والعقليَّةِ، فلا يَدَعُ منها جانبًا لغامزٍ، ولا يترُكُ فيها سَبيلاً لقولِ مُتكذِّبٍ" (١).
° قالَ الدُّكتور: "نبيل السَّمَّان" في كتابهِ "هَمَزات شَيطانِيَّة وسَلْمان رُشْدي" (ص ٥٥): " .. أَما قصَّة الغَرانِيق العُلا التي يُرَكِّز عليها ويستثمرُها أَعداءُ الإِسلامِ أَسوأَ استثمارٍ، هي في الأصلِ أُكذوبةٌ معروفةٌ ومَأْلوفَةٌ ورائِجَةٌ، ثم جَاءَ سَلْمان رُشْدي لِيُثيرَها مِن جَديدٍ، وقَدْ وَقَعَتْ مِن نفْسِهِ موْقِعًا مُلائِمًا، فقدْ سَمَّاها بعضُ المستَشْرِقينَ في القرنِ التاسعَ عشَرَ بأَسماءٍ كَثيرةٍ؛ كـ "سَهْوة محمَّد" (!)، أَو "صُلْحٌ معَ الشِّركِ" (!)، وقد وَرَدَتْ كذلك في "المَوْسوعَة التَّاريخِيَّة للقُرونِ الوُسْطى" التي أَصْدَرَتْها جامعةُ "كامبرج" (Cambridge) في لندن.
فسلمان رُشْدي يُكَرِّر إذًا افتراءاتِ المُسْتَشْرقينَ؛ أَمثال "كارل بروكلمان" (Carl Brocklman) في كتابهِ "تاريخ الشُّعوب الإِسلامِيَّة" (ص ٣٤ - ٣٥)، وكذلكَ ما وَرَدَ في كتاب "دراسات تاريخيَّة" باللغة الإِنجليزية للدكتور "فاخر عاقل" (!) تحت عنوان "بدء المعارضة والآيات الشيطانية" .. " (٢).
° وقال الدُّكتور "شمس الدين الفاسِي" في كتابهِ "آيات سماويَّة في الردِّ على كتاب آياتٍ شيطانِيَّة" (ص ٥٩): " .. كان سَلْمان رُشْدي يبحثُ عن مَطْعَنٍِ في القُرآن، أَو في عِصْمَةِ النبيِّ ﷺ ، فلمْ يَجدْ ما يَنْقَعُ غُلَّتَهُ الشَّيطانيَّة، فدسَّ في روايتِه هذه قصَّةً مختَلَقةً على النبيِّ، أَثبتَ العُلَماءُ
стр. 1262
الثِّقاتُ كَذِبَها بالحُجَجِ البالغةِ، والأدلَّةِ الدَّامِغَةِ .. " (١).
° ثمَّ قالَ بعدَ كلامٍ: "هذه القصَّةُ الخُرافِيَّةُ أَسَّس عليها الزِّنديقُ سَلْمان رُشْدِي روايَتَهُ، فلم يَأْتِ إلَّا بكُفْرٍ قديمٍ قيلَ في مَكَّةَ قبلَ الهِجْرَةِ، وحاوَلَ المُسْتَشْرِقونَ أَنَّ يَتَّخِذوا مِنهُ مِعْوَلاً لهَدْمِ الإِسلامِ، فوَهَنَتْ قُواهُمْ، وبَقِيَ الإِسلامُ شامِخًا صُلْبًا رُغْمَ أَنْفِ المستَشْرِقينَ والزَّنادِقَةِ والمُلحِدينَ".
° وقالَ الأستاذُ "سعيد أَيُّوب" في كتابِهِ "شيطانُ الغَرْبِ سلمان رُشْدي: الرجل المارق" (ص ١٣٠): "ثم التقَطَ صاحِبُ "الشَّائِعاتِ الشَّيطانيَّةِ" حديثًا يُسَمَّى بحديثِ الغَرانيقِ، ونَسَجَ عليهِ ثوبَهُ، فما يقولُ هذا الحديثُ؟ " (٢).
° ثم قالَ بعدَ إيرادِهِ لها وكلامِهِ عنها: "فأَيُّ شيطانٍ هذا الذي عَكَفَ عليهِ الحِلْفُ الشَّيطانيُّ، وقَذَفوا بهِ على رسولِ الفِطْرَةِ؟! إنَّ الطَّابورَ الشيطانِيَّ أَرادَها أُمنياتٍ شيطانِيَّةً بعدَ أَنِ الْتَقَطَ أَحاديثَ وأَقاصيصَ مِنْ هُنا وهناكَ سَنَدُها غيرُ مُتَّصِلٍ .. ".
° ثم خَتَمَ بحثَهُ قائلاً بعدَ كلامٍ: "وبناءً على ما ذَكَرْنا وما قَدَّمْنا؛ فإنَّ قصَّةَ الغَرانِيقِ وضَعَها الحِلفُ الإِبليسيُّ قديمًا؛ ليستغِلَّها الحِلْفُ الإبليسِيُّ حَديثًا، للصَّدِّ عن سبيلِ اللهِ، ولكنَّ كتابَ اللهِ تعالى تَصَدَّى لهذه المُحاوَلاتِ، وضَرَبَها في مقتَلٍ، فانْهارَتْ حُصونُ الضَّلالِ قَديمًا؛ كما
стр. 1263
انهارَتِ اليومَ، وكما سَتَنْهَارُ مُستَقْبَلاً، وسَيَبْقى نبيُّ الإِسلامِ وكتابُ الإِسلامِ نورًا واحدًا يَشعُ على الطَّريقِ المُستقيمِ؛ ليكونَ حُجَّةَ اللهَ على جميعِ خَلْقِهِ".
وهكذا يتناوَلُ سَلْمان رُشْدي هذه القصَّةَ الباطلةَ؛ لِيَجْعَلَها سيفًا مُصْلَتًا يُحارِبُ بهِ الإِسلامَ وأَهلَهُ!.
وهو -لِفَرْطِ حَقْدِهِ- يجهَلُ أَو يتجاهَلُ أَنَّ هذه القصَّةَ مصنوعةٌ منكرةٌ باطلةٌ، أَنكرَها عُلماءُ الأمَّةِ، وصفوةُ الأئمَّةِ.
° قالَ الإمامُ ابنُ حَزْمٍ الأندلُسيُّ في "الفِصَل في الملَلِ والأهواءِ والنِّحَلِ": "والحديثُ الكاذِبُ الذي لَمْ يَصِحَّ قَطُّ فِي قِراءَتِه ﵇ في: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾، وذَكَروا تلكَ الزِّيادةَ المُفْتَراةَ: "وإنَّها لَهِيَ الغَرانيقُ العُلَا، وأنَّ شَفاعتَها لتُرْتَجى" .. ".
° ثم قال: "وأَمَّا الحديثُ الذي فيهِ الغَرانِيقُ؛ فكَذِبٌ بَحْتٌ مَوضوعٌ؛ لأنَّهُ لم يَصحَّ قَطُّ مِن طريقِ النَّقْلِ، ولا مَعْنى للاشتِغالِ بهِ، إذْ وَضْعُ الكَذِبِ لا يعْجِزُ عنهُ أَحَدٌ".
° "وهكذا .. في سلسلةٍ مِن المَقالاتِ المَتينَةِ القويَّةِ لجهابِذَةِ العُلماءِ الذين أَنْكَروا وقوعَ هذه الأُقصوصَةِ الباطلةِ، وأَثْبَتُوا أَنهَّا مِن المُحالِ وقوعُهُ في حَياةِ سيِّدِ المُرسَلينَ محمدٍ ﷺ ، وزَيَّفوا رواياتِها، وكَشَفوا عن خَبْئِها، وما تضمَّنَتْهُ مِن شَرٍّ مُستطيرٍ، وفسادٍ كبيرٍ، يَجبُ أَنْ تُبَرَّأَ مِن شَناعَتِهِ ساحَةُ الرسالةِ المحمَّدِيَّةِ الخاتمةِ الخالِدَةِ الهاديةِ؛ لِنَسُدَّ على شَياطينِ الإِلحادِ مِن أَعداءِ الإِسلامِ مَداخِلَهُم؛ لإِفسادِ عَقائِدِ هذا الدِّينِ القَيِّمِ في نفسِ مُعتنِقيهِ،
стр. 1264
وزَعْزَعَةِ الثِّقةِ بكتابِهِ المُبينِ ورسولِهِ الأمينِ ﷺ " (١).
* مِن دُرَرِ الألبانيِّ في رسالته القيِّمة "نَصْبُ المجانيق لِنَسْفِ قِصَّةِ الغرانيقَ":
° رَحِمَ اللهُ ابنَ المبارك القائلَ حين سُئل: "هذه الأحاديثُ الضعيفةُ والموضوعة، ما نَصنعُ فيها؟ " قال: يعيشُ لها الجَهابذةُ من الرجال .. قال الله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ".
ولقد سَوَّد الدجَّالُ الهنديُّ المفترِي كتابَه "آيات شيطانية بقصَّةِ "الغرانيق"، ونحن نَنصِبُ المجانيق من كلامِ شيخِنا الألباني لنَسْفِ قصةِ الغرانيق:
° قال الألباني ﵀: "قبل أن أشرعَ في سَوقِ رواياتِ القصَّة، أرى أنه لا بدَّ مِن أن نذكرَ كلمةً، تتميمًا لفائدةٍ الرسالة، فأقول: إنَّ هذه القصةَ قد ذَكَرها المفسِّرون عند قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ الله مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ الله آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٢ - ٥٤].
وقد اختَلفوا في تفسير قوله تعالى: ﴿تمنَّى﴾ و ﴿أُمْنِيَّتِهِ﴾، وأحسنُ ما قيل في ذلك: إن "تمنَّى" من "الأمنية" وهي التلاوة، كما قال الشاعر في عثمانَ - رضي الله تعالى عنه - حين قتل:
стр. 1265
تَمنَّى كتابَ اللهِ أولَ ليلةٍ … وآخِرَها لاقى حِمامَ المَقادِرِ
وعليه جمهورُ المفسِّرين والمحقِّقين، وحكاه ابنُ كثير عن أكثرِ المفسرين، بل عزاه ابنُ القيم إلى السلف قاطبةً، فقال في "إغاثة اللهفان" (١) (١/ ٩٣): "والسلفُ كلُّهم على أنَّ المعنى: إذا تلا ألقى الشيطانُ في تلاوته".
وبيَّنه القرطبيُّ، فقال في "تفسيره" (١٢/ ٨٣): "وقد قال سليمانُ بنُ حرب: إن "في" بمعنى: "عند"، أي ألقى الشيطانُ في قلوبِ الكفار عندَ تلاوةِ النبيِّ ﷺ ، كقوله : ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا﴾ [الشعراء: ١٨]، أي عندنا، وهذا هو معنى ما حكاه ابنُ عطيَّةَ، عن أبيه، عن علماءِ الشرق، وإليه أشار القاضي أبو بكر بن العربي.
