهداف، وهو إخراجُ فيلم: "التجربة الأخيرة للمسيح"، يَطعنُ في عيسى رسولِ المسيحية، ويُشوِّهُ سلوكياته، وأكثرُ من هذا أنه يُمجِّدُ تلميذَه الخائن "يهوذا". ويُظهرُه في شَكلِ بطلٍ غَيُور، يَتَّهم مُعلِّمَه بالخيانة!. لقد صَفَّق كثيرٌ في الغرب -وما يزالون- عندما سَمِعوا عن مضمونِ روايةِ الدجَّال الهندي وطَعْنِها في الإِسلام ونبيِّه، وهاجت قُطعانٌ كثيرةٌ تَطلُبُ حمايتَه باعتباره مُنقِذًا لهم من خطرٍ متوهِّمٍ للإِسلام، يُعشِّشُ في عقولِ الحمقى منهم والجهلاء، ونَسُوا -أو جهِلوا- في غَمْرةِ مَوْجاتِ الجنون -التي تُمثِّلُ ظاهرةً دوريَّةً تَعوَّدْنا على ظُهورها بين الحين والحين- أن رسول المسيحية المعبود، قد تحوَّل في هذا الفيلم إلى عِربيدٍ زانٍ ضعيف، خَدَعَه الشيطان!. * فيلم "التجربة الشيطانية": أُخرج الفيلم عن رواية الكاتب اليوناني "نيكوس كازانتزاكس"، التي صَدَرت عام ١٩٥٥، وكانت من أكثرِ الكُتُبِ رَوَاجًا، وقد صَدَر ضِدَّه قرارٌ بالحِرمانِ من الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية.

стр. 1234

° تقومُ أحداثُ الفيلم -كما تقول مجلة "تايم"- على "أنَّ "يسوع" إنسانٌ كامل وإلهٌ كامل، وقد أظهَرَه عِلمُ اللاهوت المسيحي على أنه متحرِّرٌ من الخطيئة، لكنه مُعرضٌ لكلِّ الإغراءات -بما فيها إغراءاتُ الجِنسَ-. ° وعلى خطى "كازانتزاكس" -المؤلف-، فإن "سكورسيس" -المخرجَ- أظهر "يَسوع" كإنسانٍ ضعيفٍ متردِّدٍ، متعاونٍ مع الرومان، إذ يَصنعُ لهم صُلبانًا (١)، يَعدِمون عليها الثُوَّارَ اليهود". ° أما صاحبُه "يهوذا"، فهو مقاوِمٌ للاضطهاد الروماني، لا يُعجِبُه سلوكُ يسوع، فيوبِّخُه بعنفٍ قائلاً: "أنت متعاونٌ معهم! يهوديٌّ تصنعُ صُلبانًا لهم"!. يَعتريه كَربٌ عظيم، فيَهيمُ على وجهِه حتى يقفَ أمام باب، وهناك يَجِدُ حَيَّتَينِ متشابكتَينِ -إحداهما سوداء، والأخرى بيضاء-. وخَلْفَ الباب يكتشفُ ماخورًا، تُمارِسُ فيه "مريم المجدلية" الدعارة، يَطلبُ منها المغفرة، ثم يَسقطُ في الإثم!. ويصيحُ قائلاً: "يا إلهي، أنا ابنُ الخوف (٢) "!. وفيما بعد، أمامَ المنافقين البرجوازيين "من الكتبة والفريسيين"، يُنقِذُ "مريم المجدلية" من الرجم، قائلاً: "ومَن هو الذي لم يُخطِئْ أبدًا؟! " (٣).

стр. 1235

ثم يرحلُ إلى الصحراء للتأمُّل. وهناك تجربةٌ حيَّةٌ، ويَتحدَّثُ معه أسدٌ، ويَسيلُ الدمُ من شجرةِ تفاحٍ عندما يأكلُ منها، وتَظهَرُ بَلْطَةٌ في الرمل. مِن الآن فصاعدًا، يبشِّرُ بالحرب .. وأمامَ تلاميذه يُدخِلُ يَدَه في صدره وينتزعُ قَلبَه، وُيريه لهم بإعجاب! ويصيرُ إلهَ الحرب!. وفي فَزعِهِ مِن فَرْطِ قُوَّته: يُقيم "لعازر" من الأموات. إلَّا أنه يبقى قَلِقًا ومُشوَّشَ الفِكرِ فيما يتعلَّق برسالتِه وحقيقةِ مهمَّتِه، وفي إحدى الليالي، على جبل "الزيتون"، يُحرِّض يهوذا -أفضلَ أصحابه- على خيانته من أجل تنفيذِ خُطةِ الله!. يقول يسوع ليهوذا: "افعلها من أجلي! فيجيبه يهوذا: لا أستطيع. فيُلحُّ عليه قائلاً: افعَلْها، من أجلِ الحبِّ"!. يفعلها يهوذا، وتسيرُ الأحداث حَسْبَ رواياتِ الأناجيل، حتى يُعلِّقونه على الصَّليب، وهناك في لحظةِ تفكيرٍ حالِمٍ يَظهرُ يسوع وهو يمارِسُ الجنس مع مريم المجدلية!. وعندما يُشرِفُ على الموت، تتراءى له فتاةٌ صغيرة، لعلَّها ملاك!! إنها تطلبُ منه أن يَنزِلَ وتقول له: لقد عانيتَ كثيرًا، إنك لستَ المسيح. وبطريقةٍ خَفِيَّةٍ يَنزلُ من على الصليب، ويرتحلُ تُجاهَ وادٍ أخضرَ نَضِرٍ، هناك يُمارسُ الجنس مع مريم المجدلية ثم يتزوَّجان. وبعد موتها يتزوَّجُ مريم أخت لعازر -الذي أقامه مع الأموات-، ثم يزني بأختها "مرثا"!.

стр. 1236

ثم يرى يسوعُ "بطرس ويوحنا ويهوذا" قادِمين إليه، فيَسُبُّه يهوذا قائلاً: "أيها الخائن! لقد طلبتَ منِّي أن أَبيعَك، لكنك لم تَمُتْ على الصليب، إن الفتاةَ الصغيرةَ التي تراءت لك، لم تكن ملاكًا، إنها شيطان"! (١). يتوسَّلْ إليه يسوعُ مرةً أخرى، إنه يريدُ العَودةَ إلى الصليب، وهناك يموت! (٢). وهكذا عَبَثوا بالمسيح. ° لقد احتوت القِصَّةُ الأصليةُ على عباراتٍ قَذِرةٍ، مثلِ قول يسوع -وحاشاه- لمريم المجدلية "الإلهُ ينامُ بين فَخَذَيْكِ" (٣) وحَذَفوها من الفيلم. ° واحتوى الفيلمُ على عباراتٍ فظيعةٍ وردت على لسانِ يسوع، مثل قوله: "إني كذَّاب، إني مُنافق، إني خائفٌ من كلِّ شيء، إنَّ الشيطانَ في داخلي" (٤). ° ومع ذلك، فقد وُجد مَن يدافعُ عن الفيلم -بل ويَشِيدُ به-، ليس فقط من بين المنحرفين من عامَّةِ الشعب، بل وأيضًا من بين المنحرفين من رجال الكنيسة!.

стр. 1237

° فقد قَدَّم الأسقف "بول مور" -في كنيسة نيويورك- أقوى دفاعٍ عن الفيلم قائلاً: "إنه صحيح من الناحية اللاهوتية، وعلى الرغم من أن ممارسةَ "يسوع" للجنس مع مريمَ المجدلية، قد يؤذِي مشاعرَ البعض، فيجبُ علينا أن نتذكَّرَ أنه حُلْم، وأنه ليس إلا صورةً أخرى ليسوع، وعملاً فنيًّا يؤكِّدُ على جوانبَ معيَّنةٍ من شخصيته"!. إن الناس اليوم -يا جَنَاب الأسقف-، يعيشُون حقًّا عالَمَ الهلوسة!. ° كذلك قال القس "وليام فور" -من "المجلس الوطني للكنائس"-: "إنه يَرى الفيلم: "محاولةً أمينةً تحكي قصةَ "يسوع" من مَنظورٍ مختلف"!. ° وقال القسُّ اللوثري "تشارلز برجستروم": "لا يمكنُ اعتبارُ هذا الفيلم تجديفًا أو هجومًا على الأسفار المقدَّسة". ° وقال الأسقف "أنتوني بوسكو" -من "المجلس الوطني للأساقفة الكاثوليك"-: "إن مُعاداةَ السامية، والكراهيةَ التي سَبَّبها هذا الفيلمُ، يَصعبُ أن تُرضِيَ قلبَ المسيح"!. حقًّا أيها "الأتقياء" من رجال الكنيسة، لقد اغتِيل الحقُّ باسم الحب، وأنتم على ذلك من الشاهِدين، بل ومِن المبارِكِين! فباسم الحبِّ يُرتكبُ اليوم كل الموبقات. * بين شيطانيَّاتِ الهندي .. واليوناني!: صَدَرت روايةُ الدجَّال اليوناني "نيكوس كازانتزاكس" عام ١٩٥٥ تحت اسم: "التجربة الأخيرة للمسيح"، وهى تعني التجربةَ الشيطانيةَ الأخيرة التي تعرَّض لها المسيحُ، وانتهت -حَسْبَ زَعمِه- بسقوطِ المسيح في

