فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ إلى آخِرِ الآيات [النجم: ٥٠ - ٥٤]، فاستَشعروا نزولَ مِثلِ ذلك بهم، ولعلَّهم لم يَسمَعوا قبلَ ذلك مِثلَها منه ﷺ ، وهو قائمٌ بين يَدَيْ ربِّه سبحانه في مقامٍ خطيرٍ وجَمْعٍ كثير، وقد ظَنُّوا -مِن ترتيبِ الأمرِ بالسجودِ على ما تقدَّم- أن سجودَهم -ولو لم يكن عن إيمانٍ- كافٍ في دَفعِ ما توهَّموه، ولا تَستبعدْ خَوفَهم من سماعِ مِثلِ ذلك منه ﷺ ، فقد نزلت سورة "حم السجدة" بعد ذلك كما جاء مُصَرَّحًا به في حديثٍ عن ابن عباس ﵄ -ذكره السيوطيُّ في أول "الإتقان"-، فلما سَمع عُتبةُ بنُ رَبيعةَ قولَه تعالى فيها: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣]! أمسَك على فَمِ رسولِ الله ﷺ ، وناشَدَه الرَّحِمَ، واعتَذَر لقومِه حين ظَنُّوا به أنه صَبَأَ، وقال: "كيف وقد عَلِمتُم أن محمدًا إذا قال شيئًا لم يَكذِب؟ فخِفتُ أن يَنزِلَ بكم العذابُ"، وقد أخرج ذلك البيهقيُّ في "الدلائل" وابنُ عساكرَ في حديثٍ طويلٍ عن جابرِ بنِ عبد الله ﵄.
ويمكنُ أن يقال -على بُعدٍ-: إنَّ سجودَهم كان لاستشعارِ مَدحِ آلهتهم، ولا يلزمُ منه ثبوتُ ذلك الخبر، لجوازِ أن يكون ذلك الاستشعارُ من قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠]، بِناءً على أن المفعولَ محذوفُ، وقَدَّروه حسبما يَشتَهُون، أو على أن المفعول: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ [النجم: ٢١]، وتوهَّموا أن مَصَبَّ الإنكارِ فيه كَونُ المذكوراتِ إناثًا، والحبُّ للشيء يُعمِي ويُصِمُّ، وليس هذا بأبعدَ مِن حَمْلِهم "تلك الغرانيق العلى، وإنَّ شفاعَتَهُنَّ لتُرتَجى" على المدحِ حتى سجدوا لذلك آخِرَ السورة، مع وقوعِه بين ذَمَّينِ، المانعُ من حَملِه على
стр. 1297
المدح في البَيْن، كما لا يَخفى على مَن سَلِمَتْ عَينُ قلبِه من الغَين" (١).
* بقيَّةُ رَدِّ العلماءِ على قِصَّة "الغرانيق":
° قال الفخرُ الرازي في "تفسيره": "رُوي عن محمدِ بنِ إسحاقَ بن خزيمةَ أنه سُئِل عن هذه القصةِ؟ فقال: "هذا من وَضع الزَّنَادقة"، وصنَّف فيه كتابًا.
° وقال الإمامُ أبو بكر أحمدُ بنُ الحُسين البيهقيُّ: "هذه القصةُ غيرُ ثابتةٍ من جهةِ النقل".
ثم أخذ يتكلَّمُ في أنَّ رُواةَ هذه القصةِ مطعونٌ فيهم، وأيضًا فقد رَوى البخاريُّ في "صحيحه": "أنَّ النبي ﷺ قرأ سورةَ "النجم"، وسجد وسَجَد فيها المسلمون والمشركون، والإِنسُ والجنُّ"، وليس فيه حديثُ الغرانيق، ورَوى هذا الحديثَ من طرُقٍ كثيرةٍ، وليس فيها ألبتَّةَ حديثُ الغرانيق" (٢).
° وقال القاضي أبو بكر بن العربي في تفسيره "أحكام القرآن":
"اعلموا -أنار اللهُ أفئدتَكم بنورِ هداه، ويسَّر لكم مَقصِدَ التوحيد ومَغزاه- أن الهُدى هُدى الله، فسبحانَ مَن يتفضَّلُ به على مَن يشاء، ويَصرِفُه عمَّن يشاء، وقد بيَّنَّا معنَى هذه الآية في "فضلِ تنبيه الغبيِّ على مِقدارِ النبيِّ" بما نرجو به عند الله الجزاءَ الأوفى في مقامِ الزلفى، ونحن الآن نجلُو بتلك الفصولِ الغَمَاءَ، ونُرقِّيكم بها عن حَضيضِ الدهماءِ إلى بِقاعِ العلماءِ في عشرِ مقامات.
стр. 1298
المقام الأول: أن النبيَّ ﷺ إذا أَرسل اللهُ إليه المَلَكَ بوَحيِهِ، فإنه يَخلُقُ له العِلمَ به حتى يتحقَّقَ أنه رسولٌ مِن عنده، ولولا ذلك لَمَا صَحَّتِ الرسالة، ولا تَبيَّنَتِ النبوَّةُ، فإذا خَلق اللهُ له العلمَ به تَمَيَّز عنده مِن غيرِه، وثَبَت اليقينُ، واستقام سَبيلُ الدين، ولو كان النبيُّ إذا شافَهَه المَلَكُ بالوحي لا يَدري، أَمَلَكٌ هو، أم شيطانٌ، أم إنسانٌ، أم صورةٌ مخالِفةٌ لهذه الأجناسِ ألقَتْ عليه كلامًا، وبَلَّغت إليه قولاً؟ لم يَصحَّ أن يقول: "إنه من عند الله"، ولا ثَبَت عندنا أنه أَمْرُ الله، فهذه سبيلٌ متيقَّنةٌ، وحالةٌ متحقَّقةٌ لا بد منها، ولا خلافَ في المنقولِ ولا في المعقولِ فيها، ولو جاز للشيطان أن يتمثَّل فيها أو يتشبَّه بها، ما أَمِنَّاه على آية، ولا عَرَفنا منه باطلاً من حقيقة، فارتفع بهذا الفصلِ اللَّبْسُ، وصَحَّ اليقينُ في النفس.
المقام الثاني: أنَّ اللهَ قد عَصَم رسولَه من الكفر، وأمَّنه مِن الشِّرك، واستَقرَّ ذلك من دينِ المسلمين بإجماعِهم فيه وإطباقِهم عليه، فمَنِ ادَّعى أنه يَجوزُ عليه أن يَكفُرَ بالله، أو يَشُكَّ فيه طَرْفَةَ عينٍ، فقد خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسلام من عُنقه، بل لا تَجوزُ عليه المعاصي في الأفعال، فضلاً عن أن يُنسَبَ إلى الكفرِ في الاعتقاد، بل هو المنزَّه عن ذلك فِعلاً واعتقادًا ﷺ ، وقد مَهَّدنا ذلك في كُتب الأصول بأوضحِ دليل.
المقام الثالث: أنَّ الله قد عرَّف رسولَه بنفسه، وبَصَّره بأدلَّته، وأراه ملكوتَ سماواتِه وأرضِه، وعَرَّفه سُنَنَ مَن كان قبلَه من إخوتهِ، فلم يكن يَخفَى عليه مِن أَمْرِ اللهِ ما نعرفه اليوم، ونحن حُثالةُ أُمَّتِه، ومَن خَطَر له ذلك فهو ممن يَمشِي مُكِبًّا على وجهِه، غيرَ عارفٍ بنبيِّه ولا بربِّه.
стр. 1299
المقام الرابع: تأملَّوا -فتح اللهُ أغلاقَ النظر عنكم- إلى قول الرواةِ -الذين هم بجهلهم أعداءٌ على الإِسلام ممَّن صَرَّح بعَداوته- أن النبيَّ ﷺ لَمَّا جَلَس مع قريشٍ تَمنَّى أنْ لا يَنزِلَ عليه مِن الله وَحيٌ [يَذُمَّ آلهتَهم]، فكيف يَجوزُ لمن معه أدنى مُسْكَةٍ أن يَخطُرَ ببالِه أنَّ النبيَّ ﷺ آثَرَ وَصْلَ قومِه على وَصلِ ربِّه، وأراد أن لا يَقطعَ أُنسَه بهم بما يَنزِلُ عليه مِن عندِ ربِّه من الوحي الذي كان حياةَ جَسَدِه وقلبِه، وأُنْسَ وَحشتِه، وغايةَ أُمنيَّتهِ، وكان رسولُ الله ﷺ أجودَ الناس، فإذا جاءه جبريلُ، كان أجودَ بالخيرِ من الرِّيح المرسَلة، فيؤثِرُ على هذا مجالستَه للأعداء؟!.
المقام الخامس: أن قولَ الشيطان: "تلك الغرانقةُ العلى، وإن شفاعتَهن لترتَجى" للنبيِّ ﷺ قَبِلَه منه، فالتَبَس عليه الشيطانُ بالمَلَك، واختَلَط عليه التوحيدُ بالكفر، حتى لَم يفرِّق بينهما، وأنا مِن أدنى المؤمنين منزلةً، وأقلِّهم معرفةً بما وفَّقني اللهُ له، وآتاني مِن عِلمه لا يَخفَى عليَّ وعليكم أنَّ هذا كُفرٌ لا يَجوزُ وُرودُه من عندِ الله، ولو قاله أحدٌ لكم لتبادَرَ الكلُّ إليه قبلَ التفكيرِ بالإنكار والرَّدع والتثريبِ والتشنيع، فضلاً عن أن يَجهلَ النبيُّ ﷺ حالَ القول، ويَخفى عليه قولُه، ولا يَتفطَّنُ لصفةِ الأصنام بأنها "الغرانقةُ العلى، وأنَّ شفاعَتهنَّ ترتجى"، وقد عَلِم عِلمًا ضروريًّا أنها جماداتٌ لا تَسمعُ ولا تُبصر، ولا تَنطِقُ ولا تَضُرُّ، ولا تَنفعُ ولا تَنصُرُ ولا تشفع، بهذا كلِّه كان يأتيه جبريلُ الصباحَ والمساءَ، وعليه انبنى التوحيدُ، ولا يجوزُ نسخُه من جهةِ المنقول، فكيف يَخفى هذا على الرسول؟!.