قلتُ: وكلامُ أبي بكرٍ سيأتي في مَحِلِّه -إن شاء الله تعالى-، وهذا الذي ذَكَرْناه من المعنى في تفسيرِ الآية، هو اختيارُ الإمام ابنِ جرير، حيث قال بعد ما رواه عن جماعةٍ من السلف (١٧/ ١٢١): "وهذا القولُ أشبهُ بتأويل الكلام، بدلالةِ قوله تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ الله مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ الله آيَاتِهِ﴾ [الحج: ٥٢]، على ذلك؛ لأن الآياتِ التي أَخبر اللهُ جَلَّ ثناؤه أنه يُحكِمُها، لا شكَّ أنها آياتُ تنزيله، فمعلومٌ بذلك أن الذي ألقى فيه الشيطان، هو ما أخبر الله تعالى ذِكره أنه نَسَخ ذلك منه وأبطَلَه، ثم أحكَمَه بنسخه ذلك منه، فتأويلُ الكلام إذن: وما أرسَلْنا مِن قَبلِك مِن رسولٍ ولا
стр. 1266
نبيٍّ إلَّا إذا تلا كتابَ الله وقَرَأَ أو حَدَّث وتكلَّم، ألقى الشيطانُ في كتابِ الله الذي تلاه وقرأه، أو في حديثهِ الذي حَدَّث وتكلَّم، فيَنسخُ اللهُ ما يُلقِي الشيطانُ بقوله تعالى: فيُذْهِب اللهُ ما يُلقِي الشيطانُ من ذلك، على لسانِ نبيِّه ويُبطِلُه".
هذا هو المعنى المرادُ من هذه الآية الكريمة، وهي كما ترى ليس فيها إلَّا أن الشيطانَ يُلقِي عند تلاوةِ النبيِّ ﷺ ما يَفتَتِنُ به الذين في قلوبهم مرضٌ، ولكنَّ أعداءَ الدين الذين قَعَدوا له في كلِّ طريق، وترصَّدوا له عند كلِّ مَرْصَد، لا يُرضِيهم إلَّا أن يَدُسُّوا فيه ما ليس منه، ولم يَقُلْه رسولُه، فذَكروا ما ستراه في الرواياتِ الآتية، ممَّا لا يَليقُ بمَقامِ النبوَّةِ والرسالة، وذلك دَيْدَنُهم منذ القديم، كما فَعلوا في غيرِ ما آيةٍ وَرَدَت في غيرِه ﷺ من الأنبياء، كداودَ، وسليمانَ، ويوسفَ عليهم الصلاة والسلام، فرَوَوْا في تفسيرها من الإسرائيلياتِ ما لا يَجوزُ نسبتُه إلى رجلٍ مسلم، فضلاً عن نبيٍّ مُكَرَّم، كما هو مبيَّنٌ في مَحِلِّه من كتب التفاسير والقصص.
فحَذارِ -أيها المسلمُ- أن تَغتَرَّ بشيءٍ منها فتكونَ من الهالكين، و"دع ما يَريبُك إلى ما لا يَريبك" كما قال نبيُّك ﷺ ، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٤].
* رواياتُ القِصَّةِ وعِلَلُها:
بعد أن فَرَغْنا من ذِكرِ الفائدةِ التي وَعَدْنا بها، أعودُ إلى ذِكرِ رواياتِ القصةِ التي وَقَفْنا عليها لكي نسرُدَها روايةً روايةً، ونَذكرُ عَقِبَ كل منها ما فيها من علةٍ، فأقول:
стр. 1267
١ - عن سعيد بنِ جُبيرٍ قال: "لَمَّا نَزَلت هذه الآية: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩]، قرأها رسولُ الله ﷺ فقال: "تلك الغرانيقُ العُلى، وإن شفاعَتَهُن لتُرجَّى"، فسَجَد رسولُ الله ﷺ ، فقال المشركون: إنه لَم يَذكُرْ آلهتَهم قبلَ اليوم بخير، فسَجَد المشركون معه، فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ .. ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٢ - ٥٥] ".
أخرجه ابن جرير (١٧/ ١٢٠) من طريقين عن شُعبةَ، عن أبي بِشرٍ عنه، وهو صحيحُ الإِسناد إلى ابنِ جُبير، كما قال الحافظ على ما يأتي عنه، وتَبِعه السيوطيُّ في "الدر المنثور" (٤/ ٣٦٦)، وعزاه لابن المنذر أيضًا وابن مَردُويه بعد ما ساقه نحوَه بلفظ: "ألقى الشيطانُ على لسانه: تلك الغرانيقُ العلى" الحديث، وفيه: "ثم جاءه جبريلُ بعد ذلك، قال: اعرِضْ عليَّ ما جِئتُك به، فلمَّا بَلَغ: "تلك الغرانيقُ العلى، وإن شفاعَتَهنَّ لتُرجَّى" قال جبريلُ: "لم آتِك بهذا، هذا منَ الشيطان! "، فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢].
وهكذا أخرجه الواحِدِيُّ في "أسباب النزول" من طريقٍ أخرى عن سعيدِ بنِ جبير، كما سيأتي.
وقد رُوي موصولاً عن سعيد، ولا يصحُّ:
رواه البزَّار (١) في "مسنده" عن يوسفَ بنِ حَمَّادٍ، عن أُمَيَّةَ بن خالد، عن شُعبةَ، عن أبي بِشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبير، عن ابن عباس -فيما أحسبه،
стр. 1268
الشك في الحديث- أن النبيَّ ﷺ قرأ بمكة سورة "النجم" حتى انتهى إلى قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩]، وذكر بقيَّته، ثم قال البزَّار: "لا نَعلمُه يُروى متَّصِلاً إلَّا بهذا الإسناد، تفرَّد بوَصلِه أُميةُ بن خالد وهو ثقةٌ مشهور، وإنما يُروى هذا من طريق الكَلْبِيِّ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباس" .. كذا في "تفسير ابن كثير" (٣/ ١٢٩).
وعزا الحافظُ في "تخريج الكشاف" (٤/ ١٤٤) هذه الروايةَ "للبزَّار، والطبري، والطبراني، وابن مردويه"، وعزوه للطبري سَهْوٌ، فإنها ليست في تفسيره -فيما علِمتُ- إلَّا إنْ كان يعني غيرَ التفسير من كتبه، وما أظنُّ يريدُ ذلك، ويؤيِّدُني أن السيوطيَّ في "الدر" عزاها لجميعِ هؤلاء إلَّا الطبريَّ، إلَّا أن السيوطيَّ أَوْهَمَ أيضًا، حيث قال عطفًا على ما ذُكر: "والضياء في "المختارة" بسندٍ رجالُه ثقات، من طريق سعيدِ بنِ جُبير، عن ابنِ عباس قال: إن رسول الله ﷺ قرأ .. "، فذكر الحديث مثلَ الروايةِ المرسَلةِ التي نقلناها آنفًا عن "الدر" نفسه، ومَحِلُّ الإيهامِ هو قوله: "بسندٍ رجاله ثقات"، بالإِضافة إلى أنه أخرجه الضياءُ في "المختارة"، فإنَّ ذلك يوهِمُ أنه ليس بمَعلول، وهذا خلافُ الواقع، فإنه معلولٌ بتردُّدِ الراوي في وَصلِه كما نَقلناه آنفًا عن "تفسير ابن كثير"، وكذلك هو في "تخريج الكشاف" وغيره، وهذا ما لم يَرِدْ ذكرُه في سياق السيوطيِّ، ولا أدري أذلك اختصارٌ منه، أم من بعضِ مُخرِّجي الحديث؟ (١) وأيًّا ما كان، فما كان يَليقُ بالسيوطيِّ أن يُغفِلَ هذه العِلَّةَ، لا سيَّما وقد صَرَّح بما يُشعِرُ أن الإسنادَ
стр. 1269
صحيح، وفيه من التغريرِ ما لا يَخفى، فإنَّ الشكَّ لا يُوثَقُ به، ولا حقيقةَ فيه، كما قال القاضي عياض في "الشفاء" (٢/ ١١٨)، وأقرَّه الحافظ في "التخريج"، لكنه قال عقب ذلك: "ورواه الطبريُّ من طريق سعيدِ بنِ جُبير مرسلاً، وأخرجه ابنُ مردويه من طريق أبي عاصمٍ النبيل، عن عثمانَ بنِ الأسود، عن سعيدِ بنِ جبير، عن ابنِ عباسٍ نحوَه، ولم يَشُكَّ في وَصْلِه، وهذا أصحُّ طرقِ الحديث .. قال البزَّار .. ".
قلت: وقد نَقَلْنا كلامَ البزَّارِ آنفًا، ثم ذَكَر الحافظُ المراسيلَ الآتية، ثم قال: "فهذه مراسيلُ يُقوِّي بعضُها بعضًا".
قلت: وفي عبارةِ الحافظ شيءٌ من التشويش، ولا أدري أذلك منه، أم مِن النُّسَّاخ؟ -وهو أغلبُ الظن-، وذلك لأن قوله: "وهذا أصحُّ طُرُقِ هذا الحديث" إنْ حَمَلناه على أقربِ مذكور -وهو طريقُ ابنِ مردُويه الموصولُ- كما هو المتبادَرَ، مَنَعَنا من ذلك أمور:
الأول: قولُ الحافظ عَقِبَ ذلك: "فهذه مراسيلُ يُقوِّي بعضُها بعضًا"، فإنَّ فيه إشارةً إلى أنْ ليس هناك إسنادٌ صحيحٌ موصولٌ يُعتمَدُ عليه، وإلَّا لَعَرَّج عليه وجَعَله أصلاً، وجَعَل الطُّرُقَ المرسَلةَ شاهِدةً ومُقَوِّيةً له، ويؤيِّدُه الأمرُ الآتي، وهو:
الثاني: وهو أن الحافظَ لَمَّا رَدَّ على القاضي عياض تضعيفَه للحديث من طريقِ إسنادِ البزَّارِ الموصولِ بسبب الشك، قال الحافظ: "أمَّا ضَعفُه، فلا ضَعفَ فيه أصلاً (قلت: يعني في رُواته)، فإنَّ الجميعَ ثِقات، وأما الشكُّ فيه، فقد يَجيءُ تأثيرُه ولو فردًا غريبًا -كذا-، لكنْ غايتُه أن يَصيرَ مرسَلاً،
стр. 1270
وهو حُجَّةٌ عند عياض وغيرِه ممن يَقبَلُ مُرسَلَ الثِّقة، وهو حُجَّةٌ إذا اعتُضِدَ عندَ من يرُدُّ المرسَل، وهو إنما يَعتضِدُ بكثرةِ المتابعات".
فقد سَلَّم الحافظُ بأن الحديثَ مُرْسَلٌ، ولكنْ ذَهَب إلى تقويتِه بكثرةِ الطُّرق، وسيأتي بيانُ ما فيه في رَدِّنا عليه قريبًا -إن شاء الله تعالى-.
فلو كان إسنادُ ابنِ مردويه الموصولُ صحيحًا عند الحافظ، لرَدَّ به على القاضي عياض، ولَمَا جَعَل عُمْدَتَه في الردِّ عليه هو كثرةَ الطُّرُق، وهذا بَيِّنٌ لا يَخفى.