стр. 1238

الخطيئة؛ بعد أن استحوَذَ عليه الشيطان، وأخضَعَه لسلطانه!. وبعد ٣٣ عامًا، صَدَرت روايةُ الدجَّال الهندي "سلمان رشدي" -عام ١٩٨٨ - تحت اسم "مقاطع شيطانية"، وهي تزعمُ أن للمَقْطَعَينِ -على شاكلةِ سَجْعِ الكُهَّانِ وسَدَنَةِ الأصنام- قد نَفَثَهما الشيطانُ أثناءَ قراءةِ النبيِّ محمدٍ لإحدى سُور القرآن -سورة "النجم"-، وكصَفقةٍ شيطانيةٍ بين النبيِّ وأبي سفيان، تُمجِّدُ ثلاثَ معبوداتٍ وثنيةً هي: "أللات، وألعزى، ومناة"، وهذا يعني -حَسْبَ زَعْمه- أن النبيَّ محمدًا استحوذ عليه الشيطانُ يومًا ما، وأخضعه لسلطانه!. ذلك هو الفِكرُ العامُّ الذي تتضمَّنُه كلٌّ من الروايتين، ولَمَّا كانت الأولى قد سَبَقتِ الثانيةَ بمدَّةِ ثُلُثِ قَرْنٍ، كان الانطباعُ العامُّ هو أن الثانيةَ قد جاءت كسَرِقةٍ أدبيةٍ من الأولى. وإذا تعمَّقْنا قليلاً في دراسةِ البِنيةِ الأساسيةِ لكِلا الروايتين، تَبَيَّنَ لنا صِدقُ القول بأن الهنديَّ سَرَق من اليوناني. ° لقد لَخَّص الناقد "جان لوقا سابلون" حقيقةَ التجربةِ الأخيرةِ للمسيح، بقوله: "هل هي حُلم؟ أم تقلُّص الزمن؟ أم خيال؟ .. الله والشيطان شيء واحد"! (١). وتلك هي حقيقةُ رواية "مقاطع شيطانية"، فلقد هَرَب الدجَّالُ الهندي من الجِدِّ إلى اللهو والعبث، وذلك باللجوء إلى الأحلام والتخيُّلاتِ التي ازدَحَمت بها روايته، وهو قد اعتَرف بذلك صراحةً في مِثل قوله: "لقد

стр. 1239

بَدَأَتِ الأحلامُ في نفسِ الليلة، وفي تلك الرؤى كان حاضرًا دائمًا، ليس كذاتِه، بل كسَمِيِّه .. أنا هو، وهو أنا، أنا كبيرُ الملائكة الدَّمَوي، جبريل نفسه"! (ص ٨٣). "وهذا ما حَلُم به جبريل" (ص ٣٦٣). "حَلُم جبريلُ بالحجاب" (ص ٣٧٦). "حَلُم جبريل بموت بعل" (ص ٣٩٠). "حَلُم جبريل بموت ماهوند" (ص ٣٩٣). ° واستَخدم الهنديُّ فكرةَ تقلُّصِ الزمن -كما ذكرنا سلفًا- مستعينًا بتناسُخ الأرواح، والولادةِ مرةً ثانية، وممارسةِ الرُّوحِ لحياةٍ ثانيةٍ يَفصِلُها عن الحياةِ الأولى مُدَّةٌ زَمَنيَّةٌ كبيرة. ° وإذا كان الإغريقيُّ قد وضع على لسانِ المسيح قوله عن نفسه: "إني كذاب .. إن الشيطانَ في داخلي"!. ° فلقد وَضَع الهنديُّ على لسان النبيِّ قوله: "عندما يأتي جبريلُ أشعر كما لو أنه يأتي من أعماقي، مِن نفسي"! (ص ١٠٦). وإذا كان الإِغريقيُّ قد أشار إلى أنه عندما تختلِطُ الأمورُ على صاحب الرسالة -المسيح- يكون الله والشيطانُ واحدًا -حَسْبَ مزاعِمِه المضلِّلة-!! فإنَّ الهنديَّ اقتَبَس تلك الفكرةَ، ووَضَعها في مناقشةِ صحابةِ النبيِّ للصفقة المزعومة مع أبي سفيان حولَ وَضْعِ معبوداتِ الجاهليةِ الثلاث: "أللات، وألعزى، ومناة"، فهو يَزعُمُ أن النبيَّ كان يُبرِّرُ قبولَه للصفقة: بأن تلك المعبوداتِ الثلاثَ لن يَكُنَّ كُفُوًا لله، وغايةُ ما في الأمر أن يكون لهنَّ نوعٌ من الوسيلةِ إليه، أي يكنَّ ذاتَ وضعٍ أقلَّ!.

стр. 1240

° وهنا يَصرخُ بلال: "مِثلُ الشياطين! فيقول له سلمان، لا، بل مثلُ ملائكةِ الطبقة العُليا". ° فيُعقِّبُ النبيُّ بقوله: "ملائكة وشياطين، شيطان وجبريل، إنَّنا جميعًا نَقبَلُ بوجودهم بين الله والإنسان"! (ص ١٠٧). ° "وعندما يستردُّ النبيُّ وَعْيَه، فإنه يصرخُ بكلِّ قوَّتِهِ، ويقول: "إنه الشيطان! في المرة الأخيرة، كان شيطانًا! .. لقد انخدَعَ وعَرَف أن الشيطانَ جاءه على هيئةِ كبيرِ الملائكة، وأنَّ المقاطعَ التي تلاها في خَيمةِ الشِّعرِ كانت شيطانيةً، فيَعودُ إلى مدينةِ الجاهلية بأسرعِ ما يكون، قاصدًا بيتَ الحَجَرِ الأسود، ويقفُ أمامَ التماثيلِ الثلاثةِ، ويُعلِنُ مَحْوَ تلك المقاطعِ التي هَمَسها الشيطانُ في أذنه" (ص ١٢٣ - ١٢٤). ° ولقد تكلَّم نُقَّادُ فيلم "التجربة الأخيرة للمسيح"، عمَّا به من أخطاءٍ عقائديةٍ من وجِهةِ نظرِ المسيحية، فقالوا: "إن تصويرَ المسيح وهو يلتقطُ أقذارًا وأحجارًا ويقول: هذا هو دَمِي أيضًا، فإنَّ هذا يَجعلُه مؤسِّسَ عقيدةِ وحدةِ الوجود، "التي تقول بأن اللهَ والطبيعةَ شيءٌ واحدٌ"، كما أنه مؤسِّسٌ للمسيحية". ° كذلك التَقَطَ الهِنديُّ هذه الفكرةَ، ونَسَج على مِنوالها، فاختَرَع مشهدًا يزعمُ فيه أنَّ النبيَّ صَعِدَ الجبلَ ليسألَ كبيرَ الملائكة "جبريل" في موضوع المعبودات الثلاث، وأنَّ جبريلَ عندما رآه يَصعَدُ صار يرتجفُ ويتمنَّى لو أن النبيَّ لم يَحضُرْ إليه، ثم يُحدِّثُ نفسَه قائلاً: "إنه يأتي إليَّ مِن أجلِ الوَحْي، يَطلبُ منِّي أن أختارَ بين أن يكونَ مؤمنًا بالإلهِ الواحد "موحِّدًا حقيقيًّا"، أو مؤمنًا بالإلهِ الواحدِ مع عبادةِ آلهةٍ أخرى "موحِّدًا