ثم لم يَكْفِ هذا حتى قالوا: إنَّ جبريلَ ﵇ لَمَّا عاد إليه بعد ذلك ليعارضَه فيما أُلقي إليه من الوحي كرَّرها عليه جاهلاً بها -تعالى الله عن
стр. 1300
ذلك- فحينئذٍ أنكرها عليه جبريلُ، وقال له: "ما جئتُك بهذه! "، فحَزِن النبيُّ ﷺ وأُنزل عليه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ [الإسراء: ٧٣].
فياللهِ والمتعلِّمينَ والعالمينَ من شيِخٍ فاسدٍ موسوِسٍ هامدٍ لا يَعلمُ أنَّ هذه الآيةَ نافيةٌ لِمَا زَعَموا، مُبطِلةٌ لِما رَووْا وتقوَّلوا، وهو:
المقام السادس: وذلك أن قولَ ابنِ العربي: "كاد يكونُ كذا" معناه "قارَبَ ولم يكن"، فأخبَرَ الله في هذه الآية أنهم قارَبوا أن يَفتِنوه عن الذي أُوحِيَ إليه، ولم تكن فِتنةً، ثم قال: ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ [الإسراء: ٧٣] وهو:
المقام السابع: ولَم يَفْتَرِ، ولو فتنوك وافتريتَ، لا تخذوك خليلاً، فلم تُفتَتَنْ، ولا افتريتَ، ولا اتخذوك خليلاً، ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ﴾ [الإسراء: ٧٤].
المقام الثامن: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٤]، فأخبر الله أنه ثبَّته، وقرر التوحيدَ والمعرفةَ في قلبه، وضَرَب عليه سُرادقَ العِصمة، وآواه في كَنَفِ الحُرمة، ولو وَكَلَه إلى نفسِه، ورَفَع عنه ظِلَّ عِصمَتِه لحظةً، لأَلْمَمْتَ بما راموه، ولكنَّا أمرنا عليك المحافظة، وأشرَقْنا بنورِ الهداية فؤادَك، فاستبصَرَ وأزاحَ عنك الباطلَ ودَحَر.
فهذه الآية نصٌّ في عِصمته مِن كلِّ ما نُسب إليه، فكيف يتأوَّلُها أحدٌ عَدْوًا عمَّا نُسب إليه من الباطل إليه؟!.
المقام التاسع: قوله: "فما زال مغمومًا مهمومًا حتى نزلت عليه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢] (١)، فأما غمُّه وحُزنُه، فبأن
стр. 1301
تمكَّن الشيطانُ مما تمكَّن مما يأتي بيانُه، وكان النبيُّ ﷺ يَعِزُّ عليه أن ينالَ الشيطانُ شيئًا -وإنْ قَلَّ تأثيرُه-.
المقام العاشر: إنَّ هذه الآيةَ نصٌّ في غَرَضِنا، دليلٌ على صِحَّةِ مذهبِنا، أصلٌ في براءةِ النبيِّ ﷺ ممَّا نُسب إليه أنه قاله عندنا، وذلك أنه قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] (١).
فأخبر الله تعالى أنَّ مِن سُنَّتِه في رُسُلِه، وسِيرتِه في أنبيائه، أنهم إذا قالوا عن الله قولاً، زاد الشيطانُ فيه مِن قِبَلِ نفسه، كما يَفعلُ سائرَ المعاصي، كما تقول: "ألقَيتُ في الدار كذا، وألقيتُ في العِكَمِ (٢) كذا، وألقيتُ في الكِيس كذا"، فهذا نصٌّ في أن الشيطانَ زاد في الذي قاله النبيُّ ﷺ ، لا أن النبيَّ ﷺ قاله، وذلك أن النبيَّ ﷺ كان إذا قرأ تلا قرآنًا مقطَّعًا، وسكت في مقاطعِ الآيِ سُكوتًا محصَّلاً، وكذلك كان حديثُه مترسِّلاً فيه، متأنيًا، فتَبعَ الشيطانُ تلك السَّكَتَاتِ التي بينَ قوله: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٢٠] وبينَ قوله تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ [النجم: ٢١]، فقال -يُحاكي صوتَ النبيِّ ﷺ : "وإنهن الغرانقة العلى، وإن شفاعَتَهُنَّ لترتَجى"، فأما المشركون والذين في قلوبهم مرضٌ لِقِلَّةِ البصيرةِ وفسادِ السريرة، فتَلَوْها عن النبيِّ ﷺ ، ونَسَبوها بجَهلهم إليه، حتى سَجدوا معه اعتقادًا أنه معهم، وعَلِم الذين أُوتوا العلمَ والإيمانَ أنَّ القرآنَ حقٌّ من عندِ الله، فيؤمنون به، ويَرفضون غيرَه، وتُجيبُ قلوبُهم إلى الحق، وتَنفِرُ عن
стр. 1302
الباطل، وكلُّ ذلك إبتلاءٌ من الله ومِحنةٌ، فأين هذا مِن قولهم؟! وليس في القرآن إلَّا غايةُ البيانِ بصيانةِ النبيِّ ﷺ في الإِسرارِ والإِعلان، عن الشكِّ والكفران، وقد أودَعْنا إليكم توصيةً أن تجعَلوا القرآنَ إمامَكم، وحروفَه أمامَكم، فلا تحمِلوا عليها ما ليس فيها، ولا تَربِطوا بها ما ليس منها، وما هُدِي لهذا إلَّا الطبريُّ بَجلالةِ قَدْرِه، وصَفاءِ فِكرِه، وسَعَةِ باعِه في العلم، وشِدَّةِ ساعِدِه وذراعِه في النظر، وكأنه أشار إلى هذا الغرض، وصَوَّب على هذا المرمَى، فَقرْطَسَ بعد ما ذَكَرَ في ذلك رواياتٍ كثيرةً باطلةً لا أصلَ لها، ولو شاء ربُّك لَمَا رواها أحدٌ، ولا سَطَّرها، ولكنه فَعَّالٌ لِمَا يُريد .. عَصَمنا اللهُ وإياكم بالتوفيقِ والتسديد، وجَعَلنا من أهلِ التوحيد بفَضله ورحمته".
* كلام القاضي عِياض في ذلك:
° وقال القاضي عِيَاضْ: "فاعلمْ -أكرمك الله-: أنَّ لنا في الكلام على مُشكِلِ الحديثِ مأخذَينِ:
أحدهما: في توهِين أصله.
والثاني: على تسليمه.
أما المأخذ الأول: فيكفيك أن هذا الحديثَ لم يُخرِجْه أحدٌ من أهل الصِّحة، ولا رواه ثقةٌ بسَنَدٍ متَّصِل سليم، وإنما أُولعَ به وبمثلِه المفسِّرون والمؤرِّخون المولَعون بكلِّ غريب، المتلقِّفون من الصُّحُف كلَّ صحيحٍ وسقيم، وصَدَق القاضي بكرُ بنُ العلاء المالكي حيث قال: لقد بُلي الناسُ ببعضِ أهل الأهواء والتفسير، وتعلَّق بذلك الملحدون مع ضَعف نَقْلِه، واضطرابِ رواياتِه، وانقطاعِ إسنادِه، واختلافِ كلماته، فقائل يقول: "إنه
стр. 1303
في الصلاة"، وآخَرُ يقول: "قالها في نادي قومه حين أنزلت عليه السورة"، وآخر يقول: "قالها وقد أصابته سِنَةٌ"، وآخَرُ يقول: "بل حدَّثَ نفسَه فسها"، وآخَرُ يقول: "إنَّ الشيطانَ قالها على لسانه، وإن النبيَّ ﷺ لَمَّا عَرَضها على جبريل قال: ما هكذا أقرأتك؟! "، وآخَرُ يقول: "بل أعلَمَهمُ الشيطانُ أن النبيَّ ﷺ قرأها، فلما بَلَغَ النبيُّ ﷺ ذلك، قال: واللهِ ما هكذا أُنزلت" .. إلى غيرِ ذلك من اختلافِ الرواة، ومَن حُكيت هذه الحكايةُ عنه منَ المفسِّرين والتابعين لم يُسْنِدْها أحدٌ منهم، ولا رَفَعها إلى صاحبٍ، وأكثرُ الطُرقِ عنهم فيها ضعيفةٌ واهية، والمرفوعُ فيه حديثُ شُعبةَ، عن أبي بِشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبير، عن ابن عباسٍ فيما أحسب -الشك في الحديث- أن النبي ﷺ كان بمكة، وذكر القصة.
وقال أبو بكر البزَّار: "هذا الحديثُ لا نَعلمُه يُروى عن النبيِّ ﷺ بإسناد متَّصلٍ يَجوزُ ذِكرُه إلَّا هذا، ولم يُسنِدْه عن شُعبةَ إلَّا أُميَّةُ بنُ خالد، وغيرُه يُرسِلُه عن سعيدِ بنِ جبير، وإنما يُعرَفُ عن الكَلبيِّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس".
فقد بيَّن لك أبو بكر ﵀ أنه لا يُعرَفُ من طريقٍ يجوزُ ذِكرُه سوى هذا، وفيه من الضعفِ ما نبَّه عليه مع وقوعِ الشكِّ فيه -كما ذكرناه- الذي لا يوثَقُ به، ولا حقيقةَ معه.
وأما حديثُ الكَلبيِّ، فمما لا تَجوزُ الروايةُ عنه ولا ذِكرُه، لقوَّةِ ضَعفِه وكَذِبِه -كما أشار إليه البزَّار-، والذي منه في "الصحيح" "أن النبي ﷺ قرأ: "والنجم" وهو بمكةَ، فسَجَد معه المسلمون والمشركون والجنُّ والإنس" .. هذا توهينُه من طريق النقل.