الثالث: أن الحافظَ في كتابه "فتح الباري" لم يُشِرْ أدنى إشارةِ إلى هذه الطريق، فلو كان هو أصحَّ طُرقِ الحديث، لذكره بصريحِ العبارة، ولَجعله عُمْدَتَه في هذا الباب -كما سبق-.
الرابع: أنَّ مَن جاء بعدَه -كالسيوطي وغيره- لم يذكروا هذه الرواية.
فكلُّ هذه الأمورِ تَمنعُنا مِن حَمْلِ اسمِ الإشارة "هذا" على أقربِ مذكور، وتضطرُّنا إلى حَمْلِه على البعيد، وهو الطريقُ الذي قَبلَ هذا، وهو طريقُ سعيدِ بنِ جُبيرٍ المرسلُ؛ وهو الذي اعتَمَده الحافظُ في "الفتح" وجَعَله أصلاً، وجَعل الرواياتِ الأخرى شاهدةً له، وقد اقتَدَينا نحن به، فبدأنا أولاً بذِكرِ روايةِ ابنِ جُبيرٍ هذه، وإن كنَّا خالَفْناه في كونِ هذه الطرُقِ يُقوِّي بعضُها بعضًا.
قلت: هذا مع العلمِ أن القَدْرَ المذكورَ من إسنادِ ابنِ مردويه الموصولِ رجالُه ثقات رجالُ الشيخين، لكن لا بدَّ أن تكونَ العِلَّةُ فيمَن دونَ أبي عاصم النبيل، ويُقوِّي ذلك -أعني كونَ إسنادِه مُعَلًّا- أنني رأيتُ هذه الروايةَ
стр. 1271
أخرجها الواحِديُّ في "أسباب النزول" (ص ٢٣٣) من طريق سَهلٍ العسكريِّ، قال: أخبَرَني يحيى (قلت: هو القطان)، عن عثمانَ بنِ الأسود، عن سعيدِ بنِ جُبير قال: "قرأ رسولُ الله ﷺ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠]، فألقى الشيطانُ على لسانه: "تلك الغرانيقُ العلى، وشفاعتُهُنَّ تُرتَجى"، ففَرح بذلك المشركون، وقالوا: قد ذَكَر آلهتَنا، فجاء جبريل ﵇ إلى رسولِ الله ﷺ وقال: اعرِضْ عَلَيَّ كلامَ الله، فلمَّا عَرَض عليه، قال: أمَّا هذا، فلم آتِكَ به، هذا من الشيطان، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢] ".
فرَجَع الحديثُ إلى أنه -عن عثمانَ بنِ الأسودِ عنِ سعيدٍ- مرسل، وهو الصحيح، لموافقةِ روايةِ عثمانَ هذه روايةَ أبي بِشْرٍ عن سعيد.
ثم وقفتُ على إسنادِ ابنِ مردويه ومَتنهِ، بواسطةِ الضياء المقدسي في "المختارة" (٦٠/ ٢٣٥/ ١) بسنده عنه قال: حَدَّثَني إبراهيمُ بنُ محمد: حَدَّثَني أبو بكرٍ محمدُ بنُ عليِّ المُقْرِي البغدادي، ثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الطيالسيُّ، ثنا إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ عَرْعَرة، ثنا أبو عاصمٍ النبيل، ثنا عثمانُ ابنُ الأسود، عن سعيدِ بن جبير، عن ابن عباس: "أن رسولَ الله ﷺ قرأ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠]، "تلك الغرانيقُ العلى، وشفاعتهُنَّ تُرتَجى". ففرح المشركون بذلك، وقالوا: قد ذَكَر آلهتَنا .. فجاءه جبريل، فقال. اقرأ عليَّ ما جئتُك به، قال: فقرأ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠]، تلك الغرانيقُ العلى، وشفاعتُهنَّ تُرتَجى، فَقال: ما أتيتُك بهذا، هذا
стр. 1272
عن الشيطان، أو قال: هذا مِن الشيطان، لم آتِكَ بها! فأنزل الله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ إلى آخر الآية".
قلت: وهذا إسنادٌ رجالُه كلُّهم ثِقات، وكلُّهم من رجالِ "التهذيب"، إلَّا مَن دُونَ ابنِ عَرْعَرة، ليس فيهم مَن يَنبغي النظرُ فيه غيرُ أبي بكرٍ محمدِ ابنِ عليِّ المُقْري البغدادي، وقد أورده الخطيبُ في "تاريخ بغداد" فقال (٣/ ٦٨ - ٦٩): "محمدُ بنُ عليِّ بنِ الحَسَنِ، أبو بكر المُقرئُ، حَدَّث عن محمودِ بنِ خِداش، ومحمدِ بنِ عَمرٍو، وابنِ أبي مَذْعور .. رَوى عنه أحمدُ بنُ كاملٍ القاضي، ومحمدُ بنُ أحمدَ بنِ يحيى العطشي".
ثم ساق له حديثًا واحدًا وَقع فيه مَكْنِيًّا بـ "أبي حرب"، فلا أدري أهي كنيةٌ أخرى له، أم تحرَّفت على الناسخ أو الطابع، ثم حكى الخطيبُ عن العطشي أنه قال: "تُوفِّي سنةَ ثلاثِمئِة"، ولم يَذكُرْ فيه جرحًا ولا تعديلاً، فهو مجهولُ الحال، وهو عِلَّةُ هذا الإِسناد الموصول، وهو غيرُ أبي بكرٍ محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ عليِّ بنِ عاصمٍ الأصبهانيِّ المشهورِ بـ "ابنِ المقرئ"، الحافظِ الثقة، فإنه متأخِّرٌ عن هذا نحوَ قرنٍ من الزمان، وهو من شُيوخِ ابنِ مردُويه، مات سنةَ (٣٨١) -إحدى وثمانين وثلاثِمِئة-، ووقع في "التذكرة" (٣/ ١٧٢) "ومئتين"، وهو خطأ.
فثَبَتَ ممَّا تقدَّم صوابُ ما كنَّا جَزَمْنا به قبلَ الاطلاعِ على إسنادِ ابن مردويه "أن العِلَّةَ فيه فيمَن دون أبي عاصمٍ النبيل"، وازدَدْنا تأكُّدًا من أنَّ الصواب عن عثمانَ بنِ الأسود إنما هو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ مرسلاً كما رواه الواحدي، خلافًا لرواية ابن مردويه عنه.
стр. 1273
وبالجملة، فالحديثُ مرسَل، ولا يصحُّ عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ موصولاً بوجهٍ من الوجوه.
٢ - عن ابن شهاب: حَدَّثَني أبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارث "أن رسولَ الله ﷺ وهو بمكةَ قرأ عليهم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١]، فلما بَلَغ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠]، قال: "إنَّ شفاعتَهُنَّ تُرتَجى" -سها رسول الله ﷺ ، فلَقِيَه المشركون الذين في قلوبهم مَرَضٌ، فسَلَّموا عليه، وفَرِحوا بذلك، فقال لهم: "إنما ذلك من الشيطان"، فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ حتى بلغ ﴿فَيَنْسَخُ الله مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [الحج: ٥٢] ".
رواه ابن جرير (١٧/ ١٢١)، وإسنادُه إلى أبي بكرِ بنِ عبدِ الرحمن صحيح، كما قال السيوطي تَبَعًا للحافظ، لكنْ عَلَّتُه أنه مرسَل (١)، وعزاه السيوطيُّ لعبدِ بنِ حُميدٍ أيضًا، وأخرجه ابنُ أبي حاتم من طريقِ محمدِ بنِ فُليح، عن موسى بنِ عُقبة، عن ابنِ شهاب قال: فذكره مُطوَّلاً، ولم يذكر في إسناده أبا بكر بنَ عبدِ الرحمن، فهو مُرسَل، بل مُعْضَل، ولفظُه كما في "ابن كثير" و"الدر": "لَمَّا أُنزلت سورة "النجم"، وكان المشركون يقولون: لو كان هذا الرجلُ يَذكُرُ آلهتَنا بخيرٍ، أقرَرْناه وأصحابَه، ولكنْ لا يَذكُرُ مَن خالَفَ دينَه من اليهودِ والنصارى بمِثلِ الذي يَذكُرُ آلهتَنا من الشَّتمِ والشر، وكان رسول الله ﷺ قد اشتَدَّ عليه ما ناله وأصحابَه مِن أذاهم وتكذيبهم، وأحزَنَتْه ضلالتُهم، فكان يتمنَّى كفَّ أذاهم، (وفي "ابن كثير" هدايتهم)،
стр. 1274
فلمَّا أنزل اللهُ سورةَ "والنجم" قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠]، ألقى الشيطانُ عندها كلماتٍ حين ذَكَر الطواغيت، فقال: "وإنهنَّ لَهنَّ الغرانيقُ العُلى، وإن شفاعَتَهُنَّ لَهِيَ التي تُرتَجى"، فكان ذلك من سَجعِ الشيطانِ وفِتنتِه، فوَقَعت هاتانِ الكلمتانِ في قلبِ كلِّ مُشرِكٍ بمكة، وذَلَّتْ بها ألسنتُهم، وتباشَروا بها، وقالوا: إن محمدًا قد رجع إلى دينهِ الأول ودينِ قومِه، فلمَّا بَلَغ رسولُ الله ﷺ آخِرَ "النجم" سَجَدَ، وسَجَد كلُّ مَن حَضَرَ مِن مُسلمٍ ومُشرِكٍ، ففَشَتْ تلك الكلمةُ في الناس، وأظهرها الشيطانُ حتى بَلَغت أرضَ الحبشة، فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢]، فلمَّا بيَّن الله قضاءه، وبرَّأه مِن سَجعِ الشيطان، انقَلَب المشركون بضلالتهم وعُدوانهم للمسلمين، واشتدُّوا عليه" (١).
وأخرجه البيهقيُّ في "دلائل النبوة" عن موسى بنِ عُقبةَ، ساقه من "مغازيه" بنحوه، لم يَذكُرِ ابنَ شهابٍ كما في "الدر" (٤/ ٣٦٧) وغيره.
٣ - عن أبي العالية قال: قالت قريشٌ لرسولِ الله ﷺ : "إنما جُلساؤك عَبِيدُ بني فلان، ومولَى بنِي فلان، فلو ذَكَرتَ آلهتَنا بشيءٍ جالسناك، فإنه يأتيك أشرافُ العرب، فإذا رَأَوْا جُلساءَك أشرافَ قومِك كان أرغَبَ لهم فيك، قال: فألقى الشيطانُ في أُمنيته، فنزلت هذه الآية: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠]، قال: فأجرى الشيطانُ على
стр. 1275
لسانه: "تلك الغرانيقُ العُلى، وشفاعتهُن تُرتَجى، مِثْلُهن لا يُنسَى"، قال: فسَجَد النبيُّ ﷺ حين قرأها، وسَجَد معه المسلمون والمشركون، فلمَّا عَلِم الذي أُجرِيَ على لسانه، كَبُرَ ذلك عليه، فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: ٥٢] ".
أخرجه الطبري (١٧/ ١٢٠) من طريقين عن داودَ بنِ أبي هِندٍ عنه، وإسنادُه صحيحٌ إلى أبي العالية، لكنْ عِلَّتُه الإرسال، وكذلك رواه ابنُ المنذر، وابنُ أبي حاتم.