стр. 1241

مزعومًا" .. " (ص ١٠٩). ° ولقد استخدم اليونانيُّ فِقراتٍ من الأناجيل، استنبط منها حينًا، ما استهواه خيالُه، واستَخدَمَ لفهمها -أحيانًا- تفاسيرَ منحرفةً ورواياتٍ منحولة، أوقعَتْه في هذه الضلالات. فمثلاً: تذكرُ الأناجيل المتشابهة "متَى ومُرقس ولُوقا" أنَّ الروحَ أخرج المسيحَ إلى البرِّيَّة، وهناك جَرَّبه الشيطان، وبعد أنِ اجتازَ التجارب بسلام، "تركه أبليسُ، وإذا ملائكةٌ قد جاءت فصارت تخدُمه - متى ٤: ١١". ° إلا أن "لوقا" خَتَم حديثَه عن تجربةِ الشيطان للمسيح بقوله: "ولَمَّا أكملَ إبليسُ كلَّ تجربةٍ، فارَقَه إلى حين - ٤: ١٣". إن هذا يعني بداهةً أنَّ للشيطان عودةً أخرى لتجربةِ المسيح، وكان هذا هو ما استثمره اليونانيُّ في روايتِه "التجربة الأخيرة للمسيح"، إلَّا أنه ضَلَّ في روايتهِ لتلك التجربة التي اعتَمَد فيها على تفسيراتٍ خاطئةٍ ورواياتٍ متهرِّئة. كذلك يُقرِّرُ إنجيل "يوحنَّا" أن "يهوذا" كان أمينًا للصندوق (١٣: ٢٩)، ولهذا وصفه اليونانيُّ بأنه "أفضلُ أصحاب المسيح"، وصَوَّرَه في صورةِ يهوديٍّ حريصٍ على الإِسرائيليين أكثرَ من حرصِ المسيحِ نفسِه. ° وكذلك يَذكرُ إنجيل "يوحنَّا" أنه في العَشَاء الأخير، قال المسيح ليهوذا: "ما أنت تعملُه، فاعْمَلْه بأكثرَ سرعة، وأمَّا هذا فلم يَفهَمْ أحدٌ من المتَّكِئين لماذا كلَّمه به - ١٣: ٢٧ - ٢٨". ° مِن هنا قال اليونانيُّ -وغيرُه من المدافِعين عن يهوذا-: "إن المسيحَ كان يرجوه أن يَخونَه لكي يقبِضوا عليه ويقتلوه صَلْبًا، بزَعمِ أن تلك كانت

стр. 1242

خُطةَ الله لخلاصِ العالَمِ من الخطيئة"!. ولقد كان هذا ما فَعَله الهنديُّ في سَيرِه على خُطى اليونانيِّ، إذِ اعتَمَد في حديثِه عن المقاطع الشيطانية، على رواياتٍ متهالكةٍ قامت على تفاسيرَ منحرفةٍ لبعضِ آياتِ القرآن، مثل قول الله لنبيه: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٧٤ - ٧٥]. إنَّ الفهمَ اللُّغوي لهذه الآياتِ ليس في حاجةٍ إلى خَلْفِيَّةٍ عِلميَّةٍ أو تاريخيةٍ بما كان بين هؤلاء -المشركين الذين تحدَّث عنهم القرآن- وبين الرسول، فالآيةُ الأولى تؤكِّدُ بوضوحٍ أن اللهَ ثَبَّته، وبالتالي لم يَركَنْ إليهم .. والآيةُ الثانيةُ تُبيِّن أنه لو فَعَل ورَكَن إليهم -ولو شيئًا قليلاً-، لكان عَذابُه مضاعَفًا. إنَّ القضيةَ واضحةٌ تمامًا، لكنْ هناك مَن تعامَوْا عن صَدْرِ الآية الأولى، ووقفوا يَنظُرون إلى بعضِ بقيَّتها نَظَرَ مَن يريدُ وقوعَ المنفيِّ وقوعُه، فاختَرعوا رواياتٍ باطلةً لا تَصمُدُ أمامَ التمحيص العِلميِّ ساعةً من نهار، وليس معنى ركونِ الرسولِ إلى المشركين -لو وقع- أنْ يأتيَهم بقرآنٍ من عنده ليرضيَهم افتراءً على الله، وكيف يكونُ هذا، واللهُ يُحذِّرُ المؤمنين من الركونِ إلى الظالمين، في قوله: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣]؟!. فالركونُ إليهم، يعني -لغةً- موالاتَهم، أو القعودَ عن مجاهدتهم، أو الاعتمادَ عليهم.

стр. 1243

وأخيرًا، نلاحظُ أن اليونانيَّ قد استَخدم النساءَ في حياِةِ المسيح أسوأَ استخدام، وعلى خُطاه سار الهنديُّ عاريًا، مجرَّدًا من كلِّ سِترٍ أو حياء. ولَمَّا كانت روايةُ "التجربة الأخيرة للمسيح" من أكثرِ الكُتُبِ رَواجًا عندما صَدَرت عام ١٩٥٥، فقد سال لُعابُ الدجَّالِ الهنديِّ أن يكونَ لروايته الشيطانيةِ مِثلُ ذلك الرَّوَاج، ولَمَّا كان يَعلمُ في قَرارةِ نفسِه أنه كاتبٌ مغمورٌ فاقِدُ الموهبة، فلم يَجِدْ له مِن وسيلةٍ سوى إرضاءِ المِزاجِ الغربيِّ الذي تَربَّى على الخَوفِ من الإِسلام والطعنِ في نبيِّه وكتابِه وكراهيةِ المسلمين -كما قرَّر ذلك بحقٍّ "برنارد شو" قبل خمسين عامًا-، وذلك بترديدِ أكاذيبَ باليةٍ عن القرآن، والخَوضِ في مطاعنَ قديمةٍ حولَ تعدُّدِ زوجاتِ الرسول، وكلُّها من الموضوعات التي قُتلت بحثًا وتفنيدًا، ولم يَبقَ فيها مزيدٌ لمستزيد. ° "فليس تحت الشمس جديد، إن وُجد شيءٌ يقال له: انظر! هذا جديد، فهو منذ زمانٍ كان في الدهور التي كانت قَبلَنا - سِفر الجامعة ١: ٩ - ١٠". ° وأخيرًا، نقول: إنه ليس عجيبًا أن تَصدُرَ هذه الأساطيرُ الشيطانيةُ عن بعضِ مَن ينتسبُ إلى الهند أو اليونان. اقرؤوا التاريخَ القديم -إن شئتم-، واقرؤوا مِن أين جاءت مِثلُ هذه الأساطير (١). * مُحاكمة سلمان رُشدي، والحكمُ برِدَّتِه، وحَدُّ المرتدِّ القَتلُ: ° نقول لأهل الكتاب: نحن نعلمُ أنَّ سلمان رشدي دَجَّالَ الهِندِ مرتدٌّ، وحَدَّه القتل في شريعتنا الإِسلامية؛ ولكنْ نُطالِبُكم بمحاكمتِه وِفقَ

стр. 1244

نصوصِ كتابكم، فلقد طَعَن في الإِله والملائكةِ والنبيِّين، وكان لأمين العرش جبريل وأبي الأنبياء إبراهيم النصيبُ الأكبرُ من السخرية والشتائم والإهانات، وباختصارٍ لقد جَدَف على المقدساتِ، فماذا أنتم قائلون في جرائمةِ بالنسبة للمقدَّسات عندكم، وها هي جرائمه. * جرائم الدَّجَّال سلمان رشدي: ١ - السخريةُ من الإله ومِن خَلقِه البشر ذَوِي خيالٍ وأحلام، وذلك في قوله: "لو كنتُ اللهَ، لأبطلتُ الخيال فورًا من أذهانِ الناس، وآنَذَاك قد يستطيعُ أولادُ الزِّنا المساكينُ مِثلي أن يَحصُلوا على قِسطٍ طيِّبٍ من الراحة بالنوم بلا أحلامٍ بمضاجعةِ الأمهاتِ ليلاً"! (ص ١٢٢). ٢ - الحديثُ عن اسمِ الله بسخريةٍ وتهكُّم، إذ يقول: "يوجَدُ إلهٌ يُسمُّونه هنا: "الله"، الذي يعني ببساطة: الإله، وإذا ما سألتَ الجاهليِّينَ عنه، فسيعترفون بأنَّ هذا الشخصَ له نوع من السُّلطان الكُلِّي، إلَّا أنه لا يتمتَّعُ بحَظوةٍ كبيرةٍ بينهم، فهو إلهٌ يقومُ بكلِّ الأدوار في زمنِ التماثيلِ المتخصِّصة"! (ص ٩٩). وجديرٌ بالذِّكر أنَّ لفظ الجلالة "الله" -بهذا النطق الصوتي " ALAH" كما في العربية- هو ما ذَكَره عالِمُ اللاهوت الدكتور "سكوفيلد" في الطبعة الأولى من تفسيره للكتاب المقدَّس الإِنجليزي " ENGLISH BIBLE" - بمعاونةِ ثمانيةٍ من العلماءِ حَمَلَةِ الدكتوراة في اللاهوت-، وذلك في تعليقه على العددِ الأول من "سِفْر التكوين" الذي يقول: "في البَدءْ خَلق الله (١)