стр. 1304
فأما من جهةِ المعنى: فقد قامت الحُجَّة، وأَجْمَعَتِ الأمةُ على عِصمته ﷺ ونزاهتِه عن مِثلِ هذه الرذيلة، إمَّا مِن تَمنِّيه أن ينزلَ عليه مِثلُ هذا مِن مدحِ آلهةٍ غيرِ الله وهو كُفر، أو أن يَتسوَّرَ عليه الشيطانُ وُيشبِّهَ عليه القرآنَ حتى يَجعلَ فيه ما ليس منه، ويَعتقدُ النبيُّ ﷺ أن من القرآن ما ليس منه حتى يُنبِّهَه عليه جبريلُ ﵉!!.
وذلك كلُّه ممتنعٌ في حقِّه ﷺ ، أوَ يقولُ ذلك النبيُّ ﷺ من قِبَلِ نفسه عمدًا -وذلك كفرٌ أو سهوٌ-، وهو معصومٌ من هذا كله؟! وقد قرَّرنا بالبراهين والإِجماعِ عِصمتَه ﷺ من جَرَيان الكفرِ على قلبِه أو لسانِه -لا عمدًا ولا سهوًا-، وأنْ يَشتَبِهَ عليه ما يُلقيه المَلَكُ بما يُلقي الشيطانُ، أو يكونَ للشيطان عليه سبيل، أو يَتقوَّلَ على الله -لا عَمدًا ولا سهوًا- ما لم يَنزِلْ عليه، وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ الآية [الحاقة: ٤٤]، وقال: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٥].
ووجه ثانٍ: وهو استحالةُ هذه القصةِ نَظَرًا وعُرفًا، وذلك أنَّ هذا الكلامَ لو كان كما رُوي، لكان بعيدَ الالتئام متناقضَ الأقسام، ممتزجَ المَدحِ بالذَّم، متخاذِلَ التأليفِ والنَّظم، ولَمَا كان النبيُّ ﷺ ولا مَن بحَضرته من المسلمين وصناديدِ المشركين ممن يَخفى عليه ذلك، وهذا لا يَخفى على أدنى متأمِّل، فكيف بمَن رجَحَ حِلمُه، واتَّسع في بابِ البيانِ ومعرفةِ فصيحِ الكلام علمُه؟.
ووجهٌ ثالث: أنه قد عُلم من عادة المنافقين، ومُعانَدةِ المشركين، وضَعَفَةِ القلوب، والجَهَلة من المسلمين، نفورُهم لأولِ وَهْلةٍ، وتخليطُ العدوِّ على النبيِّ ﷺ لأقلِّ فِتنة، وتعييرُهم المسلمينَ، والشماتةُ بهم الفَنيةَ
стр. 1305
بعدَ الفَينة، وارتدادُ مَن في قلبهِ مرضٌ ممن أظهر الإِسلام لأدنى شُبهة، ولم يَحْكِ أحدٌ في هذه القصةِ شيئًا سوى هذه الروايةِ الضعيفةِ الأصلِ، ولو كان ذلك لَوَجَدَتْ قريشٌ بها على المسلمين الصَّوْلَة، ولأقامت بها اليهودُ عليهم الحُجَّة، كما فَعلوا مكابرةً في قصة "الإِسراء"، حتى كانت في ذلك لبعضِ الضعفاء رِدَّة .. كذلك ما رُوي في قِصة القضية، ولا فتنةَ أعظمُ من هذه البلية -لو وُجدت-، ولا تَشغيبَ للمُعادِي حينئذٍ أشدُّ من هذه الحادثةِ -لو أمكنت-، فما رُوي عن معانِدٍ فيها كلمة، ولا عن مُسلمٍ بسببها بِنْتُ شَفَة، فدلَّ على بطلانها واجتثاثِ أصلها.
ولا شك في إدخالِ بعضِ شياطينِ الإنسِ والجنِّ هذا الحديث على مُغفَّلي المحدِّثين، ويُلبِّسُ به على ضعفاءِ المسلمين.
ووجهٌ رابع: ذَكَر الرواةُ لهذه القضيَّةِ أنَّ فيها نزلت: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ .. ﴾ الآيتين [الإسراء: ٧٣ - ٧٤]، وهاتانِ الآيتانِ تَرُدَّان الخَبَرَ الذي رَوَوْه؛ لأنَّ اللهَ تعالى ذَكَر أنهم كادُوا لَيفتِنونه حتى يفتريَ، وأنه لولا أنْ ثَبَّته لَكادَ يَركنُ إليهم .. فمضمونُ هذا ومفهومُه أن الله تعالى قد عَصَمَه من أن يفتريَ، وثَبَّته حتى لم يَركنْ إليهم قليلاً، فكيف كثيرًا؟ وهم يَروُونَ في أخبارِهم الواهيةِ أنه زاد على الركونِ الافتراءَ بمَدحِ آلهتهم، وأنه قال ﷺ : "افتريتُ على الله، وقلتُ ما لم يقل"!! وهذا ضدُّ مفهومِ الآية، وهي تُضعِّفُ الحديث -لو صحَّ-، فكيف ولا صِحَّة له؟.
وهذا مثلُ قولهِ تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النساء: ١١٣]. وقد رُوي عن ابن عباس ﵄: "كلُّ ما في القرآنِ
стр. 1306
"كاد" فهو ما لا يكون".
° قال القاضي: ولقد طالبَتْهُ قريشٌ وثقيفٌ إذا مَرَّ بآلهتِهم أن يُقبِلَ بوجِهه إليها، ووَعَدوه الإيمانَ به إنْ فعل، فما فَعَل ولا كاد أن يَضِلَّ، وقد ذُكِرَتْ في معنى الآيةِ تفاسيرُ أُخَرُ، ما ذكرناه من نصِّ الله على عِصمةِ رسولِه بردِّ سَفْاسفها، فلم يَبْقَ في الآية إلَّا أنَّ الله تعالى امتَنَّ على رسولِه بعِصمتِه وتثبيتِه بما كادَه به الكفارُ، ورامُوا مِن فتنته، ومرادُنا في ذلك تنزيهُه وعِصمتُه ﷺ وهو مفهومُ الآية.
وأما المأخذ الثاني: فهو مبنيٌّ على تسليمِ الحديث لو صَحَّ -أعاذنا الله من صحَّته-، ولكنْ مع كلِّ حالٍ فقد أجاب عن ذلك أئمةٌ بأجوبةٍ، منها الغَثُّ والسمين".
° قلت: فذِكرُ هذه الأجوبةِ، وضَعفُها -جُلِّها أو كلِّها-، إلَّا الأخيرَ منها، فإنه استظهره ورَجَّحه، وهو الذي أجاب به ابنُ العربيِّ فيما تقدَّم من كلامه: إنَّ الشيطانَ هو الذي ألقى ذلك في سَكتةِ النبيِّ ﷺ بين الآيتين، مُحاكيًا نَغَمَةَ النبيِّ ﷺ ، وأشاع ذلك المشركون عنه ﷺ ، ولم يَقدح ذلك عند المسلمين لِحفظِ السورةِ قَبلَ ذلك على ما أنزلها الله، وتَحقُّقِهم مِن حالِ النبيِّ ﷺ في ذمِّ الأوثانِ وعَيبها على ما عُرف منه، وقد حَكى موسى بنُ عُقبةَ في "مغازيه" نحوَ هذا، وقال: "إنَّ المسلمين لم يَسمعوها، وإنما ألقى الشيطانُ ذلك في أسماعِ المشركين وقلوبهم" (١)، ويكون ما رُوي من حُزنِ النبيِّ ﷺ لهذه الإِشاعة والشبهةِ وسببِ هذه الفتنة.
стр. 1307
* كلام الشوكاني:
° وقال الشوكاني -رحمه الله تعالى-: "ولم يصحَّ شيءٌ من هذا، ولا يثبُتُ بوجهٍ من الوجوه، ومع عدمِ صحته -بل بطلانهِ-، فقد دَفعه المحقِّقون بكتابِ الله سبحانه.
° قال الله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦]، وقوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣]، وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ [الإسراء: ٧٤] فنفى المقاربةَ؛ فضلاً عن الرُّكون".
° ثم قال: "والحاصلُ أن جميعَ الرواياتِ في هذا الباب إمَّا مُرسَلة، وإما منقطِعة لا تقومُ بها الحُجَّة".
° ثم قال: "وقال إمامُ الأئمةِ ابنُ خُزَيْمة: إنَّ هذه القصةَ مِن وَضعِ الزنادقة".
* كلام الآلُوسيِّ في إبطالِ القصة:
وعلى كلِّ حالٍ، فإن الحافظَ ابنَ حجر ﵀ متَّفقٌ مع الذين أنكروا القصةَ على تنزيهه ﷺ مِن أن يكونَ للشيطانِ تَكلُّمٌ على لسانِه ﵊، فالخلافُ بينه وبينهم يكادُ يكونُ شكليًّا أو لفظيًّا، وإنما الخلافُ الحقيقيُّ بينهم وبين بعضِ المتأخِّرين (١) حيث ذَهب إلى تصحيحِ القصةِ مع التسليم بها دون استنكارِ أيِّ شيءٍ منها، أو تأويلٍ ما! بل جَوَّز
стр. 1308
على النبيِّ ﷺ جميعَ ما فيها، زاعمًا أن ذلك لا يتنافى مع عِصمته، بل هو تأديبٌ له! -في كلامٍ له طويل يُغني وضوحُ بطلانِه عن إيرادِه وتسويدِ الصفحاتِ لردِّه-، وقد نَقَله الآلوسيُّ بِرُمَّته، ثم ردَّ عليه في كلامٍ متين، ولولا أن هذه العُجالةَ لم توضَعْ لهذه الغاية، لَسُقتُه بتمامِه، فأقتصِرُ من ذلك على قولِه في خاتمة بحثه: "لكنَّ إثباتَ صحَّةِ الخبر أشدُّ مِن خَرْطِ القَتاد، فإنَّ الطاعِنين فيه من حيثُ النقلُ علماءُ أجلَّاء، عارِفون بالغثِّ والسَّمين من الأخبار، وقد بَذَلوا الوُسعَ في تحقيقِ الحقِّ فيه، فلم يَروُوهُ إلَّا مردودًا، وهم أكثرُ ممن قال بقَبوله، ومنهم مَن هو أعلمُ منه، ويَغلبُ على الظنِّ أنهم وَقفوا على رُواته في سائرِ الطُرق، فرأَوهم مجروحين، وفات ذلك القائلَ بالقَبول (١)، ولَعَمْري إنَّ القولَ بأنَّ هذا الخبرَ مما ألقاه الشيطانُ على بعضِ ألسِنةِ الرواة، ثم وَفَّق الله تعالى جَمْعًا مِن خاصَّتِه لإبطاله، أهونُ من القول بأن حديثَ الغرانيق مما ألقاه الشيطانُ على لسانِ رسولِ الله ﷺ ثم نَسَخَهُ ، ولا سيَّما وهو ممَّا لم يَتوقف على صحَّته أمرٌ ديني، ولا معنَى آية، ولا سِوى أنها يتوقَّفُ عليها حصولُ شُبَهٍ في قلوبِ كثيرٍ من ضعفاءِ المؤمنين لا تكاد تُدفعُ إلَّا بجَهدٍ جَهيد" (٢).