٤ - عن محمدِ بنِ كَعبٍ القُرَظِيِّ، ومحمدِ بنِ قَيسٍ قالا: "جَلَس رسولُ الله ﷺ في نادٍ من أنديةِ قريشٍ كثيرٍ أهلُه، فتمنَّى يومئذٍ أنْ لا يأتيَه مِنَ الله شيءٌ فيَنفِروا عنه، فأنزل الله عليه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ١ - ٢] فقرأها رسولُ الله ﷺ حتى إذا بَلَغ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠]، ألقى عليه الشيطانُ كلمتَينِ: "تلك الغرانيقُ العُلى، وإن شَفَاعَتَهُنَّ لتُرتَجى"، فتكلَّم بها ثم مَضى، فقرأ السورةَ كلَّها، فسَجَد في آخِرِ السورة، وسَجَد القومُ جميعًا معه، ورَفع الوليدُ بنُ المُغيرةِ ترابًا إلى جَبهتِه فسَجَد عليه، وكان شيخًا كبيرًا لا يَقدِرُ على السجود، فرَضُوا بما تكلَّم به، وقالوا: قد عَرَفْنا أن اللهَ يُحيي ويُميت، وهو الذي يَخلقُ وَيرزُق، ولكنْ آلهتُنا هذه تَشفعُ لنا عنده، إذا جَعَلْتَ لها نصيبًا فنحن معك، قالا: فلمَّا أمسى أتاه جبريلُ ﵇، فعَرَض عليه السورةَ، فلمَّا بَلَغَ الكلمتينِ اللتينِ ألقى الشيطانُ عليه قال: ما جِئتُكَ بهاتَينِ! فقال رسولُ الله ﷺ : "افتريتُ على الله، وقلتُ ما لم يَقُلْ"!! فأوحى الله إليه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي
стр. 1276
أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ (١) إلى قوله: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٧٣ - ٧٥]، فما زال مغمومًا مهمومًا حتى نزلت عليه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى .. ﴾ [الحج: ٥٢]، قال: فسمع مَن كان مِن المهاجرين بأرضِ الحبشةِ أنَّ أهلَ مكةَ قد أسلَموا كلُّهم، فرَجعوا إلى عشائرهم وقالوا: هو أحبُّ إلينا، فوَجَدوا القومَ قد ارتَكَسوا حين نَسَخ اللهُ ما ألقَى الشيطانُ".
أخرجه ابنُ جرير (١٧/ ١١٩) من طريق أبي مِعْشَرٍ عنهما، و"أبو مِعشَر" ضعيف، كما قال الحافظُ في "التقريب"، واسمُه "نُجَيحُ بنُ عبدِ الرحمن السِّندي".
ثم أخرجه ابن جرير من طريقِ ابنِ إسحاق، عن يَزيدَ بنِ زيادٍ المَدَني، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ وحدَه به -أتمَّ منه-، وفيه: "فلما سَمِعَتْ قريشٌ ذلك فَرِحوا، وسَرَّهم وأعجَبَهم ما ذَكر به آلهتهم، فأصاخوا له، والمؤمنون مُصدِّقون نبيَّهم فيما جاء به عن ربِّهم، ولا يتَّهمونه على خطأٍ لا وهمٍ ولا زَللٍ .. "، الحديث، و"يَزيدُ" هذا ثِقةٌ، لكنَّ الراويَ عنه "ابنَ إسحاق" مدلِّس، وقد عنعنه.
٥ - عن قتادةَ أن النبيَّ ﷺ كان يتمنَّى أنْ لا يَعيبَ الله آلهةَ المشركين، فألقى الشيطانُ في أُمنيته، فقال: "إنَّ الآلهةَ التي تُدعَى، إن شفاعَتهُنَّ لتُرتَجى، وإنها لَلْغرانيق العلى"، فَنَسخ اللهُ ذلك، وأحكَمَ الله آياته:
стр. 1277
﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ (١) حتى بلغ ﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ١٩ - ٢٣]، قال قَتادة: لَمَّا أَلقَى الشيطان ما ألقى، قال المشركون: قد ذَكر اللهُ آلهتَهم بخيرٍ، ففَرِحوا بذلك، فذَكَر قوله: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الحج: ٥٣] ".
° أخرجه ابنُ جرير (١٧/ ١٢٢) من طريقين عن مَعْمَرٍ عنه، وهو صحيحٌ إلى قَتادة، ولكنَّه مرسَلٌ أو مُعضَل.
وقد رواه ابنُ أبي حاتم كما في "الدر" بلفظٍ أتمَّ منه وهو: "قال: بينما رسولُ الله ﷺ يُصلِّي عند المَقام، نَعِسَ، فألقى الشيطان على لسانِه كلمةً فتكلَّم بها، وتَعلَّق بها المشركون عليه، فقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠]، فألقى الشيطانُ على لسانِه ولَغَى: "وإن شفاعتَهُنَّ لتُرتَجى، وإنها لَمَعَ الغرانيقِ العلى"، فحَفظِها المشركون، وأخبَرَهم الشيطانُ أن نبيَّ الله ﷺ قد قرأها، فذَلَّت بها ألسنتُهم، فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الآية [الحج: ٥٢]، فدَحَر الله الشيطانَ، ولَقَّنَ نبيَّه حُجَّتَه".
٦ - عن عُروةَ -يعني ابن الزبير- في تسميةِ الذين خَرجوا إلى أرضِ الحبشة المرةَ الأولى (قلت: وفيه) "فقال المشركون: لو كان هذا الرجلُ يَذكُرُ آلهتَنا بخيرٍ، أقَرْرناه وأصحابَه، فإنه لا يَذكرُ أحدًا ممن خالَفَ دِينَه من اليهودِ والنصارى بمِثلِ الذي يَذكُرُ به آلهتَنا من الشَّتْمِ والشر، فلمَّا أنزل الله
стр. 1278
- السورةَ التي يُذكر فيها: "والنجم" وقرأ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠]، ألقى الشيطانُ فيها عندَ ذلك ذِكْرَ الطواغيت فقال: "وإنهن لَمِنَ الغرانيقِ العُلى، وإن شفاعتهن لتُرتجى"، وذلك مِن سَجعِ الشيطان وفتنتِه، فوَقَعت هاتان الكلمتانِ في قلبِ كلِّ مُشرِكٍ، وذَلَّت بها ألسنتُهم، واستَبشَروا بها، وقالوا: إنَّ محمدًا قد رَجَع إلى دينهِ الأوَّلِ ودينِ قومه، فلما بَلَغ رسولُ الله ﷺ آخِرَ السورة التي فيها "النجم" سَجَد، وسَجَد معه كلُّ مَن حَضَره مِن مُسلِمٍ ومُشرِك، غيرَ أنَّ الوليدَ بنَ المغيرة -كان رجلاً كبيرًا-، فرَفَع مِلْءَ كَفِّه ترابًا، فسَجَد عليه، فعَجِب الفريقانِ كلاهما من جماعتِهم في السجودِ لسجود رسولِ الله ﷺ ، فأما المسلمون فعَجِبوا من سجودِ المشركين من غيرِ إيمانٍ ولا يقين -ولم يكن المسلمون سَمِعوا الذي ألقى الشيطانُ على ألسِنَةِ المشركين-، وأمَّا المشركون فاطمأنَّت أنفُسُهم إلى النبي ﷺ [وأصحابِه لَمَّا سَمِعوا الذي ألقى الشيطانُ في أُمنيَّةِ النبيِّ ﷺ ]، وحَدَّثهم الشيطانُ أن النبيَّ ﷺ قد قرأها في "السجدة"، فسَجَدوا لتعظيمِ آلهِتهم، ففَشَتْ تلك الكلمةُ في الناس وأظهَرَها الشيطانُ حتى بَلَغَتِ الحبشة .. فكَبُرَ ذلك على رسولِ الله ﷺ فلمَّا أمسى أتاه جبريلُ [﵇ فشكا إليه، فأَمَره، فقرأ عليه، فلمَّا بَلَغها تبرَّأ منها جبريلُ ﵇] وقال: مَعَاذَ اللهِ من هاتين، ما أنزَلَهما ربِّي، ولا أمرَني بهما ربُّك!! فلمَّا رأى ذلك رسولُ الله ﷺ شَقَّ عليه، وقال: "أطعتُ الشيطانَ، وتكلَّمتُ بكلامه، وشَرَكني في أمرِ الله" فنَسَخ الله ما ألقى الشيطانُ، وأنزل عليه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ إلى قوله: ﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [الحج: ٥٢ - ٥٣]. فلمَّا برَّأه الله -عز
стр. 1279
وجل- مِن سَجْعِ الشيطانِ وفِتنتهِ، انقلب المشركون بضَلالهم وعداوتهم".
رواه الطبراني هكذا مرسلاً، كما في "المجمع" (٦/ ٣٢ - ٣٤ و ٧/ ٧٠ - ٧٢) وقال: "وفيه ابنُ لَهِيعة، ولا يُحتمل هذا مِن ابنِ لَهيعة".
٧ - عن أبي صالح قال: "قام رسولُ الله ﷺ فقال المشركون: إنْ ذَكَر آلهتَنا بخيرٍ ذَكَرْنا إلهه بخير، فأُلقي في أُمنيته: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠]، "إنهن لفي الغرانيقِ العُلى، وإنَّ شفاعَتَهُنَّ لتُرتَجى"، قال: فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ .. ﴾ الآية [الحج: ٥٢] ".
أخرجه عَبدُ بنُ حُميد كما في "الدر" (٤/ ٣٦٦) من طريق السُّدِّيُّ عنه، وأخرجه ابنُ أبي حاتمٍ عن السُّدِّيِّ لم يُجاوِزْه بلفظ: "قال: خَرج النبيُّ ﷺ إلى المسجدِ ليصلِّيَ، فبينما هو يقرأُ، إذ قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠]، فألقى الشيطانُ على لسانِه، فقال: "تلك الغَرَانِقةُ العُلى، وإنَّ شفاعَتَهُنَّ لتُرجَّى"، حتى إذا بَلَغ آخِرَ السورةِ سَجَد وسَجَد أصحابه، وسَجَد المشركون لذِكرِ آلهتِهم، فلمَّا رَفَع رأسَه حَمَلوه، فاشتدُّوا به قُطْرَيْ مكةَ يقولون: نبيُّ بني عبدِ منافٍ، حتى إذا جاء جبريلُ عَرَض عليه، فقرأ ذَيْنِكَ الحرفَينِ، فقال جبريل: مَعاذَ اللهِ أن أكونَ أقرأتُك هذا! فاشتدَّ عليه، فأنزل الله يُطيِّبُ نفسه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ .. ﴾ الآية [الحج: ٥٢] ".
° قلت: وقد رُويَ موصولاً عن ابن عباسٍ، أخرجه ابنُ مَردُويه من طريقِ الكَلْبيِّ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباس. وهذا إسنادٌ ضعيف جدًّا
стр. 1280
-بل موضوع-، فقد قال سفيانُ: "قال لي الكَلْبيُّ: كلُّ ما حَدَّثتُك عن أبي صالحٍ فهو كذب"، والكَلْبيُّ هذا اسمُه "محمدُ بنُ السائب"، وقد كان مفسِّرًا نسَّابةً أخباريًّا.