стр. 1245

السموات والأرض"، وللأسف، فإنَّ الطبَعاتِ التاليةَ لتفسير "سكوفيلد"، قد حَذفت كلمة " ALAH"، حتى لا يُدرِكَ عامَّةُ المسيحيين أن عليهم أن يَعبُدوا الإِلهَ الذي يَعبُدُه المسلمون، ويعرفونه باسم "الله". ° يقولُ اللهُ في قرآنه، تعليمًا للمسلمين: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦]. ٣ - الاستهزاءُ بالملائكةِ، والسخريةُ من تطويعِ اللهِ لهم بكلماتٍ معسولةٍ ووعودٍ براقة .. فهو يقول: "وماذا عن الحالة الملائكية؟ هي وَضعٌ وَسَطٌ بين الألوهيَّةِ والإنسيَّة، ألم يَعترِهِم الشكُّ أبدًا؟ بلى، فقد حَدَث ذاتَ يوم أنِ اعتَرَضوا على إرادةِ الله، حيث توارَوا تحتَ العرشِ متذمِّرين، ومتجاسِرِين على التساؤل عن أشياءَ محظورٍ السؤالُ عنها: هل من الصواب أن .. ؟ .. فكان طبيعيًّا أن يُهدِّئَ الإلهُ من تذمُّرِهم مستخدِمًا مهاراتِ الإِدارةِ الإلهيَّة، فلقد أشبَعَ غُرورَهم بقوله: "ستكونون وسائلَ تنفيذ إرادتي في الأرض، وأدواتي لخلاصِ الإِنسانِ وهلاكه، وكلِّ الهلُمَّ جرًّا المعتادة"! وآنذاك: هُتافاتُ فرحٍ سريعة، ونهايةٌ للاحتجاج، وعَودةٌ ثانيةٌ إلى العمل، تُصاحِبُهم الهالات!. إن الملائكةَ يمكنُ تهدئتُهم بسهولةٍ، فإذا جَعَلْتَهم وسائلَ في يَدِك،

стр. 1246

فلسوف يَعزِفون لحنَ قِيثارتِك المفضَّل، أما البشرُ، فإنهم نوعٌ مُشاكِس، يستطيعُ الشكَّ في كلِّ شيءٍ، حتى ما تَشهَدُه عيونُهم" (ص ٩٢). ٤ - وفي تهكُّمٍ عابث، يقول: "في تلك السنوات هل من الممكن القولُ بأن كبيرَ الملائكةِ جبريل؟ أم أن نقول: الله قد تسلَّطَتْ عليهِ فكرةُ التشريع"! (ص ٣٦٣). ° "أنا كبيرُ الملائكة الدَّموي، جبريل نفسه" (ص ٨٣). ٥ - وعن إبراهيمَ خليل الله، يقول: "في قديمِ الزمان، جاء الأبُ إبراهيم إلى هذا الوادِي بصُحبةِ هاجر وابنِهما إسماعيل، وهناك في تلك البرِّيَّةِ عديمةِ الماءِ تخلَّى عنها، فسألته: هل يمكنُ أن تكونَ هذه إرادةَ الله؟ فأجابها: إنها لكذلك .. ثم رَحَل ابنُ الزنا! منذ البَدْء، استَخدم الناسُ الإِلهَ لتبريرِ ما لا يُمكِنُ تبريره! " (ص ٩٥). إن ذلك الكاتبَ الهنديَّ يشتُمُ أبا الأنبياء، ويَصِفُه بـ "ابن الزِّنا"، ثم يَتَّهِمُه بالكذبِ على الله!. ٦ - ثم هو يتَّهمُ الأنبياءَ جميعًا بأنهم جاؤوا من عندِ أنفُسِهم، ومِن ثَمَّ كان منهم الواقعيُّ، ومنهم المثالِيُّ، ومنهم المُتزمِّت، ومنهم المتساهِل، وذلك ما يَنطوي عليه قوله: "ماهوند أكثرُ الأنبياءِ واقعيةً، فقد وافَقَ على فترٍة أنتقالية" (ص ٣٨١). * الحُكم: مِن الثابت أن الكاتبَ الهنديَّ "سلمان رشدي" قد ارتَكَب الجرائمَ الآتيةَ: - التجديفُ على الله.

стр. 1247

- التجديفُ على اسم الله. - التجديفُ على الملائكة. - سبُّ خليلِ الله إبراهيم والطعن فيه. - الطعنُ في الأنبياء والسخرية منهم. وتطبيقًا للأحكام الواردة في: (خروج ٢٢: ٢٨)، (لاويين ٢٤: ١٥ - ١٦)، (لاويين ٢٠: ٩)، واسترشادًا بتعاليم المسيح في: (متى ١٢: ٣١ - ٣٧)، (مرقس ٧: ٢١ - ٢٣) - تكون عقوبة الكاتب الهندي سلمان رشدي هي: "الرجم حتى الموت". ذلك هو الحُكمُ على سلمان رشدي، وِفقَ أحكامِ الكتاب المقدس عند اليهودِ والنصارى، وهو حُكمٌ لا رَجْعةَ فيه، ولا فُرصةَ عنده للنجاةِ منه (١). * سلمان رشدي قِزمٌ مرتدَّ؛ لأنه: - سَخِر واستهزأ بالله ربِّ العالمين، ووَصَف القرآنَ بأنه "أسطورةٌ خرافية". - ولقوله بأن الأصنامَ تَشفعُ للناس يومَ القيامة. - وأنَّ الشيطانَ استطاع أن يُلقيَ على لسانِ النبيِّ ﷺ آياتٍ تَمتدحُ الأصنامَ، وتعظِّمُ من شأنها. - ذمَّ الرسول ﷺ بكلمة "ماهوند"، ومعناها: "الشرير" أو "المخادع" أو "النبي المزيف"، وألصَقَ به كلَّ قبيح. - لَقَّب إبراهيم ﵇ بأنه ابنُ زانية!.

стр. 1248

- وصَف الفاجرُ الدَّعِيُّ زوجاتِ الرسولِ ﷺ الطاهراتِ بأنهن "مُومسات"، وأنهن يَعْمَلْنَ في بيوت الدعارة. - شنَّ هجومًا على السيدة عائشة ﵂، وكيف تَمَّ زواجُها من الرسول ﷺ . - جعل مكةَ المكرَّمةَ "مدينةَ الجاهلية والأوثان". - وَصَف جبريلَ ﵇ بأنه من المُنادِين والمؤيدِّينَ للواط. - ووَصَفه بأن لسانَه لا يعرفُ إلَّا الشتمَ واللِّعان. - وصفَ الصحابةَ ﵃ بأنهم "رجالُ همجيةٍ لا يَعرِفون إلَّا الفَوضويَّة". - وَصَف سلمانَ الفارسيَّ بأنه "مخادع وغَشَّاش". - شَكَّك في نزولِ الوحي على رسول الله ﷺ . - ووَصَف المسلمين بأنهم متوحِّشين، وقاعدتُهم الأصليةُ في الحياة هي تعذيبُ الآخرين. اللهم أرِنا آيةً من آياتِك في هذا القِزْم الدَّنِسِ النَّجِس. * رسالة إِلى سلمان رشدي: ° كتب الشاعر "فاروق جُويدة" هذه القصيدةَ الطيبة، وكَتَب في مقدِّمتها: "سلمان رشدي كاتب مسلم، ارتدَّ عن الإِسلام، ولم يَكتفِ بذلك، بل وَجَّه في كتابه "آيات شيطانية" أكبر إساءةٍ يُوجِّهها كاتبٌ في التاريخِ إلى رسول الله ﷺ ": في زَمِن الردَّةِ والبُهْتَانْ

стр. 1249

اكتبْ مَا شئْتَ ولَا تَخْجَلْ الكفرُ مباحٌ .. يَا سَلْمَانْ ضَعْ أَلفَ صلِيبٍ .. وصَلِيبٍ فَوقَ القُرآن وارجُمْ آياتِ الله ومزِّقْهَا فِي كلِّ لِسانْ لَا تَخْشَ اللهَ ولا تَطْلبْ صَفْحَ الرَّحمَن فَزَمَانُ الرِّدَّةِ نَعرفُهُ زمنُ المَعْصِية .. بِلَا غُفْرَانْ إنْ ضَلَّ القَلْبُ فَلا تَعْجَبْ أَنْ يَسْكُنَ فِيهِ الشَّيطَانْ لَا تَخْشَ خُيُولَ أَبِي بَكْرٍ أَجْهَضَهَا جبنُ الفرْسَانْ وبلالُ الصَّامتُ فَوقَ المَسجِدِ أَسْكَتَهُ سَيْفُ السَّجَّانْ أتراه يُؤذِّنُ بَينَ النَّاس بِلا استئذانْ؟