стр. 1309
° ومِمَّن تكلَّم في بُطلانِ هذه القِصَّة:
- محمد بن أحمد الأنصاري، أبو عبد الله القُرطبي في "أحكام القرآن" (١٢/ ٨٠ - ٨٤).
- محمد بن يوسف بن علي الكِرْماني من شرَّاح "البخاري" (٧٨٦ هـ)، وقد نَقل كلامَه في ذلك الحافظُ في "الفتح" (٨/ ٤٩٨).
- محمودُ بنُ أحمد بدر الدين العَيْني (٨٥٥ هـ) في "عمدة القاري" (٩/ ٤٧).
- محمد بن علي بن محمد اليمني الشوكاني (١٢٥٠ هـ) في "فتح القدير" (٣/ ٢٤٧ - ٢٤٨).
- السيد محمود أبو الفضل شِهاب الدين الآلوسي (١٢٧٠ هـ) في "روح المعاني" (١٧/ ١٦٠ - ١٦٩).
- صِدِّيق حسن خان أبو الطيب (١٣٠٧ هـ) في تفسيره "فتح البيان".
- محمد عبده المصري الأستاذ الإِمام (١٣٢٣ هـ) في رسالة خاصة له في هذه القصة (١).
° وقال الشَّيخُ العَلَّامةُ أَحمد شاكِر -رحمه الله تعالى- في تَعْليقهِ على "سُنن التِّرمذيِّ" (٢/ ٤٦٤ - ٤٦٥): "وهِيَ قِصَّةٌ باطلةٌ مَردودَةٌ؛ كما قالَ القَاضي عِياضٌ والنَّوَوِيُّ -رحمَهُما الله-، وقد جاءَتْ بأَسانيدَ باطلةٍ؛ ضعيفةٍ، أَو مرسلةٍ، ليس لها إسنادٌ مُتَّصِلٌ صحيحٌ.
стр. 1310
* قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (١) ﵀ -:
قالَ في "رحلةِ الحَجِّ إلى بيتِ اللهِ الحَرامِ" (١٢٨ - ١٣٥) ما نصُّهُ: "والعُلماءُ مختلِفونَ في أَصلِ قصَّةِ الغَرانيقِ؛ هلْ هِيَ باطلَةٌ أَو ثابِتَةٌ؟!.
فعلى القولِ ببطلانِها؛ فالأمرُ واضحٌ.
وعَلى القولِ بثُبوتِها؛ فمعنى إلقاء الشَّيطانِ على لِسانِ النبيِّ ﷺ أَنَّه ﷺ كانَ يقرأُ القُرآنَ؛ يُرَتِّلُهُ تَرْتيلاً تتخَلَّلُهُ سَكَتاتٌ، فراقَبَ الشَّيطانُ بعضَ سَكَتاتِ النبيِّ ﷺ ، ثمَّ حَاكَى قِراءَتَهُ ﷺ بقولِهِ -عليهِ لعنةُ اللهِ-: "تلك الغَرانيقُ العُلَا. وإنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لتُرْتَجى"! فظنَّ المُشْرِكونَ صوتَ الشَّيطانِ صوتَ النبيِّ ﷺ .
وهذا الجوابُ عن قصَّةِ الغَرانيقِ -على القولِ بثُبوتِها- هو أَحسنُ الأجوبَةِ عنها، وارْتَضاهُ جَمْعٌ مِن المُحَقِّقينَ مِن أَجوبَةٍ كثيرةٍ.
وحُجَّةُ القائل بأَنَّ قصَّةَ الغَرانيقِ باطلةٌ: اضطِرابُ رواتِها، وانقِطاعُ سَنَدِها، واختلافُ أَلفاظِها:
فبعْضُهُم يقولُ: إنَّ النبيَّ ﷺ كانَ في الصَّلاةِ!.
وبعضُهُم يقولُ: قَرَأَها وهُو في نادي قَوْمِه!.
وآخَرُ يقولُ: قَرَأَها وقد أَصابَتْهُ سِنَةٌ!.
وآخَرُ يقولُ: بل حَدَّثَ نَفْسَهُ، فَجرى ذلك على لِسانِهِ!.
وآخَرُ يقول: إنَّ الشَّيطانَ قالَها على لسانِ النبيِّ ﷺ ، وإنَّ النبيَّ لمَّا
стр. 1311
عَرَضَها على جِبريلَ قالَ: ما هكذا أَقْرَأتكَ!.
إلى غيرِ ذلك مِن اختلافِ أَلفاظِها.
• والذي جاءَ في "الصحيح" مِن حديثِ عبد اللهِ بنِ مسعودِ ﵁: "أَنَّ النبيَّ ﷺ قَرَأَ: ﴿وَالنَّجْمِ .. ﴾، فسَجَدَ فيها، وسَجَدَ مَن كانَ معَهُ؛ غَيْرَ أَنَّ شيخًّا من قرَيْشٍ أَخَذَ كَفًّا مِن حَصًى أو تُرابٍ، فرَفَعَهُ إلى جَبْهَتِهِ، فسجَدَ عليهِ".
قالَ عبدُ اللهِ: "فَلَقَدْ رأَيتُهُ -بَعدُ- قُتِلَ كافِرًا".
أَخرَجَهُ الشَّيخانِ في "صحيحَيْهِما".
• وصحَّ مِن حَديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ سَجَدَ بـ ﴿النَّجْمِ﴾، وسَجَدَ معهُ المُسْلِمونَ والمُشْرِكونَ والجِنُّ والإنسُ.
رواهُ البخاريُّ ﵀.
فهذا الذي جاءَ في "الصحيحِ" لم يُذْكَرْ فيهِ أَنَّ النبيَّ ﷺ ذكَرَ الغَرانيقَ، ولا شَفاعَتَها، ولا شَيْئًا مِن تلكَ القِصَّةِ.
والذي ذَكَرَهُ المُفَسِّرونَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ في هذه القصَّةِ إنَّما هُو مِن طَريقِ الكَلْبيِّ عن أَبي صالحٍ عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄.
والكَلْبِيُّ؛ ضعيفٌ جِدًّا، بل متروكٌ.
ولذا قالَ ابنُ العَرَبيِّ المالِكِيُّ: "إنَّ قصَّةَ الغَرانِيقِ باطِلَةٌ لا أَصْلَ لها".
° وقالَ القاضي عِيَاضٌ: "إنَّ قصَّةَ الغَرانيقِ لم يُخْرِجْها أحدٌ مِن أَهْلِ الصِّحَّةِ، ولا رواها ثقةٌ بسَنَدٍ سليمٍ مُتَّصِلٍ، معَ ضَعْفِ نَقَلَتِها، واضْطِرابِ
стр. 1312
رواياتها، وانقِطاعِ إسنادِها".
وذَكَرَ أَنَّ مَنْ حُمِلَتْ عنهُ مِن التَّابِعينَ والمُفَسِّرينَ لم يُسْنِدْها أَحَدٌ منهُم، ولا رَفَعَها إلى صاحِبٍ.
وأَكثرُ الطُّرُقِ عنهُم في ذلكَ ضعيفةٌ واهِيَةٌ.
قالَ: "وقد بَيَّنَ البَزَّارُ أَنَّها لا تُعْرَفُ مِن طريقٍ يجوزُ ذِكْرُهُ إلا طريقَ أبي بِشْرٍ عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ ﵁ معَ الشَّكِّ الذي وَقَعَ في أَصْلِهِ".
° قالَ مُقيِّدُهُ -عفا اللهُ عنهُ-: "وقد اعْتَرَفَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ العَسقَلانيُّ ﵀ معَ انْتِصارِهِ لثُبوتِ هذه القصَّةِ بأَنَّ طُرُقَها كلَّها إمَّا منقَطِعَةٌ أَو ضعيفةٌ؛ إلَّا طريقَ سعيدِ بنِ جبَيرٍ.
وإذا عَلِمتَ أنَّ طُرُقَها كلَّها لا يُعَوَّلُ عليها إلَّا طريقَ سعيدِ بنِ جُبيرٍ، فاعْلَمْ أَنَّ طريقَ سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ لم يَرْوِها بها أَحَدٌ مُتَّصِلَةً؛ إلَّا أُميَّةُ بنُ خالدٍ.
وهُو وإنْ كانَ ثقةً؛ فقدْ شَكَّ في وَصْلِها.
فقدْ أَخْرَجَ البَزَّارُ، وابنُ مَرْدَويهِ؛ مِن طريقِ أُمَيَّةَ بنِ خالدٍ عن شُعْبَةَ عن أَبي بشْرٍ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ.
فقالَ أُمَيَّةُ بنُ خالدٍ في إسنادِهِ هذا: عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ عن ابنِ عبَّاسٍ -فيما أَحسِبُ-.