وقال ابنُ حبان: "كان الكَلبيُّ سَبائيًّا من أولئك الذين يقولون: إن عليًّا لم يَمُت، وإنه راجعٌ إلى الدنيا، ويملؤها عَدلاً كما مُلئت جَوْرًا، وإن رأوا سحابةً قالوا: أميرُ المؤمنين فيها".
قال: "ومذهبُه في الدين، ووضوحُ الكذبِ فيه أظهرُ من أن يُحتاجَ إلى الإغراقِ في وَصفِه، يَروِي عن أبي صالحٍ عن ابن عباسٍ التفسيرَ، وأبو صالحٍ لم يَرَ ابنَ عباس، ولا سَمعَ الكلبيُّ من أبي صالحٍ إلَّا الحرفَ بعدَ الحرف، لا يَحِلُّ ذِكره في الكتب، فكيف الاحتجاج به؟! " (١).
° ورُوي من وجوهٍ أخرى عن ابن عباسٍ ﵄ سيأتي ذِكرُها، ولا يصحُّ شيءٌ منها.
٨ - عن الضحَّاك قال في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ .. ﴾ الآية [الحج: ٥٢]: "فإنَّ نبيَّ اللهِ ﷺ وهو بمكةَ أَنزل اللهُ عليه في آلهةِ العَرَب، فجَعل يتلو اللاتَ والعُزَّى، ويُكثِرُ ترديدَها، فسَمع أهلُ مكةَ النبيَّ ﷺ يذكُرُ آلهتَهم، ففرِحوا بذلك، ودَنَوا يستمِعون، فألقى الشيطانُ في تلاوة النبيِّ ﷺ : "تلك الغرانيق العلى، ومنها الشفاعةُ تُرجَى"، فقرأها النبيُّ ﷺ كذلك، فأنزل الله عليه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: ٥٢] ".
стр. 1281
أخرجه ابنُ جرير (١٧/ ١٢١) قال: "حُدِّثتُ عن الحُسينِ قال: سمعتُ معاذًا يقول: أخبَرَنا عُبيدٌ قال: سمعتُ الضَّحَّاكَ يقول .. ".
قلت: وهذا إسنادٌ ضعيفٌ منقطعٌ مرسَل، الضَّحَّاكُ هذا الظاهرُ أنه ابنُ مُزاحِمٍ الهِلاليُّ الخُراسانيُّ، هو كثيرُ الإِرسال -كما قال الحافظ-، حتى قيل: إنه لَم يَثبُت له سَماعٌ من أحدٍ من الصحابة، والراوي عنه "عُبيد" لَم أعرِفْه (١)، وأبو مُعاذٍ الظاهر أنه سُليمانُ بنُ أرقمَ البَصْرِيُّ، وهو ضعيف -كما في "التقريب"-، والراوي عنه الحُسين هو ابنُ الفَرَج أبو عليٍّ، وقيل: أبو صالح، ويُعرف بـ "ابن الخَيَّاط" و"البغدادي"، وهو ضعيفٌ متروك، وله ترجمة في "تاريخ بغداد" وفي "الميزان" و"اللسان" ثم شيخ ابن جرير فيه مجهولٌ لم يُسَمَّ.
٩ - عن محمدِ بنِ فَضَالةَ الظَّفَريِّ، والمُطَّلِبِ بنِ عبدِ الله بنِ حَنْطَبٍ قالا: "رأى رسولُ الله ﷺ مِن قومه كفًّا عنه، فجلس خاليَا، فتمنَّى، فقال: "لَيتَه لا يَنزِلُ عليَّ شيءٌ يُنفِّرُهم عنِّي"، وقارَبَ رسولُ الله ﷺ قومَه، ودنا منهم، ودنَوا منه، فجلس يومًا مجلسًا في نادٍ من تلك الأنديةِ حولَ الكعبة، فقرأ عليهم ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١]، حتى إذا بلغ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠]،
стр. 1282
ألقى الشيطانُ كلمتين على لسانِه: "تلك الغرانيقُ العُلى، وإن شفاعَتَهُنَّ لتُرتَجَى"، فتكلَّم رسولُ الله ﷺ بهما ثم مضى، فقرأ السورةَ كلَّها، وسَجَد وسَجَد القومُ جميعًا، ورَفَع الوليدُ بن المغيرةِ ترابًا إلى جبهتِه فسَجَد عليه، وكان شيخًّا كبيرًا لا يَقدِرُ على السجود، ويقال: إن أبا أُحَيْحَةَ سعيدَ بنَ العاصِ أخذ ترابًا فسَجَد عليه رَفَعه إلى جبهته، وكان شيخًّا كبيرًا، فبَعضُ الناس يقول: إنما الذي رَفع الترابَ الوليدُ، وبعضهم يقول: أبو أُحَيحة، وبعضهم يقول: كلاهما جميعًا فَعَل ذلك .. فرَضُوا بما تكلَّم به رسولُ الله ﷺ وقالوا: قد عَرَفنا أن اللهَ يحيي ويميت، ويَخلُقُ ويَرزُق، ولكن آلهتَنا هذه تَشفعُ لنا عنده، وأمَّا إذ جَعَلتَ لها نصيبًا فنحن معك، فكبُر ذلك على رسولِ الله ﷺ من قولهم، حتى جَلس في البيت، فلمَّا أمسى أتاه جبريلُ ﵇، فَعَرَض عليه السورة، فقال جبريل: جِئُتك (١) بهاتَينِ الكلمتَينِ؟!! فقال رسولُ الله ﷺ : "قُلْتُ على الله ما لم يَقُلْ"، فأوحى الله إليه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٧٣ - ٧٥] ".
أخرجه ابنُ سعد في "الطبقات" (ج ١ ق ١ ص ١٣٧) (٢): "أخبَرَنا محمدُ بنُ عمرَ قال: حدَّثَني يونسُ بن محمدِ بنِ فَضَالةَ الظَّفَرِيُّ عن أبيه،
стр. 1283
قال: وحَدَّثني كَثيرُ بنُ زَيدٍ، عن المُطَّلِبِ بن عبد الله بنِ حَنْطَبٍ قالا .. ".
قلت: وهذا إسنادٌ ضعيف جدًّا؛ لأن محمدَ بنَ عُمرَ، هو الواقِدي، قال الحافظ في "التقريب": "متروك مع سَعَةِ عِلمه" وشيخُه في الإسنادِ الأول يونسُ بنُ محمد، ووالدُه محمدُ بنُ فَضالة، لم أجِدْ لهما ترجمةً، ثم رأيتُ ابنَ أبي حاتم أورَدَهما (٤/ ١/ ٥٥ و ٤/ ٢/ ٢٤٦) ولم يذكر فيهما جرحًا ولا تعديلاً، وفي إسناده الثاني "كثير بن زيد" وهو الأَسْلَمِيُّ المَدَنِيُّ، مُخْتَلَف فيه، قال الحافظ: "صدوق يخطئ".
ثم هو مرسَل، فإن المطَّلبَ بنَ عبدِ الله بنِ حَنْطَبٍ كثيرُ التدليس والإرسال، كما في "التقريب"، ولذلك قال القرطبيُّ بعد أن ساق الرواية الثانية: "وحُكي عن النحاس تضعيفها كما سبق نقلُه عنه هناك".
° قلت: فذكره مختصرًا ثم قال: "قال النحَّاس: هذا حديثٌ مُنكَر منقطع، ولا سيما من حديث الواقدي".
١٠ - عن ابن عباس أنَّ رسولَ الله ﷺ قرأ سورة "النجم" وهو بمكة، فأتى على هذه الآية ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠]، فألقى الشيطانُ على لسانه "إنهن الغرانيقُ اَلعُلى" فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ .. ﴾ الآية [الحج: ٥٢]، وكذا أورده السيوطي في "الدر المنثور" (٤/ ٢٦٧) وقال: "أخرجه ابنُ مَردُويه من طريق الكَلبيِّ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباس، ومن طريقِ أبي بكر الهُذَليِّ وأيوبَ، عن عكرمة، عن ابن عباس، ومن طريقِ سُليمانَ التَّيمِيِّ، عمَّن حدَّثه، عن ابن عباس".
стр. 1284
قلت: فهذه طُرُقٌ ثلاثٌ عن ابن عباسٍ، وكلُّها ضعيفة.
أمَّا الطريقُ الأول: ففيها الكَلبيُّ، وهو كَذَّابٌ كما تقدَّم بيانُه قريبًا.
وأما الطريق الثاني: ففيها مَن لَم يُسَمَّ.
وأما الطريق الثالث: ففيها "أبو بكر الهُذَلي"، قال الحافظ في "التقريب": "أخباريٌّ متروكُ الحديث" لكن قد قَرَن فيها أيوب، والظاهرُ أنه السِّختياني، فلا بدَّ أن يكونَ في الطريقِ إليه مَن لا يُحتَجُّ به؛ لأن الحافظَ قال في "الفتح" (٨/ ٣٥٥) -بعد أن ساقَه من الطرق الثلاث-: "وكلُّها ضعيفٌ أو منقطع".
وقد ذَكر ما يُفيدُ أن ابنَ مَردُويه أخرجَها من طريقِ عَبَّادِ بنِ صُهيب، وهو أحد المتروكين، كما قال الحافظ الذهبيُّ في ترجمته من "الميزان".
وله طريقٌ رابع، أخرجه ابنُ جرير (١٧/ ١٢٠): حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ قال: ثني أبي قال: ثني عمِّي، ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس؛ "أن نبيَّ الله ﷺ بينما هو يُصلِّي إذ نَزَلت عليه قصةُ آلهةِ العرب، فجَعل يتلوها، فسَمِعه المشركون، فقالوا: إنَّا نَسمعُه يذكرُ آلهتَنا بخير، فدَنَوا منه، فبينما هو يقول: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠]، ألقى الشيطان: "إن تلك الغرانيقَ العُلى، َ منها الشفاعةُ تُرتَجى"، فجَعَل يتلوها، فنزل جبريل ﵇ فنَسَخها، ثم قال له: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ .. ﴾ الآية [الحج: ٥٢] ".
رواه ابنُ مردُويه أيضًا كما في "الدر" (٤/ ٣٦٦).
قلت: وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا، مُسَلسَلٌ بالضعفاء: "محمد بن سعد"، هو
стр. 1285
ابن محمد بن الحسن بن عطية بن جُنادة أبو جعفر العَوفيُّ، ترجَمَه الخطيبُ في "تاريخ بغداد" (٥/ ٣٢٢ - ٣٢٣) وقال: "كان ليِّنًا في الحديث".
ووالدُه "سعد بن محمد" ترجَمَه الخطيبُ أيضًا (٩/ ١٢٦ - ١٢٧) ورَوى عن أحمدَ أنه قال فيه: "لم يكن ممن يستأهلُ أن يكتبَ عنه، ولا كان موضِعًا لذلك".
وعمُّه هو "الحسن بن الحسن بن عطية بن سعد"، وهو متَّفقٌ على ضَعفِه، ترجَمَه الخطيب (٨/ ٢٩ - ٣٢) وغيره.