стр. 1250

أَتْراهُ يرَتلُ باسمِ الله وَلا يَخْشَى بَطْشَ الكُهَّانْ؟ فاكْتبْ مَا شِئْتَ ولَا تَخْجَلْ .. فالكُلُّ مهَانْ واكفُرْ مَا شِئْتَ ولَا تَسأَلْ فالكُلُّ جَبَانْ * * * فالأَزهَرُ يَبْكِي أَمْجَادًا ويُعيدُ حَكَايا .. مَا قَدْ كَان والكَعْبَةُ تَصرُخُ فِي صَمْتٍ بَينَ القُضْبَانْ والشَّعْبُ القَابعُ فِي خَوْفٍ يَنْتَظِرُ العَفْوَ مِنَ السُّلطَانْ والنَّاسُ تهَروِلُ فِي الطُّرقاتِ يُطَارِدُهَا عَبَثُ الفِئرَانْ والبَابُ العَالي يَحْرُسُه بَطْشُ الطُّغْيَانْ * * * أيامُ الأُنسِ وبهجتُها والكأسُ الراقصُ والغِلمانْ

стр. 1251

والمالُ الضائعُ في الحاناتِ تِسيلُ على أيدي النُّدْمانْ فالبابُ العالي ماخورٌ يسكنُه السِّفْلةُ والصبيانْ يحميه السارقُ والمأجورُ ويحكُمُه سِربُ الغِربانْ جلَّادٌ يَعبثُ بالأديانْ وآخَرُ يَمتهِنُ الإنسانْ والكلُّ يُصلِّي للطغيانْ * * * ومحمدُ نُورٌ مسْجُونٌ بَينَ الجُدْرَانْ وخَدِيجةُ تَبْكِي فِي شَجَنٍ أَيَّامَ النَّخْوة .. والفُرْسَانْ عَائشَةُ تُحدِّقُ فِي صَمْتٍ تَسْأَلُ عَنْ عُمَرٍ .. أَوْ عُثْمَانْ فَاطِمَةُ تُنَادِي سَيفَ اللهِ فَلَا تَسْمَعُ غَيرَ الأَحْزَانْ * * *

стр. 1252

أسألُكَ بربِّكَ يَا سَلْمَان هَلْ تَجْرُؤ أَنْ تَكسِرَ يومًا أَحدَ الصُّلْبانْ؟ أَنْ تَسْخَر يَوْمًا مِنْ عِيسَى أَوْ تُلقِيَ مَريمَ فِي النِّيرَانْ مَا بَيْنَ صَلِيبٍ .. وصَلِيبٍ أحْرَقْتَ جَمِيعَ الأَدْيَانْ فاكْتُبْ مَا شئتَ ولَا تَخْجلْ فَالكُلُّ مُهَانٌ .. وجَبَانْ * * * خَبِّرنِي يَوْمًا .. حِينَ تُفِيقُ مِنَ الهَذَيَانْ هَلْ هَذَا حَقُّ الفنَّانْ .. ؟ أَن تُشْعِلَ حِقْدَكَ فِي الإنجِيلِ وتَغْرس سُمَّكَ فِي القُرآنْ أَنْ تَرجُمَ مُوسَى أَوْ عِيسَى أَو تَسْجُنَ مَرْيمَ في القُضْبَانْ أَن يَغْدو المَعْبَدُ والقدَّاسُ وبَيتُ اللهِ مجَالسَ لَهو للرهْبانْ

стр. 1253

أَنْ يَسْكرَ عيسَى فِي البَارَاتِ ويَرقُصَ مُوسَى للغِلْمَانْ هَلْ هَذَا حَقَّ الفَنَّانْ؟ أَنْ تَحْرِقَ دِينًا فِي الحَانَاتِ لتبْنِيَ مَجْدَكَ بالبُهْتَان؟ أَنْ تَجْعَلَ ماءَ النَّهرِ سُمُومًا تُسْرِي فِي الأَبدَانْ .. لَن يُشْرقَ ضَوءٌ مِنْ قَلْبٍ لَا يَعْرفُ طَعمَ الإيمَانْ لَن يَبْقَى شَيءٌ مِن قلمٍ يَسْفِكُ حُرُمَاتِ الإِنسَانْ فاكفُرْ ما شِئْت ولَا تَخْجَلْ ميعَادُكَ آتٍ يَا سَلْمَانْ دَعْ بَابَ المَسْجِد يَا زِنْديقُ وقُمْ واسْكرْ بينَ الأَوثَانْ سَيَجِيئُكَ صَوتُ أَبِي بكرٍ ويصيحُ بخِالِد:

стр. 1254

قُمْ واقْطَعْ رأْسَ الشَّيطَانْ فمحمَّدُ بَاقٍ مَا بَقيتْ ذُنْيا الرَّحْمَنْ وسيَعْلُو صَوْتُ الله .. وَلَوْ كَرِهُوا فِي كُلِّ زَمَانٍ .. وَمَكَانْ (١). ° بيان الدفاع عن سلمان رشدي: وَقَّع البيانَ خَمسةٌ من المصريين، في مقدِّمتهم الأستاذ "أنيس منصور" الذي يهاجم سلمان رشدي في الصحف المصرية، بينما يقول ضاحكًا: إنه وقَّع البيانَ العالَميَّ بالدفاع عنه بالفاكسميلي وهو في المدينة -المنورة- في ضيافة الحَرَس الوطنيِّ السعودي (٢)!!! ما وَقَّع البيانَ كلٌّ من: أمينة السعيد، ونوال السعداوي التي مَولَّت "مؤسسةُ فورد" موتَمَرَها لتحرير المرأة .. وأحمد عثمان مرسى سعد الدين شقيق بليغ حمدي ولا فخر (٣). * * *

стр. 1255

الرِّدَّ العِلميُّ على قِصةِ "الغرانيق" • قال رسول الله ﷺ : "يَحمِلُ هذا العِلمَ من كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، ينْفُون عنه تحريفَ الغالِين، وانْتِحالَ المُبطِلينَ، وتَأويلَ الجَاهلينَ" (١). وهذه بِشارةٌ مِن اللهِ سُبحانَه على لِسانِ نبيِّهِ ﷺ . فَلْيَطْمَئِنَّ المُسْلمونَ، ولْيَهْنَإ المُؤمِنونَ، فإنَّ هذا الدينَ -وللهِ الحمدُ- محفوظُ بحفظِ الله سُبحانَه له: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]؛ كتابًا وسُنَّةً. ° قال الشيخ "محمد الصادق عُرجون": "أَقحَمَ بعضُ كُتَّابِ السيرةِ النبويةِ، وجماعةٌ مِن المُفَسِّرينَ، وطوائفُ مِن المُحَدِّثينَ؛ في كُتُبهم ودَواينِهم ومؤلَّفاتِهم أُقصوصَةَ الغَرانِيقِ (٢)، وأَلْصَقُوها بهجرةِ الحبشةِ، وجَعَلوها سَببًا لعوْدَةِ المَهاجرينَ الأوَّلينَ إلى مكَّةَ، وهي أُقصوصَةٌ مختلَقَةٌ، باطلةٌ في أَصلِها

стр. 1256

وفصْلِها، وأُكذوبةٌ خبيثةٌ في جُذورها وأغَصانِها، وفِرْيَةٌ متزندِقَةٌ اختَرَقَها غِرْنَوقٌ أَبلهُ جَهولٌ، أَو شيخٌ حاقدٌ على الإِسلامِ زِنديقٌ، أَو منافِقٌ فاجرٌ عِربيدٌ، أَلقى بها إليهِ شيطانٌ عابِثٌ مَريدٌ، يتلَعَّبُ بعُقولِ البُلْهِ المُغَفَّلينَ، الذين يَتَكَثَّرون تَعالُمًا، ويَتَلَقَّفونَ كُلَّ شوهاءَ فَجُورٍ، فجَرَتْ إلى مَجتمعاتِ أَعداءِ الإِسلام، مِن كُلِّ يهوديٍّ خبيثٍ، وكُلِّ مُلحدٍ عَتِيٍّ. وسَرَتْ منهُم إلى كُلِّ مُسلمٍ أَبْلَهَ مُغَرَّرٍ، وكُلِّ متَعالِمٍ مُغَفَّلٍ، وكُلِّ جَدَليٍّ مَتفَيْهقٍ، وكُلِّ مغرورٍ مخدوعٍ بكواذبِ المدحِ والثَّناءِ، وكُلِّ حَفَّاظٍ صمَّامٍ، وكُلِّ مُلَبَّسٍ عليه يزعُمُ أَنه مجتهدٌ، وكُلِّ خابطٍ هنا وهناك يتكذَّب، وكُلِّ حاطبٍ في ظُلماتِ الجهلِ، يتلقَّفُ العلمَ مِن وراءِ طَنينِ الأسماءِ؛ دونَ تمحيصِ ناقدٍ أَو بحثِ مُسَدَّدٍ، وكُلِّ مُدَّعٍ دَعِيٍّ، وكُلِّ مُتَسَقِّطٍ يزعُمُ أَنَّهُ مجدِّدٌ، وكُلِّ ملتقطٍ يزعُمُ أَنَّهُ مُتَنَقٍّ، وكُلِّ مَزْهُوٍّ بالغُرورِ يزعُمُ أَنَّه وحيدُ دهرِهِ، وفريدُ عصرهِ، بل واحدُ أُمَّتِه، لو قيلَ له: "إنَّ الشيطانَ يُلَبِّسُ عليك في عِلْمِك، فيُوهِمُك ما ليس بحقٍّ أَنه حقٌّ"؛ لانتفخَتْ أَوداجُهُ غَضَبًا لنفسِه، ولكنَّه يُقْبِلُ ويدافعُ دفاعَ المستميتِ عن قِصَّةٍ مُزَوَّرةٍ تَهْدِمُ أَصلَ أُصولِ الإِسلامِ، وتَخرِقُ سياجَ النُّبُوَّةِ، وتُبطِلُ عِصمةَ الأنبياءِ؛ اعتمادًا على رَمْرَمَةٍ مِن مراسيلَ واهيةٍ. فباضَتْ هذه الأكذوبةُ البَلْهاءُ بينَ أَحضانِ هؤلاءِ، وفَرَّخَتْ في أَعشاشِهم، وزَقْزَقَتْ أَفراخُها في أَوكارِهِم، وطارتْ بأَجنحةِ الافتراءِ الأبلهِ إلى آفاقِ التاريخِ الإِسلاميِّ المظلومِ، فتَلَقَّفَها كُلُّ رَاوَنْدِيٍّ ملحدٍ، وحَمَلَها كلُّ زِنديقٍ مُفسدٍ؛ لِيْطعَنَ بها في سُويداءِ قلبِ القرآنِ الكريمِ الحَكيمِ المُحْكَمِ، ويفتِكَ بخنجرِها بالسُّنةِ المطهَّرةِ المُبيِّنةِ -وهما أَصلُ أُصولِ الإِسلام اللذانِ قامَ