ثم ساقَ حَديثَ القصَّةِ المذكورَةِ.
° وقالَ البزَّارُ: "لا يُرْوَى مُتَّصِلاً إلَّا بهذا الإسنادِ، تفرَّدَ بوصْلِهِ أُمَيَّةُ ابنُ خالدٍ، وهو ثقةٌ مشهورٌ".
° وقالَ -أَعني البَزَّارَ-: "وإنَّما يُرْوَى مِن طريقِ الكَلْبِيِّ عن أَبي صالحٍ
стр. 1313
عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄".
والكَلْبيُّ متروكٌ.
فتحَصَّلَ مِمَّا ذَكَرْنا أَن قصَّةَ الغَرانيقِ التي لم تَثبُتْ مِن طريقٍ مُتَّصِلَةٍ يجوزُ ذِكْرُها إلَّا هذا الطَّريقَ الذي شَكَّ راويهِ -وهو أُمَيَّةُ بنُ خالِدٍ- في الوَصْلِ.
ومَا لَمْ يَثْبُتْ إلَّا مِن طريقٍ شَكَّ صاحِبُهُ في الوَصْلِ؛ فضَعْفُهُ ظاهِرٌ.
° ولذا قالَ الحافِظُ ابنُ كَثيرٍ في "تفسيرِهِ" في قِصَّةِ الغَرانِيقِ: "إنَّهُ لمْ يَرَها مُسْنَدَةً مِن وجْهٍ صحيحٍ، واللهُ تعالى أَعْلَمُ".
° وقالَ البيهَقِيُّ فيها: "إنَّها غيرُ ثابتةٍ مِن جهة النَّقْلِ".
وذَكَرَ الرَّازيُّ في "تفسيرِهِ" أَنَّها باطِلَةٌ.
° قالَ مُقيِّدُهُ -عفا الله عنه -: "إن القولَ بعَدَمِ صَحَّتِها لهُ شاهِدٌ مِن القرآنِ العظيمِ في سورةِ "النَّجْمِ"، وشَهادتُهُ لِعَدِمِ صِحَّتِها واضِحَةٌ: وهو أنَّ قولهُ تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠] الذي يقولُ القائِلُ بصحَّةِ القصَّةِ أنَّ الشَّيطانَ أَلقَى بعدَهُ ما أَلقى؛ قَرَأَ النبيُّ ﷺ بَعْدُ في تلكَ اللحْظَةِ في الكَلِماتِ التي تليهِ مِن سورةِ "النَّجْمِ" قولَهُ تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ الله بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣].
فهذا يَتَضَمَّنُ مُنْتَهَى ذَمِّ الغَرانِيقِ التي هِيَ كِناية عنِ الأصْنامِ، إذْ لا ذَمَّ أَعْظَمُ مِن جَعْلِها أَسماءً بِلا مُسَمَّياتٍ، وجَعْلِها باطِلاً ما أَنزَلَ اللهُ بهِ مِن سَلطانٍ!!.
стр. 1314
* فلَوْ فَرضْا أَنَّ الشَّيطانَ أَلقى على لِسانِهِ ﷺ : "تلكَ الغَرانيقُ العُلا"؛ بعدَ قولِهِ: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٢٠]، وفَرحَ المُشْرِكونَ بأَنَّهُ ذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بخَيْرٍ، ثمَّ قالَ النبيُّ في تلكَ اللحظَةِ: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣]، وذَمَّ الأصنامَ بذلك غايَةَ الذِّمِّ، وأَبْطَلَ شفاعَتَها غايةَ الإِبطالِ! فكَيْفَ يُعْقَلُ -بعدَ هذا- سجودُ المُشْرِكينَ، وسَبُّ أَصنامِهِم هو الأخيرُ، والعِبْرَةُ بالأخيرِ؟!.
° وُيسْتَأنَسُ بقولِهِ أَيضًا -بعدَ ذلكَ بقَليلٍ في المَلائكَة-: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]؛ لأنَّ إبطالَ شَفاعَةِ الملائِكةِ -إلَّا بإذنِ اللهِ- معلومٌ منهُ عندَ الكُفَّارِ بالأحْرَوَيَّةِ إبطالُ شفاعَةِ الأصنامِ المزعُومَةِ.
° وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ في "فتح الباري" في تفسيرِ سورةِ "الحَجِّ" ما يُفيدُ ثُبوتَ قِصَّةِ الغَرانِيقِ.
وذَكَرَ أَنَّها ثَبَتَتْ بثلاثَةِ أَسانيدَ؛ كُلُّها على شَرْطِ الصَّحِيِح، وهِيَ مَراسيلُ؛ يَحْتَجُّ بمِثلِها مَن يَحتَجُّ بالمُرْسَلِ، وكذلكَ مَن لا يَحْتجُّ بهِ؛ لاعتضادِ بعضِها ببَعْضٍ.
واحتَجَّ أيضًا بأَنَّ الطُّرُقَ إذا كَثُرَتْ وتَبايَنَتْ مَخارِجُها؛ دَلَّ ذلكَ على أَنَّ لها أَصلاً.
ثُمَّ قالَ: "وإذا تَقَرَّرَ ذلك؛ تَعَيَّنَ تأويلُ ما وَقَعَ في القِصَّةِ مِمَّا يُسْتَنْكَرُ، وهو قولُهُ: "أَلقى الشَّيطان على لِسانِهِ: تلكَ الغَرانِيقُ العُلَا، وإنَّ شفاعَتَهُنَّ لتُرْتَجى"، فإنَّ ذلك لا يجوزُ حَمْلُهُ على ظاهِرِهِ؛ لأنَّهُ يستَحيلُ عليهِ ﷺ أَنْ
فقولُهُ تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾؛ فِعْلٌ في سِياقِ النَّفْي، والفعلُ في سِياقِ النَّفْيِ مِن صِيَغِ العُمومِ؛ كالنَّكِرَةِ فِي سِياقِ النَّفْيِ عندَ المُحَقِّقينَ مِن عُلَماءِ الأصُولِ، ووجْهُهُ ظاهِرٌ؛ لأنَّكَ إذا حَلَّلْتَ الفِعْلَ انْحَلَّ إلى مَصْدَرٍ وزَمَنٍ؛ فهُو يدلُّ على نكرةٍ واقعةٍ في سِياقِ النَّفْي؛ لأنَّ نَفْيَ الفِعْلِ نفيٌ للمَصْدَرِ، الذي هُو جُزْءٌ مِن مَدْلولِهِ، فإذا قُلْنا: "لا يَقومُ زيدٌ"، عَمَّ النَّفْيُ أَفرادَ المَصْدَرِ، فكأَنَّما قلْنا: "لا قِيامَ لِزَيْدٍ".
° وقالَ أَبو حِنيفَةَ: "لا تَعْميمَ في الفِعْلِ بعدَ النَّفْيِ وَضْعًا، بل فيهِ تعميمٌ عقلِيٌّ؛ بدِلَالَةِ الالتزامِ".
وما قَصَرَ بهِ الرازِيُّ في "محصولِهِ" مذْهَبَ أَبي حَنيفةَ في عَدَم عُمومِ الفعْلِ في سِياقِ النفيِ لا يصحُّ التمسُّكُ بهِ، فانْظُرْ تحقيقَهُ في "حاشيةِ العَبَّادِي على شَرْحِ المَحَلِّي لجمعِ الجَوامعِ"؛ يظهَرْ لكَ ما ذَكَرْنا.
فبهذا تَعْلَمُ أَنَّ قولَهُ تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾ يَعُمُّ نَفْيَ كُلِّ باطلٍ يأْتي القُرآنَ.
وقد أَكَّدَ هذا العُمومَ بقولِهِ: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾، فلوْ قَدَّرْنا أنَّ الشَّيطانَ أَدَخلَ في القُرآنِ عَلى لِسانِ النبيِّ ﷺ : "تلكَ الغَرانِيقُ العُلَا" -وحاشاه مِن ذلكَ-؛ لكانَ قدْ أَتى القُرآنَ أَعْظَمُ باطِلٍ مِن بينِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ؛ فيكونُ تَصْريحًا بتكذيبِ اللهِ جَلَّ وعَلا في قولِهِ: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾.
ولا حُجَّةَ في أَنَّ الله جَلَّ وعَلا نَسَخَ ما أَلقاهُ الشَّيطانُ في القرْآنِ على لِسانِ النبيِّ ﷺ ؛ كما قالَ: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [الحج: ٥٢]؛
стр. 1320
لأنَّ الباطِلَ إنْ أَتى القرآنَ أَوَّلاً ثُمَّ نُسخَ، فنَسْخُهُ بعدَ إتيانِه لا يَرْفَعُ اسمَ الإِتيان أَوَّلاً، وقولُهُ تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾ نصٌّ صَريحٌ في نَفْي إتيانِ الباطِلِ؛ كَما قَدَّمْنا.
* وقالَ تَعَالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
فهذه نصُوصٌ قرآنيَّةٌ قاطِعَةٌ تدلُّ على أَنَّ الشَّيطانَ لا سَبيلَ لهُ إلى أَنْ يَحْملَ النبيَّ ﷺ على أَنْ يُدْخِلَ في القُرْآنِ العَظيم ما ليسَ منهُ مِن الكُفْرِ الصُّرَاح والشِّرْكِ الأكْبَرِ.
ولم يَبْقَ في الآيةِ الكريمَةِ المسؤولِ عنها إشكالٌ" اهـ.