وأبوه "الحسن بن عطية" ضعيف أيضًا اتفاقًا، وقد أورده ابنُ حِبَّانَ في "الضعفاء" وقال: "مُنكَرُ الحديث، فلا أدري البَلِيَّةُ منه أو مِنِ ابنه، أو منهما معًا؟ "، ترجمته في "تهذيب التهذيب".
وكذا والدُه "عطية"، وهو مشهورٌ بالضَّعف (١).
* بيانُ بطلانِ القصة مَتنًا:
تلك هي رواياتُ القصة، وهي كلُّها -كما رأيت- مُعَلَّةٌ بالإِرسالِ والضَّعف والجَهالة، فليس فيها ما يَصلُح للاحتجاج به، لا سيَّما في مثلِ هذا الأمرِ الخطير، ثم إنَّ ممَّا يؤكِّدُ ضَعفَها -بل بطلانَها-، ما فيها من
стр. 1286
الاختلافِ والنَّكارة ممَّا لا يَليقُ بمَقامِ النبوَّة والرسالة، وإليك البيان:
أولاً: في الروايات كلِّها -أو جُلِّها- أن الشيطانَ تكلَّم على لسانِ النبيِّ ﷺ بتلك الجُملةِ الباطلة التي تَمدحُ أصنامَ المشركين، "تلك الغرانيقُ العلى، وإن شفاعتَهن لترتَجى".
ثانيًا: وفي بعضِها كالرواية الرابعة: "والمؤمنون مُصدِّقون نبيَّهم فيما جاء به عن ربِّهم، ولا يتَّهمونه على خطأٍ ولا وَهْمٍ"، ففي هذا أن المؤمنين سَمِعوا ذلك منه ﷺ ، ولم يَشعُروا بأنه من إلقاءِ الشيطان، بل اعتَقدوا أنه من وَحيِ الرحمن!! بينما تقولُ الرواية السادسة: "ولم يكن المسلمون سمِعوا الذي ألقى الشيطان"، فهذه خلافُ تلك.
ثالثًا: وفي بعضِها كالرواية (١ و ٤ و ٧ و ٩): أن النبي ﷺ بَقِيَ مُدةً لا يَدرِي أن ذلك من الشيطان، حتى قال له جبريل: "مَعاذَ الله! لم آتِكَ بهذا، هذا من الشيطان!! ".
رابعًا: وفي الروايةِ الثانية أنه ﷺ سَهَا حتى قال ذلك! فلو كان كذلك، أفلا يَنتبهُ من سَهوِه؟!.
خامسًا: في الروايةِ العاشرة الطريق الرابع: "أن ذلك أُلقِيَ عليه وهو يُصلِّي"!!.
سادسًا: وفي الرواية (٤ و ٥ و ٩) أنه ﷺ تَمنَّى أن لا يَنزلَ عليه شيءٌ من الوحي يَعيبُ آلهةَ المشركين، لئلَّا ينفِروا عنه!! وانظر المَقامَ الرابعَ من كلامِ ابن العربي الآتي (ص ٥٠).
سابعًا: وفي الرواية (٤ و ٦ و ٩) أنه ﷺ قال -عندما أَنكر جبريل ذلك
стр. 1287
عليه-: "افتريتُ على الله، وقلتُ على الله ما لم يَقُل، وشَرَكني الشيطانُ في أمرِ الله!! ".
فهذه طامَّاتٌ يجبُ تنزيهُ الرسولِ منها، لا سيَّما هذا الأخيرُ منها، فإنه لو كان صحيحًا لصَدَق فيه، ﵊ -وحاشاه- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦].
فثبت ممَّا تقدَّم بطلانُ هذه القصةِ سَندًا ومتنًا، والحمد لله على توفيقه وهدايته" (١).
* كلامُ الحافظِ ابنِ حَجَر والردُّ عليه:
° قال الحافظُ في "الفتح" (٨/ ٣٥٤ - ٣٥٥) بعد أن ساقَ الروايةَ الأولى وخرَّجها هي وغيرَها مما تقدم: "وكلُّها -سِوى طريقِ سعيدِ بنِ جُبير- إمَّا ضعيف، وإما منقطع، ولكنَّ كثرةَ الطرُقِ تدلُّ على أن للقصةِ أصلاً، مع أن لها طريقَينِ آخَرَينِ مرسَلَينِ رجالُهما على شَرط "الصحيحين" (ثم ذكر الرواية الثانية والثالثة ثم قال): وقد تَجرَّأ أبو بكر بنُ العربي كعادته فقال: "ذكر الطبريُّ في ذلك رواياتٍ كثيرةً باطلةً لا أصلَ لها"، وهو إطلاقٌ مردودٌ عليه، وكذا قولُ عياض: "هذا حديث لم يُخرِجْه أحدٌ من أهل الصحَّة، ولا رواه ثِقةٌ بسَنَدٍ سليمٍ متَّصلٍ مع ضَعفِ نَقَلَتِه، واضطرابِ رُواياته، وانقطاعِ إسنادِه"، وكذا قوله: "ومن حُملت عنه هذه القصةُ من التابعين والمفسِّرين، لم يُسنِدْها أحدٌ منهم"، ثم رَدَّه من طريقِ النظرِ بأنَّ ذلك لو وقع
стр. 1288
لارتدَّ كثيرٌ ممن أسلم، قال: "ولم يُنقل ذلك" انتهى.
وجميعُ ذلك لا يتمشَّى مع القواعد، فإنَّ الطُّرُقَ إذا كثُرت وتبايَنَت مخارِجُها، دَلَّ ذلك على أنَّ لها أصلاً، وقد ذَكرتُ أن ثلاثةَ أسانيدَ منها على شرطِ الصحيح، وهي مراسيلُ يَحتجُّ بها مَن يَحتجُّ بالمرسَل، وكذا مَن لا يحتجُّ به لاعتضادِ بعضِها ببعض".
° ورَدَّ عليه الشيخ الألباني ﵀ فقال:
أوَّلاً: إنَّ القاعدةَ التي أشار إليها، وهي "تقويةُ الحديثِ بكثرةِ الطُّرُق"، ليست على إطلاقها، وقد نبَّه عَلَى ذلك غيرُ واحدٍ من علماءِ الحديث المحقِّقين -منهم الحافظُ أبو عَمرِو بنُ الصلاح-، فمن ذلك ضَعفٌ لا يَزولُ بكثرةِ الطرُقِ لقوَّةِ الضَّعفِ وتقاعدِ هذا الجابِرِ عن جَبرِه ومقاومتِه، وذلك كالضَّعفِ الذي ينشأُ مِن كَونِ الراوي مُتَّهَمًا بالكذب أو كونِ الحديث شاذًّا، وهذه تُدرَكُ بالمباشرة والبحث.
ومِن هذا القَبيل حديثُ ابنِ عباسٍ في هذه القصة، فإن طُرُقَه كلَّها ضعيفةٌ جدًّا، فلا يتقوَّى بها أصلاً.
الوجه الثاني: ضَعفُ الحديث المرسَل، فالحديث المُرسَل -ولو كان المُرسِل ثقةً- لا يُحْتَجُّ به عند أئمةِ الحديث، كما بيَّنه ابنُ الصلاح في "علوم الحديث" وجزم هو به (١).
وقد يقول قائل: "إنه يَقوَى بمرسَلٍ آخَرَ".
فاشترط الشافعيُّ في المرسل الآخَرِ أن يكون مُرسِلُه أَخَذَ العلمَ عن غيرِ
стр. 1289
رجالِ التابعيِّ الأول، كما حكاه ابنُ الصلاح (ص ٣٥)، وكأنَّ ذلك ليغلِبَ على الظنِّ أنَّ المحذوفِ في أحدِ المرسَلَيْنِ هو غيرُه في المرسَلِ الآخَر".
° قال الألباني: "إننا لو ألقينا النظرَ على رواياتِ هذه القصةِ، لألفيناها كلَّها مرسَلة، حاشا حديثَ ابنِ عباس، ولكنَّ طُرقَه كلَّها واهيةٌ شديدةٌ الضعف لا تَنجبِرُ بها تلك المراسيل، فيَبقى النظرُ في هذه المراسيل، وهي -كما علمت- سَبعةٌ، صَحَّ إسنادُ أربعةٍ منها، وهي مرسَلُ سعيدِ بنِ جُبير، وأبي بكر بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارث، وأبي العالية (رقم ١ - ٣)، ومرسَل قتادة رقم (٥)، وهي مراسيلُ يَرِدُ عليها أحدُ الاحتمالَين السابقَين، لأنهم من طَبقةٍ واحدة، فوفاةُ سعيدِ بنِ جُبير سنةَ (٩٥) وأبي بكرِ بنِ عبدِ الرحمن سنةَ (٩٤)، وأبي العالية -واسمُه "رُفيع" مصغَّرًا- سنةَ (٩٠)، وقتادةَ سنةَ بِضعَ عَشْرةَ ومِئةٍ، والأولُ كُوفيٌّ، والثاني مَدَنِيٌّ، والأخيران بَصْرِيَّان.
فجائزٌ أن يكونَ مَصدرُهم الذي أخذُوا منه هذه القصةَ ورَوَوْها عنه واحدًا لا غير، وهو مجهول.
وجائزٌ أن يكونَ جَمْعًا، ولكنَّهم ضَعفاءُ جميعًا، فمع هذه الاحتمالاتِ لا يُمكنُ أن تَطمئنَّ النفسُ لقَبولِ حديثِهمِ هذا، لا سيَّما في مِثلِ هذا الحَدَثِ العظيمِ الذي يَمَسُّ المَقامَ الكريمَ، فلا جَرمَ تتابَعَ العلماءُ على إنكارِها، بل التنديدِ ببطلانها، ولا وَجْهَ لذلك من جِهةِ الروايةِ إلَّا ما ذكرنا، وإن كنتُ لم أقِفْ على مَن صَرَّح بذلك كما ذكرتُ آنِفًا" (١).
стр. 1290
* ونَخلُصُ إِلى القول الفَصلِ في قصةِ "الغرانيق" وهو بُطلانُها:
أولاً: الأسانيدُ الوارِدَةُ عنِ الصَّحابةِ لم تَرِدْ إلَّا عنِ اثنَيْنِ:
١ - ابنُ عبَّاسٍ، وطُرُقُهُ المسنَدَة كُلُّها ضعيفةٌ، واخْتُلِفَ على رواتِهِ، فكانُوا يُرْسِلونَهُ تارةً، ويُسنِدُونَهُ تارةً، معَ اضطِرابٍ شَديدٍ في الألفاظِ والمُتونِ، وضَعْفٍ في الرُّواةِ والأسانيد.
٢ - محمدُ بنُ فَضَالَةَ الظَّفَرِيُّ: وحديثُهُ مِن طَريقِ محمَّدِ بنِ عُمَرَ الواقِديِّ، وهو متروكٌ؛ كَذَّبَهُ جماعةٌ.
ثانيًا: أَمَّا المَراسيلُ؛ فهِيَ كما يَلي:
١ - مُرْسَلُ ابنِ شِهابٍ: فيه جهالةٌ، واخْتُلِفَ على رواتِهِ على عِدَّةِ وجوهٍ، فَرُوِيَ مُعْضلاً دونَ ذِكْرِ ابنِ شهابٍ، ورُوِيَ عنهُ عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث.