стр. 1257

على دعائِمِهِما شامِخُ صَرْحِ هذا الدينِ القَيِّمِ-؛ لِيُزَعْزعَ الثقةَ بأَصليهِ، فينْفَلِتَ مِن أَيدي المسلمينَ زِمامُ دينِهِم الذي أَنزلَهُ اللهُ تعالى هدًى ورحمةً للعالَمينَ، لِيَهْدِمَ بهِ كُلَّ بناءٍ للوثنيةِ والإلحادِ، ويَقْضِيَ بهدايِتِه على مَعالِمِ الشركِ والإِفسادِ، ويُضَعْضعَ بآياتِه كُلَّ تفلسُفٍ مُتَزَنْدِقٍ، وكُلَّ زندقةٍ متفلسفةٍ، ويُقيمَ بشرائعِهِ وأَحكامِهِ منائرَ التوحيدِ الخالِصِ للهِ تعالى وحدَهُ، وينْشُرَ بآدابِه في آفاقِ الحياةِ نورَ الحقِّ والخيرِ. هذه الأكذوبةُ الغِرْنَوقيَّةُ الخبيثةُ تريدُ من المسلمينَ أَن يَجْعَلوا مِن سيِّدِ المرسَلينَ، خاتَمِ الأنبياءِ، محمدٍ ﷺ ، أُلعوبةً في يدِ الشيطانِ، وأَنْ يَجْعَلوا منهُ ﷺ مَعْبَثَةً للشِّركِ والمُشركينَ، وأُبطولةً يَرقُصُ مِن حَوْلِها المَلاحدةُ والحاقِدونَ!. ولكنَّ اللهَ تعالى يأْبى إلَّا أن يَجْعَلَ مِن دينِهِ -دينِ الإِسلامِ الذي رَضِيَهُ لأمَّةِ محمدٍ ﷺ حِصْنًا حَصينًا، لا تَقْتَحِمُهُ الأباطيل والتُرَّهاتُ، ولا تَنْطَلي على حُذَّاقِ حَمَلَتِه مِن الجَهابذةِ زندقةُ المُتزندِقينَ. وقد أَخبرَ سُبحانَه إخبارًا -لا يتخالَجُهُ الرَّيبُ، ولا يَحومُ حولَ حِماهُ الشَّكُّ-، بأَنه هو الذي تولَّى بنفسهِ حِفْظَهُ بحفظِ دستورِهِ: القُرآنِ الحكيمِ المحكَمِ، فلا يدخُلُ إلى ساحتِهِ افتراءُ المُفْتَرينَ، ولا يَلجُ إلى حَظيرةِ قُدْسِهِ عَبَثُ الشياطينِ، فقالَ تَعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ولْيَتَأَمَّلِ المُتَأَمِّلونَ في هذهِ الآيةِ الحكيمةِ المحكَمَةِ، وفي قولِ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا

стр. 1258

لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة: ٤٤]؛ لِيَرَوا ما أَضْفَى رَبُّ العِزَّة ﵎ على كِتابِهِ: القرآنِ الحكيمِ المحكَمِ مِن حفاوةِ الاختصاصِ بتَوَلِّي حفظهِ، وإسنادِ ما أَفاضَهُ على التَّوارةِ من فَضْلِهِ، فوَكَّلَ حفظَهُ إلى الرَّبَّانِيِّينَ والأحْبارِ. ° قالَ أَبو حَيَّانَ في "البحرِ": "وقد أَخَذَ اللهُ على العُلَماءِ حِفْظَ الكِتابِ -أَي: التوراةِ- مِن وجهينِ: أَحَدُهما: حِفْظُهُ في صُدورِهِم، ودَرْسُهُ بأَلسنَتِهم. والثاني: حِفْظُهُ بالعَمَلِ بأَحكامِهِ، واتِّباعِ شَرائِعِه. وهؤلاءِ ضيَّعوا ما اسْتُحْفِظوا حتى تبدَّلَتِ التَّوراةُ. وفي بناءِ الفعلِ للمفعولِ وكَوْنِ الفعلِ للطَّلَبِ ما يدلُّ على أَنَّه تعالى لم يتكَفَّل بحفظِ التوراةِ، بل طَلَبَ منهُم حِفْظَها، وكلَّفَهُم بذلك، فغَيَّروا وبدَّلوا، وخالَفوا أَحكامَ اللهِ؛ بخلافِ كتابِنا، فإنَّ اللهَ تعالى تَكَفَّلَ بحفظِهِ، فلا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ فيهِ تَبْديلٌ ولا تَغْييرٌ، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ". أَفَلا يعْقِلُ الغِرْنوقيُّونَ؟!. هذه الأكذوبةُ الخبيثةُ البلهاءُ كانت إحدى الفِرَى الحاقِدةِ التي طوَّفَتْ ببعضِ مؤلَّفاتِ الجَمَّاعينَ للغَثِّ والسَّمينِ، فرواها في غَفْلَةٍ مِن عقلِهِ وعِلْمِهِ بعضُ المفسِدينَ، وأُدخِلَتْ على بعضِ المُحَدِّثينَ؛ مُغَلَّفةً بأَغْلِفَةِ الأسانيدِ، مُحاطَةً بهالاتِ بريقِ الأسماءِ، فردَّدَها بأَساليبَ مختلفةٍ، وفَرَطَحَها كثيرٌ ممَّنْ تلقَّفَها بالبُلْهِ والغَفْلةِ، ورَتَعَتْ في أَسفارِ المُؤرِّخينَ، فأَعادُوا فيها