° وقال الأستاذ سيد قطب (١): "واللهُ الذي يَحْفَظُ دعوَتَهُ مِن تكذيبِ المُكَذِّبينَ، وتعطيلِ المُعوِّقينَ، ومُعاجَزَةِ المُعاجِزينَ؛ يحفَظُها كذلكَ مِن كَيْدِ الشَّيطانِ، ومِن مُحاوَلَتِه أَنْ يَنْفُذَ إليها مِن خِلالِ أمْنِيَّاتِ الرُّسُلِ النابعةِ مِن طبيعَتِهِمُ البشريَّةِ، وهُم مَعْصومونَ مِن الشَّيطانِ، ولكنَّهُم بشَرٌ، تمتَدُّ نفوسُهُم إلى أَمانيَّ تتعلَّقُ بسرعَةِ نشْرِ دعوتِهِم، وانتِصارِها، وإزالَةِ العَقَباتِ مِن طريقِها، فَيُحاوِلُ الشَّيطانُ أَنْ يَنْفُذَ مِن خلالِ أَمانِيِّهِم هذه، فَيُحَوِّلُ الدعوةَ عنْ أُصولِها وعن مَوازينِها .. فيُبْطِلُ اللهُ كيدَ الشَّيطانِ، ويَصونُ دعوتَهُ، وُيبَيِّنُ للرُّسُل أُصولَها وموازينَها، فيُحْكِمُ آياتِه، ويُزيلُ كُلَّ شُبْهَةٍ في قِيَمِ الدَّعْوةِ ووسائِلِها: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ الله مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ الله آيَاتِهِ وَاللَّهُ
стр. 1321
عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٢ - ٥٤].
لقد رُويَتْ في سَبَبِ نُزولِ هذه الآياتِ رواياتٌ كَثيرةٌ ذَكَرَها كثيرٌ مِن المُفَسِّرينَ.
° قالَ ابنُ كَثيرٍ في "تفسيرِهِ": "ولكنَّها مِن طُرُقٍ كُلُّها مُرْسَلَةٌ، ولم أَرَها مُسنَدَةً مِن وجْهٍ صَحيحٍ، والله أَعلمُ".
° ثمَّ قالَ بعدَ أَنْ سَاقَ شَيئًا مِن الرِّواياتِ بأَلفاظِها: "هذه خُلاصَةُ تلكَ الرِّواياتِ في هذا الحَديثِ الذي عُرِفَ بحديثِ الغَرانيقِ .. وهُو مِن ناحِيَةِ السَّنَدِ واهي الأصْل".
° قالَ عُلَماءُ الحَديثِ: "إنَّهُ لم يُخْرِجْهُ أَحدٌ مِن أَهلِ الصحَّةِ، ولا رواهُ بسندٍ سَليمٍ مُتَّصلٍ ثقةٌ".
° وقالَ أَبو بكرٍ البزَّارُ: "هذا الحَديثُ لا نعلَمُهُ يُرْوى عَنِ النبيِّ ﷺ بإسنادٍ مُتَّصلٍ يجوزُ ذِكْرُهُ".
وهُو مِن ناحيةِ موضوعِهِ يُصادِمُ أَصلاً مِن أُصولِ العقيدَةِ، وهُو عِصْمَةُ النبيِّ ﷺ مِن أَنْ يَدُسَّ عليهِ الشَّيطانُ شيئًا في تَبليغِ رِسالَتِهِ.
وقد أُولعَ المُسْتَشْرِقونَ والطَّاعِنونَ في هذا الدِّينِ بذلك الحَديثِ، وأَذاعوا بهِ، وأَثاروا حَوْلَهُ عَجاجَةً مِن القولِ، والأمرُ في هذا كُلِّهِ لا يَثبُثُ للمُناقَشَةِ، بل لا يَصِحُّ أَنْ يكونَ موضوعًا للمُنَاقَشَةِ.
стр. 1322
وهُناكَ مِن النَّصِّ ذاتِهِ ما يُستَبْعَدُ معهُ أَنْ يكونَ سَبَبُ نزولِ الآيةِ شيئًا كهذا، وأَنْ يكونَ مدلولُهُ حادثًا مُفْرَدًا وقعَ للرَّسولِ ﷺ .
فالنَّصُّ يُقَرِّرُ أَنَّ هذه قاعِدةٌ عامَّةٌ في الرِّسالاتِ كُلِّها، مع الرُّسُلِ كلِّهم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ الله مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ الله آيَاتِهِ … ﴾.
فلا بُدَّ أَنْ يكونَ المقصودُ أَمرًا عامًّا، يستَنِدُ إلى صِفَةٍ في الفِطْرَةِ مشتَرَكَةٍ بين الرُّسُلِ جَميعًا بوصْفِهِم مِن البَشَرِ، مِمَّا لا يُخالِفُ العِصْمَةَ المقرَّرَةَ للرُّسُل".
* صدق الله العظيم إذ يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
وكَذَب سلمان رشدي الدجَّالُ المرتدُّ الجَهول، وصلى الله وسلم على سيِّد البشر وأفضلِ رسول .. ما ضَرَّه ما قال عنه الغبيُّ القِزمُ الجهول:
ما يَضُرُّ البحرَ أمسى زاخرًا … أنْ رَمَى فيه غلامٌ بحَجَرْ
* * *
стр. 1323
قد بَدَتِ البغضاء من أفواههم وما تُخفي صدورهم أكبر
стр. 1324
صليبيُّون حتى النُّخاع
* قال تَعَالي: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]؟!، وقالَ سبحانه: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧]؟!.
* قال الله : ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨].
* وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] ".
قلوبٌ سَوداءُ لا تَحملُ لرسولِ الإسلام ﷺ إلاَّ كل حِقدٍ وتحقير واستهزاءٍ ومكرٍ وكَيدٍ لئيمٍ وتبجُّحٍ فج، وإثارةِ الشبهاتِ حَولَ دعوتِه ورسالتِه، وخَلْقِ أجواءِ الرِّيبةِ والاتهامات، يَجمعُهم الحِقدُ الشديدُ على الإسلام ونبيِّه ﷺ ، هم رُوَّادُ حَركةِ التغريب، وكِبارُ مخططيها، وأبرز دعاتِها، الذين حَمَلوا لواءَ العَمَل في ميادينِ التبشيرِ والاستشراقِ والكتاباتِ السوداءِ عن الإسلام ورسولِه ﷺ ، كأرنست رينان، وفولتير، وصمويل زويمر، وجبرائيل هانوتو، ومرجليوث، والقَسِّ لويس شيخو.
ورابطةُ العِقد بينهم التطاولُ على نبيِّ الإسلام ﷺ ، وإنكارُ نبوَّتِه، والطعنُ في رسالتِه ..
وما ضَرَّ الورُودَ وما عليها … إذا المزكومُ لم يَطعَمْ شذاها
أوْ:
ما يَضُر البَحْرَ أمسَى زاخرًا … أنْ رَمَى فيه غلامٌ بحَجَرْ
стр. 1325
° وها هم حَمَلَةُ السموم والحِقدِ الواضح -لا الدفين- الذي تَطفحُ به مواقفُهم -لا كتاباتُهم-، أكاذيبُ وافتراءات وعِداءٌ ذو جذورٍ عميقة، يُوضحُها الجنرالُ الإنجليزي "جلوب باشا" -اللفتنانت جنرال جون باجوت (١٨٩٧ - ١٩٨٦) - والذي سَبَق وعمل قائدًا للجيش الأُردني حتى عام ١٩٥٦، قال:"إن تاريخ مشكلةِ الشرق الأوسط (أي مشكلة الغرب مع الشرق الإسلامي) إنما يعودُ إلى القرنِ السابع للميلاد"!! أي إلى ظهور الإسلام (١).
فنحن -إذن- أمامَ موقفٍ ثابتٍ وقديم .. ولسنا أمامَ مَقالٍ هنا أو رَسمٍ "كاريكاتوري" هناك.
* قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩].
* وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨].
لقد رُصدت الأكاذيبُ حولَ رسول الله ﷺ في مشروع بَحثيٍّ أُنجز في "ألمانيا" فبلغت ثمانيةَ مُجلدات، وتُصَوِّرُ رسولَ الله ﷺ كاردينالاً كاثوليكيًّا رَشَّح نفسه في انتخاباتِ البابوية، فلمَّا رَسَبَ أحدَث انشقاقًا هو الأكبرُ والأخطرُ في تاريخ النصرانية.
* يكفي قولُ الله : ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا
стр. 1326
تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨] وقوله: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠]، يكفي كلامُ مَلِكِ الملوك -وكلامُ الملوك ملوكُ الكلام- لمن يُوقِنُ بهذا الدين ويتَّخذُه منهجًا لحياته .. ولكن نُريدُ أن نكشفَ القِناعَ لعوامِّ المسلمين، حتى لا يأتيَ الدَّجَاجلةُ بزَيفِهم وأخطائِهم وادعاءاتِهم -وهم عَبيدُ الغربِ وأذنابُه وصِبيانه-، فيُزعزِعوا العوامَّ عن دينِهم، وحالُ هؤلاءِ الصبيان يصوِّرُه الشاعر فيقول:
يُرمرِمُ مِن فُتَاتِ الكفرِ قُوتًا … ويَشرَبُ من كؤوسِهِمُ الثُّمالَةْ
يُقبِّلُ راحةَ الإفرنج دومًا … ويَلثُمُ دونما خَجَل نِعالهْ
وقد جَمع الدكتور عبد الرحمن بدوي في كاتبه "دفاع عن محمد ﷺ ضد المنتقصِين مِن قدْره" أقوالَ المتَّهِمين من مصادرها الأصلية، وتتبَّعها واستقصاها على ما في ذلك من مَشقةٍ بالغةٍ، وقد حَرِصَ في حصادِه الطويل والمرِّ من كتابات الغربيين على بيانِ أقوالِ أسماءٍ كثيرةٍ جدًّا مِن مثل: المؤرخ البيزنطي ثيوفان ت ٨١٨ م، وأنستاس ٨٨٦ م، وقسطنطين بورفيرو جنتيا ٩٥٩ م، سدرينو ١٠٥٧ م، وجيوبرت ١١٢٤ م، وكلوني ١١٥٦ م، وفانسبان دي بوفيه ١٢٦٤ م، وبيير باسكاسيو ١٣٠٠ م، وتاسو توسكا ١٤٨٨ م، ونيقولاي كوزا ١٤٦٤ م، وبركنهام ١٥١٥ م، وبيلياندر ١٥٦٤ م، وأزد بالنجر ١٥٧٥ وغيرهم.