وهذا اضطِرابٌ شديدٌ لا تحْتَمِلُهُ هذه الأسانيدُ؛ على ضَعْفِ مفْرَادتِها، وإرسالِ أُصولِها.
٢ - مُرْسَلُ محمَّدِ بنِ كعبٍ ومُحَمَّدِ بنِ قَيسٍ معًا:
رُوِيَ مِن طريقِ راوٍ شَديدِ الضَّعْفِ.
ثمَّ اضْطَرابَ رُواتُهُ، فرَوَوْهُ بإسنادٍ ضَعيفٍ جدًّا عن محمَّدِ بن كَعْبٍ وحْدَهُ!.
٣ - مُرْسَلُ أَبي العالِيَّةِ:
فيهِ راوٍ كَثيرُ الاضْطِرابِ والاخْتِلافِ.
ورُوِيَتِ القِصَّةُ عنهُ على وَجْهٍ آخَرَ، فيه اخْتِلافاتٌ وتَناقُضاتٌ عدَّةٌ
أ- مُرْسَلُ قَتادَةَ.
ب - مُرْسَلُ سَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ.
ت- مُرْسَلُ عُروةَ.
وقتادَةُ بَصْرِيٌّ، وسَعيدٌ كوفِيٌّ، وعُروةُ مَدَنيٌّ، ولقد كانتِ المَدينةُ النبويَّةُ والبصْرَةُ -والكُوفَةُ حِذَاءَها- في ذلكَ الزَّمانِ مَحَطَّ أَنْظارِ كثيرٍ مِن الرُّواةِ وطَلَبَةِ الحَديثِ، وكانَتِ الرِّحْلَةُ في طَلَبِ الحَديثِ في أَوْجِها، "فجائِزٌ أَنْ يكونَ مصدَرُهُم الذي أَخَذوا منهُ هذه القِصَّةَ ورَوَوْها عنهُ واحدًا لا غير، وهو مجهولٌ.
وجائِزٌ أَنْ يكونوا جَمْعًا، ولكنَّهُم ضُعَفاءُ جَميعًا.
فمَعَ هذه الاحتمالاتِ لا يُمْكِنُ أَن تَطْمَئنَّ النَّفْسُ لِقَبولِ حَديثِهِم، لا سِيمَّا في مِثْلِ هذا الحَدَثِ العَظيمِ الذي يَمَسُّ المَقامَ الكَريمَ، فلا جَرَمَ تتابَعَ العُلَماءُ على إنكارِها، بل التَّنْدِيدِ ببُطلانِها" (١).
ولا يَذْهَبَنَّ عنكَ أَنَّ مُفرَداتِ هذهِ المَراسِيلِ ضعيفةٌ أَصلاً -فوقَ إرسالِها-؛ كما سَبَقَ تحقيقُهُ!.
فهذا وَجْهٌ آخَرُ يمنَعُ القولَ بتقوِّيها معًا.
رابعًا: وَقَعَ في مَتْنِ القصَّةِ اضطرابٌ كبيرٌ في وجهَيْنِ هُما أَساسُ القصَّةِ:
١ - موضعُ القِصَّةِ.
ففي بعضِ الرِّواياتِ أَنَّ ذلك حَدَثَ وهُو يُصَلَّي.
стр. 1293
وفي بعضِها أَنَهُ كانَ في نادٍ لِقُريشٍ.
وبعضُها غُفْلٌ عن دْلكَ كُلِّهِ.
٢ - الذي قالَه الشَّيْطانُ (!):
ففي بعضِ الرِّواياتِ: "إنَّهُنُّ لَفِي الغرانيقِ العُلا، وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لتُرْتَجى"!.
وفي بعضِها: "تلكَ الغَرانِيقُ العُلا، وإن شفاعَتَهُنَّ تُرْتَجى".
وفي بعضِها: "إنَّ تلكَ الغَرانيقُ العُلا، منها الشَّفاعَةُ تُرْتَجى".
وفي بعضِها: "وإنَّهُنَّ لهُنَّ الغَرانيقُ العُلا، وإنَّهُنَّ لهُنَّ التي تُرْتَجى".
وفي بعضِها: "تلكَ الغَرانيقُ العُلا، وشفاعتهُنَّ ترْتَضى، ومثلُهُنَّ لا يُنْسَى".
وفي بعضِها: "إنَّ شفاعَتَهنَّ لتُرْتَجى، وإنَّها لَمَعَ الغَرانيقِ العُلَا".
وفي بعضِها: "تلك إذنْ في الغَرانيقِ العُلا، تلكَ إذنْ شَفاعَةٌ تُرْتَجى".
والقصَّةُ -كما يزعُمونَ- واحِدَةٌ، فما هذا الاختلافُ؟.
وهل بمثلِهِ تثبُتُ الأخبارُ أَمْ تُنْقَضُ؟!.
خامسًا: التَّناقُضُ السَّاري بينَ أَلفاظِ القصَّةِ ومفردَاتِها، وقد سبقَ التنبيهُ على بعضِها، ومنهُ:
١ - أَنَّ بعضَ الرِّواياتِ تذكُرُ سماعَ المسلمينَ لإلقاءِ الشَّياطينِ.
وبعضَها الآخَرُ يذْكُرُ العكسَ.
وقسمٌ ثالثٌ يسكُتُ عنْ هذا كُلِّهِ.
стр. 1294
٢ - وفي بعضِ الرِّواياتِ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ بَقِيَ مُدَّةً لا يَدْري أَنَّ ذلكَ مِن الشَّيطانِ.
وفي بعضِها أَنَّهُ سَهَا حتى قالَ ذلكَ!.
وفي بعضِها إغفالٌ لهذينِ معًا!!.
٣ - وفي بعضِ الرِّواياتِ أَنَّ جِبريلَ جاءَهُ فقرأَ عليهِ.
وفي بعضِها أَنَّهُ ﷺ شَكا ذلك لِجِبْريلَ.
وفي بعضِها عدمُ إيرادٍ لهذا كُلِّهِ!.
إلى غيرِ ذلك مِن وجوهِ التَّناقُضِ والاضْطِرابِ.
سادسًا: بِعَرْضِ هذه الرَّواياتِ المُتهافِتَةِ على "مقاييسِ النَّقْدِ" التي أَوْرَدْتُها في القسم الأوَّلِ مِن الكتابِ؛ نَرى أَنَّها جميعًا تنقُضُهُ، وتُثْبِتُ بُطلانَهُ.
ومِمَّا يَنْبَغي أَنْ يُضافَ هُنا ما رواهُ أَبو داودُ (٣٦٤٦)، وأحمدُ (٢/ ١٦٢ و ١٩٢)، والدَّارِمي (١/ ١٢٥)، والحاكم (١/ ١٠٥ - ١٠٦)، والرَّامَهُرْمُزِي في "المُحدِّث الفاصل" (٣٢١)، والخطيب في "تقييد العلم" (ص ٨٠)، والقاضي عِياضٌ في "الإلماع" (١٤٦)؛ بسنَدٍ صَحيحٍ عنْ عبدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ قالَ: كنتُ أكتبُ كُلَّ شَيءٍ أَسمَعُهُ مِن رَسولِ اللهِ ﷺ ؛ أُريدُ حِفْظَهُ، فنَهَتْنِي قُرْيشٌ، وقالوا: أَتَكْتُبُ كُلَّ شيءٍ ورسولُ الله ﷺ بَشَرٌّ؛ يتكَلَّمُ في الغَضَبِ والرِّضى؟! فأمسَكْتُ عنِ الكتاب، فذكَرْتُ لرسولِ اللهِ ﷺ ، فأَوْمَأَ بإِصبُعِهِ إلى فيهِ، وقالَ: "اكْتُبْ،
стр. 1295
فوالَّذي نفسي بيدِهِ ما يَخْرُجُ منْهُ إلا حَقٌّ".
قلتُ: فهلْ أُسطورَةُ الغَرانيقِ ومدْحُ النبيِّ ﷺ لها -وحاشاهُ- مِن هذا الحقِّ؟!.
أَمْ أَنَّها باطلٌ غارِقٌ في الضَّلالِ، يتنَزَّهُ عنهُ رسولُ اللهِ ﷺ ؟!.
سابعًا: أَنَّهُ قد صَحَّ سجودُ النبيِّ ﷺ في سورةِ "النَّجْمِ"، وسجودُ المُسلمينَ والمُشْرِكينَ معَهُ؛ كما تقدَّمَ إيرادُهُ، وذِكْرُ السَّبَبِ فيهِ.
فعَدَمُ ذِكْرِ القصَّة الغِرْنَوْقِيَّةِ فيهِ دَليلٌ صَريحٌ على بُطلانِها" (١).
* سبب سجودِ المشركين مع النبي ﷺ -:
رُبَّ سائلٍ يقول: إذا ثَبَت بطلانُ إلقاءِ الشيطان على لسانِه ﵊ جُملةَ "تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعَتَهنَّ لترتجى"، فَلِمَ إِذن سَجَد المشركون معه ﷺ ، وليس ذلك من عادتهم؟.
والجوابُ ما قاله المحقِّقُ الآلوسي -بعد سطورٍ من كلامِه الذي نقلته آنفًا-: "وليس لأحدٍ أن يقول: إنَّ سجودَ المشركين يدلُّ على أنه كان في السورةِ ما ظاهرُه مَدحُ آلهتِهم، وإلَّا لَمَا سَجدوا؛ لأننا نقول: يَجوزُ أن يكونوا سَجدوا لدهشةٍ أصابَتْهم وخوفٍ اعتراهم عند سماع السورة، لِمَا فيها من قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣)
стр. 1296
فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ إلى آخِرِ الآيات [النجم: ٥٠ - ٥٤]، فاستَشعروا نزولَ مِثلِ ذلك بهم، ولعلَّهم لم يَسمَعوا قبلَ ذلك مِثلَها منه ﷺ ، وهو قائمٌ بين يَدَيْ ربِّه سبحانه في مقامٍ خطيرٍ وجَمْعٍ كثير، وقد ظَنُّوا -مِن ترتيبِ الأمرِ بالسجودِ على ما تقدَّم- أن سجودَهم -ولو لم يكن عن إيمانٍ- كافٍ في دَفعِ ما توهَّموه، ولا تَستبعدْ خَوفَهم من سماعِ مِثلِ ذلك منه ﷺ ، فقد نزلت سورة "حم السجدة" بعد ذلك كما جاء مُصَرَّحًا به في حديثٍ عن ابن عباس ﵄ -ذكره السيوطيُّ في أول "الإتقان"-، فلما سَمع عُتبةُ بنُ رَبيعةَ قولَه تعالى فيها: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣]! أمسَك على فَمِ رسولِ الله ﷺ ، وناشَدَه الرَّحِمَ، واعتَذَر لقومِه حين ظَنُّوا به أنه صَبَأَ، وقال: "كيف وقد عَلِمتُم أن محمدًا إذا قال شيئًا لم يَكذِب؟ فخِفتُ أن يَنزِلَ بكم العذابُ"، وقد أخرج ذلك البيهقيُّ في "الدلائل" وابنُ عساكرَ في حديثٍ طويلٍ عن جابرِ بنِ عبد الله ﵄.