стр. 1259

وأَبْدَوْا، وزادُوا ونَقَصُوا، وأَثْبَتُوا وحَذَفُوا، وشَوَّهُوا وزَيَّنُوا، ومَسَخُوا وحَرَّفُوا، وتلقَّاها القَصَّاصُونَ فغَنَّوا بها، وكانَ إبليسُ هو عازفَ موسيقاها في أَنديَتِهم ومجالِسِهم، ومَصْمَصَتْ لسماعِ أَباطيلِها شفاهُ الجاهِلينَ مِن غَوْغَاءِ العامَّةِ، وعامَّةِ الغوغاءِ، الذينَ تَكْبُرُ في صدورِهِم الغَرائِبُ والأعاجيبُ مِن المُضْحِكاتِ المُبكِياتِ، فَيَهِشُّونَ لها، وَيتزاحَمونَ على محافِلِها. بَيْدَ أَنَّ هذه الأُقصوصَةَ الخبيثةَ والأكذوبَةَ البلهاءَ لم تُفْلِتْ مِن سِياطِ النَّقْدِ المُمَحِّصِ، فنَهَضَ إليها مِن الجَهابذةِ المَهَرَةِ، والحذَّاقِ العيالمِ مِن أَئمَّةِ الإِسلامِ، المشهودِ لهُم بالفضلِ والصِّدْقِ والتَّبَحُّرِ والتفقُّهِ في الدينِ مَن طَعَنَها في أَقتلِ مقاتِلِها، فبَهْرَجَ زَيْفَها، وكَشَفَ عن سَوْأَتِها، وعرَّاها شوهاءَ متزندقةً، وجَلَّاها بَلْهاءَ مُلْحِدةً، وأَظهَرَها فِرْيةً مستَخْبَثَةً. ولكنَّها ظَلَّتْ تَعيشُ في أَوديةِ الشياطينِ، تتربَّصُ للوثْبةِ؛ لتُفْسِدَ على المجتمعِ المسلمِ حياتَهُ الإِيمانيَّةَ، بتشكيكِهِ في أَصلِ أُصولِ دينِه، ودُستورِ حياتِه: القُرآنِ الحكيمِ المحكمِ، وتُزَعْزعَ ثقتَهُ في صِدْقِ نبيِّهِ، سيِّدِ الأنبياءِ والمُرسلينَ، محمدٍ خاتَمِ النَّبِيِّينَ ﷺ ؛ لِيُصْبحَ هذا المجتمعُ المسلمُ الذي اكْتَسَحَ حياةَ الوثنيَّةِ والإلحادِ المشركِ بهُدَى قُرآنِه وسُنَّةِ نبيِّهِ ﷺ فريسةً للإلحادِ الجديدِ على أَلسنَة المستَشْرِقينَ، والمُبَشِّرينَ الصَّليبِيِّينَ، واليهودِ السبائيِّينَ، والزنادقةِ الرَّاوَنْدِيِّينَ، والمُتَحَلِّلينَ مِن فجَّارِ الشُّيوعيِّينَ؛ الذينَ عَجَزوا عن مُوافَقَةِ القرآنِ في مواجهةٍ فكريَّةٍ، ومُحاجَّةٍ علميَّةٍ، فلاذوا إلى الافتراء يختَلِقونَهُ، وإلى الأباطيلِ يَزْرَعُونَها في أَرضهِ، في غَفْلةٍ مِن حُرَّاسِهِ الغُرِّ المَيامِينِ؛ لِيُغَيِّروا معالِمَ هدايَتِه، وُيشَوِّهوا حقائِقَ دُستورِهِ، ويَخْلَعوا عن

стр. 1260

نبيِّهِ، سيِّدِ الأنبياءِ والمُرْسَلينَ، خِلْعَةَ العِصْمَةِ التي حَفِظَهُ الله بها عن أَيِّ خَطَإ فيما يُبَلِّغُهُ الرسولُ عن اللهِ تعالى مِن الشَّرائعِ والأحكامِ إلى الخَلْقِ كافَّةً، فكانَتْ عاصِمًا لهُ ﷺ من أَنْ يكونَ للشيطانِ عليهِ سَبيلٌ. والعِصْمةُ عن الخطإ فيما يُبَلِّغُه الرسولُ عن اللهِ تعالى ثابتةٌ بإجماعِ طوائِفِ الأمَّةِ خَلَفًا عن سَلَفٍ، لم يُعْرَفْ في هذا مخالِفٌ؛ إلَّا مَن أَوَّلَ وحَرَّفَ وبدَّلَ، وذلكَ أَمرُهُ إلى الله، يتولَّى جزاءَهُ بما يستَحِقُّ مِن جزاءٍ. وقد تناوَلَ هذه الأقْصوصَةَ كثيرٌ مِن القُدَامى والمتأَخِّرينَ، وكانَ منهُمْ مَن لهُ دِرايةٌ بصناعةِ التَّحديثِ، ونقدِ الرواياتِ الحَدِيثيَّة، فأَجادَ في بيانِ زَيْفِ جميعِ رواياتِ الأقْصوصَةِ، وما فيها مِن وَهْيٍ ووَهَنٍ يَنْسِفانِها نَسْفًا، ويَذْرِيانِ رَميمَها في مَهَبِّ أَعاصيرِ الأباطيلِ، ولكنَّهُ كَعَّ عن الصَّراحَةِ في الردِّ على مَن أَثْبَتَها مِن الأكابِرِ ذَوِي الشُّهْرَةِ والرَّنينِ. وكُلُّ أحدٍ مِن النَّاسِ يؤخَذُ مِن قولِهِ ويُرَدُّ عليه؛ إلَّا رسولُ اللهِ ﷺ ، فهو وحدَهُ المعصومُ عن أَنْ يُبَلِّغَ عن اللهِ إلَّا ما هُو حقٌّ وهُدًى. والمتأَمِّلُ في صنيعِ الجهابِذَةِ مِن جُنْدِ اللهِ، ومَهَرَةِ عيالِمِ عُلومِ تفسيرِ القُرآنِ والسُّنَّةِ وحُذَّاقِها؛ فِقْهًا وتفقُّهًا وصناعةً، في تزييفِ أُقصوصةِ الغَرانيقِ البَلهاءِ وإبطالِها في مَنابِتِها، واستحالَةِ وُقوعِها؛ يَجِدُ هذا الصنيعَ أَقْوَمَ مَسْلَكًا، وأَسدَّ منهجًا، وأَعمقَ منبعًا، وأَرضى مَصْرِفًا، وأَصدَقَ بُرهانًا، وأَسطعَ حُجَّةً، وأَضْوَأَ مَشْرِقًا، وأَصْفَى مَشْرَبًا، وأَعدَلَ مَقْصِدًا، وأَبدَعَ مَشْرَعًا، وأَحقَّ مُتَقَبَّلاً، وأَعذَبَ مَذاقًا، وأَحلى مَوْرِدًا، وأَنجعَ شِفاءً، وأَقطعَ لجذورِ الفِتْنَةِ؛ لأنَّه يَجمَعُ النظرَ المُحكمَ من جميعِ جوانِبِه النقليَّةِ

стр. 1261

والعقليَّةِ، فلا يَدَعُ منها جانبًا لغامزٍ، ولا يترُكُ فيها سَبيلاً لقولِ مُتكذِّبٍ" (١). ° قالَ الدُّكتور: "نبيل السَّمَّان" في كتابهِ "هَمَزات شَيطانِيَّة وسَلْمان رُشْدي" (ص ٥٥): " .. أَما قصَّة الغَرانِيق العُلا التي يُرَكِّز عليها ويستثمرُها أَعداءُ الإِسلامِ أَسوأَ استثمارٍ، هي في الأصلِ أُكذوبةٌ معروفةٌ ومَأْلوفَةٌ ورائِجَةٌ، ثم جَاءَ سَلْمان رُشْدي لِيُثيرَها مِن جَديدٍ، وقَدْ وَقَعَتْ مِن نفْسِهِ موْقِعًا مُلائِمًا، فقدْ سَمَّاها بعضُ المستَشْرِقينَ في القرنِ التاسعَ عشَرَ بأَسماءٍ كَثيرةٍ؛ كـ "سَهْوة محمَّد" (!)، أَو "صُلْحٌ معَ الشِّركِ" (!)، وقد وَرَدَتْ كذلك في "المَوْسوعَة التَّاريخِيَّة للقُرونِ الوُسْطى" التي أَصْدَرَتْها جامعةُ "كامبرج" (Cambridge) في لندن. فسلمان رُشْدي يُكَرِّر إذًا افتراءاتِ المُسْتَشْرقينَ؛ أَمثال "كارل بروكلمان" (Carl Brocklman) في كتابهِ "تاريخ الشُّعوب الإِسلامِيَّة" (ص ٣٤ - ٣٥)، وكذلكَ ما وَرَدَ في كتاب "دراسات تاريخيَّة" باللغة الإِنجليزية للدكتور "فاخر عاقل" (!) تحت عنوان "بدء المعارضة والآيات الشيطانية" .. " (٢). ° وقال الدُّكتور "شمس الدين الفاسِي" في كتابهِ "آيات سماويَّة في الردِّ على كتاب آياتٍ شيطانِيَّة" (ص ٥٩): " .. كان سَلْمان رُشْدي يبحثُ عن مَطْعَنٍِ في القُرآن، أَو في عِصْمَةِ النبيِّ ﷺ ، فلمْ يَجدْ ما يَنْقَعُ غُلَّتَهُ الشَّيطانيَّة، فدسَّ في روايتِه هذه قصَّةً مختَلَقةً على النبيِّ، أَثبتَ العُلَماءُ