* * *
стр. 1327
أسطورة محمد ﷺ في أوروبا عَشَرةُ قرون من الأكاذيب والمؤامرات (١)
° إذا حاوَلْنا استطلاع تاريخ الأوربيِّيَن خلالَ قرونٍ طويلةٍ عن نبيِّ الإسلام ﷺ ، سيصيبنا الفَزَع من جَهْلِهم وسُوءِ نيَّتِهم الواضح الجَلِيّ.
ومِن بينهم فلاسفةٌ وعلماء ورجالُ دين ومؤرِّخون.
° ومنذ القرونِ التي شَهِدتِ انطلاقةَ الفكرِ الأوروبِّيِّ -أعني القرنَ الثالثَ عَشَر، والقرنَ السابعَ عَشَر-، لم يُحاول أن يبدأ أحدُ هولاءِ المفكِّرين دراسةً موضوعيةً وعادلةً للإسلام ورسولِه ﷺ .
أعني: "ألبرت جراند"، و"توماس داكين"، و"وبوبافنتير"، أو "روجيه باكون" -في القرن الثالث عشر-، أو "ديكارت"، و"باسكال" و"سبينوزا"، و"مالبرانش" -في القرن السابع عَشَرَ-.
في العصور الوسطي -في النِّصف الأولِ منها- كانوا يتصوَّرون أن محمدًا -وكانوا يُسمُّونه "ماهوميه"- إلهًا يعبُده المسلمون، ويُقدِّمون إليه قرابينَ من البشر بسببِ ضلالِهم وغَيِّهم (٢).
° وفي القرن الثانيَ عَشَر بدأ الأُوربيُّون في اعتبارِ محمدٍ ﷺ نبِيًّا مزَيفًا -أو مُدَّعِيًّا-، وحاوَلوا فقط إظهارَ وإثباتَ خِداعِه!!.
° كان الإمبراطور "شارلمان" يعتقد أن التمثالَ الذي يمَثِّل محمدًا في
стр. 1328
مدينة "كاديكس" من الخطر هدمُه؛ لأنَّ مجموعةً من الشياطين تَسكنه!!!.
° ثم وَضَعه "دانتي" في مكانٍ مرموقٍ من الجحيم!!.
° وحينما كَتب "أوركانيا" اختارَ ثلاثَ شخصيَّاتٍ يستحقُّون النارَ، وهم: محمد ﷺ ، وابن رشد، والمسيحُ الدجَّال!!.
° في العصور الوسطي أيضًا تمَّ وصفُ محمدٍ بأنه "ساحر"، وبأنه "شخصٌ منحل"، وأنه "لِصُّ نُوق -جِمال- "!!!، وأنه "رجل من رجالِ الكنيسةِ لم يَنجحْ في الوصولِ إلى البابَوِيَّةِ"، فاخترع دِينًا جديدًا لِيقتص من أقرانِه رجالِ الدين المسيحيِّ!!.
° أمَّا عن سِيرته ﷺ ، فقد حَوَتْ كلَّ الجرائم التي يُمكن -والتي لا يُمكن- تخيُّلُها، حتى أصبحت مِثلَ حكاياتِ المغامرات!.
أما عن القرنِ السادسَ والسابعَ عَشَر، فكما ورد في كتاب "إرنست رينان" فلم يكن أكثرَ عَدْلاً في الحكم على محمدٍ ﷺ ، فلم يَهتمَّ "بيبلياندر وهوتينجر وماراسي" بالقرآن إلاَّ ليرفضوه جُملةً وتفصيلا (١).
(١) ثم حاول المفكِّر الإيطالي "ألكسندر دانكونا" أن يَخُطَّ سُطورًا في كتابه "هذا التاريخ" في دراسته بعنوان "أسطورة محمد في الغرب" والتي ظهرت عام ١٨٨٩ م.
بدأ دراستَه بما قاله المؤرِّخ البيزنطيُّ "تيوفان" (- ٨١٧٥١٨)، والذي رَوَى أن موتَ محمدٍ ﷺ كان بسببِ ثمانيةٍ من اليهودِ عندما رَأَوْا فيه امتدادًا
стр. 1329
لرسالةِ السيد المسيح، في البدايةِ التفُّوا حوله، ثم انقَلَبوا عليه عندما وجدوه يأكلُ لَحْمَ الإبل -لأنَه مَحرَّمٌ في الديانة اليهودية-!!!.
ثم يَستمر في عَرضِ حياةِ محمدٍ ﷺ قائلاً: "إنه ذَهَب إلى فِلسطينَ، وتَحدَّث مع اليهودِ والنصارى هناك، ثُمَّ تعلَّم منهم مُحتوى ومضمونَ الكُتبِ السابقة -التوراة والإنجيل-" (١).
(٢) ثم أخذت الأسطورةُ مَنْحًى آخَرَ مع رجل من رجالِ الكنيسة يُسَمي "جيلبار دي نوجان" (١٠٥٢ - ١١٢٤)، وحَسْبَ روايتِه، فإنه بعد وفاةِ بَطرِيَرْك الإسكندرية، حاول راهب أن يَخلُفَه، لكنه أخفَقَ في ذلك، فقرر أن ينتقم، عند ذلك أوحَى إلى شاب بعضَ الأفكارِ والمعتقداتِ الغريبة، ودَفَعَه لأن يُعلِنَ ويدعي أنه المسيح، ووَعَده بأن يُزوجه أرملةً ثَرِيَّةً تُدعَي"خديجة"، والتي وَعَدها الراهبُ أن يزوجها نبيًّا.
° بدأ "ماتومُس" -كما سمَّاه الراهبُ- يَنشُرُ خَبَرَ نبوَّتِه، فاجتَمَع الناسُ، وأعلَن لهم أن اللهَ سيُنزِلُ قانونًا جديدًا بشكل خُرافي ورائع.
° وأتَى "ماتومس" ببقرةٍ، ثم وَضَع بين قَرْنيْها كتابًا صغيرًا، وفي ذات يومٍ خَرجت البقرةُ أمامَ حُشودِ وجموع الناسِ من مَخبئِها، وعندما قرؤوا الكتابَ وَجَدوا فيه كل الانحلالِ الأخلاقي والفسادِ مسجَّلاً بالكتاب.
وقد أَعجب هذا الكتابُ -الذي أحَل كل الرغباتِ البشريةِ- الناسَ، ممّا أساء إلى الديانةِ المسيحيَّة؛ لأن هذا المذهبَ انتَشَر في إفريقيا، وفي مصر،
стр. 1330
وفي إثيوبيا، وحتى في أسبانيا (١).
° قال الدكتور عبد الرحمن بدوي مُعَقِّبًا: كما نرى، هذه الأسطورةُ ارتَكزت على حَدَثَيْن:
الأول: الراهب "بحيرَى" -المذكور في "سيرة ابن هشام"-.
والثاني: السورة الثانية في القرآن- "سورة البقرة"-.
على هذيْن الحَدَثَيْنِ ارتكز الخيالُ المريضُ للكُتَّابِ المسيحيين في العُصورِ الوسطي في أوروبا، فألَّفوا هذه الأسطورةَ المجنونةَ والمبالَغَ فيها.
مِن كُل ما سبق يتَّضحُ لنا أن العصورَ الوسطي كانت تَعتبرُ الإسلامَ مجردَ هَرْطَقةٍ أو تحريفِ للديانةِ المسيحية .. أمَّا محمد، فقد جاءِ ليُحدِثَ زلزالاً بداخل المسيحيَّة.
(٣) ومن هؤلاء الذين حاولوا إثباتَ هذا الافتراض "بييركلوني" المتوفَّي عام ١١٥٦ م .. اختَلَق نَصًّا جاء فيه ذِكرُ نفسِ الراهب، والذي سَمَّاه "سيرجيوس"، والذي كان من أتباع صاحبِ "الهَرْطقة" الذي يُدْعَي "نستوريوس"، وعندما تمَّ طردُه من الكنيسة، جاء إلى الجزيرةِ العربية، وكان "سيرجيوس" قد علَّم محمدًا كل ما كان يَنقصُه -العهدَ القديم والعهدَ الجديد- لكن وفقًا لنظرية "نستوريوس" الذي يُنكِر أن المسيحَ إله (٢).
(٤) "جاك ديفيتري" (المتوفَّى عام ١٢٤٤ م)، سَلَك نفسَ الطريقِ
стр. 1331
مستخدمًا "بحيري الراهب" الذي نَسَجَ قصتَه مُدَّعيًا أن الشيطانَ أمدَّ محمدًا بالموالي والأعوانِ من بينهم، سَمَّى أحدَ الرُّهبانِ المرتدين الملحِدِين يُدْعَي "سوسيو"، وهذا الراهبُ أُدِينَ مِن قِبَل بابا روما، واعتبره مرتدًّا، وكان منبوذًا في قومه، فلَجَأَ إلى الجزيرةِ العربية، وأراد أن ينتقمَ لنفسه، فاتَّفق مع رجلٍ يهودي، والاثنانِ حثَّا محمدًا على أن يَدَّعيَ النبوَّة، وقد أخذ محمدٌ من التوراةِ والإنجيل شريعتَه الجديدةَ مضيفًا لها ما وَسْوَسَ إليه الشيطانُ (١).
(٥) "مارتان بولونكو" (المتوفَّي في ١٢٧٤)، وَصَف محمدًا ﷺ "بالمجوسيِّ مُدَّعي النبوة"، وبأنه "زعيم اللصوص" قُطع الطريق، ومحمدٌ بالنسبة له تعلَّم على يدِ راهبٍ يُدْعَي "سيرجيوس"، وشريعتُه أُمْلِيت عليه من قِبَل الشيطان، وبمساعدةِ هذا الراهب المُلحِدِ "سيرجيوس"، وأن شريعتَه التي أرساها محمدٌ تمَّ الدفاعُ عنها وفَرْضُها بحدَّ السيف، وتأسست على سَفْكِ الدماء (٢).