ويمكنُ أن يقال -على بُعدٍ-: إنَّ سجودَهم كان لاستشعارِ مَدحِ آلهتهم، ولا يلزمُ منه ثبوتُ ذلك الخبر، لجوازِ أن يكون ذلك الاستشعارُ من قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠]، بِناءً على أن المفعولَ محذوفُ، وقَدَّروه حسبما يَشتَهُون، أو على أن المفعول: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ [النجم: ٢١]، وتوهَّموا أن مَصَبَّ الإنكارِ فيه كَونُ المذكوراتِ إناثًا، والحبُّ للشيء يُعمِي ويُصِمُّ، وليس هذا بأبعدَ مِن حَمْلِهم "تلك الغرانيق العلى، وإنَّ شفاعَتَهُنَّ لتُرتَجى" على المدحِ حتى سجدوا لذلك آخِرَ السورة، مع وقوعِه بين ذَمَّينِ، المانعُ من حَملِه على
стр. 1297
المدح في البَيْن، كما لا يَخفى على مَن سَلِمَتْ عَينُ قلبِه من الغَين" (١).
* بقيَّةُ رَدِّ العلماءِ على قِصَّة "الغرانيق":
° قال الفخرُ الرازي في "تفسيره": "رُوي عن محمدِ بنِ إسحاقَ بن خزيمةَ أنه سُئِل عن هذه القصةِ؟ فقال: "هذا من وَضع الزَّنَادقة"، وصنَّف فيه كتابًا.
° وقال الإمامُ أبو بكر أحمدُ بنُ الحُسين البيهقيُّ: "هذه القصةُ غيرُ ثابتةٍ من جهةِ النقل".
ثم أخذ يتكلَّمُ في أنَّ رُواةَ هذه القصةِ مطعونٌ فيهم، وأيضًا فقد رَوى البخاريُّ في "صحيحه": "أنَّ النبي ﷺ قرأ سورةَ "النجم"، وسجد وسَجَد فيها المسلمون والمشركون، والإِنسُ والجنُّ"، وليس فيه حديثُ الغرانيق، ورَوى هذا الحديثَ من طرُقٍ كثيرةٍ، وليس فيها ألبتَّةَ حديثُ الغرانيق" (٢).
° وقال القاضي أبو بكر بن العربي في تفسيره "أحكام القرآن":
"اعلموا -أنار اللهُ أفئدتَكم بنورِ هداه، ويسَّر لكم مَقصِدَ التوحيد ومَغزاه- أن الهُدى هُدى الله، فسبحانَ مَن يتفضَّلُ به على مَن يشاء، ويَصرِفُه عمَّن يشاء، وقد بيَّنَّا معنَى هذه الآية في "فضلِ تنبيه الغبيِّ على مِقدارِ النبيِّ" بما نرجو به عند الله الجزاءَ الأوفى في مقامِ الزلفى، ونحن الآن نجلُو بتلك الفصولِ الغَمَاءَ، ونُرقِّيكم بها عن حَضيضِ الدهماءِ إلى بِقاعِ العلماءِ في عشرِ مقامات.
стр. 1298
المقام الأول: أن النبيَّ ﷺ إذا أَرسل اللهُ إليه المَلَكَ بوَحيِهِ، فإنه يَخلُقُ له العِلمَ به حتى يتحقَّقَ أنه رسولٌ مِن عنده، ولولا ذلك لَمَا صَحَّتِ الرسالة، ولا تَبيَّنَتِ النبوَّةُ، فإذا خَلق اللهُ له العلمَ به تَمَيَّز عنده مِن غيرِه، وثَبَت اليقينُ، واستقام سَبيلُ الدين، ولو كان النبيُّ إذا شافَهَه المَلَكُ بالوحي لا يَدري، أَمَلَكٌ هو، أم شيطانٌ، أم إنسانٌ، أم صورةٌ مخالِفةٌ لهذه الأجناسِ ألقَتْ عليه كلامًا، وبَلَّغت إليه قولاً؟ لم يَصحَّ أن يقول: "إنه من عند الله"، ولا ثَبَت عندنا أنه أَمْرُ الله، فهذه سبيلٌ متيقَّنةٌ، وحالةٌ متحقَّقةٌ لا بد منها، ولا خلافَ في المنقولِ ولا في المعقولِ فيها، ولو جاز للشيطان أن يتمثَّل فيها أو يتشبَّه بها، ما أَمِنَّاه على آية، ولا عَرَفنا منه باطلاً من حقيقة، فارتفع بهذا الفصلِ اللَّبْسُ، وصَحَّ اليقينُ في النفس.
المقام الثاني: أنَّ اللهَ قد عَصَم رسولَه من الكفر، وأمَّنه مِن الشِّرك، واستَقرَّ ذلك من دينِ المسلمين بإجماعِهم فيه وإطباقِهم عليه، فمَنِ ادَّعى أنه يَجوزُ عليه أن يَكفُرَ بالله، أو يَشُكَّ فيه طَرْفَةَ عينٍ، فقد خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسلام من عُنقه، بل لا تَجوزُ عليه المعاصي في الأفعال، فضلاً عن أن يُنسَبَ إلى الكفرِ في الاعتقاد، بل هو المنزَّه عن ذلك فِعلاً واعتقادًا ﷺ ، وقد مَهَّدنا ذلك في كُتب الأصول بأوضحِ دليل.
المقام الثالث: أنَّ الله قد عرَّف رسولَه بنفسه، وبَصَّره بأدلَّته، وأراه ملكوتَ سماواتِه وأرضِه، وعَرَّفه سُنَنَ مَن كان قبلَه من إخوتهِ، فلم يكن يَخفَى عليه مِن أَمْرِ اللهِ ما نعرفه اليوم، ونحن حُثالةُ أُمَّتِه، ومَن خَطَر له ذلك فهو ممن يَمشِي مُكِبًّا على وجهِه، غيرَ عارفٍ بنبيِّه ولا بربِّه.
стр. 1299
المقام الرابع: تأملَّوا -فتح اللهُ أغلاقَ النظر عنكم- إلى قول الرواةِ -الذين هم بجهلهم أعداءٌ على الإِسلام ممَّن صَرَّح بعَداوته- أن النبيَّ ﷺ لَمَّا جَلَس مع قريشٍ تَمنَّى أنْ لا يَنزِلَ عليه مِن الله وَحيٌ [يَذُمَّ آلهتَهم]، فكيف يَجوزُ لمن معه أدنى مُسْكَةٍ أن يَخطُرَ ببالِه أنَّ النبيَّ ﷺ آثَرَ وَصْلَ قومِه على وَصلِ ربِّه، وأراد أن لا يَقطعَ أُنسَه بهم بما يَنزِلُ عليه مِن عندِ ربِّه من الوحي الذي كان حياةَ جَسَدِه وقلبِه، وأُنْسَ وَحشتِه، وغايةَ أُمنيَّتهِ، وكان رسولُ الله ﷺ أجودَ الناس، فإذا جاءه جبريلُ، كان أجودَ بالخيرِ من الرِّيح المرسَلة، فيؤثِرُ على هذا مجالستَه للأعداء؟!.
المقام الخامس: أن قولَ الشيطان: "تلك الغرانقةُ العلى، وإن شفاعتَهن لترتَجى" للنبيِّ ﷺ قَبِلَه منه، فالتَبَس عليه الشيطانُ بالمَلَك، واختَلَط عليه التوحيدُ بالكفر، حتى لَم يفرِّق بينهما، وأنا مِن أدنى المؤمنين منزلةً، وأقلِّهم معرفةً بما وفَّقني اللهُ له، وآتاني مِن عِلمه لا يَخفَى عليَّ وعليكم أنَّ هذا كُفرٌ لا يَجوزُ وُرودُه من عندِ الله، ولو قاله أحدٌ لكم لتبادَرَ الكلُّ إليه قبلَ التفكيرِ بالإنكار والرَّدع والتثريبِ والتشنيع، فضلاً عن أن يَجهلَ النبيُّ ﷺ حالَ القول، ويَخفى عليه قولُه، ولا يَتفطَّنُ لصفةِ الأصنام بأنها "الغرانقةُ العلى، وأنَّ شفاعَتهنَّ ترتجى"، وقد عَلِم عِلمًا ضروريًّا أنها جماداتٌ لا تَسمعُ ولا تُبصر، ولا تَنطِقُ ولا تَضُرُّ، ولا تَنفعُ ولا تَنصُرُ ولا تشفع، بهذا كلِّه كان يأتيه جبريلُ الصباحَ والمساءَ، وعليه انبنى التوحيدُ، ولا يجوزُ نسخُه من جهةِ المنقول، فكيف يَخفى هذا على الرسول؟!.
ثم لم يَكْفِ هذا حتى قالوا: إنَّ جبريلَ ﵇ لَمَّا عاد إليه بعد ذلك ليعارضَه فيما أُلقي إليه من الوحي كرَّرها عليه جاهلاً بها -تعالى الله عن
стр. 1300
ذلك- فحينئذٍ أنكرها عليه جبريلُ، وقال له: "ما جئتُك بهذه! "، فحَزِن النبيُّ ﷺ وأُنزل عليه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ [الإسراء: ٧٣].
فياللهِ والمتعلِّمينَ والعالمينَ من شيِخٍ فاسدٍ موسوِسٍ هامدٍ لا يَعلمُ أنَّ هذه الآيةَ نافيةٌ لِمَا زَعَموا، مُبطِلةٌ لِما رَووْا وتقوَّلوا، وهو:
المقام السادس: وذلك أن قولَ ابنِ العربي: "كاد يكونُ كذا" معناه "قارَبَ ولم يكن"، فأخبَرَ الله في هذه الآية أنهم قارَبوا أن يَفتِنوه عن الذي أُوحِيَ إليه، ولم تكن فِتنةً، ثم قال: ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ [الإسراء: ٧٣] وهو:
المقام السابع: ولَم يَفْتَرِ، ولو فتنوك وافتريتَ، لا تخذوك خليلاً، فلم تُفتَتَنْ، ولا افتريتَ، ولا اتخذوك خليلاً، ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ﴾ [الإسراء: ٧٤].
المقام الثامن: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٤]، فأخبر الله أنه ثبَّته، وقرر التوحيدَ والمعرفةَ في قلبه، وضَرَب عليه سُرادقَ العِصمة، وآواه في كَنَفِ الحُرمة، ولو وَكَلَه إلى نفسِه، ورَفَع عنه ظِلَّ عِصمَتِه لحظةً، لأَلْمَمْتَ بما راموه، ولكنَّا أمرنا عليك المحافظة، وأشرَقْنا بنورِ الهداية فؤادَك، فاستبصَرَ وأزاحَ عنك الباطلَ ودَحَر.
فهذه الآية نصٌّ في عِصمته مِن كلِّ ما نُسب إليه، فكيف يتأوَّلُها أحدٌ عَدْوًا عمَّا نُسب إليه من الباطل إليه؟!.
المقام التاسع: قوله: "فما زال مغمومًا مهمومًا حتى نزلت عليه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢] (١)، فأما غمُّه وحُزنُه، فبأن