стр. 1262

الثِّقاتُ كَذِبَها بالحُجَجِ البالغةِ، والأدلَّةِ الدَّامِغَةِ .. " (١). ° ثمَّ قالَ بعدَ كلامٍ: "هذه القصَّةُ الخُرافِيَّةُ أَسَّس عليها الزِّنديقُ سَلْمان رُشْدِي روايَتَهُ، فلم يَأْتِ إلَّا بكُفْرٍ قديمٍ قيلَ في مَكَّةَ قبلَ الهِجْرَةِ، وحاوَلَ المُسْتَشْرِقونَ أَنَّ يَتَّخِذوا مِنهُ مِعْوَلاً لهَدْمِ الإِسلامِ، فوَهَنَتْ قُواهُمْ، وبَقِيَ الإِسلامُ شامِخًا صُلْبًا رُغْمَ أَنْفِ المستَشْرِقينَ والزَّنادِقَةِ والمُلحِدينَ". ° وقالَ الأستاذُ "سعيد أَيُّوب" في كتابِهِ "شيطانُ الغَرْبِ سلمان رُشْدي: الرجل المارق" (ص ١٣٠): "ثم التقَطَ صاحِبُ "الشَّائِعاتِ الشَّيطانيَّةِ" حديثًا يُسَمَّى بحديثِ الغَرانيقِ، ونَسَجَ عليهِ ثوبَهُ، فما يقولُ هذا الحديثُ؟ " (٢). ° ثم قالَ بعدَ إيرادِهِ لها وكلامِهِ عنها: "فأَيُّ شيطانٍ هذا الذي عَكَفَ عليهِ الحِلْفُ الشَّيطانيُّ، وقَذَفوا بهِ على رسولِ الفِطْرَةِ؟! إنَّ الطَّابورَ الشيطانِيَّ أَرادَها أُمنياتٍ شيطانِيَّةً بعدَ أَنِ الْتَقَطَ أَحاديثَ وأَقاصيصَ مِنْ هُنا وهناكَ سَنَدُها غيرُ مُتَّصِلٍ .. ". ° ثم خَتَمَ بحثَهُ قائلاً بعدَ كلامٍ: "وبناءً على ما ذَكَرْنا وما قَدَّمْنا؛ فإنَّ قصَّةَ الغَرانِيقِ وضَعَها الحِلفُ الإِبليسيُّ قديمًا؛ ليستغِلَّها الحِلْفُ الإبليسِيُّ حَديثًا، للصَّدِّ عن سبيلِ اللهِ، ولكنَّ كتابَ اللهِ تعالى تَصَدَّى لهذه المُحاوَلاتِ، وضَرَبَها في مقتَلٍ، فانْهارَتْ حُصونُ الضَّلالِ قَديمًا؛ كما

стр. 1263

انهارَتِ اليومَ، وكما سَتَنْهَارُ مُستَقْبَلاً، وسَيَبْقى نبيُّ الإِسلامِ وكتابُ الإِسلامِ نورًا واحدًا يَشعُ على الطَّريقِ المُستقيمِ؛ ليكونَ حُجَّةَ اللهَ على جميعِ خَلْقِهِ". وهكذا يتناوَلُ سَلْمان رُشْدي هذه القصَّةَ الباطلةَ؛ لِيَجْعَلَها سيفًا مُصْلَتًا يُحارِبُ بهِ الإِسلامَ وأَهلَهُ!. وهو -لِفَرْطِ حَقْدِهِ- يجهَلُ أَو يتجاهَلُ أَنَّ هذه القصَّةَ مصنوعةٌ منكرةٌ باطلةٌ، أَنكرَها عُلماءُ الأمَّةِ، وصفوةُ الأئمَّةِ. ° قالَ الإمامُ ابنُ حَزْمٍ الأندلُسيُّ في "الفِصَل في الملَلِ والأهواءِ والنِّحَلِ": "والحديثُ الكاذِبُ الذي لَمْ يَصِحَّ قَطُّ فِي قِراءَتِه ﵇ في: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾، وذَكَروا تلكَ الزِّيادةَ المُفْتَراةَ: "وإنَّها لَهِيَ الغَرانيقُ العُلَا، وأنَّ شَفاعتَها لتُرْتَجى" .. ". ° ثم قال: "وأَمَّا الحديثُ الذي فيهِ الغَرانِيقُ؛ فكَذِبٌ بَحْتٌ مَوضوعٌ؛ لأنَّهُ لم يَصحَّ قَطُّ مِن طريقِ النَّقْلِ، ولا مَعْنى للاشتِغالِ بهِ، إذْ وَضْعُ الكَذِبِ لا يعْجِزُ عنهُ أَحَدٌ". ° "وهكذا .. في سلسلةٍ مِن المَقالاتِ المَتينَةِ القويَّةِ لجهابِذَةِ العُلماءِ الذين أَنْكَروا وقوعَ هذه الأُقصوصَةِ الباطلةِ، وأَثْبَتُوا أَنهَّا مِن المُحالِ وقوعُهُ في حَياةِ سيِّدِ المُرسَلينَ محمدٍ ﷺ ، وزَيَّفوا رواياتِها، وكَشَفوا عن خَبْئِها، وما تضمَّنَتْهُ مِن شَرٍّ مُستطيرٍ، وفسادٍ كبيرٍ، يَجبُ أَنْ تُبَرَّأَ مِن شَناعَتِهِ ساحَةُ الرسالةِ المحمَّدِيَّةِ الخاتمةِ الخالِدَةِ الهاديةِ؛ لِنَسُدَّ على شَياطينِ الإِلحادِ مِن أَعداءِ الإِسلامِ مَداخِلَهُم؛ لإِفسادِ عَقائِدِ هذا الدِّينِ القَيِّمِ في نفسِ مُعتنِقيهِ،

стр. 1264

وزَعْزَعَةِ الثِّقةِ بكتابِهِ المُبينِ ورسولِهِ الأمينِ ﷺ " (١). * مِن دُرَرِ الألبانيِّ في رسالته القيِّمة "نَصْبُ المجانيق لِنَسْفِ قِصَّةِ الغرانيقَ": ° رَحِمَ اللهُ ابنَ المبارك القائلَ حين سُئل: "هذه الأحاديثُ الضعيفةُ والموضوعة، ما نَصنعُ فيها؟ " قال: يعيشُ لها الجَهابذةُ من الرجال .. قال الله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ". ولقد سَوَّد الدجَّالُ الهنديُّ المفترِي كتابَه "آيات شيطانية بقصَّةِ "الغرانيق"، ونحن نَنصِبُ المجانيق من كلامِ شيخِنا الألباني لنَسْفِ قصةِ الغرانيق: ° قال الألباني ﵀: "قبل أن أشرعَ في سَوقِ رواياتِ القصَّة، أرى أنه لا بدَّ مِن أن نذكرَ كلمةً، تتميمًا لفائدةٍ الرسالة، فأقول: إنَّ هذه القصةَ قد ذَكَرها المفسِّرون عند قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ الله مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ الله آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٢ - ٥٤]. وقد اختَلفوا في تفسير قوله تعالى: ﴿تمنَّى﴾ و ﴿أُمْنِيَّتِهِ﴾، وأحسنُ ما قيل في ذلك: إن "تمنَّى" من "الأمنية" وهي التلاوة، كما قال الشاعر في عثمانَ - رضي الله تعالى عنه - حين قتل:

стр. 1265

تَمنَّى كتابَ اللهِ أولَ ليلةٍ … وآخِرَها لاقى حِمامَ المَقادِرِ وعليه جمهورُ المفسِّرين والمحقِّقين، وحكاه ابنُ كثير عن أكثرِ المفسرين، بل عزاه ابنُ القيم إلى السلف قاطبةً، فقال في "إغاثة اللهفان" (١) (١/ ٩٣): "والسلفُ كلُّهم على أنَّ المعنى: إذا تلا ألقى الشيطانُ في تلاوته". وبيَّنه القرطبيُّ، فقال في "تفسيره" (١٢/ ٨٣): "وقد قال سليمانُ بنُ حرب: إن "في" بمعنى: "عند"، أي ألقى الشيطانُ في قلوبِ الكفار عندَ تلاوةِ النبيِّ ﷺ ، كقوله : ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا﴾ [الشعراء: ١٨]، أي عندنا، وهذا هو معنى ما حكاه ابنُ عطيَّةَ، عن أبيه، عن علماءِ الشرق، وإليه أشار القاضي أبو بكر بن العربي. قلتُ: وكلامُ أبي بكرٍ سيأتي في مَحِلِّه -إن شاء الله تعالى-، وهذا الذي ذَكَرْناه من المعنى في تفسيرِ الآية، هو اختيارُ الإمام ابنِ جرير، حيث قال بعد ما رواه عن جماعةٍ من السلف (١٧/ ١٢١): "وهذا القولُ أشبهُ بتأويل الكلام، بدلالةِ قوله تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ الله مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ الله آيَاتِهِ﴾ [الحج: ٥٢]، على ذلك؛ لأن الآياتِ التي أَخبر اللهُ جَلَّ ثناؤه أنه يُحكِمُها، لا شكَّ أنها آياتُ تنزيله، فمعلومٌ بذلك أن الذي ألقى فيه الشيطان، هو ما أخبر الله تعالى ذِكره أنه نَسَخ ذلك منه وأبطَلَه، ثم أحكَمَه بنسخه ذلك منه، فتأويلُ الكلام إذن: وما أرسَلْنا مِن قَبلِك مِن رسولٍ ولا
следующие страницы →