(٦) ثم كتب "فانسون دي بوفيه" (٣) الكاتبُ الشهير للموسوعة "المرايا" -وهي من أربعة أجزاء: الموسوعة الدينية، الموسوعة الطبيعية، والموسوعة التاريخية، والأخيرةُ هي تاريخُ العالَم منذ الخَلْقِ وحتى عام (١٢٤٤) التي امتدَّت أيضًا بواسطة "فانسون" نفسِه حتى عام (١٢٥٣)، وامتدَّت أبعدَ من ذلك بواسطةِ مَن جاء بعدَه.
ومِن المعلوم أن "فانسون" كان راهبًا وواعظًا، وهو أحدُ الدومينيك في
стр. 1332
"دير بوفيه"، وأنشأ علاقاتٍ وطيدةً مع القِدِّيس "لويس التاسع" الذي قاد الحَمْلةَ الصليبيةَ السادسةَ في (١٢٤٩ - ١٢٥٠)، ولقد حَظِي بثِقةِ المَلِك، وكان قارئه وأمينَ مكتبته ومُعلِّمَ أولادِه، وهذا كلُّه يُفسِّرُ اهتمامَه بالإسلام الذي أطال الحديثَ عنه في موسوعته "المرآة التاريخية"، وأفرَدَ له صفحاتٍ طويلة (الثالثة والعشرون من الفصل ٣٩ - ٦١).
° وفي حديثهِ عن الإسلام اقتَبَس من ثلاثةِ مصادر:
المصدر الأول: لاكروناكا "كرونيكا"، لإيجور فلور ياسنيس الذي أخذ منه ذِكْرَ نَوباتِ الصَّرَع المزعومة التي تعرَّض لها النبي ﷺ بزعمهم.
المصدر الثاني: "ليبيلوس إن باركيبس تراتسمارين دوماشومتي فالاس"، وهو كُتيِّب عن "فِكر محمد فيما وراء البحار".
المصدر الثالث: "ديسبو تاتيو كوجو سدام ساراسيني، كويسدام كربستياني".
من المصدر الأول، استَوحى قصَّةَ السِّحرِ عند محمدٍ، وحالاتِ الصَّرَع المتتابعةِ عنده.
ومن المصدر الثاني استَوحى مُلخصًا عن البقرة، وعن بَركةِ إناءِ اللبنِ والعسل، وعلى اليمامةِ (الحمامة) المُدَرَّبة على النَّقْرِ في أُذُنِ محمدٍ ما اعتقد هو أنه "الروح القدس"!!!.
ويبدو أنَّ هذه القصةَ ظَهرت في أسطورة محمدٍ لأولِ مرةٍ في العالَم الغربيِّ كما يقول "دانكونا" في كتابه (OP.Cit صفحة ٢٣٥).
° ومن المصدر الثالث أخذ قصةَ الراهبِ "سرجيوس" الآثم في
стр. 1333
صومعته وطَرْدِه ولجوئِه إلى منطقة "تَيماء" في الجزيرة العربية حيث كان يعيشُ شبعانَ: الأول كان يعبدُ الاصنام، والآخرُ كان يهوديًّا، وهناك وَجد "سرجيوس" محمدًا الذي يَعشَقُ عبادةَ الأصنام، وكان مُعجبًا بالرهبان المطرودِين، ويرى التوفيقَ بينهم، لقد أقنع "سرجيوس" محمدًا بالتَخلِّي عن عبادةِ الأصنام وأن يُصبحَ نصرانيًّا نسطوريًّا.
لقد نَجَحَ إذن في إقناع محمدٍ الذي صار تلميذَه، ولهذا أَخَذ اسمَ ولَقَبَ "نسطورس".
لقد تعلَّم محمدٌ من "نسطورس" تعاليمَ العهدِ القديم والعهدِ الجديد، ورَكَّب منهما القرآن، وأدخَلَ عليهما قَصَصًا وأساطيرَ وأكاذيبَ أُخرى، ولكن اليهودَ رَأَوا أن محمدًا يمكنُه الوصولُ إلى "الحقيقة" النصرانية "المسيحية الحقة"، فاندسُّوا عنده كأتباعٍ له، وادَّعَوا طَلَبَ المعرفةِ عن الدين الجديد، وحاولوا تغذيةَ الإسلام بالطُقوسِ اليهودية، فأضافوا إلى القرآنِ بعضَ التغيُّرات، وعَدَّلوا أخرى، وحَذَفوا أجزاءَ ثالثةً ومقاطعَ كاملةً.
ويُعتبر "فانسان دي بوفيه" أكبرَ كاتبٍ نصراني، بل قمَّةَ المؤلِّفين والكُتَابِ المسيحيّين الذين لم يَرجِعوا قط إلى المصادِرِ العربيَّة، ولم يَقتبِسوا منها.
(٧) وأول مَن حاوَلَ استخدامَ المصادر العربية هو "جيوم دي تريبولي" (الطرابلسي) (١)، وهو أيضًا كان راهبًا من المجموعة المُسمَاه "الفرير" (الدومنيك)، وفي عام ١٢١٧ م استقر به المُقامُ في دَير بالقرب من طرابلس،
стр. 1334
وكَتب كتابًا عن رِحِلاتِه في سوريا الذي قدَمه إلى "تيدالد" عام ١٢٧٣ في قصَته عن حياةِ محمدٍ، رَكَّز على دَور"بحيرى" الراهبِ الذي كان يعيشُ في صَومعتِه الواقعةِ على الطريق الذي يؤدي إلى عَرَب مكةَ ناحيةَ "جبل سيناء"، وذاتَ يومٍ مر رجل من عند "بحيرى"، ومن خلاله عَلِمَ أن الكنيسةَ مصيبة عظيمة، أتى هذا اليومُ، وعرَفَ "بحيرى" بواسطةِ التجلي الروحي الذي تمَ إخبارُه به مُسبقًا، وكان الأمرُ يتعلَّقُ بالطفل اليتيم السَقيم الفقيرِ راعي النوقِ "الجِمال".
° يقول "جويوم الطرابلسي": "إن المسلمين يَحْكُون أن البابَ الصغيرَ للصومعة كان مفتوحًا، ودَخَل منه هذا الطفلُ، وفي لحظةِ دخولِه ارتَفَع ودَخَل حتى أخذ قَوساً ملكيًّا، وقد استَقبل بحيرى الطفلَ بكل تِرحاب، وأعطاه طعامًا ولباسًا، واعتَبَره كابن له بالتبني، وعَلَّمه احتقارَ عِبادةِ الأصنام، وأن يَتضرع بإخلاص، ويَعبُدَ بكل قلبِه الرب "يسوع"!!.
وبعد بُرهةٍ من الزمان غادَرَ الطفلُ الصومعةَ؛ لأنَّه كان في خِدمةِ تاجر غنيّ، ولكنه وَعَده بالرجوع.
لقد مارس الطفلُ التجارةَ بنجاح، وعاد عِدَّةَ مراتٍ إلى بحيرى الراهب، وفي أثناءِ ذلك مات سيدُه، فتزوج بأرملتِه، واستمر في زيارةِ هذا الراهبِ، فتضايَقَ عَشَرةٌ من أصحابه، وفكَّروا في قَتل "بحيرى"، ولكنهم خافوا من غَضَبِ محمدٍ، وذاتَ ليلةٍ مَلُّوا من طُولِ النقاش وأحاديثِ "بحيرى" مِع محمد، وقَتلوا "بحيرى" بسيفِ محمدٍ نفسِه، واعتَذروا له بأنهم قد شرِبوا كثيرًا، وهذا هو السببُ الذي قادهم إلى أن يَضَعوا السيفَ
стр. 1335
في بطنِ بحيرى، وصَدَّق محمد هذا الاعتذارَ الآثم، وسَبَّ الخَمْرَ، ومَنَعَ شُربَ الخمرِ بين أصحابه.
° وبعد موتِ الراهبِ بحيرى، انطلق أتباعُ محمدٍ يَسرقون البلاد، ويقتلون الرجالَ واستمروا في ذلك حتى وفاةِ محمدٍ.
لقد عَرَض "جويوم" الدينَ الإسلاميَ بالتفصيل حَسْبَ إدراكِه الوعي، وخَتَمَ مؤكِّدًا أن المسلمينَ لا يزالون بعيدًا عن رُوح الديانةِ المسيحيةِ الحقَّة.
إذن قصة "جويوم" الطرابلسي كانت أقربَ للحقيقةِ التاريخيةِ عنها من سابقِيهِ الأوربيِّين.
(٨) والكاتبُ الثاني الذي اقتَبَس من المصادرِ العربية مباشرةً هو "بيير باسكاسيو" (١٢٢٨ - ١٣٠٠)، الذي أتى من "غرناطة" بأسبانيا ثم من "جُون" -وكان راهبًا-، وكَتَب معالجاتٍ طويلةً عن مِلَّةِ المحمديِّين .. لقد هجَمَ بنفسِه على بحيرى الذي وَصَفه بالهَرْطقة، وأنه الراهبُ الضال، ومِن خِلاله حكي القصةَ بأسلوبٍ باطل، وهنا قال: إنَّ بحيرى كان راهبًا عالمًا ينغمسُ في الفنونِ التحرريَّة، طَموحًا للشرف، وطامعًا في مجدٍ متوهَّم.
لقد أتى إلى روما، لكنه لم يَحصُلْ على شيءٍ مما كان يَطمعُ فيه، فأصابه الغَضَبُ، وامتلأ كراهيةً ضدَّ البلاط الروماني، وأراد أن يَنتقم لنفسهِ واضعًا الشِّقاقَ بين النصارى، وعندما قَرأ في العهدِ القديم أن المُنحدِرِينَ مِن نسل "هاجر" أم إسماعيلَ ولدِ إبراهيم ليس لهم أيُّ قيمةٍ، ونزوانيُّون وجَشِعون طلاَّبٌ للسلطة المادية، فرَحَل إلى الجزيرة العربية حيث يوجدُ نَسل"هاجر" ولقد وَجَد في الجزيرة العربية شعبًا قد اهتدى حديثًا